وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٠] (١٦٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (^٢) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ أَخْبَرَتْهُ أنَّهَا قَالَتْ: كانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْم، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا، إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَد، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِه، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ
_________________
(١) راجع: "شرح السنّة" ١٥/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) وفي نسخة "أخبرنا".
[ ٤ / ٣٥١ ]
حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ (^١): "فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ"، قَالَ: "قُلْتُ: مَا أنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي، فَغَطَّني الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِني الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَني، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَني، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]؛ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي، زَمِّلُوني"، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي؟ لا، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَق. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ، حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇، يَا لَيْتَيي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَني أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأَتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ (^٢) إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْني يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال".
(٢) وفي نسخة: "بمثل ما جئت به".
[ ٤ / ٣٥٢ ]
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الفقيه، نُسِب إلى جدّ جدّه؛ لشهرته، الزهريّ، نُسِب إلى جدّه الأعلى زُهْرَة بن كلاب، وهو من رهط آمنة أم النبيّ - ﷺ -، اتفقوا على إتقانه وإمامته، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُوَيلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين - ﵄ - (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرة.
٦ - (ومنها): أن عائشة - ﵄ - من المكثرين السبعة، كما سبق بيانه في ترجمتها آنفًا، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ) - ﵄ - (زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -) بالنصب على البدليّة، ويجوز قطعه على تقدير "هي"، ونصبه بتقدير "أعني" (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) برفع "أولُ" على أنه مبتدأ خبره "الرؤيا … إلخ".
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث من مراسيل الصحابة - ﵃ -، فإن عائشة - ﵄ - لم تُدرك هذه القضيّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يدركها يكون منقطعًا، كما قال السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث":
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصلٌ وَعيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
فيحتمل أن تكون عائشة - ﵄ - سمعتها من النبيّ - ﷺ -، أو من بعض الصحابة، وقد سبق في "شرح المقدّمة" أن مرسل الصحابيّ حجة عند جمهور العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ … كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ
إِسْلَامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي … رَآهُ لَا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي
وقال الطيبيّ ﵀ بعد ذكره كلام النوويّ المذكور ما نصّه: أقول: والظاهر أنها سمعت من النبيّ - ﷺ -؛ لقولها: قال: "فأخذني، فغطّني"، فيكون قولها: "أولُ ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي" حكاية ما تلفّظ به - ﷺ -، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء على تأويل أن النبيّ - ﷺ - يؤدّي لفظ ما أوحي إليه، أو معناه، فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل. انتهى (^١).
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح" بعد نقل كلام النوويّ من أن هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة … إلخ، ما نصّه: وتعقّبه مَن لم يَفْهَم مراده، فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبيّ - ﷺ -، فكيف يَجزِم بأنها من المراسيل؟.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٤.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
[والجواب]: أن مرسل الصحابي ما يَرويه من الأمور التي لم يُدرك زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال: إنها مرسلة، بل يُحْمَل على أنه سمعها، أو حضرها، ولو لم يُصَرِّح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابيّ، بل مرسل التابعي إذا ذَكَر قصة لم يحضرها سُمّيت مرسلةً، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سَمِعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة، وأما الأمور التي يُدركها فيُحْمَل على أنه سمعها أو حضرها، لكن بشرط أن يكون سالِمًا من التدليس.
قال: ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبيّ - ﷺ - قولها في أثناء هذا الحديث: "فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني … " إلى آخره، فقوله: "قال: فأخذني، فَغَطّني" ظاهر في أن النبيّ - ﷺ - أخبرها بذلك، فتُحمَل بقية الحديث عليه. انتهى (^١).
وقوله: (مِنَ الْوَحْي) يحتمل أن تكون "من" فيه تبعيضية؛ أي: من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكوَن بيانيةً، ورجحه القَزّاز (^٢)، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال القاضي عياض: وقال أبو عبد الله القزّاز: قوله: "من الوحي"، "من" هنا لإبانة الجنس، كأنه قال: من جنس الوحي، وليست من الوحي، فتكون "من" للتبعيض، ولذلك قال: "في النوم"، ورؤيا الأنبياء في الصحّة كالوحي انتهى.
قال القاضي: قد جاء في الحديث الآخر أنها جزء من أجزاء النبوّة، وقدّمنا أنها من جملة خصالها، والوحي أنواع وضُرُوب، وينطلق على معانٍ، فلا يبعد أن تكون "من" للتبعيض على هذا، وأصله الإعلام، ورؤيا المنام إعلام، وإنذار، وبِشارة انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، وليس مثله، وقد
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٧ "كتاب التفسير" رقم (٤٩٥٤).
(٢) هو محمد بن جعفر أبو عبد الله التميميّ القيروانيّ، أحد كبار اللغويين، صاحب "الجامع" في اللغة، توفّي سنة (٤١٢ هـ). "بغية الوعاة".
(٣) "الفتح" ١/ ٣١.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٦٢٠ - ٦٢١.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
ثبتٌ في "الصحيحين" قوله - ﷺ -: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة"، هذا في مطلق الرؤيا، فما بالك في رؤيا الأنبياء؛ وقد صحّ عن ابن عبّاس - ﵄ - أنه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌ (^١).
والحاصل أن كون "من " للتبعيض هو الحقّ، على أن كونها للجنس أيضًا لا ينافي معنى البعضيّة، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
والمقصود أن أول ما بدئ به - ﷺ - في أول المبتدءات من إيجاد الوحي الرؤيا، وأما مطلق ما يَدُلّ على نبوته، فتقدمت له أشياء، مثل تسليم الحجر، كما ثبتٌ في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -، وما سمعه من بَحِيرا الراهب، وهو عند الترمذي بإسناد قويّ، عن أبي موسى، ثم ما سمعه عند بناء الكعبة، حيث قيل له: "اشدُد عليك إزارك"، وهو في "صحيح البخاريّ" من حديث جابر - ﵁ -.
(الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ) أي: التي ليس فيها ضِغْثٌ، ولا تلبيس شيطان، ووقع عند البخاريّ من طريق عُقيل عن ابن شهاب بلفظ: "الرؤيا الصالحة"، وكلاهما بمعنًى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حقّ الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخصّ، فرؤيا النبيّ كلها صادقة، وقد تكون صالحةً، وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص، إن فَسَّرنا الصادقة بأنها التي لا تَحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخَصُّ مطلقًا، وقال الإمام نصر بن يعقوب الدِّينَوريّ في "التعبير القادري": الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يُعَبَّر في المنام، أو يُخبِر به ما لا يكذب، والصالحة ما يَسُرّ. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياضٌ ﵀: في هذا حكمة من الله تعالى، وتدريج لنبيّه - ﷺ - لِمَا أراد الله به جلّ اسمه؛ لئلا يَفْجَأه الملك، ويأتيه صريح النبوّة بغتةً، فلا يتحمّلها قُوَى البشريّة، فبُدئ بأوائل خصال النبوّة، وتباشير الكرامة،
_________________
(١) انظر: "صحيح الترمذيّ" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى رقم (٦٢٠).
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧١ "كتاب التعبير" رقم (٦٩٨٢).
[ ٤ / ٣٥٦ ]
من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماعِ الصوت، وسلامِ الحجر والشجر عليه بالنبوّة حتى استشعر عظيم ما يُراد به، واستعدَّ لما ينتظره، فلم يأتِه الملك إلا بأمر عنده مقدَّماته، وبِشاراته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بقوله: ما جاء في الحديث الآخر … إلخ ما أخرجه المصنّف ﵀ في "كتاب الفضائل" (٢٣٥٣) عن ابن عباس - ﵄ - قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة خمس عشرة سنة يَسمَع الصوت، ويَرَى الضوءَ سبع سنين، ولا يَرَى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا".
وما أخرجه أيضًا فيه (٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أُبْعَثَ، إني لأعرفه الآن".
وما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٢٠) عن عليّ - ﵁ -: "كنا مع رسول الله - ﷺ - بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر، ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله"، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فِي النَّوْمِ) لزيادة الإيضاح، أو ليُخْرِج رؤيا العين في اليقظة؛ لجواز إطلاقها مجازًا (فَكَانَ) - ﷺ - (لَا يَرَى رُؤْيَا) بوزن فُعْلى بضمّ، فسكون مقصورًا ممنوعٌ من الصرف؛ لألف التأنيث، قال المجد ﵀: "الرؤيا": ما رأيته في منامك، جمعه رُؤًى، كَهُدًى. انتهى (^٢). وقال العينيّ ﵀: "الرؤيا" على وزن فُعْلى، كحُبْلَى، يقال: رأى رؤيا بلا تنوين، وجمعها رُؤًى بالتنوين على وزن دُعًى. انتهى (^٣). (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) بنصب "مِثْلَ" على الحال؛ أي: مُشْبِهَةً ضِيَاءَ الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف؛ أي: جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخُصَّ بالتشبيه؛ لظهوره الواضح الذي لا شك فيه.
وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: فَلَقُ الصبح، وفَرَقُ الصبح - بفتح
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦١٩ - ٦٢٠.
(٢) "القاموس المحيط " ص ١١٥٧.
(٣) "عمدة القاري" ١/ ٩١.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
الفاء واللام والراء -: هو ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البَيِّن. انتهى (^١).
وقال القاضي البيضاويّ ﵀: شُبّه ما جاءه في اليقظة، ووَجَده في الخارج طِبْقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفَلَق: الصبح، لكنه لَمّا كان مستعمَلًا في هذا المعنى، وفي غيره أُضيف إليه للتخصيص والبيان إضافةَ العامّ إلى الخاصّ، كقولهم: عين الشيء، ونفسه.
قال الطيبيّ ﵀: للفلق شأن عظيمٌ، ولذلك جاء وصفًا لله تعالى في قوله ﷾: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وأَمَرَ بالاستعاذة بربّ الفلق؛ لأنه يُنبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس، وإشراقها الآفاقَ، كما أن الرؤيا الصالحة مبشّرات تنبئ عن وفود أنوار عالم الغيب، وآثار مطالع الهدايات، شُبّه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوّة، وتنبيهٌ من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبؤة؛ لأن النبيّ إنما سُمّي نبيًّا لأنه يُنبئ عن عالم الغيب الذي لا تستقلّ العقول بإدراكه. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (^٢).
وقال ابن أبي جمرة ﵀: إنما شَبّهها بفَلَق الصبح دون غيره؛ لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مبادي أنوارها، فما زال ذلك النور يَتَّسِع حتى أشرقت الشمس، فَمَن كان باطنه نوريًّا كان في التصديق بَكْريًّا؛ كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلمًا، كان في التكذيب خُفّاشًا؛ كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. انتهى (^٣).
(ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ) ببناء الفعل للمجهول؛ لعدم تَحَقُّق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند الله، أو للتنبيه على أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٧.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٤ - ٣٧١٥.
(٣) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٧١ "كتاب التعبير".
[ ٤ / ٣٥٨ ]
و"الخلاء" بالمدِّ: الخلوة، والسرُّ فيه أن الخلوة فيها فراغ القلب لما يتوجه له، وهي شأن الصالحين، وعباد الله العارفين.
ثم إن التعبير بـ "ثُمَّ" ظاهرٌ في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يُحَبَّب إليه الخلاء، ويحتمل أن تكون لترتيب الإخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقًا على الرؤيا الصادقة، والأول أظهر (^١).
قال الخطابيّ ﵀: إنما حُبّب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغَ القلب، وهي معينة على التفكّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، ويُجمع همّه، فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته تعويضًا من الله تعالى إياه عما تركه لأجله، واستنار قلبه بنور الغيب حتى تذهب ظلمة النفس، واختيار الخلوة لسلامة الدين، وتفقّد أحوال النفس، وإخلاص العمل لله تعالى. انتهى (^٢).
(فَكَانَ) - ﷺ - (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) الغار: الكهف، والنَقْبُ في الجبل، وجمعه غِيران، والمغار والمغارة بمعنى الغار، وتصغير الغار غُوير (^٣).
و"حراء": بالمدّ، وكسر أوله، قال في "الفتح": كذا في الرواية، وهو صحيح، وفي رواية الأصيليّ بالفتح والقصر، وقد حُكِي أيضًا، وحُكيَ فيه غير ذلك جوازًا، لا روايةً، وهو جبل معروف بمكة (^٤).
وقال النوويّ ﵀: وأما "حِرَاء" فبكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء وبالمد، وهو مصروف، ومذكّر، هذا هو الصحيح، وقال القاضي فيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أكثر، فمن ذَكَّره صَرَفه، ومن أَنَّثه لم يَصرِفه، وأراد البقعة، أو الجهة التي فيها الجبل، قال القاضي: وقال بعضهم فيه: حَرَى بفتح الحاء والقصر، وهذا ليس بشيء، قال أبو عمر الزاهد، صاحب ثعلب، وأبو سليمان الخطابيّ، وغيرهما: أصحابُ الحديث، والعوامُّ يُخطِؤون في حِرَاء في
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٧ "كتاب التفسير" (٤٩٥٤).
(٢) راجع: "الكاشف" ١٢/ ٣٧١٦.
(٣) "شرح النووي" ٢/ ١٩٨.
(٤) "الفتح" ١/ ٣١.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء، وهي مكسورة، ويكسرون الراء، وهي مفتوحة، ويقصرون الألف، وهي ممدودة.
وحِراءٌ: جبلٌ بينه وبين مكة نحوُ ثلاثة أميال، عن يسار الذاهب من مكة إلى منى. انتهى (^١).
قال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في تخصيصه حراء بالتخلي فيه أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاثة عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت.
وقال الحافظ: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف، وكانت قريش تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، قال: وإنما لم ينازعوا النبيّ - ﷺ - في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لأن جدّه عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته، وكِبَرِ سِنِّه، فتبعه على ذلك مَن كان يَتَأَلَّه، فكان - ﷺ - يخلو بمكان جدّه، وسَلّم له ذلك أعمامه؛ لكرامته عليهم. انتهى (^٢).
(يَتَحَنَّثُ فِيهِ) هي بمعنى يَتَحَنَّف؛ أي: يتبع الحَنِيفية، وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة" "يَتَحَنَّفُ" بالفاء، أو التحنث: إلقاء الحِنْث، وهو الإثم، كما قيل: يَتَأَثَّم، وَيتَحَرَّج، ونحوهما، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال النوويّ ﵀: وأما التَّحَنُّث بالحاء المهملة والنون والثاء المثلّثة، فقد فَسَّره بالتعبد، وهو تفسير صحيح، وأصل الحِنْث الإثم، فمعنى يتحَنَّث: يتجنَّب الحنثَ، فكأنه بعبادته يَمنَع نفسه من الحنث، ومثل يتحنث يتحرَّج، ويتأثَّم؛ أي: يتجنب الحرج والإثم. انتهى (^٤).
وقوله: (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) مُدْرَج في الخبر، وهو من تفسير الزهريّ ﵀، كما
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦٢١ - ٦٢٢، و"شرح النوويّ" ٢/ ١٩٨.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧١ - ٣٧٢.
(٣) "الفتح" ١/ ٣١.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٨.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
جزم به الطيبيّ، قال الحافظ ﵀: ولم يَذْكُر دليله، نعم في رواية البخاريّ من طريق يونس عنه في "التفسير" ما يدلّ على الإدراج. انتهى.
ولفظه في "التفسير": "قال: والتحنث: التعبد"، قال في "الفتح": هذا ظاهر في الإدراج؛ إذ لو كان من بقية كلام عائشة لجاء فيه: قالت؛ وهو يحتمل أن يكون من كلام عروة، أو من دونه. انتهى (^١).
وقوله: (اللَّيَالِيَ) ظرف متعلق بـ "يتحنث"، لا بـ "التعبد"، ومعناه: يتحنث اللياليَ، ولو جُعِل متعلقًا بـ"التعبد" لفَسَدَ المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل يُطْلَق على القليل والكثير، وهذا التفسير اعتراض بين كلام عائشة - ﵂ -؛ إذ كلامها: "فيتحنّث فيه الليالي أولات العدد"، قاله النوويّ.
وقال الطيبيّ ﵀: أطلق الليالي، وأراد بها الليالي مع أيامهنّ على سبيل التغليب؛ لأنها أنسب للخلوة، ووصف الليالي بقوله: (أوْلَاتِ الْعَدَدِ) لإرادة التقليل، كما قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] (^٢).
وقال الكرمانيّ: يحتمل الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج إلى العدد، وهو المناسب للمقام.
وتعقّبه الحافظ، فقال: أما كونه المناسبَ فمسلَّم، وأما الأول فلا؛ لأن عادتهم جرت في الكثير أن يُوزَن، وفي القليل أن يُعَدّ، وقد جزم الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المراد به الكثرة؛ لأن العدد على قسمين، فإذا أطلق أريد به مجموع القلة والكثرة، فكأنها قالت: ليالي كثيرة؛ أي: مجموع قسمي العدد انتهى (^٣).
وللبخاريّ: "ذوات العدد"، وهو بمعناه، وإنما أبهم العدد لاختلافه، كذا قيل، وهو بالنسبة إلى المُدَد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عُرِفت مُدَّتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٨.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٦.
(٣) "الفتح" ١٢/ ٣٧٢ "كتاب التعبير".
(٤) "الفتح" ١/ ٣٢.
[ ٤ / ٣٦١ ]
وانتصاب "الليالي" على الظرفية، و"أولات" اسم جمع لا مفرد له من لفظه، بل من معناه، وهو "ذات"، وهو منصوب، وعلامة نصبه كسر التاء؛ لأنه ملحقٌ بجمع المؤنّث السالم، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا … يُكْسَرُ فِي النَّصْبِ وَفِي الجَرِّ مَعَا
كَذَا "أُوَلَاتُ" وَالَّذِي اسْمًا قَدْ جُعِلْ … كـ"أَذْرِعَاتٍ" فِيهِ ذَا أَيْضًا قُبِلْ
(قَبْلَ أَنْ يَرْجعَ) وفي رواية للبخاريّ: "قبل أن يَنْزع"، وهو بوزن "يرجِعَ"، ومعناه (إِلَى أَهْلِهِ) المراد به خديجة وأولاده منها ﵅، ويحتمل أن يريد أقاربه، أو أعمّ، وقوله: (وَيَتَزَوَّدُ) عطفٌ على "يتحنّث"؛ أي: يستصحب الزاد معه، والزاد: هو الطعام الذي يستصحبه المسافر في سفره، والجمع أزواد (^١). (لِذَلِكَ) أي: لأجل التحنّث في الغار المذكور (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) - ﵂ -، وخديجة هي: بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، تَجتَمِع مع النبيّ - ﷺ - في قُصَيّ، وهي من أقرب نسائه - ﷺ - إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قُصَيّ غيرها، إلا أم حبيبة، وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، زَوَّجه إياها أبوها خُويلد، ذكره البيهقيّ من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمُّها عمرو بن أسد، وقيل: أخوها عمرو بن خُويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النَّبّاش بن زُرَارة التميميّ، حَلِيف بني عبد الدار، واختُلِف في اسم أبي هالة، فقيل: مالك، قاله الزبير، وقيل: زُرَارة، حكاه ابن منده، وقيل: هند، جَزَم به العسكريّ، وقيل: اسمه النّبّاش، جَزَم به أبو عبيد، وابنُهُ هند، رَوَى عنه الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا وَلَدٌ اسمه هند، ذكره الدُّولابيّ وغيره، فعلى قول العسكريّ، فهو ممن اشتَرَك مع أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية، وكانت خديجة قبله عند عَتِيق بن عائد المخزوميّ، وكان النبيّ - ﷺ - قبل أن يتزوج خديجة، قد سافر في مالها مُقارِضًا إلى الشام، فرأى منه مَيْسَرة غلامُها ما رَغَّبها في تزوجه، قال الزبير: وكانت خديجة تُدْعَى في الجاهلية الطاهرةَ، وماتت على الصحيح بعد
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
المبعث بعشر سنين، في شهر رمضان، وقيل: بثمان، وقيل: بسبع، فأقامت معه - ﷺ - خمسًا وعشرين على الصحيح، وقال ابن عبد البر: أربعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر.
ورَوَى الفاكهيّ في "كتاب مكة" عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة، فأَذِنَ له، وبَعَثَ بعده جاريةً له، يقال لها: نبعة، فقال لها: انظري ما تقول له خديجة، قالت نبعة: فرأيت عَجَبًا، ما هو إلا أن سَمِعَت به خديجةُ، فخَرَجت إلى الباب، فأخذت بيده، فضمّتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستُبْعَث، فإن تكن هو، فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي، قالت: فقال لها: "والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أُضِيعه أبدًا، وإن يكن غيري، فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يُضِيعك أبدًا". ذكره في "الفتح" (^١).
(فَيَتَزَوَّدُ) وفي رواية للبخاريّ في "التعبير": "فتُزوِّده"، أي: خديجة - ﵂ -، قال في "الفتح": خَصَّ خديجة بالذكر بعد أن عَبَّر بالأهل، إما تفسيرًا بعد إبهام، وإما إشارةً إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. انتهى.
(لِمِثْلِهَا) الضمير للّيالي، أو المرة، أو الفَعْلة، أو الخلوة، أو العبادة.
ثم يحتمل أن يكون المراد أنه يتزَوّد، ويخلو أيامًا، ثم يرجع، ويتزوّد، ويخلو أيامًا، ثم يرجع ويتزود، ويخلو أيامًا إلى أن ينقضي الشهر، ويحتمل أن يكون المراد أن يتزود لمثلها إذا حال الحول، وجاء ذلك الشهر الذي جَرَت عادته أن يخلو فيه، وهذا استظهره الحافظ ﵀. ويؤخذ منه إعداد الزاد للمختلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله؛ لبعد مكان اختلائه من البلد مثلًا، وأنّ ذلك لا يَقْدَح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبيّ - ﷺ - بعد حصول النبوة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، قاله في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١٦٧ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٨٢١).
(٢) ١٢/ ٣٧٢، و٨/ ٥٨٨.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
(حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ) "حتى" هنا على بابها من انتهاء الغاية؛ أي: انتهى توجهه لغار حراء بمجيء الملك، فترك ذلك، وقوله: "فَجِئه" - بفتح الفاء، وكسر الجيم، ثم همزة - ويجوز فتح الجيم أيضًا، يقال: فَجِئه بكسر الجيم، وفَجَأه بفتح الجيم والهمزة لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره؛ أي: جاءه الوحي بغتةً، فإنه - ﷺ - لم يكن متوقعًا للوحي، قاله النوويّ (^١).
وتعقّبه البلقينيّ، وقال: في إطلاق هذا النفي نظرٌ، فإن الوحي كان جاءه في النوم مرارًا، وأسند ذلك إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عُبيد بن عُمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة، من الغطّ، والأمر بالقراءة، وغير ذلك. انتهى.
وتعقّب الحافظ، فقال: في كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظرٌ، فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله البلقينيّ واضحٌ إن صحّ ما ذكره ابن إسحاق؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (الْحَقُّ) قال الطيبيّ: أي أمر الحق، وهو الوحي، أو رسول الحقّ، وهو جبريل ﵇، وقال البلقينيّ: أي الأمر البَيِّن الظاهر، أو المراد: الملك بالحقّ؛ أي: الأمر الذي بُعِث به. انتهى.
وفي رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن الزهريّ: "حتى جاءه الحقّ"، قال في "الفتح": وإن ثَبَتَ من مرسل عبيد بن عمير أنه أُوحي إليه بذلك في المنام أَوّلًا قبل اليقظة، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عَقِبَ ما تقدم في المنام، وسُمِّي حقًّا؛ لأنه وحي من الله تعالى.
وقد وقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن النبيّ - ﷺ - كان أوّلَ شأنه يَرَى في المنام، وكان أوّلَ ما رأى جبريلَ بأجياد، صَرَخَ جبريلُ: يا محمدُ، فنظر يمينًا وشمالًا، فلم يَرَ شيئًا، فرَفَع بصره، فإذا هو على أُفُق السماء، فقال: يا محمدُ جبريلُ جبريلُ؛ فَهَرَب، فدخل في الناس، فلم يَرَ شيئًا، ثم خَرَج عنهم، فناداه، فهرب، ثم استَعْلَن له جبريل من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٩.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧٢.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
قِبَل حراء، فذكر قصة إقرائه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ورَأَى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت، يختطفان البصر، وهذا من رواية ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، وابنُ لهيعة ضعيف.
وقد ثبتٌ في "صحيح مسلم" من وجه آخر عن عائشة، مرفوعًا: "لم أَرَهُ - يعني جبريل - على صورته التي خُلِق عليها إلا مرتين".
وبَيَّن أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يُرِيه صورته التي خُلق عليها، والثانية عند المعراج.
وللترمذي من طريق مسروق، عن عائشة: "لم يَرَ محمدٌ جبريلَ في صورته إلا مرتين: مرّةً عند سدرة المنتهى، ومرةً في أجياد"، وهذا يُقَوِّي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرّة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله.
ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيميّ، فرواها محمد بن عبد الأعلى، عن ولده معتمر بن سليمان، عن أبيه، أن جبريل أتى النبيّ - ﷺ - في حراء، وأقرأه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم انصرف، فبَقِيَ متردِّدًا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرًا عظيمًا. انتهي
وقوله: (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول؛ أي: حال كون النبيّ - ﷺ - كائنًا في كهف جبل حراء.
(فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) هذه الفاء تُسَمَّى التفسيرية، وليست التعقيبية؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، حتى تُعَقِّب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسَّر به من جهة الإجمال، وغيرُهُ من جهة التفصيل، قاله في "الفتح" في "كتاب الإيمان".
وقال في "كتاب التعبير" - بعد ذكر هذا -: وقال شيخنا البلقينيّ: يحتمل أن تكون للتعقيب، والمعنى بمجيء الحقّ انكشاف الحال عن أمر وَقَع في القلب، فجاءه لذلك عقبه، قال: ويحتمل أن تكون سببية؛ أي: حتى قَضَى بمجيء الوحي، فبسبب ذلك جاءه الملك. قال الحافظ: وهذا أقرب من الذي قبله.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في "كتاب التعبير" بلفظ: "فجاءه الملك
[ ٤ / ٣٦٥ ]
فيه"، فزاد لفظة "فيه"، قال في "الفتح": يؤخذ منه رفع توهم مَن يظن أن الملك لم يدخل إليه الغارَ، بل كلَّمه، والنبيّ - ﷺ - داخل الغار، والملك على الباب.
قال شيخنا البلقينيّ ﵀: الملك المذكور هو جبريل ﵇، كما وقع شاهده في كلام ورقة، وكما يجيء في حديث جابر - ﵁ - أنه الذي جاءه بحراء، قال: واللام في "الملك" لتعريف الماهية، لا للعهد، إلا أن يكون المراد به ما عَهِدَه النبيّ - ﷺ - قبل ذلك لَمّا كلمه في صباه، أو اللفظ لعائشة - ﵂ -، وقَصَدت به ما تَعَهَّده مَن تخاطبه به. انتهى.
وقال الإسماعيليّ ﵀: هي عبارة عما عُرِف بعدُ أنه ملك، وإنما الذي في الأصل: فجاءه جَاء، وكان ذلك الجائي ملكًا، فأخبر - ﷺ - عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه، وكأن الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وقد جاء التصريح بأنه جبريل ﵇، فأخرج أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" من طريق أبي عِمْران الجَوْنيّ، عن رجل، عن عائشة - ﵂ -: "أن رسول الله - ﷺ - اعتكف، هو وخديجة - ﵂ -، فوافق ذلك رمضان، فخرج يومًا، فسَمِع: السلام عليكم، قال: فظننت أنه من الجنّ، فقال: أبشروا، فإن السلام خير، ثم رأى يومًا آخر جبريل على الشمس، له جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، قال: فَهِبتُ منه … " الحديث، وفيه أنه جاءه، فكلَّمه، حتى أَنِسَ به.
وظاهره أن جميع ما وقع له كان، وهو في الغار، لكن وقع في مرسل عُبيد بن عمير: "فأجلسني على دُرْنوك فيه الياقوت واللؤلؤ"، وهو بضم الدال والنون، بينهما راء ساكنة: نوع من البُسُط، له خَمْل.
وفي مرسل الزهريّ: "فأجلسني على مَجْلِسٍ كريم، مُعْجِبٍ".
وأفاد البلقينيّ أن سِنّ النبيّ - ﷺ - حين جاءه جبريل في حراء كان أربعين سنة، على المشهور، ثم حكى أقولًا أخرى، قيل: أربعين ويومًا، وقيل: عشرة أيام، وقيل: شهرين، وقيل: وسنتين، وقيل: وثلاثًا، وقيل: وخمسًا، قال: وكان ذلك يوم الاثنين نهارًا، قال: واختُلِف في الشهر، فقيل: شهر رمضان، في سابع عشره، وقيل: سابعه، وقيل: رابع عشريه.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
قال الحافظ: ورمضان هو الراجح؛ لما تَقَدَّم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء، فجاءه الملك، وعلى هذا فيكون سنُّهُ حينئذ أربعين سنة وستة أشهر، وليس ذلك في الأقوال التي حكاها البلقينيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال ليس عليها دليلٌ يُستند إليه، فالأولى عدم الالتفات إليها، والخوض في مثلها اشتغال بما لا يعني الإنسان، فالله المستعان.
[تنبيه]: إذا عُلِم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاء وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نُبِّئ في شهر رمضان، ويَعْكُر على قول ابن إسحاق أنه بُعِث على رأس الأربعين؛ مع قوله: إنه في الشهر الذي وُلد فيه.
ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أوّلًا في شهر رمضان، وحينئذ نُبِّئ، وأنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢]، فيُحمَل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي عند المجيء بالرسالة، والله تعالى أعلم (^٢).
(فَقَالَ) أي: الملك) (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيُلْقَى إليه، ويحتمل أن يكون على بابه من الطلب، فيُسْتَدَلُّ به على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قُدِر عليه بعد ذلك، ويحتمل أن تكون صيغة الأمر محذوفة، أي: قل: ﴿اقْرَأْ﴾، وإن كان الجواب "ما أنا بقارئ" فعلى ما فُهِم من ظاهر اللفظ، وكأن السرّ في حذفها؛ لئلا يُتَوَهَّم أن لفظ "قل" من القرآن، ويؤخذ منه جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأن الأمر على الفور، لكن يمكن أن يجاب بأن الفور فُهِم من القرينة (^٣).
وقال البلقينيّ: ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة، ولا السلام، فيَحْتَمِل أن يكون سَلَّمَ، وحُذِف ذكره؛ لأنه معتاد، وقد سَلَّم الملائكة على إبراهيم ﵇ حين دخلوا عليه، ويَحْتَمِل أن يكون لم يُسَلِّم؛ لأن المقصود
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٧٣.
(٢) راجع: "الفتح" ٨/ ٥٨٨.
(٣) المصدر السابق ٨/ ٥٨٩.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
حينئذ تفخيم الأمر وتهويله، وقد تكون مشروعية ابتداء السلام تتعلق بالبشر، لا من الملائكة، وإن وقع ذلك منهم في بعض الأحيان.
قال الحافظ: والحالة التي سلموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر، فلا ترد هنا، ولا يَرِد سلامهم على أهل الجنة؛ لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا.
وقد جاء في رواية الطيالسيّ أن جبريل سَلَّم أوّلًا، ولم يُنقَل أنه سلَّم عند الأمر بالقراءة، والله أعلم (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("مَا أنَا بِقَارِئٍ") قال البلقينيّ ﵀: وظاهره أن عائشة - ﵄ - سَمِعت ذلك من النبيّ - ﷺ -، فلا يكون من مرسلات الصحابة. انتهى.
وقوله: (مَا إنا بِقَارِئٍ) أي: لا أُحِسن القراءة، فـ "ما" نافية، هذا هو الصواب، وحَكَى القاضي عياض ﵀ فيها خلافًا بين العلماء، منهم مَن جَعَلها نافيةً، ومنهم من جعلها استفهامية، وضعّفوه بإدخال الباء في الخبر، قال القاضي: ويصحح قول مَن قال: استفهامية، رواية مَن رَوَى: "ما أقرأ؟ "، ويصح أن تكون "ما" في هذه الرواية أيضًا نافية، ذكره النوويّ ﵀ (^٢).
وقال في "الفتح": "ما" نافية؛ إذ لو كانت استفهامية، لم يَصْلَحْ دخول الباء، وإن حُكِيَ عن الأخفش جوازه، فهو شاذّ، والباء زائدة لتأكيد النفي؛ أي: ما أُحسِن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثًا، قيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، أي: لا تقرؤه بقوّتِك، ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو يُعَلِّمك كما خلقك، وكما نَزَعَ عنك عَلَق الدم، وغَمْزَ الشيطان في الصغر، وعَلَّمَ أمتك حتى صارت تكتب بالقلم، بعدَ أَنْ كانت أمية. ذكره السهيلي.
وقال غيره: إن هذا التركيب، وهو قوله: "ما أنا بقارئ" يفيد الاختصاص، ورَدّه الطيبيّ بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد، والتقديرُ: لستُ بقارئ البتة.
[فإن قيل]: لم كَرَّر ذلك ثلاثًا؟.
[أجاب أبو شامة] بأن يُحْمَل قوله أوّلًا: "ما أنا بقارئ" على الامتناع،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٣٧٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٩٩.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وثانيًا على الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا على الاستفهام، ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في "مغازيه" عن عروة، أنه قال: "كيف أقرأ؟ "، وفي رواية عُبيد بن عُمير عند ابن إسحاق: "ماذا أقرأ؟ "، وفي مُرسل الزهريّ في "دلائل البيهقيّ": "كيف أقرأ؟ "، وكلُّ ذلك يؤيد أنها استفهامية، والله أعلم (^١).
وقال الطيبيّ ﵀: [فإن قلت]: قد تقرّر في علم المعاني أن إيلاء الضمير حرف النفي يفيد الاختصاص والحصر، وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوبًا بصواب وخطأ، فيردّ خطؤه إلى الصواب، فأين هذا من جبريل؟.
[قلت]: إنه - ﷺ - لَمّا سمع من جبريل: "اقرأ" تصوّر منه - ﷺ - أنه اعتقد أن حكمه - ﷺ - ليس كحكم سائر الناس في أن حصول القراءة، والتمكّن منها إنما هو بطريق التعلّم، ومدارسة الكتب، فلهذا ردّه بقوله: "ما أنا بقارئ"، أي: حكمي كحكم سائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلّم، وعدمه بعدمه، فلذلك أخذه، فغطّه مررًا؛ ليُخرجه من حكم سائر الناس، ويستفرغ منه البشريّة، ويُفرغ فيه صفات الملكيّة، فحيئذ يعلم معنى "اقرأ"، ويخاطب بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، ففي المقروء أيضًا إشارة إلى ردّ ما تصوّره - ﷺ - من أن القرآن إنما يتيسّر بطريق التعليم فقط، بل إنها كما تحصل من التعليم بواسطة العلم، فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة، فقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارة إلى العلم التعليميّ، وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥] إلى العلم اللدنيّ، ومِصْداقه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٤ - ٥]. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (^٢).
(قَالَ) - ﷺ - ("فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة، والطاء المهملة، والغطُّ: حَبْسُ النَّفَس، ومنه غَطّه في الماء، فمعناه: عَصَرَني، وضَمَّني، يقال: غَطّه، وغَتَّه، وضَغَطه، وعَصَرَه، وخَنَقه، وغَمَزه كله بمعنى واحد.
وفي رواية الطبري: "فَغَتَّنِي" بتاء مثناة من فوقُ، وهو بمعنى غطّني،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٢ - ٣٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٦ - ٣٧١٧.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
ولأبي داود الطيالسيّ في "مسنده" بسند حسن: "فأخذ بِحَلْقي"، قاله في "الفتح" (^١).
وقال الطيبيّ ﵀: "الغطّ": العصر الشديد والكَبْس، ومنه الغَطّ في الماء: وهو الغوص فيه، قيل: إنما غطّه؛ ليختبر هل يقول من تلقاء نفسه شيئًا؟. انتهى (^٢).
والحكمة في هذا الغط شَغْلُه عن الالتفات لشيء آخر، أو لإظهار الشدّة والجدّ في الأمر تنبيهًا على ثقل القول الذي سيُلْقَى إليه، فلما ظَهَر أنه صَبَر على ذلك أَلْقَى إليه، وهذا وإن كان بالنسبة إلى علم الله حاصلًا، لكن لعل المراد إبرازه للظاهر بالنسبة إليه - ﷺ -، وقيل: ليَخْتَبِر هل يقول من قِبَل نفسه شيئًا؟ فلما لم يأتِ بشيء دَلّ على أنه لا يَقْدِر عليه، وقيل: أراد أن يعلمه أن القراءة ليست من قدرته، ولو أُكرِه عليها، وقيل: الحكمة فيه أن التخييل والوهم والوسوسة، ليست من صفات الجسم، فَلَمّا وَقَع ذلك لجسمه عُلِمَ أنه من أمر الله، وذكر بعضهم أن هذا من خصائص النبيّ - ﷺ -؛ إذ لم يُنقَل عن أحد من الأنبياء، أنه جَرَى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك (^٣).
(حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) بفتح الجيم وضمها لغتان، وهو الغاية والمشقة، ويجوز نصب الدال، ورفعها، فمعناه على النصب: بَلَغ جبريلُ، أو الغطُّ مني الجهدَ، أي: غاية وُسْعِي، وعلى الرفع: بلغ الجهدُ مني مبلَغه وغايته، وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب "التحرير" وغيره (^٤).
واعترض التوربشتيّ ﵀ وجه النصب، فقال: لا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد وَهِمَ فيه، أو جوّزه من طريق الاحتمال، فإنه إذا نُصب عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوّته في غطّه، وجهد جهده بحيث لم يَبْقَ فيه مزيد، وهذا قول غير سديد؛ لأن البنية البشريّة لا تستدعي استيفاء القوّة الملكيّة، لا سيّما في مبدأ الأمر، وقد دلّت القضيّة على أنه اشمأزّ من ذلك، وتداخله الرعب. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٣.
(٢) "الكاشف" ١٢/ ٣٧١٧.
(٣) "الفتح" ٨/ ٥٨٩.
(٤) "شرح النووي" ٢/ ١٩٩.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وتعقّبه الطيبيّ ﵀، فقال: لا شكّ أن جبريل في حالة الغطّ لم يكن على صورته الحقيقيّة التي تجلّى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسيّ، فيكونُ استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلّى له وغطّه، وإذا صحّت الرواية اضمحلّ الاستبعاد. انتهى (^١).
قال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم: الترجيح هنا متعين؛ لاتحاد القصة، ورواية الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر، فتَرجَّحت، وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجح البلقينيّ بأن فاعل "بَلَغَ" هو الغَطُّ، والتقدير: بلغ مني الغطُّ جهدَه؛ أي: غايته، فيَرْجِع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى.
قال البلقينيّ.: وكأنّ الذي حصل له عند تلقي الوحي من الجهد مقدمةٌ لما صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن، كما في حديث ابن عباس: "كان يعالج من التنزيل شدّةً"، وكذا في حديث عائشة، وعمر، ويعلى بن أمية، وغيرهم - ﵃ -، وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام بَرْزَخيّ يحصل له عند تلقي الوحي، ولَمّا كان البرزخ العامّ ينكشف فيه للميِّت كثيرٌ من الأحوال خَصَّ الله تعالى نبيّه - ﷺ - ببرزخ في الحياة يُلْقِي إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير في الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطّلاعٌ على كثير من الأسرار، وذلك مُسْتَمَدٌّ من المقام النبويّ، ويشهد له حديث: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة".
[تنبيه]: قال السهيليّ ﵀: تأويل الغَطّات الثلاثة على ما في رواية ابن إسحاق أنها كانت في النوم أنه سيقع له ثلاث شدائد، يُبتلى بها، ثم يأتي الفرج، وكذلك كان، فإنه لَقِي ومن تبعه شدّةً أُولى بالشِّعبِ لَمّا حَصَرتهم قريش، وثانية لَمّا خرجوا، وتوعّدوهم بالقتل حتى فَرّوا إلى الحبشة، وثالثة لما هَمّوا بما همّوا به من المكر به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]، فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاثة.
وقال البلقينيّ: وهذه المناسبة حسنةٌ، ولا يتعين للنوم، بل تكون بطريق
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٧.
[ ٤ / ٣٧١ ]
الإشارة في اليقظة، قال: ويمكن أن تكون المناسبة أن الأمر الذي جاءه به ثقيلٌ، من حيث القول، والعمل، والنية، أو من جهةِ التوحيد، والأحكام، والإخبار بالغيب الماضي والآتي، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير، والتسهيل، والتخفيف في الدنيا، والبرزخ، والآخرة عليه وعلى أمته. انتهى (^١)، وهو بحثٌ مفيد، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني بعد الغطّ، قال العلماء: والحكمة في الغطّ شَغْلُه من الالتفات، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له، وكَرَّره ثلاثًا مبالغةً في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلّم أن يحتاط في تنبيه المتعلِّم، وأمره بإحضار قلبه، والله أعلم (^٢).
(فَقَالَ) جبريل ﵇ (اقْرَأْ"، قَالَ) - ﷺ - ("قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ) - ﷺ - ("فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، حَتى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ) جبريل (اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: معنى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي: اقرأ ما أُنزل إليك من القرآن، مفتتحًا باسم ربك، وهو أن تَذْكُر التسمية في ابتداء كلّ سورة، فمحل الباء من ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ النصب على الحال، وقيل: الباء بمعنى "على"؛ أي: اقرأ على اسم ربك، يقال: فَعَل كذا باسم الله، وعلى اسم الله، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي: اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله، وقال قوم: "اسم ربك" هو المقروء، فهو يقول: اقرأ باسم ربك، أي: اسم ربك، والباء زائدة، كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وكما قال [من البسيط]:
هُنَّ الحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ … سُودُ المَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
أراد لا يقرأن السُّوَرَ، وقيل: معنى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: أي اذكر اسمه، أَمَرَه أن يبتدئ القراءة باسم الله. انتهى.
(﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) لم يذكر المفعولَ؛ لأن المعنى: الذي حصل منه الخلقُ، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فيتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ "كتاب التعبير" رقم (٦٩٨٢).
(٢) المصدر السابق.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
مطلقٌ، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من بعض، قاله النسفيّ (^١).
وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [العلق: ٢]) تخصيصٌ للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لشرفه، ولأن التنزيل إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذُكر مبهمًا، ثم مفسَّرًا؛ تفخيمًا لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته (﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]) بفتحتين: جمع عَلَقة، وإنما لم يقل: من عَلَقة؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، قاله النسفيّ (^٢).
وقال القرطبيّ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: ابن آدم ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ أي: من دَم، وهو: جمعُ عَلَقة، والعَلَقة الدم الجامد، وإذا جَرَى فهو المسفوح، وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ فذَكَره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكلُّهم خُلِقوا من عَلَق بعد النطفة، والعلقة قِطْعة من دم رَطْبٍ، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تَعْلَق لرطوبتها بما تَمُرّ عليه، فإذا جَفَّت لم تكن عَلَقةً، قال الشاعر [من الوافر]:
تَرَكْنَاهُ يَخِرُّ عَلَى يَدَيْهِ … يَمُجُّ عَلَيْهِمَا عَلَقَ الوَتِينِ
وخَصَّ الإنسان بالذكر؛ تشريفًا له، وقيل: أراد أن يُبَيِّن قدر نعمته عليه، بأن خلقه من عَلَقة مَهِينة، حتى صار بشرًا سويًّا، وعاقلًا مميزًا.
وقوله تعالى: (﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣]) تأكيدٌ، وتَمَّ الكلام، ثم أستأنَفَ، فقال: (﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]) أي: الذي له الكمال في زيادة كرمه على كلّ كريم، يُنعم على عباده النِّعَم، ويَحْلُم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم، وجحودهم لنعمه. ولمّا لم يكن للإنسان بعد هدايته للإيمان تكريم، مثلُ تكريمه بالفوائد العلميّة نبّه على ذلك حيث قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٤، ٥]) أي: علّم الإنسان الخطّ والكتابة بالقلم، وعلّمه ما لا عِلْمَ له به، مما يحتاج إليه في معاشه، ومعاده، ففيه دليلٌ على كمال كرمه ﷾ بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبّه على فضل علم الكتابة؛ لِمَا فيه من المنافع العظيمة التي لا يُحيط بها إلا هو؛ إذ ما دُوِّنت العلوم، ولا قُيِّدت الحِكَم، ولا ضُبطت أخبار الأولين، ولا كُتب الله
_________________
(١) "تفسير النسفيّ" ٤/ ٣٦٨.
(٢) المصدر السابق.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
المنزّلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ﷾ دليلٌ إلا أمر القلم، والخطّ لكفى.
وسُمِّي قَلَمًا لأنه يُقْلَم، أي: يُقْطَع، ومنه تقليم الظفر، وقال بعض الشعراء المُحْدَثين، يَصِفُ القلم [من الكامل]:
فَكَأَنَّهُ وَالحِبْرُ يَخْضِبُ رَأْسَهُ … شَيْخٌ لِوَصْلِ خَرِيدَةٍ يَتَصَنَّعُ
لِمَ لَا أُلَاحِظُهُ بِعَيْنِ جَلَالَةٍ … وَبِهِ إِلَى اللهِ الصَّحَائِفُ تُرْفَعُ (^١)
وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]) قيل: الإنسان هنا آدم ﵇ علّمه أسماء كل شيء، حسبما جاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، فلم يَبْقَ شيءٌ إلا وعَلَّم ﷾ آدم اسمه بكل لغة، وذَكَره آدمُ للملائكة، كما عَلَّمه، وبذلك ظهر فضله، وتَبَيَّن قدره، وثبتت نبوّته، وقامت حجة الله على الملائكة، وحجتُهُ، وامْتَثَلت الملائكةُ الأمرَ لَمَّا رأت من شرف الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الأمر، ثم توارثت ذلك ذريته خَلَفًا بعد سلف، وتناقلوه قومًا عن قوم.
وقيل: الإنسان هنا الرسول محمد - ﷺ - بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وعلى هذا فالمراد بـ ﴿عِلْمٍ﴾ المستقبلُ، فإن هذا من أوائل ما نَزَل.
وقيل: هو عامٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآية [النحل: ٧٨] (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الأرجح؛ لأن عموم قوله ﷿: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ ظاهر فيه، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ أمر بإيجاد القراءة مطلقًا، وهو لا يختصّ بمقروء دون مقروء، وقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك، قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم اقرأ، وهذا يدل على أن البسملة
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٢٠/ ١٢٢.
(٢) راجع: "تفسير القرطبيّ" ٢٠/ ١٢٢.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
مأمور بقراءتها في ابتداء كلّ قراءة، فيكون مأمورًا بقراءتها في ابتداء هذه السورة أيضًا. انتهى (^١).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وصفٌ مناسب مشعر بعليّة الحكم بالقراءة، والإطلاق في ﴿خُلِقَ﴾ أوّلًا على منوال يُعطي ويمنع، وجُعل توطئةً لقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ إيذانًا بأن الإنسان أشرف أنواع المخلوقات، ثم الامتنان عليه بقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ يدلّ على أن العلم أجلّ النعم، وأكثرها فائدة. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ استَدَلَّ به السهيليّ على أن البسملة يؤمر بقراءتها أولَ كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آيةً من كل سورة، كذا قال، وقرّره الطيبيّ، فقال: قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قَدَّم الفعل الذي هو متعلق الباء، لكون الأمر بالقراءة أهمّ، وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ أمرٌ بإيجاد القراءة مطلقًا، وقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حال؛ أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك، وأصح تقاديره: قل: باسم الله، ثم اقرأ، قال: فيؤخذ منه أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة. انتهى.
لكن لا يلزم من ذلك أن تكون مأمورًا بها، فلا تدل على أنها آية من كل سورة، وهو كما قال، لأنها لو كان للزم أن تكون آية قبل كل آية، وليس كذلك.
وأما ما ذكره القاضي عياض، عن أبي الحسن ابن القَصّار من المالكية، أنه قال: في هذه القصة ردّ على الشافعيّ في قوله: إن البسملة آية من كل سورة، قال: لأن هذه أول سورة أنزلت، وليس في أولها البسملة.
فقد تُعُقِّب بأن فيها الأمر بها، وإن تأخر نزولها.
وقال النوويّ: ترتيب آي السور في النزول، لم يكن شرطًا، وقد كانت الآية تَنْزِل، فتوضع في مكان قبل التي نزلت قبلها، ثم تَنزِل الأخرى، فتوضع قبلها إلى أن استقرّ الأمر في آخر عهده - ﷺ - على هذا الترتيب.
ولو صحّ ما أخرجه الطبريّ من حديث ابن عباس - ﵄ - أن جبريل ﵇
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧١٨.
(٢) المرجع السابق.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
أمر النبيّ - ﷺ - بالاستعاذة والبسملة قبل قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ لكان أولى في الاحتجاج به، لكن في إسناده ضعف وانقطاع، وكذا حديث أبي ميسرة: "أنّ أول ما أِمر به جبريل قال له: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١، ٢]، هو مرسل، وإن كان رجاله ثقات، والمحفوظ أن أول ما نزَل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وأن نزول الفاتحة كان بعد ذلك. انتهى (^١).
(فَرَجَعَ بِهَا) أي: رجع - ﷺ - حال كونه مصاحبًا للآيات (^٢)، التي هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] إلى آخر الآيات الخمس (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ) بضم الجيم، يقال: رَجَفَ الشيءُ رَجْفًا، من باب نصر، ورَجِيفًا، ورَجَفَانًا بالتحريك: إذا تحرّك، واضطرب، ورَجَفَت الأرض كذلك، ورَجَفَت يده: ارتَعَشَت من مَرَضٍ، أو كِبَرٍ، ورَجَفته الحُمَّى: أرعدته، فهو راجفٌ على غير قياس، وأرجف القوم في الشيء، وبه إرجافًا: أكثروا من الأخبار السيّئة، واختلاق الأقوال الكاذبة حتى يضطرب الناس منها، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠] (^٣).
و"البوادر" - بفتح الباء الموحّدة -: جمع بادرة، قال أهل اللغة والغريب: هي اللحمة التي بين المنكب والعُنُق، تضطرب عند فزع الإنسان (^٤).
ووقع في رواية عُقيل الآتية: "يَرْجُفُ فؤاده"؛ أي: قلبه (^٥).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٩٠ "تفسير سورة العلق".
(٢) وزاد في "الفتح": أو بالقصّة، وتعقّبه العينيّ بأنه لا وجه له، وهو كما قال؛ إذ هو تكلّف.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٢٠.
(٤) قال في "الفتح" ١٢/ ٣٧٥: وأما بوادره فالمراد بها اللحمة التي بين المنكب والعنق، جرت العادة بأنها تضطرب عند الفزع، وعلى ذلك جَرَى الجوهري أن اللحمة المذكورة سُمِّيت بلفظ الجمع، وتعقّبه ابن بَرِّيٍّ، فقال: البوادر جمع بادرة، وهي ما بين المنكب والعنق، يعني: أنه لا يختص بعضو واحد، وهو جيدٌ، فيكون إسناد الرَّجَفان إلى القلب؛ لكونه محله، وإلى البوادر؛ لأنها مَظْهَره، وأما قول الداوديّ: البوادر والفؤاد واحد، فإن أراد أن مُفادهما واحد على ما قررناه، وإلا فهو مردود. انتهى.
(٥) قد تقدّم في شرح حديث: "أهل اليمن أرقّ قلوبًا" بيان الاختلاف في القلب والأفئدة، فراجعه تستفد.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
قال البلقينيّ ﵀: الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد وعاء القلب، على ما قاله بعض أهل اللغة، فإذا حصل للوعاء الرَّجَفان حصل لما فيه، فيكون في ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب. انتهى.
وهذا هو سبب طلبه أن يُدَثَّرَ، ويُزَمَّل؛ أي: يُغطَّى، ويُلَفّ؛ لشدّة ما لحقه من هول الأمر، وشدّة الضغط (^١).
والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "رَجَعَ"، والقاعدة أن الجملة المضارعيّة إذا كانت مثبتة تُربط بالضمير، لا بالواو، كما قال في "الخلاصة":
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ المُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدًا
[تنبيه]: الحكمة في أولية هذه الآيات الخمس - أعني ﴿اقْرَأْ﴾ إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ - كونها قد اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تُسَمَّى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يَجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وهذا بخلاف الفن البديعيّ المُسَمَّى العنوان، فإنهم عَرَّفوه بأن يأخذ المتكلم في فنّ، فيؤكده بذكر مثال سابق، وبيانُ كونها اشتملت على مقاصد القرآن، أنها تنحصر في علوم التوحيد، والأحكام، والأخبار، وقد اشتملت هذه الآيات على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها "ببسم الله"، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الربّ، وإثبات ذاته، وصفاته، من صفة ذات، وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار، من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (^٢)، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ) - ﵂ - (فَقَالَ: "زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي") هكذا في الروايات مكرّرًا مرّتين، ومعناه: غظوني بالثياب، ولُفّوني بها، وهو من التزميل، وهو التلفيف، والتزمُّل: الالتفاف، وا لاشتمال، ومثله التدثُّر، ويقال للثوب الذي يلي الجسد: دِثَار بالكسر (فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) - بفتح،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٧٧.
(٢) راجع: "الفتح" ٨/ ٥٨٩ - ٥٩٠ "كتاب التفسير" (٤٩٥٤).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
فسكون - أي: الفَزَعُ، يقال: راعني الشيءُ رَوْعًا، من باب قال: أفزعني، ورَوَّعني مثله، وراعني جماله: أعجبني، وأما الرُّوع بالضمّ فهو الخاطر، والقلب، يقال: وقَعَ في رُوعي كذا، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١)، وقال المجد ﵀: الرُّوع بالضمّ: القلبُ، أو موضع الفَزَع منه، أو سَوَاده، والذهنُ، والعقلُ. انتهى (^٢). (ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ) - ﵂ - ("أَيْ خَدِيجَةُ) أي: يا خديجةُ، فـ "أَيْ" حرف نداء، مثل "يا" تستعمل عند الجمهور للبعيد، أو ما في حكمه، كالنائم، والساهي، ومذهب المبرِّد أنها للقريب، كالهمزة، و"يا" للجمع، ومثله مذهب ابن بَرْهَان، إلا أنه جعل "أي" للمتوسّط، وكلّهم جوّزوا نداء القريب بما للبعيد؛ لتنزيله منزلته (^٣). (مَا لِي؟ ") "ما" استفهاميّة مبتدأ خبره الجارّ والمجرور، أَيْ: أيّ شيء حصل لي بسبب هذا الأمر؟، قاله استغرابًا لما حصل له، وتعجيبًا لخديجة - ﵂ -، وجملة "ما لي؟ " مقول "قال"، وقوله: (وَأَخْبَرَهَما الْخَبَرَ) أي: خبر ما رآه، وحصل له من الملَك من الغطّ وغيره، والجملة يحتمل أن تكون معطوفةً على جملة "قال"، ويحتمل أن تكون حالًا من فاعل "قال".
(قَالَ) - ﷺ - ("لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي") قال في "الفتح": دَلّ هذا، مع قوله: "تَرْجُفُ بَوادره" على انفعالٍ حَصَل له من مجيء الملك، ومن ثَمَّ قال: "زَمِّلوني".
والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولًا: [أولها]: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكِهانة، جاء مُصَرَّحًا به في عِدّة طُرُق، وأبطله أبو بكر بن العربيّ، وحُقَّ له أن يُبْطَل، لكن حمله الإسماعيليّ على أن ذلك حَصَل له قبل حصول العلم الضروريّ له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى.
[ثانيها]: الهاجس، وهو باطل أيضًا؛ لأنه لا يَستَقِرّ، وهذا استَقَرَّ، وحصلت بينهما المراجعة.
[ثالثها]: الموت من شدة الرُّعْب.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٦.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٦٥١.
(٣) راجع: "حاشية الخضريّ على الخلاصة" ٢/ ١١٣.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
[رابعها]: المرض، وقد جَزَم به ابن أبي جمرة.
[خامسها]: دوام المرض.
[سادسها]: العجز عن حمل أعباء النبوة.
[سابعها]: العجز عن النظر إلى الملك من الرُّعْب.
[ثامنها]: عدم الصبر على أذى قومه.
[تاسعها]: أن يقتلوه.
[عاشرها]: مفارقة الوطن.
[حادي عشرها]: تكذيبهم إياه.
[ثاني عشرها]: تعييرهم إياه، قال الحافظ ﵀: وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب الثالث، واللذان بعده، وما عداها فهو مُعْتَرض. انتهى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) - ﵂ - (كَلَّا) قال النوويّ ﵀: هي هنا كلمة نفي وإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تأتي "كلا" بمعنى "حَقًّا"، وبمعنى "ألا" التي للتنبيه، يُسْتَفتَح بها الكلام، وقد جاءت في القرآن العزيز على أقسام، وقد جمع الإمام أبو بكر بن الأنباريّ أقسامها ومواضعها، في باب من كتابه "الوقف والابتداء". انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: هي مركّبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و"لا" النافية، قال: وإنما شُدّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وعند سيبويه والخليل، والمبرّد، والزجّاج، وأكثر البصريين: حرفٌ معناه الرَّدْعُ والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك حتى يُجيزون أبدًا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت ﴿كَلَّا﴾ في سورة، فاحكم بأنها مكيّةٌ؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، قالوا: وقد تكون حرف جواب بمنزلة "أَيْ"، و"نَعَمْ"، وحَمَلوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ [المدّثّر: ٣٢]، فقالوا: معناه أي والقمر. انتهى كلامه باختصار.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٣.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
قال شيخنا عبد الباسط المناسيّ ﵀ في "نظم المغني" مبيّنًا ما ذُكِر في "كلا":
"كَلَّا" مِنَ الكَافِ و"لَا" مُرَكَّبَهْ … فِي قَوْلِ ثَعْلَبٍ وَبِالعَكْسِ انْتَبَهْ
سِوَاهُ وَهْيَ حَرْفُ رَدْعٍ أَبَدًا … عِنْدَ الخَلِيلِ وَكَثِيرِ مَنْ هُدَى
لِذَا أَجَازُوا الوَقْفَ فِي أَخِيرِهَا … وَالابْتِدَا بِمَا أَتَى بِإِثْرِهَا
وَشُدَّ لَامُهَا لأَجْلِ التَّقْوِيَهْ … مَعْنًى وَدَفْعِ مَا بِهِ أَتَتْ هِيَهْ
وَفِي الثَّلَاثِينَ مَعَ الثَّلَاثَةِ … أَتَى بِهَا كَلَامُ رَبِّ العِزَّةِ
وَكُلُّهَا فِي آخِرِ النِّصْفَيْنِ مِنْ … كَلَامِ رَبِّنَا العَزِيزِ يَا فَطِنْ
قَالَ الكِسَائِيُّ: بِمَعْنَى "حَقًّا" … وَكَـ "أَلَا" لِبَعْضِهِمْ جَا نُطْقَا
وَالنَّضْرُ وَالفَرَّاءُ فِيهَا أَثْبَتَا … مَعْنَى"نَعَمْ" وَ"إِيْ" كَمَا عَنْهُمْ أَتَى (^١)
[تنبيه]: من اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها - يعني: كلمة كلا - عَقِب ما ذكر لها النبيّ - ﷺ - من القصة التي وقعت له، هي التي وقعت عقب الآيات الخمس، من سورة ﴿اقْرَأْ﴾ في نسق التلاوة، فَجَرَت على لسانها اتفاقًا؛ لأنها لم تكن نزلت بعدُ، وإنما نزلت في قصة أبي جهل، وهذا هو المشهور عند المفسرين، وقد ذهب بعضهم إلى أنها تتعلق بالإنسان المذكور قبلُ؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، فهي عين الأولى، وقد أُعيد الإنسان هنا كذلك، فكان التقدير: كلا لا يَعلَم الإنسان أن الله هو خلقه، وعَلَّمه ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦]، قاله في "الفتح" (^٢).
(أَبْشِرْ) بهمزة القطع، أمرٌ من الإبشار رباعيًّا، ويحتمل أن يكون بهمزة الوصل، مع كسر الشين وفتحها، من بَشِرَ بكسر الشين وفتحها ثلاثيًّا، قال المجد ﵀: أَبْشَرَ: فَرِحَ، ومنه أَبْشِر بخير، قال: وبَشَرتُ به، كعَلِمَ، وضَرَبَ: سُرِرْتُ. انتهى (^٣). وقال الفيّوميّ ﵀: بَشِرَ بكذا يَبْشَرُ، مثلُ فَرِحَ يَفْرَحُ وزنًا ومعنًى، وهو الاستبشار أيضًا، والمصدر البُشُور، ويتعذى بالحركة، فيقال:
_________________
(١) راجع: شرحي المسمَّى: "فتح القريب المجيب" على النظم المذكور ١/ ٣٥٣ - ٣٥٧.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧٥.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٣١٧.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
بشرته أبْشُرُهُ بَشْرًا، من باب قتل في لغة تِهَامة، وما والاها، والاسم منه بُشْرٌ بضم الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين. انتهى (^١).
فقد ثبت بما قاله المجد ﵀ أن أبشر هنا يجوز فيه ثلاثة أوجه: (أبشر) بقطع الهمزة رباعيًّا، و(ابْشِرْ) بوصل الهمزة مع كسر الشين وفتحها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قول خديجة - ﵂ - هنا: "أبشر" لم يقع في حديث عائشة - ﵂ - تعيين المبشر به، ووقع في مرسل عبيد بن عمير: "فقالت: أبشر يا ابن عمّ، واثْبُت، فوالذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"، وفي "دلائل النبوّة" للبيهقيّ، من طريق أبي مَيْسَرة مرسلًا أنه - ﷺ - قَصّ على خديجة ما رأى في المنام، فقالت له: أبشر، فإن الله لن يَصْنَعَ بك إلا خيرًا، ثم أخبرها بما وقع له من شَقِّ البطن وإعادته، فقالت له: أبشر إن هذا والله خير، ثم استَعْلَنَ له جبريل … فذكر القِصَّة، فقال لها: "أرأيتكِ الذي كنتُ رأيت في المنام، فإنه جبريل، استَعْلَن لي بأن ربي أرسله إليّ"، وأخبرها بما جاء به، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرًا، فاقْبَل الذي جاءك من الله، فإنه حَقٌّ، وأبشر فإنك رسول الله حقًّا.
وهذا أصرح ما ورد في أنها - ﵂ - أوّلُ الآدميين آمن برسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم (^٢).
(فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا) بضم الياء، وبالخاء المعجمة، والزاي المكسورة، ثم الياء الساكنة، كذا هو في رواية يونس وعقيل، والخِزْيُ: الفضيحة، والهوان، وقال معمر في روايته: "يَحْزُنُك" بفتح أوله، وبالحاء المهملة، والزاي المضمومة، والنون، من حَزَنه، ويجوز ضمّ الياء في أوله، وكسر الزاي، من أحزنه، وكلاهما صحيح (^٣).
قال القاضي عياض ﵀: معنى "يُخزيك" يَفْضحك، ويُهينك، بل يُثَبِّتُك
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٤٩.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧٥ "كتاب التعبير" رقم (٦٩٨٢).
(٣) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠١، و"الفتح" ١/ ٣٣.
[ ٤ / ٣٨١ ]
حتى لا يُنسب إليك كَذِبٌ فيما قُلتَهُ، ولا يُسلّط عليك شيطانٌ بتخبيطه الذي حَذِرْتَهُ.
ومعنى "يَحْزُنُكَ" أي: يوقع ما تخافه من ذلك.
وهذا تأنيسٌ منها للنبيّ - ﷺ - إن كان هذا لأوّل ما رأى من المقدّمات والتباشير، وقبل تحقّقه الرسالة، ولقاء الملك، أو يكون بعده لِمَا خَشِي من ضعف جسمه عن حمل ذلك. انتهى كلام القاضي (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول بعيد، يُبعده أن هذا القول
صدر منه - ﷺ - بعد تلقّيه الآيات الخمس من جبريل ﵇، ورجوعه بها إلى خديجة - ﵂ -، فالأولى أن تأنيسها له - ﷺ - إنما من أجل ما خافه من موتٍ، أو مرض، أو نحو ذلك بسبب شدّة ملاقاة الملك، والله تعالى أعلم.
ووقع عند ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم، مرسلًا: "أن خديجة قالت: أي ابن عم، أتستطيع أن تُخبرني بصاحبك إذا جاء؟ قال: "نعم"، فجاءه جبريل، فقال: "يا خديجة هذا جبريل"، قالت: قُمْ، فاجلس على فخذي اليسرى، ثم قالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، قالت: فتحوَّلْ إلى اليمنى كذلك، ثم قالت: فتحوّل، فاجلس في حجري كذلك، ثم ألقت خمارها وتحسرت، وهو في حجرها، وقالت: هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: اثْبُت، فوالله إف لملك، وما هو بشيطان"، وفي رواية مرسلة عند البيهقي في "الدلائل": أنها ذهبت إلى عَدّاس، وكان نصرانيًّا، فذكرت له خبر جبريل، فقال: هو أمين الله، بينه وبين النبيين، ثم ذهبت إلى ورقة (^٢).
(وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) معنى صِلَة الرحم: هو الإحسان إلى الأقارب، على حسب حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام، وغير ذلك، قاله النوويّ ﵀.
وقال في "الفتح": ثم استدَلّت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأمر استقرائيّ، وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإما بالبدن، أو بالمال، وإما على مَن يستقل
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦٣٥.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٩١.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
بأمره، أو مَن لا يستقلّ، وذلك كله مجموع فيما وصفته به. انتهى.
(وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ) بضمّ الدال، من صَدَقَ من باب نصر، قال المجد ﵀: الصَّدْقُ بالكسر والفتح: ضدّ الْكَذِب، كالمصدوقة، أو بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، صَدَقَ في الحديث، وصَدَقَ فُلانٌ الحَديثَ، والقتالَ. انتهى (^١).
فقوله: "الحديث" منصوب على المفعوليّة، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصّة زيادة: "وتؤدّي الأمانة" (^٢).
(وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف، هو مَن لا يَسْتَقِلّ بأمره، وأصله الثِّقَل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ الآية [النحل: ٧٦]، ويدخل في حَمْلِ الكَلِّ الإنفاق على الضعيف، واليتيم، والعيال، وغير ذلك، وهو من الكَلال، وهو الإعياء.
(وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح التاء، هذا هو الصحيح المشهور، قال القاضي عياض ﵀: وروايتنا في هذا عن أكثر شيوخنا "تَكْسِب" بفتح التاء، وعند بعضهم "تُكْسِبُ" بضمها، وبالوجهين قرأنا الحرف على الحافظ أبي الحسين في غير هذا الكتاب، وقال أبو العباس ثعلب، وأبو سليمان الخطابيّ، وجماعات من أهل اللغة: يقال: كسبتُ الرجلَ مالًا، وأكسبته مالًا لغتان، وأنشدوا:
فَأَكْسَبَنِي مَالًا وَأَكْسَبْتُهُ حَمْدًا
وأفصحهما باتفاقهم كسبته بحذف الألف.
ومعنى "تُكسِب المعدومَ" - عند من رواه بالضم -: تَكسب غيرَك المالَ المعدوم؛ أي: تعطيه إياه تبرُّعًا، فحُذِف أحد المفعولين، وقيل: معناه تُعطي الناسَ ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد، ومكارم الأخلاق، قال القاضي: وهذا أبلغ في المدح، وأشهر في خُلُق نبيّنا - ﷺ - قبل النبوّة وبعدها.
وأما رواية الفتح، فقيل: معناها كمعنى الضم، وقيل: معناها تُكسب المال المعدومَ، وتُصِيب منه ما يَعْجِز غيرُك عن تحصيله، وكانت العرب تتمادَحُ بكسب المال المعدوم، لا سيَّما قريش، وقد عُرفوا بـ "قُريش التجّار"، وسُمُّوا
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٨١٠.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ٣٤.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
بذلك من التقرّش، وهو التجارة على أحد الأقوال، وكان النبيّ - ﷺ - محظوظًا في تجارته، وخبره بذلك مشهور (^١).
قال النوويّ ﵀: وهذا القول حكاه القاضي عن ثابت (^٢)، صاحب "الدلائل"، وهو ضعيفٌ، أو غَلَطٌ، وأيّ معنى لهذا القول في هذا الموطن، إلا أنه يُمكن تصحيحه بأن يُضَمّ إليه زيادة، فيكون معناه تَكْسِب المال العظيم الذي يَعْجِز عنه غيرك، ثم تَجود به في وجوه الخير، وأبواب المكارم، كما ذَكَرَتْ مِن حَمْلِ الكَلّ، وصِلَة الرَّحِم، وقِرَى الضيف، والإعانة على نوائب الحقّ، فهذا هو الصواب في هذا الحرف.
وأما صاحب "التحرير": فجعل "المعدوم" عبارة عن الرجل المحتاج المُعْدِم العاجز عن الكسب، وسمَّاه معدومًا؛ لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف في المعيشة كتصرف غيره، قال: وذكر الخطابيّ أن صوابه المُعْدِم بحذف الواو، قال: وليس كما قال الخطابيّ، بل ما رواه الرُّواة صواب، قال: وقيل: معنى "تَكْسِب المعدومَ"؛ أي: تسعى في طلب عاجز تُنْعِشه، والكسب هو الاستفادة، وهذا الذي قاله صاحب "التحرير"، وإن كان له بعض الاتجاه كما حررت لفظه، فالصحيح المختار ما قدمته. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٣).
(وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح التاء، قال أهل اللغة: يقال: قَرَيت الضيفَ أَقْرِيه، من باب رَمَى قِرًى، بكسر القاف مقصورًا، وقَراءً بفتح القاف ممدودًا، ويقال للطعام الذي يُضِيفه به: قِرًى، بكسر القاف مقصورًا، ويقال لفاعله: قَارٍ، مثلُ قَضَى، فهو قَاضٍ.
وقال ابن سِيده: قَرَى الضّيْفَ قِرًى، وقَرَاءً: أضافه، واستقراني،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦٣٦ - ٦٣٩.
(٢) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن السَّرَقُسْطيّ من أهل الأندلس العالم المتفنّن البصير بالحديث والفقه والنحو والغريب، تُوفي سنة (٣١٣ هـ)، وكتابه "الدلائل" هو في شرح ما أغفله أبو عبيد، وابن قُتيبة، من غريب الحديث. انظر: "بغية الوعاة" ١/ ٤٨٠.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠١، و"الفتح" ١/ ٣٣ - ٣٤.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
واقتراني، وأدراني: طَلَبَ منّي القِرَى، وإنه لَقَرِيٌّ للضيف، والأنثى قَرِيّةٌ، ويقال أيضًا: إنه لَمِقْرًى للضيف، ومِقْرَاءٌ، والأُنثَى مِقْراةٌ، ومِقْرَاءٌ. انتهى (^١).
(وَثُعِينُ) بضم أوله، من الإعانة، (عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) جمع نائبة، وهي الحادثة والنازلة خيرًا أو شرًّا، والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي: الحقّ ينزل على الشخص، يقال: ناب الأمرُ نَوْبَةً: نَزَلَ، وهي النوائب، والنُّوَبُ.
وإنما قالت: "نوائب الحق"؛ لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشر، قال لبيد [من الطويل]:
نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كِلَاهُمَا … فَلَا الخَيْرُ مَمْدُودٌ وَلَا الشَّرُّ لَازِبُ
قال في "الفتح": قولها: "وتعين على نوائب الحقّ" كلمةٌ جامعةٌ لأفراد ما تقدّم ولما لم يتقدم. انتهى.
(فَانْطَلَقَتْ بِهِ) أي: مَضَت مع النبيّ - ﷺ - فالباء للمصاحبة (خَدِيجَةُ) - ﵁ -، وفي مرسل عُبيد بن عُمير: أنها أمرت أبا بكر أن يتوجه معه، فيحتمل أن يكون عند توجيهها، أو مرّة أخرى (^٢).
(حَتَّى أَتَتْ بِهِ) - ﷺ - (وَرَقَةَ) بفتح الراء (بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ) ووقع عند البخاريّ: بلفظ": "ابن عمّ خديجة"، بدون لفظ "وهو"، قال في "الفتح": هو بنصب "ابن"، ويكتب بالألف، وهو بدل من "ورقة"، أو صفةٌ، أو بيانٌ، ولا يجوز جرُّهُ، فإنه يصير صفة لعبد العُزّى، وليس كذلك، ولا كَتْبُهُ بغير ألف؛ لأنه لم يقع بين علمين. انتهى (^٣).
وقوله: (أَخِي أَبِيهَا) بالجرّ بدل من "عمّ"، وأبوها هو: خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى.
(وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ) أي: صار نصرانيًّا، وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نُفَيل لَمّا كَرِها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألون عن الدين، فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، وكان لَقِيَ مَن بَقِي من الرهبان على دين
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٩٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٩١.
(٣) "الفتح" ١/ ٣٤.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
عيسى ﵇، ولم يُبَدِّل، ولهذا أخبر بشأن النبيّ - ﷺ - والبشارة به، إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل.
وأما زيد بن عمرو، فقد أخرج البخاريّ ﵀ قصّته في "كتاب المناقب" (^١).
[تنبيه]: قال في "الإصابة" (٦/ ٤٧٤ - ٤٧٧): ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصَي القرشيّ الأسديّ ابن عمّ خديجة، زوج النبيّ - ﷺ - ذكره الطبريّ، والبغويّ، وابن قانع، وابن السكن، وغيرهم في الصحابة، وأوردوا كلهم من طريق رَوْح بن مُسافر، أحدِ الضعفاء، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ورقة بن نوفل، قال: قلت:
_________________
(١) (٣٨٢٨) قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو بن نُفيل خرج إلى الشأم، يسأل عن الدين، ويَتّبعه، فلقي عالِمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أَفِرّ إلا من غضب الله، ولا أَحْمِل من غضب الله شيئًا أبدًا، وأَنَّى أستطيعه؟، فهل تدلني على غيره؟، قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد، فلقي عالِمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أَفِرّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأَنَّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم؛ خرج، فلما بَرَزَ رفع يديه، فقال: اللهم إني أَشْهَد أني على دين إبراهيم. وموسى هو ابن عقبة. وقال الليث: كتب إليَّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر - ﵁ - قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نُفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يُحيِي المَوْؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، دان شئت كفيتك مؤونتها.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
يا محمد، كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال: "يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر"، قال ابن عساكر: لم يسمع ابن عباس من ورقة، ولا أعرف أحدًا قال: إنه أسلم، وقد غاير الطبريّ بين صاحب هذا الحديث، وبين ورقة بن نوفل الأسديّ، لكن القصة مغايرة لقصة ورقة التي في "الصحيحين"؛ يعني حديث الباب، وفي آخره: "ولم يَنشَب ورقة أن تُوفّي"، فهذا ظاهره أنه أقرّ بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله - ﷺ - الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بَحِيرا.
وفي إثبات الصحبة له نظر، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق، قال يونس بن بُكير، عن يونس بن عمرو - وهو ابن أبي إسحاق السبيعيّ - عن أبيه، عن جدّه، عن أبي مَيْسَرة، واسمه عمرو بن شُرَحبيل، وهو من كبار التابعين: أن رسول الله - ﷺ - قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً، فقد والله خشيت على نفسي، فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة … " الحديث، فقال له ورقة: "أبشر، ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بَشَّر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركني ذلك لأجاهدنّ معك"، فلما تُوُفّي، قال رسول الله - ﷺ -: "لقد رأيت القُسّ في الجنة، عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي، وصدقني".
وقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" من هذا الوجه، وقال: هذا منقطع.
قال الحافظ: يَعْضِده ما أخرجه الزبير بن بكار، حدثنا عثمان، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، قال: كان بلال لجارية من بَنِي جُمَح، وكانوا يعذِّبونه برمضاء مكة، يُلْصِقون ظهره بالرمضاء؛ لكي يُشْرِك، فيقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فيمر به ورقة، وهو على تلك الحال، فيقول: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه، لأتخذنه حنانًا. وهذا مرسلٌ جَيِّدٌ، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبيّ - ﷺ - إلى الإسلام، حتى أسلم بلال.
والجمع بين هذا وبين حديث عائشة أن يُحْمَل قولها: "ولم يَنْشَب ورقة أن تُوُفّي" أي: قبل أن يشتهر الإسلام، ويؤمر النبيّ - ﷺ - بالجهاد.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
لكن يَعْكُر على ذلك ما أخرجه محمد بن عائذ في "المغازي" من طريق عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ابتداء الوحي، وفيها قصة خديجة مع ورقة بنحو حديث عائشة، وفي آخرها: لئن كان هو، ثم أظهر دعاءه، وأنا حيء لأُبلينّ اللهَ من نفسي في طاعة رسوله، وحسن مؤازرته، فمات ورقة على نصرانيته. كذا قال، لكن هذا لا يُعارض ما سبق؛ لأن عثمان ضعيف.
قال الزبير: كان ورقة قد كَرِه عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب، وكانت خديجة تسأله عن أمر النبيّ - ﷺ -، فيقول لها: ما أراه إلا نبيّ هذه الأمة، الذي بَشَّر به موسى وعيسى.
وفي "المغازي" الكبير لابن إسحاق، وساقه الحاكم من طريقه، قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفيّ، وكان راعيه، قال: قال ورقة بن نوفل فيما كانت خديجة ذَكَرت له من أمر رسول الله - ﷺ -:
يَا لِلرِّجَالِ وَصَرْفِ الدَّهْرِ وَالقَدَرِ
الأبيات، وفيها:
هَذِي خَدِيجَةُ تَأْتِينِي لأُخْبِرَهَا … وَمَا لَنَا بخَفِيِّ الغَيْبِ مِنْ خَبَرِ
بِأَنَّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ … جِبْرِيلُ أَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى البَشَرِ
فَقُلْتُ عَلَّ الَّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ … لَهُ الإِلَهُ فَرَجِّي الخَيْرَ وَانْتَظِرِي
وأخرج ابن عديّ في "الكامل" من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبيّ، عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -: "رأيت ورقة في بُطنان الجنة، عليه السندس".
قال ابن عديّ: تفرد به إسماعيل، عن أبيه.
وأخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأمويّ، عن مجالد، لكن لفظه: "رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة، لأنه كان يقول: ديني دين زيد، وإلهي إله زيد".
وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في "تاريخه" من هذا الوجه.
وأخرج البزَّار من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
[ ٤ / ٣٨٨ ]
عائشة، قالت: "إن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن سبّ ورقة "، وهو في زيادات المغازي ليونس بن بكير، أخرجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سابّ أخٌ لورقة رجلًا، فتناول الرجل ورقة، فسبّه، فبلغ النبيّ - ﷺ -، فقال: "هل علمتَ أني رأيت لورقة جنة أو جنتين؟ "، فنَهَى عن سبّه.
وأخرجه البزَّار من طريق أبي أسامة، عن هشام مرسلًا.
وأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: أن خديجة سألت النبيّ - ﷺ - عن ورقة بن نوفل، فقال: "قد رأيته، فرأيت عليه ثيابًا بيضًا، فأحسبه لو كان من أهل النار، لم يكن عليه ثياب"، انتهى ما في "الإصابة" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الآثار، وإن كان في معظمها مقال، لكن مجموعها يدلّ على كون ورقة بن نوفل ممن آمن بالنبيّ - ﷺ -، فالحقّ أنه أول من آمن به من الرجال، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هو الوقت قبل رسالة النبيّ - ﷺ -، سُمُّوا بذلك لِمَا كانوا عليه من فاحش الجهالة، وقد تُطلق الجاهليّة، ويراد بها ما قبل دخول المحكيّ عنه في الإسلام، وله أمثلة كثيرة (^٢).
(وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِي، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) هكذا هو في "صحيح مسلم" بلفظ: "الكتاب العربيّ، ويكتب بالعربية"، ووقع في أول "صحيح البخاريّ: "يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية"، وكلاهما صحيح، وحاصلهما أنه تَمَكَّن من معرفة دين النصارى، بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب أيّ موضع شاء منه بالعبرانية إن شاء، وبالعربية إن شاء، قاله النوويّ (^٣).
وقال في "الفتح" عند قوله: "فكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية" ما نصّه: وفي رواية يونس، ومعمر: "ويكتب من الإنجيل بالعربية"، ولمسلم: "فكان يكتب الكتاب العربيّ"، والجميع صحيح؛ لأن ورقة
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٧.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧٦.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
تَعَلَّم اللسان العبرانيّ، والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما كان يكتب الكتاب العربيّ؛ لتمكّنه من الكتابين واللسانين، ووقع لبعض الشُّرّاح هنا خَبْطٌ، فلا يُعَرَّج عليه.
وإنما وَصَفَتْهُ بكتابة الإنجيل، دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرًا كتيسّر حفظ القرآن الذي خُصَّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في صفتها: "أَناجِيلها صدورها".
(وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) - ﵂ - (أَيْ) حرف نداء، كما مرّ البحث عنه قريبًا (عَمِّ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية: "أي ابن عم"، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول، في الأول "عَمّ"، وفي الثاني: "ابن عم"، وكلاهما صحيح، أما الثاني فلأنه ابن عمِّها حقيقةً كما ذكره أوّلًا في الحديث، فإنه ورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بنت خُويلد بن أسد، وأما الأول فسمّته عَمًّا مجازًا؛ للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بـ"يا عمّ"؛ احترامًا له، ورفعًا لمرتبته، ولا يَحصُل هذا الغرض بقولها: "يا ابن عمّ"، انتهى كلام النوويّ (^١).
وتعقّب الحافظ كلام النوويّ هذا، وأن قوله: "أي عمّ" وَهَمٌ؛ لأنه وإن كان صحيحًا؛ لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها مُتّحِدٌ، فلا يُحْمَل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعيّن الحمل على الحقيقة، وإنما جَوَّزنا ذلك فيما مضى في العبرانيّ والعربيّ؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج، فأمكن التعداد، وهذا الحكم يطّردُ في جميع ما أشبهه. انتهى (^٢).
تعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا باحتمال أنها تلفّظت باللفظين، وأن كون القصّة متّحدةً لا ينافي التكلّم باللفظين (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله العينيّ هو الصواب، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٣٤.
(٣) "عمدة القاري" ١/ ١٠١.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
(اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) ذلك لأن والده - ﷺ - عبدَ الله بنَ عبد المطلب، وورقةَ في عدد النسب إلى قُصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسِنِّه.
(قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟) قال في "الفتح": فيه حذفٌ يدُلُّ عليه سياق الكلام، وقد صُرِّح به في "دلائل النبوة" لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد الله بن شَدّاد في هذه القصة، قال: "فأتت به ورقة ابنَ عمها، فأخبرته بالذي رأى".
وفي رواية ابن منده في "الصحابة" من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ورقة بن نوفل، قال: قلت: يا محمد، أخبرني عن هذا الذي يأتيك، قال: "يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر".
(فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَبَرَ ما رَآه) وفي نسخة: "خبر ما رآى"، بحذف العائد؛ لكونه فضلةً، وهو كثير في استعمالهم، كما قال في "الخلاصة":
… وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصلٍ إِنِ انْتَصبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والمعنى: أخبر النبيّ - ﷺ - ورقة القصّة التي جرت بينه وبين جبريل ﵇، كما سبق بيانه.
(فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنون: صاحب السرّ، كما جزم به البخاريّ في "أحاديث الأنبياء"، وزعم ابن ظفر أن "الناموس": صاحب سر الخير، و"الجاسوس": صاحب سر الشر، قال في "الفتح": والأول هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سَوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحدُ فصحاء العرب، والمراد بالناموس هنا جبريل ﵇. انتهى.
وقال القاضي عياض ﵀: قال أبو عبيد في "مصنّفه": الناموس جبريل ﵇، وقال المُطَرِّز: قال ابن الأعرابيّ: لم يأتِ في الكلام فاعول، لام فعله سين إلا الناموس، والجاسوس، والجاروس، والفاعوس، والبابوس، والداموس، والقاموس، والقابوس، والغاطوس، والفانوس، والجاموس.
فالناموس: صاحب سرّ الخير، والجاسوس: صاحب سرّ الشرّ، والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحيّة، والبابوس: الصبيّ الرضيع.
[ ٤ / ٣٩١ ]
وقال غيره: وجاء في شعر ابن الأحمر يذكر ولد الناقة [من البسيط]:
حَنَّتْ قَلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا جَزَعًا … وَمَا حَنِينُكِ أَمْ مَا أَنْتِ وَالذِّكَرُ (^١)
قال الهرويّ: لم يُعرف في شعر غيره، والحرف غير مهموز، قال: ومنه حديث كعب: "أن عابد بني إسرائيل مَسَحَ رأس الصبيّ، فقال: يا بابوس … " (^٢).
والداموس: القبر، والقاموس: وَسَطُ البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والغاطوس: دابّةٌ يُتشاءم بها، والفانوس: النّمّام، والجاموس: ضربٌ من البقر.
قال ابن دُريد في "الجمهرة": جاموس أعجميّ، وقد تكلّمت به العرب، قال رؤبة يصف نفسه بالشدّة [من الرجز]:
لَيْثٌ يَدُق الأَسَدَ الهَمُوسَا … وَالأَقْهَبَيْنِ (^٣) الفِيلَ وَالجَامُوسَا
والجاسوس كلمة عربيّة فاعولٌ من تجسّس، وقال غيره: والحاسوس بالحاء غير معجمة، من تحسّس، وهو بمعنى الجاسوس، وفي "صحيح مسلم": "إن هؤلاء الكلمات بلغن قاعوس البحر" (^٤).
وقال ابن دُريد في "الجمهرة": الكأبوس: هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس: موضع الصائد، وناموس الرجل: صاحب سرّه.
قال القاضي: وحكى الحربيّ عن ابن الأعرابيّ: الناموس: الخدّاعة. انتهى كلام القاضي ﵀ (^٥).
_________________
(١) وفي "اللسان": حَنَتْ قَلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا طَرَبًا … فَمَا حَنِينُكَ أَمْ مَا أَنْتِ وَالذِّكَرُ
(٢) أخرجه الشيخان بنحوه.
(٣) الأقهب: الذي في لونه غُبْرة إلى سواد، وقيل: حمرة فيها غُبرة، وقيل: هو الأبيض الأكدر.
(٤) قال النوويّ: ضبطناه بوجهين: أشهرهما ناعوس بالنون والعين، والثاني: قاموس بالقاف والميم، وذكر عياض أن أكثر نسخ مسلم عندهم فيها: قاعوس بالقاف والعين، وروي تاعوس بالتاء والعين. انتهى.
(٥) "إكمال المعلم" ١/ ٦٣٩ - ٦٤٣.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: نظمت هذه الألفاظ بقولي:
لَمْ يَأْتِ فِي الكَلَامِ فَاعُولٌ إِذَا … يَكُونُ لَامُ فِعْلِهِ سِينًا خُذَا
إِلَّا الَّذِي سُمِعَ كَالنَّامُوسِ … جَاسُوسَهُمْ أَلْحِقْهُ بِالحَاسُوسِ
فَاعُوسُهُمْ بَابُوسُهُمْ دَامُوسُ … قَامُوسُهُمْ قَابُوسُهُمْ غَاطُوسُ
فَانُوسُهُمْ جَارُوسُهُمْ جَامُوسُ … قَاعُوسُهُمْ كَذَلِكَ الكَابُوسُ
فَهَذِهِ الأَلْفَاظُ بِالفَاعُولِ … مَوْزُونةٌ فَخُذْ بِلَا ذُهُولِ
وقال النوويّ ﵀: "الناموس" - بالنون، والسين المهملة - هو جبريل ﵇، قال أهل اللغة، وغريب الحديث: الناموس في اللغة: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سرّ الشر، ويقال: نَمَستُ السِّرّ - بفتح النون والميم - أَنْمِسه - بكسر الميم - نَمْسًا؛ أي: كتمته، ونَمَسْتُ الرجل، ونامسته: ساررته، واتفقوا على أن جبريل ﵇ يُسَمَّى الناموس، واتفقوا على أنه المراد هنا، وقال الهرويّ: وسُمّي جبريل ﵇ ناموسًا؛ لأن الله تعالى خصّه بالوحي والغيب. انتهى (^١).
(الَّذِي أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية للبخاريّ: "نَزَّل الله"، وفي لفظ: "أنزَلَ الله" (عَلَى مُوسَى - ﷺ -) أشار بقوله: "هذا إلى الملك الذي ذكره النبيّ - ﷺ - في خبره، ونَزَّله مَنْزِلة القريب؛ لقرب ذكره.
قال النوويّ ﵀: قوله: "الذي أنزل على موسى - ﷺ - " كذا هو في "الصحيحين" وغيرهما، وهو المشهور، ورَوَيناه في غير الصحيح: "نزل على عيسى - ﷺ -، وكلاهما صحيح. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "على موسى"، ولم يقل: على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى ﵇ مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى، وكذلك النبيّ - ﷺ -، أو لأن موسى بُعِثَ بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، كذلك وقعت النقمة على يد النبيّ - ﷺ - بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام، ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى، فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوّته.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٣.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
وأما ما تَمَحَّل له السهيليّ، من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم، فهو محالٌ لا يُعَرَّج عليه في حقّ ورقة وأشباهه، ممن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمن بَدَّل.
على أنه قد وَرَدَ عند الزبير بن بَكّار من طريق عبد الله بن معاذ الزهريّ في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ ضعيف.
نعم في "دلائل النبوة" لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة، أن خديجة أوّلًا أتت ابن عمها ورقة، فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنتِ صَدَقْتِني إنه ليأتيه ناموس عيسى، الذي لا يُعَلِّمه بنو إسرائيل أبناءهم، فعلى هذا فكان ورقة يقول تارةً: ناموس عيسى، وتارةً ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبيّ - ﷺ - له قال له: ناموس موسى؛ للمناسبة التي قدمناها، وكل صحيح، والله ﷾ أعلم. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
(يَا لَيْتَنِي) قال أبو البقاء العكبريّ: المنادى هنا محذوف، تقديره: يا محمد ليتني كنت حيًّا، نحو قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٧٣]، تقديره: يا قوم ليتني، والأصل أن "يا" إذا وليها ما لا يصلح للنداء، كالفعل في نحو: (ألا يا اسجدوا)، والحرف في نحو: "يا ليتني"، والجملة الاسميّة، في نحو قوله [من البسيط]:
يَا لَعْنَةَ الله وَالأَقْوَامِ كُلِّهِمِ … وَالصَّالِحِينَ عَلَى سَمْعَانَ مِنْ جَارِ
فقيل: هي للنداء، والمنادى محذوف، وقيل: هي لمجرّد التنبيه؛ لئلا يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها.
وقال ابن مالك في "الشواهد": ظنّ أكثر الناس أن "يا" التي تليها "ليت" حرف نداء، والمنادى محذوف، وهو عندي ضعيفٌ؛ لأن قائل "ليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، كقول مريم: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]، وكأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه مستعملًا فيه ثبوته، كحذف المنادى قبل أمر، أو دعاء، فإنه يجوز حذفه؛ لكثرة ثبوته ثمّ، فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]،
[ ٤ / ٣٩٤ ]
وقبل الدعاء: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ومن حذفه قبل الأمر: "ألا يا اسجدوا" في قراءة الكسائيّ؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا، وقبل الدعاء قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى البِلَى … وَلَا زَالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ
أي: يا دارُ اسلمي، فحسّن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، بخلاف "ليت"، فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتًا، فادّعاء حذفه باطلٌ، فتعيّن كون "يا" هذه لمجرّد التنبيه، مثلُ "ألا" في نحو قوله [من الطويل]:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ (^١)
(فِيهَا) الضمير يعود إلى أيام النبوة ومدتها، أو في أيام الدعوة، وقوله: (جَذَعًا) يعني: شابًّا قويًّا حتى أبالغ في نصرتك، والأصل في الجذَع للدواب، وهو هنا استعارة.
وقوله: "جَذَعًا" هذه هي الرواية المشهورة في "الصحيحين" وغيرهما بالنصب، قال القاضي عياض: ووقع في رواية ابن ماهان: "جَذَعٌ" بالرفع، وكذلك هو في رواية الأصيلي في البخاريّ، وهذه الرواية ظاهرة، وأما النصب فاختَلَفَ العلماء في وجهه، فقال الخطابيّ، والمازريّ وغيرهما: نُصِب على أنه خبر "كان" المحذوفة، تقديره: ليتني أكونُ فيها جَذَعًا، وهذا يجيء على مذهب النحويين الكوفيين، وقال القاضي: الظاهر عندي أنه منصوبٌ على الحال، وخبر "ليت" قوله: "فيها".
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره القاضي، هو الصحيح الذي اختاره أهلُ التحقيق والمعرفة من شيوخنا وغيرهم، ممن يعتمد عليه. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "يا ليتني فيها جذعٌ" كذا في رواية الأصيليّ، وعند الباقين: "يا ليتني فيها جذعًا" بالنصب على أنه خبر "كان" المقدرة، قاله الخطابيّ، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٧١]، وقال ابن بَرِّيّ: التقدير: يا ليتني جُعِلتُ فيه جَذَعًا، وقيل: النصب على الحال، إذا جُعِلَت "فيها" خبر "ليت"، والعامل في الحال ما يَتَعَلَّق
_________________
(١) وللعينيّ اعتراض على كلام ابن مالك هذا تركته لعدم جدواه. انظر: "عمدته" ١/ ١٠٦.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
به الخبر، من معنى الاستقرار، قاله السهيليّ، وضمير "فيها" يعود على أيام الدعوة.
و"الجَذُع" - بفتح الجيم والذال المعجمة -: هو الصغير من البهائم، كأنه تَمَنَّى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابًّا، ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سِرُّ وصفه بكونه كان كبيرًا أعمى.
(يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) وفي رواية البخاريّ: "إذ يُخرجك قومك"، بـ "إذ"، قال ابن مالك ﵀: فيه استعمال "إذ" في المستقبل كـ"إذا"، وهو صحيح وغَفَلَ عنه أكثر النحاة (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية [مريم: ٣٩].
قال الحافظ: هكذا ذكره ابن مالك، وأقرّه غير واحد، وتعقّبه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ - بأن النحاة لم يُغْفِلُوه، بل منعوا وروده، وأوّلوا ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استَعْمَلَ الصيغة الدالة على المضيّ؛ لتحقق وقوعه، فأنزلوه منزلته، ويُقَوّي ذلك هنا أن في رواية البخاريّ في "التعبير": "حين يخرجك قومك"، وعند التحقيق ما ادّعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى؛ لِمَا ينبني عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضيّ؛ تحقيقًا لوقوعه، أو استحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك، مع وجوده في أفصح الكلام، وكأنه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال (^٢).
وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شابًّا، وهو مستحيل عادةً، ويظهر لي أن التمني ليس مقصودًا
_________________
(١) تعقّب الطيبيّ قوله: "غفل عنه أكثر النحاة"، فقال: ليس التنبيه عليه من وظيفتهم، بل من وظيفة أهل المعانيّ، إما وضعًا للآتي موضع الماضي قطعًا بوقوعه، كإخبار الله تعالى عن المستقبل، أو استحضارًا للصورة الآتية في مشاهدة السامع تعجّبًا وتعجيبًا، ولذلك قال - ﷺ -: "أوَ مخرجيّ هم؟ "؛ استبعادًا للإخراج، وتعجّبًا منه. راجع: "الكاشف" ١٢/ ٣٧٢١.
(٢) وللعينيّ تعقب على كلام الحافظ هذا، فانظره في: "عمدة القاري" ١/ ١٠٧.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
على بابه، بل المراد من هذا التنبيهُ على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ") - بفتح الواو، وتشديد الياء المفتوحة - هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح المشهور تشديدها، وهو مثل قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهو جمع مُخْرج، فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف؛ لئلا يجتمع الكسرة، والياءان بعد كسرتين، قاله النوويّ.
فـ "هم" مبتدأ مؤخرٌ، و"مُخْرِجِيَّ" خبر مقدم، ولا يجوز العكس؛ لأن مخرجيّ نكرة؛ لأنه اسم فاعل، وإضافته لفظيّة، لا تفيد تعريفًا، ولا تخصيصًا، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ يُشَابِهِ المُضَافُ "يَفْعَلُ" … وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لَا يُعْزَلُ
ولو رُوي "مخرجي" مخفّف الياء على أنه مفرد لجاز جعله مبتدأ، وما بعده فاعلٌ سَدَّ مسدّ الخبر؛ لأن مخرجي معتمد على الاستفهام مسند إلى ما بعده؛ لأنه وإن كان ضميرًا، إلا أنه منفصلٌ، والضمير المنفصل يجري مجرى الاسم الظاهر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَمُنْجِزٌ أَنْتُمُ وَعْدًا وَثِقْتُ بِهِ … أَمِ اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعًا نَهْجَ عُرْقُوبِ (^٢)
وإنما استبعد النبيّ - ﷺ - أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج؛ لما اشتَمَلَ عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها، وقد استَدَلَّ ابنُ الدَّغِنَةِ بمثل تلك الأوصاف على أن أبا بكر لا يُخْرَجُ.
قال السهيليّ ﵀: يؤخذ منه شدّةُ مفارقة الوطن على النفس، فإنه - ﷺ - سمع قول ورقة: إنهم يؤذونه، ويكذّبونه، فلم يَظْهَر منه انزعاج لذلك، فلمّا ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك؛ لحب الوطن وإِلْفِه، فقال: "أَوَ مُخْرِجِيَّ
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٥ - ٣٦.
(٢) راجع: "الكاشف" ١٢/ ٣٧٢٢، وذكر في "القاموس" أن عرقوب هذا هو ابن صخر، أو ابن معبد بن أسد من العمالقة، أكذب أهل زمانه، وذكر له قصّة، فلتراجع: في مادة عرقب ص ١٠٦.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
هُمْ؟ "، قال: ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام، مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، فأَشْعَر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع، ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله، وجوار بيته، وبلدة الآباء من عهد إسماعيل ﵇. انتهى ملخصًا.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أَمَّله من إيمان قومه بالله، وإنقاذهم به من وَضَرِ الشرك، وأدناس الجاهلية، ومن عذاب الآخرة، وليَتِمَّ له المراد من إرساله إليهم، ويحتمل أن يكون انزَعَجَ من الأمرين معًا. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال ابن مالك ﵀: الأصل في قوله: "أو مخرجيّ هم؟ " وفي أمثاله تقديم حرف العطف على الهمزة كما تُقدّم على غيرها من أدوات الاستفهام، نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١]، ونحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ الآية [الرعد: ١٦]، ونحو: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ [التكوير: ٢٦]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء بعده في أخواتها، فيقال في ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وفي ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠]: فأتطمعون، وأكلّما؛ لأن أداة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجُمَل، والعاطف لا يتقدّم عليه جزء مما عُطف، ولكن خُصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام، لأن الاستفهام له صدر الكلام، وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة، وأرادوا التنبيه عليه، دكانت الهمزة بذاك أولى؛ لأصالتها في الاستفهام، وقد غفل الزمخشريّ في معظم كلامه في "الكشّاف" عن هذا المعنى، فادّعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوف معطوفًا عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا تكلّف، وحذفٌ في موقع لم يثبت فيه الثبوت على ما سبق في "يا ليتني". انتهى.
وتعقّب الطيبيّ كلام ابن مالك هذا، فقال: والجواب أنه لا يجوز فيما نحن فيه أن يُقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة؛ لأن قوله - ﷺ -: "أو مخرجيّ
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٣٧٦.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
هم؟ " جواب ورد على قوله: "إذ يُخرجك قومك" على سبيل الاستبعاد، والتعجُّب، فكيف يستقيم العطف؟ ولأن هذه جملة إنشائيّة، وتلك خبريّة، والحقّ أن الأصل: أمخرجيّ هم؟، فأريدَ مزيد استبعاد وتعجّب، فجيء بحرف العطف على تقدير: أمعاديّ هم، ومخرجيّ هم؟.
وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد؛ لأن مثل هذا الحذف من حلية البلاغة، لا سيّما وقد شُحن التنزيل بمثله، على أن الحذف المردود هو ما لا دليل عليه، ولا أمارة قائمة عليه، والدليل هنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يقدّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف؛ تقريرًا للاستبعاد، وشدًّا لعضده. انتهى (^١).
(قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) وفي رواية للبخاريّ: "إلا أوذي"، فذكر ورقةُ أن العلة في ذلك مجيئه له بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه عَلِمَ من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، وأنه يلزمه لذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثَمّ، وفيه دليل على أن المجيب يُقِيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضاه.
(وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ) أي: وقت إخراجك، أو وقت إظهار الدعوة، أو وقت الجهاد.
فـ "إن" شرطية، والفعل بعدها مجزوم، زاد في رواية للبخاريّ: "حَيًّا"، ولابن إسحاق: "إن أدركت ذلك اليوم"، يعني: يوم الإخراج.
قال الطيبيّ: يريد الزمان الذي أظهر فيه الدعوة، وعاداه قومه فيه، وقصدوا إيذاءه، وإخراجه. انتهى.
(أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) - بفتح الزاي، وبهمزة قبلها -؛ أي: قويًّا بالغًا، مأخوذ من التأزير، بمعنى التقوية، وأصله من الأَزْر، وهو القوّة، وأنكر القزّاز أن يكون في اللغة مُؤَزَّر، من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته، كما قال الأخطل [من البسيط]:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٧٢٢.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
وقال القاضي عياض ﵀: كذا جاءت الرواية "مؤزّرًا" قال بعضهم (^١): أصله "مُوَازَرًا"؛ لأنه من وازرتُ؛ أي: عاونتُ، ويقال فيه: آزرتُ، قال: ويحتمل أن الألف سقطت أمام الواو على التأويل؛ إذ لا أصل لـ"مؤزّر" في الكلام.
قال القاضي: وقد ظهر لي أنه صحيحٌ على ما جاءت به الرواية، وأنه أولى، وأليق بالمعنى، والمراد نصرًا قويًّا، مأخوذ من الأَزْر، وهو القوّة، ومنه تأزّر النبتُ: إذا اشتدّ وطال، قال الله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، قيل: قوّتي، وقيل: ظهري، ولو كان على ما ذهب إليه هذا القائل لكان صواب الكلام "مُوَازِرًا" بكسر الزاي، وبعد أن ظهر لي هذا وجدت معناه مُعلّقًا عن بعض المشايخ، ووجدته للخطابيّ، وهو كلام صحيح. انتهى (^٢).
[تنبيهات]:
[الأول]: زاد في رواية البخاريّ: "ثُمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ". قال في "الفتح": قوله: "لم يَنْشَب " - بفتح الشين المعجمة - أي: لم يَلْبَث، وأصل النُّشُوب: التعلَّق؛ أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا بخلاف ما في "السيرة" لابن إسحاق أنّ ورقة كان يَمُرُّ ببلال، وهو يُعَذَّب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام، فإن تمسكنا بالترجيح، فما في الصحيح أصحّ، وإن لحظنا الجمع أمكن أن يقال: الواو في قوله: "وفَتَرَ الوحيُ" ليست للترتيب، فلعلّ الراوي لم يَحْفَظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاءَ أمره بالنسبة إلى علمه، لا إلى ما هو الواقع، وفتورُ الوحي عبارة عن تأخره مُدَّةً من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان - ﷺ - وَجَدَهُ من الرَّوْع، وليحصل له التّشَوُّف إلى العَوْد، فقد روى البخاريّ من طريق معمر، عن الزهريّ ما يدُلّ على ذلك.
[الثاني]: ردّ العلامة ابن القيم ﵀ بهذه الزيادة - أعني قوله: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي" - ما وقع في "السيرة النبوية" لابن إسحاق: أن ورقة كان يَمُرّ ببلال، والمشركون يعذبونه، وهو يقول: أحدٌ أحد، فيقول: أحدٌ والله يا
_________________
(١) هو القزاز القيروانيّ.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦٤٦ - ٦٤٧.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
بلال … إلخ، فقال: هذا وَهَمٌ؛ لأن ورقة قال: "وإن أدركني يومك حيًّا لأنصرنك نصرًا مؤزرًا"، فلو كان حيًّا عند ابتداء الدعوة، لكان أوّل من استجاب، وقام بنصر النبيّ - ﷺ - كقيام عمر وحمزة.
وتعقّبه الحافظ، بأن ورقة إنما أراد بقوله: "فإن يدركني يومك حيًّا أنصرك" اليوم الذي يُخرجونك فيه؛ لأنه قال ذلك عند قوله: "أوَ مخرجيّ هم؟ "، وتعذيب بلال كان في أول الدعوة، وبين ذلك وبين إخراج المسلمين من مكة للحبشة، ثم للمدينة مدةٌ متطاولةٌ، والله تعالى أعلم (^١).
[الثالث]: وقع في "تاريخ أحمد بن حنبل" عن الشعبي أن مُدّة فترة الوحي، كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحَكَى البيهقيُّ أن مُدّة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده، وهو ربيع الأول، بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين، وهي ما بين نزول: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، و﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] عدمُ مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط.
قال الحافظ: ثم راجحت المنقول عن الشعبى من "تاريخ الإمام أحمد"، ولفظه من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ: "أُنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يُعَلِّمه الكلمةَ والشيءَ، ولم يَنْزِل عليه القرآن على لسانه، فلما مَضَت ثلاث سنين قُرِن بنبوته جبريل، فنَزَل عليه القرآنُ على لسانه عشرين سنة".
وأخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصرًا، عن داود بلفظ: "بُعِث لأربعين، ووُكِل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وُكِل به جبريل"، فعلى هذا فيحسن - بهذا المرسل إن ثبتَ - الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشر، ولا يتعلّق ذلك بقدر مدّة الفترة، والله أعلم.
وقد حَكَى ابن التين هذه القصّة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل، وأنكر الواقديّ هذه الرواية المرسلة، وقال: لم يُقْرَن به من الملائكة إلا جبريل. انتهى.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٨/ ٥٩٢.
[ ٤ / ٤٠١ ]
ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مُقَدَّم على النافي، إلا إن صَحِبَ النافي دليلُ نفيه فيُقَدَّم، والله أعلم.
وأخذ السُّهَيليّ هذه الرواية، فجَمَع بها المختلف في مكثه - ﷺ - بمكة، فإنه قال: جاء في بعض الروايات المسندة أنّ مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال: مَكَثَ عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما، وهذا الذي اعتمده السهيليّ من الاحتجاج بمرسل الشعبيّ لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أيامًا، قاله في "الفتح" (^١).
[الرابع]: زاد البخاريّ في "كتاب التعبير" (٦٩٨٢) من رواية معمر عن الزهريّ بعد قوله: "ثم لم يَنْشَب ورقة أن تُوفِّي، وفتر الوحي" ما نصّه: "فترةً حتى حَزِن النبيّ - ﷺ - فيما بلغنا حُزْنًا غَدَا منه مرارًا كي يَتَرَّدى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي منه نفسه تَبَدَّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جَأْشُهُ (^٢)، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك".
[تنبيه]: زاد أبو عوانة في "مسنده" في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال: فأخبرني عروة بن الزبير، قال: وقد كانت خديجة تُوفّيت قبل أن يُفرض من الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: "أُريتُ لخديجة بيتًا من قَصَبِ لا سَخَبَ فيه، ولا نصب"، وهو قصب اللؤلوء. انتهى، والله تعالى أعلمَ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٦ - ٣٧.
(٢) "الجأش": النفس، فيكون قوله: "وتقرّ نفسه" تأكيدًا.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٩/ ٤١٠ و٤١١ و٤١٢] (١٦٠)، و(البخاريّ) في "بدء الوحي" (٣)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٢)، و"التفسير" (٤٩٥٣ و٤٩٥٥ و٤٩٥٦ و٤٩٥٧)، و"التعبير" (٦٩٨٢)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٩٧١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣)، وأبو عوانة في "مسنده" (٣٢٧)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٠٥ و٤٠٦ و٤٠٧)، وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ١٣٥ - ١٣٦)، و(الآجريّ) في "الشريعة" (ص ٤٣٩ - ٤٤٠)، و(ابن جرير) في "تفسيره" (٣٠/ ١٦١ - ١٦٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومناسبته لذكره في أبواب الإيمان من حيث إن الإيمان هو التصديق بالجنان، والقول باللسان،
والعمل بالجوارح والأركان بكلّ ما جاء الرسول - ﷺ - من عند الرحمن، وذلك لا يكون إلا عن طريق الوحي، فتأمله بالإيقان.
٢ - (ومنها): التصريح من عائشة عنها بأن رؤيا النبيّ - ﷺ - من جملة أقسام الوحي، وهو محلّ وفاق.
٣ - (ومنها): مشروعيّة اتّخاذ الزاد، وأنه لا ينافي التوكّل، فقد اتّخذه سيّد المتوكلين - ﷺ -.
٤ - (ومنها): الحضّ على التعليم ثلاثًا بما فيه مشقّة، كما فتل النبيّ - ﷺ - أذن ابن عبّاس - ﵄ - في إدارته إلى جهة اليمين في الصلاة.
٥ - (ومنها): ما استنبطه منه شُريح القاضي ﵀ أنه لا يُضرب الصبيّ على القرآن إلا ثلاثًا، كما غطّ جبريل ﵇ النبيّ - ﷺ - ثلاثًا.
٦ - (ومنها): بيان كمال كرمه ﷾ بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
٧ - (ومنها): بيان فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا تُحصى؛ إذ بها دُوِّنت العلوم، وقُيِّدت الحِكَم، وضُبطت أخبار الأولين، وحُفظت كُتب الله المنزّلة، واستقامت أمور الدين والدنيا.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
٨ - (ومنها): بيان أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبه يقول الجمهور، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وقيل: أوله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] وليس بشيء. انتهى.
وأما قول جابر - ﵁ - الآتي: "فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، فمحمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، وقيل: إن أول ما نزل الفاتحة، وهو قول شاذّ، لا يُلتفت إليه.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهي أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم، فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البريّة آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهنيّ، ولفظيّ، ورسميّ، والرسميّ يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥]، وفي الأثر: "قيّدوا العلم بالكتابة" (^١)، وفيه أيضًا: "من عَمِلَ بما عَلم رزقه الله عِلم ما لم يعلم" (^٢). انتهى كلام ابن كثير ﵀ (^٣).
٩ - (ومنها): أنه استدلّ به بعض من يقول: إن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ليست من القرآن في أوائل السور؛ لكونها لم تُذكر هنا، وأجاب المثبتون لها بان البسملة لم تنزل أوّلًا، بل نزلت في وقت آخر، كما نزل باقي السور.
وقال السهيليّ ﵀: في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دليلٌ من الفقه على
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البرّ في "جامع العلم وفضله" (٣٩٥)، وروي موقوفًا ومرفوعًا، وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه، راجع: "صحيح الجامع" ٢/ ٨١٦ (٤٤٣٤)، و"السلسلة الصحيحة" رقم (٢٠٢٦).
(٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ١٤ - ١٥) بنحوه، وحكم الشيخ الألباني بوضعه في "الضعيفة" (٤٢٢).
(٣) "تفسير ابن كثير" ١٤/ ٣٩٨.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم، لم يتبيّن له بأي اسم من أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعدُ في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، ثم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ثم بعد ذلك كان ينزل جبريل ﵇ بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مع كلّ سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع الصحابة - ﵃ - على ذلك، وحين نزلت "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" سبّحت الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال، ذكره النقّاش.
وتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: دعوى الوجوب تحتاج إلى دليل، وكذلك دعوى نزول جبريل ﵇ بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مع كلّ سورة، وثبوتها في سواد المصحف لا يدلّ على وجوب قراءتها، وما ذكره النقّاش في "تفسيره" فقد تكلّموا فيه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنه لا دليل على وجوب قراءتها، بل هي على الاستحباب، ومما يدلّ على عدم الوجوب حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أخرجه المصنّف: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي … " وفيه: "فماذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين … " الحديث، وما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الترمذيّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: "سورة من القرآن، ثلاثون آية، تشفع لصاحبها حتى يُغفَر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] "؛ إذ لم يبدأها بالبسملة.
والحاصل أن قراءة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مستحبّ، لا واجب، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن من فَزع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه فَزَعه، ومن ثَمّ قال الإمام مالك ﵀: إن المذعور لا يلزمه بيعٌ، ولا إقرار، ولا غيره.
١١ - (ومنها): أن مكارم الأخلاق، وخصال الخير سبب للسلامة من
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ١١٤.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
مصارع السوء، وأنواع المكاره، فمن كثر خيره، حسُنت عاقبته، ورُجي له سلامة الدين والدنيا.
١٢ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه؛ لمصلحة، ولا يعارضه ما أخرجه المصنّف من حديث المقداد - ﵁ -، مرفوعًا: "إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب"؛ لأن هذا فيما إذا كان المدح بباطل، أو يؤدّي إلى باطل، كالعجب، ورؤية النفس.
١٣ - (ومنها): أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة، وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له.
١٤ - (ومنها): أن فيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة - ﵂ -، وجَزَالة رأيها، وقوّة نفسها، وعَظيم فقهها، فقد جمعت في وصفها للنبيّ - ﷺ - جميع أنواع أصول المكارم، وأمهاتها؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، وإما إلى الأجانب، وإما بالبدن، وإما بالمال، وإما على من يستقلّ بأمره، وإما على غيره.
١٥ - (ومنها): جواز ذكر الشخص بالعاهة التي فيه، ككونه أعمى، أو أعرج، أو أشلّ، أو نحو ذلك، وأنه لا يكون من الغيبة المحرّمة، لكن بشرط أن لا يقصد تنقيصه، بل لمجرّد التعريف بها، لاشتهاره بها، وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَذِكْرُهُ بِالوَصفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ
١٦ - (ومنها): أن من نزل به أمرٌ يُستحبّ أن يُطلِع من يَثِقُ بنصحه، وصحّة رأيه.
١٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المجيب يقيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضى المقام؛ فإن خديجة رلمحنها أقامت على قولها: "ما يُخزيك الله أبدًا" دليلًا، وهو قولها: "إنك لتصل الرحم … إلخ".
١٨ - (ومنها): الإرشاد إلى أن صاحب الحاجة يُقَدِّم بين يديه من يعرف بقدره، ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة - ﵂ - لورقة: اسمع من ابن أخيك، أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبيّ - ﷺ -، وذلك أبلغ في التعليم.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
١٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "فغطني الثالثة" أن مَن يريد التأكيد في أمر، وإيضاح البيان فيه ينبغي له أن يكرره ثلاثًا، كما كان - ﷺ - يفعل ذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا".
قال في "الفتح": ولعل الحكمة في تكرير الإقراء الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث: القول، والعمل، والنية، وأن الوحي يشتمل على ثلاث: التوحيد، والأحكام، والقَصَص، وفي تكرير الغطّ الإشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقدت له، وهي الحصر في الشِّعب، وخروجه في الهجرة، وما وقع له يوم أُحُد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول التيسير له عقب الثلاث المذكورة، في الدنيا، والبرزخ، والآخرة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قد نظم الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقيّ ﵀ قصة بدء الوحي في "ألفيّة السيرة"، فقال:
حَتَّى إِذَا مَا بَلَغَ الرَّسُولُ … الأَرْبَعِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ
وَهْوَ بِغَارٍ بِحِرَاءٍ مُخْتَلِي … فَجَاءَهُ بِالوَحْي مِنْ عِنْدِ العَلِي
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَكَانَ قَدْ خَلَتْ … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ ثَمَانٌ إِنْ ثَبَتْ
وَقِيلَ فِي سَابِعِ عِشْرِي رَجَبِ … وَقِيلَ بَلْ فِي رَمَضَانَ الطَّيِّبِ
قَالَ اقْرَأْ وَهْوَ فِي المِرَارِ … يُجِيبُ نُطْقًا مَا أَنَا بِقَارِي
فَغَطَّهُ ثَلَاثَةً حَتَّى بَلَغْ … الجُهْدَ فَاشْتَدَّ لِذَاكَ وَانْصَبَغْ
أَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ أَوَّلَ العَلَقْ … قَرَأَهُ كَمَا لَهُ بِهَا نَطَقْ
وَكَوْنُ ذَا الأَوَّلَ فَهْوَ الأَشْهَرُ … وَقَيلَ بَلْ يَا أَيُّهَا المُدَّثّرُ
وَقِيلَ بَلْ فَاتِحَةُ الكِتَابِ … وَالأَوَّلُ الأَقْرَبُ لَلصَّوَابِ
جَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ الأَمِينَهْ … يَشْكُو لَهَا مَا قَدْ رَآهُ حِينَهْ
فَثَبَّتَتْهُ إِنَّهَا مُوَفَّقَهْ … أَوَّلَ مَا قَدْ آمَنَتْ مُصَدِّقَهْ
ثُمَّ أَتَتْ بِهِ تَؤُمُّ وَرَقَهْ … قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى فَصَدَّقَهْ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٩ "كتاب التفسير" رقم (٤٩٥٤).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
فَهْوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيًا … وَكَانَ بَرًّا صَادِقًا مُوَافِيَا (^١)
وَالصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ … رَأَى لَهُ تَخْضُخُا (^٢) فِي الجَنَّهْ
أَقَامَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ البِعْثَةِ … ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِغَيْرِ مِرْيَةِ
وَقِيلَ عَشْرًا أَوْ فَخَمْسَ عَشْرَهْ … قَوْلَانِ وَهَّمُوهُمَا بِمَرَّهْ
فَكَانَ فِي صَلَاتِهِ يَسْتَقْبِلُ … بِمَكَّةَ القُدْسَ وَلَكِنْ يَجْعَلُ
البَيْتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْضًا … فِيمَا أَتَى تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضَا
وَبَعْدَ هِجْرَةٍ كَذَا لِلْقُدْسِ … عَامًا وَثُلْثًا أَوْ وَنِصْفَ سُدْسِ
وَحُوِّلَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ القِبْلَةُ … لِكَعْبَةِ اللهِ وَنِعْمَ الجِهَةُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم بأيّ عبادة تعبّد النبيّ - ﷺ - في حراء؟:
(اعلم): أن الذي يجب القطع به أن نبيّنا - ﷺ - لم يكن قبل البعثة على دين قريش، وأهل الشرك، ولا يجوز اعتقاد خلاف هذا، فقد قطع بهذا أئمة الإسلام، قال الإمام أحمد ﵀: من زعمه، فقول سوء، وما حُكي عن بعضهم بخلاف هذا فقد أنكروه، قال في "شرح التحرير": الذي يُقطع به أن هذا القول خطأ، وقال ابن عَقِيل: لم يكن قبل البعثة على دين سوى الإسلام، ولا كان على دين قومه قطّ، بل وُلد مؤمنًا نبيًّا صالحًا على ما كتبه الله تعالى، وعَلِمه من حاله وخاتمته لا بدايته. انتهى (^٣).
ولكن اختَلفوا هل كان - ﷺ - قبل البعثة متعبدًا بشرع أم لا؟ على مذاهب؛ فقيل: إنه - ﷺ - كان متعبدًا قبل البعثة بشريعة آدم ﵇؛ لأنها أول الشرائع، وقيل: بشريعة نوح ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، وقيل: بشريعة إبراهيم ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾
_________________
(١) وفي نسخة الشرح: "مُوَاتِيًا"، وعليه شرحه الشارح.
(٢) أي تحركًا.
(٣) "شرح الكوكب المنير" ٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
[النحل: ١٢٣]، قال الواحدي: وهذا هو الصحيح، قال ابن القشيري في "المرشد": وعُزِيَ إلى الشافعيّ، قال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول، وحكاه صاحب "المصادر" عن أكثر أصحاب أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي الجبائي.
وقيل: كان متعبدًا بشريعة موسى ﵇، وقيل: بشريعة عيسى ﵇؛ لأنه أقرب الأنبياء، ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني كما حكاه عنه الواحدي، وقيل: كان على شرع من الشرائع، ولا يقال: كان من أمة نبي من الأنبياء، أو على شرعه، قال ابن القشيري في "المرشد": وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق، وقيل: كان متعبدًا بشريعة كل من قبله من الأنبياء إلا ما نُسِخ منها واندرس، حكاه صاحب "الملخص"، وقيل: كان متعبدًا بشرع، ولكن لا نَدرِي بشرع مَن تعبده الله، حكاه ابن القشيري، وقيل غير ذلك من الأقوال التي يُستبشع حكايتها.
واختار النووي في "الروضة" تبعًا لإمام الحرمين، وابن القشيريّ، وإِلْكِيا، والغزالي، والآمدي، وغيرهم الوقفَ؛ إذ ليس فيه دلالة عقل، ولا ثبت فيه نصّ ولا إجماع، قال ابن القشيري في "المرشد" بعد حكاية الاختلاف في ذلك: وكل هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يُجَوِّز ذلك، لكن، أين السمع فيه؟. انتهى.
وقال إمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها فائدة، بل تجري مَجْرَى التواريخ المنقولة، ووافقه المازري، والماوردي، وغيرهما.
قال الشوكانيّ: وهذا صحيح، فانه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته، قال: وأقرب هذه الأقوال قول من قال: إنه كان متعبدًا بشريعة إبراهيم ﵇، فقد كان - ﷺ - كثير البحث عنها، عاملًا بما بلغ إليه منها، كما يُعرَف ذلك من كتب السير، وكما تفيده الآيات القرآنية من أمره - ﷺ - بعد البعثة باتباع تلك الملة، فإن ذلك يُشعر بمزيد خصوصية لها، فلو قدّرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها. انتهى (^١).
_________________
(١) "إرشاد الفحول" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٥.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بالتوقّف هو الأرجح؛ لعدم حجة مقنعة، وما ذكروه من الأدلّة فإنها متعارضة متساقطة، على أن الخوض في هذه المسألة ونحوها من فضول الكلام، لا ينبغي شغل الوقت به، إلا أنهم خاضوا كما رأيت، فما وسعنا إلا المشاركة في ترجيح ما يظهر حجته، وقد أشرت إلى هذا في "التحفة المرضية" (^١)، حيثُ قلت:
وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُتَّبِعًا … دِينَ قُرَيْشٍ قَبْلَ بَعْثٍ فَاقْطَعَا
بَلْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ … نَوْعُ العِبَادَةِ فَصَوِّبْ مَنْ سَكَت
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١١] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْي … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا، وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحِميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ تغيّر بعد أن عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على مذهب أهل السنة السنيّة"، وهي (٣٠٧٢) بيتًا.
[ ٤ / ٤١٠ ]
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) هكذا هو في الأصول: "وأخبرني عروة" بالواو، وهو صحيح، والقائل: "وأخبرني" هو الزهريّ، وفي هذه الواو فائدة لطيفة، وقد تقدّمت في مواضع، وهي أن معمرًا سمع من الزهريّ أحاديث، قال الزهريّ فيها: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني عروة بكذا … إلى آخرها، فإذا أراد معمر رواية غير الأول قال: قال الزهريّ: وأخبرني عروة، فأتى بالواو ليكون راويًا كما سمع، وهذا من الاحتياط والتحقيق، والمحافظة على الألفاظ والتحرّي فيها، أفاده النوويّ ﵀ (^١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "قال: قال الزهريّ: فأخبرني عروة" ما نصه: وقع عند مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق مثله، لكن فيه: "وأخبرني" بالواو، لا بالفاء، وهذه الفاء معقّبة لشيء محذوف، وكذلك الواو عاطفة عليه، وقد بيّنه البيهقيّ في "الدلائل" حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلًا، فذكر قصّة بدء الوحي مختصرةً، ونزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ٢]، وقال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله - ﷺ - بذلك، قال الزهريّ: فسمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة … فذكر الحديث مطوّلًا. انتهى (^٢).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمرًا ساق الحديث بمثل لفظ يونس المتقدّم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) بنصب "غير" على الاستثناء، كما قال في "الخلاصة":
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِـ "غَيْرٍ" مُعْرَبَا … بمَا لِمُسْتَثْنًى بِـ "إِلَّا" وَجَبَا
وقوله: (فَوَاللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا) أَي: أن معمرًا قال بدل قول يونس: "لا يُخزِيك الله أبدًا" بخاء معجمة، وياء تحتانية: "لا يحزنك الله أبدًا" بالحاء المهملة، والنون، وهو بفتح أوله، وضمّ ثالثه، ثلاثيًّا، أو بضمّ أوله، وكسر
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٤.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٧١ "كتاب التعبير" رقم (٦٩٨٢).
[ ٤ / ٤١١ ]
ثالثه رباعيًّا، قال الفيّوميّ ﵀: حَزِنَ حَزَنًا، من باب تَعِبَ، والاسم الْحُزْنُ بالضمّ، فهو حَزِينٌ، ويتعدّى في لغة قُريش بالحركة، يقال: حَزَنَني الأمرُ يَحْزُنُني، من باب قَتَلَ، قاله ثَعْلَبٌ، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومثّلَ الأزهريّ باسم الفاعل والمفعول في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يُستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى (^١).
و"الخِزْيُ" بكسر، فسكون: الذّل والهَوَانُ (^٢)، وفي "القاموس": خَزِيَ كرَضِيَ خِزْيًا بالكسر، وخَزًى: وَقَعَ في بليّة وشُهْرة، فذلُّ بذلك. انتهى (^٣).
و"الحُزنُ": بضمّ، فسكون، و"الحَزَنُ" بالتحريك: الهَمّ (^٤).
وقوله: (وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ … إلخ) يعني: أن معمرًا أيضًا قال في روايته: "أي ابن عمّ" بدل قول يونس: "أي عمّ"، وقد تقدّم أنه قيل: إن قوله: "عمّ" وَهَمٌ، ولكن الصواب أنه لا وَهَمَ، بل له وجه صحيح، كما أسلفت تحقيقه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف ﵀ أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٤٧٦٨) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهريّ، فذكر حديثًا، ثم قال: قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراءً، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فتزوّده لمثلها، حتى فَجِئه الحقّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني، فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٤.
(٢) "المصباح" ١/ ١٦٨.
(٣) "القاموس" ص ١١٥١.
(٤) "القاموس" ص ١٠٧١.
[ ٤ / ٤١٢ ]
فأخذني، فغطني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] "، قال: فرجع بها، تَرْجُف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: "زمّلوني، زملوني"، فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: "يا خديجة، ما لي؟ " فأخبرها الخبر، قال: "وقد خشيت عليّ"، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصَي، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يَكْتُب، وكان شيخًا كبيرًا، قد عَمِي، فقالت خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ﵇، يا ليتني فيها جذعًا، أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أوَ مُخْرِجيَّ هم؟ " فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنشَب ورقة، أن تُوفي، وفتر الوحي فترةً، حتى حزن رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا حزنًا غَدَا منه مرارًا كي يَتَرَدَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي نفسه منه، تَبَدَّى له جبريل ﵇، فقال له: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جَأْشَهُ، وتَقَرّ نفسه ﵊، فيرجع: فإذا طالت عليه، وفتر الوحي غَدَا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبَدَّى له جبريل ﵇، فقال له مثل ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق الإمام أحمد رواية معمر، وفيها هذه الزيادة، "ثم لم يَنْشَب ورقة … إلخ"، وهو أيضًا كذلك في، "مصنّف عبد الرزاق" ٥/ ٣٢١ - ٣٢٣ رقم (٩٧١٩)، وهكذا ساقه البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٦٩٨٢) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، (ح) وَحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: "أول ما بدئ به
[ ٤ / ٤١٣ ]
رسول الله - ﷺ - " بلفظ أحمد وفيه هذه الزيادة، وهكذا ساقه الإمام ابن حبّان في "صحيحه" (٣٣)، وفيه هذه الزيادة أيضًا.
والظاهر أن المصنّف وقعت له رواية معمر هذه مختصرة دون هذه الزيادة، ومما يؤكّد هذا استثناؤه بقوله: "غير أنه قال … إلخ"، فإن قوله: "لا يخزيك الله" وقع عند جميعهم بلفظ: "لا يُخزيك الله" بالخاء المعجمة والزاي، إلا أن في "الفتح" أشار إلى أنه وقع في رواية الكشميهني بالحاء المهملة والنون (^١)، كما قال المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ"، وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْيهِ: "فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا"، وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٧٥ "كتاب التعبير".
[ ٤ / ٤١٤ ]
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) - بضمّ العين - ابن عَقَيل - بالفتح - الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لعُقيل، يعني: أن عقيلًا روى هذا الحديث، عن الزهريّ، وساقه بمثل رواية يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عن الزهريّ. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ") يعني: أنه اختصر الحديث من أوله، فحذفه إلى قوله: "فرجَع إلى خديجة … إلخ".
وقوله: (وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلهِ: "فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا") يعني: أن عُقيلًا وافق يونس في قوله: "لا يُخزيك الله" بالخاء، والياء، بدل قول معمر: "لا يَحزنك الله" بالحاء والزاي.
وقوله: (وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) يعني: أنه وافق معمرًا في قوله: "أي ابن عمّ … إلخ"، مخالفًا لقول يونس: "أي عمّ … إلخ"، هكذا قال، لكن التي من رواية أحمد: "قالت: أي عمّ" مثل رواية يونس، والظاهر أن المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عُقيل التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٤٦٨١) حدثنا حجاج، أخبرنا ليث بن سعد، قال: حدثني عُقَيل بن خالد، قال: وقال محمد بن مسلم: سمعت عروة بن الزبير، يقول: قالت عائشة زوج النبيّ - ﷺ -: فرجع إلى خديجة يَرْجُفُ فؤاده، فدخل، فقال: "زَمِّلُوني، زملوني"، فزُمِّلَ، فلمّا سُرِّي عنه قال: "يا خديجة، لقد أشفقت على نفسي بلاءً، لقد أشفقت على نفسي بلاءً"، قالت خديجة: أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق الحديث، وتَصِلُ الرحم، وتَحْمِل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد، وكان رجلًا قد تنصّر، شيخًا أعمى، يقرأ الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: أي عَمّ، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا
[ ٤ / ٤١٥ ]
ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - بالذي رأى من ذلك، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نُزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك، قال رسول الله - ﷺ -: "أوَ مخرجيَّ هم؟ " قال: نعم، لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به قطّ إلا عُودي، وإن يُدْركني يومك أَنْصُرْك نصرًا مؤزرًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٣] (١٦١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي - قَالَ فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاء، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدّثّر: ١ - ٥] "، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ تتَابَعَ الْوَحْيُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تُوفّي بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقون تقدّموا في أول حديث الباب.
ومن لطائف هذا الإسناد أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة من التابعين على بعض الأقوال، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ -
[ ٤ / ٤١٦ ]
صحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (١٥٤٠) حديثًا، وبقيّة اللطائف تقدّمت في سند أول الباب، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ) - ﵄ - (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال النوويّ ﵀: هذا نوعٌ مما يَتَكَرَّر في الحديث، ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه قال: "عن جابر، وكان من أصحاب النبيّ - ﷺ -"، ومعلوم أن جابر بن عبد الله الأنصاريّ - ﵄ - من مشهوري الصحابة، أشَدُّ شهرة، بل هو أحدُ الستة الذين هم أكثر الصحابة روايةً عن رسول الله - ﷺ -. وجوابه أن بعض الرُّواة خاطب به مَن يَتَوَهَّم أنه يَخْفَى عليه كونه صحابيًّا، فبيّنه إزالة للوهم، واستمرّت الرواية به.
[فإن قيل]: فهؤلاء الرُّواة في هذا الإسناد أئمة جِلّةٌ، فكيف يُتَوَّهم خفاء صحبة جابر - ﵁ - في حقهم؟.
[فالجواب]: أن بيان هذا لبعضهم كان في حالة صغره، قبل تمكّنه ومعرفته، ثم رواه عند كماله كما سمعه.
قال: وهذا الذي ذكرته في جابر يتكرر مثله في كثيرين من الصحابة - ﵃ -، وجوابه كلِّهِ ما ذكرته. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀، بحثٌ نفيسٌ جدًّا، وأما قوله: "من الستة … إلخ"، الصواب من السبعة، وهم الذين جمعتهم في قولي:
المُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عَمَرْ … فَأَنَسُ فَزَوْجَةُ الهَادِي الأَبَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
(كَانَ يُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير جابر - ﵁ -، وقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بيان لمعنى "يُحدّث" - قال في "الفتح": وهو من مراسيل
[ ٤ / ٤١٧ ]
الصحابة كحديث عائشة - ﵂ - الماضي؛ لأن جابرًا - ﵁ -، لم يدركه زمان القصّة، فيحتمل أن يكون سمعها من النبيّ - ﷺ -، أو من صحابيّ آخر حضرها.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الاحتمال في "الفتح"، لكن صرّح جابر - ﵁ - في الرواية التالية بأنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، فزال الاحتمال، حيث ثبت سماعه له منه - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَهُوَ) أي: النبيّ - ﷺ - (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله"، وفي رواية للبخاريّ في "بدء الخلق": "ثم فَتَرَ عنّي الوحي فَتْرَةً" (عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ) أي عن احتباسه وعدم تتابعه، وتواْليه في النزول، قال في "الفتح": ودلّ قوله: "عن فترة الوحي"، وقوله: "الملك الذي جاءني بحراء" على تأخّر نزول "سورة المدّثّر" عن ﴿اقْرَأْ﴾ (^١). (قَالَ) - ﷺ - (فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي) تقدّم الكلام في "فبينا" مستوفًى في شرح المقدّمة، وخلاصته: أن أصلها "بين" الظرفيّة، اشبعت فتحتها، فصارت ألفًا، ويقال أيضًا: "بينما"، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجاء كثيرًا اقتران جوابهما بـ "إذ"، و"إذا"، وليس لازمًا، تقول: بينا زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو: إذا دخل عليه، أو: دخل عليه، ومما دخل عليه "إذا" قوله:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
ومما لم يقترن بهما هذا الحديث حيث قال: (سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاء، فَرَفَعْتُ رَأْسِي) وفي رواية البخاريّ: "فرفعت بصري"، ويؤخذ منه جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاريّ في "كتاب الأدب"، ويُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي عنه.
(فَإِذَا الْمَلَكُ) "إذا" هي الفجائيّة، أي: ففاجأني رؤية الملك (الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل ﵇ كما تقدّم، وقوله: (جَالِسًا) بالنصب هكذا على الحال، وفي رواية البخاريّ: "جالس" بالرفع، وهو على تقدير مبتدأ، أي: فإذا صاحب الصوت هو الملك الذي جاءني بحراء، وهو جالس (عَلَى كُرْسِيٍّ) - بضم
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٧.
[ ٤ / ٤١٨ ]
الكاف، وكسرها -: السرير، جمعه كَراسيّ (^١)، وفي رواية يحيى بن أبي كثير الآتية: "فإذا هو على العرش في الهواء"، وفي لفظ: "فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض".
قال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: "على كرسيّ" هذا يُفسّر معنى العرش في الرواية الأخرى، وأنه كالكرسيّ والسرير، وليس بعرش الرحمن، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، قال أهل اللغة: العرش: السرير، وقيل: سرير الملك. انتهى (^٢).
(بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ") الظرف متعلّق بصفة لـ "كرسيّ"، أي: كائن بينهما (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَجُئِثْتُ) قال النوويّ - ﵀ -: رواه مسلم من رواية يونس، وعُقيل، ومعمر، ثم كلهم عن ابن شهاب، وقال في رواية يونس: "فَجُئِثْتُ" - بجيم مضمومة، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلّثة ساكنة، ثم تاء الضمير - وقال في رواية عُقيل، ومعمر: "فَجُثِثْتُ" بعد الجيم ثاءان مثلّثتان، هكذا هو الصواب في ضبط رواية الثلاثة، وذكر القاضي عياض - ﵀ - أنه ضُبِط على ثلاثة أوجه: منهم مَن ضبطه بالهمزة في المواضع الثلاثة، ومنهم مَن ضبطه بالثاء في المواضع الثلاثة، قال القاضي: وأكثر الرواة للكتاب على أنه بالهمز في الموضعين الأوّلين، وهما رواية يونس، وعُقيل، وبالثاء في الموضع الثالث، وهي رواية معمر، قال النوويّ: وهذه الأقوال التي نقلها القاضي كلها خطأٌ ظاهرٌ، فإن مسلمًا - ﵀ -، قال في رواية عُقيل: ثم ذكر بمثل حديث يونس، غير أنه قال: "فَجُثِثْتُ منه فَرَقًا"، ثم قال مسلم في رواية معمر: إنها نحو حديث يونس، إلا أنه قال: "فجُثِثْت منه"، كما قال عُقَيل، فهذا تصريح من مسلم بأنّ رواية معمر وعُقيل متفقتان في هذه اللفظة، وأنهما مخالفتان لرواية يونس فيها، فبطل بذلك قولُ مَن قال: الثلاثة بالثاء، أو الهمزة وبطل أيضًا قول مَن قال: إن رواية يونس وعُقيل متفقة، ورواية معمر مخالفة لرواية عُقيل، وهذا ظاهر لا خفاء به ولا شكّ فيه.
قال: وقد ذكر صاحب "المطالع" أيضًا رواياتٍ أُخَر باطلة مُصَحَّفَةً، تركتُ حكايتها؛ لظهور بطلانها.
_________________
(١) "القاموس" ص ٥١٣.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦٥٢.
[ ٤ / ٤١٩ ]
قال: وأما معنى هذه اللفظة، فالروايتان بمعنى واحد، أعني: رواية الهمز ورواية الثاء، ومعناها: فَزِعْتُ، ورُعِبْتُ.
وقد جاء في رواية البخاريّ: "فَرُعِبْتُ"، قال أهل اللغة: جُئِثَ الرجلُ: إذا فَزعَ، فهو مَجْؤوثٌ، قال الخليل والكسائيّ: جُئِثَ، وجُثَّ، فهو مجؤوثٌ، ومَجْثُوثٌ، أي: مذعورٌ، فَزعٌ. انتهى (^١).
وفي رواية يحيى بن أبي كثير: "فأخذتني رَجْفةٌ شديدةٌ".
(مِنْهُ) أي: من الملك الجالس على الكرسيّ (فَرَقًا) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ "جُثِثتُ" من غير لفظه، كقدت جلُوسًا، وهو بفتحتين مصدر فَرِقَ بكسر الراء، من باب تَعِبَ: إذا خاف وفزع (^٢). (فَرَجَعْتُ) أي: إلى أهله، ففي رواية يحيى: "فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني … " (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) أمر من التزميل، أي: التلفيف، فهو بمعنى دثّروني، وفي رواية للبخاريّ: "فقلت: دثّروني" (فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قال العلماء: "المدثر"، و"المزمل"، و"المتلفف"، و"المشتمل" بمعنى واحد، ثم الجمهور على أن معناه: المدثر بثيابه، وحَكَى الماورديّ قولًا عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها.
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢] أي: خَوِّف أهل مكة وحَذِّرهم العذاب إن لم يُسْلِموا، وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته؛ لأنه مقدمة الرسالة، وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها، وقال الفراء: قُمْ، فَصَلّ، وأْمر بالصلاة ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣] أي: سَيِّدك، ومالكك، ومُصْلِح أمرك فعَظِّمه، وصِفْهُ بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد، وقيل: إنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ أي: وَصِفْه بأنه أكبر، قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تَتّخِذ وليًّا غيره، ولا تعبد سواه، ولا تَرَ لغيره فعلًا إلا له، ولا نعمة إلا منه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٧.
(٢) "المصباح" ٢/ ٤٧١ و"القاموس" ص ٨٢٥.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
وقد رُوِي أن أبا سفيان قال يوم أُحُد: اعْلُ هُبَلُ، فقال النبيّ - ﷺ -: "قولوا: الله أعلى وأجل"، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها، أذانًا، وصلاةً، وذكرًا بقوله: الله أكبر، وحُمِل عليه لفظ النبيّ - ﷺ - الوارد على الإطلاق في مواردَ، منها قوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (^١)، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله؛ تخليصًا له من الشرك، وإعلانًا باسمه في النسك، وإفرادًا لِمَا شُرع منه لأمره بالسفك، وهذا اللفظ "الله أكبرُ" هو المتعبَّد به في الصلاة، المنقول عن النبيّ - ﷺ - (^٢).
[تنبيه]: الفاء في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ دخلت على معنى جواب الجزاء، كما دخلت في ﴿فَأَنْذِرْ﴾ أي: قُمْ، فأنذر، وقُمْ فكبّر ربك، قاله الزجاج، وقال ابن جني: هو كقولك: زيدًا فاضرب، أي: زيدًا اضرب، فالفاء زائدة. انتهى.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ -: فيه ثمانية أقوال:
[أحدهما]: أن المراد بالثياب العمل.
[الثاني]: القلب.
[الثالث]: النفس.
[الرابع]: الجسم.
[الخامس]: الأهل.
[السادس]: الخُلُق.
[السابع]: الدين.
[الثامن]: الثياب الملبوسات على الظاهر.
فمن ذهب إلى القول الأول قال: تأويل الآية: وعَمَلك فاصلح، قاله مجاهد، وابن زيد، ورَوَى منصور، عن أبي رَزِين قال: يقول: وعملك فأصلح، قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا: إن فلان (خبيث الثياب، وإذا كان حَسَن العمل قالوا: إن فلانًا طاهر الثياب، ونحوه عن السُّدّيّ، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
_________________
(١) حديثٌ صحيح، رواه أبو داود.
(٢) راجع: "تفسير القرطبيّ" ١٩/ ٦٢.
[ ٤ / ٤٢١ ]
لَا هُمَّ إِنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْمِ … أَوْذَمَ حَجًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ (^١)
ومن ذهب إلى القول الثاني قال: إن تأويل الآية: وقلبك فطهّر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ودليله قول امرئ القيس: [من الطويل]:
أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ … وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي
وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُقَي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
أي: قلبي من قلبك، قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: وقلبك فطهِّر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة، والثاني: وقلبك فطَهِّر من الغَدْر، أي: لا تَغْدِر، فتكون دَنِسَ الثياب، وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ [من الطويل]:
فَإِنِّي بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ … لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية: ونفسك فطَهّر، أي: من الذنوب، والعرب تَكْنِي عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس، ومنه قول عنترة [من الكامل]:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيَابَهُ … لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
وقال امرؤ القيس:
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
وقال [من الطويل]:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ
أي: أنفس بني عوف.
ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية: وجسمك فطهّر، أي: عن المعاصي الظاهرة، ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت إبلًا [من الطويل]:
رَمَوْهَا بِأَثْيَابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَى … لَهَا شَبَهًا إِلَّا النَّعَامَ المُنَفَّرَا
أي رَكِبُوها، فرَمَوها بأنفسهم.
_________________
(١) ومعنى "أوذم الحجّ": أوجبه، ومعنى "ثياب دُسْم": متلطّخة بالذنوب؛ أي: إنه حجّ، وهو متدنّس بالذنوب.
[ ٤ / ٤٢٢ ]
ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية: وأهلك فطهّرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوبًا، ولباسًا، وإزارًا، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: ونساءك فطهِّر باختيار المؤمنات العفائف، والثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض.
ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية: وخُلُقك فَحَسِّن، قاله الحسن، والقرظيّ؛ لأن خُلُق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه، وقال الشاعر:
وَيَحْيَى لَا يُلَامُ بِسُوءِ خُلْقٍ … وَيَحْيَى طَاهِرُ الأَثْوَابِ حُرُّ
أي: حَسَنُ الأخلاق.
ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية: ودينك فطَهّر، وفي "الصحيحين" عنه - ﷺ - قال: "ورأيت الناس، وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرُّه"، قالوا: يا رسول الله، فما أوَّلت ذلك؟ قال: "الدين" (^١).
ورُوي عن مالك بن أنس - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] أي: لا تلبسها على غَدْرة، ومنه البيت المتقدّم:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى … البيت.
يعني بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات، ويعني بغُرّة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جَمَالهم في الخِلقة، أو كليهما، قاله ابن العربيّ.
وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كَذِب، ولا جَوْر، ولا غَدْر، ولا إثم، قاله عكرمة، ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) أخرجه الشيخان بلفظ "القميص"، من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: "بينا أنا نائم رأيت الناس يُعْرَضون عليّ، وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغ الثُّدِيّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض عليّ عمر بن الخطاب، وعليه قميص يَجُرُّه"، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين".
[ ٤ / ٤٢٣ ]
… أَوْذَمَ جَحًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ
أي: قد دَنَّسها بالمعاصي.
ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه:
[أحدهما]: معناه: وثيابك فَأَنْقِ.
[الثاني]: وثيابك فشَمِّر، وقَصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا انجزت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها، قاله الزجاج، وطاوس.
[الثالث]: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين، وابن زيد، والفقهاء.
[الرابع]: لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال؛ لتكون مُطَهَّرة من الحرام، وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر.
قال ابن العربي بعدما ذكر بعض ما تقدّم: ليس بممتنع أن تُحْمَل الآية على عموم المراد، فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة، فهي تتناول معنيين:
[أحدهما]: تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أُرسلت تَدَنَّست.
[والثاني]: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر (^١).
وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - بعد ذكر بعض هذه الأقوال: وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]؛ أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يُطَهِّر ثيابه، قال: وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تَشْمَل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تُطْلِق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّل … وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي
وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِ
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن أن الأحسن حمل الآية على هذه
_________________
(١) راجع: "تفسير القرطبيّ" ١٩/ ٦١ - ٦٦ "تفسير سورة المدّثّر".
[ ٤ / ٤٢٤ ]
المعاني كلّها، كما سبقت الإشارة في كلام ابن العربيّ، وابن كثير؛ لأنها تحتملها، فحملها على الجميع أولى، والله تعالى أعلم.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] قرأ الأكثرون بكسر الراء، وقرأ حفص بضمها، وفسّره في الكتاب هنا بالأوثان، وكذا قاله جماعات من المفسرين، والرِّجز في اللغة: العذاب، وسُمِّي الشرك وعبادة الأوثان رِجْزًا؛ لأنه سبب العذاب، وقيل: المراد بالرجز في الآية: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل: الظلم، ذكر هذه الأقوال كلها النوويّ.
وقال البخاريّ في "صحيحه": يقال: الرجز: العذاب، قال في "الفتح": هو قول أبي عُبيدة. انتهى.
وقال ابن كثير - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵄ -: والرجز، وهو الأصنام، فاهجر، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهريّ، وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾: أي: اترك المعصية.
وعلى كل تقدير فلا يَلْزم تَلَبُّسه بشيء من ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقال موسى لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] انتهى كلام ابن كثير - ﵀ -.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال مجاهد، وعكرمة: يعني الأوثان، دليله قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، قاله ابن عباس، وابن زيد، وعن ابن عباس أيضًا: والمآثمَ فاهجر، أي: فاترك، وكذا رَوَى مغيرة عن إبراهيم النخعيّ قال: الرجز: الإثم، وقال قتادة: الرجز: إِسَاف ونائلة، صنمان كانا عند البيت، وقيل: الرجز: العذاب، على تقدير حذف مضاف، والمعنى: وعمل الرجز فاهجر، أو العمل المؤدي إلى العذاب، وأصل الرجز: العذابُ، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢]، فسُمِّيت الأوثان رجزًا؛ لأنها تؤدي إلى العذاب.
وقراءة العامة ﴿الرِّجْزُ﴾ بكسر الراء، وقرأ الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وابن مُحَيصن، وحفص عن عاصم: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، وهما لغتان، مثل
[ ٤ / ٤٢٥ ]
الذِّكْر والذُّكْر، وقال أبو العالية والربيع: رَوَينا الرجز بالضم: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية، وقال الكسائيّ أيضًا: بالضم: الوَثَن، وبالكسر: العذاب (^١).
وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا التفسير من قول أبي سلمة، كما صرّح به في رواية عُقيل التالية، ولفظه: "وقال أبو سلمة: والرجز: الأوثان".
قال في "الفتح": تفسير الأوثان بالرجز تفسير معنًى، أي: اهجُر الرجز، أي العذاب، وهي الأوثان، وقال الكرمانيّ: فسّر المفرد بالجمع؛ لأنه اسم جنس، وعند ابن مردويه من طريق محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهريّ في هذا الحديث: و"الرجز" بضم الراء، وهي قراءة حفص عن عاصم، قال أبو عبيدة: هما بمعنى، ويُروى عن مجاهد، والحسن: بالضمّ اسم الصنم، وبالكسر اسم العذاب. انتهى (^٢).
(قَالَ: ثمَّ تتَابَعَ الْوَحْيُ) أي: استمرّ نزوله، ولفظ عُقيل: "ثمّ حَمِيَ الوحيُ بَعْدُ وتتابع"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٩/ ٤١٣ و٤١٤ و٤١٥ و٤١٦ و٤١٧] (١٦١)، و(البخاريّ) في "بدء الوحي" (٤)، و"بدء الخلق" (٣٢٣٨)، و"التفسير" (٤٩٢٣ و٤٩٢٤ و٤٩٢٥ و٤٩٢٦ و٤٩٥٤)، و"الأدب" (٦٢١٤)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٢٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤ و٣٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٢٩ و٣٣٥ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٠٨ و٤٥٩ و٤١٥ و٤١١ و٤١٢)، وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره " (٢٩/ ٩٠)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ١٣٨ - ١٥٥ - ١٥٦)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) المصدر السابق ١٩/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٤٧ "كتاب التفسير"، "سورة المدّثّر".
[ ٤ / ٤٢٦ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان انقطاع الوحي عن رسوله الله - ﷺ - بعد نزول قوله - ﷿ -: ﴿اقْرَأْ﴾.
٢ - (ومنها): جواز تحدّث الإنسان بما حصل له من المِحن بعد زوالها؛ شكرًا لله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن أوّل ما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] بعد نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وهذا هو الصواب؛ لأن حديث عائشة - ﵂ - نصّ صريح في ذلك.
٤ - (ومنها): جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاريّ في "كتاب الأدب"، ويدل عليه قوله - ﷿ -: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]، فقد حثّ الله - ﷾ - على النظر إلى السماء، والتفكّر فيها.
وفيه ردّ على من كره ذلك، كما أخرجه الطبريّ عن إبراهيم التيميّ، وعن عطاء السلميّ أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشّعًا، وهذا تنطّع غير مرضيّ، فإن هدي النبيّ - ﷺ - خلافه، فقد كان يرفع رأسه إلى السماء كما في هذا الحديث، وكما في رفعه عند قراءته - ﷺ - في الليل لآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيات، وغير ذلك، ويُعتذر عن عطاء وغيره بأنه لم تصل إليه هذه السنّة، والله تعالى أعلم.
نعم يُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي عنه، فقد أخرج البخاريّ، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "ما بال أقوام يَرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"، فاشتَدّ قوله في ذلك حتى قال: "لَيَنْتَهُنّ عن ذلك، أو لَتُخطَفَنّ أبصارهم".
وأخرج المصنّف، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لَيَنْتَهِيَنّ أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم".
ورَوَى ابن السنيّ بإسناد ضعيف، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: "أُمِرنا أن لا نُتْبع أبصارنا الكواكب إذا انقَضَّت".
[ ٤ / ٤٢٧ ]
٥ - (ومنها): كرامة جبريل - ﵇ - حيث يقدر أن يجلس على كرسيّ في الهواء دون أن يكون تحته شيء من الأعمدة ونحوها.
٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: في هذا الحديث تحقيقُ العلم بتصوّر الملائكة على صور مختلفة، وإقدار الله تعالى لهم على التركيب في أيّ شكل شاؤوا من صُور بني آدم وغيرها، وأن لهم صُوَرًا في أصل خِلْقتهم مخصوصة بهم، كلّ منهم على ما خُلق عليه وشُكّل. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): بيان كيفيّة معالجة من أصابه فزع، وهو أن يلفّف بالثوب، ويُصبّ عليه ماء بارد، حيث قال - ﷺ - في رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة الآتية: "فَدَثَّرُوني، فصبّوا عليّ ماءً باردًا".
٨ - (ومنها): جواز مناداة الشخص بما هو متلبّسٌ به، كأن يكون نائمًا، فيقال له: يا نائم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١]، فقد نادى الكريم - ﷾ - حبيبه - ﷺ - بما تلبّس به، وعَبّر عنه بصفته ملاطفة في الخطاب، ولم يقل: يا محمد، ويا فلان؛ ليستشعر اللِّين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبيّ - ﷺ - لعلي - ﵁ -؛ إذ نام في المسجد: "قُمْ أبا تراب"، وكان خرج مغاضِبًا لفاطمة - ﵂ -، فسقط رداؤه، وأصابه ترابه، وقصّته في "الصحيحين"، ومثله قوله - ﷺ - لحذيفة - ﵁ - ليلة الخندق: "قُمْ يا نَومان"، وقصته في "صحيح مسلم".
٩ - (ومنها): وجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وإنذار المعرضين وتبشير المطيعين.
١٠ - (ومنها): وجوب التكبير في الصلاة، كما حَمَل عليه بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣].
١١ - (ومنها): وجوب تطهير الثياب للصلاة، وقد استدلّ الإمام الشافعيّ - ﵀ -: وغيره على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، وقال ابن سيرين، وابن زيد: لا تصلّ إلَّا في ثوب طاهر، قال القرطبيّ:
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٦٥٢.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب هو الحقّ، وأما الاستدلال بمسألة الاستجمار، فغير صحيح؛ لأن الشارع جعل الاستجمار طهارة صحيحة، وإن بقي أثر الخارج؛ تخفيفًا على الناس، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
١٢ - (ومنها): تقصير الثوب وعدم إرساله تحت الكعبين؛ لأنه أنقى وأتقى، كما صحّ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال لشابّ من الأنصار، وقد رَآه يمسّ إزاره الأرض: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربّك (^١).
وقد قال النبيّ - ﷺ -: "إِزْرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار" (^٢).
فقد جعل النبيّ - ﷺ - الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يُرسلون أذيالهم، ويطليون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العُجب، وأشدّ ما في الأمر أنهم يَعصُون، ويُنَجِّسون، ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره، ولا ألحق به سواه، قال النبيّ - ﷺ -: "لا ينظر الله إلى مَن جَرّ ثوبه خيلاء"، ولفظ "الصحيح": "مَن جَرَ إزاره خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، قال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، قال رسول الله - ﷺ -: "لست ممن يصنعه خيلاء"، فَعَمَّ رسول الله - ﷺ - بالنهي، واستثنى الصدّيق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم.
_________________
(١) رواه البخاريّ في "صحيحه" في "المناقب" رقم (٣٧٠٠).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" بلفظ (١١٤٨٩): "إِزْرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج، - أو لا جُناح - فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جرَّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه"، وأصله في "الصحيح".
[ ٤ / ٤٢٩ ]
١٣ - (ومنها): وجوب هجر الأوثان، وسائر المعبودات من دون الله تعالى، ووجوب إخلاص التوحيد لله - ﷾ -.
١٤ - (ومنها): بيان فضل الله - ﷾ - على نبيّه - ﷺ - حيث أفاض عليه وحيه دون انقطاع حتى فارق الدنيا، قال - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، يَقُولُ: أَخْبَرَني جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي"، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ"، قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ الْأَوْثَانُ، قَالَ: "ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ بَعْدُ، وَتتَابَعَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قبل حديث، سوى الصحابيّ، وأبي سلمة، فقد ذكرا في الحديث الماضي.
وقوله: (فَبَيْنَا أنا) وفي نسخة: "فبينما أنا".
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ) وفي نسخة: "ثم ذَكَر بمثل … إلخ"، والضمير لعُقيل.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا) بضم الجيم، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلّثة، مبنيًّا للمفعول، هو بمعنى "جُثِثْتُ" بثاءين؛ أي: فَزِعتُ وخِفْتُ.
وقوله: (حَتَّى هَويتُ إِلَى الْأَرْضِ") - بفتح الهاء، وفتح الواو - بمعنى سقطت، وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: هَوَيْتُ إلى الأرض هكذا في الرواية: "هَوَيْتُ"، وهو صحيح، يقال: هَوَى إلى الأرض، وأهوى إليها لغتان؛ أي:
[ ٤ / ٤٣٠ ]
سَقَطَ، وقد غَلِطَ، وجَهِلَ مَن أنكر "هَوَى"، وزَعَم أنه لا يقال: إلا أهوى. انتهى (^١).
وقال المجد - ﵀ -: هَوَى الشيءُ: سَقَطَ، كأَهْوَى، وانْهَوَى. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: هَوَى يَهْوِي، من باب ضَرَبَ هُوِيًّا بضمّ الهاء، وفتحها، وزاد ابن القُوطيّة: هَوَاءً بالمدّ: سَقَطَ من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروَى بالفتح، والضمّ، واقتصر الأزهريّ على الفتح، وهَوَى يَهْوِي أيضًا هُوِيًّا بالضمّ لا غيرُ: إذا ارتفع، قال الشاعر:
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ
وقال الآخر:
وَالدَّلْوُ فِي إِصْعَادِهَا عَجْلَى الهُوِي
وَهَوَت العُقَابُ تَهْوِي هَوِيًّا، وهُوِيًّا: انْقَضَّت على صيد أو غيره ما لم تُرِغْهُ، فإذا أراغته قيل: أهْوَت له بالألف، والإراغة ذهاب الصيد هكذا وهكذا، وهي تتبعه، وهَوَى يَهْوِي: مات، وسَقَطَ في مَهْوَاةٍ من شَرَفٍ هَوِيًّا وهُوِيًّا وهَوَاءً بالمدّ. انتهى (^٣).
[تنبيه]: هذا الذي سبق من أن ضبط هَوَى بفتح الواو، من باب ضرب إذا لم يكن بمعنى أحبّ، وإلا فهو بكسر الواو، يقال: هَوِيتُ الشيءَ أَهواه، من باب تَعِبَ: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، وهو لا يناسب هنا، فما يوجد في بعض نسخ مسلم مضبوطًا بكسر الواو، فهو غلط، إلا أن يُحمل على لغة طيء الذين يقولون: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنَى بفتح العين في الماضي والمضارع، فتنته، والله تعالى أعلم.
وقوله: ("ثُمَّ حَمِيَ بَعْدُ الوحيُ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم - و"الوحيُ" مرفوع على الفاعليّة؛ أي: جاء كثيرًا.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ص ٢٠٧.
(٢) "القاموس" ص ١٢١١.
(٣) "المصباح" ٢/ ٦٤٣.
[ ٤ / ٤٣١ ]
وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد نزول هذه الآية، وهو ظرف متعلّق بـ "حَمِيَ". قال في "الفتح": فيه مطابقة لتعبيره عن تأخّره بالفتور؛ إذ لم ينتهِ إلى انقطاع كليّ، فيوصف بالضدّ، وهو البرد.
وقوله: (وتتابع ") تأكيد معنويّ لـ "حَمِي"، ويحتمل أن يراد بـ "حَمِي": قَوِي، وبـ "تتابع": تكاثر، ووقع في رواية الكشميهني، وأبي الوقت: "وتواتر"، والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير تخلّل (^١).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: "ثم حَمِيَ الوحيُ، وتتابع" الكلمتان هما بمعنًى واحد، فأكَّد أحدهما بالآخر، ومعنى حَمِيَ: كثر نزوله، وقوي أمره، وازداد، من قولهم: حَمِيَتِ النارُ والشمسُ؛ أي: قَوِيَتْ حرارتُها، ومنه حَمِيَ الوَطِيسُ؛ أي: قَوِيَ حرّه واشتدّ، ثم استُعير في الحرب - انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية عُقيل هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس، ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٣٢٣٨) حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه سمع النبيّ - ﷺ - يقول: "ثم فَتَرَ عني الوحي فَتْرَة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرَفَعْتُ بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسيّ بين السماء والأرض، فجُثِثت (^٣) منه حتى هَوَيْتُ إلى الأرض، فجئْتُ أهلي، فقلت: زَمِّلوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] "، قال أبو سلمة: والرجزُ الأوثانُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٨.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦٥٢.
(٣) وقع في رواية أبي ذرّ: "فَجُثِثْتُ" بثاءين، وهو الموافق لرواية مسلم، ووقع في رواية غيره: "فَجُئِثتُ" بهمزة، ثم ثاء مثلّثة، ومعلوم لدى المحقّقين أن أبا ذرّ الهرويّ أتقن من روى صحيح البخاريّ، ولذا اعتمد عليها الحافظ في شرحه "فتح الباري"، فينبغي الاعتماد عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]، قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، وَقَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ" كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا قريبًا.
وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي: بإسناد الزهريّ الماضي، وهو: عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
وقال: (وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ … إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمرًا خالف يونس، وذلك أن يونس ساق الآيات كلّها، وأما معمر، فقال: إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾، وزاد: "قبل أن تُفرض الصلاة".
وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) يعني: أن هذه الواقعة كانت قبل أن يَفرض الله تعالى الصلوات الخمس؛ لأن فرضها كان ليلة الإسراء، وذلك بعد البعثة بخمس سنين.
وقال في "الفتح": وكأنه أشار بقوله: "قبل أن تُفرض الصلاة" إلى أن تطهير الثياب كان مأمورًا به قبل أن تُفرض الصلاة. انتهى.
وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا من قول أبي سلمة - ﵀ -، كما صُرّح به في الرواية التي قبله.
وقوله: (فَجُثِثْتُ مِنْهُ) يعني بثاءين مثلثتين، مبنيًّا للمفعول، كما سبق في رواية عُقيل بن خالد التي قبله.
[تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٩٢٥) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، (ح) وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال الزهري: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -
[ ٤ / ٤٣٣ ]
قال: سمعت النبيّ - ﷺ -، وهو يُحَدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِثت (^١) منه رعبًا، فرَجَعْت، فقلت: زمّلوني زملوني، فَدَثَّروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] "، قبل أن تُفْرَض الصلاة، وهي الأوثان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٦] (…) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا (^٢) الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَاِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْني: جِبْرِيلَ - ﵇ - فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ١ - ٤] ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
_________________
(١) هكذا وقع في رواية أبي ذرّ: "فَجُثثتُ" بثاءين، وهو الموافق لرواية مسلم، ووقع في رواية غيره: "فجُئِثت" بهمزة، ثم ثاء؛ فَلْيُتَنَبَّه.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ٤ / ٤٣٤ ]
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، يدلّس تدليس التسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عَمرو الفقيه، ثقةٌ ثبت إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ) الأوزاعيّ (سَمِعْتُ يَحْيَى) بن أبي كثير (يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟) هي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، كما سبق قريبًا في "بَعْدُ"، أي: في أول الأمر، وفي رواية البخاريّ: أي القرآن أُنزل أول؟. (قَالَ) أبو سلمة: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قال يحيى بن أبي كثير: (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾ أي: بل الأول سورة ﴿اقْرَأْ﴾، فـ "أو" بمعنى "بل" الإضرابيّة.
وفي رواية البخاريّ من طريق حرب بن شدّاد، عن يحيى: "فقلت: أُنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن حرب: "قلت: إنه بلغني أنه أول ما نَزَل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
قال في "الفتح": ولم يُبَيِّن يحيى بن أبي كثير مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عروة بن الزبير، كما لم يبيّن أبو سلمة مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عائشة، فإن الحديث مشهور عن عروة، عن عائشة كما تقدم من طريق الزهريّ عنه مُطَوَّلًا. انتهى.
(فَقَالَ) أبو سلمة (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] هذا محمول على أن المراد بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، بدليل قوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيّ بين السماء والأرض"، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن
[ ٤ / ٤٣٥ ]
المراد أنها أولية مطلقة، فيُحمل قول من قال: أول ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ على أنه أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر أراد بقيد التصريح بالإرسال.
قال الكرمانيّ: استَخْرَج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] باجتهاد، وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة - ﵂ -.
وقيل: يحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ بقيد السبب، أي: هي أول ما نزل من القرآن بسببٍ مُتَقَدِّمٍ، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرُّعْب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداءً بغير سبب متقدم، ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال، ذكره في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ ﵀: القول بأن أول ما أُنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ ضعيف، بل باطل، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] كما صُرِّح به في حديث عائشة - ﵂ -، وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صُرِّح به في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ -. والدلالة صريحة فيه في مواضع، منها: قوله: "وهو يحدِّث عن فترة الوحي" … إلى أن قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله - ﷺ -: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء"، ثم قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله: "ثم تتابع الوحي"، يعني: بعد فترته، فالصواب أن أوّلَ ما نَزَل ﴿اقْرَأْ﴾، وأن أول ما نَزَل بعد فترة الوحي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وأما قول من قال من المفسرين: إنّ أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يُذْكَر. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وفي أول سورة نزلت قول آخرُ نُقِل عن عطاء الخراسانيّ قال: "المزمل" نزلت قبل "المدثر"، وعطاءٌ ضعيف، وروايته مُعْضَلَةٌ؛ لأنه لم يثبت لقاؤه لصحابي معين، وظاهر الأحاديث الصحيحة تدلّ على تأخُّر المزمل؛ لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف المدثر، فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢].
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٤٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وعن مجاهد: أول سورة نزلت ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وأول سورة نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١]، وهذا أيضًا ضعيف.
(فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا) وفي مرسل عُبيد بن عُمير ما يدلّ على أنه شهر رمضان (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جِوَارًا، ومجاورةً، قال في "الخلاصة":
لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
(نَزَلْتُ) أي: من جبل حراء (فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي) أي: صِرتُ في باطنه (فَنُودِيتُ) أي: ناداني الملك (فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأسِي) أي: إلى السماء (فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ) وفي رواية على بن المبارك التالية: "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، و"إذا" هي الفُجائيّة، والمراد بالعرش هو الكرسيّ الذي سبق في الرواية الماضية، قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل: سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] (فِي الْهَوَاءِ) بالمدّ، ويُكتب بالألف: هو الجَوّ الذي بين السماء والأرض، والهواء: الخالي، قال الله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقوله: (- يَعْنِي جِبْرِيلَ - ﵇ -) هذه العناية من بعض الرواة، ويحتمل أن تكون من جابر - ﵁ - أو من دونه، والله تعالى أعلم (فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ) بفتح الراء، وسكون الجيم: المرّة من الرّجف، يقال: رَجَفَ الشيءُ رَجْفًا، من باب نصر، ورَجِيفًا، ورَجَفَانًا: إذا تحرّك، واضطرب.
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "فأخذتني رَجْفة شديدة" هكذا هو في الروايات المشهورة: "رَجْفة" بالراء، قال القاضي: ورواه السمرقنديّ: "وَجْفَة" بالواو، وهما صحيحان، متقاربان، ومعناهما الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [المزمل: ١٤]. انتهى (^١).
(فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ) - ﵂ - (فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي) هو بمعنى زمّلوني، أي: لَفّفوني
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٨.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
(فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً) هكذا رواية المصنّف بصيغة الماضي، وفي رواية البخاريّ: "وصُبُّوا عليّ ماءً باردًا"، فيكون معنى ما هنا أنه أمرهم بالصبّ، فصبّوا عليه، وفيه أنه ينبغي أن يُصَبّ على الفَزع الماء؛ ليسكن فَزَعه (^١).
(فَأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزّمّل: ١ - ٤] ") تقدّم شرح الآيات مفصّلًا قريبًا، فلا تنسَ.
[تنبيه]: استشكل في "الفتح" رواية يحيى هذه، فقال: والمشكل من رواية يحيى بن أبي كثير قوله: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قَضَيتُ جواري نزلت، فاستبطنت الوادي، فنوديت … إلى أن قال: فرفعت رأسي، فإذا هو على العرش في الهواء - يعني: جبريل - فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني".
قال: ويزيل الإشكال أحد أمرين: إما أن يكون سقط على يحيى بن أبي كثير وشيخه من القصة مجيء جبريل بحراء بـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وسائر ما ذكرته عائشة - ﵂ -، وإما أن يكون جاور - ﷺ - بحراء شهرًا آخر، فقد تقدم أن في مرسل عُبيد بن عُمير عند البيهقيّ أنه كان يجاور في كل سنة شهرًا، وهو رمضان، وكان ذلك في مُدّة فترة الوحي، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وفوائده تقدّمت قريبًا، فلا حاجة إلى إعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ (^٣): "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ").
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٨.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٤٦ "كتاب التفسير" رقم (٤٩٢٤).
(٣) وفي نسخة: "قال: فإذا هو".
[ ٤ / ٤٣٨ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) وهو أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّم غير مرّة.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس بن لَقِيط العبديّ، أبو محمد، وقيل: أبو عديّ، وقيل: أبو عبد الله البصريّ، قيل: أصله من بخارى، ثقة [٩].
رَوَى عن ابن عون، وكَهْمس بن الحسن، وأبي مَعْشر السِّنديّ، ويونس بن يزيد الأيليّ، وإسرائيل بن يونس، ومعاذ بن العلاء، وفُليح بن سليمان، وابن أبي ذئب، وشعبة، وعلي بن المبارك، وداود بن قيس الفراء، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وبُندار، وأبو موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وأحمد بن سعيد الدارمي، وإبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وابن سعد: ثقة، وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: صالح، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال عليّ: احتَجّ يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين، عن أسامة، عن عطاء، عن جابر: "عرفةُ كلها موقف".
قال عمرو بن علي، وغير واحد: مات سنة (٢٠٩) في ربيع الأول، وقيل: سنة (٧)، وقيل: سنة (٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الهُنَائِيُّ - بضم الهاء، وتخفيف النون الممدودة - البصريّ، ثقة، في حديث الكوفيين عنه شيء، من كبار [٧].
رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وأيوب، وهشام بن عروة، ويحيى بن أبي كثير، وحسين المعلم، ومحمد بن واسع، والحسن بن مسلم العبدي، وغيرهم.
وروى عنه وكيع، والقطان، وابن المبارك، وابن علية، ومسلم بن قتيبة، ويحيى بن كثير العنبري، ومحمد بن عباد الهنائي، وهارون الخزاز، وغيرهم.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، كانت عنده كتبٌ عن يحيى بن أبي كثير، بعضها سمعها، وبعضها عرض. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال بعض البصريين: عَرَض علي بن المبارك على يحيى بن أبي كثير عَرْضًا، وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي والأوزاعي، وهو بعدهما. وقال يعقوب بن شيبة: علي والأوزاعي ثقتان، والأوزاعي أثبتهما، ورواية الأوزاعي عن الزهري خاصة فيها شيء، ورواية علي عن يحيى بن أبي كثير فيها وَهَاء. وقال ابن المديني: قال يحيى - يعني: القطان -: كان عنده كتاب واحد سمعه من يحيى، والآخر تركه عنده، قيل له: فرواية يحيى بن سعيد عنه؟ قال: لم يسمع منه يحيى إلا ما سمعه من يحيى. قال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن عبد الله يقول: علي بن المبارك أحب إليَّ من أبان. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال أيضًا: كان عنده كتابان: كتاب سماع، وكتاب إرسال، قلت لعباس العنبري: كيف يُعْرَف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه، عن عكرمة، من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ضابطًا متقنًا. وقال ابن عَمّار عن يحيى بن سعيد: أما ما رويناه نحن عنه فما سمع، وأما ما رَوَى الكوفيون عنه، فمن الكتاب الذي لم يسمعه. وقال ابن عديّ: ولعليّ أحاديث، وهو ثَبْتٌ في يحيى، متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المديني، وابن نمير، والعجلي.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
[تنبيه]: رواية عليّ بن المبارك هذه التي أحالها المصنّف على رواية الأوزاعيّ ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٩٢٢) حدثنا يحيى (^١)، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله - ﵄ - عن
_________________
(١) هو أبو جعفر يحيى بن موسى البلخيّ، المعروف بخَتّ.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدَّثنا رسول الله - ﷺ -، قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جِوَاري هَبَطتُ، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي، فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثّروني، وصُبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فدَثروني، وصَبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٣] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.