وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
(١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرَيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأنِّي رَسُولُ الله، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٤/ ١٥.
٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظلي المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) ٤/ ٢٨.
٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٢٤٧) (ع) ١/ ١.
٥ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكي، ثقة [٦].
رَوَى عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، وإبراهيم بن ميسرة، ويحيى بن عبد الله بن صيفي، وغيرهم.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ورَوَى عنه أزهر بن القاسم، ورَوْح بن عُبَادة، وبشر بن السَّريّ، وابن المبارك، وعبد الرزاق، ووكيع، وأبو عامر الْعَقَدِيّ، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: لا بأس به. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: زكريا بن إسحاق قدريّ؟ قال: نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الميموني عن أحمد، عن عبد الرزاق، قال لي أبي: الْزَمْ زكريا بن إسحاق، فإني قد رأيته عند ابن أبي نَجِيح بمكان، قال: فأتيته، وإذا هو قد نَسِيَ، وأتاه ابن المبارك، فأخرج له كتابه. وقال ابن المدينيّ، عن سفيان: لم يجالس عطاء، قيل لسفيان: إنهم حَكَوا عنك أن زكريا قال: أخرج إلينا عطاء صحيفةً، فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفةً عنده، ما هي بالكبيرة، فقال: هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله - ﷺ - وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن معين: كان يَرَى القدر، ثنا رَوْح بن عُبادة قال: سمعت مناديًا على الحجر، يقول: إن الأمير أَمَرَ أن لا يُجالَس زكريا بن إسحاق؛ لموضع القدر، وقال وكيع: ثنا زكريا، وكان ثقةً. وقال الْبَرْقي، والحاكم: كان ثقةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى زكريّا بن إسحاق غير صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم.
٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) هو: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفيّ، ويقال: يحيى بن محمد، الْمَكيّ مولى بني مَخْزُوم، ويقال: مولى عثمان، ثقة [٦].
رَوَى عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي معبد، مولى ابن عباس، وأبي سلمة بن سفيان، وعَتّاب بن حُنين، وسعيد بن جبير.
وروى عنه ابنُ جريج، وإسماعيل بن أمية، وزكرياء بن إسحاق، وعبد الله بن أبي نجِيح، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ كان ثقةً، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ١ / ٤٠٤ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و(١٠٨٥).
٧ - (أَبُو مَعْبَدٍ) هو: نافذ - بفاء، وذال معجمة - مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن مولاه، وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ، وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بَزَّة، وفُرَات الْقَزّاز.
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال الحميديّ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني أبو مَعْبد، وكان من أصدق موالي ابن عباس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمَر: مات بالمدينة سنة أربع ومائة، وكان ثقة، حَسَنَ الحديث، وفيها أَرّخه غير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و(٥٨٣) وكرره ثلاث مرات، و(١٢٨٢) و(١٣٤١).
[تنبيه]: ليس في الرواة من يُسمّى نافذًا غير صاحب الترجمة، وأما من يُكنى بأبي معبد فاثنان، هذا، وأبو معبد السُّلَميّ، واسمه مجالد بن مسعود، أخو مجاشع، صحابيّ، بقي إلى سنة أربعين على الأصحّ، وأخوه أيضًا صَحابيّ، أخرج لهما الشيخان (^١) فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄٦/ ١٢٣.
٩ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن يَزيد بن جُشَم بن الْخَزْرَج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن الْمَدنيّ، صاحب رسول - ﷺ -، رُوي أنه كان له ابنان ماتا في طاعون عَمَوَاس، ورُوي أنه مات له ابن في حياة رسول الله - ﷺ -، وأنه - ﷺ - كَتَبَ إليه يُعزّيه عنه، وقال أبو عمر بن عبد البرّ: قال الواقديّ وغيره: كان معاذ بن جبل طُوالًا، حَسَنَ الشعر، أبيض، بَرّاق الثنايا، لم يُولد له قطّ، قال أبو عمر: وقد قيل: إنه وُلد له وَلَدٌ يُسمّى
_________________
(١) راجع: "التقريب" ص ٣٢٩.
[ ١ / ٤٠٥ ]
عبد الرحمن، وإنه قاتل معه يوم اليرموك، وبه كان يُكنى، ولم يَختلفوا أنه كان يُكنى أبا عبد الرحمن، قال: وهو أحد السبعين الذي شهِدُوا العَقَبة من الأنصار، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود، قال الواقديّ: هذا ما لا اختلاف فيه عندنا، وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله - ﷺ - بين معاذ بن جبل وبين جعفر بن أبي طالب، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وشَهِدَ بدرًا، والعقبة، والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ - ورَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعريّ، وابنُ عَمْرو، وابن عُمَر، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن أبي أوفى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو مسلم الْخَوْلانيّ، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأبو وائل، ومسروق، وخلق كثير.
قال قتادة عن أنس بن مالك - ﵁ -: جَمَعَ القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أربعةٌ، كلُّهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال أنس: أبو زيد أحد عمومتي (^١).
وقال مسروق، عن عبد الله بن عَمْرو: أربعة رهط لا أزال أُحبّهم بعدما سمعت من رسول الله - ﷺ - قال: "استَقْرِئُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل (^٢).
وقال أبو قلابة عن أنس - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ -: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكلّ أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجرّاح" (^٣).
ويُروَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا ومتصلًا: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوَةٍ".
وعن عبد الله بن مسعودء - ﵁ - قال: إنا كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٠]، قال: "الأمة " معلم الخير، و"القانت"
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤ والترمذي (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤).
[ ١ / ٤٠٦ ]
المطيع لله ولرسوله - ﷺ -، قال: وكذلك كان معاذ، كان يعلّم الناس الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله - ﷺ - (^١).
وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ منّا، قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني غِبتُ عن امرأتي سنتين، فجئت وهي حُبلى، فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيلٌ، فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها، فولدت غلامًا قد خرجت ثنيّتاه، فعرَفَ الرجل الشبَهَ فيه، فقال: ابني وربّ الكعبة، فقال عمر - ﵁ -: عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر.
ومناقبه وفضائله - ﵁ - كثيرةٌ جدًّا.
قال الهيثم بن عديّ، وغير واحد: مات في طاعون العمواس (^٢)، وقال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت مثله في كتاب يزيد بن عَبِيدة: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت في كتاب ابن عَبيدة بن أبي المهاجر، وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح، مات معاذ بن جبل في سنة سبع عشرة، وفي تلك السنة فُتح بيت المقدس، وقال يحيى بن معين، وعليّ بن عبد الله التميميّ: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى، وهو ابن أربع وثلاثين، وقال الواقديّ عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة في الطاعون، وهو ابن ثمان وثلاثين، قال الواقديّ؛ وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد، وقيل في سنّه: غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٧) حديثًا اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، فجملة ما له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٩)، و(٣٠) وكره ثلاث مرّات، و(٧٠٦) وكره ثلاث مرات.
_________________
(١) راجع: "حلية الأولياء" ١/ ٢٣٠ و"الاستيعاب" ٣/ ١٤٠٧.
(٢) إنما نسب الطاعون إلى عمواس، وهي قرية بين الرملة وبيت المقدس؛ لأنه أول ما بدأ الطاعون منها. "تهذيب الكمال "٢٨/ ١١٤.
[ ١ / ٤٠٧ ]
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بمعاذ نحو أربعة وعشرين شخصًا، ولا يوجد من يُسمّى معاذ بن جبل، غير صاحب الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
لطائف من هذا الاسناد:
١ - (منها): من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وغير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من زكريّا بن إسحاق.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد المشايخ التسعة الذين اتفق أصحاب الكتب الستة بالرواية عنهم بغير واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵁ -.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، عن معاذ، قال أبو بكر: وربما قال وكيع: عن ابن عباس، أن معاذًا قال".
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى نهايةُ التحقيق، والاحتياط، والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: "عن معاذ"، والثانية: "أن معاذًا"، وبين "أَنّ"، و"عن" فرق، فإن الجماهير قالوا: "أَنَّ " كـ"عَن"، فيُحمَل على الاتصال، وقال جماعة: لا تَلْتَحِق "أنَّ" بـ "عَن"، بل تحمل "أن" على الانقطاع، ويكون مُرسَلًا، ولكنه هنا يكون مُرسَل صحابيّ، له حكم المتصل، على المشهور، من مذاهب العلماء، وفيه قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ الذي قَدَّمناه في الفصول أنه لا يُحْتَجّ به، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وبين اللفظين، والله تعالى أعلم. انتهى.
[فائدة]: من القواعد المهمّة أن الراوي إذا رَوَى حديثًا في قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حَكَى قصة وقعت بين النبي - ﷺ - وبين بعض
[ ١ / ٤٠٨ ]
الصحابة، والراوي لذلك صحابيّ أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يُدْرِك تلك الواقعة، فهو مرسل صحابيّ، وإن كان الراوي تابعيًّا، فهو منقطع، وإن روى التابعيّ عن الصحابيّ قصةً أدركَ وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يُدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة، وقد حَكَى ابنُ الْمَوَّاق اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك.
وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أن "عَن"، و"أنّ " ليسا سواءً مُنَزَّلٌ على هذه القاعدة، فقد روى الخطيب البغداديّ في "الكفاية" بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة سواءٌ؟ قال أحمد: كيف هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواء.
وإنما فرّق أحمد رحمه الله تعالى بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يُسنِد ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلةً، وأما اللفظ الثاني فأَسنَدَ ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة. هكذا حقّق القاعدة الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى (^١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي مَعْبَدٍ) - بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة - واسمه نافذ - بالنون، والفاء، والذال المعجمة - وضبطه بعضهم بالدال المهملة، وفي رواية للبخاريّ في "كتاب التوحيد" من طريق إسماعيل بن أميّة، عن يحيى، أنه سمع أبا معبد يقول: سمعت ابن عباس يقول … (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة الشيخ الأول للمصنّف في
_________________
(١) راجع: "تدريب الراوي" ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٤٠٩ ]
روايته (رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاذًا) هذا من احتياطات مسلم، وتدقيقاته الإسناديّة في المحافظة على اختلاف ألفاظ شيوخه، وتقدّم في مبحث اللطائف وجه الاختلاف بين الروايتين، وأنه لا خلاف بينهما عند الجمهور، وإنما قال بالاختلاف بعض أهل الحديث، ففرّق بين "عن" و"أنّ"، فجعل "عن" للاتّصال، و"أن" للانقطاع، لكن هنا يكون من مرسل صحابيّ، فلا يضرّ، فتنبّه.
وقال في "الفتح" عند قوله: "قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إلخ": ما نصّه: كذا في جميع الطُّرُق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه: "عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله - ﷺ -، فعلى هذا فهو من مسند معاذ - ﷺ -، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج (^١)، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه: "عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ معاذًا"، وكذا هو في "مسند إسحاق بن إبراهيم"، وهو ابن راهويه قال: حدثنا وكيع به، وكذا رواه عن وكيع أحمد في "مسنده"، أخرجه أبو داود عن أحمد، وكذلك عند البخاريّ في "كتاب المظالم" عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، وجعفر بن محمد الثَّعْلبيّ، وللإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، وموسى بن السُّدِّيّ، والدارقطنيّ، من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وإسحاق بن إبراهيم البغويّ، كلهم عن وكيع كذلك، فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبي - ﷺ -، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى (^٢).
_________________
(١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يظهر لي وجه قوله: وظاهر سياق مسلم أنّ اللفظ مدرجٌ، فليُتأمّل.
(٢) "الفتح" ٤/ ١٧٦.
[ ١ / ٤١٠ ]
وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة عن معاذ، فرواه متّصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر، انتهى (^١).
[تنبيه]: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ - ﷺ - كما ذكره البخاريّ في أواخر "كتاب المغازي"، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - ﷺ - من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حَكَى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يَزَل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغسانيّ بالأول، ذكره في "الفتح" (^٢).
وقال في "العمدة": وفي "الإكليل" لابن البيّع: "بعث النبيّ - ﷺ - معاذًا وأبا موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع"، وزعم ابن الحذّاء أن ذلك كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر، وَقَدِمَ في خلافة أبي بكر - ﵁ - في الحجّة التي حجّ فيها عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكذا ذكره سيفٌ في الردّة، وفي "الطبقات": في شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي "كتاب الصحابة" للعسكريّ: "بعثه النبي - ﷺ - واليًا على اليمن"، وفي "الاستيعاب": لَمّا خلع من ماله لغرمائه بعثه النبيّ - ﷺ -، وقال: "لعلّ الله أن يجبُرك"، قال: وبعثه أيضًا قاضيًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمّال الذين باليمن، وكان رسول الله - ﷺ - قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أُميّة على كِنْدة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الْجَنَد، وأبى موسى على زَبِيد، وعَدَن، والساحل انتهى (^٣).
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٥/ ١٤.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٥١.
(٣) "عمدة القاري" ٧/ ١٦٠.
[ ١ / ٤١١ ]
(قَالَ) معاذ - ﵁ - (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي إلى اليمن، كما سيأتي في الرواية التالية (قَالَ) - ﷺ - (إِنَّكَ تَأتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا كالتوطئة للتوصية، لتستجمع هِمَّتهُ عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال، من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يَقْدَم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خَصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم. قاله في "الفتح".
وقال الطيبيّ: قيد قومًا بأهل كتاب، وفيهم أهل الذمّة، وغيرهم من المشركين " تفضيلًا لهم، وتغليبًا على غيرهم.
[تنبيهان]:
(أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل "السيرة النبويّة".
(ثانيهما): قال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيرًا ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ - ﷺ - " لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن الله طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب (^١).
وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك ولا تعقّبه، ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن الله أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد - ﷺ - عندهم، يجدونه مكتوبًا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ١٢٧.
[ ١ / ٤١٢ ]
العربي أن الموجودين في زمنه تبرؤوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب الله القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى كلام الصنعانيّ (^١) وهو تَعَقُّبٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
(فَادْعُهُمْ) أي ادع أهل اليمن أوّلًا إلى شيئين: أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي رواية البخاريّ: "فإذا جئتهم، فادعهم"، قيل: عَبّر بلفظ "إذا " تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم (^٢) (إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)، قال في "الفتح": كذا في رواية زكريّا بن إسحاق، لم يُختلف فيها، وفي رواية الأكثرين: "وأن محمدًا رسول الله"، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله … "، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك".
قال في "الفتح": ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيد الشهادة له بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير مُوَحّدٍ فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه، كمن يقول ببنُوَّة عُزير، أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما يلزم من عقائدهم.
وقال الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: كيفيّة الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلمّا كان إرسال معاذ إلى من يُقرّ بالإله والنبوّات، وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله، والإقرار بنبوّة محمد - ﷺ -، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهيّة الله تعالى، ولكن يجعلون له شريكًا، لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله، ودعوة اليهود أن عُزيرًا ابن الله، تعالى الله سبحانه عما يصفون، وأن محمدًا - ﷺ - ليس برسول الله أصلًا،
_________________
(١) "العدّة حاشية العمدة" ٣/ ٢٧٣.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٥١.
[ ١ / ٤١٣ ]
أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا أول واجب يُدْعَون إليه (^١).
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي شَهِدُوا، وانقادوا للإتيان بالشهادتين، وفي رواية للبخاريّ: "فإن هم أطاعوا لك بذلك"، وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك"، وفي رواية الفضل بن العلاء: "فإذا عَرَفُوا ذلك"، وعَدَّى "أطاع" باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أما طاعتهم بالصلاة فتحتمل وجهين:
[أحدهما]: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيّتها عليهم، والتزامهم لها.
[والثاني]: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رُجّح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها، ويرجّح الثاني بأنهم لو أُخْبِرُوا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يُشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان، لا التلفّظ بالإقرار. انتهى (^٢).
ونقل الصنعانيّ عن ابن الملقّن أن الاحتمال الأول (^٣) هو الظاهر، قال: وفي "فتح الباري": الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، والأولى أن يكون الامتثال بهما، لكن لم يُذكَر في الحديث.
قال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فَأَخْبِرْهم أن الله قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات، كما عبّر في غيره بقوله - ﷺ -: "وتُقيم الصلاة"، وإقامتها فعلُها، فطاعتهم بفعلها
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ١٦١.
(٢) "إحكام الأحكام" ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥ بنسخة حاشية "العدّة".
(٣) أي كون المراد مجموع الأمرين: الإقرار بالوجوب، والتزامهم لها.
[ ١ / ٤١٤ ]
هو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمَّنَ "أطاعوا"، معنى انقادوا، فعدّاه باللام؛ إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيّتها، واعتقاده ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها فليس بمراد، ولا وَرَدَ طلب الشارع لذلك إلا في الشهادتين لا غير، فقال الشارح: "ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى" غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يَجري في الزكاة، وإنما قلنا: ظاهرًا؛ لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم به في حكم الإسلام، ووكلْنا سرائرهم إلى الله ﷿ كما تقرّر في غير هذا. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللهَ) بفتح "أَنَّ" لأنها في محل نصب على أنها مفعول ثان و"أعلمهم" (افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)، استُدِلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاةَ ما في يده إذا لم يفضُل من الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغنيّ إذ كان ماله مستحقًّا لغرمائه.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ)، أي: لوجوب الصلاة بأدائها، كما ذكرناه (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي زكاةً، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والمراد بها الزكاة (تُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على أنها صفة لـ"صدقة"، وكذا قوله: "وتُرَدّ" (مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) فيه دليلٌ على أن الزكاة تؤخذ من مال الطفل؛ لعموم قوله: "من أغنيائهم"، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - (فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) استدلّ به من قال بعدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، والراجح خلافه، وسيأتي تحقيقه في
_________________
(١) "العدّة" ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
[ ١ / ٤١٥ ]
محلّه أيضًا - إن شاء الله تعالى - (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي لأداء ما فُرِض عليهم من الصدقة (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) أي احترز من أخذ كرائم أموالهم، و"الكرائم": جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، وقيل: ما يختصّه صاحبه لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب "المطالع": هي جامعة الكمال الممكِنِ في حقّها، من غَزَارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهكذا الرواية: "فإياك وكرائم" بالواو في قوله: "وكرائم"، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم أموالهم بحذفها (^١).
[تنبيه]: قوله: "فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" بالواو، ولا يجوز تركهما؛ لأن معنى "إِيّاك": اتّق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحَذَّر منه إذا ولي الْمُحَذَّر، فإن كان اسمًا صريحًا يُستعمل بـ "مِنْ"، أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا لا يُفْهَم منه أنه محذَّر منه، وإن كان فعلًا يجب أن يكون مع "أَنْ"؛ ليكون في تأويل الاسم، فيُستعمل بالواو عطفًا، نحو "إياك وأن تحذف"، فإن تقديره: إياك والحذفَ، أو بـ "مِنْ"، نحو إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد بدون الواو، وقد نَقَل ابن مالك إياك الأسد بحذف الواو، ولكنه شاذّ يكون في الضرورة (^٢).
قال في "الخلاصة":
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَار وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ"إِيَّا" انْسُبْ … وَمَا سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كـ"الضَّيغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي"
وَشَذَّ "إِيَّايَ" وَإِيَّاهُ" أَشَد … وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
(وَاتَّقِ) أي احذر (دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي فإن الأمر والشأن، وفي رواية أبي داود: "فإنها" فالضمير للقصّة، أي فإن القصّة.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية الصحيحة في "فإنه" بضمير
_________________
(١) "شرح النووي" ١/ ١٩٧، و"عمدة القاري" ٧/ ١٦١.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٧/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
المذكّر، على أن يكون ضمير الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مذكّر الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ: "فإنها" بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. انتهى (^١).
(لَيْسَ بَيْنَهَا) أي بين دعوة المظلوم، وفي رواية: "بينه" بتأويل الدعوة بالدعاء، أي بين دعاء المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ) ﷾ (حِجَابٌ) أي مانع يمنع من الوصول، وقال الطيبيّ: قوله: "واتَّق دعوة المظلوم" تذييلٌ؛ لاشتماله على هذا الظلم الخاصّ من أخذ كرائم الأموال، وعلى غيره مما يتعلّق بالمزكّي، وعلى هذا المظلوم وغيره.
وقوله: "فإنه ليس بينها إلخ"، تعليلٌ للاتّقاء، وتمثيل للدعوة بمن يقصد إلى السلطان، متظلّمًا، فلا يُحجب عنه. انتهى (^٢).
قال ابن العربي رحمه الله تعالى: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيّد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، إما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١]، انتهى.
[تنبيه]: كتب ابن الملقّن في "شرح العمدة" على قوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" ما نصه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، إلا أنه - ﷺ - كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس، ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟ كيف ينفي حجاب الله تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، حديث
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٨٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٤٧٠.
(٣) "الإعلام" ٥/ ٢٨ - ٢٩.
[ ١ / ٤١٧ ]
أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: "إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، ويَرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ"، وفي روايةٍ: "النارُ"، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه، أخرجه مسلم في "صحيحه". وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟ إن هذا لهو العَجَب العُجاب.
ومن العجيب أن صاحب "الفتح" قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقَرِّرًا له، وراضيًا به.
والحقّ أننا نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، من حجاب أو غيره، على المعنى اللائق به ﷾، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولقد صدق في قوله: كان - ﷺ - يخاطب العرب بما تفهم. ونحن - ولله الحمد - نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ - ﷺ - أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب الله على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر - ﷺ - إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانًا شافيًا، كما أمره الله ﷿ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
فيا أيها العاقل اللبيب لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، بل كن مع الحقّ، ودر معه حيثما دار، تنجُ من مخازي دار البوار، أعاذنا الله منها الرحيم الغفّار.
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ١ / ٤١٨ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ٧/ ١٢٩ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل - ﵁ -.
و٧/ ١٣٠ عن ابن أبي عمر، عن بِشْر بن السريّ - و(ح) عبد بن حميد، عن أبي عاصم - كلاهما (بشر، وأبو عاصم) عن زكريا بن إسحاق، - و٧/ ١٣١ عن أمية بن بِسطام، عن يزيد بن زُريع، عن رَوْح بن القاسم، عن إسماعيل بن أُميّة - كلاهما (زكريا، وأمية) عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: إنك ستأتي قومًا … ولفظ إسماعيل: "أن رسول الله - ﷺ - لَمّا بعث معاذًا إلى اليمن قال: إنك تقدَمُ على قوم … والله تعالى أعلم.
وأخرجه (البخاريّ) ٢/ ١٣٠ و٩/ ١٤٥ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد و٢/ ١٥٨ عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك و٣/ ١٦٩ عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وفي ٥/ ٢٠٥ عن حِبَّان بن موسى - عن ابن المبارك - ثلاثتهم: (أبو عاصم، وابن المبارك، ووكيع) عن زكريا بن إسحاق به، و٢/ ١٤٧ عن أميّة بن بِسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، و٩/ ١٤٠ عن عبد الله بن أبي الأسود، عن الفضل بن العلاء، كلاهما (روح، والفضل) عن إسماعيل بن أميّة كلاهما (زكريا، وإسماعيل) عن يحيى بن عبد الله به.
وأخرجه (أبو داود) (١٥٨٤) و(الترمذيّ) (٦٢٥ و٢٠١٤) و(النسائيّ) ٥/ ٢ و٥/ ٥٥ و(ابن ماجه) (١٧٨٣) و(أحمد) في "مسنده" ١/ ٢٣٣ و(الدارمي) في "سننه" (١٦٢٢ و١٦٣٨) و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٧٥) و(٢٣٤٦) و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠ و١١١ و١١٢). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ذكر فوائده:
[ ١ / ٤١٩ ]
١ - (منها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ووجوب العمل به، مطلقًا، سواء كان في باب العقائد، أو في باب الأحكام، وهو مجمع عليه بين أهل السنة، وإنما خالف فيه بعض أهل الزيغ، وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة" بقولي:
قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهُوَ يَفِي
كَبَابِ الأَحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا … كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا
ثُمَّةَ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي
إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصحّ … بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ
وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ … عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَبَعْ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعَقَائِدِ … أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدِ
فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الصَّحْبِ وَلَا … مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُوم الْفُضَلَا
وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ … أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ المَنْحُوسِ
وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَاب … مِنْ دُونِ فَرْقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ
لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوى … وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى
وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ … زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب قَدْ رَأَوْا
أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ … وُجُوبِ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةُ (^١)
هذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ … وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ
عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى … عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا
عَنْ غَيْرِ مَوْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ … قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرِضُوا
٢ - (ومنها): أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال، وأن لا يُحكَم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحّ شيء من فروعه إلا بتحققّه.
٣ - (ومنها): أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
٤ - (ومنها): أن الوتر ليس بواجب؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بقليل، بعد الأمر بالوتر، والعملِ به، قال صاحب "التوضيح": وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد غَلِط.
_________________
(١) بتخفيف الميم؛ للوزن.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقد ناقشه العينيّ ناصرًا لمذهبه، كعادته في مثل هذا، تركت ذكره؛ لعدم جدواه؛ إذ الانتصار إنما هو للحقّ، لا لآراء الرجال، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): أن الزكاة فرض.
٦ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله - ﷺ -: "فتُرَذ في فقرائهم".
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه عندي ضعف؛ لأن الأقرب أن المراد تؤخذ من أَغْنِيَائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الردّ عليهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالًا قويًّا، ويقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكليّة لا تُعتبر، ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقُطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة، ولا يختصّ بهم قطعًا، أعني الحكم، وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة، انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر هو الأرجح عندي؛ لما بيّنه في تحقيقه، وأما محاولة الصنعاني في "حاشيته" بالردّ عليه، ففيها نظر، فتأملها بعين الإنصاف.
وقد مال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" لهذا الكتاب إلى ما رجحه ابن دقيق العيد، فانظره (^١). وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من مَلَكَ النصابَ لا يُعطى من الزكاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك رحمهم الله تعالى من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذةٌ منه، فهو غنيّ، والغنيّ لا يُعطَى من الزكاة، إلا في المواضع المستثناة في الحديث، وليس بالشديد القوّة، قاله ابن دقيق العيد (^٢).
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ١/ ١٩٧.
(٢) "إحكام الأحكام" ٣/ ٢٧٨ بنسخة حاشية "العدّة".
[ ١ / ٤٢١ ]
وأشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: "لا تحلّ الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه بها، فأهداها لغنيّ".
٨ - (ومنها): بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يَعِظَ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويُعَرِّفَهم قُبْحَ عاقبته، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليلٌ على تعظيم أمر الظلم، واستجابة دعوة المظلوم، وذكر النبيّ - ﷺ - ذلك عقب النهي عن أخذ كرائم الأموال؛ لأن أخذها ظلم، وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه تحريم الظلم، وتخويف الظالم، وإباحة الدعاء للمظلوم عليه، والوعد الصّدق بأن الله تعالى يستجيب للمظلوم فيه، غير أنه قد تُعجّل الإجابة فيه، وقد تؤخّر؛ إملاءً للظالم، كما قال - ﷺ -: "إن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ (^٢)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وكما قد روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إن الله تعالى يَرفع دعوة المظلوم على الغمام، ويقول لها: لأنصرَنَّك ولو بعد حين" (^٣).
٩ - (ومنها): أنه يَحرُم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شَرّ المال، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ودلّ الحديث أيضًا على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة، كالأَكُولة، والرُّبَّى، وهي التي تربّي ولدها، والماخض، وهي الحامل، وفحل الغنم، وحَزَرات المال - بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها - وهي التي تُحزَرُ بالعين، وتُرمق؛ لشرفها عند أهلها.
_________________
(١) "الإحكام" ٣/ ٢٨٠ بنسخة الحاشية.
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٥٨٣) والترمذي (٣١١٠) وابن ماجه (٤٠١٨) من حديث أبي موسى - ﵁ -.
(٣) رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٣٠٥ و٤٤٥ والترمذيّ (٢٥٢٦) وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٤٢٢ ]
والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، ولا يُناسب ذلك الإجحافَ بأرباب الأموال، فسامح الشرع أرباب الأموال بما يَضِنُّون به، وَنَهَى الْمُصَدِّقين عن أخذه، كما نهاهم عن أخذ رديء المال من الهَرِمة، وذات الْعَوَار، والدَّرِّيّة (^١)، والمريضة، والشَّرَط، واللئيمة (^٢)، فلا يؤخذ على الغنيّ خيار ماله، ولا يُعطِي الفقير شرار ماله، بل الوسط، وهكذا جرت حكمته تعالى بالرفق بالعباد في كلّ أمر من الأمور، له الحمد كثيرًا، وله الحكمة البالغة. انتهى (^٣).
١٠ - (ومنها): أن الزكاة لا تُدفع إلى كافر، ولا تُدفع أيضًا إلى غنيّ من نصيب الفقراء.
١١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة، من الصلاة والصوم والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها؛ لكونه - ﷺ - قال: "فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن عليهم"، فدَلّ على أنهم إذا لم يُطيعوا لا يجب عليهم.
قال النوويّ: وهذا الاستدلال ضعيف؛ فإن المراد علمهم بأنهم مُطَالَبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبةُ في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه - ﷺ - رَتَّبَ ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهمّ، ألا تراه بدأ - ﷺ - بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة. انتهى كلام النوويّ (^٤)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهيّ عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهيّ دون المأمور.
_________________
(١) أي: ذات الدّرّ، أي: الحلوبة.
(٢) أي: رُذال المال، وقيل: صِغَارُه، وشِرَاره انتهى "النهاية" ٢/ ٤٦٠.
(٣) "إحكام الأحكام" مع حاشية "العدّة" ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٤) "شرح مسلم" ١/ ١٩٧ - ١٩٨.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة" بقولي:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ خُوطِبُوا … أَنْ يُؤْمِنُوا بِلَا خِلَافٍ يُنْسَبُ
أَمَّا بِغَيْرِهِ فَالاخْتِلَافُ جَا … وَالْقَوْلُ بِالْخِطَابِ أَقْوَى حُجَجَا
ثم رأيت العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى قد كتب في هذه المسألة بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته:
قال رحمه الله تعالى: قوله: "غير مخاطبين بالفروع"، هكذا أطبق الناس عليه، ولا يخفى أن الله بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد بيّن - ﷺ - في حديث عمر - ﵁ -، وإتيان جبريل ﵇ يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا". فقال له جبريل: "صدقت". وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ ورواية "بني الإسلام على خمس"، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأخرج الثانية الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ.
وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه - ﷺ - بُعث يدعو الأمة إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، فقد دعا إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفّار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]، والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به
[ ١ / ٤٢٤ ]
الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفّار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة وعصر النبوّة، انتهى كلام الصنعانيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به.
والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عُزير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك.
١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويُطالَب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ الله من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سمّوه به. قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه الله بخلقه، أو أضاف إليه الولد، وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى الله ﷿ ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ - ﷺ - في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ١ / ٤٢٥ ]
هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن لله تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٣٠] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلى الْيَمَن، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا … " بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ).
رجال هذا الإسناد ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمَر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف المسند، وكان ملازمًا لابن عيينة، لكن قال فيه أبو حاتم: فيه غفلة [١٠]، (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في ٤/ ٣١.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١].
رَوَى عن جعفر بن عون، وأبي أُسامة، وعبد الله بكر السَّهْمِيّ، ويزيد بن هارون، وابن أبي فُدَيك، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، والضحّاك بن مَخْلَد، والحسين الجعفي، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابنه محمد بن عبد، وسهل بن شاذَوَيْه، وبكر بن الْمَرْزُبَان، وسليمان بن إسرائيل الْخُجَنديّ، وشاه بن جعفر، وآخرون، من آخرهم إبراهيم بن خُرَيم بن قمر اللَّخْمِيّ الشاشيّ، راوية "التفسير"، و"المسند" عنه.
قال البخاري في "دلائل النبوة" عقب حديث ابن عمر في حَنِين الجذع:
[ ١ / ٤٢٦ ]
وقال عبد الحميد: ثنا عثمان بن عُمر، ثنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا، فقيل: إنه عبد بن حُميد هذا، وقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": عبد الحميد بن نَصْر الْكَشّيُّ، وهو الذي يقال له: عبد بن حُميد، وكان ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال صاحب "الشيوخ النبل": مات بدمشق، ولم يذكره مع ذلك في "تاريخ دمشق".
قال الحافظ: لعل قوله: "بدمشق" وقع في بعض النسخ السقيمة، فإن أكثر النسخ ليس فيها بدمشق، وقال ابن قانع: مات بِكّشّ، فلعلها كانت في "النبل" كذلك، وتَصحَّفَت، وقرأت بخط الذهبي: لم يدخل عبد بن حُميد دمشق قط، وحَكَى غُنْجَار في "تاريخ بُخَارَى" قال: كان يحيى بن عبد الغفار الكشي مَرِيضًا، فعاده عبد بن حُميد، فقال: لا أبقاني الله بعدك، فماتا جميعًا، مات يحيى، ومات عبد في اليوم الثاني فَجْأَةً من غير مرض، ورُفِعَت جنازتهما في يوم واحد، وقرأت بخط محمد بن مُزَاحِم في ظهر جزء من تفسير عبد: قال: ثنا إبراهيم بن خُرَيم بن خاقان سنة (٣٠٩)، ثنا أبو محمد، عبد الحميد بن حميد، فذكره. وقال الشيرازي في "الألقاب": عبد، وهو عبد الحميد بن حُميد، ثم ساق عن إبراهيم بن أحمد البلخيّ، وهو المستملي: ثنا داود بن سليمان بن خُزَيمة أبو خزيمة ببخارى، أنا عبد الحميد بن حُميد، ثنا يحيى بن آدم، فذكر حديثًا، وكذا ساق الثعلبي في مقدمة تفسيره بسند إليه، من طريق داود بن سليمان هذا، وكذا قال من طريق عُمَر بن محمد الْبُجَيريّ، عن عبد الحميد بن حميد.
روى له البخاري في "التعاليق"، ومسلم، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٣٠٧) حديث.
[تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بـ "عبد" بغير إضافة غير هذا المترجم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، ثقة متقنٌ، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩].
رَوَى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومسعر، والليث، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد الرزاق، وغيرهم.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وروى عنه يحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو صالح، كاتب الليث، وعبد الله الْمُسْنَد، وعلي بن المدينيّ، وابن أبي عمر الْعَدَنيّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
وقال عمرو بن عليّ: سألت عبد الرحمن بن مهديّ من حديث إبراهيم بن طَهْمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السَّريّ، فقال: سمعته من بشر، وتسألني عنه؟ لا أحدثك به أبدًا، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث، عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذَكَر حديث ﴿نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيْش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهلُ مكة، فاعتذر، فلم يُقْبَلْ منه، وزَهِدَ الناس فيه، فلما قدمت مكة المرة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكْتَب حديثه، ويقع في أحاديثه من النُّكْرة؛ لأنه يروي عن شيخ مُحْتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به، وقال عباس عن يحيى: رأيته يستقبل البيت، يدعو على قوم يرمونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال الْبَرْقَانيّ عن الدارقطنيّ: مكي ثقة، وفي موضع آخر: وَجَدُوا عليه في أمر المذهب، فحَلَفَ، واعتَذَر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلم، فسُمِّيَ الأَفْوَهَ، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥)، وقال غيره: مات سنة (١٩٦)، وهو ابن (٦٣) سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٩) و(٦٣٥) و(١٤٥١) و(٢٣٥١) و(٢٤٥٦) و(٢٨١٠).
٤ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلد المذكور قبل حديث.
والباقون تقدّموَا في السند الماضي.
وقوله: "عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ معاذًا إلخ"، قال النوويّ في
[ ١ / ٤٢٨ ]
"شرحه": هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند ابن عباس ﵄، وكذلك الرواية التي بعده، وأما الأولى فمن مسند معاذ - ﵁ - ووجه الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ - ﵁ -، فرواه تارة عنه متصلًا، وتارة أرسله، فلم يذكر معاذًا - ﵁ -، وكلاهما صحيح، كما قدمناه أن مرسل الصحابيّ إذا لم يُعْرَف المحذوف يكون حجةً، فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ - ﵁ -.
ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القضية، فتارة رواها بلا واسطة؛ لحضوره إياها، وتارة رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد أسلفنا نحوه لابن الملقّن (^١).
وقوله: "بمثل حديث وكيع" يعني أن حديث بشر بن السريّ، وأبي عاصم عن زكريّا بن إسحاق بمثل ألفاظ حديث وكيع عنه.
[تنبيه]: رواية بِشْرٍ وأبي عاصم اللتان أحالهما المصنف هنا على رواية وكيع أخرجهما أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال: حدثناه أبو حامد، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا بُندار، ثنا أبو عاصم، ثنا زكريّا بن إسحاق … الحديث.
وأما حديث بشر بن السريّ، فحدثناه محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا إسحاق بن أحمد الْخُزَاعىّ القارئ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا زكريّا بن إسحاق، عن يحى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس: أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: "إنك ستأتي قومًا أهل الكتاب، فإذا لقيتهم، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٩٨.
(٢) "المسند المستخرج" ١/ ١١٤.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٣١] (…) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ، أَهلِ كتَاب، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهً فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ").
رجال هذا الاسناد: سبعة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء والشين المعجمة - هو: أمية بن بِسْطَام بن المُنْتَشِر، أبو بكر البصريّ ابنُ عَمّ يزيد بن زُرَيع، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وغيرهم.
ورَوَى عنه الشيخان، وروى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ، وتَمْتَام، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحبّ إليّ منه. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٢٣١).
تفرّد به الشيخان، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
[تنبيه]: قال النوويّ في "شرحه": قوله: "ابن بسطام العيشي: "أما "بِسْطام": فبكسر الباء الموحدة، هذا هو المشهور، وحكى صاحب "المطالع" أيضًا فَتْحَهَا، واختُلِفَ في صرفه، فمنهم من صرفه، ومنهم من لم يصرفه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "بِسْطام" عجميّ لا ينصرف، قال ابنُ دُريد: ليس من كلام العرب، قال: ووجدته في كتاب ابن الْجُوَاليقيّ في الْمُعَرَّب مصروفًا، وهو بعيدٌ، هذا كلام الشيخ أبي عمرو.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وقال الجوهري في "الصحاح": بِسْطام ليس من أسماء العرب، وإنما سَمَّى قيسُ بن مسعود ابنه بِسْطَامَ باسم ملك من ملوك فارس، كما سَمَّوا قابوس، فعرَّبوه بكسر الباء. والله تعالى أعلم.
وأما "العَيْشِيُّ": فبالشين المعجمة، وهو منسوب إلى بني عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وكان أصله العايشيّ، ولكنهم خففوه، قال الحاكم أبو عبد الله، والخطيب أبو بكر البغداديّ: العيشيون بالشين المعجمة بصريون، والعبسيون بالباء الموحدة، والسين المهملة كوفيون، والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون، وهذا الذي قالاه هو الغالب. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وإلى هذا الضابط في "العيشيّ، والعبسيّ، والعنسيّ"، أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ … بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ
وقد ذَيَّلْتُهُ بقولي:
هَذَا هُوَ الْغَالِب في الضَّبْطِ وَقَدْ … يَأتِي مُخَالِفًا فَتَابِعْ مَا وَرَدْ
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) - بتقديم الزاي، مصغّرًا - الْعَيْشيّ، ويقال: التميميّ، أبو معاوية البصريّ الحافظ، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل، وأبي سلمة سعيد بن يزيد، وعمرو بن ميمون بن مهران، وأيوب، وحبيب المعلم، وحبيب بن الشهيد، وخالد الحذّاء، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وبهز بن أسد، ويحيى بن غَيْلان، وعفان، وأمية بن بِسطام، وزكرياء بن عديّ، وعبدان، والقعنبيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم.
قال إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة: لم يكن أحدٌ أثبت من يزيد بن زريع، وقال أبو بكر الأسدي عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رَيْحَانة البصرة، وقال أبو طالب عن أحمد: ما
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٩٩.
[ ١ / ٤٣١ ]
أتقنه، وما أحفظه، يا لك من صحة حديث، صدوقٌ متقن، قال: وكل شيء رواه يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فلا تبال أن لا تسمعه من أحد، سماعه منه قديم، وكان يأخذ الحديث بنيَّة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: يزيد بن زريع الصدوق الثقة المأمون، وقال الدُّوريّ: سئل ابن معين عن يزيد بن زريع، وعبد العزيز الْعَمّيّ، أيهما مُقَدَّم؟ فقال: يزيد أوثق. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: يزيد بن زريم. وقال سعيد بن صالح: سمعت ابن المبارك يقول لرجل، يحدث عن يزيد بن زريع: عن مثله فحدث. وقال أبو عوانة: صحبت يزيد بن زريع أربعين سنة، يزداد في كل يوم خيرًا، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: سمعت بشر بن الحكم، وذَكَر يزيد بن زريع، فقال: كان متقنًا حافظًا، ما أعلم أني رأيت مثله، ومثل صحة حديثه. وقال عمرو بن عليّ: أعلى مَن رَوَى عن شعبة يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد، وذكر جماعةً، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. وقال نصر بن عليّ الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريم في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: بم ذاك؟ قال: بكثرة الصلاة. وقال عليّ بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ابنُ زريع أثبت من وهيب، وعنه أيضًا قال: يزيد بن زريع، ثم ابنُ عُلَيَّة، زاد أبو حاتم: ثم بشر بن المفضل، ثم عبد الوارث. وقال عبد العزيز القواريريّ: لم يكن يحيى بن سعيد يُقَدّم في سعيد بن أبي عروبة أحدًا إلا يزيد بن زريع. وقال محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع: ذَكَرُوا الفقهاءَ، وأصحابَ الحديث، ومن لا يُطْعَن عليه في شيء، فذكروا مالكًا، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع. وحَكَى ابن أبي خَيْثَمَة أن يزيد بن زريع سئل عن التدليس؟ فقال: التدليس كَذِب. وقال النسائيّ: ثقة.
وعن عفّان قال: كان أثبت الناس. وقد أشار ابن طاهر في ترجمة عباس الْبَحْرَانيّ إلى أنه تغير بأَخَرة.
وقال ابن سعد: كان ثقة حجةً كثير الحديث، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة إحدى ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة في شوال، وكان من أورع أهل زمانه،
[ ١ / ٤٣٢ ]
مات أبوه وكان واليًا على الأُبُلَّة، وخَلَفَ خمسمائة ألف، فما أخذ منها حبة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٣ - (رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَرِيّ، أبو غِيَاث - بمعجمة، آخره مثلّثة - البصريّ، ثقة حافظ [٦].
رَوَى عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومحمد بن المنكدر، ومنصور، وهشام بن عروة، ومحمد بن عجلان، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وعبد الله بن طاوس، وعطاء بن أبي ميمونة، وسُهيل بن أبي صالح، وعبيد الله بن عُمَر، وعَمْرو بن يحيى بن عُمارة، وإسماعيل بن أمية، في آخرين، ورَوَى عن قتادة حديثًا واحدًا.
وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن إسحاق، وهما من أقرانه، وعيسى بن شعيب النحويّ، والحسن بن حبيب بن نَدَبَة، ومحمد بن سَوَاء السَّدُوسِيّ، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال أحمد في موضع آخر: رَوْح بن القاسم، وأخوه هشام من ثقات البصريين، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: لم أر أحدًا طلب الحديث، وهو مُسِنٌّ أحفظ منه. وقال ابن حبان في "الثقات": مات قبل الحجاج بن أرطاة، سنة إحدى وأربعين ومائة، وكان حافظًا متقنًا.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة نيف وخمسين.
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أمَيَّةَ) بن عَمْرو بن سَعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، ابن عم أيوب بن موسى، ثقةٌ ثبت [٦].
رَوَى عن ابن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد المقبريّ، وأبي الزبير، والزهريّ، ومكحول الشاميّ، ومحمد بن يحيى بن حبان، وجماعة.
وروى عنه ابنُ جريج، والثوريّ، ورَوح بن القاسم، وأبو إسحاق الفزاريّ، وابن إسحاق، ومعمر، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وابن عيينة، وغيرهم.
[ ١ / ٤٣٣ ]
قال عليّ بن المدينيّ: عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيان، مثل إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب، وأحب إليّ، وفي رواية: أقوى وأثبت.
وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجلٌ صالحٌ. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الذُّهْليّ: ثنا علي، هو ابن المدينيّ، سمعت سفيان قال: كان إسماعيل حافظًا للعلم، مع وَرَع، وصدق، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة.
وقال أبو داود: مات إسماعيل في سجن داود، وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة (١٤٤)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في حبس داود بن عليّ سنة (١٣٩)، وهكذا حكاه البخاري في "تاريخه" عن بقية بن الوليد، وتابعه على ذلك يعقوب بن سفيان، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ في حديث معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد، في زكاة الفطر: خالفه سعيد بن مَسْلَمَة عن إسماعيل بن أمية، عن الحارث بن أبي ذُبَاب عن عياض، والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل رَوَى عن عياض شيئًا، انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الدارقطنيّ من عدم علمه أن إسماعيل ما روى عن عياض شيئًا يردّه ما وقع في "صحيح مسلم" (^١) من التصريح بقول إسماعيل: أخبرني عياض، ودونك نصّ الحديث:
حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، قال: أخبرني عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ، يقول: كنا نُخرِج زكاة الفطر، ورسول الله - ﷺ - فينا، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، صاعًا من أقط،
_________________
(١) نبّه على هذا الحافظ في "تهذيب التهذيب" ١/ ١٤٤.
[ ١ / ٤٣٤ ]
صاعًا من شعير، فلم نزل نخرجه كذلك، حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بُرّ تَعْدِلُ صاعًا من تمر، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك (^١).
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (إنك تقدَم) بفتح الدال المهملة، من باب تَعِب، وأراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو أغلب، وإنما نبّهه على هذا ليتهيّأ لمناظرتهم، ويُعِدّ الأدلّة لإفحامهم؛ لأنهم أهل علم سابقٍ، بخلاف المشركين، وعَبَدَة الأوثان. قاله القرطبيّ (^٢).
وقوله: (فَلْيكن أَوَّلَ مما تدعوهم إليه عبادةُ الله ﷿) بنصب "أوَّلَ" على أنه خبر مقدّم و"يكن"، واسمها قوله: "عبادةُ الله ﷿"، ويجوز العكس.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصلُ العبادة التذلّلُ والخضوع، وسُمّيت
وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها خاضعين متذلّلين لله تعالى، والمراد بالعبادة هنا هو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقوله: (فإذا عَرَفُوا الله، فأخبرهم إلخ)، أي إن أطاعوا بالنطق بكلمتي التوحيد، كما قال في الرواية السابقة: "فإن أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم إلخ"، فسَمَّى الطواعية بذلك، والنطق به معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا عن المعرفة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الذي أمرَ به النبيّ - ﷺ - معاذًا - ﵁ - هو الدعوة قبل القتال التي كان النبيّ - ﷺ - يُوصي بها أُمراءه، وقد اختُلف في حكمها على ما سيأتي بيانه في "كتاب الجهاد" - إن شاء الله تعالى -.
قال: وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ - ﵁ - به حجة لمن تمسّك به من المتكلّمين على أن أوّل واجب على كلّ مكلَّف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفّظ بكلمتي الشهادة، مصدِّقًا بها، وقد اختلَفَ المتكلّمون في أول الواجبات على أقوال كثيرة، منها ما يشنع ذكره، ومنها ما ظهر ضعفه، والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدَى، كمالك،
_________________
(١) راجع الحديث في أبواب زكاة الفطر برقم (٩٨٥) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) "المفهم" ١/ ١٨١.
[ ١ / ٤٣٥ ]
والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السلف أن أول الواجبات على المكلّف الإيمان التصديقيّ الْجَزميّ الذي لا ريب معه بالله تعالى، ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسل على ما تقرّر في حديث جبريل ﵇، كيفما حصل ذلك الإيمان، وبأيّ طريق إليه تُوُصّل، وأما النطق باللسان فمُظهر لِمَا استقرّ في القلب من إيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتّب عليه أحكام الإسلام.
قال: وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وهو أحد القولين لأصحابنا - يعني المالكيّة - وغيرهم من حيث إنه - ﷺ - إنما خاطبهم بالتوحيد أوّلًا، فلمّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاة، والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين:
[أحدهما]: أنه لم يَنُصّ النبيّ - ﷺ - على أنه إنما قَدَّم الخطاب بالتوحيد لما ذكروه، بل يَحتمل ذلك، ويَحتَمِل أن يقال: إنه إنما قدَّمه لكون الإيمان شرطًا مُصحّحًا للأعمال الفروعيّة، لا للخطاب بالفروع؛ إذ لا يصحّ فعلها شرعًا إلا بتقدّم وجوده، ويصحّ الخطاب بالإيمان وبالفروع معًا في وقت واحد، وإن كانت في الوجود متعاقبةً، وهذا الاحتمال أظهر مما تمسّكوا به، ولو لم يكن أظهر فهو مساوٍ له، فيكون ذلك الخطاب مُجملًا بالنسبة إلى هذا الحكم.
[وثانيهما]: أن النبيّ - ﷺ - إنما رَتَّب هذه المَواعد ليبيّن الأوكدَ، فالأوكدَ، والأهمَّ، فالأهمَّ، كما بيّنّاه في حديث ابن عمر - ﵁ - المتقدّم.
واقتصار النبيّ - ﷺ - على ذكر القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المتعيّنة عليهم في ذلك الوقت المتأكّد فيه، ولا يُظَنُّ أن الصوم والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأن إرسال معاذ - ﵁ - إلى اليمن كان في سنة تسع (^١)، وقد كان فُرِضَ الحجّ، وأما الصوم ففُرضَ في السنة الثانية من الهجرة، مات النبيّ - ﷺ -، ومعاذ باليمن على الصحيح.
وقول من قال: إن الرواة سكتوا عن ذكر الصوم والحجّ، قول فاسد؛ لأن الحديث قد اشتَهَرَ، واعتَنَى به الناسُ سلفًا وخَلَفًا، فلو ذكر رسول الله - ﷺ - له شيئًا من ذلك لنُقِلَ. انتهى (^٢).
_________________
(١) تقدّم القول أيضًا بأنه كان سنة عشر.
(٢) "المفهم" ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القرطبيّ بقوله: "وقول من قال إلخ" إلى الردّ على ابن الصلاح في قوله: إن ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض في حديث معاذ - ﵁ - هذا من تقصير الراوي انتهى (^١)، وقد أجاد القرطبيّ في الردّ عليه، والله تعالى أعلم.
وقد أجاد البحث في هذا في "الفتح" حيث قال: ما نصّه:
لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية؛ لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرَا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يُذْكَر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وَجَبَا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن شُرعَ، انتهى.
قال الجامع: أما قوله: "ويحتمل أنه لم يكن شُرع" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه فرض قبله على الراجح كما سبق، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال البُلْقينيّ رحمه الله تعالى: إذا كان الكلام في بيان الأركان، لم يُخِلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر - ﵁ -: "بُنِيَ الإسلام على خمس"، إذا كان الدعاء إلى الإسلام، اكتَفَى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من براءة، مع أن نزوله ما بعد فُرِضَ الصوم والحج قطعًا، وحديث ابنِ عمر أيضًا: "أُمِرت أن أقاتل الناس حشى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة منها اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى
_________________
(١) راجع: "الصيانة" ص ١٦٣.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الإسلام عليها؛ لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محضٌ، والحجّ بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإسلام، هي الأصل، وهي شاقّة على الكفار، والصلوات شاقّة؛ لتكررها، والزكاة شاقّة؛ لما في جِبِلّة الإنسان من حُبّ المال، فإذا أَذْعَنَ المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الْبُلْقِينيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم إلى آخره": ما نصه: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى، وهو مذهب حُذّاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدوف، ويظهرون معرفته؛ لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يَمْنَع أن يعرف الله تعالى من كَذب رسولًا.
قال القاضي عياض ﵀: ما عرف الله تعالى مَنْ شَبَّهَهُ، وجَسَّمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج، من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من المجوس، والثَّنَويّة، فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو الله، وإن سَمَّوه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتَمِد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسيّ (^٢) بين عامة أهل القيروان، عند تنازعهم في هذه المسألة.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥ كتاب الزكاة رقم الحديث (١٤٩٦).
(٢) هو الإمام الكبير العلامة عالم القيروان، أبو عمران، موسى بن عيسى الفاسيّ نزيل القيروان، تفقه بأبي الحسن القابسيّ، وهو أكبر تلامذته، ودخل الأندلس، فتفقّه بأبي محمد الأصيليّ، وسمع "صحيح البخاريّ" عن أبي ذرّ الهرويّ، محدث كثير الرواية، واسع الرحلة، عالم بالرجال والتاريخ، فقيه أصوليّ مقرئ، مع زهد وتواضع، وصلاح، من مصنفاته: فهرست شيوخه، وعوالي حديثه، و"كتاب الأمالي في الحديث"، وتعليقات تتعلّق بتراجم الرواة، توفي في ثالث رمضان=
[ ١ / ٤٣٨ ]
انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي عياض بقوله: "وبهما قطع الكلام أبو عمران إلخ" إلى قصّة ساقها الحافظ الذهبيّ في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة أبي عمران الفاسيّ المذكور، فقال:
وحكى القاضي عياض، قال: حَدَثَ في الْقَيْرَوان مسألة في الكفار، هل يَعرِفون الله تعالى، أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة العامّة، وكَثُرَ المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذَهَبُوا إلى أبي عمران الفاسيّ، فقال: إن أنصتم عَلَّمتكم، قالوا: نعم، قال: لا يُكَلِّمني إلا رجل، ويسمع الباقون، فَنَصَبُوا واحدًا، فقال له: أرأيتَ لو لقيت رجلًا، فقلت له: أتَعْرِف أبا عمران الفاسيّ؟ قال: نعم، فقلت له: صفه لي، قال: هو بَقّالٌ في سوق كذا، ويسكن سَبْتَةَ، أكان يعرفني؟ فقال: لا، فقال: لو لقيتَ آخر، فسألته كما سألت الأولَ، فقال: أعرفه، يُدَرِّسُ العلم، ويُفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم، قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبةٌ، وولدٌ، وأنه جسم، فلم يعرف الله، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن، فقال: شَفَيتنا، ودَعَوا له، ولم يخوضوا بعدُ في المسألة.
قال الذهبيّ معلّقًا على الكلام: المشركون والكتابيون وغيرهم عَرَفُوا الله تعالى، بمعنى أنهم لم يَجْحَدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فهؤلاء لم يُنكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جَهِلُوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، وأما المؤمن فعرف ربه بصفات الكمال، ونَفَى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكَفَّ عما لا يَعْلَم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عَرَفَ الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضُهُم أكمل معرفةً لله،
_________________
(١) = سنة (٤٣٠ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٥٤٥ - ٥٤٨، و"بغية الملتمس" ص ٤٤٢، و"فهرس الفهارس" ١/ ١٥٩.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٨١ - ١٨٣، ونقله النوويّ في "شرح" ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
[ ١ / ٤٣٩ ]
والأولياءُ فعرفوه معرفة جيدةً، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بَعْدَهُم، ثم الصالحون دونهم، فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم، والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق - ﵁ - مثلًا، ثم عددٌ من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به، والإيمان به إلى أعرابي جاهل، وامرأة من نساء القُرَى، ودون ذلك، وكذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام، انتهى كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُسْتَدَل بلفظة "من أموالهم" على أنه إذا امتنع من الزكاة، أُخِذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته، ويَجزِيه ذلك في الباطن، فيه وجهان لأصحابنا - يعني الشافعيّة - انتهى (^٢).
وقوله: (فتردّ على فقرائهم) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ لمالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام أن يَصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية، إذا رآه نظرًا ومصلحةً دينيّةً، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في "كتاب الزكاة" - إن شاء الله تعالى.
وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها من وجبت عليه للإمام العدل الذي يضعها مواضعها، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يلي تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمام من تُدفع إليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا الاستدلال نظر، والذي يظهر لي أنه لا وجوب في ذلك إلا لموجب طارئ، كأن يكون الإمام ألزم أرباب الأموال الدفع إليه، وسنعود لاستيفاء البحث في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وتوقّ كرائم أموالهم)، أي احذر من أخذ خيار أموالهم،
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٥٤٦ - ٥٤٨.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٠٠.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ونفائسها، حذّره من ذلك نظرًا لأرباب الأموال، ورفقًا بهم، وكذلك أيضًا لا يأخذ من شرار المال، ولا معيبه؛ نظرًا للفقراء، فلو طابت نفس ربّ المال بشيء من كرائم أمواله جاز للمصدّق أخذها منه، ولو أن المصدّق رأى أن يأخذ معيبةً على وجه النظرة لمصلحة الفقراء جاز. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].