وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[٣٨٩] (١٥١) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب،
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠١ "كتاب الزكاة" رقم (١٤٧٨).
[ ٤ / ١٩٦ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - ﷺ - إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قَالَ: وَيرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظٌ فقيه عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ (^١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) (^٢) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -.
_________________
(١) اسمه عبد الله على المشهور، وقيل: اسمه إسماعيل، وقل: لا يعرف اسمه، قاله النوويّ في "شرحه" ٢/ ١٨٥.
(٢) المسيِّب: والد سعيد بفتح الياء على المشهور الذي قاله الجمهور، ومنهم من يكسرها، وهو قول أهل المدينة، وهو الأولى، كما قدّمناه في شرح المقدّمة.
[ ٤ / ١٩٧ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلهم فقهاء أجلّاء.
٥ - (ومنها): أن فيه اثنين من الفقهاء السبعة، وهما: سعيد، وأبو سلمة.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية الطبريّ، من طريق عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهريّ، أخبرني أبو سلمة وسعيد، كذا قال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، ورواه مالك عن الزهري، فقال: إن سعيد بن المسيِّب، وأبا عُبيدة أخبراه عن أبي هريرة، ومن هذا الطريق أخرجه أيضًا عند البخاريّ، وتابع مالكًا أبو أويس، عن الزهريّ، أخرجه أبو عوانة من طريقه، ورجح ذلك عند النسائيّ، فاقتصر عليه، وكأنّ البخاريّ جَنَحَ إلى تصحيح الطريقين، فأخرجهما معًا، وهو نظر صحيح؛ لأن الزهريّ صاحب حديث، وهو معروف بالرواية عن هؤلاء، فلعله سمعه منهم جميعًا، ثم هو من الأحاديث التي حَدَّث بها مالك خارج "الموطأ"، واشتهر أن جويرية تفرّد به عنه، ولكن تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ في "غرائبه" من طريقه، أفاده في "الفتح" (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "نَحْنُ) الضمير له - ﷺ -، ولأمته (أَحَق بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - ﷺ -) قال في "الفتح": سقط لفظ "الشك" من بعض الروايات، و"الشكّ" في الأصل: هو التوقّف بين الأمرين من غير ترجيح النفي أو الإثبات، أي: من غير مزيّة لأحد الأمرين على الآخر.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٤٧٣ - ٤٧٤ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٧٢).
[ ٤ / ١٩٨ ]
[تنبيه]: اختَلَفَ العلماء في معنى "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" على أقوال كثيرة، قال الحاقظ أبو عوانة في "مسنده" بعد إخراجه، ما نصّه: سمعت أبا حاتم الرازيّ يقول: يعني نحن أحقّ بالمسألة، وسمعتُ القاضي إسماعيل يقول: كان يعلم بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكنه أحبّ أن يرى معاينة. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه" بعد إخراج الحديث، ما نصّه: قال أبو حاتم: قوله: "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" لم يُرد به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أن إبراهيم - ﷺ - قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولم يتيقّن أنه يُستجاب له فيه، يريد في دعائه، وسؤاله ربَّه عمّا سأل، فقال - ﷺ -: "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا، ربّما يُستجاب لنا، وربّما لا يُستجاب، ومحصول هذا الكلام أنه لفظةُ إخبار، مرادها التعليم للمخاطب له. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ - في "شرحه": اختلف العلماء في معنى "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" على أقوال كثيرة، أحسنُها وأصحُّها ما قاله الإمام أبو إبراهيم المزنيّ، صاحب الشافعيّ، وجماعات من العلماء:
قال: معناه: إن الشك مستحيل في حق إبراهيم - ﵇ -، فإن الشك في إحياء الموتى، لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشكّ، فاعلموا أن إبراهيم، لم يشكّ.
وإنما خَصّ إبراهيم؛ لكون الآية قد يَسْبِق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشكّ.
وإنما رَجَّح إبراهيمَ على نفسه - ﷺ - تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يَعْلَم - ﷺ - أنه خير ولد آدم.
قال صاحب "التحرير": قال جماعة من العلماء: لَمّا نزل قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قالت طائفة: شَكَّ إبراهيم، ولم يَشُكَّ نبيّنا، فقال النبيّ - ﷺ -: "نحن أحقّ بالشك منه"، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان:
_________________
(١) راجع: "مسند أبي عوانة" ١/ ٧٨ - ٧٩ رقم (٢٣٢).
(٢) راجع: "الإحسان" ١٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم (٦٢٠٨).
[ ٤ / ١٩٩ ]
[أحدهما]: أنه خَرَج مخرج العادة في الخطاب، فإن مَن أراد المدافعة عن إنسان، قال للمتكلم فيه: ما كنتَ قائلًا لفلان، أو فاعلًا معه من مكروه، فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه.
[والثاني]: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكًّا أنا أولى به، فإنه ليس بشكّ، وإنما هو طلب لمزيد اليقين. وقيل غير هذا من الأقوال، فنقتصر على هذه؛ لكونها أصحها وأوضحها، والله أعلم.
وقال في "الفتح": اختلفوا في معنى قوله - ﷺ -: "نحن أحقّ بالشك"، فقال بعضهم: معناه نحن أشدُّ اشتياقًا إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وقيل: معناه إذا لم نَشُكّ نحن، فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي: لو كان الشكّ متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به منهم، وقد علمتم أني لم أشُكّ، فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعًا منه - ﷺ -، أو مِنْ قَبْلِ أن يُعْلِمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ - عند مسلم أن رجلًا قال للنبيّ - ﷺ -: يا خير البرية، قال: "ذاك إبراهيم". وقيل: إن سبب هذا الحديث أن الآية لَمّا نَزَلت قال بعض الناس: شكّ إبراهيم، ولم يشك نبيّنا، فبلغه ذلك، فقال: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم"، وأراد ما جَرَت به العادة في المخاطبة، لمن أراد أن يَدْفَع عن آخر شيئًا، قال: مهما أردت أن تقوله لفلان، فقله لي، ومقصوده: لا تقل ذلك.
وقيل: أراد بقوله: "نحن" أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة العصمة. وقيل: معناه: هذا الذي تَرَون أنه شكٌّ أنا أولى به؛ لأنه ليس بشكّ، إنما هو طلب لمزيد البيان.
وحَكَى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ الآية [الدخان: ٣٧]، أي: لا خير في الفريقين، ونحوُ قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي: لا خير فيهما، فعلى هذا، فمعنى قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم": لا شكَّ عندنا جميعًا.
وقال ابن عطية: ترجم الطبري في تفسيره، فقال: وقال آخرون: شكّ إبراهيم في القدرة، وذكر أثر ابن عباس وعطاء، قال ابن عطية: ومَحْمِل قول
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ابن عباس عندي أنها أرجى آية؛ لِمَا فيها من الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال، ولا يحتاج إلى تنقير وبحث، قال: ومَحْمِل قول عطاء: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يَدْخُل قلوب الناس، أي: من طلب المعاينة.
قال: وأما الحديث فمبنيٌّ على نفي الشك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفيّ عن الخليل قطعًا؛ لأنه يَبْعُد وقوعه ممن رَسَخَ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ قال: وأيضًا فإن السؤال لَمّا وَقَع بـ "كيف" دَلّ على حال شيء موجود مُقَرَّر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟، فـ "كيف" في الآية سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرَّرٌ.
وقال ابن الجوزيّ: إنما صار أحقّ من إبراهيم؛ لِمَا عانى من تكذيب قومه، وردّهم عليه، وتعجبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحقّ أن أسأل ما سأل إبراهيم؛ لعظيم ما جَرَى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: إن هذا الكلام من باب الدفاع عن إبراهيم - ﵇ -، فهو كقول القائل عند مدافعته عن شخص دفاعًا شديدًا: مهما أردت أن تقوله لفلان، فقله لي، ومقصوده بذلك: لا تقل هذا فيه، فإنه بريء غاية البراءة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] "كيف" اسم استفهام، سؤال عن الحال، والجملة في محلّ نصب مفعول ثانٍ لـ"أرني".
[تنبيه]: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في سبب سؤال إبراهيم؛ هذا السؤال أوجهًا، أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالًا، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٧٢).
[ ٤ / ٢٠١ ]
علم المعاينة، فإنه ضروريّ، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهريّ وغيره.
والثاني: أراد اختبار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، وعلى هذا قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: تُصَدِّق بعِظَم منزلتك عندي، واصطفائك وخُلَّتك.
والثالث: سأل زيادة يقين، وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن بين العِلْمَين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التستري - ﵀ -: سأل كشف غطاء العيان؛ ليزداد بنور اليقين تمكنًا.
الرابع: أنه لما احتَجَّ على المشركين بأن ربه - ﷾ - يحيي ويميت، طلب ذلك منه - ﷾ -؛ ليظهر دليله عيانًا. وقيل أقوال أُخَرُ كثيرة ليست بظاهرة.
قال الإمام أبو الحسن الواحديّ - ﵀ -: اختلفوا في سبب سؤاله، فالأكثرون على أنه رأى جِيفَةً بساحل البحر، يتناولها السباع، والطير، ودوابُّ البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يُحييه ربه، ولم يكن شاكًّا في إحياء الموتى، ولكن أحبّ رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبُّون أن يروا النبيّ - ﷺ -، والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بكل ذلك، وزوال الشكوك عنه، ذكر ذلك كله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره، وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضًا الطبريّ على ظاهره، وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تَسْتَقِرَّ، ولا زلزلت الإيمان الثابت.
واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن محمد بن المنكدر، عن ابن عباس - ﵄ -: قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال ابن عباس: هذا لِمَا يَعْرِض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم؛ بأن قال: ﴿بَلَى﴾. ومن طريق معمر، عن قتادة، عن ابن عباس، نحوه، ومن طريق عليّ بن زيد،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، نحوه، وهذه طُرُقٌ يَشُدُّ بعضها بعضًا.
وإلى ذلك جَنَحَ عطاءٌ، فرَوَى ابن أبي حاتم، من طريق ابن جريج: سألت عطاء عن هذه الآية، قال: دَخَلَ قلب إبراهيم؛ بعضُ ما يدخل قلوب الناس، فقال ذلك، ورَوَى الطبري من طريق سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن إبراهيم أَتَى على دابة، تَوَزَّعتها الدوابُّ والسباع، ومن طريق حَجّاج، عن ابن جريج، قال: بلغني أن إبراهيم أَتَى على جيفة حمار، عليه السباع والطير، فعَجِبَ، وقال: رب لقد علمتُ لتجمعنَّها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى.
وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، فرَوَى الطبريّ، وابن أبي حاتم، من طريق السُّدّيّ، قال: لَمّا اتخذ الله إبراهيم خليلًا، استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّره، فأَذِن له، فذكر قصةً معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال: فقام إبراهيم يدعو ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] حتى أعلمَ أني خليلك.
ورَوَى ابن أبي حاتم، من طريق أبي العَوّام، عن أبي سعيد، قال: ليطمئن قلبي بالخُلَّة، ومن طريق قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قال: ليطمئن قلبي أني خليلك، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس: لأعلم أنك أجبت دعائي، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عنه: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وإلى هذا الأخير جَنَحَ القاضي أبو بكر الباقلاني.
وحكى ابن التين عن الداوديّ الشارح أنه قال: طَلَب إبراهيم ذلك؛ لتذهب عنه شدّة الخوف، قال ابن التين: وليس ذلك بالبَيِّن.
وقيل: كان سبب ذلك أن نُمرود لَمّا قال له: ما ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، فذكر ما قَصَّ الله، مما جَرَى بينهما، فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شكّ منه في القدرة، ولكن أحبَّ ذلك، واشتاق إليه، فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده، أخرجه الطبري عن ابن إسحاق.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيي الموتى.
وقيل: معناه أقدرني على إحياء الموتى، فتأدَّب في السؤال.
وقال ابن الحصار: إنما سأل أن يُحيي الله الموتى على يديه، فلهذا قيل له في الجواب: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وحَكَى ابنُ التين عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلْبِي﴾ رجلًا صالحًا، كان يَصحبه، سأله عن ذلك.
وأبعدُ منه ما حكاه القرطبيّ المفسر عن بعض الصوفية، أنه سأل من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب.
وقيل: أراد طمأنينة النفس بكثرة الأدلة.
وقيل: محبة المراجعة في السؤال. انتهى (^١).
(﴿قَالَ﴾) ﷿ (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) الهمزة للاستفهام التقريريّ (^٢)، ووجهه أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإحياء، قاله في "الفتح" (^٣)، وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ همزة إثبات، كقول جرير [من الوافر]:
أَلَسْتمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا … وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ (^٤)
ومفعول "تؤمن" محذوفٌ، أي: أَوَ لم تؤمن بالإحياء؟ أو: أوَ لم تؤمن بكفيّته؟
(﴿قَالَ﴾) إبراهيم - ﵇ - (﴿بَلَى﴾) هي حرف جواب تختصّ بالنفي، وتفيد إبطاله، أي أنا مؤمن، وأجرى النحويّون النفي مع التقريريّ مجرى النفي المجرّد في ردّه بـ "بلى"، ولذلك رُوي ابن عبّاس - ﵁ - وغيره في تفسير قول - ﷿ -: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]: لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن "نعم" تصديق للخبر بنفي أو إيجاب (^٥).
﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) علّة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلُب الرؤيا ليطمئن قلبي، أي: ليزيد سكونًا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدِّق، ولكن للعيان لطيف
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) الاستفهام التقريريّ هو: حمل المخاطب على الإقرار بمضمون الجملة إثباتًا أو نفيًا، والمعنى هنا: أَقِرّ بأنك مؤمن. اهـ. "فتح المنعم" ١/ ٤٨٠.
(٣) "الفتح" ٦/ ٤٧٥.
(٤) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٤.
(٥) "فتح المنعم" ١/ ٤٨٠.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
معنى، وقال عياض: لم يشكّ إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته.
ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شكّ؛ لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) جملة خبريّة لفظًا، إنشائيّة معنًى؛ لأن المراد بها الدعاء له بالرحمة.
و"لوط" - ﵇ - من المرسلين، ذكر الله - ﷾ - قصّته في قوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ الآيات [الصافات: ١٣٣]، وغيرها من الآيات.
يقال: إنه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم - ﵇ -، وقد قَصّ الله تعالى قصته مع قومه في "الأعراف"، و"هود"، و"الشعراء"، و"النمل"، و"الصافات"، وغيرها.
وفي رواية البخاريّ: "يغفر الله للوط، إِنْ كان لَيأوِي إلى ركن شديد".
وحاصل قصّته أن قومه؛ ابتدعوا وطء الذكور، فدعاهم لوط - ﵇ - إلى التوحيد، وإلى الإقلاع عن الفاحشة، فأصَرُّوا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحدٌ، وكانت مدائنهم تُسَمَّى سَدُوم، وهي بغور زغر، من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم، بَعَثَ جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم، فاستضافوه، فكان ما قَصّ الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط، فاستضافوه، فخاف عليهم من قومه، وأراد أن يُخْفِي عليهم خبرهم، فنَمَّت عليهم امرأته، فجاءوا إليه، وعاتبوه على كتمانه أمرهم، وظَنُّوا أنهم ظَفِرُوا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل، فقَلَبَ مدائنهم، بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته، إلا امرأته، فإنها تأخرت مع قومها، أو خَرَجت مع لوط، فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بُحَيرة منتنة، لا يُنتَفَع بمائها، ولا بشيء مما حولها.
(لَقَدْ كانَ يَأْوِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: أوى إلى منزله يأوي، من باب ضَرَبَ أُويًّا: أقام، وربّما عُدِّي بنفسه، فقيل: أوى منزلَهُ، والمَأْوَى - بفتح
[ ٤ / ٢٠٥ ]
الواو - لكلّ حيوان مسكنه، وسُمع مَأْوِي الإبل بالكسر شاذًّا، ولا نظير له في المعتلّ، وبالفتح على القياس، قاله الفيّوميّ (^١). (إِلَي رُكْنٍ شَدِيدٍ) قال ابن الأثير - ﵀ -: أي: إلى الله تعالى الذي هو أشدّ الأركان وأقواها، وإنما ترحّم عليه؛ لسهوه حين ضاق صدره من قومه حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أراد عزَّ العشيرة الذين يُستند إليهم كما يُستنَدُ إلى الركن من الحائط. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: المراد بالركن الشديد هو الله - سبحانه تعالى -، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها، ومعنى الحديث - والله أعلم - أن: لوطًا - ﵇ - لَمّا خاف على أضيافه، ولم يكن له عَشِيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذَرْعُهُ، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أن لي بكم قوةً في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع، لمنعتكم، وقصد لوط - ﵇ - إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريقٍ ما لفعله، وأنه بَذَلَ وسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه؛ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما هو لِمَا ذكرناه، من تطييب قلوب الأضياف.
ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألمّ، وضيق الصدر، والله أعلم. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أي: إلى الله - سبحانة وتعالي -، يشير - ﷺ - إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سَدُوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي مَنَعَةً، وأقاربَ، وعشيرةً، لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضِيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث، كما أخرجه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٢.
(٢) "النهاية" ٢/ ٢٦٠.
(٣) "شرح النووي" ٢/ ١٨٥.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
"قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديدٍ، ولكنه عَنَى عشيرته، فما بَعَثَ الله نبيًّا إلا في ذِرْوَة من قومه"، زاد ابن مردويه، من هذا الوجه: "ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]؟ ".
وقيل: معنى قوله: "لقد كان يأوي إلى ركن شديد" أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأوِ إليهم، وأوى إلى الله. انتهى.
قال الحافظ - ﵀ -: والأول أظهر؛ لما بيّناه، وقال النووي - ﵀ -: يجوز أنه لَمّا اندَهَشَ بحال الأضياف، قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف؛ اعتذارًا، وَسُمّيَت العشيرةُ ركنًا؟؛ لأن الركن يُستَنَد إليه، ويُمْتَنَع به، فشبّههم بالركن من الجبل؛ لشدّتهم، ومنْعَتهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله النوويّ - ﵀ - أقرب التوجيهات لهذه الآية الكريمة.
وحاصله أن لوطًا؛ قال هذا الكلام من باب إظهار العذر لأضيافه في عدم معاقبة قومه لَمّا أرادوا بهم سوءًا، فهو في الحقيقة آوٍ إلى ربه في كلّ حال، ولكنه أراد إظهار ضعف مقاومته لقومه لَمّا أرادوا الاعتداء على أضيافه؛ لعدم عشيرته الذين يستنصر بهم عادةً إذا نابه مثل هذا الاعتداء، فأظهر للأضياف ذلك العذر حتى يَعذِرُوه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ولو لبثت) بكسر الموحّدة، يقال: لَبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثَةُ بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة والنوع، والاسمُ: اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاثُ بالفتح، وتَلَبَّثَ بمعناه، وَيتَعَدَّى بالهمز والتضعيف، فيقال: ألبثته، ولَبَّثته، قاله الفيّوميّ (^١). (فِي السِّجْنِ) - بكسر، فسكون - أي: الحبس، والجمع سُجُون، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول، قاله الفيّوميّ (^٢)، ويحتمل أن يكون المراد به مكان الحبس، قال المجد: "السِّجْنُ" بالكسر: المَحْبِسُ. انتهى (^٣). (طُولَ لَبْثِ) بفتحتين، أو بفتح اللام، وضمّها،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٧.
(٣) "القاموس المحيط " ص ١٠٨٥.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وسكون الموحّدة، و"طُولَ" منصوب على أنه مفعول مطلق لـ"لَبْثت" (يُوسُفَ؛ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيِ) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولَمَا قَدَّمتُ طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر، حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله - ﷺ - تواضعًا، والتواضع لا يَحُطُّ مرتبة الكبير، بل يزيده رِفْعَةً وجلالًا.
وقيل: هو من جنس قوله: "لا تُفَضِّلوني على يونس"، وقد قيل: إنه قاله قبل أن يَعْلَم أنه أفضل من الجميع (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله - ﷺ -: "ولو لبثتُ في السجن … " إلخ فهو ثناء على يوسف - ﵇ -، وبيان لصبره، وتأنِّيه، والمراد بالداعي: رسول الملِكِ الذي أخبر الله - سبحانة وتعالي - أنه قال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠]، فلم يَخرج يوسف - ﵇ - مبادرًا إلى الراحة، ومفارقةً للسجن الطويل، بل تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجِن بسببه، ولتَظْهَر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خَجَلَ من يوسف ولا غيره، فبَيَّن نبيُّنا - ﷺ - فضيلةَ يوسفَ؛ في هذا، وقُوَّة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره، وقال النبيّ - ﷺ - عن نفسه، ما قاله تواضعًا، وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف - ﵇ -، والله تعالى أعلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٣/ ٣٨٩ و٣٩٠ و٣٩١] (١٥١)، وفي "الفضائل" (١٥١)، و(البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٧٢ و٣٣٨٧)، و"التفسير" (٤٥٣٧ و٤٦٩٤)، و"التعبير" (٦٩٩٢)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٦ - ٣٥٠)، و(النسائيّ) في
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٧٢).
[ ٤ / ٢٠٨ ]
"التفسير" من "الكبرى" (١١٠٥٠ و١١٢٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠ و٢٣١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢ و١١٠٥٠ و١١٢٥٣)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٠٦ و٦٢٠٧ و٦٢٠٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٥٩٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٦٣)، و"معالم التنزيل" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣٢٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٦٩ و٣٧٠ و٣٧١)، و(البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٥٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة؛ إذ العيان يفيد من المعرفة ما لا يفيده الاستدلال، فإبراهيم؛ طلب عين اليقين بعد أن تحقّق له علم اليقين، فإن العلم ثلاث مراتب:
١ - علم اليقين، وهو ما يحصل بالاستدلال.
٢ - وعين اليقين، وهو ما يحصل بالمعاينة والمشاهدة.
٣ - وحقّ اليقين، وهو ما يحصل باللقاء والملامسة.
فمثلًا من رأى شخصًا من بعيد، فشهد عنده عدول لا يشكّ فيهم بأنه فلان، فقد حصل له علم اليقين، فإذا اقترب منه، وشاهده، وكلّمه، فقد حصل له عين اليقين، فإذا سلم عليه، وصافحه بيده، فقد حصل له حقّ اليقين، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان زيادة الإيمان ونقصه.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الدفاع عن المسلم؛ فإن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - دافع عن تطرّق الشكّ إلى إبراهيم - ﵇ -، حيث إن بعضهم قال: شكّ إبراهيم، ولم يشكّ نبينا - ﷺ -، على ما قيل.
٤ - (ومنها): إظهار وصف فضل أهل الفضل للناس، فإن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - وصف يوسف - ﵇ - بالصبر والأناة، حيث لم يبادر بالخروج من السجن الطويل، بل قال لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠].
٥ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهضم نفسه، حيث قال: "لأجبت
[ ٤ / ٢٠٩ ]
الداعي"، فإن هذا إنما قاله تواضعًا، لا أنه كان فيه مبادرة وعَجَلة لو كان مكان يوسف - ﵇ -، والتواضع لا يصغّر كبيرًا، ولا يَضَعُ رفيعًا، ولا يُبطل لذي حقّ حقًّا، بل يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسبه جلالة وقدرًا.
٦ - (ومنها): أنه إذا اتُّهم المسلمُ بشيءٍ ما، ثم ظهرت براءته منه، ينبغي له أن يُظهِر للناس تلك البراءة، كما طلب يوسف - ﵇ - ذلك، وفضّله على راحة نفسه بالخروج من السجن مع مشقّته، ولكنه فضّل إظهار نزاهته لدى جماهير الناس؛ لأنه قد أشيع بينهم اتّهامه بما هو بريء منه، فأراد؛ أن يعلم الجميع براءته، كما وقر في نفوسهم ضدّها، فهكذا ينبغي للعبد أن يبرّئ ساحته، ويزيل الشكوك من قلوب الناس؛ اقتداءً بهذا النبيّ الكريم - ﵇ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِي، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب، وَأَبَا عُبَيْدٍ، أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذه الْآيةَ حَتى جَازَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
[تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَني بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - … إلخ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا مما قد يُنكِره على مسلم من لا علم عنده، ولا خِبْرَة لديه؛ لكون مسلم - ﵀ - قال: "وحدثني به، إن شاء الله تعالى"، فيقول: كيف يحتجّ بشيء يَشُكّ فيه؟ وهذا خَيَالٌ باطلٌ من قائله؛ فإن مسلمًا - ﵀ -، لم يَحْتَجَّ بهذا الإسناد، وإنما ذَكَره متابعةً واستشهادًا، وقد قَدَّمنا أنهم يَحتملون في المتابعات والشواهد، ما لا
[ ٤ / ٢١٠ ]
يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي أن الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" شارك المصنّف في روايته عن شيخ المصنّف عبد الله بن محمد بن أسماء هذا، دون شكّ، فالحديث عنه ثابتٌ صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (جُويرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد بن مُخَارق الضُّبَعيّ، ويقال: مِخْرَاق، أبو مُخارق، ويقال: أبو أسماء البصريّ، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، ونافع، والزهريّ، وبُدَيح مولى عبد الله بن جعفر، ومالك بن أنس، وهو من أقرانه، وغيرهم.
ورَوَى عنه حَبّان بن هلال، وحجاج بن منهال، وابن أخته سعيد بن عامر الضُّبَعيّ، وابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو سلمة، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، ومسدد، وأبو الوليد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
وأَرَّخَ البخاريُّ وغيره، وفاته سنة (١٧٣) وكذلك ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي هريرة - ﵃ -.
ورَوَى عنه الزهريّ، فقال: كان من القرَّاء، وأهل الفقه، وسعيد بن خالد القارظيّ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل المدينة، وقال
[ ٤ / ٢١١ ]
الطبريّ: مُجْمَع على ثقته، وقال مسلم في "الكنى": كان ثقةً، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذُّهْليّ، وابنِ البَرْقيّ: وقال ابن البَرْقيّ في رجال "الموطأ": أدرك النبيّ - ﷺ -، ولم يَثْبُت له عنه رواية.
قال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة سنة (٩٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٥١) وأعاده في "الفضائل"، و(١٠٤٢): "لأن يحتزم أحدكم حزمة … "، و(١١٣٧): "إن هذين يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما … "، و(١٩٦٩): "نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم … "، وأعاده بعده، و(٢٧٣٥): "يستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل … "، وأعاده بعده، و(٢٨١٦): "لن يُدخل أحدًا منكم عملُه الجنّة … ".
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ … إلخ) يعني: أن مالكًا حدّث عن الزهريّ بسنده المذكور بمثل المتن الذي رواه يونس، عن الزهريّ.
وقوله: (وَفي حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) يعني: أن مالكًا ذكر في روايته قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ولم يذكر ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، … إلخ هذا ظاهر معنى كلامه، لكن سيأتي الحديث من روايه النسائيّ بطريقين، وفيهما أنه قرأ الآية من قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولعلّ المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذه الْآيَةَ) الظاهر أن فاعل "قال" ضمير أبي هريرة - ﵁ -، ويحتمل أن يكون لمن دونه، وفاعل "قرأ" ضمير النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَتَّى جَازَهَا) أي: فرغ من قراءتها، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
[تنبيه]: رواية مالك التي أحالها المصنّف - ﵀ - هنا، ساقها النسائيّ - ﵀ - في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٠٥)، فقال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٦.
[ ٤ / ٢١٢ ]
(١١٠٥٠) أنا عمرو بن منصور، نا عبد الله بن محمد، نا جويرية، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فذَكَر الآية، ويرحم الله لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته".
وقال أيضًا (٦/ ٣٦٨):
(١١٢٥٣) أنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الله بن محمد، أنا جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] "، وقال: "يرحم الله لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق النسائيّ رواية مالك مطوّلًا، ولكن الظاهر أنها ليست الرواية التي أحال عليها المصنّف؛ لمخالفتها؛ إذ قال: بمثل حديث يونس، ورواية النسائيّ بمعناها، لا بلفظها.
وقد ساق البخاريّ روايته مختصرة، فقال في "كتاب أحاديث الأنبياء":
(٣٣٨٧) حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، هو ابن أخي جويرية، حدثنا جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته".
وكذلك ساقه مختصرًا في "كتاب التعبير"، فقال:
(٦٩٩٢) حدثنا عبد الله، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته".
[ ٤ / ٢١٣ ]
فقال في "الفتح" في شرح الحديث الثاني: قوله: "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته" كذا أورده مختصرًا، وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه، وزاد فيه قصة لوط، قال: وأخرجه النسائي في "التفسير" من هذا الوجه، وزاد في أوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم … " الحديث.
وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال: مثل حديث يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة بطوله، ومن طريق أبي أويس، عن الزهريّ، مثل مالك.
وأخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق جويرية بطوله، أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عمه جويرية بن أسماء، وذكر أن أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه، فقال: "عن أبي سلمة"، بدل "أبي عبيدة"، ووَهِمَ فيه، فإن المحفوظ عن مالك: "وأبي عبيد"، لا "أبو سلمة"، وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود، عن مالك، أن ابن شهاب حدّثه أن سعيدًا، وأبا عبيد أخبراه به.
قال: وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، رفعه: "لقد عَجِبتُ من يوسف، وكرمه، وصبره، حتى سئل عن البقرات العِجَاف والسّمَان، ولو كنت مكانه ما أجبته، حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عَجِبتُ منه حين أتاه الرسول، يعني: ليَخْرُج إلى الملك، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبثَ، لأسرعت الإجابة، ولبادرت الباب، ولَمَا ابتغيتُ العذر"، وهذا مرسل، وقد وصله الطبريّ، من طريق إبراهيم بن يزيد الخُوزيّ (^١) - بضم المعجمة والزاي - عن عمرو بن دينار، بذكر ابن عباس فيه، فذكره، وزاد: "ولولا الكلمة التي قالها، لما لبث في السجن ما لبث". انتهى (^٢). والله تعالى
_________________
(١) إبراهيم بن يزيد الخُوزيّ، أبو إسماعيل المكي، مولى بني أميّة، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة (١٥١)، قاله في "التقريب" ص ٢٤.
(٢) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٩٩ "كتاب التعبير" رقم (٦٩٩٢).
[ ٤ / ٢١٤ ]
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩١] (…) - (حَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، بِإِسْنَادِه، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذهِ الْآيَةَ، حَتَّى أنجَزَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُويْسٍ) هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أويس المدنيّ، ابن عمّ مالك، وصِهْره على أخته، صدوق يَهِمُ [٧].
رَوَى عن الزهريّ، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: أبو بكر، وإسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، ومُعَلَّى بن منصور، ويونس بن محمد، والنضر بن محمد، وحسين بن محمد المروذيّ، وغيرهم.
قال أبو داود، عن أحمد: ليس به بأس، أو قال: ثقةٌ، قَدِمَ ها هنا، وزعموا (^١) أن سماعه وسماع مالك كان شيئا واحدًا، وقال حنبل، عن أحمد: صالح، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح، ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بقويّ، وقال مرة: أبو أويس، وابنه ضعيفان، وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: أبو أويس، وفُليح ما أقربهما، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو أويس مثل فُليح، فيه ضعف، وقال مرّة عنه: صدوق، وليس بحجة، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ضعيف، وقال ابن المدينيّ: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقال
_________________
(١) وذكر هذه الحكاية البزار بلفظ: كان يقال: إن سماعه من الزهريّ شبيهٌ بسماع مالك. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٦٧.
[ ٤ / ٢١٥ ]
عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق، وقال يعقوب بن شيبة: صدوقٌ صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو، وقال البخاريّ: ما رَوَى من أصل كتابه فهو أصحّ، وقال النسائيّ: مدنيّ ليس بالقويّ، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: صالحٌ صدوقٌ، كأنه لين، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحْتَجّ به، وليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: يُكْتَب حديثه، وقال الدارقطنيّ: في بعض حديثه عن الزهري شيء، وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن ابن معين: ابن أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال ابن عديّ: في أحاديثه ما يَصِحّ، ويوافقه الثقات عليه، ومنها ما لا يوافقه عليه أحد، وقال الحاكم أبو أحمد: يُخَالَف في بعض حديثه، وقال الخليليّ: منهم مَن رَضِي حفظَهُ، ومنهم مَن يُضَعِّفه، وهو مقارَب الأمر، وقال ابن عبد البرّ: لا يَحكي عنه أحدٌ حرجة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يُخالَف في بعض حديثه، وقال الحاكم أبو عبد الله: قد نُسِب إلى كثرة الوهم، ومَحَلُّهُ عند الأئمة محلُّ مَن يُحْتَمَل عنه الوَهْمُ، ويُذكَر عنه الصحيح.
وقال ابن قانع: مات سنة تسع وستين ومائة، وكذا حكاه القَرّاب في "تاريخه" بإسناده عن البخاريّ، وكذا ذكره البخاريّ في "التاريخ الأوسط" مقرونًا بنافع بن عمر الجُمَحيّ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥١)، و(٣٩٥) حديث: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … ".
والباقون تقدَّموا قريبًا، فعبد بن حميد، ويعقوب بن إبراهيم تقدّما في الباب الماضي، والزهريّ في السند الماضي.
وقوله: (كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، بِإِسْنَادِهِ) يعني: أن رواية أبي أويس مثل رواية مالك السابقة، غير أنه قال بدل قول مالك: "ثم قرأ هذه الآية حتى جازها": (وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، حَتَّى أنجَزَهَا)، ومعنى "أنجزها": أتمّ قراءتها.
[تنبيه]: رواية أبي أويس هذه التي أحالها المصنّف - ﵀ -، ساقها الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان" (١/ ٤٨٦)، فقال:
(٣٧١) أنبأ أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن النعمان بن بشير، ثنا ابن أبي أويس (ح) وأنبأ حسان بن محمد، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا
[ ٤ / ٢١٦ ]
محمد بن إسحاق الثَّقَفيّ، ثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، ثنا عمِّي، يعقوب بن إبراهيم قالا: ثنا أبو أويس، عن ابن شهاب الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "يرحم الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] "، ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها، ثم قال: "رحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت"، لفظ ابن أبي أويس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾