وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٤] (١٥٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (^٢) هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيّ، عَنِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، سَأَلَ (^٣) الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا، مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ: إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنتهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَني أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "ثَلَاَثة يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، آمَنَ بِنَبِيِّه، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَآمنَ بِه، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ؛ وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِه، فَلَهُ أَجْرَانِ؛ وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَّاهَا، فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ).
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٨/ ٤٤٥ - ٤٦٢ في تفسير "سورة الإسراء".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا هُشيم".
(٣) وفي نسخة: "يسأل الشعبيّ".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبت إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْم) بن بَشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم (^١) الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ) هو: صالح بن صالح بن حَيّ، وقيل: صالح بن صالح بن مُسلمَ بن حَيّ، أبو حيان الثوريّ الهمدانيّ الكوفيّ، وقد يُنسب إلى جدّ أبيه حَيّ، وحَيٌّ لقبُ حيان، فيقال: صالح بن حيّ، وصالح بن حيّان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن الشعبيّ، وسلمة بن كُهيل، وسِمَاك بن حرب، وعاصم الأحول، وعون بن عبد الله بن عتبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: الحسنُ، وعليّ، وشعبة، والسفيانان، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن المبارك، وعبد الرحمن المحاربي، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم.
قال ابن عيينة: كان خيرًا من ابنيه، وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقة، رَوَى عن الشعبيّ أحاديث يسيرة، وما نعرف عنه في المذهب إلا خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن خلفون في "الثقات": مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ثقةٌ، قاله ابن نُمَير وغيره، قال الحافظ: كذا نقلته من خطّ مغلطاي. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] (ت بعد ١٠٠) عن (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) الكوفيّ قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
_________________
(١) بمعجمتين.
[ ٤ / ٢٥١ ]
٦ - (أَبُوه) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير - ﵁ - مات سنة (٥٠)، وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من صالح، وشيخه نيسابوريّ، وهُشيمٌ واسطيّ.
٤ - (ومنها): أن صالح بن صالح هذا ليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث، كما أسلفته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه قولَه: "الهَمْدانيّ"، بفتح الهاء، وسكون الميم، فدالٍ مهملةٍ: نسبة إلى قبيلة باليمن، وأما الهَمَذانيّ بفتحتين، وذال معجمة، فنسبة إلى بلدة في العجم، بناها هَمَذَان بن الفَلُّوج بن سام بن نوح، وغالب العلماء المتقدّمين، ينسبون إلى الأول، وغالب المتأخرين يُنسبون إلى الثاني، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَللْقَبِيلِ نِسْبَةُ الهَمْدَانِي … وَبَلَدٍ أَعْجِمْ بِلَا إِسْكَانِ
فِي القُدَمَاءِ ذَاكَ غَالِبٌ وَذَا … فِي الآخِرِينَ فَهْوَ أَصْلٌ يُحْتَذَى
وفيه قوله: "الشَّعْبِيّ" بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: نسبة إلى شعب، بطنٌ من هَمْدان، وقيل: من حِمْيَر (^١).
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الشعبيّ، عن أبي بُردة، وهو من رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه: أبو بُردة عن أبي موسى - ﵁ -.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الإسناد لطيفةٌ، يتكرر مثلها، وقد تقدم بيانها، وهو أنه قال: "عن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت
_________________
(١) "لب اللباب" ٢/ ٥٥.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
رجلًا سأل الشعبيّ"، وهذا الكلام ليس منتظمًا في الظاهر، ولكن تقديره: حدثنا صالحٌ، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ بحديث، وقصةٍ طويلةٍ، قال فيها صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ - أيضًا: أما هُشيم، فبضمّ الهاء، وهو مدلّسٌ، وقد قال: عن صالح، وقد قدّمنا أن مثل هذا إذا كان في الصحيح محمول على أن هُشيمًا ثبت سماعه لهذا الحديث من صالح. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكر الإمام الدراميّ - ﵀ - في "مسنده" تصريح هشيم بسماعه من صالح بن صالح، فقال بعد أن أخرجه من طريق عمرو بن عون عن هُشيم ما نصّه: قال هُشيم: أفادوني بالبصرة، فأتيته فسألته عنه. انتهى. فهذا صريح بأنه سمعه منه.
وأيضًا لم ينفرد به بل تابعه عليه عبدة بن سليمان، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ثلاثتهم عن صالح بن صالح، كما يأتي في السند التالي، فزالت تهمة التدليس، والحمد لله، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ) بفتح، فسكون، وللبخاريّ: "حدثنا صالح بن حيّان"، قال في "الفتح": هو صالح بن صالح بن مُسلم بن حيّان، نُسِب إلى جد أبيه، وهو بفتح المهملة، وتشديد الياء التحتانية، ولقبه حَيّ، وهو أشهر به من اسمه، وكذا من يُنْسَب إليه، يقال للواحد منهم غالبًا: فلان ابن حيّ، كصالح بن حَيّ هذا، وهو ثقة مشهور، وفي طبقته راوٍ آخر كوفيّ أيضًا، يقال له: صالح بن حَيّان القُرَسيّ، لكنه ضعيف، وقد وَهِمَ مَن زَعَم أن البخاري أخرج له، فإنه إنما أخرج لصالح بن حَيّ، وهذا الحديث معروف بروايته عن السعبيّ، دون القرشيّ، وقد أخرجه البخاري من حديثه، من طُرُق، منها في "الجهاد" من طريق ابن عيينة، قال: حدثنا صالح بن حَيّ، أبو حَيَّان، قال: سمعت الشعبيّ، وأصرح من ذلك، أنه أخرج الحديث المذكور في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٧.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
"كتاب الأدب المفرد" بالإسناد الذي أخرجه هنا، فقال: صالح بن حَيّ. انتهى (^١).
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (قَالَ) الفاعل ضمير صالح، لا ضمير الشعبيّ، كما أسلفناه في اللطائف، والمعنى: حدّثنا صالح بقصّة عن الشعبيّ، قال فيها صالح: (رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الراء: بلادٌ مشهورة بالعجم، والنسبة إليها خُراسانيّ، قال سيبويه: وهو أجود، وخُرَاسنِيّ بحذف الألف الثانية، مع كسر السين، وخُرَسَنيّ بحذف الألفين، وخُرَسيّ بحذف الألفين والنون، وخُراسيّ، ذكره في "القاموس" وشرحه (^٢).
(سَأَلَ) وفي نسخة: "يسأل" (الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية الشعبيّ - ﵀ - (إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا) "مَن" اسم موصول بمعنى الذين، و"قِبَلنا" بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: عندنا، يقال: لي قِبَله كذا بكسر، ففتح؛ أي: عنده (^٣)؛ أي: إن الذين يعيشون عندنا (مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بيان لـ "مَنْ"، متعلّق بحال مقدّر (يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ) أي: في شأن الرجل (إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِب بَدَنَتَهُ) أي: هديّته التي يُهديها إلى الحرم، فـ "البَدَنة" بفتحتين: هي الناقة، أَو البقرة، أو البعير، قال الأزهريّ: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض أهل اللغة: البَدَنة: هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، سُمّيت بذلك؛ لِعِظم بدنها، جمعها بَدَنات، مثلُ قصبة، وقَصبَات، وبُدُنٌ بضمتين، وبإسكان الدال تخفيفًا (^٤).
والمعنى: أن الذي يُعتق أمته، ثم يتزوّجها مثل الذي يُهدي إلى الحرم بدنةً، ثم يركبها؛ أي: فكما لا يجوز ركوبها إلا للضرورة؛ لِمَا أخرجه المصنّف ﵀ عن الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله - ﵄ - سُئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٢٩ "كتاب الإيمان" رقم (٩٧).
(٢) راجع: "تاج العروس شرح القاموس" ٤/ ١٣٧.
(٣) راجع: "القاموس المحيط" ص ٩٤٢.
(٤) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٣٩ - ٤٠.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
حتى تجد ظهرًا"، كذلك لا يجوز أن يتزوّج أمته التي أعتقها؛ لأنه يكون رجوعًا، وهذا قياس فاسد؛ لمعارضته النصّ المذكور في هذا الحديث.
(فَقَالَ الشَّعْبِيُّ) ردًّا لهذا القياس الفاسد (حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) تقدّم الخلاف في اسمه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس الأشعريّ - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاَثَةٌ) مبتدأٌ، سوّغ الابتداء به، وإن كان نكرةً، المضاف إليه، أو الوصف المقدّران؛ أي: ثلاثة رجال، أو ثلاثة من الرجال، وخبره جملة قوله: (يُؤْتَوْنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يؤتى كلّ واحد منهم (أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ) بدل تفصيل من "ثلاثة"، أو بدل كلّ، إن نُظر إلى المجموع، وحكم المرأة الكتابية في ذلك حكم الرجل، كما هو مُطّرِدٌ في جُلّ الأحكام، حيث يدخلْنَ مع الرجال بالتبعية، إلا ما خَصّه الدليل، قاله في "الفتح" (^١).
[تنبيه]: لا مفهوم للعدد المذكور، فقد وردت نصوص أخرى تدلّ على الزيادة على الثلاثة، سنوردها في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) صفة لـ "رجلٌ"، قال الطيبيّ - ﵀ -: قال الشارحون: المراد بأهل الكتاب نصرانيّ تنصّر قبل المبعث، أو بلوغ الدعوة إليه، وظهور المعجزة لديه، ويهوديّ تهوّد قبل ذلك، إن لم تُجعل النصرانيّة ناسخة لليهوديّة؛ إذ لا ثواب لغيره على دينه، فيُضاعفَ باستحقاقه ثواب الإيمان، ويدلّ على ذلك أنه وقع في رواية للبخاريّ - ﵀ - بدل قوله: "آمن بنبيّه": "آمن بعيسى - ﵇ -".
ويحتمل إجراؤه على عمومه؛ إذ لا يبعُدُ أن يكون طَرَيَانُ الإيمان به سببًا لقبول تلك الأعمال والأديان، وإن كانت منسوخة، كما ورد في الحديث أن مبرّات الكفّار وحسناتهم مقبولةٌ بعد إسلامهم.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأولى، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: أيُّ فائدة في ذكر "آمن بنبيّه"، وقد عُلِم ذلك من قوله: "من أهل الكتاب"؟.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٣١.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
[أُجيب]: بأنه للإشعار بعلّيّة الأجر، أي: سبب الأجرين الإيمان بالنبيين. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف (^١).
وقال في "الفتح": لفظ "الكتاب" عامّ، ومعناه خاصّ؛ أي: المُنَزَّل من عند الله تعالى، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يُطْلَقُ أهلُ الكتاب، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّة، إن قلنا: إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة، ولا يُحتاج إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى ﵊، كان قد أُرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمَن أجابه منهم نُسِب إليه، ومَن كذَّبه منهم، واستَمَرّ على يهوديته، لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيّه.
نعم مَن دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى - ﵇ -، فلم تبلغه دعوته، يَصْدُق عليه أنه يهوديّ مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه موسى - ﵇ -، ولم يُكَذِّب نبيًّا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد - ﷺ -، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به، لا يُشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، ممن دخل منهم في اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى - ﵇ -؛ لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصّةً.
نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ - ﷺ -، وقد ثَبَت أن الآية الموافِقَة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ، من حديث رفاعة القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي، وروى الطبرانيّ بإسناد صحيح، عن عليّ بن رفاعة القُرَظيّ قال: خرج عشرة من أهل الكتاب، منهم أبي رفاعةُ إلى النبيّ - ﷺ -، فآمنوا به، فأُوذُوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [القصص: ٥٢]، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استَمَرُّوا على اليهودية، إلى أن آمنوا بمحمد - ﷺ -، وقد ثَبَت أنهم يُؤْتَون أجرهم مرتين.
قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يَبْعُد أن يكون
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥٠.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
طَرَيَان الإيمان بمحمد - ﷺ - سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخةً. انتهى.
قال: ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى - ﵇ -؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمرّوا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى؛ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد - ﷺ -، فبهذا يرتفع الإشكال - إن شاء الله تعالى -.
[فوائد]:
(الأولى): وَقَع في شرح ابن التين وغيره أن الآية المذكورة نَزَلت في كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وهو صوابٌ في عبد الله، خطأٌ في كعب؛ لأن كعبًا ليست له صحبةٌ، ولم يُسْلِم إلا في عهد عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ -، والذي في تفسير الطبري وغيره، عن قتادة، أنها نزلت في عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسيّ، وهذا مستقيم؛ لأن عبد الله كان يهوديًّا، فأسلم، وسلمان كان نصرانيًّا، فأسلم، وهما صحابيان مشهوران.
(الثانية): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يُضَاعَف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبينا - ﷺ -، فيؤجر على اتّباع الحق الأول والثاني، وأما من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى، كما تعتقده النصارى اليوم، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جَبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه إلا الإسلام خاصّةً. انتهى (^١).
ويُشكِل عليه أن النبيّ - ﷺ - كَتَب إلى هِرَقْل: "أَسْلِم تَسْلَم، ويؤتِك الله أجرك مرتين"، وهِرَقْلُ كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، فالحقّ أنه لا يشترط كونه استقامته على الشرع الذي ينتمي إليه؛ لأن حديث الباب، وكذلك قوله - ﷺ - لهرقل: "يؤتك الله أجرك مرتين" لم يكن إلا بعد تمسّك أهل الكتابين بما بُدّل وغيّر منه، فتوجيه الطيبيّ فيما سبق بأن طريان الإيمان بالنبيّ - ﷺ - كان سببًا لقبول تلك الأديان المحرّفة، وما ذلك على الله بعزيز، وهو نظير قوله - ﷿ -:
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٦٩.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، والله تعالى أعلم.
(الثالثة): قال أبو عبد الملك البُونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود البتة، وليس بمستقيم كما قررناه، وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يَتناول جميعَ الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام - ﵁ -: "أسلمت على ما أسلفت من خير".
قال الحافظ: وهو مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلّية الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، أن أهل الكتاب يَعرفون محمدًا - ﷺ -، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فمن آمن به، واتبعه منهم، كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كَذَبه منهم، كان وِزْره أشدّ من وزر غيره، وقد وَرَد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ - ﷺ -؛ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يُذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة؟.
[أجيب]: بأن قضيتهن خاصّةٌ بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، هكذا قال البلقينّي - ﵀ -، قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرّ، وقد ادَّعَى الكرماني اختصاصَ ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعَلَّل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة، إنما هو محمدٌ - ﷺ - باعتبار عموم بعثته. انتهى.
وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتمّ من كان في عهد النبيّ - ﷺ -، فإن خصَّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده - ﷺ - وبعده، فما قاله البلقينيّ أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا - ﷺ - إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه
[ ٤ / ٢٥٨ ]
"إذا" الدالة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى، وهو غير مستقيم؛ لأنه مَشَى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس مُتَّفَقًا عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره مختلفٌ، فقد عَبَّرَ في ترجمة عيسى - ﵇ - بإذا في الثلاثة (^١)، وعبّر في "النكاح" بقوله: "أَيُّما رجل" في المواضع الثلائة (^٢)، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرَّف بلام الجنس مؤدّاه مؤدى النكرة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الحافظ - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ، وللعينيّ تعقّب عليه على عادته المستمرّة، تركته لكونه تعسّفًا ظاهرًا من تأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(آمَنَ بِنَبِيِّه، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ) محمدًا (- ﷺ -)، وقوله: (فَآمَنَ بِه، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ) يحتمل أن تكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد؛ للتأكيد، ويحتمل أن يكون من الإيمان به: التصديق برسالته، ومن اتباعه: لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه: تصديقه في كلّ ما جاء به من الأحكام.
وقوله: (فَلَهُ أَجْرَانِ) كرّره؛ لطول الكلام، وللاهتمام به، على حدّ قول الحماسيّ [من الطويل]:
وَإِنَّ امْرَأً دَامَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ … عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ
(وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ)، ومثل العبد الأمة، كما سبق في الرجل والمرأة، وإنما
_________________
(١) ولفظه في "كتاب أحاديث الأنبياء" (٣٤٤٦): قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أدّب الرجل أمته، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، كان له أجران، وإذا آمن بعيسى، ثم آمن بي، فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه، وأطاع مواليه، فله أجران".
(٢) لفظه في "كتاب النكاح" (٥٠٨٣): قال رسول الله - ﷺ -: "أيّما رجل كانت عنده وليدة، فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بي، فله أجران، وأيّما مملوك، أَدَّى حق مواليه، وحق ربه، فله أجران … ".
(٣) "الفتح" ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
وَصَفَه بالمملوك؛ لأن جميع الناس عباد الله تعالى، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس (أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى) أي: مثل الصلاة، والصوم (وَحَقَّ سَيِّدِهِ) أي: مثل خدمته، ولفظ البخاريّ: "وحقّ مواليه" (فَلَهُ أَجْرَانِ) قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى:
[إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة الله، والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك.
[قلت]: يحتمل وجهين:
(أحدهما): أنه لما كان جنس العمل مختلفًا؛ لأن أحدهما طاعة الله، والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّةٌ، فإنه يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي: على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد، لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك.
(ثانيهما): يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة الله، وطاعة سيّده، فيحصل له على العمل الواحد الأجر مرّتين؛ لامتثاله بذلك أمر الله، وأمر سيّده المأمور بطاعته، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لَمّا اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛ لأنه قد ساواه في طاعة الله، وَفَضَلَ عليه بطاعة من أمره الله بطاعته.
قال: ومن هنا أقول: إن مَن اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما أفضلُ ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ وزكاةٌ، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط.
ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدِّ منها شيئًا، كان عصيانه
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٢٢٦.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لِمَا يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصّ العبد بذلك.
وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل: سبب التضعيف أنه زاد لسيّده نُصحًا، وفي عبادة ربّه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما.
قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلّا يُظَنّ أنه غير مأجور على العبادة. انتهى. قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك.
[فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات.
[أجاب الكرمانيّ]: بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهاتٌ أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدّي لأحدهما. انتهى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًّا بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة الله، وطاعة السيّد، فيعمل عملأ واحدًا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما سبق في كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ.
وحاصله أن العبد لَمّا توجّه إليه واجبان: طاعة ربّه، وطاعة سيّده، فقام بهما جميعًا، كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي يُخلّ بأحد الواجبين، والله تعالى أعلم.
(وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "كانت عنده وَليدة"، وهي في الأصل ما وُلد من الإماء في ملك الرجل، ثم أُطلق على كلّ أمة (فَغَذَاهَا) أي: أطعمها (فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا) بأن يُطعمها قبل أن تجوع، فلا يؤخّر طعامها عن
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٤٨٣ - ٤٨٤ "كتاب العتق" رقم الحديث (٢٥٤٦).
[ ٤ / ٢٦١ ]
وقت حاجتها، أو المراد جنس الطعام، بأن يكون من أحسن طعامه، وهو الذي يخصّ به نفسه، فهو بمعنى الحديث الآخر: "فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس"، متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه": قوله: "فغَذَاهَا، فأحسن غذاءها"، أما الأول فبتخفيف الذال، وأما الثاني، فبالمدّ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه بتخفيف الذال ليس متعيّنًا إلا إذا صحّت الرواية به، ولم يُشِر النوويّ إلى ذلك، فيمكن أن يشدّد للمبالغة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: والغِذَاءُ مثلُ كتاب: ما يُغتذى به من الطعام والشراب، فيقال: غَذَا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نَجَعَ فيه، وكفاه، وغَذَوته باللبن أغذوه أيضًا، فاغتذى به، وغذّيته بالتثقيل، مبالغةٌ، فتغذّى. انتهى (^٢).
فدلّ على أن التثقيل فيه جائز، اللهم إلا أن يُدّعى صحة الرواية، كما أشرت إليه آنفًا، فيتعيّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَدَّبَهَا) من التأديب، والأدبُ: حُسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، وقيل: التخلّق با لأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا) أي: أدّبها من غير تعنيف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف.
زاد في رواية البخاريّ: "وعلّمها، فأحسن تعليمها" أي: علّمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، "فأحسن تعليمها" أي: علّمها بالرفق، وحسن الخلق.
[فإن قلت]: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟.
[قلتُ]: لا يدخل؛ إذ التأديب يتعلّق بالمروءات، والتعليم يتعلّق بالشرعيّات، أعني أن الأول عرفيّ، والثاني شرعيّ؛ أو الأول دنيويّ، والثاني دينيّ. قاله العينيّ - ﵀ - (^٣).
(ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا) وللبخاريّ: "فتزوّجها" بالفاء (فَلَهُ أَجْرَانِ") أعاده؛ لما سبق آنفًا.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٤.
(٣) "عمدة القاري" ٢/ ١٨٢.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
قال الطيبيّ - ﵀ -:
[فإن قلت]: فيه إشكال، وهو أنه ينبغي أن يكون له أربعة أجور: أحدها بتأديبها، والثاني بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزوّجها، فَلِمَ قال: "فله أجران؟ "، ولم يقل: له أربعة أجور؟.
أجاب المظهر - ﵀ - بأن المراد الأجرين له ها هنا بالإعتاق والتزوّج، لأن التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبيّ، والأولاد، وجميع الناس، فلم يكن مختصًّا بالإماء.
قال الطيبيّ - ﵀ -: موجب الأجرين إعتاقها، وتزوّجها فحسبُ، والتأديب والتعليم موجبان لاستئهالها للإعتاق والتزوّج؛ لأن تزوّج المرأة المؤدَّبة المعلَّمة أكثر بركةً، وأقرب إلى أن تُعين زوجها على دينه، والشاهد لفظ "ثمَّ"؛ لكونها تفيد أن الإعتاق والتزوُّج أفضل وأعلى رتبةً من التأديب والتعليم، والأولى أن يقال: إن التأديب بالعنف لا يوجب الأجر، كما أن الوطء بدون العتق لا يُثبت الأجر؛ لحصوله قبل ذلك؛ لقوله في رواية البخاريّ: "كانت عنده أمة يطؤها"، كأنه قيل: يؤدّبها تأديبًا حسنًا، ويطؤها وَطْئًا جميلًا.
وأما الفاء في "فأحسن" فللترتيب أيضًا، لكنها دون "ثُمّ"، كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل؛ يعني: التأديب والتعليم بالرفق أحسن، وأفضل منه بالعنف. انتهى (^١).
[تنبيه]: وجه اقتران هذا الحديث بالحديث السابق - أعني حديث: "والذي نفس محمد - ﷺ - بيده لا يسمع … " الحديث - مثل وجه اقتران ثواب نساء النبيّ - ﷺ -، وعقابهنّ في المضاعفة، في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١].
فينبغي أن يُنزّل الحديث الأول على أن أهل الكتاب أولى الناس بالنبيّ - ﷺ - بسبب معرفتهم به؛ لأنه مكتوب عندهم في التوارة والإنجيل، كما قال - ﷿ -:
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥١.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فإذا كفروا به استوجبوا من العذاب ضعف عذاب الناس، والعكس إذا آمنوا، فدلّ على هذا المعنى هذا الحديثُ، وعلى استحقاق ضعف العذاب قوله في الحديث السابق: "إلا كان من أصحاب النار"؛ لأنه في قوّة أنه من الجهنّميين، فهو من أسلوب قولك: فلان من العلماء؛ أي: له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهور له، أفاده الطيبيّ - ﵀ - (^١).
(ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ) السائل له (خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيءٍ) أي: عوض من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخرويّ حاصل له، ما أخلص نيّته في نشر العلم (فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ) بالبناء للمفعول، يقال: رَحَل عن البلد، من باب مَنَعَ رَحِيلًا: إذا انتقل منها، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: رَحّلته (^٢). (فِيمَا دُونَ هَذَا) أي: في أقلّ مما سألته، فالإشارة إلى المسؤول، وفي رواية للبخاريّ: "يُرْكَب فيما دونها"، أي: يُرْحَل لأجل ما هو أهون منها، والضمير عائد على المسألة (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: النبوية؛ إذ هي عَلَم بالغلبة عليها، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "العَقَبَهْ"
وكان ذلك في زمن النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، ثم تفرَّق الصحابة في البلاد، بعد فتوح الأمصار، وسكنوها، فاكتفى أهلُ كل بلد بعلمائه، إلا من طلب التوسع في العلم، فرحَلَ فيه.
قال الحافظ - ﵀ -: واستدلال ابن بطال وغيره من المالكية، على تخصيص العلم بالمدينة، فيه نظرٌ؛ لِمَا قررناه، وإنما قال الشعبي ذلك تحريضًا للسامع؛ ليكون ذلك أَدْعَى لحفظه، وأجلب لحرصه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥١.
(٢) راجع: "القاموس" ص ٩٠٥، و"المصباح المنير" ١/ ٢٢٢.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث؛
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٧٦/ ٣٩٤ و٣٩٥] (١٥٤)، وأعاده المصنف في "النكاح" مختصرًا بلفظ: "من كانت له جارية، فأحسن إليها، ثم أعتقها، وتزوّجها، كان له أجران"، و(البخاريّ) في "العلم" (٩٧)، و"العتق" (٢٥٤٤ و٢٥٤٧)، و"الجهاد" (٣٠١١)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٤٦)، و"النكاح" (٥٠٨٣)، و(أبو داود) في "العتق" (٢٠٥٣)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١١٦)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٥٥٠٢)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٥٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٠١ و٥٠٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٨ - ٤٠٢ - ٤٠٥ - ٤١٤ - ٤١٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٥٤ - ١٥٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٢ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٥ و٣٨٦ و٣٨٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٩٥ و٣٩٦ و٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ - ٣٩٦)، و(الطبراني) في "المعجم الصغير" (١/ ٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٢٨)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٢٥ و٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن هؤلاء الثلاثة يؤتون أجرًا مضاعفًا؛ لكون عملهم مضاعفًا.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبيّنا - ﷺ -، وأن لي أجرين؛ لإيمانه بنبيّه، وإيمانه بنبيّنا - ﷺ -، وهذا هو وجه المطابقة لإيراده في كتاب الإيمان.
٣ - (ومنها): بيان فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق سيّده.
٤ - (ومنها): ترغيب العبد المملوك في طاعة ربه، وطاعة سيّده.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
٥ - (ومنها): أن وضع المقدار في الدنيا قد يكون سببًا في رفع الدرجات في الآخرة.
٦ - (ومنها): حرص الشارع في عتق العبيد، والترغيب فيه.
٧ - (ومنها): الحثّ على الإحسان للمملوك في تحسين غذائه، وفي تأديبه، وتعليمه.
٨ - (ومنها): بيان فضيلة من أعتق أمته، وتزوّجها، وليس هذا من الرجوع في الصدقة في شيء، بل هو محض إحسان إليها بعد إحسان.
٩ - (ومنها): بيان جواز نكاح الرجل جاريته التي أعتقها، وفيه ردّ على مَن كَرِه ذلك، كما ذُكر في قصّة الخراسانيّ من أن أهل خراسان يكرهون ذلك، ويشبّهونه بركوب البدنة.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود - ﵁ -، أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر - ﵄ - مثله، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس - ﵁ - أنه سُئل عنه؟، فقال: "إذا أعتق أمته لله، فلا يعود فيها"، ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك، وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا، ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، ويُعتذر عن هؤلاء الذين كَرِهُوا ذلك بأنهم لم يبلغهم النصّ الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - المذكور في الباب، فإنه نصّ لا يقبل النزاع، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ أعتقها ابتداءً لله، أو لسبب.
١١ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الرحلة في طلب العلم، وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" "باب الرحلة في طلب العلم"، ورحل جابر بن عبد الله - ﵄ -، إلى عبد الله بن أنيس - ﵃ - في حديث واحد، ثم أخرج خروج موسى - ﷺ - في طلب الخضر - ﵇ -.
_________________
(١) "فتح" ١٠/ ١٥٩ "كتاب النكاح".
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وقد أخرج الدارميّ بسند صحيح، عن بُسْر بن عبيد الله - وهو بضم الموحدة، وسكون المهملة - قال: إن كنتُ لأركبُ إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد، وعن أبي العالية قال: كنا نَسمَع الحديث عن الصحابة، فلا نَرْضَى حتى نركب إليهم، فنسمعه منهم.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يحثّ طلابه على الرحلة في طلب العلم، فالشعبيّ من كبار التابعين، وقد قال للسائل: قد كان يرحل فيما دون ذلك إلى المدينة؛ ليحثّه على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المزجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين"، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك:
١ - (فمنها): ما أخرجه الشيخان عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران"، لفظ مسلم.
٢ - (ومنها): ما أخرجه الشيخان أيضًا عن زينب امرأة ابن مسعود - ﵂ - في التي تتصدّق على قريبها: "لها أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة".
٣ - (ومنها): ما أخرجاه أيضًا من حديث عمرو بن العاص - ﵁ - في الحاكم إذا أصاب، له أجران.
٥ - (ومنها): ما أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة - ﵁ -، رفعه: "أربعة يؤتون أجرهم مرّتين … "، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد: أزواج النبيّ - ﷺ -.
٦ - (ومنها): حديث جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سنّ سنّة حسنة، فعُمِل بها كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا … " (^١).
٧ - (ومنها): ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "من
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" (١٨٤٠٤)، والترمذيّ (٥٨٦).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا … ".
٨ - (ومنها): ما أخرجه مسلم أيضًا، من حديث أبي مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "من دلّ على خير، فله مثل أجر فاعله".
٩ - (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - في الذي تيمّم، ثم وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ - ﷺ -: "لك الأجر مرّتين"، حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود، وغيره.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك، وكلّ هذا دالّ على أنه لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى - ﵁ -. انتهى (^١). وهو تحقيق حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
_________________
(١) "فتح" ١٠/ ١٥٨ - ١٥٩ "كتاب النكاح" رقم (٥٠٨٣).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام مشهور، رأس الطبقة [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٦ - (أَبُوه) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الإمام الحجة الناقد البصير الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
وقوله: (كلُّهم) أي الثلاثة: عبدة، وسفيان بن عيينة، وشعبة عن صالح بن صالح … إلخ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد صالح بن صالح، عن الشعبيّ … إلخ.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: أحاديث هؤلاء الثلاثة، نحو حديث هُشيم.
[تنبيه]: أما طريق عبدة بن سلمان، عن صالح، فساقها الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٩٥٦) حدثنا عبد الله بن سعيد، أبو سعيد الأشجّ، حدثنا عبدة بن سليمان، عن صالح بن صالح بن حيّ، عن الشعبيّ، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كانت له جاريةٌ، فأدّبها فأحسن أدبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وأيّما رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد، فله أجران، وأيّما عبد مملوكٍ أَدَّى حق الله عليه، وحق مواليه، فله أجران"، قال صالح: قال الشعبيّ: قد أعطَيْتُكَها بغير شيء، إن كان الراكب ليركب فيما دونها إلى المدينة.
وأما طريق سفيان بن عيينة، فساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٥٠٥)، فقال:
(٣٩٧) أنبأ خيثمة بن سليمان، ثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، ثنا عبد الله بن الزبير، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا صالح بن صالح بن حيّ، قال: جاء رجل
[ ٤ / ٢٦٩ ]
إلى الشعبيّ، وأنا عنده، فقال: يا أبا عمرو، إن ناسًا عندنا بخراسان، يقولون: إذا أعتق الرجل أمته، ثم تزوجها، فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ: حدثنا أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: الرجل من أهل الكتاب، كان مؤمنًا قبل أن يبعث النبيّ - ﷺ -، ثم آمن بالنبيّ - ﷺ -، فله أجران، ورجلٌ كانت له جاريةٌ، فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وعبدٌ أطاع الله، وأدَّى حق سيده، فله أجران"، خُذْها بغير شيء، فلقد كان الرجل يَرْحَل في أدنى منها إلى المدينة. انتهى.
وأما طريق شعبة، فساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٩٦)، فقال: (٣٠٢) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: حدثني أبو بردة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له أمةٌ، فأدّبها فأحسن أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، ورجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه، ثم أدرك النبيّ، فآمن به، وعبدٌ أدَّى حق الله، وحق مواليه"، فقال الشعبيّ للرجل: قُمْ، فقد كان يُرْحَل إلى المدينة فيما دون هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.