وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٣] (١٥٣) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا (^٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ
_________________
(١) راجع لهذا البحث: "إعجاز القرآن" للباقلانيّ ١/ ٤٠ - ٤٤، و"الإتقان" للسيوطيّ ٢/ ١١٨، و"البرهان" للزركشيّ ٢/ ٩٤، و"بيان إعجاز القرآن" للخطابيّ ص ٢٢، وما كتبه محقّق "إكمال المعلم" في هامشه ١/ ٦٠٢.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا ابن وهب".
[ ٤ / ٢٣٥ ]
قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ، مِنْ هَذِهِ الْأمّة، يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن موسى بن مَيْسَرة بن حَفْص بن حَيّان الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، والشافعي، وأشهب، وأيوب بن سُويد الرملي، ومَعْن بن عيسى القزاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو محمد بن أبي حاتم، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو جعفر الطحاوي، وآخرون.
قال أبو حاتم: سمعت أبا الطاهر بنَ السَّرْح يَحُثُّ عليه، ويُعَظِّم شأنه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه، ويرفع من شأنه. وقال النسائي: ثقة. وقال علي بن الحسن بن قُديد: كان يحفظ الحديث. وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عَمْرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشافعيّ: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب، فنظرت إليه، فقال: ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: وكان إمامًا في القراءات، قرأ على وَرْشٍ وغيره وقرأ عليه ابن جرير الطبري وجماعة.
وقال أبو عمر الكِنْديّ: كان فقيرًا شديد التَّقَشُّف، مقبولًا عند القضاة.
قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام. قال أبو عمر: كان يُسْتَسْقَى بدعائه. وقال مسلمة بن قاسم: كان حافظًا.
وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشافعي حديث: "لا مَهْدِيّ إلا عيسى"، أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبيّ يَدَّعِي أن يونس دَلَّسَه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس، فقال: حُدِّثتُ عن الشافعي، لكن رواه ابن منده في "فوائده" من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي، وأبي الطاهر المذكور
[ ٤ / ٢٣٦ ]
كلاهما عن يونس: أنا الشافعي. ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكرياء الساجي، وغير واحد، عن يونس: ثنا الشافعي.
وذكر حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أن دَعْوَتَهُم في الصَّدِف، وليسوا من أنفسهم ولا مواليهم، قد تُوُفّي غداة الاثنين ليومين مَضَيَا من ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيه حافظٌ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (أَبُو يُونُسَ) هو: سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ، مولى أبي هريرة المصريّ، ثقة [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، وغير أبي يونس، فتفرّد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "وأخبرني عمرو بن الحارث" بواو العطف، قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه": قوله: "وأخبرني عمرو" هو بالواو في أول "وأخبرني"، وهي واو حسنة، فيها دقيقة نفيسة، وفائدة لطيفة، وذلك أن يونس سمع من ابن وهب أحاديث، من جملتها هذا الحديث، وليس هو أولها، فقال ابن وهب في روايته الحديث الأول: أخبرني عمرو بكذا، ثم قال: وأخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، إلى آخر تلك الأحاديث، فإذا رَوَى يونس
[ ٤ / ٢٣٧ ]
عن ابن وهب غير الحديث الأول، فينبغي أن يقول: قال ابن وهب: وأخبرني عمرو، فيأتي بالواو؛ لأنه سمعه هكذا، ولو حذفها لجاز، ولكن الأولى الإتيان بها؛ ليكون راويًا كما سمع. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن يونس بن عبد الأعلى هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت ما أخرج له المصنّف من الأحاديث فيه آنفًا.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، كما تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) وهو الله - ﷾ - الذي بيده كلّ شيء، وفيه من المحسّنات البديعيّة التجريد على قول الجمهور، وعلى قول السكّاكيّ فيه التفاتٌ؛ إذ مقتضى المقام أن يقول: والذي نفسي بيده، وقد سبق قبل باب نحو هذا في حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - في قوله: "وسعدٌ جالسٌ".
[تنبيه]: قال القاري في "المرقاة" في شرح قوله: "بيده" ما نصّه: أي كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات، ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى، مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيَّن له غير مراد له تعالى، ويؤيّده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وعدّوه وقفًا لازمًا، وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد، ومن ثمّ قال أبو حنيفة - ﵀ -: تأويل اليد بالقدرة يؤدّي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يُشتغل بتأويله، فنقول: له يدٌ على ما أراده لا كيد المخلوقين، ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى، وتنزيهه عن الجسم والجهة، ولوازمها؛ بناءً على أن الوقف على ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢]، وكان ابن عبّاس يقول: أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في
[ ٤ / ٢٣٨ ]
العلم، قيل: وهذا أعلم، وأحكم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النصّ، وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علمًا، فالمذهبان متّفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا؟ أهو التفويض، أو التأويل؟، ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان، فكان التفويض في زمان السلف أولى؛ لسلامة صدورهم، وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في زمان الخلف أولى؛ لكثرة العوامّ، وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلوّ المبتدعة بين الأنام، والله أعلم بالمرام. انتهى كلام القاري (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاري هذا نظر من وجوه:
[الأول]: ليته لم يخُض فيما لم يخُض فيه الإمام أبو حنيفة - ﵀ -، وهو إمامه، فإنه حنفيّ المذهب، لا يخالف الإمام في المسائل الفرعيّة، ولا قِيد شبر، فلماذا خالف مذهبه في إثبات الصفات على ما وردت، وعدم تأويلها؛ لأنه يؤدّي إلى التعطيل، وقد نقله لنا، وأعلمنا بما لم نعلمه من مذهبه من قبلُ، فكان حقّه أن يقلّده في هذا كما يقلّده في الفروع.
[الثاني]: أن مقارنته بين مذهب السلف والخلف، وتصويبه لهما معًا غير صحيح؛ لأن مذهب الخلف يؤدّي إلى محذور، وهو القول على الله تعالى بلا علم، وهو محرّم بنصّ كتاب الله تعالى، حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقد أشار القاري في كلامه إلى هذا المحذور، حيث قال: وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيّن له غير مراد له تعالى، فالمؤوّل ليس عنده علم بأن ما أول به هو مراد الله تعالى، فهو داخل في الآية المذكورة بلا شكّ.
[الثالث]: قوله: ويمكن حمله على اختلاف الزمان … إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن اختلاف الزمان لا يقتضي تغيير الدين الذي جاء به النبيّ - ﷺ -، فقد أكمل الله - ﷾ - الدين بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فلا يشرع أمر جديد بعد موت النبيّ - ﷺ -،
_________________
(١) "المرقاة شرح المشكاة" ١/ ١٥٠ - ١٥١.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
بل ما كان دينًا في وقته فهو الدين إلى يوم القيامة، وما ليس دينًا في ذلك الوقت، فليس بدين أبدًا.
والحاصل أن مذهب السلف، وهو إثبات الصفات التي جاءت في نصّ كتاب الله - ﷿ -، والسنة الصحيحة، كاليد في هذا الحديث، والوجه، والقدم، والعين، والضحك، والفرح، والعجب، وغير ذلك، كما أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له النبيّ - ﷺ -، على الوجه الذي يليق بجلاله، هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وما عداه مما اقتحمه الخلف، وتعسّفوا فيه، فهو مذهب باطل، فتمسّك بهدي السلف، تنجُ من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(لَا يَسْمَعُ بِي) قال الطيبيّ - ﵀ -: الباء يُحتمل أن تكون زائدة؛ أي: لا يسمعني، فقد جاء: سمعتك، وسمعت فلانًا، ويحتمل أن تكون بمعنى "من" يقال: سمعتُ من فلان، فتكون الباء كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، قال المظهر: وفيه نظرٌ؛ لأن المعنى لا يساعد عليه، فإنّ سمعني، وسمع مني يقتضيان كلامًا وقولًا، من جانب الرسول - ﷺ -، وليس المعنى عليه، قال: والأظهر أن يضمّن "يسمع" معنى "يُخْبَرُ"، فيتعدّى بالباء، كقوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، أي: ما أُخْبِرنا سماعًا، وهو آكد؛ لأن الإخبار أعمّ من أن يكون سماعًا، أو غير سماع، فالمعنى: ما أُخبِر أحد برسالتي، أو ببعثتي، ولم يؤمن إلا كان من أصحاب النار. انتهى (^١).
وقوله: "بي" فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ إذ الظاهر أن يقول: "به"، وهذا مما لا خلاف فيه بين السكّاكيّ وغيره.
وقوله: (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة بـ "يسمع"، قال الطيبيّ - ﵀ -: "أحدٌ" إذا استُعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وتقول:
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
ما في الدار أحدٌ؛ أي: لا واحد، ولا اثنان، فصاعدًا، لا مجتمعين، ولا متفرّقين. انتهى (^١).
وقوله: (مِنْ هَذ الْأمَّةِ) صفة لـ "أحد"، وأصل الأمّة: الجماعة، وتضاف للنبيّ - ﷺ -، فيُراد بها أحيانًا أمة الإجابة؛ أي: المسلمون، كحديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (^٢)، وأحيانًا يراد به أمة الدعوة، أي: كلُّ من أُرسل إليهم النبيّ - ﷺ -، وهو المراد هنا، فالإشارة إلى أمة الدعوة الموجودين في عهده - ﷺ -، ومن سيوجد إلى يوم القيامة؛ لعموم دعوته للجميع، كما قال - ﷿ -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الأمة" في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، ثم قد استُعمل في محامل شتّى، والمراد به في هذا الحديث كلّ من أُرسل إليه محمد - ﷺ -، ولَزِمته حجّته، سواءٌ صدّقه، أو لم يُصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهوديّ والنصرانيّ، لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديّ، ولا نصرانيّ"، بغير واو العطف، فإنه يكون بدلًا من "الأمّة"، وقد رَوَى هذا الحديثَ عبد بن حميد (^٣)، وقال: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ"، فحينئذ لا يدخل اليهوديّ، ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٤).
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٤٨.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" (١٢٧٤٥)، وأبو داود في "سننه" (٤٧٣٩)، والترمذيّ في "جامعه" (٢٣٥٩ و٢٣٦٠).
(٣) بل هو عند الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢٧٤٢٠)، ولفظه: وقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ، ومات ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار". وهو أيضًا بهذا اللفظ في "مسند أبي عوانة" ١/ ٩٧ رقم (٣٠٧).
(٤) "المفهم" ١/ ٣٦٨.
[ ٤ / ٢٤١ ]
وقال الطيبيّ - ﵀ -: "من" في قوله: "من هذه الأمة" إما للبيان، أو للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحلّ.
فعلى أن تكون للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحدٌ، وهو بعض هذه الأمة، يهوديّ، والإشارة بـ "هذه" إلى ما في الذهن، و"الأمة" بيان له، و"الأمة" حينئذ أمة الدعوة.
وعلى أن تكون للبيان، ولفظة "هذه" تكون إشارةً إلى أمة اليهود والنصارى خاصّةً، جرّد من الأمة اليهود والنصارى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فسّره صاحب "الكشّاف" بالوجهين.
وقال الطيبيّ أيضًا: قال الشارحون: "الأمة" جمعٌ لهم جامعٌ من دين، أو زمان، أو مكان، أو غير ذلك، فإنه مجملٌ يُطلق تارةً، ويراد به كلُّ من كان هو مبعوثًا إليهم، آمن به، أو لم يؤمن، ويُسَمَّون أمة الدعوة، ويُطلق تارةً أخرى، ويراد به المؤمنون به، والمذعنون له، وهم أمة الإجابة، والمعنى الأول هو المراد هنا بدليل قوله: "ولم يؤمن بي"، واللام فيها للاستغراق، أو الجنس، أو العهد، والمراد بها أهل الكتاب، ويَعضد الأخير توصيف الأحد باليهود والنصارى، وفي تخصيص ذكر اليهودي والنصرانيّ، وهما من أهل الكتاب إشعارٌ بأن حال المعطّلة، وعَبَدة الأوثان، وأضرابهم آكد، وهم أولى بدخول النار.
وتلخيص المعنى أن كلّ واحد من هذه الأمة إذا يسمع بي، وتبيّن له صدقي، ثم لا يؤمن برسالتي، ولم يُصدّق بمقالتي، كان من أصحاب النار، سواء الموجود، ومن سيوجد. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف (^١).
(يَهُودِيٌّ) عطف بيان، أو بدل بعض من كلّ من "أحدٌ"، قال الفيّوميّ - ﵀ -: هاد الرجل هَوْدًا: إذا رجع، فهو هائدٌ، والجمع هُودٌ، مثلُ بازلٍ وبُزُلٌ، وسُمّي بالجمع، وبالمضارع، وفي التنزيل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ويقال: هو يَهُودُ غير منصرفٍ؛ للعلميّة،
_________________
(١) "المصدر السابق".
[ ٤ / ٢٤٢ ]
ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يَهُوديّ، وقيل: اليَهُوديّ: نسبة إلى يهودا بن يعقوب - ﵇ -، هكذا أوردَ الصَّغَانيّ يَهُودا في باب المهملة. انتهى (^١).
(وَلَا نَصْرَانِيٌّ) عطف على "يهوديّ" بإعادة "لا" النافية، وهو فصيح، وقال الطيبيّ - ﵀ -:
[فإن قلت]: كيف عُطف "ولا نصرانيّ" على "يهودي"، وهو مُثبت، والكلام الفصيح في العطف بـ "لا" أن تكرّر لفظة "لا"، كما في قوله - ﷿ -: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]؟.
[قلت]: "يهوديّ" في حيّز النفي؛ لكونه فاعلًا للفعل المنفيّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] انتهى كلام الطيبيّ (^٢).
وخصّ اليهود والنصارى بالذكر تنبيهًا على غيرهما؛ لأنهما أهل كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهم ممن لا كتاب له يكون من بابٍ أولى.
(ثُمَّ يَمُوتُ) قال التوربشتيّ - ﵀ -: لفظ "ثمّ" موضوع للتراخي، فهو دالّ على أن الإيمان بما أُرسل به نبيّنا محمد - ﷺ - مهما صَدَر من الكافر، وحصَل منه، فإنه ينفعه، ويُمحى عنه ما سلف في كفره، وإن تراخى ذلك الإيمان عن أول سماعه لمبعثه، وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ثم لم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، فيكون له حالٌ من الأحوال إلا أَنْ كان من أصحاب النار.
قال الطيبيّ - بعد ذكر كلام التوربشتيّ هذا -: أقول: والوجه أن يقال: إن "ثُمّ" للاستبعاد، كما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]؛ يعني: أنه ليس أحدٌ أظلم ممن بُيّنت له آياتُ الله الظاهرة والباطنة، ودلائله القاهرة، فعرفها، ثم أنكرها؛ أي: بعيد ذلك عن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٢.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٤٤٩.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
العاقل، كما تقول: وجدتَ مثل تلك الفُرْصة، ثم لم تنتهزها! فالمعنى: ما أبعد لذي العقل أن يسمع بي يهوديّ، ونصرانيّ بعد انتظارهما بعثتي، واستفتاحهما الكفرة بنصرتي، ثم لَمّا بُعثتُ لم يؤمن بي، فعلى هذا التقدير يختصّ الحديث بأهل الكتاب، ولا يحتاج إلى التكلّف في نسبته إلى غيرهم، كما عليه كلام الشارحين.
[فإن قلت]: في الحديث السماع، والإيمان كلاهما منفيّان، فيلزم على هذا أن يكون من لم يسمع، ولم يؤمن من أصحاب النار، وهو خلاف قوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فكان من حقّ الظاهر أن يقول: يسمع، ولا يؤمن بي.
[أجيب]: بأن "ثمّ" للاستبعاد، فرجع حاصل معنى الاستثناء إلى قولنا: لا يحصل بهذا الاستبعاد المذكور في حقّ يهوديّ، ونصرانيّ، فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أهل النار، فالمنفيّ سماعٌ لم يترتّب عليه الإيمان؛ لأنه هو المستبعد، وفُهم منه أن السماع الذي يترتّب عليه الإيمان يكون حكمه بالعكس.
ونظيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلَّل منهيًّا، لا أن يكون الفعل المنهيّ معلّلًا، فاعرف، قاله الطيبيّ - ﵀ - (^١).
التعبيربـ "ثم" التي للتراخي، والمُهلة فيه إشعار بأن الإيمان ينفع، ولو بعد مدّة من البلاغ، ويحتمل أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد السماع به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، (وَلَمْ يُؤْمِنْ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يموت" (بالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: "بالذي" متعلّق بـ "يؤمن" (إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّارِ") أي: ممن يدخلها، ويلازمها؛ لكونه ممن حكم الله - ﷾ - عليهم بالتأبيد، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائلُ تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٥/ ٣٩٣] (١٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٧٤٢٠ و٢٧٣٠١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٧ و٣٠٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٨٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٤٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد - ﷺ - على جميع الناس، بل على جميع الثقلين، ممن بلغتهم الدعوة، وفهموها، فرسالته عامّة جميع الأزمنة، والأمكنة، والأمم، وقد أخرج الشيخان في "الصحيحين" حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُعطيت خمسًا، لم يُعْطَهُنّ أحد من الأنبياء قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فَلْيُصَلّ، وأُحِلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس كافّةً، وأُعطيت الشفاعة".
وأخرج مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "فُضّلتُ على الأنبياء بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرُّعْب، وأُحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافّةً، وخُتِم بي النبيون".
٢ - (ومنها): نسخ جميع الملل برسالة نبيّنا - ﷺ -؛ لأن ذكر اليهود والنصارى للتنبيه على من سواهما من الأمم التي تدّعي دينًا، سواء كان سماويًّا أم لا.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن من لم تبلغه دعوة النبيّ - ﷺ -، ولا أمره، لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
[ ٤ / ٢٤٥ ]
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فمن لم تبلغه دعوته - ﷺ -، ولا معجزته، فكأنه لم يُبعث إليه رسول.
وقال النوويّ - ﵀ -: وفي مفهومه: دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام، فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدّم في الأصول أنه لا حكم قبل ورُود الشرع على الصحيح. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن من في أطراف الأرض، وجزائر البحر المنقطعة، ممن لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا أمر النبيّ - ﷺ - أن الحَرَجَ عنه في عدم الإيمان به ساقطٌ؛ لقوله: "لا يسمع بي"؛ إذ طريق معرفته، والإيمان به - ﷺ - مشاهدة معجزته، وصدقه أيام حياته، أو صحّةُ النقل بذلك، والخبرُ من لم يشاهده، أو جاء بعده، بخلاف الإيمان بالله تعالى، وتوحيده الذي يوصل إليه بمجرد النظر الصحيح، ودليل العقل السليم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بخلاف الإيمان بالله … إلخ فيه نظر؛ إذ الفرق بين الإيمان بالرسول - ﷺ -، وبين الإيمان بالله تعالى من لم تبلغه الدعوة مخالف لظاهر النصّ، فمن أين له وجوب الإيمان بالله تعالى على من لم تبلغه الدعوة؟، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن من لم يؤمن برسالة النبيّ - ﷺ - كافر يدخل النار، خالدًا مخلّدًا أبدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن لم تبلغهم الدعوة:
قال الإمام ابن كثير - ﵀ - ما ملخّصه:
قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى قديمًا وحديثًا في الوِلْدان الذين ماتوا، وهم صغار، وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون، والأصمّ، والشيخ الخَرِفُ، ومن مات في الفترة، ولم تبلغه دعوة، وقد وَرَدَ في شأنهم أحاديث … فذكر منها حديث الأسود بن سَرِيع - ﵁ -:
قال الإمام أحمد - ﵀ - (٤٢٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٨.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٤.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن رسول الله - ﷺ - قال: "أربعة يَحتجون يوم القيامة: رجل أصمّ، لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِمٌ، ورجل مات في فترة، فأما الأصمّ، فيقول: رب قد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق، فيقول: رب قد جاء الإسلام، والصبيان يَحذفوني بالبعر، وأما الهَرِم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعنّه، فَيُرسل إليهم أن ادخلُوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (^١).
وأخرج أيضًا بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسْحَب إليها" (^٢).
وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في "كتاب الاعتقاد" من حديث حنبل بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربعة كلهم يُدلي على الله بحجة … "، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة .. فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وكذا رواه معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفًا.
ثم ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعظمها متكلّم فيها.
ثم قال: فمن العلماء: من ذهب إلى الوقوف فيهم؛ لِمَا أخرجه أحمد عن حسناء بنت معاوية، من بني صُرَيم، قالت: حدثني عمي، قال: قلت: يا
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ٢٤) وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، كما قال الحافظ الهيثميّ - ﵀ - في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٢) صحيحٌ أيضًا أخرجه أحمد (٤/ ٢٤).
[ ٤ / ٢٤٧ ]
رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة"، وحسناء مجهولة، لم يروِ عنها إلا عوفٌ الأعرابي.
ومنهم: من جزم لهم بالجنة؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - في "صحيح البخاري" أنه - ﷺ - قال في جملة ذلك المنام، حين مَرّ على ذلك الشيخ، تحت الشجرة، وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم - ﵇ -، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "نعم، وأولاد المشركين".
ومنهم: من جزم لهم بالنار؛ لقوله - ﷺ -: "هم مع آبائهم"، متّفقٌ عليه، لكن هذا في أحكام الدنيا؛ لأنه سئل عن أهل بيت يُبَيِّتُون، فقال: "هم منهم"، وفي لفظ: "هم من آبائهم" (^١).
ومنهم: من ذهب إلى أنهم يُمْتَحَنون يوم القيامة في العَرَصات، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عَصَى دخل النار، داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.
قال ابن كثير: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صَرَّحت به الأحاديث المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن، عليّ بن إسماعيل الأشعريّ، عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقيّ، في "كتاب الاعتقاد"، وكذلك غيره، من محققي العلماء والحفاظ والنقاد، وقد ذَكَر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَريّ بعدما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قويةً، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست بدار عمل، ولا ابتلاء، فكيف يُكَلَّفُون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يُكَلِّف نفسًا إلا وسعها.
_________________
(١) فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة - ﵃ - قال: سُئل النبيّ - ﷺ - عن الذراريّ، من المشركين، يُبَيِّتُون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم"، لفظ مسلم.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
والجواب عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيحٌ، كما قد نَصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حَسَنٌ، ومنها ما هو ضعيفٌ، يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلةً متعاضدةً على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وأما قوله: "إن الدار الآخرة دار جزاء"، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها، قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]، وقد ثبت في الصحاح، وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه، وفي "الصحيحين" في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه، أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك" ثم يأذن له في دخول الجنة، متّفقٌ عليه.
وأما قوله: "فكيف يُكَلّفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ "، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسرٌ على جهنم أحدُّ من السيف، وأدَقُّ من الشعرة، وَيمُرّ المؤمنون عليه، بحسب أعمالهم؛ كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يَحْبُو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطَمّ وأعظم.
وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا، فهذا نظير ذلك.
وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقَتَل بعضهم بعضًا، حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عَمَاية أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم
[ ٤ / ٢٤٩ ]
العجل، وهذا أيضا شاقّ على النفوس جدًّا، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. انتهى المقصود من كلام ابن كثير - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من التحقيق أن أرجح الأقوال في أطفال المشركين، والمجنون، والأصمّ، والشيخ الخَرِف، ومن لم تبلغهم الدعوة هو القول بامتحانهم؛ لصحة الدليل بذلك، ولا سيّما حديث الأسود بن سَرِيع، وما عداه من الأخبار، وإن تُكلّم فيها، إلا أنها بمجموعها تفيدُ الحجة، وسنعود إلى تكميل البحث في هذا في الموضع المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.