وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٣] (١٥٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاء، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٢٢٨ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة".
[ ٤ / ٣٠٧ ]
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماستات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه الثلاثة، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعنون ابن جعفر"، وقوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، وقد تقدّم البحث عنه غير مرّة، وخلاصته أن مشايخه لم ينسبوا إسماعيل، والعلاء إلى أبويهما، فأراد أن يوضّح ذلك لطلابه، فزاد كلمة "يعنون"، وكلمة "وهو" فصلًا بين ما نقله، وبين ما زاده من عنده، فتبصّر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ) بضمّ اللام مضارع طَلَع بفتحها، يقال: طَلَعَ يَطْلُعُ طُلُوعًا، من باب قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُودًا، ومَطْلَعًا بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلوّ، فقد طَلَعَ عليك، وطَلَعتُ الجبلَ طُلُوعًا يتعدَّى بنفسه؛ أي: عَلَوته، وطَلَعْتُ فيه: رَقِيته،
[ ٤ / ٣٠٨ ]
قاله الفيّوميّ (^١)، وقال المجد: طَلَعَ الكوكب، والشمس طُلُوعًا وَمَطْلَعًا ومَطْلِعًا: ظَهَرَ، كاطَّلَعَ. انتهى (^٢). (الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) - بفتح الميم، وكسر الراء -: أي: محلّ غروبها، وقد وقع تفسير كيفيّة طلوعها في حديث أبي ذرّ - ﵁ - الآتي في قوله: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ … " الحديث.
[تنبيه]: هذا الحديث مختصر من الحديث الذي ساقه الإمام البخاريّ ﵀ في أواخر "كتاب الفتن" بطوله، فقال:
(٧١٢١) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مَقْتَلَةٌ عظيمةٌ، دعوتهما واحدة، وحتى يُبْعَث دجالون، كذابون، قريب من ثلاثين، كلُّهم يَزْعُمُ أنه رسول الله، وحتى يُقبَض العلم، وتَكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفِتَن، وَيكْثُر الهَرْج - وهو القتل - وحتى يكثر فيكم المال، فيَفِيضَ حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يَقْبَل صدقته، وحتى يَعْرِضه عليه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أَرَبَ لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يَمُرَّ الرجلُ بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تَطلُع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس، يعني: آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولَتَقُومنّ الساعةُ، وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يَطوِيانه، ولتقومنَّ الساعةُ، وقد انصرف الرجل بلبن لِقْحَته، فلا يَطْعمه، ولتقومن الساعة، وهو يَلِيط حوضه، فلا يَسْقِي فيه، ولتقومنّ الساعةُ، وقد رَفَع أُكْلته إلى فيه، فلا يَطْعمها".
وقال الطيبيّ ﵀: الآيات أماراتٌ للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها، فمن الأول الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس، وحديث الباب يُؤذِن بذلك؛ لأنه جَعَل في طلوعها من المغرب
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٥.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٦٦٩.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
غايةً؛ لعدم قيام الساعة، فيقتضي أنها إذا طَلَعَت كذلك انتفى عدم القيام، فثبت القيام، قاله في "الفتح" (^١).
(فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) وفي رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ في "التفسير": "فإذا رآها الناس آمَنَ مَن عليها"، أي: على الأرض من الناس (فَيَوْمَئِذٍ) وفي رواية للبخاري: "فذاك حين" (﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]) قال الإمام ابن جرير الطبريّ ﵀: معنى الآية: لا ينفع كافرًا لم يكن آمن قبل الطلوع إيمانٌ بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عَمِل صالحًا قبل الطلوع عَمَلٌ صالحٌ بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان، والعمل الصالح حينئذ حكمُ مَن آمن، أو عَمِل عند الغَرْغَرَة، وذلك لا يفيد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر: ٨٥]، وكما ثبت في الحديث الصحيح: "تُقبَل توبةُ العبد ما لم يبلغ الغرغرة" (^٢).
وقال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحًا من قبلُ، ولو كان مؤمنًا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب.
وقال القاضي عياض ﵀: المعنى لا تنفع توبةٌ بعد ذلك، بل يُختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها.
والحكمة في ذلك أن هذا أولُ ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلويّ، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروريّ بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشممس من المغرب مثله.
وقال القرطبيّ في "التذكرة" بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا، فتوبة من شاهد
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٦٠ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٠٦).
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد (٥٨٨٥)، والترمذيّ (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٤٢٤٣)، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بلفظ: "إن الله يقبل توبة العبد، ما لم يُغَرْغِر"، وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ غريب.
[ ٤ / ٣١٠ ]
ذلك، أو كان كالمشاهد له مردودةٌ، فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذ، أو تاب قُبِل منه، وأَيَّد ذلك بأنه رُوي أن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء بعد ذلك، ويطلعان، ويغربان من المشرق، كما كانا قبل ذلك.
قال: وذكر أبو الليث السمرقنديّ في "تفسيره" عن عمران بن حُصين قال: إنما لا يُقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع، لأنه يكون حينئذ صيحة، فيهلك بها كثير من الناس، فمن أسلم، أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في "الفتح" (^١) هذا القول عن القرطبيّ، وسكت عليه، وعندي أنه محلّ نظر، فأين الدليل على قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها؟، وما ذكره من طلوعهما وغروبهما بعد ذلك كعادتهما ليس فيه دلالة على القبول المزعوم، وما ذكره أبو الليث عن عمران بن حصين - ﵄ - يحتاج إلى ثبوته، فتبصر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عطية ﵀: في هذا الحديث دليلٌ على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طلوعُ الشمس من المغرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وأسند الطبريّ عن ابن مسعود، أن المراد بالبعض إحدى ثلاث: هذه، أو خروج الدابة، أو الدجال، قال: وفيه نظرٌ؛ لأن نزول عيسى ابن مريم، يَعْقُبُ خروج الدجال، وعيسى لا يَقْبَل إلا الإيمان، فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يُقْبَل الإيمان ولا التوبة. انتهى.
لكن يأتي عند المصنّف في الحديث التالي من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "ثلاثٌ إذا خَرَجن لم ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل: طلوعُ الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".
قيل: فلعل حصول ذلك يكون متتابعًا، بحيث تَبْقى النسبة إلى الأول منها مجازية، وهذا بعيدٌ؛ لان مُدّة لَبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٣٦١ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٠٦).
[ ٤ / ٣١١ ]
المغرب، فالأرجح أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، قاله الحافظ ﵀، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٨/ ٤٠٣ و٤٠٤] (١٥٧)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٦٣٥ و٤٦٣٦)، و"الرقاق" (٦٥٠٦)، و"الفتن" (٧١٢١)، و(أبو داود) في "الملاحم" (٤٣١٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١١١٧٧)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ - ٣١٣ - ٣٥٠ - ٣٩٨ - ٥٣٠)، و(ابن جرير الطبريّ) في "تفسيره" (١٤٢٠٤ و١٤٢٠٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٨ و٣١٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٩٦ و٤٠١ و٤٠٢ و٤٠٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٤٣ و٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الزمن الذي لا يُقبَلُ فيه الإيمان، وهذا هو وجه مطابقة ذكره في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): إثبات قيام الساعة، وأنه شيء لا بدّ من وقوعه.
٣ - (ومنها): إثبات علامات وأمارات لوقوع الساعة.
٤ - (ومنها): إثبات طلوع الشمس من مغربها، مخالفة لعادتها، قال القاضي عياضٌ ﵀: وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلّمين من
[ ٤ / ٣١٢ ]
أهل السنّة، خلافًا لمن تأوله من المبتدعة والباطنيّة، وهو أحد أشراط الساعة المنتظرة. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): أن ذلك طلوعها علامة غلق باب التوبة، فبعد ذلك لا ينفع الكافر أن يؤمن، ولا العاصي أن يتوب.
٦ - (ومنها): بيان أن توبة العبد مقبولة قبل ذلك، وإن عمل ما عمل من كبائر الذنوب.
٧ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله ﷾، حيث أمهل العصاة أمدًا طويلًا، فمن أراد منهم أن يرجع إليه قبله، فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنوبه، ويقع في اليأس، فإن الله تعالى لا يعظُم عليه شيء، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أول علامات الساعة:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك؛ لاختلاف الآثار الواردة فيه، قال القاضي عياضٌ ﵀: اختُلف في أول الآيات، فقيل: أولها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابّة، من رواية عبد الله بن عمرو - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا"، وفي حديث أنس - ﵁ -: "أولُ أشراط الساعة نارٌ تحشُر الناس، تخرُج من اليمن"، وفي حديث حذيفة بن أَسِيد - ﵁ -: "آخر ذلك النار". انتهى (^٢).
وقد لخّص الحافظ ﵀ في "الفتح" تلك الآثار، وجمع بين أشتاتها، فأجاد وأفاد ﵀، ودونك خلاصته:
قال ﵀: الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦١٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ٦١٦ - ٦١٧.
[ ٤ / ٣١٣ ]
الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، وقد أخرج مسلم أيضًا من طريق أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، رفعه: "أولُ الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، فأيُّهُما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب" (^١).
وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم، وأنه كان يقول: أولُ الآيات خروج الدجال، فأنكر عليه عبد الله بن عمرو.
قال الحافظ: ولكلام مروان مَحْمِلٌ يُعْرَف مما ذكرته.
وقال الحاكم أبو عبد الله ﵀: الذي يظهر أن طلوع الشمس يَسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه.
قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يُغْلَق بابُ التوبة، فتخرج الدابة تُمَيِّز المؤمن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة.
وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تَحْشُر الناس كما ثبت في حديث أنس - ﵁ - في مسائل عبد الله بن سلام، ففيه: "وأما أوّلُ أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" (^٢).
_________________
(١) سيأتي في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة" برقم (٢٩٤١).
(٢) هو: ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٤٤٨٠) حدثنا عبد الله بن منير، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حميد، عن أنس، قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله - ﷺ -، وهو في أرض يَختَرِف، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهنّ إلا نبيٌّ، فما أوّل أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما يَنزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهنّ جبريل آنفًا"، قال: جبريل؟ قال: "نعم"، قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: " ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وإذا سَبَقَ ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت"، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله؛ يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت =
[ ٤ / ٣١٤ ]
وذكر الميانشيّ عن عبد الله بن عمرو رفعه، قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة.
قال الحافظ: رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" بسند جيّد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقد ورد عنه ما يعارضه، فأخرج أحمد، ونعيم بن حماد من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: "الآيات خَرَزَات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تَبعَ بعضها بعضًا"، وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو، رفعه: "إذا طلع الشمس من مغربها خَرَّ إبليس ساجدًا، ينادي: إلهي مُرْني أن أسجد لمن شئت … " الحديث، وأخرج نعيم نحوه، عن أبي هريرة، والحسن، وقتادة، بأسانيد مختلفة.
وعند ابن عساكر، من حديث حُذيفةَ بنِ أَسِيد الغفاريّ، رفعه: "بين يدي الساعة عشر آيات، كالنّظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت"، وعن أبي العالية: "بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، يتتابعن كتتابع الخَرَزات في النظام".
ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدّة، ولو كانت كما قال: عشرين ومائة سنة، لكنها تَمُرّ مرورًا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو دون ذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر … " الحديث، وفيه: "واليوم كاحتراق السَّعَفَة".
وأما حديث عمران، فلا أصل له، وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقيّ في "البعث والنشور"، فقال في "باب خروج يأجوج ومأجوج": (فصل) ذَكَرَ الحَلِيميّ أن أول الآيات الدجال، ثم نزول عيسى؛ لأن طلوع الشمس من
_________________
(١) = اليهود، فقال النبي - ﷺ -: "أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ " قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا، قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرُّنا، وابن شرِّنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنتُ أخاف يا رسول الله.
[ ٤ / ٣١٥ ]
المغرب، لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه، ولكنه ينفعهم؛ إذ لو لم ينفعهم لَمَا صار الدين واحدًا بإسلام من أسلم منهم.
قال البيهقيّ: وهو كلام صحيح، لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور: "إن أول الآيات طلوع الشمس من المغرب"، وفي حديث عبد الله بن عمرو: "طلوع الشمس، أو خروج الدابة"، وفي حديث أبي حازم، عن أبي هريرة الجزم بهما، وبالدجال في عدم نفع الإيمان.
قال البيهقيّ: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابقٌ احتَمَل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليفه الإيمانَ بالغيب، وكذا في قصة الدجال، لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه، وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى، احتَمَلَ أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال، ونزول عيسى؛ إذ ليس في الخبر نَصّ على أنه يتقدم عيسى.
قال الحافظ: وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة تخالفه، ففي "صحيح مسلم" من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، رفعه: "مَن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه"، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك، لم تقبل، ولأبي داود، والنسائيّ من حديث معاوية، رفعه: "لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، وسنده جيّد، وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه، وأخرج أحمد، والطبريّ، والطبرانيّ، من طريق مالك بن يُخَامِر - بضم التحتانية، بعدها خاء معجمة، وبكسر الميم - وعن معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، رفعوه: "لا تزال التوبة مقبولةً، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طَبَعَ الله على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناس العملَ"، وأخرج أحمد، والدارميّ، وعبد بن حميد في "تفسيره" كلهم من طريق أبي هند، عن معاوية، رفعه: "لا تنقطع التوبة، حتى تطلع الشمس من مغربها"، وأخرج الطبريّ بسند جيِّد من طريق أبي الشَّعْثاء، عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا: التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وفي حديث صفوان بن عَسّال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن بالمغرب بابًا
[ ٤ / ٣١٦ ]
مفتوحًا للتوبة، مسيرة سبعين سنةً، لا يُغْلَق حتى تطلع الشمس من نحوه"، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضًا النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه، وفيه: "فإذا طلعت الشمس من مغربها، رُدّ المصراعان، فيلتئم ما بينهما، فإذا أُغلق ذلك الباب، لم تُقبَل بعد ذلك توبةٌ، ولا تنفع حسنةٌ، إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك، فإنه يُجرَى لهم ما كان قبل ذلك"، وفيه: فقال أُبي بن كعب: "فكيف بالشمس، والناس بعد ذلك؟ قال: تُكسَى الشمس الضوءَ، وتطلع كما كانت تطلع، وتقبل الناس على الدنيا، فلو نُتِج رجلٌ مُهْرًا لم يركبه حتى تقوم الساعة".
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم بن حماد، في "كتاب الفتن"، وعبد الرزاق في "تفسيره"، عن وهب بن جابر الخَيْوَانيّ - بالخاء المعجمة - قال: كنا عند عبد الله بن عمرو، فذكر قصّةً، قال: ثم أنشأ يحدثنا، قال: "إن الشمس إذا غَرَبت سَلَّمَت وسجدت، واستأذنت في الطلوع، فيؤذن لها، حتى إذا كان ذات ليلة، فلا يؤذن لها، وتُحْبَس ما شاء الله تعالى، ثم يقال لها: اطلُعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ"، وأخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" عن عبد الرزاق كذلك، ومن طريق أخرى، وزاد فيها قصة المتهجدين، وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس، وأخرج أيضًا من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: "تأتي ليلة قدرُ ثلاث ليالٍ، لا يعرفها إلا المتهجدون، يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ، ثم ينام، ثم يقوم، فعندها يموج الناس بعضهم في بعض، حتى إذا صَلَّوُا الفجر، وجلسوا، فاذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فَيَضِجُّ الناس ضجّة واحدةً، حتى إذا توسطت السماء رجعت"، وعند البيهقي في "البعث والنشور" من حديث ابن مسعود نحوه: "فينادي الرجل جاره: يا فلان ما شأن الليلة؟ لقد نِمْتُ حتى شَبِعتُ وصليت حتى أعييت"، وعند نعيم بن حماد، من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، قال: "لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج، إلا قليلًا حتى تطلع الشمس من مغربها، فيناديهم منادٍ: يا أيها الذين آمنوا قد قُبِل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أُغلق عنكم باب
[ ٤ / ٣١٧ ]
التوبة، وجَفَّت الأقلام، وطُويت الصُّحُف"، ومن طريق يزيد بن شُريح، وكثير بن مُرّة: "إذا طَلَعت الشمس من المغرب، يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا"، وأخرج عبد بن حميد، والطبريّ بسند صحيح، من طريق عامر الشعبيّ، عن عائشة: "إذا خرجت أول الآيات طُرِحت الأقلام، وطُويت الصحف، وخَلَصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال"، وهو وإن كان موقوفًا، فحكمه الرفع، ومن طريق العَوْفيّ، عن ابن عباس نحوه، ومن طريق ابن مسعود قالا: "الآية التي يُختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها".
فهذه آثار يشُدُّ بعضها بعضًا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يُفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة، ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها، أوَّلُ الإنذار بقيام الساعة.
وفي ذلك رَدٌّ على أصحاب الهيئة، ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفَلَكيّات بسيطة، لا يَختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه، قال الكرمانيّ: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلى تقدير تسليمها، فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي مُعَدَّل النهار، بحيث يصير المشرق مغربًا وبالعكس.
واستَدَلّ صاحب "الكشاف" بهذه الآية للمعتزلة، فقال: قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] صفة لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] عطف على ﴿أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١]، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات مُلجِئة للإيمان، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها تقديم عمل صالح، فلم يُفَرِّق كما ترى بين النفس الكافرة، وبين النفس التي آمنت في وقته، ولم تكتسب خيرًا لِيُعْلَم أن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٤] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبها ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك.
قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى
[ ٤ / ٣١٨ ]
بعض الآيات، لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها، ولم تكسب فيه خيرًا، فقد عَلَّق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير، ومفهوم الصفة قويّ، فيُسْتَدَل بالآية لمذهب أهل السنة، ويكون فيه قلبُ دليل المعتزلة دليلًا عليهم.
وأجاب ابن المُنَيِّر في" الانتصاف"، فقال: هذا الكلام من البلاغة يُلَقَّبُ اللَّفّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا، لم تكن مؤمنة قبلُ إيمانُها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبلُ ما تكتسبه من الخير بعدُ؛ فَلَفَّ الكلامين، فجعلهما كلامًا واحدًا؛ إيجازًا، وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحقّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدُلّ له.
وقال ابن الحاجب في "أماليه": الإيمان قبل مجيء الآية نافع، ولو لم يكن عمل صالحٌ غيره، ومعنى الآية: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح، لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها، فاختُصِرَ للعلم.
ونَقَلَ الطيبيّ كلام الأئمة في ذلك، ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير، وابن الحاجب، وبَسْطُهُ: أن الله تعالى لَقا خاطب المعاندين بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥] علّل الإنزال بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦]؛ إزالةً للعذر، وإلزامًا للحجة، وعَقّبه بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]؛ تبكيتًا لهم، وتقريرًا لما سبق من طلب الاتباع، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]، أي: أنه أَنزل هذا الكتاب المنير كاشفًا لكل رَيْب، وهاديًا إلى الطريق المستقيم، ورحمةً من الله للخلق؛ ليجعلوه زادًا لمعًادهم فيما يقدمونه من الإيمان، والعمل الصالح، فجَعَلُوا شكرَ النعمة أن كَذَّبوا بها، ومُنِعُوا من الانتفاع بها، ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، أي ما ينتظر هؤلاء المكذِّبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا
[ ٤ / ٣١٩ ]
بنزول الملائكة بالعقاب الذي يَستأصل شأفتهم، كما جَرَى لمن مَضَى من الأمم قبلهم، أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها، فحينئذ تفوت تلك الفُرْصة السابقة، فلا ينفعهم شيءٌ، مما كان ينفعهم من قبلُ من الإيمان، وكذا العمل الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرا من قبلُ، ففي الآية لَفّ، لكن حُذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر.
ونظيرُهُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، قال: فهذا الذي عناه ابن المُنَيِّر بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: اللَفّ، والمعنى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانُها من بعد ذلك، ولا ينفع نفسًا كانت مؤمنةً، لكن لم تعمل في إيمانها عملًا صالحًا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، قال: وبهذا التقرير يَظْهَر مذهب أهل السنة، فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتسابُ الخير؛ أي: لإغلاق باب التوبة، ورفع الصّحُف والحفظة، وإن كان ما سَبَقَ قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة.
ثم قال الطيبيّ: وقد ظَفِرتُ بفضل الله بعد هذا التقرير على آية أخرى تُشبه هذه الآية، وتُناسب هذا التقرير معنىً ولفظًا من غير إفراط ولا تفريط، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]، فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلًا والله تعالى أعلم. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ مُلَخّصًا (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٣٦٠ - ٣٦٤ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٠٦).
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُرَيب الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (كِلَاهُمَا) أي: كلا ابن فُضيل، وجرير.
[تنبيه]: رواية أبي زرعة هذه أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "التفسير" من "صحيحه"، فقال:
(٤٦٣٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن مَن عليها، فذاك
[ ٤ / ٣٢١ ]
حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[…] (…) - (ح) (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) القرشيّ، أبو عبد الرحمن المعروف بأبي الزناد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقيان تقدّما قريبًا.
[تنبيه]: رواية الأعرج هذه أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ أيضًا في "صحيحه"، فقال:
(٦٥٠٦) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، ولتَقُومنَّ الساعةُ، وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يَطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصَرَف الرجل بلبن لِقْحَته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يَلِيط حوضه، فلا يَسقِي فيه، ولتقومنّ الساعةُ، وقد رَفَع أحدكم أكلته إلى فيه، فلا يَطْعَمُهَا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[…] (…) - (ح) (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (^١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ العَلَاءِ (^٢)، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام الصنعانيّ الحميريّ مولاهم، أبو بكر، ثقةٌ حافظ، مصنّف، عمي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عتبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
وقوله: (بمثل حديث العلاء … إلخ) يعني: أن رواية معمر، عن همّام مثل رواية العلاء عن أبيه … إلخ.
[تنبيه]: رواية معمر عن همّام التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" أيضًا، فقال:
(٤٦٣٦) حدثني إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همّام، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تقوم الساعة، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " ثم قرأ الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "وأخبرنا محمد بن رافع، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر … " إلخ.
(٢) وفي نسخة: "مثل حديث العلاء".
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٥] (١٥٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبيِ حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاثٌ، إِذَا خَرَجْنَ، ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوعُ الشمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ) الواسطيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩١.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ، حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (فُضَيْلِ بْنِ غزْوَانَ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، من كبار [٧].
رَوَى عن أبي حازم الأشجعيّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وعكرمة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، والثوريّ، وابن المبارك، والقطان، ووكيع، وجرير، وحفص بن غياث، وعبد الله بن نمير، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد، وآخرون.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، ووثقه محمد بن عبد الله بن عمار، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، قال: كنا نَجلِس أنا وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد، والحارث العُكْليّ نتذاكر الفقه، فربّما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر،
[ ٤ / ٣٢٤ ]
وذكر الخالديّ الشاعر أنه قُتِل في أيام المنصور (^١)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فإن معظمهم كوفيّون، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا حازم ممن لازم أبا هريرة خمس سنين.
٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرّ البحث فيها غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" يعني: أن لفظ الحديث المذكور هنا لفظ محمد بن العلاء، وأما شيخاه أبو بكر، وزهير، فروياه بالمعنى.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاثٌ) ذكّر العدد على تقدير ثلاثُ آيات، وللترمذيّ: "ثلاثة" بالتاء على تقدير ثلاثة أشياء، أو أمور (إِذَا خَرَجْنَ) أي: ظهرن في الدنيا وشاهدهنّ الناس ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ أي: كافرةً ﴿إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ﴾ نفسًا مؤمنة لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) أي: في حال كونها مؤمنة لم تعمل عملًا صالحًا غير الإيمان (طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) بدل تفصيل من "ثلاث"، أو بدل كلّ إن اعتُبر مع ما بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أحدها طلوع الشمس من
_________________
(١) وقال في "التقريب": مات بعد سنة أربعين؛ أي ومائة.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
موضع غروبها (وَالدَّجَّالُ) هكذا الرواية عند المصنّف، وغيره، ووقع في "مسند أحمد": "والدخان" بالخاء المعجمة، وآخره نون.
و"الدجّال" بفتح الدال، وتشديد الجيم، هو: الكذّاب، قال ثعلبٌ: الدّجّال: هو المُمَوِّه، يقال: سيفٌ مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي بذهب، وقال ابن دُريد: كلُّ شيء غَطَّيتَهُ: فقد دَجَّلْتَهُ، واشتقاق الدّجّال من هذا؛ لأنه يُغطيّ الأرض بالجمع الكثير، وجمعه دجّالون، قاله الفيّوميّ (^١).
وقال في "الفتح": "الدَّجّال": فَعّالٌ بفتح أوله، والتشديد من الدَّجْل، وهو التغطية، وسُمِّي الكذّاب دجّالًا؛ لأنه يُغَطّي الحقَّ بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقَطِران: إذا غَطّاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجّال: المُمَوِّه، سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي، وقال ابن دُريد: سُمّي دجّالًا؛ لأنه يُغَطِّي الحقَّ بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دَجَلَ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا: إذا فَعَلَ ذلك، وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنه يُغَطِّي الأرض، فرجع إلى الأول.
وقال القرطبيّ في "التذكرة": اختُلِفَ في تسميته دجّالًا على عشرة أقوال.
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَدَابَّةُ الْأَرْضِ") أُضيفت إلى الأرض مع أن الأصل في الدابّة ما تَدِبُّ على الأرض؛ للإشارة إلى أن خَلْقها ليس بطريق التوالد كبقيّة الدواب المعروفة، بل بالخروج من الأرض على هيئتها المكتملة، وسيأتي البحث فيها في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٧٨/ ٤٠٥] (١٥٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٧٨)، و(أحمد) في
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٨٩ - ١٩٠.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
"مسنده" (٩٧٥٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٦١٧٠ و٦١٧٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٩٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١٠٢٣)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٨/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في "الاعتقاد" (ص ٢١٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ذكر ما قيل في الدجّال:
(اعلم): أن مما يُحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابنُ صيّاد، أو غيره؟، وعلى الثاني فهل كان موجودًا في عهد رسول الله - ﷺ - أو لا؟ ومتى يَخرُج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يَدَّعيه؟ وما الذي يَظْهَر عند خروجه من الخوارق، حتى تَكْثُر أتباعه؟ ومتى يَهلِك؟ ومن يقتله؟.
فأما الأول؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث جابر - ﵁ - أنه كان يَحْلِف أن ابن صيّاد هو الدجّال.
وأما الثاني؛ فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداريّ الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر.
وأما الثالث؛ ففي حديث النّوّاس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية.
وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة - ﵃ - أنه يخرج من غَضبَة يَغْضَبها.
وأما من أين يَخرُج؟ فمن قِبَل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يَخرُج من خراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم.
وأما صفته، فقد ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - وصفه بأنه رجل جسيمٌ أحمر جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عِنَبة طافية، أقرب الناس شبهًا به ابن قَطَن، رجل من خُزاعة، وإن بين عينيه مكتوب كافر.
وأما الذي يَدَّعيه، فإنه يخرج أوّلًا، فيَدَّعي الإيمان والصلاح، ثم يَدّعي النبوة، ثم يدعى الإلهية، كما أخرج الطبرانيّ، من طريق سليمان بن شهاب،
[ ٤ / ٣٢٧ ]
قال: نَزَل عليّ عبدُ الله، وكان صحابيًّا، فحدّثني عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "الدجال ليس به خَفَاءٌ، يجيء من قِبَل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَعُ، ويَظهَر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيُظهِر الدين، ويعمل به فيُتَّبَعُ، وَيحُثّ على ذلك، ثم يَدَّعي أنه نبي، فيَفْزَع من ذلك كلُّ ذي لُبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغْشَى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافرٌ، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق، في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان"، وسنده ضعيف.
(المسألة الرابعة): أنه اشتَهَرَ السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشرّ، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمرِ بالاستعاذة منه حتى في الصلاة.
[وأجيب بأجوبة]:
(أحدها): أنه ذُكِر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج مسلم، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "ثلاثٌ إذا خَرَجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض"، وأخرجه الترمذيّ أيضًا، وصححه.
(الثاني): قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، وصَحّ أنه الذي يقتل الدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب بالمسيح، كعيسى ﵇، لكن الدجال مَسِيح الضلالة، وعيسى ﵇ مسيح الهدى.
(الثالث): أنه تُرِك ذكره احتقارًا.
وتُعُقِّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بأشدّ من الفتنة بالدجال.
وأجاب البلقيني بأنه اعتَبَر كلَّ من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجَدَ كلَّ من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعدُ، فلم يُذكَر منهم أحدٌ. انتهى.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وتُعُقّب بأنه ينتقض بيأجوج ومأجوج.
وقد وقع في "تفسير البغويّ" أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية [غافر: ٥٧]، وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكلّ على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تَكَفَّل النبيّ - ﷺ - ببيانه والعلم عند الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأجوبة كلها ليست مُقنعة، فالأولى أن نَكِلَ علمه في عدم ذكره في القرآن إلى العليم الخبير، فالله تعالى أعلم.
وأما ما يظهر على يده من الخوارق، فقد ثبت في الصحيح من حديث حذيفة - ﵁ - مرفوعًا: "إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار"، وأخرج نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من طريق كعب الأحبار، قال: "يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتَمَس، فلا يُقْدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيُعطَى الخلافة، ثم يُظْهِر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد" (^١).
وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال"، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد رفعه: "أنه يخرج - يعني: الدجال - في نقص من الدنيا، وخِفّة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيرد كل منهل، وتُطوَى له الأرض … " الحديث.
وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يَهلك بعد ظهوره على الأرض كلها،
_________________
(١) يحتاج إلى النظر في سنده، فالله أعلم بصحته.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ﵇ فيقتله؛ أخرجه مسلم أيضًا.
وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة"، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١)، وسيأتي تمام البحث في "كتاب الفتن" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر بعض ما ورد في دابّة الأرض:
(اعلم): أنه وردت أحاديث في تعيينها، وصفتها، ومن أين تخرج؟:
(فمنها): ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الفتن " (٢٩٠١) من طريق فُرَات القَزّاز، عن أبي الطُّفَيل، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ، قال: اطَّلَع النبيّ - ﷺ - علينا، ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ "، قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تَخرُج من اليمن، تَطْرُد الناس إلى محشرهم" (^٢).
(ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (١١٦٥) عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمير الليثيّ، أن أبا الطُّفَيل حَدَّثه، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ أبي سَرِيحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود، وحديث طلحة أَتَمُّهما وأحسن، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدابة، فقال: "لها ثلاث خَرَجَات من الدهر، فتخرج من أقصى البادية، ولا يدخل ذِكرُها القرية
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٩٧ - ٩٩ "كتاب الفتن" رقم (٧١٢٢ - ٧١٣١).
(٢) وأخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ٦ - ٧، وأبو داود في "سننه" (٤٣١١)، والترمذيّ (٢١٨٣)، وابن ماجه (٤٠٤١).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
- يعني مكة - ثم تَكْمُن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجةً أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -". قال رسول الله - ﷺ -: "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمةً، خيرِها وأكرمِها المسجدِ الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي تَرْغُو بين الركن والمقام، تنفُضُ عن رأسها التراب، فارْفَضَّ الناس معها (^١) شَتّى ومَعًا، وتثبت عصابة من المؤمنين، وعَرَفُوا أنهم لن يُعجِزوا الله، فبدأت بهم، فجَلَّت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدُّرّيّ، ووَلَّت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي؛ فيُقبِل عليها، فَتَسِمُهُ في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يُعْرَف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إنّ الكافر يقول: يا مؤمن اقضني حقّي"، وهو حديث ضعيفٌ (^٢).
ورواه ابن جرير في "تفسيره " (٢٠/ ١٤ - ١٥) من طريقين عن حذيفة بن أَسِيد موقوفًا، والله أعلم.
ورواه من رواية حُذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح، قاله الحافظ ابن كثير ﵀.
(ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في "كتاب الفتن" (٢٩٤١) من طريق
_________________
(١) هكذا لفظ "المسند"، وفي تفسير القرطبيّ: "منها"، وعند ابن كثير: "عنها"، والظاهر أن الصواب إما "منها"، أو "عنها"، فليُحرّر.
(٢) الحديث أخرجه الطيالسيّ بإسنادين، وكلاهما ضعيف؛ لأن في أحدهما طلحة بن عمرو، وهو متروك، وفي الآخر مجهول، وفيه أيضًا اختلاف في الرفع والوقف، ووقفه أصحّ، وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١٠/ ١٥٢: هكذا رواه مرفوعًا من هذا الوجه بهذا السياق، وفيه غرابة. انتهى. وأخرجه الحاكم ٤/ ٤٨٤ وصححه، وتعقّبه الذهبيّ بضعف طلحة، وأخرجه الحاكم أيضًا ٤/ ٤٨٤ من طريق عبد الأعلى، عن هشام بن حسّان، عن قيس بن سعد، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد - ﵁ - موقوفًا، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ. والحاصل أن الحديث صحيح موقوفًا، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٣٣١ ]
أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسَه بعد؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأَيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا".
(ومنها): ما أخرجه فيه أيضًا (٢٩٤٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدائة، وخاصّةَ أحدكم، وأمر العامة".
(ومنها): ما أخرجه أيضًا (٢٩٤٧) من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رَبَاح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم".
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه في "كتاب الفتن " من "سننه" (٤٠٥٦) بإسناد حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، أو خاصة أحدكم، وأمر العامة" (^١).
(ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٢٦٨٧) من طريق أوس بن خالد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵇ فتَخْطِم أنف الكافر بالعصا، وتُجَلِّي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخِوَان يُعْرَف المؤمن من الكافر".
وفي سنده علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف.
ورواه أحمد في "مسنده" (٧٨٧٧)، وقال: "فتَخْطِم أنف الكافر بالخاتم،
_________________
(١) سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، مختلف فيه، وقال عنه في "التقريب": صدوقٌ، فهو حسن الحديث، لكن الحديث يشهد له ما تقدّم من رواية مسلم، فهو صحيح.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخِوَان الواحد ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، وبقول هذا: يا كافر".
وفيه ما في سابقه.
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" (٤٠٦٧)، من طريق خالد بن عبيد، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه - ﵁ -، قال: ذهب بي رسول الله - ﷺ - إلى موضع بالبادية، قريبٍ من مكة، فإذا أرض يابسة، حولها رَمْلٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: "تَخرُج الدابة من هذا الموضع"، فإذا فِتْرٌ في شِبْرٍ، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عَصًا له، فإذا هو بعصاي هذه هكذا وهكذا.
وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده خالد بن عبيد متروك الحديث (^١).
(ومنها): ما أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره"، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زَغَب، لها أربع قوائم، تَخرُج من بعض أودية تهامة (^٢).
(منها): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن فُضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: قال عبد اللهِ: "تخرُج الدابة من صَدْعٍ من الصفا، كجَرْيِ الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها".
وفيه عطية العوفيّ، وهو ضعيف.
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، قال: سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة، فقال: تَخْرُج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم، أو لو شئت لقرعت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها، قيل: فتصنع
_________________
(١) قال في "التقريب" ص (٨٩): خالد بن عُبيد العَتَكيّ - بفتح العين المهملة، والمثنّاة - أبو عصام البصريّ، نزيل مَرْوَ متروك الحديث، مع جلالته من الخامسة، وهو من أفراد ابن ماجه. انتهى.
(٢) فيه قتادة، وقد عنعن، وهو مدلّسٌ، ولم يثبُت سماعه من ابن عباس - ﵄ -، قال الحاكم في "علوم الحديث": لم يسمع قتادة من صحابيّ غير أنس. ذكره في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٣٠.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل المشرق، فتصرخ صَرْخَة تُنْفِذُه، ثم تستقبل الشام، فتصرُخ صرخةً تُنْفِذه، ثم تستقبل المغرب، فتصرُخ صرخة تُنفِذه، ثم تستقبل اليمن، فتصرخ صرخة تُنفِذه، ثم تروح من مكة، فتصبح بعُسْفان، قيل: ثم ماذا؛ قال: ثم لا أعلم. رواه ابن أبي حاتم (^١).
وعن عبد الله بن عُمَر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جمع، رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلماني، وهو ضعيف.
وعن وهب بن منبه أنه حَكَى من كلام عزير - ﵁ - أنه قال: تخرج من تحت سَدُوم (^٢) دابة تُكلِّم الناس كلّ يسمعها، وتَضَع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أُجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُخْرَق الحكمة، ويُرفَع العلم، وتُكلِّم الأرضُ التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعنّون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون. رواه ابن أبي حاتم عنه (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: إن الدابة فيها من كلّ لون، ما بين قرنيها فَرْسخٌ للراكب.
وقال ابن عباس: هي مثل الحَرْبة الضخمة.
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إنها دابة لها ريشٌ، وزَغَبٌ، وحافر، وما لها ذنبٌ (^٤)، ولها لِحْيَةٌ، وإنها لتخرج حُضرَ (^٥) الفرس الجواد ثلاثًا، وما خَرَج ثلثها. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أَيّل، وعنقها عنق نَعَامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نَمِر، وخاصرتها خاصرة هِرّ، وذنبها ذنب كَبْش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره " ٩/ ٢٩٢٥، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس.
(٢) بفتح السين: مدينة قوم لوط ﵇.
(٣) هذا من الإسرائيليّات.
(٤) وفي "البداية والنهاية" لابن كثير ١٠/ ١٥٣: ولها ذنب، فليحرّر.
(٥) "الحُضر" والإحضار: اشتداد الفرس في العدو.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نَكَّتت في وجهه بعصا موسى نُكْتَةً بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَّتت في وجهه نكتةً سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يَسْوَدّ بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أبْشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذه الدابّة هي دابّة تكلِّم الناس بكلام فصيح، كما أخبر الله تعالى بذلك، وأما ما سبق من هذه الآثار في صفتها، وكيفية خروجها، ومكانه، فلا يصحّ شيء من ذلك؛ لضعف أسانيدها، وكون أكثرها إسرائيليّات، فلا ينبغي الاعتماد عليها.
وأما ما قاله القرطبيّ في "تفسيره " من أن أصحّ الأقوال في تعيين الدابّة أنها فصيل ناقة صالح، واستشهد بما سبق من حديث حذيفة بن أَسِيد المتقدّم وفيه قوله: "وهي ترغو بين الركن والمقام"، قال: والرّغاء إنما هو للإبل، ففيه نظرٌ من وجوه:
(الأول): أن قوله: "والرغاء إنما هو للإبل " غير صحيح؛ لأنه يكون لغيرها أيضًا، قال في "القاموس": رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعَامُ رُغَاءً بالضمّ: صَوّتت، فضَجّت، والصبيّ: بَكَى أشدّ البُكاء. انتهى (^١).
(والثاني): أن الحديث ليس فيه تصريح بكونه ولد ناقة صالح ﵇.
(والثالث): أن الحديث ضعيف، فلا يصحّ الاحتجاج به.
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: وقد اختُلف في صورتها، وفي أيّ موضع تخرُج على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبرٌ صحيحٌ مرفوع. انتهى (^٢). وهو كلام نفيسٌ.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١٦٠.
(٢) راجع: "المفهم" ٧/ ٢٤٠ "كتاب الفتن".
[ ٤ / ٣٣٥ ]
والحاصل أن تعيين الدابّة، وصفتها، ومكان خروجها مما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال أبو العبّاس القرطبي ﵀: قال بعض المتأخّرين من المفسّرين: الأقرب أن تكون هذه الدابّة إنسانًا متكلِّمًا، يناظر أهل البِدَع والكفر، ويُجادلهم لينقطعوا، فيَهلِك من هَلَك عن بيّنة، وَيحيَى من حَيَّ عن بيّنة.
قال القرطبيّ: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب؛ لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابّة آيةٌ خاصّة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجّين على أهل البدع كثيرٌ، فلا آية خاصّة، فلا ينبغي أن تُذكَر مع العشر، وترتفع خصوصيّة وجودها.
ثم فيه العدولُ عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يَحتجّ على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام إلى أن يُسمَّى بدابّة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير - أي: من كونها دابّة من ذوات الأربع - قال: وأما كيفيّة صفتها وخلقتها، وبماذا يملّمهم، فالله أعلم بذلك. انتهى (^١).
وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٦] (١٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: "أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "إِن هَذِهِ
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ (^١)، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي (^٢)، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِك، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أتدْرُونَ (^٣) مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ المذكور قبل حديثين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، أبو محمد، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
[تنبيه]: كون يونس ابنَ عُبيد هو الذي صرّح به أبو نعيم في "المستخرج" ١/ ٢٢١ (٣٩٧)، من طريق مؤمّل بن هشام، عن ابن عليّة، وابن حبّان في "صحيحه" ١٤/ ٢١ (٦١٥٣)، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليّة، لكن ابن حبّان قال: هكذا قال إسحاق: "عن يونس بن عُبيد، عن إبراهيم التيميّ"، والمشهور هذا الخبر عن يونس بن خبّاب (^٤)، عن إبراهيم التيميّ. انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "فلا يزال كذلك".
(٢) وفي نسخة: "ارجعي أصبحي".
(٣) وفي نسخة: "تدرون".
(٤) هو يونس بن خبّاب - بمعجمتين، وموحّدتين - الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ، ورُمي بالرفض، من الطبقة السادسة، قاله في "التقريب" ص ٣٩٠.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام ابن حبّان ﵀ يوهم أن إسحاق تفرّد بقوله: "ابن عُبيد"، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من أن مؤمّل بن هشام تابعه عليه عند أبي نعيم، فلم ينفرد به، فتأمل، والله تعالى أعلم.
٥ - (إِبْرَاهيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ) تيم الرباب، أبو أسماء الكوفيّ العابد، ثقةٌ، يرسلُ، ويُدلّس [٥].
رَوَى عن أنس، وأبيه، والحارث بن سُويد، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن عائشة.
ورَوَى عنه بيان بن بشر، والحكم بن عتيبة، وزُبيد بن الحارث، ومسلم البَطِين، ويونس بن عبيد، وجماعة.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، مرجئ، قتله الحجَّاج بن يوسف، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد تَجيء العصافير، فتَنْقُر ظهره. وقال الكرابيسي: حدّث عن زيد بن وهب قليلًا، أكثرها مُدَلَّسَةٌ، وقال الدارقطني: لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما، وقال أحمد: لم يَلْقَ أبا ذر، وقال ابن حبان في "الثقات": كان عابدًا صابرًا على الجوع الدائم، وقال أبو داود في "كتاب الطهارة" من "سننه": لم يسمع من عائشة، وكذا قال الترمذي، وقال ابن المديني: لم يسمع من علي، ولا من ابن عباس، وقال القطان في رواية إبراهيم التيمي، عن أنس في القبلة للصائم: لا شيء، لم يسمعه، نقله الضياء الحافظ، قال أبو داود: مات ولم يبلغ أربعين سنة، وقال غيره: مات سنة (٩٢)، وقال الواقدي: مات سنة (٩٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٦ - (أبوه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي معمر.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وإبرإهيم النخعي، وجَوّاب التيمي، والحكم بن عتيبة، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
[ ٤ / ٣٣٨ ]
"الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان عَرِيفَ قومه، وله أحاديث، وقال أبو موسى المديني في "الذيل": يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٧ - (أَبُو ذَرّ) الغفاريّ الصحابيّ الشهير، اسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه جمّة، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: يونس، عن إبراهيم، عن أبيه، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيهِ) هكذا في هذه الرواية عند المصنّف ﵀ من رواية ابن عليّة، عن يونس قال: "سمعه - فيما أعلم - عن أبيه"، وليس ذلك في رواية خالد الطحان التالية، ولا في رواية الأعمش، عن إبراهيم الآتية أيضًا، والظاهر أن القائل: "سمعه … إلخ" هو ابن عليّة، ويحتمل كونه من يونس، ولعله حينما حدّث به ابن عليّة لم يجزم، وجزم حين حدّث به خالدًا الطحّان، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: "أتدْرُونَ) أي: هل تعلمون (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (إِنَّ هَذِهِ) أي: الشمس (تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا) بصيغة اسم المفعول، أي: محلّ استقرارها، وقوله: (تَحْتَ الْعَرْشِ) ظرف متعلّق بـ "مستقرّ"، يعني: أنها تمرّ مرًّا سريعًا إلى مكانها تحت العرش، شُبّه مستقَرُّها من فلكها بمستقرّ المسافر إذا قَطَع مسيره من حيث إن في كلٍّ انتهاء
[ ٤ / ٣٣٩ ]
إلى محلّ معيّن (فتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، وضمها، من بابي ضرب، وقعد، قال المجد ﵀: الخَرّ - أي بالفتح -: السقوط، كالخُرور، أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ - أي بكسر الخاء -، وَيخُرّ - أي بضمّها - انتهى (^١). (سَاجِدَةً) منصوب على الحال، وقال القاضي عياض ﵀: قد اختلفت أقاويل المفسّرين في هذا، فقال القُتَبيّ: مُستقرّها: أقصى منازلها في الغروب، لا تُجاوزه، ثم ترجع، ورُوي عن ابن عبّاس - ﵄ - أنه قرأ هذا الحرف: "لا مُسْتَقَرّ لها"، أي: إنها جاريةٌ أبدًا، لا تثبتُ في موضع واحد، قال بعض أصحاب المعاني: وعلى جمع القراءتين جريُها بحُسبان، لا مستقرّ لها حتى ترتفع إلى أبعد غاياتها، وجريها تحت العرش، وهو مستقرّها على القراءة الأخرى. انتهى (^٢).
وقال النووي ﵀: هذا مما اختلف المفسّرون فيه، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحديّ: وعلى هذا القول إذا غربت كلَّ يوم استقرّت تحت العرش إلى أن تطلُع من مغربها، وقال قتادة، ومقاتل: معناه: تجري إلى وقتٍ لها، وأجلٍ، لا تتعدّاه، قال الواحديّ: وعلى هذا مستقرّها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا، وهذا اختيار الزجّاج، وقال الكلبيّ: تسير في منازلها إلى آخر مستقرّها الذي لا تتجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، واختار ابن قُتيبة هذا القول. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٣).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قولان: أحدهما أن المراد مُستَقَرّها المكانيّ، وهو تحت العرش، مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سَقْفُها، وليس بِكُرَة، كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قُبَّةٌ، ذات قوائم، تحمله الملائكة، وهو فوق العالم، مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قُبّة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فَلَكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٣٤٦.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦١٧ - ٦١٨.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٥ - ١٩٧.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت في ذلك الأحاديث.
وقيل: المراد بِمُستقرِّها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف، وهو أَوْجُها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء، وهو الحضيض.
والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يَبطُل سيرها، وتسكن حركتها، وتُكَوَّر، وَيَنتهِي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزمانيّ.
قال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] أي: لوقتها لأَجَلٍ لا تعدوه، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مُدَّة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يُرْوَى هذا عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس - ﵃ -: "والشمس تجري لا مُسْتَقَرَّ لها"؛ أي: لا قَرَارَ لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلًا ونهارًا، لا تَفْتُر، ولا تَقِفُ، كما قال ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى كلام ابن كثير ﵀ باختصار (^١).
وقال في "الفتح": وأما قوله: "تحت العرش" فقيل: هو حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فإن المراد بها نهاية مُدْرَك البصر إليها حال الغروب، وسجودُها تحت العرش إنما هو بعد الغروب.
قال: وفي الحديث رَدٌّ على من زَعَمَ أن المراد بمستقرّها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة، وقيل: إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا.
وقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ عِلْمَ ما سألت عنه (^٢) من مُستقرِّها تحت العرش في كتاب كُتِب فيه ابتداءُ أمور العالم
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١١/ ٣٦١ - ٣٦٢.
(٢) هذا الكلام قاله الخطابيّ في شرح قول أبي ذرّ - ﵁ -: سألت النبيّ - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا …﴾، كما سيأتي آخر الباب.
[ ٤ / ٣٤١ ]
ونهايتها، فيُقطع دورانُ الشصس، وتستقرّ عند ذلك، ويبطل فعلها، وليس في سجودها كلَّ ليلة تحت العرش ما يُعِيق عن دورانها في سيرها.
قال الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبَّرُ عنه بالجَرْي، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى القول بما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن معنى مستقرّها، أي: موضع استقرارها تحت العرش هو الحقّ؛ إذ لا يُنكَر أن يكون لها استقرارٌ تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبرنا عن غيب، فلا نكذّبه، ولا نُكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به.
والحاصل أن كون مُستقرّها تحت العرش، وسجودها فيه على ظاهره؛ إذ لا مانع من ذلك، فلا تلتفت إلى الأقوال المخالفة لظواهر النصوص حتى تكون من ذوي الخصوص، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: استدلّ الطحاويّ ﵀ بهذا الحديث على أن الشمس تغرُب في السماء، وذكر قراءة من قرأ "حامية" يعني: حارّة، ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة والطين، وقال: لا يبعد أن يوجد الطين في السماء، واستشهد بقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ الآيتين [الذاريات: ٣٣].
وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا حجة في هذا، فقد جاءت الآثار أن العين الحَمِئة في الأرض، وهو ظاهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، وأما إرسال الحجارة، فيُرسلها الله تعالى من حيث شاء، ويخلقها حيث يشاء. انتهى (^٢).
(فَلَا تَزَالُ (الشمس (كَذَلِكَ) (^٣) أي: على هذه الحالة، من سجودها تحت العرش، وفي نسخة: "فلا يزال كذلك " بالياء التحتانيّة، أي: لا يزال الأمر على ما ذُكر (حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي) أي: عن السجود (ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ) أي: من المكان الذي جئت منه، وهو مطلعها كلّ يوم (فَتَرْجِعُ) بفتح
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٠٣ "كتاب التفسير" رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).
(٢) راجع: "الإكمال" ١/ ٦١٨ - ٦١٩.
(٣) وفي نسخة: "فلا يزال كذلك".
[ ٤ / ٣٤٢ ]
أوله، وكسر ثالثه، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الفُصْحَى، فيقال: رَجَعته عن الشيء، وإليه، ورَجَعتُ الكلامَ وغيره؛ أي: رددتُهُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ (^١).
(فَتُصْبحُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، وقوله: (طَالِعَةً) منصوب على أنه خبر "تُصبح"؛ لأنها من أخوات كان، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، واسمها ضمير الشمس، وقد ذكرها ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
تَرْفَعُ "كَانَ" المُبْتَدَا اسْمًا وَالخَبَرْ … تَنْصِبُهُ كـ"كَانَ سَيّدًا عُمَرْ"
كـ"كَانَ" "ظَلَّ" "بَاتَ" "أَضْحَى" "أَصْبَحَا" … "أَمْسَى" وَ"صَارَ" "لَيْسَ" "زَالَ" "بَرِحَا"
"فَتِئَ" وَ"انْفَكَّ" وَهَذِي الأَرْبَعَهْ … لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ
وَمِثْلُ "كَانَ" "دَامَ" مَسْبُوقًا بِـ"مَا" … كـ" أَعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمَا"
(مِنْ مَطْلِعِهَا) بكسر اللام، وفتحها، اسم مكان الطلوع، من طَلَعَ يطلُعُ، من باب قعد، أي: محلّ طلوعها، وهو المشرق (ثُمَّ تَجْرِي) أي: تذهب سريعةً (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا) أي: لا يجهلون من حال الشمس شيئًا، يقال: نَكِرَ فلانٌ الأمرَ، كفَرِحَ نَكَرًا، محرَّكةً، ونُكْرًا، ونُكُورًا بضمّهما، ونكيرًا، وأنكره، واستنكره، وتناكره: إذا جهله، قاله المجد (^٢).
(حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي) وفي نسخة: "ارجعي" (أَصبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ) بفتح أوّله، وكسر ثالثه: أي: محلّ غروبك (فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة: "تدرون" بحذفها، أي: تعلمون؟ (مَتَى ذَاكُمْ؟) أيْ: في أيّ وقت يقع هذا الأمر (ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ") قد تقدّم شرح هذه الآية مستوفًى في
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٠.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٤٣٩.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
حديث أبي هرير - ﵁ - الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (٧٨/ ٤٠٦ و٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩) (١٥٩)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٨٠٢ و٤٨٠٣)، و"التوحيد" (٧٤٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٢٠ و٣٢١ و٣٢٢ و٣٢٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٩٧ و٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٥٢ و٦١٥٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٩٣)، و(البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٣٩٣)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٨١)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٤٢٠٤ و١٤٢٠٥ و١٤٢٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوقت الذي لا يُقبل فيه الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن النبيّ - ﷺ - أطلعه الله ﷾ على بعض المغيّبات، فحدّث به أمته حتى تؤمن به، وتستضيء بمعرفته؛ لأن بقدر سعة العرفان يتقوّى إيقان الإنسان.
٣ - (ومنها): بيان بديع صنع الله تعالى، وعظيم حكمته، حيث سخّر الشمس لإضاءة العالم كلّه على الدوام، حيث يستمرّ سيرها ودورها فيه.
٤ - (ومنها): إثبات العرش، وأنه فوق العالم كلّه؛ إذ هو سقفه.
٥ - (ومنها): إثبات سجود الشمس لله تعالى؛ كسائر المخلوقات، كما قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ
[ ٤ / ٣٤٤ ]
عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩].
٦ - (ومنها): شدة حرص النبيّ - ﷺ - على تعليم أمته ما ينفعهم، وإن لم يوجّهوا السؤال إليه، حيث قال لهم: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ … ".
٧ - (ومنها): بيان تغيّر الأحوال في آخر الزمان، حيث ينعكس الأمر، فتطلع الشمس من مغربها؛ إيذانًا بزوال هذه الدنيا.
٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان والأعمال الصالحة لها وقت محدّد تنفع فيه، فإذا انقضى ذلك الوقت لا تنفع، وهو طلوع الشمس من مغربها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: "أتدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه الشَّمْسُ؟ … "، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) (^١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) هو: عبد الحميد بن بيان بن زكريّا بن خالد بن أسلم، وقيل: بيان بن أبان، أبو الحسن بن أبي عيسى العطار (^٢) الواسطيّ السُّكَّريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وهُشيم، وخالد الطحان الواسطيّ، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "بمثل حديث … " إلخ.
(٢) هكذا قال الحافظ المزّي، وقال الحافظ: قلت: قال أسلم في "تاريخ واسط": إنه عُطارديّ؛ فيُحرَّر قول المزيّ فيه: العطّار. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٧٣.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، والحسن بن علي العمريّ، وأبو زرعة، وعلي بن عبد الله بن بِشْر، والحسن بن سفيان، ومحمد بن جرير، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغَنْديّ، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: ثنا عنه ابنُ مُبَشَر، وهو ثقةٌ، وقال بَحْشَل: تُوُفّي سنة أربع وأربعين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٥٩)، وحديث (٣٨٩): "إذا أذّن المؤذّن أدبر الشيطان … "، و(٥٩٧): "من سبّح الله في دبر كلّ صلاة … "، و(١٩١٥): "ما تعُدّون الشهيد فيكم؟ … "، و(٢٤٧٥): "ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت … "، و) ٢٤٧٦): "هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ … "، و(٢٧١٣): "اللهم رب السموات، وربّ الأرض … ".
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان أبو الهَيْثَم، ويقال: أبو محمد المُزَنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وأبي طُوَالة، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعمرو بن يحيى بن عُمَارة، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وأبي حيان التيميّ، ويونس بن عبيد، وجماعة.
ورَوَى عنه زيد بن الحُبَاب، وعبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، ويحيى القطان، وعَفّان، وعمرو بن عون، ومُسَدَّد، وسعيد بن منصور، وابنه محمد بن خالد، ومحمد الدُّولابيّ، وإسحاق بن شاهين الواسطيّ، وقتيبة، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان خالد الطحان ثقةً صالحًا في دينه، وهو أحب إلينا من هُشيم، وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، صحيح الحديث، وقال الترمذيّ: ثقةٌ حافظ، وقال أبو داود: قال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحان، قيل: قد رأيتَ سفيان؟ قال: كان سفيان رجلَ نفسِه، وكان خالد رجلَ عامة، وسئل محمد بن عَمّار عن جرير وخالد: أيهما أثبت؟ فقال: خالد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو زرعة: لم يَسْمَع من الأعمش، حكاه ابن أبي حاتم عنه في "المراسيل".
[ ٤ / ٣٤٦ ]
قال عبد الحميد بن بيان، ويعقوب بن سفيان، وعلي بن عبد الله بن مُبَشِّر: مات سنة (١٧٩)، زاد عليّ: وُلِد سنة (١١٠)، وقال خليفة، ومحمد بن سعد: مات سنة (١٨٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا.
[تنبيه]: وقع في "التمهيد" لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد في الكلام على حديث البياضيّ في النهي عن الجهر بالقرآن بالليل: رواه خالد الطحّان عن مُطَرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ نحوه، وقال: تفرد به خالد، وهو ضعيف، وإسناده كله ليس مما يُحْتَجّ به. انتهى.
وتعقّبه الحافظ ﵀، حيث قال بعد ذكر كلامه المذكور: قلت: وهي مجازفة ضعيفة، فإن الكل ثقاث، إلا الحارث، فليس فيهم ممن لا يحتج به غيره. انتهى، وهو تعقّب حسن، والله تعالى أعلم.
والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، و"يونس"، هو ابن عُبيد، وقد سبق الكلام فيه.
وقوله: (بمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) وفي نسخة: "بمثل حديث ابن عليّة"، يعني: أَن رواية خالد الطحّان عن يونس بمعنى حديث إسماعيل ابن عليّة، عنه، لا بلفظه، كما يتبيّن في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية خالد الطحّان التي أحالها المصنّف هنا على رواية ابن عليّة، قد أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده"، حيث قال (١/ ١٠٧):
حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد، عن يونس، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، أن النبيّ - ﷺ - قال: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تَجْرِي لمستقر لها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، فارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعةً في مطلعها، فتجري لا يُنْكِر الناس منها شيئًا، فيقال لها: اطلُعي من مغربك - قال: - فتصبح طالعةً من مغربها"، فقال رسول الله - ﷺ -: "أتدرون أيُّ يوم ذلك؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك يوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسن، فَلَمَّا غَابَتِ الشَمْسُ، قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ " (^١)، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإنَّهَا تَذْهَبُ، فتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُود، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا"، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩]، (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ الحافظ الحجة الثبت [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" للعهد الذهنيّ.
وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، أو الضمير الذي في مُتَعَلَّقِ "جالس"؛ إذ تقديره: "جالسٌ فيه"، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَجُمْلَةُ الحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وقوله: (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ ") وفي نسخة: "هذه الشمس؟ ".
قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأَذِنُ فِي السُّجُود، فَيُوذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا … " إلخ؛ "كأنّ" هنا للتحقيق كما هو مذهب الكوفيين والزجاج، كما في قول الشاعر [من الوافر]:
_________________
(١) وفي نسخة: "أين تذهب هذه الشمس … " إلخ.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
فَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرَّا … كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ
أي: لأن الأرض؛ إذ لا يكون تشبيهًا؛ لأنه ليس في الأرض حقيقة، قاله ابن هشام ﵀ في "مغنيه" (^١).
وقوله: (قَالَ: ثمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، يعني: أنه - ﷺ - قرأ هذه الآية بما كان يقرأ عبد الله بن مسعود - ﷺ - بعده - ﷺ -، وقد تقدّم مباحث الحديث مستوفى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: "مُسْتَقَرَّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١١٧، وهو ممن اتّفق الأئمة الستة، أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد سبق ذكرهم غير مرّة.
والباقون تقدّموا قريبًا، و"إسحاق" هو: ابن راهويه، و"وكيع" هو: ابن الجرّاح.
وقوله: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى … إلخ) قال في "الفتح" كذا رواه وكيع عن الأعمش مُخْتَصَرًا، وهو بالمعنى، فإن في الرواية الأولى أن النبيّ - ﷺ - هو الذي استفهمه: "أتدري أين تغرب الشمس؟ "، فقال: الله ورسوله أعلم … إلخ انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ١٩٢ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٠٣ "كتاب التفسير" رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]) قال أبو سليمان الخطّابيّ ﵀: إن أهل التفسير، وأصحاب المعاني قالوا فيه قولين، قال بعضهم: معناه أي لأجلٍ قُدّر لها؛ يعني: انقطاع مدّة بقاء العالم، وقال بعضهم: مُستقرّها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في الصيف، ثم تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة.
وأما قوله - ﷺ -: " مستقرّها تحت العرش" فلا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا نكذّب به، ولا نكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أن علمَ ما سألت عنه من مستقرّها تحت العرش في كتاب كُتب فيه مبادئ أمور العالم، ونهاياتها، والوقت الذي تنتهي به مدّتها، فينقطع دوران الشمس، وتستقرّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو اللوح المحفوظ.
قال الجامع عفا الله عنه: بُعد هذا الاحتمال عن سياق الحديث مما لا يخفى على الفطن؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الخطابيّ أيضًا: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش، فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها تحت العرش ما يَعُوقها عن الدأب في سيرها، والتصرّف لما سُخّرت له.
وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، فهو نهاية مُدرَك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى قوله: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أنها تسقط في تلك العين فتغمُرها، وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد وراءها مسلكًا، فوجد الشمس تتدلّى عند غروبها فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس لمن كان في البحر، وهو لا يرى الساحل، كأنها تغيب في البحر، والله أعلم.
وقوله ﷾: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦]؛ أي: يجريان بحساب معلوم، وعلى منازل ومقادير لا يُجاوزانها، قال الله ﷾: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]، وقيل: حسبان جمع حساب، وقوله ﷾:
[ ٤ / ٣٥٠ ]
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ت ٨٦]؛ أي: في رأي العين، فمن قرأها ﴿حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بلا همز أراد الحارّة، ومن قرأ: ﴿حَمِئَةٍ﴾ بلا ألف مهموزًا أراد عينًا ذات حمأة، يقال: حَمَأْتُ البئرَ: إذا نَزَعْتَ منها الحمأةَ، وأحمأتها: إذا ألقيتَ فيها الحمأة. انتهى، ذكره البغويّ في "شرح السنّة" (^١).
وأغرب الألوسيّ في "تفسيره" (٢٣/ ١٤) حيث قال: إن للشمس نفسًا، كما قيل في الأفلاك، فتنسلخ منها، وتسجد تحت العرش. وهذا منه خوضٌ فيما لا عِلْمَ له به، والواجب أن نُصدّق أنها تسجد تحت العرش، كما ورد في النصّ، ولا يجب علينا معرفة كيفيّة سجودها، ولا يجوز لأحد أن يخوض فيما لا يعلمه، فقد نهى الله تعالى عن ذلك، حيث قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.