وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج - ﵀ - تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[٣٨٤] (١٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإسْلَامَ؟ "، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَتَخَافُ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ؟ قَالَ: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا"، قَالَ: فَابْتُلِيْنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا).
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلّهم تقدّموا قريبًا:
و"أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"أَبُو كُرَيْبٍ" هو: محمد بن العلاء، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، و"أَبُو مُعَاوِيةَ" هو: محمد بن خازم الضرير، و"الأَعْمَش" هو: سليمان بن مِهْران، و"شَقِيق": هو ابن سلمة أبو وائل التابعيّ المخضرم، والسند مسلسلٌ بالكوفيين، وسبق بقيّة لطائفه قريبًا، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ١٦٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَحْصُوا لِي) معناه: عُدّوا لي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١)، وفي رواية البخاريّ: "اكتبوا لي"، والإحصاء أعمّ من الكتابة، وقد يُفسّر "أحصوا" بـ "اكتبوا"، قاله في "الفتح" (^٢)، (كَمْ يَلْفِظُ الإسْلَامَ؟ ") أي: كم شخصًا يتكلّم بكلمة الإسلام؟ قال القرطبيّ - ﵀ -: وأصل اللفظ: الرَّمْيُ، ومنه: لَفَظَه البحر، أي: رماه، وعدّاه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدّي بحرف الجرّ، فكأنه قال: عُدّوا لي كم يتكلّم بالإسلام. انتهى (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "كم يَلْفِظ الإسلام؟ " هو بفتح الياء المثنّاة من تحتُ، والإسلام منصوبٌ، مفعولُ "يَلْفِظُ" بإسقاط. حرف الجرّ، أي: يَلْفِظ بالإسلام، ومعناه: كم عَدَدُ مَن يتلفظ بكلمة الإسلام؟، و"كم" هنا استفهامية، ومُفَسّرها محذوف، وتقديره: كم شخصًا يَلفِظ بالإسلام؟.
وفي بعض الأصول: "تَلَفَّظَ؟ " بتاء مثناة من فوقُ، وفتح اللام، والفاء المشددة، وفي بعض الروايات للبخاريّ وغيره: "اكتُبُوا مَن يَلْفِظُ بالإسلام"، فكتبنا، وفي رواية النسائيّ وغيره: "أَحْصُوا لي من كان يَلْفِظ بالإسلام؟ "، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: "أَحْصُوا كُلَّ مَن تَلَفَّظَ بالإسلام". انتهى (^٤).
(قَالَ) حذيفة - ﵁ - (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أتخَافُ عَلَيْنَا)، الهمزة للاستفهام التعجبيّ، وفي رواية البخاريّ: "فقلنا: نخاف" بالنون، وحذف أداة الاستفهام، وقوله: (وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ؟) (^٥) جملةٌ اسميّةٌ في محلّ نصب على الحال من ضمير "علينا".
ومرادهم بهذا تبشير النبيّ - ﷺ -، فكأنهم قالوا له: أتخاف علينا ظهور العدوّ،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٦٥.
(٢) "الفتح" ٦/ ٢٠٦ "كتاب الجهاد والسير" رقم (٣٠٦٠).
(٣) "المفهم" ١/ ٣٦٥.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٩.
(٥) سيأتي الكلام على تعريف الجزأين في قوله: "ما بين الستمائة، والسبعمائة" في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
[ ٤ / ١٦٩ ]
وقد كثر عددنا، وقَوِيت شوكتنا، وقد نصرنا الله تعالى، ونحن في قلّة وضعف؟.
ووقع في رواية البخاريّ من طريق الثوريّ، عن الأعمش: "فكتبنا له ألفًا وخمسَمائة رجل، فقلنا: نَخَافُ، ونحن ألف وخمسُمائة؟ "، وفي رواية للبخاريّ أيضًا مَن طريق أبي حمزة السّكّريّ، عن الأعمش: "فوجدناهم خمسَمائة".
قال في "الفتح" ما حاصله: خالف الثوريَّ أبو حمزة، عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند، فقال: "خمسمائة"، ولم يذكر الألف، وخالفه أيضًا أبو معاوية، فقال: "ما بين ستمائة إلى سبعمائة".
قال: وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وكأن رواية الثوريّ رَجَحَت عند البخاريّ، فلذلك اعتمدَهَا؛ لكونه أحفظهم مطلقًا، وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدَّمةٌ، وأبو معاوية وإن كان أحفظَ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك اقتصر مسلمٌ على روايته، لكنه لم يَجْزِم بالعدد - أي حيث عبّر بلفظ: ما بين ستمائة، إلى سبعمائة - فقَدَّم البخاري روايةَ الثوريّ؛ لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية.
وأما ما ذكره الإسماعيليّ أن يحيى بن سعيد الأُمَويّ، وأبا بكر بن عَيّاش وافقا أبا حمزة في قوله: "خمسمائة"، فتتعارض الأكثرية والأحفظية، فلا يخفى بُعْدُ ذلك الترجيح بالزيادة، وبهذا يَظْهَر رُجحان نظر البخاريّ على غيره.
وسَلَك الداوديّ الشارحُ طريق الجمع، فقال: لعلهم كَتَبُوا مَرّات في مواطن، وجَمَعَ بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميعُ مَن أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبيّ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصّةً، وبالخمسمائة المقاتلة خاصّةً، وهو أحسن من الجمع الأَوّل، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى: "ألفًا وخمسمائة رجل"؛ لإمكان أن يكون الراوي أراد بقوله: "رجل" نفس.
وجَمَع بعضهم (^١) بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصّةً،
_________________
(١) هذا البعض هو النووي ﵀. قال في شرحه (٢/ ١٧٩) بعد ذكر اختلاف الروايات ما نصّه: وقد يقال: وجه الجمع بين هذه الالفاظ أن يكون قولهم: "ألف وخمسمائة" المراد به النساء والصبيان والرجال، ويكون قولهم: "ستمائة إلى سبعمائة" الرجال خاصّةً، =
[ ٤ / ١٧٠ ]
وبما بين الستمائة إلى السبعمائة، هم ومَن ليس بمقاتل، وبالألف وخمسمائة، هم ومَن حولهم من أهل القرى والبوادي.
قال الحافظ: ويخدُش في وجوه هذه الاحتمالات كلِّها اتّحاد مخرج الحديث، ومداره على الأعمش بسنده، واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ - ﵀ - من خَدْشِ فذه الاحتمالات قويّ جدًّا، فإذًا يكون الجواب الصحيح أن يُسلَكَ مسلك الترجيح فقط، وهو أن رواية الثوريّ أولى بالاعتماد عليها، كما هو صنيع الإمام البخاريّ - ﵀ -، كما بيّن ذلك الحافظ - ﵀ - في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ) - ﵀ - مُحذِّرًا لهم من الزَّهْوِ والإعجاب بالكثرة، إذ النصر ليس بالكثرة، وإنما هو من عند الله تعالى، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
("إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ) "لعل" هنا للاستفهام، على مذهب الكوفيين، ولهذا عُلّق بها الفعل، أي "تدرون"، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]،، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عبس: ٣] (^٢)، ومعناها هنا الإشفاق، وهي في كلام الله تعالى، ورسوله - ﷺ -
_________________
(١) = ويكون "خمسمائة" المراد به المقاتلون، ولكن هذا الجواب باطلٌ برواية البخاريّ في أواخر "كتاب السير" في "باب كتابة الإمام الناس" قال فيها: "فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل". والجواب الصحيح - إن شاء الله تعالى - أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم: "ما بين الستمائة إلى السبعمائة" رجال المدينة خاصًّة، وبقولهم: "فكتبنا له ألفًا وخمسمائة" هم مع المسلمين حولهم. انتهى.
(٢) "الفتح" ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ "كتاب الجهاد" رقم (٣٠٦٠).
(٣) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٢٨٨ تحقيق محمد محيى الدين.
[ ٤ / ١٧١ ]
للتحقيق (أَنْ تُبْتَلَوْا") بضمّ أوله، وفتح ثالثه، ورابعه، أما فتح ثالثه، فلكونه مبنيًّا للمفعول، وفتح رابعه، وهو اللام، فلأجل وقوع الإعلال فيه؛ إذ أصله: "أن تُبتَلَوُوا" بضم الواو الأولى، فقُلبت ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين: وهما الواوان، فبقي ما قبلها مفتوحًا؛ لعدم كونه قبلها تقديرًا.
ولفظ أبي عوانة، وأبي نُعيم: "لعلّكم تُبْتَلَون" بحذف "أن"، قال في "الفتح": وكأنّ ذلك وقع عند تَرَقُّب ما يُخاف منه، ولعله كان عند خروجهم إلى أُحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حَفْر الخندق، وحَكَى الداوديّ احتمالَ أنّ ذلك وقع لَمّا كانوا بالحديبية؛ لأنه قد اختُلِف في عددهم، هل كانوا ألفًا وخمسمائة، أو ألفًا وأربعمائة، أو غير ذلك؟ مما سيأتي في مكانه. انتهى (^١).
(قَالَ) حُذيفة - ﵁ - (فَابْتُلِيْنَا) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ: "فلقد رأيتُنَا ابتُلِينا" (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلا سِرًّا) أي: فتحقّق ما أخبر به النبيّ - ﷺ -، فحصل الابتلاء بالفتن التي تموج كموج البحر، وامتُحنوا حتى كان الرجل منهم يُخفي صلاته عن الآخرين، ويُصلّي سرًّا، خوفًا وفَرَقًا.
قال النوويّ - ﵀ -: لعله كان في بعض الفتن التي جَرَت بعد النبيّ - ﷺ -، فكان بعضهم يُخفِي نفسه، ويصلي سرًّا؛ مخافةً من الظهور، والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وأما قول حذيفة - ﵁ -: "فابتُلِينا … إلخ" فيُشبِه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان - ﵁ - من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاةَ، أو لا يُقيمها على وجهها، وكان بعض الوَرِعِين يُصلي وحده سرًّا، ثم يصلي معه خشيةً من وقوع الفتنة، وقيل: كان ذلك حين أتمّ عثمانُ الصلاة في السفر، وكان بعضهم يَقصر سرًّا وحده؛ خشيةَ الإنكار عليه.
ووَهِمَ مَن قال: إن ذلك كان أيامَ قتل عثمان؛ لأن حذيفة - ﵁ - لم يحضر
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٤ / ١٧٢ ]
ذلك، وفي ذلك عَلَمٌ من أعلام النبوة، من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وَقَع أشد من ذلك بعد حذيفة - ﵁ - في زمن الحجَّاج وغيره. انتهى (^١).
وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: "فابتُلينا … إلخ" يعني: بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكّة حين كان المشركون يؤذونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم حتى كانوا يُصلّون سرًّا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ في توجيه معنى هذا الحديث مما لا يخفى بطلانه، يُبطله قوله: "فابتُلينا"؛ إذ معناه: بعدما قال لهم النبيّ - ﷺ -: "لعلكم أن تُبْتَلَوْا"، ويُبطله أيضًا قوله: "أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ "، وفي رواية الثوريّ: "ونحن ألف وخمسمائة"، وهذا كلّه لا يكون قطعًا في أول الإسلام، وإنما هو بعد قوله - ﷺ -: "أحصوا لي … إلخ".
والحاصل أن هذا الابتلاء إنما وقع بعد ذلك، والذي يظهر أن المراد ما وقع في خلافة عثمان - ﵁ - من بعض ولاة أمراء بني أميّة، كما سبق في كلام الحافظ - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧١/ ٣٨٤] (١٤٩)، و(البخاريّ) في "الجهاد والسير" (٣٠٦٠)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٢٩)، و(النسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٨٧٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٦٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٧٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٩ و٣٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٧٥)، و(ابن
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢٠٦ "كتاب الجهاد" رقم (٣٠٦٠).
(٢) "المفهم" ١/ ٣٦٥.
[ ٤ / ١٧٣ ]
منده) في "الإيمان" (٤٥٢ و٤٥٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٦٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٧٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بين جواز الاستسرار بالإيمان للخائف على نفسه.
٢ - (ومنها): مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يَصْلَح للمقاتلة عمن لا يصلح.
٣ - (ومنها): أن فيه وقوعَ العقوبة على الإعجاب بالكثرة، فقد قالوا للنبيّ - ﷺ -: "أتخاف علينا"، ونحن بهذا العدد الكثير؟، فوقع الابتلاء، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
٤ - (ومنها): أن فيه علَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بما سيقع بعده، فوقع كما أخبر به، فقد قال حذيفة - ﵁ -: "فابتُلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلّي إلا سرًّا".
٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ - ﷺ -، وشدّة رأفته بأصحابه خاصةً، وبأمته عامّة، فكان يحذّرهم ويُخبرهم بما سيحصل لهم من الابتلاء والامتحان حتى يستعدّوا لذلك بالصبر، والتوكّل على الله - سبحانة وتعالي -، فظهر بهذا مصداق قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ - ﵀ - ترجم في "كتاب الجهاد" من "صحيحه"، فقال: "باب كتابة الإمام الناس"، فقال ابن المُنَيِّر - ﵀ -: موضعُ الترجمة من الفقه أن لا يُتَخَيَّل أن كتابة الجيش، وإحصاء عدده، يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابةُ المأمورُ بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين، كانت من جهة الإعجاب. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان القاعدة النحويّة في تعريف العدد:
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٢٠٧ "كتاب الجهاد".
[ ٤ / ١٧٤ ]
(اعلم): أنه وقع في هذا الحديث قوله: "مَا بَيْنَ السِّتّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ"، فقال النوويّ - ﵀ -: كذا وقع في مسلم، وهو مشكل من جهة العربية، وله وجه، وهو أن يكون "مائة" في الموضعين منصوبًا على التمييز، على قول بعض أهل العربية (^١)، وقيل: إن "مائة" في الموضعين مجرورة، على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا اعتداد بدخولهما.
قال: ووقع في "صحيح البخاريّ": "ما بين ستمائة إلى سبعمائة"، وهذا ظاهرٌ، لا إشكال فيه من جهة العربية (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه الإشكال الذي أشار إليه النوويّ - ﵀ - أن القاعدة النحويّة في العدد أنه إذا كان العدد مضافًا، وأردت تعريفه، عَرَّفتَ الآخرَ، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافًا إلى معرفة، فتقول: ثلاثة الأثواب، ومائة الدرهم، وألفُ الدينار، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ … فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ
وقول الآخر [من الطويل]:
وَهَلْ يَرْجِعُ التَّسْلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ العَنَا … ثَلَاثُ الأَثَافِي وَالدِّيَارُ البَلَاقِعُ
وأجاز الكوفيّون "الثلاثة الأثوابِ"؛ تشبيهًا بـ "الحسنِ الوجهِ"، قال الزمخشريّ: وذلك بمعزل عند أصحابنا - يعني: البصريين - عن القياس، واستعمال الفصحاء.
وإذا كان العدد مركّبًا ألحقتَ حرف التعريف بالأول، فتقول: الأحد عشر درهمًا، والاثنتا عشرة جاريةً، ولم تُلحقه بالثاني؛ لأنه بمنزلة بعض الاسم، وأجاز ذلك الأخفش، والكوفيّون، فقالوا: الأحد العشر درهمًا، والاثنتا العشرة جاريةً؛ لأنهما في الحقيقة اسمان، والعطف مرادٌ فيهما، ولذلك بُنيا، ويدلُّ عليه إجازتهم ثلاثة عشر، وأربعة عشر؛ إذ تاء التأنيث لا تقع حشوًا، فلولا ملاحظة العطف لَمَا جاز ذلك.
ولا يجوز الأحدَ العشرَ الدرهمَ؛ لأن التمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز عند الكوفيين، وقد استعمل ذلك بعضُ الكُتّاب.
_________________
(١) هو مذهب الكوفيين.
(٢) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٩.
[ ٤ / ١٧٥ ]
وإذا كان معطوفًا عرّفتَ الاسمين معًا، فتقول: الأحد والعشرون درهمًا؛ لأن حرف العطف فَصَلَ بينهما.
(واعلم): أن في تعريف المضاف قد يكون المعرَّف إلى جانب الأول، كما تقدّم، وقد يكون بينهما اسم واحدٌ، نحو خمسمائة الألف، وقد يكون بينهما اسمان، نحو خمسمائة ألف الدينار، وقد يكون بينهما ثلاثة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار الرجل، وقد يكون بينهما أربعة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار غلام الرجل، وعلى هذا.
ولو قلتَ: عشرون ألف رجل امتَنَعَ تعريف المضاف إليه؛ لأن المضاف منصوب على التمييز، فلو عرّفتَ المضاف إليه صار المضاف معرفةً بإضافته إليه، والتمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز ذلك عند الكوفيين، ولو قلتَ: خمسة آلاف دينار جاز تعريف المضاف إليه، نحو خمسمائة آلاف الدينار، وكذلك حكم المائة؛ لأن مميِّزها يجوز تعريفه كما عَرَفتَ، ولا تعرّف الآلاف؛ لإضافتها إلى ما بعدها، سواء أُضيفت لمعرفة، أو نكرة؛ لأن "أل" لا تدخل على المضاف في مثل ذلك، وأما ما وقع في "صحيح البخاريّ" في "باب الكفالة في القرض والديون": "ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، فأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف، مُبدَل من المُعَرَّف؛ أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا يَنقاس.
وقد نظم العلامة الأجهوريّ - ﵀ - حاصل هذه المسألة، فقال:
وَعَدَدٌ تُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَا … فَـ "أَلْ" بِجُزْأَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا
وَإِنْ يَكُنْ مُرَكَّبًا فَالأَوَّلُ … وَفِي المُضَافِ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ
وَخَالَفَ الكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ … فَفِيهِمَا قَدْ عَرَّفَ الجُزْأَيْنِ (^١)
_________________
(١) كان نصّ بيت الأجهوريّ هكذا: وَخَالَفَ الكُوفِي فِي الأَخِيرِ … فَعَرَّفَ الجُزْأَيْنِ يَا سَمِيرِي فغيّره الصبّان؛ لأن المراد بالأخير غيرُ الأول، فيشمل الثاني، وهو المركّب؛ لأن الكوفيّ خالف فيه أيضًا، فكان الأحسن أن يقول بدل الأخير: وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ … إلخ.
[ ٤ / ١٧٦ ]
ذكر هذا التحقيق العلامة أبو الحسن الأشمونيّ في شرحه "على خلاصة" ابن مالك، ومحشّيه العلامة محمد بن عليّ الصبّان رحمهما الله تعالى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾