وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٩] (١٤٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا، عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ) اليَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو المُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦]، (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت على رأس المائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٤ - (أبو هريرة) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان ما أخرج له البخاريّ إلا في "الأدب المفرد"، كما أسلفته قريبًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فمكيّان، والصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ.
[ ٤ / ١٣٩ ]
٤ - (ومنها): أن أبا حازم ممن أكثر الرواية عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد لازمه خمس سنين.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا) قال النوويّ ﵀: كذا ضبطناه "بدأ" بالهمز، من الابتداء. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: كذا روايته بهمز بدأ، وفيه نظرٌ، وذلك أن بدأ مهموزًا متعدّ إلى مفعول، كقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، قال صاحب "الأفعال": يقال: بدأ الله الخلق بدءًا، وأبدأهم: خَلَقهم، و"بدأ" في الحديث، لا يقتضي مفعولًا، فظهر الإشكال، ويرتفعُ الإشكال بان يُحمَل "بدأ" الذي في الحديث على طرأ، فيكون لازمًا، كما قد اتّفق للعرب في كثير من الأفعال، يتعدّى حملًا على صيغة، ولا يتعدّى حملًا على أخرى، كما قالوا: رجع زيد، ورجعته، وفَغَرَ فاه، وفَغَرَ فُوهُ، وهو كثير، وقد سمعتُ من بعض أشياخي إنكار الهمزة، وزعم أنه "بدا" بمعنى ظهر، غير مهموز، وهذا فيه بُعْدٌ من جهة الرواية والمعنى، فأما الرواية بالهمزة، فصحيحةُ النقل عمن يُعتمد على علمه وضبطه، وأما المعنى فبعيدٌ عن مقصود الحديث، فإن مقصوده أن الإسلام نشأ في أول أمره في آحاد من الناس وقِلّةٍ، ثم انتشر وظهر، فأخبر - ﷺ - أنه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلّةٍ كابتدائه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب أن "بدأ" لازمًا مستعمل فصيحٌ، منقول عن أهل اللغة، قال الفيّوميّ ﵀: "بدأ الشيءُ": حَدَثَ، وابتدأته: أحدثته، وقال قبل ذلك: وبدأ الله الخلقَ، وابتدأهم بالألف: خلقهم. انتهى (^٣).
وأصل الغربة: البُعْدُ، كما قال [من الطويل]:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٦.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٦٢.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٤٠.
[ ٤ / ١٤٠ ]
فَلَا تَحْرِمِينِي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ … فَإِنِّي امرُؤٌ وَسْطَ الْعُبَابِ غَرِيبُ
ويَحتَمِلُ أن يُراد بالحديث المهاجرين؛ إذ هم الذين تغرّبوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه أن آخر الزمان تشتدّ فيه المحنُ على المسلمين، فيَفِرّون بأديانهم، ويغتربون عن أوطانهم، كما فَعَل المهاجرون، وقد ورد في الحديث: قيل: يا رسول الله مَنِ الغُرباء؟ قال: "هم النزّاع من القبائل" (^١)؛ إشارة إلى هذا المعنى - والله أعلم - ولذلك قال الهرويّ: أراد بذلك المهاجرين، والنُّزّاع، وهو جمع نَزِيع، أو نازع، وهو الذي نَزَعَ عن أهله وعشيرته، وبَعُدَ عن ذلك. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٢).
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله - ﷺ -: "بدأ الإسلام غريبًا إلخ" روى ابن أبي أويس عن مالك أن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريبًا، ويعود إليها.
وظاهر الحديث العمومُ، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلّة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى أيضًا إلا في آحاد وقلّة غريبًا كما بدأ.
وأصل الغربة البعد، وبه سمّي النفيُ تغريبًا لذلك، وورد تفسير الغريب في الحديث قال: "وهم النُّزّاع من القبائل". انتهى كلام القاضي ﵀ (^٣).
وقال التوربشتيّ ﵀: يريد أن الإسلام لَمّا بدأ في أول الوَهْلة نَهَضَ بإقامته، والذّبّ عنه أُناس قليلون من أشياع الرسول - ﷺ -، ونُزّاع القبائل، فشرّدوهم عن البلاد، ونَفَوهم عن عُقْر الديار، يُصبح أحدهم معتزلًا مهجورًا، ويَبيتُ مُنتبذًا وحدانًا كالغُرَباء، ثم يعود آخرًا إلى ما كان عليه، لا يكاد يوجد من القليلين إلا الأفراد.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" ١/ ٣٩٨، وابن ماجه في "سننه" (٣٩٨٨) بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"، قيل: ومَن الغرباء؟ قال: "النُّزّاع من القبائل".
(٢) "المفهم" ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٧٩ - ٥٨١.
[ ٤ / ١٤١ ]
وَيحْتَمِلُ أن تكون المماثلة بين الحالة الأولى، والحالة الأخيرة لقلّة من كانوا يتديّنون به في الأول، وقلّة من كانوا يعملون به في الآخر، فطوبى للغرباء المتمسّكين بحبله المتشبّثين بذيله. انتهى.
وقال الطيبي - ﵀ -: لا يخلو إما أن يُستعار الإسلام للمسلمين، فالغربة هي القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة، فالكلام فيه على التشبيه، والوحدة والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلّته، فعلى هذا قوله: "غريبًا" إما حالٌ، أي: بدأ الإسلام مشابهًا للغرباء، أو مفعولًا مطلقًا، أي: الإسلام ظهر ظهور الغرباء حين بدأ فريدًا وحيدًا، لا مأوى له، حتى تبوّأ دار الإسلام أعني طيبة، فطوبى له، وطاب عيشًا، ثم أتمّ الله نوره، فانبثّ في الآفاق، فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فيعود في آخر الأمر وحيدًا فريدًا شريدًا إلى طيبة، كما بدأ، فطوبى له، ولَهَفِي عليه (^١)، كما ورد: "إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِز الحيّة إلى جحرها"، متّفقٌ عليه، فعلى هذا "طوبى" ترشيح الاستعارة. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - (^٢).
(وَسَيَعُودُ) أي: الإسلام (كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا) الكاف صفة لمصدر محذوف، و"ما" اسم موصول، أو مصدريّة، والتقدير: وسيعود عودًا مثل بدئه الذي بدأ به من الغربة، أي: القلّة؛ لقلّة أهله في الناس.
(فَطُوبَى) "طُوبَى": فُعْلَى من الطِّيب، قاله الفرّاء، قال: وإنما جاءت الواو؛ لضمة الطاء، قال: وفيها لغتان: تقول العرب: طُوباك، وطوبى لك، وسيأتي اختلاف العلماء في معناه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(لِلْغُرَبَاءِ) أي: للذين يغتربون عن أوطانهم، وذويهم، وعشيرتهم فرَارًا بدينهم، وطلبًا لمرضاة ربّهم ﷾، وقد سبق أنه - ﷺ - فسّرهم بأنهم النُّزّاع من القبائل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) لَهِفَ كفَرِحَ: حَزِنَ وتحسّر. اهـ. "ق" ص ٧٦٩.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٢٦.
[ ٤ / ١٤٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٧٩] (١٤٥)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٠)، و(الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (١١/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): غُربة الإسلام بعد انتشاره واشتهاره، وقد سبق أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، فما هنا من الأول، فغربة الإسلام هو غربة الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في ذكره هنا، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه علمًا مش أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بما سيقع بعده، فوقع كما أخبر به، قال ﷾: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
فلقد أوذي الصحابة - ﵃ - بسبب إسلامهم، وقد كان الكفّار كما وصفهم ﷿ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، ولقد وقع المتمسّك بدينه في هذا العصر العصيب على حال الصحابة - ﵃ - في ذلك، فما أكثر من يسمّى بمحمد وأحمد، وينتسب إلى الإسلام، وليس من أهله، بل هو من أهل النفاق والشقاق، أو من ضعفاء الإيمان، ديدنهم دين المجرمين الأولين، يلمزون ويغمزون الملتزمين بالسنّة، ويرونهم متخلّفين، وجامدين، وأصبحت شعائر السنّة بينهم غريبة، فالسنيّ عندهم لئيم، والبدعيّ والخرافيّ بينهم كريم، وأصبح المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، فأيّ غربة أشدّ من هذه الغربة؟، وأيّ مصيبة يصاب بها أهل الإسلام أكثر من هذا؟، الخير فيهم مهجور، والسنّيّ بينهم مدحور، ولسان الحقّ عندهم كليل، والداعي إلى السنة ذليل، يختفي فيهم الموحّد، ويتطاول بينهم الملحد، فطوبى لمن تمسّك بالإسلام الحقّ في مثل هذا المجتمع، وهجر الخرافات والبدع.
[ ٤ / ١٤٣ ]
أخرج الإمام الترمذيّ - ﵀ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه، كالقابض على الجمر" (^١).
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، تباركت ربنا وتعاليت.
٣ - (ومنها): فضل من هجر أوطانه وعشيرته؛ لأجل الإسلام، فإن له الجنة، كما وعد الله تعالى في هذا الحديث، وفي قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى "طوبى":
(اعلم): أنه اختَلَف المفسرون في معنى "طُوبى" من قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩].
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵄ -: فَرَحٌ، وقُرّة عين، وقال عكرمة: نِعْمَ مالهم، وقال الضحاك: غِبْطَةٌ لهم، وقال إبراهيم النخعيّ: خيرٌ لهم، وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أَصَبْتَ خيرًا، وقال في رواية: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: حُسْنَى لهم، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾؛ أي: مَرْجِع.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: وهذه الأقوال شيءٌ واحدٌ، لا منافاة بينها.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مَسْجُوح (^٢): ﴿طُوبَى﴾ واسم الجنة بالهندية، وكذا
_________________
(١) صحيح أخرجه الترمذيّ برقم (٢١٨٦)، وصححه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -. انظر: "السلسلة الصحيحة" ٢/ ٦٤٥.
(٢) وقيل: ابن مشجوج، وقيل: ابن مسجوع، هكذا جاء مختلفًا في المخطوطة عند ابن جرير، أفاده الشيخ أحمد شاكر - ﵀ -، في نسخته ١٦/ ٤٣٦ رقم الحديث (٢٠٣٧٦) وأثبت ابن مشجوج، وقال: لم أجد له ذكرًا في كتب الرجال.
[ ٤ / ١٤٤ ]
رَوَى السُّدّيّ، عن عكرمة: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ هي الجنة، وبه قال مجاهد، وقال العَوْفيّ، عن ابن عباس: لَمّا خلق الله الجنة، وفَرَغ منها قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٩]، وذلك حين أعجبته (^١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حُميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب، قال: ﴿طُوبَى﴾ شجرة في الجنة، كلُّ شجر الجنة من أغصانها، من وراء سور الجنة (^٢).
وهكذا رُوي عن أبي هريرة، وابن عباس، ومُغيث بن سُمَيّ، وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غُصن منها.
وذَكَر بعضهم أن الرحمن ﵎ غَرَسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تَمْتَدّ، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل، وخمر، وماء، ولبن.
وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، أن دَرّاجًا أبا السمح، حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، مرفوعًا: "طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مئة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" (^٣).
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - أن رجلًا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك، وآمن بك، قال: "طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي، ولم يرني"، قال له رجل: وما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة، مسيرتها مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" (^٤).
_________________
(١) العوفيّ، ضعيف.
(٢) شيخ ابن جرير محمد بن حُميد الرازيّ: حافظ ضعيف.
(٣) سنده ضعيف؛ لضعف درّاج، ولا سيّما في أبي الهيثم، إلا أنه صحيح بشواهده، راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ٤/ ٦٣٩ رقم (١٩٨٥).
(٤) في سنده درّاج عن أبي الهيثم، وهو ضعيف كما سبق قبله، لكنه صحيح بشواهده، انظر: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٦ رقم (١٢٤١).
[ ٤ / ١٤٥ ]
وأخرج الشيخان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مئة عام، لا يقطعها"، قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المُضمِر السريع مائة عام ما يقطعها".
وفي "صحيح البخاريّ" عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] قال: "في الجنة شجرةٌ يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها".
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تَفَتّقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجُمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة ليس بينها تعارض، بل هي من تنوّع العبارات، واللفظ محتمل لكلّها، فحمله على جميعها هو الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٠] (١٤٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْن، كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا").
_________________
(١) في سنده شهر بن حوشب؛ مختلف فيه، والصحيح أنه حسن الحديث، راجع هذه الآثار في: "تفسير ابن جرير" ١٦/ ٤٣٦، و"تفسير ابن كثير" ٨/ ١٤١ - ١٤٨ طبعة مؤسسة قرطبة للطبع والنشر.
[ ٤ / ١٤٦ ]
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ) بن إبراهيم، أبو العبّاس البغداديّ، أصله من خُرَاسان، ثقةٌ (^١) [١١] (٢٥٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣.
٣ - (شَبَابَةُ بن سَوَّارٍ) (^٢) الفَزَاريّ مولاهم، أبو عمرو المدائنيّ، أصله من خُرَاسان، قيل: اسمه مَرْوان، حكاه ابن عديّ، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٢٥٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٤ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ) هو: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٥ - (أَبُوهُ) هو: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العَدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - المدنيّ (ت ٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ - وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة.
_________________
(١) قال في "التقريب": صدوقٌ، والظاهر أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان، ووثقه النسائيّ، وابن حبّان، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(٢) قوله: "شَبَابة بن سَوّار" بالشين المعجمة المفتوحة، وبالباء الموحدة المكررة، و"سَوّار" بتشديد الواو، وشبابة لقب، واسمه مروان، وقد تقدم بيان ذلك كله في "شرح المقدّمة" برقم ٦/ ٤٠.
[ ٤ / ١٤٧ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عاصم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي (وَهُوَ) أي: الإسلام، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة … " (يَارِزُ) بياء مثناة من تحتُ، بعدها همزة، ثم راء مكسورة، ثم زاي معجمة، هذا هو المشهور، وحكاه صاحب "المطالع" "مطالع الأنوار" عن أكثر الرُّواة، قال: وقال أبو الحسين بن سراج: لَيْأرُز بضم الراء، وحَكَى القابسيّ فتحَ الراء، ومعناه: يَنضمّ ويجتمع، هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب، وقيل في معناه غير هذا مما لا يظهر، قاله النوويّ (^١).
وقال أبو عبيد: معنى قوله: "ليأرز"؛ أي: ينضمّ، ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضمّ الحيّة إلى جحرها (^٢)، وقال ابن دُريد: أَرَزَ الشيءُ يَأْرِزُ: إذا ثبت في الأرض، وشجرة آرزٌ، وأَرِزَةٌ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يقتضيه صنيع الجوهريّ في "الصحاح"، وابن منظور في "لسان العرب" أن "يَأْرِزُ" من باب ضرب، ولكن المجد في "القاموس" ذكر التثليث، حيث قال: أَرَزَ يَأْرِزُ، مثلّثة الراء أُرُوزًا: انقبض، وتجمّع، وثَبَت، فهو آرِزٌ، وأَرُوزٌ. انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٧.
(٢) انظر: "المعلم" ١/ ٣٢١.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٨١ - ٥٨٢.
[ ٤ / ١٤٨ ]
لكن تعقّبه المحشّي، فقال: قوله مثلّثة الراء، الصواب إسقاطه، والاقتصار على ذكر المضارع المفيد كسر الراء، كما في حديث: "إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة"، ضبطه الرواةُ قاطبةً بكسر الراء، وكذلك ضبطه أهل الغريب. اهـ.
لكن أجاب الشارح عنه بأنه إذا كان المراد بالتثليث كونه من حدّ ضَرَبَ، وعَلِمَ، ونَصَرَ، فلا مانع، ولا يَرِدُ عليه أنه ليس في عينه، أو لامه حرف حلقيّ؛ لأن هذا إنما يُشتَرط فيما يكون من باب مَنَعَ، كما هو ظاهرٌ. انتهى (^١).
قال الجامع: الذي يظهر لي أن ردّ المحشّي ضبط التثليث وجيهٌ؛ لأن المجد لم يعزُ التثليث إلى أحد من أهل اللغة، ولم يتعرّض أصحاب المعاجم، والغريب لذكره، ولم يأتِ الشارح في جوابه بما يُثبت نقله عن أهل اللغة، فكونه من باب ضرب هو الظاهر، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
وذكر في "اللسان" أن الأَرْزَ أن تَدخُل الحيّة جُحْرها على ذنبها، فآخرُ ما يَبْقَى منها رأسُها، فيدخُلُ بعدُ، قال: وكذلك الإسلامُ خرج من المدينة، فهو يَنْكُصُ إليها حتى يكون آخره نُكُوصًا كما كان أوّله خروجًا، وإنما تَأْرِزُ الحيّةُ على هذه الصفة إذا كانت خائفة، وإذا كانت آمنة، فهي تبدأ برأسها، فتُدخله، وهذا هو الانحجار. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ - عند قوله: "ليأرِزُ إلى المدينة": أي: ينضمُّ، وينقبض، يقال: أَرَزَ يَأْرِزُ أَرْزًا، وأُرُوزًا، ومنه الأَرُوزُ للبخيل، سُمّي به؛ لأنه ينقبض إذا سُئل، والمَرْزَأُ: المَلْجَأُ أيضًا.
قيل: يحتمل أن يكون هذا إخبارًا منه - ﷺ - عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقلّ الإسلام، فينضمّ إلى المدينة، فيبقى فيها، شَبَّهَ الإيمانَ، وفرارَ الناس من آفات المخالفين، والتجائهم إلى المدينة،
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط"، وما كُتِب في هامشه ص ٤٥٢.
(٢) "لسان العرب" ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
[ ٤ / ١٤٩ ]
بانضمام الحيّة في جحرها، ولعلّ هذه الدابّة أشدّ فرارًا، وانضمامًا من غيرها، فشَبَّهَ بها بمجرّد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف. انتهى (^١).
(بَيْنَ الْمَسْجدَيْنِ) أي: مسجدي مكة والمدينة، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهو إشارة إلى أن مبدأ الإيمان كان بمكة، وظهوره بالمدينة. انتهى (^٢). (كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَما") بضمّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، جمع جِحَرَةٌ، بكسر، ففتح، مثلُ عِنَبَة وعِنَب، وهو للحيّة، والضبّ، واليَربوع، يقال: انجحر الضبّ على انفعل: أوى إلى جُحْرِه، أفاده في "المصباح" (^٣).
وقال المجد: الجُحْرُ بالضمّ: كلُّ شيء تَحتفره الهوامّ والسباع لأنفسها؛ كالجُحْران، جمعه جِحَرَةٌ، وأَجْحَارٌ. انتهى (^٤).
والمعنى أنه كما تنتشر الحيّة من جُحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيءٌ، رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة حتى وصل إلى جميع أقطار الأرض، ثم في آخر الزمان يرجع إليها، وتكون معقله، كما كان في الأول، ويفرّ إليها كلّ مؤمن فرارًا من آفات المخالفين.
وقال في "الفتح": وكلّ مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة؛ لمحبّته في النبيّ - ﷺ -، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبيّ - ﷺ - للتعلّم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك للصلاة في مسجده، وزيارة قبره - ﷺ - (^٥)، والتبرّك بمشاهدة آثاره، وآثار أصحابه.
وقال الداوديّ: كان هذا في حياة النبيّ - ﷺ -، والقرن الذي كان منهم، والذين يلونهم، والذين يلونهم خاصّةً. انتهى (^٦). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٢٧.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٦٤.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٩١.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٣٢٦.
(٥) كان في "الفتح": "ومن بعد ذلك لزيارة قبره - ﷺ -، والصلاة في مسجده … " إلخ، وما هنا هو الموافق لحديث: "لا تُشدّ الرحال … " إلخ كما سبق بيانه، فتنبّه.
(٦) راجع: "الفتح" ٣/ ١١٢ "كتاب فضائل المدينة" رقم (١٨٧٦).
[ ٤ / ١٥٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٨٠] (١٤٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٦ و٢٩٧)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٢٧)، و(البزّار) في "مسنده" (١١٨٢)، و(القُضاعيّ) في "مسند الشهاب" (١٠٥٤).
[تنبيه]: في الباب عن ابن عمر - ﵄ - سيأتي بعد هذا، وسعد بن أبي وقّاص - ﵁ - عند أحمد في "مسنده" (١/ ١٨٤)، وعبد الرحمن بن سنّة عنده أيضًا (٤/ ٧٣ - ٧٤) بمثل حديث ابن عمر الآتي للمصنّف، وعن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة عن الترمذيّ (٢٦٣٠) بلفظ: "إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز، كما تأرز الحيّة إلى جُحْرها"، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح الترمذيّ - ﵀ - لهذا الحديث فيه نظر لا يخفى؛ لأن سنده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه كثير بن عبد الله بن عوف ضعيفٌ جدًّا، بل كذّبه الشافعيّ، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غربة الإسلام، وقلّة العاملين به، والناصرين له.
٢ - (ومنها): بيان خلوّ الأرض منه إلا بين المسجدين الشريفين.
٣ - (ومنها): بيان فضل الحرمين الشريفين، حيث يبقيان معقلًا للإسلام، وحصنًا حصينًا له، ولأهله في آخر الزمان، كما كانا كذلك في أوله، وإلى هذا يشير إخبارُ النبيّ - ﷺ - أَنّ رُعْب الدجّال لا يدخلهما.
فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن النبيّ - ﵁ - قال: "ليس من بَلَدٍ إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له من نِقَابها نقب إلا عليه الملائكة، صافِّين يَحْرُسونها، ثم تَرْجُف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فَيُخْرِجُ الله كلَّ كافر ومنافق".
[ ٤ / ١٥١ ]
٤ - (ومنها): أن في الحديث الثاني مدح المدينة النبويّة، أن الإيمان سيأرِز إليها آخرًا كما كانت موئلًا له أولًا؛ إذ كان في أوّل الإسلام كلّ من خَلُص إيمانه، وصحّ إسلامه أتى إليها إما مُهاجِرًا مستوطنًا لها، وإما متشوِّقًا لرؤية النبيّ - ﷺ -، ومتعلّمًا منه، ومتقرّبًا إلى الله تعالى بلقياه، ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء، وأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة فيها، ثم بمن بعدهم من علمائها الذين كانوا سُرُج الوقت، وأئمة الهدى، وأخذ السنن المنتشرة بها عنهم، فكان كلّ ثابت الإيمان، ومنشرح الصدر به يرحل إليها، ويَفِدُ عليها، ثم بعدُ في كلّ وقت، وإلى زماننا هذا؛ للصلاة في مسجد النبيّ - ﷺ -، حيث رغّب النبيّ - ﷺ - في شدّ الرحال إليها، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدريّ - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
ثم لزيارة قبره الشريف (^١)، زيارةً شرعيّة، لا بدعيّة.
ولرجاء الموت فيها، لعلّ الله تعالى يوفّقه لذلك؛ لأن النبيّ - ﷺ - رغّب في ذلك، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، وفي لفظ لأحمد: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها".
وبالجملة فقصدها على هذه النيّة الحسنة، والشوق الصادق، يدلّ على صدق إيمانه، وصحّة يقينه، والله تعالى أعلم بالصواب.
٥ - (ومنها): مدح الغرباء الذين يغتربون عن أوطانهم، وعشائرهم طلبًا
_________________
(١) أما السفر لزيارة قبره - ﷺ - فقد وقع فيه خلاف، فالأولى أن لا يسافر إلا بقصد الصلاة في مسجده، ثم يتوجّه لزيارة قبره بالسلام عليه - ﷺ - وعلى صاحبيه - ﵄ -، ولا يسافر بقصد الزيارة فقط، كما يفعله كثير من الناس؛ لأنه خلاف الحديث المذكور، فتنبّه لذلك، ولا تكن أسير التقليد، وسنعود إليه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
[ ٤ / ١٥٢ ]
للإسلام، وأهله، فيجتمعون في مكان يمكنهم إظهار شعائر الإسلام فيه، ولا يُبالون بما أقبل من الدنيا، وما أدبر منها، وإنما همّهم إظهار الإسلام، والدعوة إليه، والذبّ عنه، ومقاطعة أهل البدع والخرافات، طوبى لهم، ثم طوبى لهم، ثم طوبى لهم.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: فيه حجةٌ على صحّة مذهب مالك في تمسّكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعيّة، وقال أبو مصعب الزُّبيريّ في معنى الحديث: إنما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البِدَعِ المحدثات، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم، وعند من سلك سبيلهم. انتهى (^١).
وتعقّب ذلك الحافظ بأن هذا إن سُلّم اختَصّ بعصر النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفِتن، وانتشار الصحابة في البلدان، ولا سيّما في أواخر المائة الثانية، وهَلُمّ جرًّا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بحجيّة عمل أهل المدينة يحتاج إلى تفصيل، وقد حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - تحقيقًا لا تجده عند غيره من المحقّقين، فقال ما ملخّصه:
التحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متّفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماعهم على أربع مراتب:
[الأولى]: ما يجري مَجرى النقل عن النبيّ - ﷺ -، مثلُ نقلهم لمقدار الصاع والمدّ، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتّفاق العلماء، أما الشافعيّ وأحمد، وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو يوسف، وهو أجلّ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٦٤.
(٢) "الفتح" ٣/ ١١٢ "كتاب فضائل المدينة" حديث (١٨٧٦).
[ ٤ / ١٥٣ ]
أصحاب أبي حنيفة رحمهما الله لَمّا اجتمع بمالك، وسأله عن الصاع والمدّ، فأمر مالك أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم، فقال: أترى هؤلاء يكذبون؟ قال: لا، قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق، وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا أبي بكر، وعمر - ﵄ -، وسأله عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منها: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الأحاديث.
[المرتبة الثانية]: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان - ﵁ -، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عليه عن الشافعيّ، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقّف في قلبك ريبًا إنه الحقّ، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنَّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتّباعها، وقال أحمد: كلُّ بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوّة، ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها، وبعد ذلك لم يُعقد بالمدينة بيعة، وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة". وفي "السنن" من حديث سفينة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا". والمحكيّ عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يُعلم لأهل المدينة عملٌ قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول - ﷺ -.
[المرتبة الثالثة]: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين، وقياسين
[ ٤ / ١٥٤ ]
جُهِل أيّهما أرجح، وأحدهما يَعْمَلُ به أهل المدينة، ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعيّ أنه يُرجّح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يُرجّح به، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عَقيل -: أنه لا يرجَّحُ به، والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره -: أنه يُرَجَّحُ به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى (^١) أهل المدينة حديثًا، وعمِلوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويُقدّمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدلّ المستفتي على مذهب أهل الحديث، أهل المدينة، وكان أحمد يَكره أن يردّ على أهل المدينة كما يرُدّ على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح بأقوال أهل المدينة.
[المرتبة الرابعة]: هي العمل المتأخّر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعيّة يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعيّة، هذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهّاب في كتابه "أصول الفقه" وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعًا، ولا حجةً عند المحقّقين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نصّ، ولا دليلٌ، بل هم أهل التقليد. قال: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعلَ هذا حجةً، وهو في "الموطأ" إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا …
وإذا تبيّن أن إجماع أهل المدينة تفاوتت فيه مذاهب جمهور الأئمة عُلم بذلك أن قولهم أصحّ أقوال أهل الأمصار روايةً ورأيًا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قويّة، وتارةً مرجّحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. انتهى ملخّص كلام شيخ الإسلام - ﵀ - (^٢)، وهو تفصيل نفيس، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب "روى"، فليُحرّر.
(٢) "مجموع الفتاوى" ٢٠/ ٣٠٣ - ٣١٠.
[ ٤ / ١٥٥ ]
وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطيّ - ﵀ - ما معناه: أن الصحيح عن مالك أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان:
[أحدهما]: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.
[الثاني]: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابيّ فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فأَلْحَقَ مالك التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه؛ لتعلّمهم ذلك عن الصحابة.
أما في المسائل الاجتهاديّة، فأهل المدينة؛ فالصحيح عن مالك أنهم كغيرهم من الأمة، وحُكي عنه الإطلاق، وعلى القول بالإطلاق يتوجّه عليه اعتراض المؤلف - يعني: ابن قُدامة في روضة الناظر - بأنهم بعض من الأمة كغيرهم. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب.
وقد نظمت التفصيل المذكور في "التحفة المرضيّة" في الأصول بقولي:
وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بقَولِ الجُلِّ
فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ
كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ
أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ
وَثَانِهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ … يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ
أَعْنِي لَدَى الجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُنَّةُ … الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ
وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا المَعْرِفَهْ
ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟
فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا
أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ
رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى
فَأَحْمَدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو … حَنِيفَةٍ وَغَيْرُهُمْ قَدْ رَغِبُوا
_________________
(١) "مذكّرة الشيخ الشنقيطيّ" - ﵀ - ص ١٥٤.
[ ٤ / ١٥٦ ]
عَنْهُ كَذَا لَدَى المُحَقِّقِينَ مِنْ … أَصْحَابِ مَالِكٍ هَوَ الرَّأْيُ القَمِنْ
وَبَعْضُ أَهْلِ الغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ … جَعَلَهُ الحُجَّةَ لَا تَعْبَأْ بِهِ
إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكٍ وَلَا دَلِيلْ … أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ
فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى … أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى القَوْمِ جَرَى
فَتَارَةً بِالْقَطْع حُجَّةً أَتَى … وَتَارَةً ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا
وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِمَا يَدُلْ … مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨١] (١٤٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَة، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٥ - (عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
[ ٤ / ١٥٧ ]
٦ - (خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] (١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٧ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطّاب العُمريّ المدنيّ، ثقة [٣]، (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٨ - (أبو هريرة) - ﵁ -، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) قال في "الفتح": هو بالخاء المعجمة، مصغّرًا، وكذا رواه أكثر أصحاب عبيد الله، وخُبيب هو خال عُبيد الله المذكور، وقد رَوَى عنه بهذا الإسناد عدّة أحاديث.
قال الجامع: قد تقدّم في المقدّمة الحديث الثامن بهذا الإسناد (^١).
قال: وفي رواية يحيى بن سُليم، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أخرجه ابن حبّان، والبزّار، وقال البزّار: إن يحيى بن سُليم أخطأ فيه، قال الحافظ: وهو كما قال، وهو ضعيفٌ في عُبيد الله بن عمر. انتهى.
[تنبيه آخر]: قال الإمام ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: قوله - ﷺ -: "الإيمان لَيأرِزُ إلى المدينة"، يريد به أهل الإيمان، وذلك أن المدينة خَشِنَةٌ قفرىٌ، ذات بسابس، ودكادك، منع الله جلّ وعلا عنها طلب اللذّات في الأعين والأنفس، وقدّر فيها أقواتها لمن طلب اللهَ والدارَ الآخرةَ، فلا يَرْكن إليها إلا كلُّ مشمِّرٍ عن هذه الفانية الزائلة، ولا قَطَنها إلا كلُّ مُنقلع بكليّته إلى الآخرة الدائمة. انتهى كلامه - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان - ﵀ - بحسب ما شاهده في عصره، أما في الوقت الذي نحن فيه، فالأمر بالعكس، فقد فتح الله
_________________
(١) قال الإمام مسلم - ﵀ -: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، حدثنا أبي، (ح) وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قالا: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كَفَى بالمرء كذبًا أن يُحَدِّث بكل ما سمع". وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عليّ بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - بمثل ذلك.
[ ٤ / ١٥٨ ]
على أهل مكة والمدينة، بل وعلى عموم أهل الحجاز، حيث أقام هذه الدولة السعيدة، الدولة السعوديّة المباركة، وفتح عليهم بركات الأرض، فقاموا بخدمة الحرمين الشريفين خدمة لا مثيل لها، وبذلوا كلّ الجهود في جلب الخيرات، وكلّ المستلذّات إليهما، ومهّدوا سبيل الأمن والراحة لأهلهما، فالناس الآن يتنافسون في زيارة الحرمين الشريفين بكلّ سرور، وبكلّ حبور؛ لِمَا ينالونه من صنوف الخيرات، وأنواع البركات، فأهل الإيمان ينالون من أنواع العلوم والعبادات ما تقرّ به أعينهم، وأهل الدنيا ينالون من الرفاهية، وتنزيه النفس والبدن بأصناف ما يناسب أهواءهم، فسبحان من قلّب الأمور، وصنّف الدهور، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٨١] (١٤٧)، و(البخاريّ) في "فضائل المدينة" (١٨٧٦)، و(ابن ماجه) في "الحجّ" (٣١١١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦ - ٤٢٢ - و٤٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٥)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.