وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٦] (١٥٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ
[ ٤ / ٢٧٠ ]
ابْنُ مَرْيَمَ - ﷺ - حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد المذكور أيضًا قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قريبًا.
٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المشهور المذكور قريبًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه محمد بن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وقتيبة، وإن كان من بَغْلان، وهي قرية من قرى بلخ، إلا أنه دخل مصر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيِّبِ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، على بعض الأقوال، كما أشار السيوطيّ ﵀ إلى الخلاف في ذلك في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢٧١ ]
شرح الحديث:
(عَن) سعيد (بنِ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأولى كسر الياء المشدّدة؛ لأنه قول أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، ويُروى عن سعيد أنه كان يكره الفتح (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه الحلف في الخبر؛ مبالغة في تأكيده، وقد سبق الكلام في إثبات اليد لله ﷾، وبطلان تأويل من أوّله بالقدرة، فلا تنسَ (لَيُوشِكَنَّ) بفتح اللام؛ لأنها لام القسم، و"يوشكنّ" بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مِن أوشك، بمعنى قرُب، أي: لَيَقْرُبَنّ، أي: لا بُدّ من ذلك سَريعًا (أَنْ يَنْزِلَ) "أن" هي المصدريّة، ودخولها في خبر "أوشك" هو الغالب، كما قال في "الخلاصة":
وَأَلْزَمُوا "اخْلَوْلَقَ" "أَنْ" مِثْلَ "حَرَى" … وَبَعْدَ "أَوْشَكَ" انْتِفَا "أَنْ" نَزُرَا
(فِيكُمُ) أي: في هذه الأمة، وإن كان خطابًا لبعضها، ممن لا يُدرِك نزوله (ابْنُ مَرْيَمَ - ﷺ -) بالرفع على الفاعليّة لـ"ينزل"، أو على أنه اسم "ليوشكنّ" على الخلاف في ذلك، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(حَكَمًا مُقْسِطًا) منصوب على الحال من فاعل "ينزل"؛ أي: يَنزل حال كونه حاكمًا عادلًا بهذه الشريعة، لا ينزل نَبيًّا برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حُكّام هذه الأمة.
و"المقسط": العادل، يقال: أقسط يُقسط إقساطًا، فهو مُقْسِط: إذا عَدَلَ، ومنه قوله ﷿: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه حديث: "إذا حكموا عَدَلوا، وإذا قَسَموا أقسطوا" (^١).
والقِسْطُ بكسر القاف، وسكون السين: العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]، أي: بالعدل، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال ابن قتيبة: وسُمّي الميزان القسط؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ٣٩٦) بسند حسن.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
العدل في القسمة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧].
وقال الفيّوميّ: وقَسَطَ يَقسِطُ قَسْطًا، بفتح القاف، من باب ضرب، وقُسُوطًا: فهو قاسط: إذا جار، وعدل، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع (^١)، فمن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]، ومن المعنى الثاني، قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية.
وقال في "الفتح": معنى قوله: "حَكَمًا": أنه يَنزل حاكمًا بهذه الشريعة، فإن هذه الشريعة باقيةٌ لا تُنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حُكّام هذه الأمة. انتهى.
وفي أحمد في "مسنده" من وجه آخر، عن أبي هريرة - ﵁ -: "أقرؤوه من رسول الله - ﷺ - السلامَ"، وعنده من حديث عائشة - ﵂ -: "ويمكث عيسى في الأرض أربعين سنةً"، وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ -: "ينزل عيسى ابن مريم مُصَدِّقًا بمحمد - ﷺ - على ملته" (^٢).
(فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) بنصب "يكسرَ" عطفًا على "يَنْزِلَ"، ويحتمل الرفع على الاستئناف، أي: فهو يكسر الصليب؛ أي: يُبطل أمره، ويُسقط حكمه، كما يقال: كَسَرَ حجته (^٣)، وقال النوويّ ﵀: معناه: يكسره حقيقةً، ويبطل ما يزعمه النصارى من تعظيمه. انتهى.
قال القاضي عياضٌ ﵀: فيه دليلٌ على تغيير آلات الباطل وكسرها، ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه، وأنه يأتي ملتزمًا لشريعتنا. انتهى (^٤).
(وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ) بالنصب أيضًا؛ ويحتمل الرفع، كما مرّ آنفًا، قال الفيّوميّ ﵀: هو: فِنْعِيلٌ، حيوانٌ خبيثٌ، ويقال: إنه حُرّم على لسان كلّ نبيّ، والجمع خنازير. انتهى (^٥).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٣.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٦٧.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٨ - ٦٠٩.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٨.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٦٨.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
وقال القاضي عياضٌ ﵀: فيه دليلٌ على قتلها إذا وُجدت ببلاد الكفر، أو بأيدي من أسلم من أهل الذمّة، وقيل: تسرح. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزير"؛ أي: يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه.
ووقع للطبراني في "الأوسط" من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير والقِرْدَ"، زاد فيه: "القرد"، وإسناده لا بأس به، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير؛ لأن القرد ليس بنجس العين اتفاقًا. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: وقتل عيسى ﵇ للخنزير، وكسره الصليب يدلّ على أن شيئًا من ذلك لم يُسوِّغه لهم، وأن ذلك لا يُقرّ إذا تُمُكّن من تغييره وإزالته، وقيل: معنى قوله: "وَيكسر الصليب" أي: يُبطل أمره، ويكسر حكمه، كما يقال: كسر حجته. انتهى (^٣).
(وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) بالنصب أيضًا، ويحتمل الرفع، كما مرّ أيضًا، و"الجِزْية" بكسر الجيم، وسكون الزاي: ما يؤخذ من أهل الذمّة، جمع جِزًى، مثلُ سِدْرَة وسِدَر (^٤)، وفي رواية البخاريّ: "ويَضَعَ الحربَ".
قال النوويّ ﵀: الصواب في معناه أنه لا يَقبلها، ولا يَقْبَل من الكفار إلا الإسلام، ومَن بذل منهم الجزية، لم يَكُفَّ عنه بها، بل لا يَقْبَل إلا الإسلام أو القتل، هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابيّ وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى.
وحَكَى القاضي عياض ﵀ عن بعض العلماء معنى هذا، ثم قال: وقد يكون فيض المال هنا من وضع الجزية، وهو ضربها على جميع الكفرة، فإنه لا يقاتله أحدٌ، فتضعُ الحرب أوزارها، وانقياد جميع الناس له إما بالإسلام، وإما
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٨.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٦٧.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٧٠.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ١٠٠.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
بإلقاء يد، فيَضَعَ عليه الجزية ويضربها. هكذا ذكر القاضي عياضٌ، وتعقّبه النوويّ، فقال: وليس بمقبول، والصواب ما قدمناه، وهو أنه لا يَقْبَل منه إلا الإسلام.
فعلى هذا قد يقال: هذا خلاف حكم الشرع اليوم، فإن الكتابيّ إذا بَذَل الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام.
وجوابه أن هذا الحكم ليس بمستمرّ إلى يوم القيامة، بل هو مقيّد بما قبل عيسى ﵇، وقد أخبرنا النبيّ - ﷺ - في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبيّنا - ﷺ - هو المبين للنسخ، فإن عيسى ﵇ يحكم بشرعنا، فدَلَّ على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت، هو شرع نبيّنا محمد - ﷺ -. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فيضع الجزيةَ" قيل: يُسقطها، فلا يقبلها من أحد، وذلك لكثرة الأموال؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كَبِدها، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين، فلا يُقبَل من أحد إلا الإيمان، وقيل: يضربها على كلّ صنف من الكفّار؛ إذ قد أذعن الكلّ له، فإما بالإسلام، وإما بأن ألقوا بأيديهم، والتأويل الأولى أولى؛ لقوله بعد هذا: "ولتُتْرَكنّ القلاص، فلا يُسعى عليها"؛ أي: لا تُطلب زكاتها، كما جاء في الحديث الآخر، و"القلاص" جمع قَلُوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء، والحَدَث من الرجال، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، أي: زُهد فيها، وتُركت، وإن كانت أحبّ الأموال إليهم الآن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وقالى في "الفتح": المعنى أن الدين يصير واحدًا، فلا يبقى أحدٌ من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المالى يَكثُر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له، فتُترَك الجزية؛ استغناءً عنها.
وقال عياضٌ: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفّار من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك.
وتعقّبه النوويّ، وقال: الصواب أن عيسى لا يَقبَل إلا الإسلام.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٧٠.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
قال الحافظ: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة - ﵁ -: "وتكون الدعوى واحدة".
قال النوويّ: ومعنى وضع عيسى ﵇ الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة، أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى ﵇؛ لِمَا دَلّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية، بل نبيّنا - ﷺ - هو المبين للنسخ بقوله هذا.
وقال ابن بطال ﵀: وإنما قَبِلناها قبل نزول عيسى ﵇ للحاجة إلى المال، بخلاف زمن عيسى ﵇، فإنه لا يُحتاج فيه إلى المال، فإن المال في زمنه يَكُثر حتى لا يقبله أحد.
ويحتمل أن يقال: إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لِمَا في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلُّقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ﵇ زالت الشبهة بحصول معاينته، فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم، وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم، هكذا ذكره بعض مشايخنا احتمالًا، قاله في "الفتح" (^١).
(وَيَفِيضَ الْمَالُ) بالنصب، ويحتمل الرفع، كما ذكرنا فيما سبق، وهو بفتح الياء، وكسر ثانيه، وبالضاد المعجمة؛ أي: يكثر، يقال: فاض السيل فيضًا، من باب باع: إذا كثُر، وسال من شَفَةِ الوادي، وأفاض بالألف لغة فيه، وفاض الإناء فيضًا: إذا امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الخير: إذا كثُر، وأفاضه الله: كثّره (^٢).
والمعنى هنا: أنه يكثر المالُ، وتنزل البركات، وتكثر الخيرات بسبب العدل، وعدم التظالم، وتَقِيء الأرض أفلاذ كبدها، كما جاء في الحديث الآخر، وتَقِلُّ أيضًا الرَّغَبَات لِقِصَر الآمال، وعلمهم بقرب الساعة، فإن عيسى ﵇ عَلَمٌ من أعلام الساعة (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، والله تعالى أعلم.
(حَتى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ") وفي رواية عطاء بن ميناء الآتية بعد هذا: "ولَيَدْعُوَنَّ
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٧ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٨ - ٣٤٤٩).
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٨٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
إلى المال، فلا يقبله أحدٌ"، وسبب عدم القبول كثرته، وقلّة رغبات الناس إليه؛ لعلمهم بقرب الساعة، كما قرّرناه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٧/ ٣٩٦ و٣٩٧ و٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠ و٤٠١] (١٥٥)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٢٢٢)، و"المظالم" (٢٤٧٦)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٤٨)، و(الترمذيّ) في "الفِتَن" (٢٢٣٣)، و(ابن ماجه) في "الفِتَن" (٤٠٧٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ - ٤٩٣ - ٤٩٤ - ٥٣٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٩٧)، و(أبو القاسم البغويّ) في "الجَعْديّات" (٢٩٧٣)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨١٦ و٦٨١٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٩ و٣١٠ و٣١١ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٤ و٣١٥ و٣١٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٨ و٣٨٩ و٣٩٠ و٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٣ و٣٩٤ و٣٩٥)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٠٣ و١٠٤ و٤٠٥)، و(الآجرّيّ) في "الشريعة" (ص ٣٨٠ - ٣٨١)، و(أبو محمد البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٧٥ و٤٢٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد أحاديث الباب (^١):
١ - (منها): بيان نزول عيسى ابن مريم ﵇ عند قرب الساعة.
٢ - (ومنها): أن نزوله من علامات الساعة.
٣ - (ومنها): أنه سينشر العدل بين الأمة، ويرفع الظلم.
_________________
(١) هذه الفوائد ليست مقصورة على الحديث المشروح الآن، وإنما هي فوائد لجميع الروايات المذكورة في هذا الباب؛ حتى تكون مجموعة في محلّ واحد، ويسهل الاستفادة منها، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
٤ - (ومنها): أنه سيُبطل اليهوديّة والنصرانيّة بكسر الصليب، وقتل الخنزير.
٥ - (ومنها): أنه سيبطل الجزية، على ما هو الراجح في معنى "ويضع الجزية"، فلا يقبل من أحد من الكفّار إلا الإسلام فقط، وهذا هو الذي يدلّ عليه حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد: "وتكون الدعوى واحدة"، كما سبق بيانه.
٦ - (ومنها): بيان أن عيسى ﵇ سينزل على أنه فرد من أمة نبيّنا - ﷺ -، فإنه لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي حاكمًا بهذه الشريعة المباركة، بالقرآن والسنّة، وهذا معنى قوله: "وإمامكم منكم"، كما سيأتي.
٧ - (ومنها): أن عيسى ﵇ سيصلّي مأمومًا خلف رجل من هذه الأمة.
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ وغيره: أن فيه دليلًا على تغيير المنكرات، وآلات الباطل، وقتلُ الخنزير من هذا القبيل، وفيه دليل للمختار من مذهب الجمهور أنا إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر، أو غيرها، وتَمَكّنا من قتله قتلناه، وإبطالٌ لقول مَن شَذَّ من العلماء، فقال: يُترَك إذا لم يكن فيه ضَرَاوة. انتهى (^١).
٩ - (ومنها): أن من كسر صليبًا، أو نحوه من آلات الباطل لا يَضْمَن؛ لأنه فَعَلَ مأمورًا به؛ إذ أخبر النبيّ - ﷺ - بأن عيسى ﵇ سيفعله، وهو مقرّر لشريعة النبيّ - ﷺ -، وهذا إذا لم تُقَرَّ عليه النصارى.
١٠ - (ومنها): أن في قتل عيسى ﵇ للخنزير توبيخًا عظيمًا للنصارى الذين يدّعون أنهم على طريقته، ثم يستحلّون أكل الخنزير، ويبالغون في محبّته.
١١ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، مبالغةً في تأكيد الخبر.
١٢ - (ومنها): كثرة المال وفيضانه في آخر الزمان، وزهد الناس فيه، فيُهملون النفيس منه، وذلك لكثرته، وعدم الحاجة إليه؛ إذ تنزل البركات، وتتوالى الخيرات، وتُخرج الأرض أفلاذ كَبِدها، وتقلّ رغبات الناس في اقتناء المال؛ لعلمهم بقرب الساعة.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٠.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
١٣ - (ومنها): أن الناس سيتقرّبون إلى الله تعالى، ويتوجّهون إلى عبادته، ويحرصون عليها، حتى تكون السجدة الواحدة أحبّ إليهم من الدنيا وما فيها.
١٤ - (ومنها): أن العداوة، والبغضاء، والشحناء، والتحاسد ستزول؛ لاشتغال الناس بأمر الآخرة، وإعراضهم عن شهوات الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف النحاة في إعراب قوله - ﷺ -: "ليُوشكنّ أن يَنْزِل فيكم ابن مريم ﵇":
(اعلم): أنه اختلاف في هذا الإعراب على قولين:
وحاصل المسألة أن "أوشك" تُستعمل ناقصةً، وتامّةً، ومثلها "عسى"، و"اخلولق"، فأما كونها ناقصةً، "فكقولك": أوشك زيد أن يقوم؛ فـ"زيد" اسمها، و"أن يقوم" خبرها، وأما التامّة، فهي المسندة إلى "أَنْ" والفعل، نحو: أوشك أن يقوم؛ فـ"أن يقوم" في تأويل المصدر فاعل "أوشك"، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
بَعْدَ "عَسَى" "اخْلَوْلَقَ" "أَوْشَكْ" قَدْ يَرِدْ … غِنًى بِـ"أَنْ يَفْعَلَ" عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
هذا إذا لم يَلِ الفعلَ الذي بعد "أن" اسمٌ ظاهرٌ يصحّ رفعه به، فإن وَليَهُ، كهذا الحديث، وكقولك: عسى أن يقوم زيد؛ فذهب الأستاذ أبو عليّ الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعًا بالفعل الذي بعد "أن"، فـ"أن" وما بعدها فاعل لـ"أوشك"، وهي تامّة، ولا خبر لها، وذهب المبرِّد، والسِّيرافيّ، والفارسيّ إلى تجويز ما ذكره الشلُوبينُ، وتجويز وجه آخر، وهو أن يكون ما بعد الفعل الذي بعد "أن" مرفوعًا بـ"أوشك"، اسمًا لها، و"أن" والفحل في موضع نصبٍ بـ"أوشك"، وتقدَّم على الاسم، والفعلُ الذي بعد "أن" فاعله ضمير يعود على فاعل "أوشك"، وجاز عوده عليه، وإن تأخّر؛ لأنه مقدّمٌ رتبةً.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية، والجمع، والتأنيث، فتقول على مذهب غير الشلُوبين: عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون، وعسى أن يقمن الهندات، فتأتي بضميرٍ في الفعل؛ لأن الظاهر ليس مرفوعًا به، بل هو مرفوعٌ بـ"عسى".
[ ٤ / ٢٧٩ ]
وعلى رأي الشلوبين يجب أن تقول: عسى أن يقوم الزيدان، وعسى أن يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم الهندات، فلا تأتي في الفعل بضميرٍ؛ لأنه رفع الظاهر الذي بعده (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء ﵈، الرّدُّ على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فَبَيَّن الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنُوّ أجله؛ لِيُدْفَن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله لَمّا رأى صفة محمد - ﷺ - وأمته، أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى يَنْزِل في آخر الزمان، مُجَدِّدًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أَوْجَهُ.
ورَوَى مسلم في "صحيحه" من حديث ابن عمر - ﵄ - في مدة إقامة عيسى ﵇ بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، ورَوَى نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من حديث ابن عباس - ﵄ - أن عيسى ﵇ إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه مبهم، عن أبي هريرة - ﵁ - يقيم بها أربعين سنة.
ورَوَى أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، من طريق عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة - ﵁ - مثله مرفوعًا، وفي هذا الحديث: "يَنْزِل عيسى عليه ثوبان مُمَصَّران، فَيَدُق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويُهْلِك الله في زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، وتقع الأَمَنَةُ في الأرض، حتى تَرْتَعَ الأسود مع الإبل، وتَلْعَب الصبيان بالحيات"، وقال في آخره: "ثم يُتَوَفَّى، فيُصلّي عليه المسلمون".
ورَوَى أحمد، ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلميّ، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بِفَجِّ الرَّوْحَاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنِيَنّهما".
وفي رواية لأحمد من طريق حنظلة أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب،
_________________
(١) راجع: "شرح ابن عقيل على الخلاصة" ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وتُجمع له الصَّلاة، ويعطي المال حتى لا يُقبَل، ويَضع الخراج، وينزل الرَّوْحاء، فيحجُّ منها، أو يعتمر، أو يجمعهما"، قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري. هذا كله حديث النبيّ - ﷺ -، أو شيء قاله أبو هريرة (^١).
(المسألة السادسة): اختُلف في موت عيسى ﵇ قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ الآية [آل عمران: ٥٥]، فقيل: على ظاهره، وعلى هذا، فإذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدَّرة له، يموت ثانيًا، وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير هو الأرجح عندي، كما رجَّحه الإمام أبو جعفر الطبريّ ﵀ في "تفسيره" بعد حكاية الأقوال المذكورة في الآية، حيث قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحّة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إليّ؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيُصلّي عليه المسلمون، ويَدفنونه. انتهى المقصود من كلام ابن جرير ﵀ (^٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ والله، تعالى أعلم.
[تنبيه]: واختُلِف أيضًا في عمره حين رُفِع فقيل: ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: مائة وعشرين، ذكره في "الفتح" (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أحمد في "مسنده" (٧٥٦٢).
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٦٩ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٩).
(٣) "تفسير ابن جرير" ٦/ ٤٥٨ "تفسير سورة آل عمران".
(٤) "الفتح" ٦/ ٥٦٩ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٩).
[ ٤ / ٢٨١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا"، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: "حَكَمًا عَادِلًا"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "إِمَامًا مُقْسِطًا"، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: "حَكَمًا مُقْسِطًا"، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ، وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَحَتَّى (^٢) تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر، كلهم تقدّموا قريبًا، غير:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنِّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد ابن شهاب الزهريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا") يعني: أن لفظ رواية سفيان بن عيينة: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا" بدل قول الليث: "حكمًا مُقسطًا".
وقوله: (وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أي: أنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادة، لا بالتصدق بالمال، وقيل: معناه أن الناس يرغبون عن الدنيا، حتى تكون السجدة الواحدة أحبَّ إليهم من الدنيا وما
_________________
(١) وفي نسخة: "وأخبرنا حرملة".
(٢) وفي نسخة: "حتى تكون" بحذف الواو.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
فيها، وقد رَوَى ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، بهذا الإسناد، في هذا الحديث: "حتى تكون السجدة واحدةً لله رب العالمين" (^١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" معناه - والله أعلم -: أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة، وسائر الطاعات؛ لقصر آمالهم، وعلمهم بقرب القيامة، وقلّة رغبتهم في الدنيا؛ لعدم الحاجة إليها، وهذا هو الظاهر من معنى الحديث، وقال القاضي عياض ﵀: معناه أن أجرها خير لمصلّيها من صدقته بالدنيا، وما فيها؛ لفيض المال حينئذ، وهوانه، وقلة الشُّحّ، وقلة الحاجة إليه للنفقة في الجهاد، قال: والسجدة هي السجدة بعينها، أو تكون عبارة عن الصلاة، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
قال في "الفتح": قوله: "ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، هو موصول بالإسناد المذكور، قال ابن الجوزي ﵀: إنما تلا أبو هريرة - ﵁ - هذه الآية، للإشارة إلى مناسبتها لقوله: "حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، فإنه يشير بذلك إلى صلاح الناس، وشدة إيمانهم، وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا، والسجدة تُطلق، ويراد بها الركعة.
وقال القرطبيّ: معنى الحديث: أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة؛ لكثرة المال إذ ذاك، وعدم الانتفاع به، حتى لا يقبله أحد، وأهل الحجاز يسمّون الركعة سجدة. انتهى (^٣).
وقوله في الآية: ﴿وَإِنْ﴾ بمعنى "ما"، أي: لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة - ﵁ - إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، وكذلك في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على عيسى ﵇، أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٨ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٩).
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩١.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٧١.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
وبهذا جزم ابن عباس - ﵄ -، فيما رواه ابن جرير، من طريق سعيد بن جبير عنه، بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء، عن الحسن، قال: قبل موت عيسى، واللهِ إنه الآن لَحَيٌّ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم، ورجحه ابن جرير وغيره.
ونَقَلَ أهل التفسير في ذلك أقوالًا أُخَرَ، وأن الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ يعود لله تعالى، أو لمحمد - ﷺ -، وفي ﴿مَوْتِهِ﴾ يعود على الكتابيّ على القولين، وقيل: على عيسى ﵇.
وروى ابن جرير من طريق عكرمة، عن ابن عباس: لا يموت يهوديّ، ولا نصرانيّ حتى يؤمن بعيسى، فقال له عكرمة: أرأيت إن خَرّ من بيت، أو احترق، أو أكله السبع، قال: لا يموت حتى يُحَرِّك شفتيه بالإيمان بعيسى، وفي إسناده خُصَيف، وفيه ضعفٌ.
ورَجَّحَ جماعة هذا المذهب بقراءة أُبَيّ بن كعب - ﵁ -: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: أهل الكتاب.
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة - ﵁ - في الآية، أن الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ يعود على عيسى ﵇ ومعناها: وما من أهل الكتاب يكون في زمن عيسى ﵇ إلا من آمن به، وعلم أنه عبد الله، وابن أمَتِه، وهذا مذهب جماعة من المفسرين، وذهب كثيرون، أو الأكثرون إلى أن الضمير يعود على الكتابيّ، ومعناها: وما من أهل الكتاب أحدٌ يحضره الموت إلا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى ﵇ وأنه عبد الله، وابن أمَتِه، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه في حضرة الموت، وحالة النزع، وتلك الحالة لا حُكْم لما يُفْعَل، أو يقال فيها، فلا يصح فيها إسلام، ولا كفر، ولا وصيةٌ، ولا بيعٌ، ولا عتقٌ، ولا غير ذلك من الأقوال؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، قال: وهذا المذهب أظهر، فإن الأول يَخُصّ الكتابيّ، وظاهر القرآن عمومه لكل كتابيّ في زمن عيسى، وقبل نزوله، ويؤيد هذا قراءةُ مَن قرأ: (قبل موتهم).
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وقيل: إن الهاء في ﴿بِهِ﴾ يعود على نبيّنا محمد - ﷺ -، والهاء في ﴿مَوْتِهِ﴾ تعود على الكتابيّ، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن جرير ﵀ بعد ذكر الأقوال في هذا: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇.
قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام ابن جرير هذا، ما نصّه: ولا شكّ أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ﵇ وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجَهَلة ذلك، فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشَّبَه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مَسِيح الضلالة، ويَكْسِر الصليب، ويقتل الخنزير، ويَضَع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد، من أهل الأديان، بل لا يَقبل إلا الإسلام، أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة، أنه يؤمن به جميعُ أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلَّف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود، ومن وافقهم من النصارى، أنه قُتِل، وصُلِب، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فَسَّر هذه الآية بأن المعنى أن كُلَّ كتابيّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى، أو بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - فهذا هو الواقع، وذلك أن كُلَّ أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآيتين [غافر: ٨٤ - ٨٥].
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩١ - ١٩٢.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وهذا يدل على ضَعْف ما احتجّ به ابن جرير في ردّ هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كلُّ من آمن بمحمد - ﷺ -، أو بالمسيح ﵇، ممن كَفَر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أَخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته.
فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه، أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى قول ابن عباس: ولو تَرَدَّى من شاهق، أو ضُرِب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أنه يؤمن بعيسى؟ فالإيمان به في مثل هذه الحال ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره؛ لِمَا قدمناه، والله أعلم.
ومن تأمل هذا جَيّدًا، وأمعن النظر اتَّضَحَ له أن هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه، من تقرير وجود عيسى ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ لِيُكَذِّب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى، الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت، وتعاكست، وتناقضت، وخَلَت عن الحقّ، ففَرَّطَ هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تَنَقَّصَهُ اليهودُ بما رموه به وأمه، من العظائم، وأطراه النصارى، بحيث ادَّعَوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عما يقول هؤلاء وهؤلاء عُلُوًّا كبيرًا وتنزه، وتقدَّس، لا إله إلا هو. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: طريق ابن عيينة التي أحالها المصنّف ﵀ هنا ساقها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢١٩)، فقال:
(٣٩٠) حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، (ح) حدثنا فاروق بن عبد الكبير، نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا إبراهيم بن بشار، (ح) وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرْسيّ، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، نا الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يوشك أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا، وإمامًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحدٌ"، لفظ الحميديّ.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وأخرجها الإمام ابن ماجه ﵀ أيضًا في "سننه"، فقال:
(٤٠٦٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم، حكمًا مقسطًا، وإمامًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". وطريق صالح أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٣٤٤٨) حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيِّب، سمع أبا هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكمًا عدلًا، فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزيرَ ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩].
وأما طريق يُونُسَ، فلم أجدها إلا عند المصنّف، وأبي نُعيم في "مستخرجه" ١/ ٢١٩ (٣٨٩) بالإحالة كإحالة المصنّف، وكذا عند ابن منده في "الإيمان" ١/ ٥١٤ (٤١١) بالإحالة أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٨] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَاللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ، حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَال، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
٢ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، بعدها ياء مثناة، من تحتُ ساكنةٌ، ثم نون، ثم ألف ممدودة، هذا هو المشهور، وقال صاحب "المطالع": يُمَدُّ، ويُقْصَرُ - المدنيّ، وقيل: البصريّ، مولى ابن أبي ذُبَاب الدَّوْسيّ، قيل: يُكنى أبا معاذ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه سعيد المقبريّ، وعمرو بن دينار، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأبو معاذ الخراسانيّ.
قال ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن مِيناء، وزعم أنه كان من أصلح الناس، وقال ابن عيينة: عطاء بن مِيناء من المعروفين، من أصحاب أبي هريرة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (١٥٥)، وحديث (٥٧٨): "سجدنا مع النبيّ - ﷺ - في إذا السماء انشقّت … "، و(١٥١١): "نهى عن بيعتين: الملامسة، والمنابذة … "، و(٢٦٧٩): "لا يقولنّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت … "، و(٢٧٥١): "لَمّا قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه … ".
وله عند البخاريّ حديث واحد: "نهى عن صيامين، وبيعتين … "، وعند أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه حديث في سجود التلاوة. انتهى (^١).
والباقون تقدّموا أول الباب.
وقوله: (وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ) ببناء الفعل للمفعول، و"القلاص" بكسر القاف: جمع قَلُوص بفتح، فضمّ، وهي من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابّة، والحَدَثِ من الرجال، ويُجمع أيضًا على قُلُص بضمّتين، وقلائص (^٢).
ومعنى تركها: أن يُزهَد فيها، ولا يُرغَب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنما ذُكِرت القلاص؛
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ١١٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥١٣.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤].
وقوله: (فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا) بالبناء للمفعول أيضًا: أي: لا يُعْتَنَى بها؛ أي: يتساهل أهلها فيها، ولا يعتنون بها، هذا هو الظاهر.
وقال القاضي عياض، وصاحب "المطالع" - رحمهما الله تعالى -: معنى "لا يُسْعَى عليها"؛ أي: لا تُطْلَب زكاتها؛ إذ لا يوجد مَن يقبلها، قال النوويّ ﵀: وهذا تأويل باطلٌ من وجوه كثيرة، تُفْهَم من هذا الحديث وغيره، بل الصواب ما قَدَّمناه، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال المظهر: معنى "ولَتُتْرَكنّ القلاص" يعني: لَيَتركنّ عيسى ﵇ إبل الصدقة، ولا يأمر أحدًا أن يسعى عليها، ويأخذها؛ لأنه لا يجد من يقبلها؛ لاستغناء الناس، والمراد بالسعي العمل. انتهى.
وقال الطيبيّ: ويجوز أن يكون ذلك كناية عن ترك التجارات، والضرب في الأرض لطلب المال، وتحصيل ما يُحتاج إليه؛ لاستغنائهم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الأخير هو الصواب، كما سبق عن النوويّ ﵀؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ) هي العداوة، والتشاحن تفاعلٌ منه، قال التوربشتيّ ﵀: إنما تذهب الشحناء والتباغض، والتحاسد يومئذ؛ لأن جميع الخلق يكونون على ملّة واحدة، وهي الإسلام، وأعلى أسباب التباغض، وأكثرها هو اختلاف الأديان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أي مع زهدهم في الدنيا، وقلّة رغبتهم فيها بسبب قرب الساعة، فإن أكثر العداوة إنما هو التشاحّ في الدنيا، والتنافس فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَالتَّبَاغُضُ) بمعنى العداوة أيضًا.
وقوله: (وَالتَّحَاسُدُ) أي: حسد بعضهم بعضًا، وهو أن يتمنّى زوال نعمة الله عن أخيه المسلم، وهو حرام، وأما الغِبطة، فهي أن يتمنّى مثل حال
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٢.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٣٤٨٠.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
أخيه، من غير أن تزول عنه، قال القرطبيّ: وهو التنافس أيضًا. انتهى (^١).
وهو حسن إذا كان في الأمور الدينيّة، فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلّط على هَلَكَته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها".
فالمراد بالحسد هنا هو الغِبطة، والله تعالى أعلم.
(وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ) بضمّ العين، وفتح الواو، وتشديد النون، والفاعل ضمير ابن مريم ﵇، يعني: أن عيسى ﵇ يدعو الناس إلى المال، ليأخذوه.
[تنبيه]: ضبط "وليَدعُونّ" بما ذكر هو الذي ذكره النوويّ، ووقع في هامش بعض النسخ: "ولَيُدْعَوُنّ إلى المال" بالبناء للمفعول، فإن صحّ، فيكون نائب فاعله ضميرًا يعود إلى مقدّر، أي: وليُدعَى الناسُ … إلخ، والله تعالى أعلم.
(فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ) لما قدّمناه من كثرة المال، وقِصَر الآمال، وعدم الحاجة، وقلّة الرغبة؛ للعلم بقرب الساعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٩] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَاَرِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوَل اللهِ - ﷺ -: "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا قبل حديث، غير:
١ - (نَافِعٍ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) هو: نافع بن عباس - بموحّدة، ومهملة - ويقال: ابن عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأقرع، أبو محمد، مولى
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
أبي قتادة، قيل له ذلك: للزومه إياه، ويقال: مولى عَقِيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي قتادة، وأبي هريرة.
ورَوى عنه سالم، أبو النضر، وعُمر بن كثير بن فُليح، وأُسيد بن أَبي أسيد البراد، وصالح بن كيسان، والزهريّ.
قال النسائيّ: نافع مولى أبي قتادة، ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات": نافع مولى عَقِيلة بنت طَلْق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نُسِب إليه، ولم يكن مولاه.
قال الحافظ: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مُغَفَّل بن إبراهيم، سمعت رجلًا يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يُحَدِّث عن أبي قتادة، فدكر حديث الحمار الوحشي، وفي رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي سلمة، أن نافعًا الأقرع، مولى بني غِفَار حَدَّثه، أن أبا قتادة حدثه … فذكر هذا الحديث، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان قليل الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: معروف.
أخرج له الجماعة (^١)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (١٥٥) وأعاده بعده مرتين، وحديث (١١٩٦): "هو حلال، فكلوه"، وأعاده بعده، و(١٧٥١): "من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه … ".
ويونس: هو ابن يزيد الأيليّ.
وقوله: (كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) يعني: أن الإمام الذي يصلي بالناس وقت نزول عيسى ﵇ من هذه الأمة، وهو المهديّ، وقال أبو ذر الهرويّ: حدثنا الجَوْزقيّ، عن بعض المتقدمين، قال: معنى قوله: "وإمامكم منكم"؛ يعني: أنه يَحكم بالقرآن، لا بالإنجيل، وقال
_________________
(١) قال في "الفتح" ٦/ ٥٦٩: وليس له عن أبي هريرة في "الصحيح" سوى هذا الحديث الواحد. انتهى. وكذا في "صحيح مسلم" ليس له عن أبي هريرة - ﵁ - إلا هذا الحديث.
[ ٤ / ٢٩١ ]
ابن التين: معنى قوله: "وإمامكم منكم" أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفةً من أهل العلم.
قال الحافظ: وهذا والذي قبله لا يبيّن كون عيسى، إذا نزل يكون إمامًا أو مأمومًا، وعلى تقدير أن يكون عيسى إمامًا، فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمة.
قال الجامع عفا الله عنه: كون عيسى ﵇ مأمومًا هو الصواب؛ لما بُيّن في الروايات الأخرى، كما سيأتي، ولا ينافي هذا ما سيأتي من تفسير ابن أبي ذئب له بان معناه: فأمّكم بكتاب ربّكم؛ لأن المراد أن عيسى ﵇ يحكم بين الناس بالقرآن، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ: المعنى: يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم، ويَعْكُر عليه قوله في حديث جابر الآتي بلفظ: "فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراءُ؛ تكرمةً لهذه الأمة".
فالأولى حمل إمامته على أن الإمامة السياسة، والحكم بما في القرآن، وسنّة نبيّنا - ﷺ -.
ويحتمل أن تكون الصلاة التي لا يتقدّم فيها عيسى عليه السلامي صلاة الصبح التي نزل فيها، كما تبيّنه رواية ابن ماجه، بلفظ: "فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى، يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم، فصلّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم … ".
فظاهر هذه الرواية يدلّ على أن امتناع عيسى ﵇ في تلك الصلاة التي أُقيمت لذلك الإمام خاصّة، فأما سائر الصلوات التي بعد ذلك يمكن أن يصلّي فيها عيسى ﵇ إمامًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ
[ ٤ / ٢٩٢ ]
الْأَنْصَارِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ، فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوق له أوهام [٦] (ت ١٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وأمَّكم) وفي نسخة: "فأمكم" بالفاء؛ أي: قادكم بشريعة محمد - ﷺ -، ويحتمل أن يكون المعنى: صلى بكم إمامًا، والأول أولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠١] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ "، فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ"، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ " قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدثني".
[ ٤ / ٢٩٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) القائل هو الوليد بن مسلم.
وقوله: (إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثنَا) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور المتوفّى سنة (١٥٧ هـ)، تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وقوله: (تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ ") بتقدير أداة الاستفهام؛ أي أتدري، أي: هل تعلم ما معنى قوله: "أمّكم منكم؟ ".
وقوله: (فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -) يعني: قادكم، وساسكم بكتاب الله العظيم، وسنّة نبيّه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ المشار إليها هنا، أخرجها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٥١٥)، فقال:
(٤١٣) أنبأ خيثمة بن سليمان، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، (ح) وأنبأ الحسن بن مروان، ثنا إبراهيم بن أبي سفيان، ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا بشر بن بكر، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، قال: أخبرني الزهريّ، عن نافع، مولى أبي قتادة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريم، وإمامكم منكم؟ ". انتهى.
ثم قال: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٢] (١٥٦) - (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" - قَالَ -: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ، صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ الكِنْديّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (^٢) [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن أبي زائدة، والوليد بن مسلم، وبَقِيَّة، وحجَّاج بن محمد، وابن وهب، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأبوه أبو بدر، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، وعمران بن إبراهيم أبو الآذان الحافظ، وأبو بكر بن أبي خيثمة، والقاسم بن زكريا، وغيرهم.
قال أحمد بن محمد بن صدقة: سمعت أحمد يُسأل عنه، فقال: اكتبوا عنه، وقال ابن مُحْرِز: سألت ابن معين عنه، فقال: لا بأس به، ليس هو ممن يَكْذِب، وقال الغلابيّ: سمعت ابن معين يقول: عند أبي هَمّام ستة آلاف حديث عن الثقات، وما سمعته يقول فيه سُوءًا قطّ، وكان يقول: ليس له
_________________
(١) راجع: "كتاب الإيمان" لابن منده ﵀ ١/ ٥١٥ رقم (٤١٣).
(٢) قال في "التقريب": ثقةٌ، والظاهر أنه صدوق؛ لما يظهر لمن تأمل ما قاله الأئمة في ترجمته الآتية، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
بَخْتٌ (^١)، وقال العجليّ: رأيته يأخذ الحديث أخذًا رديئًا، وقال صالح جَزَرَة: تكلموا فيه، سئل عنه ابنُ معين، فقال: ليس له بَخْتٌ مثل أبيه، وقال أبو حاتم: شيخٌ صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحتَجّ به، وهو أحب إلي من أبي هشام الرِّفَاعيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الإسماعيليّ: تكلم فيه أحمد بن حنبل لَمّا رَوَى عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، وقال البَرْقانيّ: فقلت للإسماعيليّ: لِمَ تَكَلَّم فيه؟ قال: لأنه قال: هذا الحديثُ لم يروه عن ابن وهب إلا الكبار، وقال أبو عليّ النحويّ: سألت أبا كريب عن أبي هَمّام، فقال: ما له؟ قلت: يُحَدِّث عن ابن المبارك وغيره، قال: هو أقدم سماعًا مني، كان يَمُرُّ بنا، ونحن نلعب، وهو يكتب الحديث، وما جئت إلى مُحدِّث بالكوفة إلا قال: ما زال يَختلف السَّكُوني إليّ، ما أخرجوا إلي كتابًا إلا وفيه فرَغ أبو همام، فرغ أبو همام، وأما يحيى بن حمزة، فإنني جئت إلى دمشق، فسألت عن أبي هَمّام، فقالوا: قد كان ههنا مقيمًا، وسمع من يحيى بن حمزة، وخرج، قلت: فابن وهب؟ قال: أما حديث ابن وهب، فإنه خَرَجَ من عندنا إلى مصر حتى نسيناه، ثم قَدِمَ، وجَعَل يذكر من فضائله، وقال العجليّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به.
قال البخاريّ: مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، والأول أصح.
رَوَى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب تسعة (^٢) أحاديث، فقط، هذا (١٥٦)، وحديث (٩٤٨): "ما من رجل
_________________
(١) "البَخْتُ" بفتح، فسكون: الجَدُّ، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح": "البَخْتُ": الحظّ وزنًا ومعنًى. انتهى.
(٢) وقال في "تهذيب التهذيب": وقال في "الزهرة": رَوَى عنه مسلم ثلاثة أحاديث. انتهى، وهو غلط؛ لما ذكرناه من برنامج الحديث من أنه روى عنه تسعة أحاديث، فتنبّه.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
مسلم يموت، فيقوم على جنازته … "، و(٩٨١): "فيما سقت الأنهار والغيم … "، و(١٦٨٤): "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، فصاعدًا"، و(١٩١٦): "الطاعون شهادة لكلّ مسلم"، و(١٩٢٩): "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله … "، و(٢٠٦٥): "الذي يشرب في آنية الفضّة … "، و(٢٣٠٥): "ألا إني فَرَطٌ لكم على الحوض … "، و(٢٤٥٩): "قيل لي: أنت منهم".
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجَّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجَّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٤ - (حَجَّاجٌ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المِصيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا قَدِمَ بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فالوليد لم يروِ عنه البخاريّ، والنسائيّ، وهارون لم يروِ عنه البخاريّ، وحجَّاج تفرّد به هو وأبو داود فقط، كما أسلفناه آنفًا.
٣ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
شرح الحديث:
(عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ السَّلَميَّ - ﵄ - (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا تَزَالُ) هي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر واسمها، قوله: (طَائِفَةٌ مِنْ أَمَّتِي) قال الفيّوميّ ﵀: الطائفة: الفرقة من الناس، والطائفة: القطعة من الشيء، والطائفة من الناس الجماعة، وأقلّها ثلاثة، وربّما أُطلقت على الواحد والاثنين. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: الطائفة الجماعة، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]. والطائفة في الأصل: هي القطعة من الشيء، يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة منه، وهي من الناس الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف، وكذلك قال النخعيّ. وقال عطاء: أقلّه رجلان، فصاعدًا. وقال الزهريّ: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يُمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافّة حول الشيء، أقلّها ثلاثة، أو أربعة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وقوله: (مِنْ أُمَّتِي) المراد أمة الإجابة (يُقَاتِلُونَ) حذف المفعول للتعميم؛ أي: جميع أعداء الإسلام (عَلَى الْحَقِّ) متعلّق بحال مقدَّر؛ أي: حال كونهم كائنين على الحقّ، أي: الثابت من الله على لسان رسوله - ﷺ - (ظَاهِرِينَ) حال من الواو أيضًا، أي: حال كونهم غالبين أعداءهم، أو من خالفهم، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى؛ لِمَا أخرجه المصنّف من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة".
وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ") متعلّق بـ"لا تزال"، أو بـ"يُقاتلون"؛ أي: إلى أن يقرب يوم القيامة، وذلك بإتيان العلامة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة؛ لِمَا أخرجه المصنّف ﵀ عن عبد الرحمن بن شِمَاسة المَهْريّ، أنه قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٦١.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شَرٌّ من أهل الجاهليّة، لا يَدْعُون الله بشيء، إلا ردّه عليهم، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك"، فقال عبد الله: أَجَلْ: "ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة".
(قَالَ) - ﷺ - ("فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - ﷺ -) "ابن" هنا لا تحذف همزة الوصل منها؛ لأنها مضافة إلى أم لعيسى، لا إلى أب له، ومن شرط حذفها كون ما تُضاف إليه أبًا للأول، نحو قولك: محمد بن عبد الله (فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ) هو المهديّ (تَعَالَ) بفتح اللام، فعل أمر من تعالى يتعالى، يقال: تعالى يَتَعالى تعَاليًا: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُرَ في كلامهم حتى استُعمل بمعنى هَلُمَّ مطلقًا، سواء كان موضع المدعوّ أعلى أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنًى خاصّ، ثم استُعمِل في معنى عامّ، وتتّصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال: تعالَوْا، تعالَيَا، تعالَيْن، وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكُسِرت مع المؤنّثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية؛ لمجانسة الواو (^١)؛ أي: أقبل إلينا، وقوله: (صَلِّ لَنَا) بدل من "تَعَالَ" بدل فعل من فعل، كما في تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، فـ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بدلٌ من ﴿يَلْقَ﴾، أُعرب بإعرابه، وهو الجزم، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا … تُؤْخَذَ كُرْهًا أَوْ تَجِيءَ طَائِعًا
فـ"تؤخَذَ" بدل من "تبايعا"، ولذا نُصب، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٧.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ"مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ"
(فَيَقُولُ) عيسى ﵇ (لَا) أي: لا آتيكم لأصلّي بكم، وقوله: (إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ) جملة تعليليّة لعدم صلاته بهم؛ أي: لأن بعض هذه الأمة أُمراء على بعضها، والأمير هو الأحقّ بأن يصلّي بها، وقوله: (تَكْرِمَةَ اللهِ) منصوب على أنه مفعول من أجله، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ المَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ"جُدْ شُكْرًا وَدِنْ"
وفي رواية أبي عوانة: "لتكرمة الله هذه الأمة" باللام.
وقوله: (هَذِهِ الْأُمَّةَ") منصوب على أنه مفعول به لـ"تكرمة"؛ إذ هو مصدر يعمل عمل فعله، كما قال في "الخلاصة":
بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي العَمَلْ … مُضَافًا أَوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ"
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَلْ" أَوْ "مَا" يَحُلْ … مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
والمعنى: إن بعضكم أمراء على بعضٍ؛ لأجل تكرمة الله تعالى إياكم، فلا ينبغي لغيركم أن يكون إمامًا لكم.
وفي رواية أحمد من حديث جابر - ﵁ - في قصة الدجال، ونزول عيسى ﵇: "وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم، فليُصَلِّ بكم"، ولابن ماجه في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال قال: "وإمامهم رجل صالحٌ، فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم، فصلّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم … ".
وقال أبو الحسن الأُبَّديّ في مناقب الشافعي ﵀: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك رَدًّا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس - ﵁ - وفيه: "ولا مَهْدِيَّ إلا عيسى".
وقال ابن الجوزي ﵀: لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال، ولَقِيل: أتراه تقدم نائبًا أو مبتدئًا شرعًا؟ فصلى مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجهُ قوله - ﷺ -: "لا نَبِيَّ بعدي"، وفي صلاة عيسى ﵇ خلف رجل من هذه الأمة، مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالةٌ للصحيح من
[ ٤ / ٣٠٠ ]
الأقوال: أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا تفرّد به المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٧/ ٤٠٢] (١٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٤١٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٠٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نزول عيسى ﵇، وحكمه بشريعة نبيّنا محمد - ﷺ -.
٢ - (ومنها): بيان قيام هذه الأمة على شريعة نبيّها - ﷺ - إلى قيام الساعة.
٣ - (ومنها): بيان فضل اتّباع سنّة رسول الله - ﷺ -، ووجه ذلك أن هؤلاء الطائفة ما حصل لهم ذلك النصر، والثبات على مقاومة العدوّ، وإبادته إلا بسبب اتّباعهم سنته - ﷺ -.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان فضل هذه الأمّة، حيث إن الله ﷿ أجارها عن الاتّفاق على الضلال، فلا تزال جماعة مؤمنة بربّها أيَّ إيمان، متّبعة لسنة نبيّها - ﷺ -، لا يغيّرها حوادث الزمان، ولا مضايقة أهل المكان، ولا يبدّل أحوالها تعاقب الملوين، واختلاف الجديدين، بل تبقى صابرةً صامدة على الحقّ، لا تبالي بتآمر جميع الخلق، فسبحان من اصطفى خيار عباده لنيل صَفْوِ وداده.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً على صحّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء، فقد دخلت فيهم هذه الطائفة المختصة بهذا الفخر العظيم، فكلّ
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٩ - ٥٧٠ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٩).
[ ٤ / ٣٠١ ]
الأمّة مُحِقّ، فإجماعهم حقّ، ويفيد هذا المعنى قوله ﷿: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]، قاله القرطبيّ ﵀ (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو أصح ما استُدِلَّ به من الحديث على كون الإجماع حجةً، وأما حديث: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، فضعيف (^٢). انتهى (^٣).
٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -، فإنّ هذا الوصف ما زال - بحمد الله تعالى - من زمن النبيّ - ﷺ - إلى الآن، ولا يزال - بفضل الله تعالى - حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث (^٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بهذه الطائفة:
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: قد اختلف العلماء في من هذه الطائفة؟، وأين هم؟، فقال عليّ ابن المدينيّ: هم العرب، واستدلّ برواية من روى: "وهم أهل الغرب"، وفسّر "الغرب" بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب أهل القوّة، والشدّة، والحدّ، وغرب كلّ شيء حدّه. وقيل: أراد به غرب الأرض، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - وقال فيه: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ في المغرب حتى تقوم الساعة"، ورواه عبد بن حميد، وقال فيه: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة، أو يأتي
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٦٤ "كتاب الجهاد".
(٢) هذا الحديث ضعيف، رواه ابن ماجه في "سننه" برقم (٣٩٥٠)، وابن أبي عاصم في "السنّة" رقم (٨٤)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" ١٣٣، واللالكائيّ في "أصول أهل السنة" ١/ ١٠٥ - ٦٥٣ عن معان بن رفاعة السلاميّ، عن أبي خلف الأعمى، عن أنس مرفوعًا، وهو إسناد واهٍ بمرّة، إذ أبو خلف الأعمى متروك، ورماه ابن معين بالكذب. وقال الدارقطنيّ في "الأفراد": تفرّد بهذا الحديث. ومعان بن رفاعة ليّن الحديث. وأخرجه أبو نُعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ٢٠٨ وهو ضعيف أيضًا فيه عللٌ، قد أجاد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في "السلسلة الضعيفة" ٦/ ٤٣٦ رقم (٢٨٩٦)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٣) "شرح مسلم" ١٣/ ٦٧.
(٤) "شرح مسلم" ١٣/ ٦٧.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
أمر اللهُ". ورواه بقيّ بن مَخْلَد في "مُسنده" كذلك: "لا يزال أهل المغرب كذلك".
قال القرطبيّ: وهذه الروايات تدلّ على بطلان التأويلات المتقدّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة مدينة النبيّ - ﷺ - إنما هو الشام، وآخره حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى، وما بينهما، كلّ ذلك يُقال عليه: مغرب، فهل أراد المغرب كلّه، أو أوّله؟ كلُّ ذلك محتملٌ، لا جَرَم قال معاذٌ - ﵁ - في الحديث الآخر: "هم أهل الشام"، ورواه الطبريّ، وقال: هم ببيت المقدس. وقال أبو بكر الطرطوشيّ في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى قال: - والله تعالى أعلم - هل أرادكم رسول الله - ﷺ - أو أراد بذلك جملةَ أهل المغرب لما هم عليه من التمسّك بالسنّة والجماعة، وطهارتهم من البِدَع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟. والله تعالى أعلم. انتهى ما ذكره القرطبيّ (^١).
وقال في "الفتح": قال صاحب "المشارق" في قوله: "لا يزال أهل الغرب" يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم، وهي - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء -: ذكر يعقوب بن شيبة عن علي ابن المديني قال: المراد بالغرب الدلو؛ أي: العَرَب - بفتح المهملتين - لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: "وهم أهل الشام"، فالظاهر أن المراد بالغرب البلد؛ لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال، وليس بواضح. ووقع في بعض طرق الحديث "المغرب" - بفتح الميم، وسكون المعجمة - وهذا يَرُدّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه، أن المراد الإقليم، لا صفة بعض أهله. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب - بفتح، ثم سكون - أي: حِدّة. ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد: "أنهم ببيت المقدس"، وأضاف "بيت" إلى "المقدس". وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٦٣ - ٧٦٤.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
"الأوسط" للطبراني: "يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة".
ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو، وحِدَّة وجِدٌّ. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث (^٢).
وقال في "الفتح": قال النووي: يجوز أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أَوّلًا فأوّلًا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخصًا مع زيادة فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في المراد بالطائفة المذكورة هم الجماعة الذين يقومون بنصرة الدين، والذبّ عن حريمه، واتّباع السنّة، وقمع البدعة، فيشمل كلّ من كان متّصفًا بما ذُكر من علماء الحديث، والمفسّرين، والفقهاء، والأمراء، والسلاطين، والشجعان، القائمين بما ذكر، والله تعالى أعلم.
قال (^٣): ونظير ما نَبّهَ عليه - يعني: النووي في كلامه السابق - ما حَمَل
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٢٢٩ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة".
(٢) "شرح مسلم" ١٣/ ٦٦ - ٦٧ "كتاب الجهاد".
(٣) أي صاحب "الفتح".
[ ٤ / ٣٠٤ ]
عليه بعضُ الأئمة حديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو مُتَّجِهٌ، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعيّ، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كُلُّ من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو بحثٌ نفيسٌ جِدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين قوله - ﷺ - في هذا الحديث: "حتى تقوم الساعة"، وحديث مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق".
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا الحديث وما أشبهه، ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق … " الحديث، قال: فتبيّن في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق، تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار. وتعقّبه الحافظ رحمه الله تعالى، قائلًا: ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر الله، فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله، ما ذُكر من قبض مَن بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى ﵇، ثم إذا
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
بعث الله الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن لم يبقَ إلا شرار الناس.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود - ﵁ - رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع تناثر الخَرَز بسرعة، وهو عند أحمد، وفي مرسل أبي العالية: "الآيات كلها في ستة أشهر". وعن أبي هريرة - ﵁ -: "في ثمانية أشهر"، وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة - ﵁ - من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى"، وفيه: "يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "يخرج الدجال في أمتي … " الحديث، وفيه: "فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد، في قلبه مثقال حبة من خير"، أو "إيمان، إلا قبضته"، وفيه: "فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور".
فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: "لا تزال طائفة" وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئًا يسيرًا، ويؤيده حديث عمران بن حصين - ﵄ -، رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال"، أخرجه أبو داود، والحاكم، قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال، يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يُرسَل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار، كما تقدم (^١).
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر ما خلاصته: إن المراد بأمر الله هبوب تلك الريح، وبقيام الساعة ساعتهم، والمراد بالذين يكونون ببيت
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٨٣ - ٥٨٥ "كتاب الفتن".
[ ٤ / ٣٠٦ ]
المقدس هم الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدجال، ويَظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع - والعلم عند الله تعالى -. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في المراد بقوله - ﷺ -: "حتى تقوم الساعة"، وبقوله: "حتى يأتي أمر اللهُ"، علامة الساعة التي هي هبوب الريح المذكورة، فلا يوجد بعده نفس مؤمنة، بل يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.