وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٣] (٢٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقُّ).
رجال هذا الاسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بْن جَميل الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلَانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٤/ ٤٩.
٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْمِيّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١ / ٤٤١ ]
فقيهٌ، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
٣ - (عُقَيْل) بضم المهملة، مصغّرًا - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح (^١) - الأيليّ - بفتح الهمزة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم لام - أبو خالد الأمويّ مولى عثمان، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدريّ، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن كهيل، والزهريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمفضل بن فَضالة، والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وجابر بن إسماعيل، وسعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وحدث عنه يونس بن يزيد الأَيْلِيّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن معين: أثبت مَن رَوَى عن الزهري مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، وعن ابن معين في رواية الدُّوريّ: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعُقيل، وشُعيب، وسفيان. وفي رواية ابن أبي مريم عن ابن معين: عُقيل ثقة حجة، وقال عبد الله بن أحمد ذُكِرَ عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن سعد، كأنه يضعفهما، فقال: وأَيُّ شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال العجليّ: أيْلِيّ ثقة. وقال البخاريّ: قال عليّ، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد: كان عُقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العقيليّ: صدوق، تَفَرَّد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يَسمَع من الزهريّ شيئًا إنما هو مناولة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضُعْفُ هذا القول مما لا يخفى على بصير، فإن سماع عُقيل من الزهريّ ظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال إسحاق بن راهويه: عُقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو
_________________
(١) قال في "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٣٠: اسم جدّه عَقِيل بفتح العين، وكسر القاف، بخلاف هو فإنه بالضم. انتهى.
[ ١ / ٤٤٢ ]
زرعة: صدوق ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عُقيل أحب إليك أم يونس؟ قال: عُقيل أحب إليّ، لا بأس به، قال: وسئل أبي: أيما أثبت، عُقيل أو معمر؟ فقال.: عُقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلةَ، وللزهري هناك ضَيعة، وكان يكتب عنه هناك.
قال المَاجِشُون: كان عُقيل شُرْطيًا عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة (١٤١)، وقال محمد بن عُزَيز الأيليّ: مات سنة (١٤٢)، وقال ابن السَّرْح عن خاله: مات سنة (١٤٤)، وفيها أَرَّخه ابن يونس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) ٢/ ١٤.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - الصحابيّ المشهور المتوفّى سنة (٥٩) وقيل: غير ذلك (ع) ١/ ٢.
٧ - (عمر) بن الخطّاب الخليفة الثاني - ﵁ - استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) ٢/ ٩.
٨ - (أبو بكر) بن أبي قُحَافة الصّدّيق، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ القرشيّ التيميّ، خليفة رسول الله - ﷺ -، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عَتيق، وأمه أُمُّ الخير، سَلْمَى بنت صَخْر بن عامر بن كعب، ابنة عمّ أبيه، وقد أسلم أبواه، وُلد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر.
أخرج ابن الْبَرْقِيّ من حديث عائشة تذاكر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبيّ - ﷺ - أكبر، وصَحِبَ النبيّ - ﷺ - قبل البعثة، وسَبَقَ إلى الإيمان به، واستَمَرَّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كُلِّها، إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحَجَّ في الناس في حياة رسول الله - ﷺ - سنة تسع، واستَقَرّ خليفة في الأرض بعده، ولَقّبَه المسلمون خليفة رسول الله - ﷺ -.
[ ١ / ٤٤٣ ]
روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعقبة بن الحارث النَّوْفَلِيُّ، وأنس، وجابر، والبراء، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأسلم مولى عمر، وأوسط البجليّ، وقيس بن أبي حازم، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وجماعة.
قال سعيد بن منصور: حدّثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵁ - قالت: اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله، ولكن غَلَب عليه اسم عتيق.
وفي "المعرفة" لابن منده: كان أبيض نَحيفًا خَفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم.
وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزبير بن بَكّار عنه، بسند له إلى عائشة، وأخرج ابن أبي الدنيا عن الزهريّ: كان أبيض لَطِيفًا جَعْدًا، مُشرِف الْوَرِكين.
وأخرج أبو يعلى، عن سُويد بن غَفَلة، عن صالح بن موسى بهذا السند إلى عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه بفناء البيت، إذ جاء أبو بكر، فقال النبيّ - ﷺ -: "من سَرَّه أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر"، فغلب عليه اسم عتيق (^١).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي بكر عَتيق بن عثمان، وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي مُليكة: كان اسم أبي بكر عبد الله، وإنما كان عَتيقٌ لَقَبًا، وفي "المعرفة" لأبي نعيم من طريق الليث سُمِّي أبو بكر عَتيقًا لجماله، وذكر عباس الدُّوريّ عن يحيى بن جعفر نحوه.
وفي "تاريخ الفضل بن دكين" سُمِّي عتيقًا؛ لأنه قديم في الخير، وقال الفلاس في "تاريخه": سُمّي عتيقًا لعتاقة وجهه.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح الإسناد، وتعقّبه الذهبيّ، وقال: صالح ضعّفوه، والسند إليه مظلم.
[ ١ / ٤٤٤ ]
قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش بأنسابها. وقال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": كان أبو بكر رجلًا مُؤَلَّفًا (^١) لقومه، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وَثِقَ به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، قلت لمحمد بن الحنفية: لأيّ شيء قُدِّم أبو بكر حتى لا يُذكرَ فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلَهم إسلامًا حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله، وأخرج أبو داود في "الزهد" بسند صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألف درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات، وما ترك دينارًا ولا درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا الْحُمَيْدِيّ، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفًا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعةً كلهم يُعَذَّب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فُهَيرة، وَزُنَّيْرَة (^٢)، والنهدية، وابنتها، وجاريةَ بني المؤمل، وأم عُبيس، وأخرج الدارقطني في "الأفراد" من طريق أبي إسحاق، عن أبي يحيى، قال: لا أُحصي كم سمعت عليًّا يقول على المنبر: إن الله ﷿ سَمَّى أبا بكر على لسان نبيه - ﷺ - صِدِّيقًا.
ومن أعظم مناقبه - ﵁ - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، ولا يُعتَرضُ بأنه لم يتعين؛ لأنه كان مع النبيّ - ﷺ - في الهجرة عامر بن فُهَيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُرَيقط الدَّلِيل؛ لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر - ﵁ -؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استَمَرَّ بمكة،
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعله "مألوفًا".
(٢) ضبطها في "الإصابة" بكسر أولها، وتشديد النون المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة. اهـ ٨/ ١٥٠.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهما إليهما مدة لُبثهما في الغار استمرت، لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في "الصحيحين" من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر، وهما في الغار: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه في هذه المنقبة غيره. وعند أحمد من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي تميم: أن النبيّ - ﷺ - قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما". وفي "الصحيح" عن عمرو بن العاص، قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ فذكر رجالًا، وأخرج الترمذيّ، والبغويّ، والبزار، جميعًا عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن خالد، عن شعبة، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال أبو بكر: "ألست أوّلَ من أسلم، ألست أحقَّ بهذا الأمر، ألست كذا، ألست كذا"، رجاله ثقات، لكن قال الترمذي والبزار: تفرد به عقبة بن خالد، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد، قال الترمذيّ: وهو أصح. وأخرج البغويّ من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مَشيختنا: ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أبا بكر أولُ القوم إسلامًا. وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: وَليَنَا أبو بكر، فخير خليفة، أرحم بنا، وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يُسَمَّى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن مِهْران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ - ﷺ - من زمن بَحِيراء الراهب واخْتَلَفَ بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ - ﵁ -. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الْأَشْنَاق في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حَمَلَ شيئًا، فسأل فيه قريشًا صَدَّقُوه، وأمضوا حمالته، وإن احتملها غيره لم يُصَدِّقُوه، وخَذَلُوه، وذَكَرَ ابن سعد، عن ابن شهاب، أن أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَرِيرةً أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث وكان طبيبًا: ارفع يدك، والله إن فيها لَسُمَّ سنة، فلم يزالا عَلِيلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ومن أعظم مناقب أبي بكر - ﵁ - أن ابن الدَّغِنَة سيد القارة لَمّا رَدّ إليه جواره بمكة، وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ - ﷺ - لَمّا بُعِثَ فتواردا فيهما على نعت واحد، من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبيّ - ﷺ - منذ نشأ كانت أكمل الصفات.
وقد أطنب أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الصديق - ﵁ - حتى إن ترجمته في "تاريخه" على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجلدًا.
وَليَ الخلافة بعد النبيّ - ﷺ - سنتين وشيئًا، وقيل: عشرين شهرًا، تُوُفِّي يوم الاثنين في جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عُمَر، ودُفِن مع رسول الله - ﷺ - (^١).
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٤٢) حديثًا (^٢)، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٢٠) و(١٧٥٧) و(١٧٥٩) وأعاده، و(٢٠٠٩) وكرده ثلاث مرات، و(٢٣٨١) و(٢٧٠٥) والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغلاني، نسبة إلى بَغْلان قرية من قرى بَلْخَ، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن الصحابيين الخليفتين الراشدين، من العشرة المبشّرين بالجنة - ﵁ -، ورواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم [من الطويل]:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٤/ ١٤٤ - ١٥٠ و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٢) وفي "كتاب ابن الجوزيّ" له (١٤٢) حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد عشر حديثًا، ومسلم بحديث.
[ ١ / ٤٤٧ ]
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
وقد تقدّم بيان بعض هذه اللطائف، وإنما أعدته تذكيرًا وتقريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ) هكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند، على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر - ﵁ -، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله - ﷺ - قال: "أُمِرت أن أقاتل الناس … " الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة - ﵁ - ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم بعد هذا الحديث، وهو محمول على أن أبا هريرة - ﵁ - سمع أصل الحديث من النبيّ - ﷺ -، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر - ﵁ -، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة من طُرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذكوان، كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس، سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق هَمّام بن مُنَبِّه، ورواه مالك خارج "الموطإ" عن أبي الزناد، عن الأعرج، وذكره ابن منده في "كتاب الإيمان" من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه عن النبيّ - ﷺ - أيضًا ابنُ عمر، وجابر، وطارقٌ الأشجعيّ، كما سيأتي عند المصنّف بعد هذا، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من حديث أنس - ﵁ -، وأصله عند البخاريّ في أوائل الصلاة من "صحيحه"، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن أنس - ﵁ -، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: "عن أنس، عن أبي بكر"، وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير - ﵄ -، وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ - ﵃ -، وفي الأوسط" من حديث سمرة - ﵁ -، وسأذكر ما في روايات هؤلاء من الفوائد
[ ١ / ٤٤٨ ]
الزائدة في مواضعها - إن شاء الله تعالى (^١).
(لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فعلٌ ونائب فاعله، أي مات، والوفاة: الموت، وتوفّاه الله: قبض روحه، قاله في "القاموس" (^٢).
وقال في "اللسان": الوفاة: المنيّةُ، وتُوُفِّيَ فلانٌ، وَتَوَفَّاه الله: إذا قبض نفسه، قال: وتَوَفِّي الميتِ: استيفاء مدّته التي وُفِيَت له، وعددَ أيامه وشُهُوره وأعوامه في الدنيا. انتهى (^٣).
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]: قراءة الجمهور ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، وقرأ أمير المؤمنين يعني عليًّا - ﵁ - ورواها المفضّل عن عاصم بفتح الياء علي بنائه للفاعل، ومعناها: يستوفُون آجالهم، قاله أبو القاسم الزمخشريّ، والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازة، فقال له رجلٌ: مَن المتَوَفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ - ﵁ - على أن أمره بوضع كتابٍ في النحو، وهذا تناقضه هذه القراءة، انتهى كلام السمين (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يجوز أن يُقرأ "تَوَفَّى" بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، ويكون "رسول الله - ﷺ -" مرفوعًا على الفاعليّة، وهذا على تقدير صحة الرواية به، وإلا فالرواية على الوجه الأول متّبعة. والله تعالى أعلم.
(وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي صار خليفةً (بَعْدَهُ) أي بعد رسول الله - ﷺ - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (وَكفَرَ مَنْ كفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: "لما تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ارتدّ عامّة العرب"، وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لَمّا قُبض رسول الله - ﷺ - ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُوَاثَا (^٥).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٣٤٦.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٢٠٨ - ١٢٠٩.
(٣) "لسان العرب" ١٥/ ٤٠٠.
(٤) "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ٢/ ٤٧٨.
(٥) راجع: "المفهم" ١/ ١٨٥.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وقالى الطيبيّ: قوله: وكفر من كفر: يريد غَطَفَان، وفَزَارة، وبني سُلَيم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر - ﵁ - أن يقاتلهم، فاعترضه عمر - ﵁ - بقوله: "كيف تقاتل الناس … " (^١).
وقال أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل": انقسمت العرب بعد موت النبيّ - ﷺ - على أربعة أقسام:
طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
والثالثة أعلنت بالكفر، والردّة كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ.
وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاح، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف:
صنف كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئًا، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل موت النبيّ - ﷺ -، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ - ﷺ - بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ - ﷺ - في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
وصنفٌ أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان خاصًّا للنبيّ - ﷺ -؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٤٨٤.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وصنفٌ اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر - ﵁ -، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ - ﷺ - خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة - ﵁ - قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر - ﵁ -، فباحَثَ أبا بكر - ﵁ - في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر - ﵁ - فوافقه على ذلك، ولذلك قال: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ": أي ظهر له من الدليل، وحَصَل له من ثَلَجِ الصدر (^١)، وانشراحه لذلك مثلُ الذي حصل لأبي بكر - ﵁ -، لا أنه قلّده، واتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه.
ثم إن أبا بكر - ﵁ - قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو بكر - ﵁ -، ووُلي عمر - ﵁ - ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّين، وكان أبو بكر - ﵁ - يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من المالكيّة، وكان عمر - ﵁ - يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة الفتوى (^٢).
وقد ذكر الإمام الخطابيّ رحمه الله تعالى في كتابه "معالم السنن": في شرح هذا الكلام (^٣) كلامًا حسنًا، لا بُدّ من ذكره؛ لما فيه من الفوائد.
قال رحمه الله تعالى: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعْلَمَ أن أهل الرّدّة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين
_________________
(١) قال في "المصباح" ١/ ٨٣: ثَلَجَتِ النفوس ثُلُوجًا وثَلَجًا، من بابي قَعَدَ وتَعِبَ: اطمأنت انتهى.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٩٥ - ٢٠٠ و"المفهم" ١/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٣) يعني قوله: "لَمّا تُوفّي رسول الله - ﷺ -، واستُخلف أبو بكر - ﵁ - بعده، وكَفَرَ من كفر من العرب".
[ ١ / ٤٥١ ]
عناهم أبو هريرة - ﵁ - بقوله: "وكَفَرَ من كفر من العرب"، وهذه الفرقة طائفتان.
إحداهما: أصحاب مسيلمة، من بني حنيفة وغيرهم الذين صَدّقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسيّ، ومن كان من مستجيبيه، من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبيّنا محمد - ﷺ -، مُدّعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر - ﵁ - حتى قَتَلَ الله مسيلمة باليمامة، والعنسيّ بصنعاء، وانفضت جموعهم، وهلك أكثرهم.
والطائفة الأخرى ارتدُّوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسْجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين، في قرية يقال لها جُوَاثا، ففي ذلك يقول الأعور الشنّي (^١) يفتخر بذلك [من البسيط]:
وَالْمَسْجِدُ الثَّالِثُ الشَّرْقِيُّ كَانَ لَنَا … وَالْمِنْبَرَانِ وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِي الْخُطَبِ
أَيَّامَ لَا مِنْبَرٌ لِلنَّاسِ نَعْرِفُهُ … إِلَّا بِطَيْبَةَ وَالْمَحْجُوجِ ذِي الْحُجُبِ
وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم، من الأزد محصورين بِجُوَاثَا إلىَ أن فتح الله ﷾ على المسلمين اليمامة، فقال بعضهم، وهو رجل من بني أبي بكر بن كلاب، يَستنجِد أبا بكر الصديق - ﵁ -[من الوافر]:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا … وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ … قَعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا
كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجِّ … دِمَاءُ الْبُدْنِ تُغْشِي النَّاظِرِينَا
تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمنِ إِنَّا … وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا
والصنف الآخر هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغيٍ، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا؛ لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين
_________________
(١) هكذا في نسخة شرح النووي، والذي في نسخة "معالم السنن" للخطابيّ "الترينيّ" فليُحرر، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وأهمهما، وأُرِّخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب - ﵁ -؛ إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة، من كان يَسْمَح بالزكاة، ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يَرْبُوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر - ﵁ -، فمنعهم مالك بن نُوَيرة عن ذلك، وفرَّقها فيهم، وقال في شعر له [من الطويل]:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
سَأجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَتَّقُونَهُ … وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي
وقال بعض شُعرائهم، ممن سلك هذه الطريقة في منع الزكاة، يُحَرِّض قومه، ويأمرُهُم على قتال من طالبهم بها [من الطويل]:
أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا دَامَ بَيْنَنَا … فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبي بَكْرِ؟
وَإِنَّ الَّذِي سَالُكُمُ (^١) فَمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامًا عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر - ﵁ -، فراجع أبا بكر - ﵁ -، وناظره، واحتج عليه بقول النبيّ - ﷺ -: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَمَ نفسه وماله"، وكان هذا من عمر - ﵁ - تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر - ﵁ -: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَهُ بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة - ﵃ -، لذلك رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر - ﵁ - بالعموم، ومن أبي بكر - ﵁ - بالقياس، ودَلَّ ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد، من شرط، واستثناءٍ مُرَاعًى فيه، ومُعْتَبرٌ صحَّتُهُ به، فلَمّا
_________________
(١) قوله: "سَالُكُمُ" بتسهيل الهمزة من "سَالَ".
[ ١ / ٤٥٣ ]
استقرّ عند عمر صحة رأي أبي بكر - ﵄ -، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فَلَمَّا رأيت الله قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتال، عَرَفْتُ أنه الحقّ"، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًّا، ودلالة.
وقد زعم قوم من الروافض أن عمر - ﵁ - إنما أراد بهذا القول تقليد أبي بكر - ﵁ -، وأنه كان يعتقد له العصمة، والبراءة من الخطإ، وليس ذلك كما زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك، وبيّنته.
وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر - ﵁ - أول مَن سَمّى المسلمين كفّارًا وأن القوم كانوا متأوّلين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاصّ في مواجهة النبيّ - ﷺ - دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدِّق ما للنبيّ - ﷺ -، ومثل هذه الشبهة إذا وجِد كان مما يُعْذَر فيه أمثالُهم، ويُرْفَعُ به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عَسْفًا، وسوء سيرة، وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتَّهموه، ولم يأمنوه على أموالهم، إلى ما يُشبه هذا الكلام الذي لا حاصل له، ولا طائل فيه.
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لا خَلَاقَ لهم في الدين، وإنما رأس مالهم الْبَهْتُ والتّكذيب، والْوَقِيعَة في السلف.
قد بَيَّنَا أن أهل الردّة كانوا أصنافًا، منهم من ارتدّ عن الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة - ﵃ - كفّارًا، ولذلك رأى أبو بكر - ﵁ - سَبْيَ ذراريّهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد عليّ بن أبي طالب - ﵁ - جاريةً من سبي بني حَنِيفة، فولدت له محمدًا الذي يُدْعَى ابن الحنفية، ثم لم يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدَّ لا يُسْبَى.
فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي، ولم يُسَمَّوا على الانفراد منهم كفّارًا، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛ لمشاركتهم
[ ١ / ٤٥٤ ]
المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الرّدّة اسم لغويّ، وكلُّ من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتدّ عنه، وقد وُجِد من هؤلاء القوم الانصرافُ عن الطاعة، ومنعُ الحق، فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعَلِقَ بهم الاسم القبيح؛ لمشاركتهم القومَ الذين كان ارتدادهم حقًّا.
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وما ادَّعَوه من كون الخطاب فيه خاصًّا لرسول الله - ﷺ -، فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطابٌ عامٌّ، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، وخطاب خاصٌّ للنبيّ - ﷺ -، لا يَشْرَكُهُ فيه غيره، وهو ما أُبِين به عن غيره بسِمَةِ التخصيص، وقَطْعِ التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وخطابُ مواجهةٍ للنبيّ - ﷺ -، وهو وجميع أمته في المراد به سواءٌ، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكُلُّ من دَلَكَت له الشمس كان عليه إقامة الصلاة واجبةً، وكلُّ من أراد قراءة القرآن كانت الاستعاذة مُعْتَصَمًا له، وكلُّ من حضره العدوّ، وخاف فوت الصلاة، أقامها على الوجه الذي فعلها رسول الله - ﷺ -، وسَنَّها لأمّته، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حَذْوَه في أخذها منهم، وإنما الفائدة في مواجهة النبيّ - ﷺ - بالخطاب، أنه هو الداعي إلى الله تعالى، والْمُبَيّن عنه معنى ما أراده، فقُدِّم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما يَنْهَجه، ويُبَيِّنه لهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالتنويه باسمه خصوصًا، ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له مواجهةً، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]- إلى قوله -:
[ ١ / ٤٥٥ ]
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، ولا يجوز أن يكون - ﷺ - قد شكّ قطّ في شيء مما أنزل عليه، وكقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] (^١)، وقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وهذا خطاب لم يتوجّه عليه، ولم يلزمه حكمه؛ لأمرين: أحدهما أنه لم يُدرك والديه، ولا كان واجبًا عليه لو أدركهما أن يُحسن إليهما، ويشكرهما إحسان الآباء المسلمين وشكرهم.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله - ﷺ - فيها، وكلُّ الثواب موعود على عمل من الطاعات كان في زمنه - ﷺ -، فإنه باقٍ غير منقطع بوفاته، وقد يُسْتَحَبُّ للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدِّق بالنماء والبركة في ماله، ويُرْجَى أن يستجيب الله تعالى ذلك، ولا يُخَيِّب مسألته فيه.
قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: ومن لواحق بيان ما تقدّم في الفصل الأول من ذكر وجوب إيتاء الزكاة وأدائها إلى القائم بعد النبيّ - ﷺ - أن النبيّ - ﷺ - جعل آخر كلامه عند وفاته قوله: "الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم"؛ ليُعقل أن فرض الزكاة قائمٌ، كفرض الصلاة، وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة، ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة"؛ استدلالًا بهذا، مع سائر ما عُقِل من أنواع الأدلّة على وجوبها، والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: كيف تَأَوَّلْتَ أمر الطائفة التي مَنَعَت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغيٍ، أرأيتَ إن أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا منً أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟
[قيل]: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور، لا يَحْدُث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها وقوع الفترة بموت النبيّ - ﷺ -، وكان القوم جُهّالًا
_________________
(١) في كون هذا من خطاب النبيّ - ﷺ - نظر لا يخفى؛ لأن هذا من خطاب لقمان لابنه، كما نصّ القرآن، فليُتأمّل.
[ ١ / ٤٥٦ ]
بأمور الدين، وكان عهدهم حديثًا بالإسلام، فتداخلتهم الشبهة، فَعُذِروا كما عُذِر بعضُ من تأوّل من الصحابة في استباحة شرب الخمر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فقالوا: نحن نشربها، ونؤمن بالله، ونعمل الصالحات، ونتّقي، ونُصلح. فأما اليومَ، وقد شاع دين الإسلام، واستفاض علمُ وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، واشترك فيها العالم والجاهل، فلا يُعْذَر أحدٌ بتأويلٍ يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كُلّ من أنكر شيئًا، مما أجمعت الأمة عليه، من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلٌ حديث عهد بالإسلام، ولا يَعْرِف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يُكَفَّر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه.
فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يَرِثُ، وأن للجدة السدسَ، وما أشبه ذلك، من الأحكام، فإن من أنكرها لا يُكَفَّرُ، بل يُعْذَر فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة، وتفرّد الخاصّة بها.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: وإنما عرَضَ الوهمُ في تأويل الحديث من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ووقعت الشبهة فيه لمن تأوّله على الوجه الذي حكيناه عنهم؛ لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه، وذِكْرُ القصة في كيفية الردّة منهم، وإنما قَصَدَ به حكاية ما جَرَى بين أبي بكر وعمر - ﵄ -، وما تنازعاه من الحجاج في استباحة قتالهم، ويُشْبِهُ أن يكون أبو هريرة إنما لم يُعْنَ بذكر جميع القصة، وسوقها على وجهها كلّها؛ اعتمادًا على معرفة المخاطبين بها؛ إذ كانوا قد عَلِمُوا وجه الأمر، وكيفية القصة في ذلك، فلم يضرّ ترك إشباع البيان مع حصول العلم عندهم به، والله تعالى أعلم.
ويُبَيِّن لك أن حديث أبي هريرة - ﵁ - مختصر، غير مستَقْصًى أن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك - ﵃ - قد روياه عن رسول الله - ﷺ - بزيادة شروط ومعانٍ لم يذكرها أبو هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٤٥٧ ]
فأما حديث أنس - ﵁ -، فقد رواه أبو داود في "كتاب الجهاد" من "السنن"، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب الطالقانيّ، حدّثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك، حَرُمَت علينا في ماؤهم، وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين".
وأما حديث ابن عمر - ﵄ -، ففيه زيادة شرط الزكاة، وقد رواه محمد بن إسماعيل البخاريّ في "الجامع الصحيح"، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، قال: حدثنا أبو رَوْح الْحَرَمِيّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يُحَدِّث عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". انتهى كلام الخطّابيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقد اعترض الحافظ في "الفتح" جوابه المذكور، وسيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ) - ﵄ - (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث أنس: "أتريد أن تقاتل العرب" (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) الواو واو الحال (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّا الله)، قال في "الفتح": كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق الآتية: "من وحّد الله، وكفر بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمه وماله". وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة". ونحوه في حديث أبي الْعَنْبَس، وفي حديث أنس عند أبي داود: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا". وفي رواية العلاء بن
_________________
(١) راجع: "معالم السنن" ٢/ ١٦٣ - ١٦٨.
[ ١ / ٤٥٨ ]
عبد الرحمن: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به".
قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟ فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة.
قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به - ﷺ -؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: "تقاتل الناس" الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة، حيث قال فيها: "ويؤمنوا بي، وبما جئت به"، فإن مقتضى ذلك أن من جَحَد شيئًا مما جاء به - ﷺ -، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث، انتهى مُلَخصًا.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: "حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلفّظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
قال عياض: حديث ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يزكّ، كمن لم يقرّ بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على
[ ١ / ٤٥٩ ]
أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: "إلا بحقّه".
قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: "بحقّه" للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (^١).
(فَمَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من الْعِصَام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، هو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به.
وأما بالنسبة للنفس فهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل"، والله تعالى أعلم.
(وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ") أي حساب سريرته على الله تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، اْعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم لي في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوإ الكافرين.
ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: (وحسابه على الله") أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء.
وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام الخطّابيّ.
وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) "المفهم" ٣/ ١٨٩.
[ ١ / ٤٦٠ ]
عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة". وهذا كلام القاضي.
قلت (^١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله - ﷺ -، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة - ﵁ -، هي مذكورة في "صحيح مسلم": "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". والله أعلم.
قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا:
أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة.
والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة.
والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل.
والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا.
والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص - ﵁ - مرفوعًا: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله". أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) القائل هو النوويّ رحمه الله تعالى.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
[ ١ / ٤٦١ ]
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، "فَرَقَ"، و"فَرَّقَ" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى.
وعبارة الحافظ: يجوز تشديد "فرّق" وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق - ﵁ -، ولم يَعْذِرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودها في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا، انتهى (^١).
(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فمن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: "ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، هذا الرّدّ يدلّ على أن عمر - ﵁ - حَمَلَ الحقّ في قوله: "عَصَم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه" على غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر - ﵁ - بالحديث على منع المقاتلة، وردُّ أبي بكر - ﵁ - بقوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، أو يقال: إن عمر ظنّ أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، أجابه أبو بكر - ﵁ - بأني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة، ويَعضد هذا الوجه قوله: "كَفَرَ من كَفَرَ". انتهى (^٢).
(واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا)، هكذا رواية مسلم بلفظ: (عِقَالًا)، قال الحافظ
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٢٨٠.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٤٨٤.
[ ١ / ٤٦٢ ]
رحمه الله تعالى في "الفتح" بعد أن ذكره بلفظ "عناقًا" ما نصّه: ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم "عقالًا"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام" عن قتيبة، فكَنَى بهذه اللفظة، فقال: "لو منعوني كذا".
واختُلِفَ في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في "الاعتصام" عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير - يعني شيخه فيه هنا - وعبدُ الله - يعني ابن صالح - عن الليث: "عَنَاقًا"، وهو أصحّ، ووقع في روايةٍ ذكرها أبو عُبيدة: "لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط"، وهو يؤيّد أن الرواية "عَناقًا"، و"الأذوط" الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال: و"العَنَاق" - بفتح المهملة، والنون -: الأنثى من ولد المعز. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": هكذا في مسلم "عِقَالًا"، وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها "عَنَاقًا" - بفتح العين، وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين، فقال في مرة: عقالًا، وفي الأخرى "عناقًا"، فرُوي عنه اللفظان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة، انتهى.
لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يُكَرِّر أبو بكر - ﵁ - الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد، فتأمّله. والله تعالى أعلم.
قال: فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا، هذا هو الصحيح المشهور.
وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعية: لا يزكِّي الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب.
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٢٨٠.
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. والله أعلم.
وأما رواية "عِقَالًا" فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ [من البسيط]:
سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا (^١) … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
لأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ (^٢)
أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف.
وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلّاه عمه معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك.
قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه.
وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير.
وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التحرير"، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين.
قال صاحب "التحرير": قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج المضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما عُلِّق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى، قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله - ﷺ -: "لعن الله السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، وَيسرق الحبل، فتقطع يده"، أن المراد
_________________
(١) السبد: البقية من النبت، والقليل من الشعر. أي لم يترك شيئًا قليلًا.
(٢) البيت الثاني مزيد من "لسان العرب"، وكذا جملة قوله: "فاعتدى عليهم".
[ ١ / ٤٦٤ ]
بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطَّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة.
قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح الله فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه الله تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان أبلغ.
فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: "عَنَاقًا"، وفي بعضها: "لو منعوني جَدْيًا أذوط". والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب "التحرير".
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ "منعوني عِقالًا"، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهمًا، فمنعه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالًا، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساوي عقالًا، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يُعَانِ الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم - وربما وافقه بعض المتقدّمين - على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا، وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ.
وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا.
ويجوز أن يراد منعوني عقالًا، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من
[ ١ / ٤٦٥ ]
يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال:
[أحدها]: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلًا أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها.
[والثاني]: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة.
[والثالث]: يتخيّر بين العرض والنقد. والله أعلم.
وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها.
قال الخطّابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى قَرَن - وهو بفتح القاف، والراء - وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل.
وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي - ﷺ - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما، وكان عمر - ﵁ - أيضًا يأخذ مع كلّ فريضة عقالًا. والله أعلم انتهى كلام النوويّ (^١).
ونقل ابن الصلاح عن أبي العبّاس المبرّد في كتابه "الكامل" أن المصدّق إذا أخذ من مال الصدقة ما فيه، ولم يأخذ ثمنه قيل: أخذ عِقالًا، وإذا أخذ ثمنه قيل: أخذ نقدًا، قال الشاعر [من الطويل]:
أَتَانَا أَبُو الْخَطَّاب يَضْرِبُ طَبْلَهُ … فَرُدَّ وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدَا
وذكر أن الصحيح في العقال المذكور تفسيره بهذا، قال ابن الصلاح: وليس ذلك عندنا بصحيح. انتهى (^٢).
وذكر القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه "المفهم" في معنى "العقال" خمسة أقوال:
(الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل.
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٥٧ - ١٥٩.
(٢) "الصيانة" ص ١٦٦.
[ ١ / ٤٦٦ ]
(الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد قوله: "سَعَى عِقَالًا إلخ".
(الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه، قاله أبو سعيد الضرير.
(الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ نقدًا، ومنه قول الشاعر:
وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا
(الخامس): أنه اسم لما يُعقل به البعير، قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالًا، ورِوَاء (^١).
قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج التقليل. والله أعلم (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن رواية "عِقَالًا" صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدوابّ، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. والله تعالى أعلم.
(كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: (فَوَاللهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن، وقال السنديّ: أي ما سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ - ﷿ -) أي: علمت وأيقنت أن الله تعالى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر مُحِقّ، ونحوه قوله تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فـ ﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسّره ما بعده. انتهى (^٣).
_________________
(١) الرواء: الحبل الذي تربط به المزادتان. والمزادة: الراوية التي ينقل بها الماء. قلت: لم أرَ سند هذا الحديث، فيحتاج الى النظر في سنده، والله أعلم.
(٢) راجع: "المفهم" ١/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٣) "الكاشف" ٥/ ١٤٨٤ - ١٤٨٥.
[ ١ / ٤٦٧ ]
(قَدْ شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى الله - ﷿ -، في قلبه من الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر - ﵁ - من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر - ﵁ - قلّد أبا بكر - ﵁ -، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد.
وقد زعمت الرافضة أن عمر - ﵁ - إنما وافق أبا بكر تقليدًا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسأله الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا فقط (٨/ ١٣٢) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة، عن عمر وأبي بكر - ﵃ -.
وأخرجه (البخاريّ) في "الزكاة" ٢/ ١٣١ (١٣٩٩) و١٤٧ (١٤٥٦) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة - وفي ٢/ ١٤٧ (١٤٥٦) وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر - وفي "استتابة المرتدّين" ٩/ ١٩ (٦٩٢٤) عن يحيى بن بُكير - وفي "الاعتصام" ٩/ ١١٥ (٨٢٨٤) و(٨٢٨٥) عن قتيبة - كلاهما عن الليث، عن عُقيل - ثلاثتهم عن الزهريّ، عن عبيد الله به.
و(أبو داود) في "الزكاة" (١٥٥٦) عن قتيبة - به، و(١٥٥٧) عن أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ عن أبي بكر به مرسلًا.
و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٠٧) عن قتيبة به، وقال: حسنٌ صحيح، وهكذا روى شعيبٌ عن الزهريّ، وروى هذا الحديث عن عمران القطّان، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ، وقد خولف عمران في روايته عن معمر.
[ ١ / ٤٦٨ ]
و(النسائيّ) في "الزكاة" ٥/ ١٤ (٢٢٢٣) وفي "المحاربة" ٧/ ٧٧ (٣٤٣٢) عن قتيبة به، وفي "الجهاد" ٥/ ٦ (٤٣٠٠) عن كثير بن عبيد، عن بقية بن الوليد ٦/ ٥ (٤٣٠٠) وفي "المحاربة) أيضًا (٣٤٣٥) عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة به، و٦/ ٥ (٤٢٩٩) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيديّ، و٦/ ٦ (٤٣٠١)، وفي "المحاربة أيضًا" (٣٤٣٧) و٧/ ٧٨ عن أحمد بن سليمان، عن مؤمّل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة، وذكر آخر، أربعتهم عن الزهريّ به، وفي "المحاربة" أيضًا ٧/ ٧٧ (٣٤٣٣) عن زياد بن أيوب، عن محمد بن يزيد، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي هريرة، عن عمر، عن النبيّ - ﷺ -.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ١/ ١٩ (١١٧) عن عصام بن خالد، وأبي اليمان، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة، وفي ١/ ٤٧ (٣٣٥) عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح، عن معمر به.
وأخرجه أيضًا ١/ ٣٥ (٢٣٩) عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لَمّا ارتدّ أهل الردّة في زمان أبي بكر قال عمر … الحديث، ليس فيه أبو هريرة. و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٣ و١١٤ و١١٥ و١١٦ و١١٧ و١١٨).
وأخرجه (عبد الرزاق) (١٨٧١٨) و(ابن منده) في "الإيمان" (٢١٦) و(البيهقيّ) في "الكبرى" ٤/ ١١٤ و٧/ ٣ (^١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان فوائده:
١ - (منها): بيان أن الناس يُقاتلون إلى أن يوحّدوا الله تعالى، ويلتزموا أحكام الشريعة كلها.
٢ - (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر - ﵁ -، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٧/ ٣٠٩ - ٣١٠.
[ ١ / ٤٦٩ ]
أكبر نعمة، أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، فقد استنبط - ﵁ - من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول الله - ﷺ -. وقد صنّف العلماء رحمهم الله تعالى في معرفة رجحانه أشياء كثيرة، مشهورة في الأصول وغيرها، ومن أحسنها كتاب "فضائل الصحابة - ﵃ -" للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
٣ - (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ - ﷺ - حكم بذلك، حيث قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … " إلى أن قال: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم … " الحديث.
وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلا حقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ بالله من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
وقد استوفيتُ هذا البحث في المسائل التي ذكرتها أوائل "كتاب الإيمان"، فارجع إليها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لأظهار الحقّ.
٥ - (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله - ﷺ -، وقد جمع ذلك النبيّ - ﷺ - كما في رواية
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٤٧٠ ]
لمسلم - بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به".
٦ - (ومنها): مشروعيّة مقاتلة مانع الزكاة، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت منه قهرًا.
٧ - (ومنها): وجوب الجهاد.
٨ - (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف.
٩ - (ومنها): أن الأحكام تُجْرَى على الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر.
١٠ - (ومنها): أن الصحابة كانوا قائلين بجواز القياس والعمل به.
١١ - (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرها من واجبات الإسلام، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر - ﵁ -: "لو منعوني عقالًا"، أو "عناقًا".
١٢ - (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: "فإن الزكاة حقّ المال".
١٣ - (ومنها): وجوب قتل أهل البغي.
١٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه وجوب الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها.
١٥ - (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه.
١٦ - (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذٍ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله.
١٧ - (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وإن كان دون استحلاف.
١٨ - (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول.
١٩ - (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه.
[ ١ / ٤٧١ ]
٢٠ - (ومنها): أنه استدلّ به مالك والشافعيّ رحمهما الله تعالى، ومن قال بقولهما على قتل تارك الصلاة، وإن كان معتقدًا لوجوبها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٢١ - (ومنها): أنه تمسّك برواية "لو منعونى جَذَعًا" بدل "عَنَاقًا" من أجاز أخذ الْجَذَع من المعز في الزكاة إذا كانت سخالًا كلها، وهو قول الشافعيّ، وأحد قولي مالك، وليس بالمشهور عنه، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولا حجة في ذلك؛ لأنه خرج مخرج التقليل، فإن عادة العرب إذا أغيت تقليل شيء ذكرت في كلامها ما لا يكون مقصودًا، كما قال رسول الله - ﷺ -: "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة"، متّفقٌ عليه، وقال أيضًا: "ولو ظِلْفًا مُحرَقًا" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليسا مما يُنتفع بهما، وكذلك قوله - ﷺ -: "من بَنَى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة" (^١)، وذلك القدر لا يكون مسجدًا، ونحو من هذا في الإغياء قول امرئ القيس [من الطويل]:
مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ … مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإِتْبِ (^٢) مِنْهَا لأَثَّرَا
ونحوه كثير في كلامهم في التقليل والتكثير، والتعظيم والتحقير. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في محله من "كتاب الزكاة" - إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): أن الحديث حجة على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ بردّته، بل يؤخذ منه ما وجب عليه منها، فإن تاب، وإلا قُتل، وكان ماله فيئًا.
٢٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: في الحديث أن من أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل
_________________
(١) رواه البيهقيّ في "الكبرى" ٢/ ٤٣٧.
(٢) بكسر فسكون: بُرْدٌ يُشَقّ، تلبسه المرأة من غير جيب، ولا كُمِّين اهـ "القاموس" ص ٥٦.
(٣) "المفهم" ١/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ١ / ٤٧٢ ]
يُقبل منه، أو لا؟ وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
في قوله - ﷺ -: حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" فإنه يفيد منع قتل من قال: "لا إله إلا الله"، ولو لم يزد عليه، "محمد رسول الله".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحقّ الإسلام".
وقال البغويّ رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيًّا، أو ثنويًّا، لا يقرّ بالوحدانيّة، فإذا قال: "لا إله إلا الله" حُكم بإسلامه، ثُمَّ يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًّا بالوحدانيّة، منكرًا للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: "محمد رسول الله"، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: "إلى جميع الخلق"، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: "يجبر" أنه إذا لم يلتزم تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في "صحيحي البخاري ومسلم" في "كتاب الإيمان" من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ويحتمل أن يكون المراد بقول: "لا إله إلا الله" هنا التلفّظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيّده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى، انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من نطق بكلمة التوحيد فقط حُكم له بحكم الإسلام، وهذا الظاهر متروك قطعًا؛ إذ لا بدّ مع
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
[ ١ / ٤٧٣ ]
ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدلّ عليها، لكنه سكت عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمان، فهي مرادة قطعًا، ثم النطق بالشهادتين يدلّ على الدخول في الدين، والتصديق بكلّ ما تضمّنه، وعلى هذا فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية، كما يقال: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، والمراد جميع السورة، ويدلّ على صحّة ما قلناه الروايات الأخرى التي فيها: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وفي لفظ آخر: "أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به"، غير أن أبا بكر وعمر لم يحضرهما في وقت المناظرة غير ذلك اللفظ الذي ذكراه؛ إذ لو حضرهما قوله - ﷺ -: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لارتفع البحث بينهما؛ لأن اللفظ نصّ في المطلوب، وأوضح في الدلالة مما استدلّ به أبو بكر - ﵁ - من قوله: "لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة"، ويعني بهذا أبو بكر - ﵁ - والله أعلم - أن الله تعالى قد سوّى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وفي غيرها، فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاة المأمور بها واجبة قطعًا، فالزكاة مثلها، فمن فرّق بينهما قُوتل.
ويمكن أن يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ودليل خطابها أن من لم يفعل جميع ذلك لم يُخَلَّ سبيله، فيُقاتَلُ إلى أن يُقتَلَ أو يتوب. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
أنه استُدلّ بهذا الحديث على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يطالب
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٨٧ - ١٨٨.
[ ١ / ٤٧٤ ]
بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذٍ، ويقال: إن أصبغ من المالكية استقرّ على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر - ﵄ - فيما رأى من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم.
وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها. انتهى كلام عياض رحمه الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يستفاد من فعل عمر - ﵁ - وحكمه أن الإمام المجتهد العدل إذا أمر بأمر، أو حَكَم بحكم وجبت موافقته على ذلك، وإن كان في رعيّته من يرى خلاف رأيه، بل يجب عليه ترك العمل والفتيا بما عنده، وإن اعتقد صحّته، فإن عاد الأمر إليه عمل برأيه الذي كان يعتقده صوابًا، كما فعل عمر - ﵁ -، حيث ردّ في خلافته السبايا.
ويحصل من قضيّة الخليفتين أن سبي أولاد المرتدّين لم يكن مجمعًا عليه، وأن عمر - ﵁ - إنما وافق أبا بكر ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميع لا غير، وأما سبيُ الذراريّ فلم يوافقه عليه باطنًا، لكنه ترك العمل بما ظهر
[ ١ / ٤٧٥ ]
له، والفتيا به؛ لِمَا يجب عليه من طاعة الإمام وموافقته، فلَمّا وُلِّي عَمِلَ بما كان عنده، هذا هو الظاهر من حال عمر - ﵁ -، ولا يجوز أن يقال: إنه قد ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر، ثم تغيّر اجتهاده؛ لأن ذلك يلزم منه خرق إجماع الصحابة - ﵃ - السابق، فإنهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر - ﵁ - على السبي، وعَمِلُوا بذلك من غير مخالفة ظهرت من أحد منهم، ولا إنكار ظاهر، غير أنهم منقسمون في ذلك إلى من ظهر له جواز ذلك، فسكت لذلك، ومنهم من ظهر له خلاف ذلك، فسكت بحكم ترجيح قول الإمام العدل المجتهد على رأيه، ولوجوب اتّباع الإمام على ما يراه، والعمل به، فإذا فُقد ذلك الإمام، تعيّن على ذلك المجتهد أن يَعمل على ما كان قد ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنه يعتمد على ذلك الرأي الأول من غير إعادة البحث ثانيةً؛ لإمكان التغيّر على ما بُيّن في محلّه من "أصول الفقه".
وقد حكى بعض الناس أن الإجماع انعقد بعد أبي بكر - ﵁ - على أن المرتدّ لا يُسبَى، وليس ذلك بصحيح؛ لوجود الخلاف في ذلك، كما حكيناه عن أصبغ، ولأنه يؤدّي إلى تناقض الإجماعين، وهو محالٌ، كما يُعرف في "الأصول"، ولَمّا اعتقد بعض الأصوليين في هذه المسألة إجماعين متناقضين، رأى أن الْمَخْلَص من ذلك اشتراط انقراض العصر في صحّة الإجماع، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماع أوّلًا وآخرًا؛ لأن عصر الصحابة لم يكن انقرض في زمان عمر - ﵁ -.
قال القرطبيّ: واشتراط انقراض العصر في دلالة الإجماع باطلٌ؛ لأنه زيادة شرط في دلالات الإجماع الصحيحة من غير أن يشهد لتلك الزيادة عقلٌ ولا نقلٌ، والصحيح من هذه المسألة أنه لا إجماع فيها أوّلًا ولا آخرًا؛ لإضمار الخلاف فيها في عصر أبي بكر - ﵁ -، والتصريح به بعده (^١). انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٨٦ - ١٨٧.
[ ١ / ٤٧٦ ]
[١٣٣] (٢١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) ٢/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التُّجيبيّ (^١) المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) ٢/ ١٤).
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان، أبو عبد الله العسكريّ المصريّ، المعروف بابن التُّسْتَرِيّ (^٢)، صدوقٌ، تُكُلِّم في بعض سماعاته بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق).
رَوَى عن ابن وهب، والمفضل بن فَضَالة، وضِمَام بن إسماعيل وغيرهم.
وَرَوى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، وإبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وحرب الكرماني، وابن الضُّرَيس، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال أبو داود: كان ابن معين يَحْلف أنه كذّاب، وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه، قيل لي بمصر: إنه قَدِمَها، واشترى كُتُب ابن وهب، وكتاب الْمُفَضَّل بن فَضَالة، ثم قَدِمتُ بغداد، فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا:
_________________
(١) قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في "صيانة صحيح مسلم" ١/ ١٧٠: حرملة بن يحيى شيخ مسلم، منسوب إلى تُجِيب، قبيلة من كِنْدة - بضم التاء المثناة من فوق في قوله، وتفتح أيضًا - وبالضم هو عند أصحاب الحديث، وكثيرٍ من الأدباء، ولم يُجِز فيه بعضهم إلا الفتح، وليس ذلك بالقويّ، وحرملة هذا هو صاحب الشافعي الذي يذكره أصحابه في مصنفاتهم. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه.
(٢) بضم أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه.
[ ١ / ٤٧٧ ]
نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب، والرواية عن المفضل لا يستويان. وقال سعيد بن عَمْرو الْبَرْدعيّ: أنكر أبو زرعة على مسلم روايته عن أحمد بن عيسى في "الصحيح"، قال سعيد: قال لي: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أنه، وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب. وقال الخطيب: ما رأيت لمن تكلم فيه حجةً توجب ترك الاحتجاج بحديثه.
قال الحافظ: إنما أنكروا عليه ادّعاء السماع، ولم يُتَّهَم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير. والله أعلم.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال النسائيّ: أحمد بن عيسى كان بالْعَسْكَر ليس به بأس، وقال البغويّ، وابن قانع، وابن يونس: مات سنة (٢٤٣).
روى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد فقيه [٩] ١٩٧ (ع) ٢/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ) (^١) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقة، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) ٢/ ١٤.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب) (^٢) بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهَاء الكبار، من كبار [٣] بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) ٤/ ٧٠.
والباقيان تقدّما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به.
_________________
(١) فيه ستة أوجه: ضمّ النون، وكسرها، وفتحها، مع الهمز وتركه. "شرح النوويّ" ١/ ٢٠٠.
(٢) قوله: "ابن المسيِّب" اشتهر أنه بفتح الياء المشدّدة، لكن الأولى كسرها؛ لأنه كان يَكْرَهُ الفتح، بل قَيل: إنه دعا على من فتحه، كما سبق بيان ذلك في "شرح المقدّمة".
[ ١ / ٤٧٨ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنف) هنا [٨/ ١٣٣] (٢١) و(البخاري) في "الجهاد" ٤/ ٥٨ (٢٩٤٦)، و(النسائيّ) في "الجهاد" ٦/ ٤ (٤٢٩٨) وفي "المحاربة" (٣٤٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ. (ح) وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِه، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ (^١) الضَّبِّيُّ) أَبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) ١/ ١٠٢.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ: عَبد العزيز بن محمد بن عُبيد بن أبي عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، وكان يُحدّث من كُتُب غيره فيُخطئ، قال النسائيّ: منكر الحديث عن عبيد الله العمريّ [٨].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعمرو بن أبي عمرو، وثور بن زيد الدِّيليّ، وحميد الطويل، وجعفر الصادق، والحارث بن فُضَيل، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وَرَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وهما أكبر منه، وابن إسحاق، وهو من
_________________
(١) بسكون الموحّدة.
[ ١ / ٤٧٩ ]
شيوخه، والشافعيّ، وابن مهديّ، وابن وهب، ووكيع، وداود بن عبد الله الْجَعْفري، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، والقعنبيّ، وأصبغ بن الْفَرَج، وبشر بن الحكم، وسعيد بن منصور، والحميديّ، وإبراهيم بن حمزة، وهارون بن معروف، وغيرهم.
قال مصعب الزبيريّ: كان مالك يوثق الدَّرَاورديّ. وقال أحمد بن حنبل: كان معروفًا بالطلب، وإذا حَدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كُتُب الناس وَهِمَ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قَلَب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر.
وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: الدَّراورديّ أثبت من فُلَيح، وابن أبي الزناد، وأبي أويس.
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، رُبَّما حَدَّث من حفظه الشيء فيخطئ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن يوسف بن الماجشون، والدَّراورديّ؟ فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وقال العجليّ: ثقة. وقال الساجيّ: كان من أهل الصدق والأمانة، إلا أنه كثير الوَهَم، قال: وقال أحمد: حاتم بن إسماعيل أحب إليّ منه، وقال عمرو بن عليّ: حَدَّث عنه ابن مهديّ حديثًا واحدًا. وقال الزبير: حدثني عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن: جاء الدَّراورديّ إلى أبي يَعْرِض عليه الحديث، فجَعَل يَلْحَن لَحْنًا منكرًا، فقال له أبي: ويحك إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا.
وقال ابن سعد: وُلد بالمدينة، ونشأ بها، وسمع بها العلم والأحاديث، ولم يزل بها حتى توفي سنة (١٨٧)، وكان ثقةً، كثير الحديث، يَغْلَط.
وَحَكَى البخاريّ أنه مات سنة (٨٩) وجزم به ابن قانع، والْقَرّاب، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في صفر سنة (٨٦) وكان يخطئ، قال: وقد قيل: إنه تُوُفّي سنة (٨٢) انتهى.
أخرج له الجماعة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا.
[ ١ / ٤٨٠ ]
[تنبيه]: قال ابن سعد: دَراورد قرية بخراسان، وقال أبو حاتم، عن داود الْجَعْفَريّ: كان أصله من قرية من قُرى فارس، يقال لها: دراورد، وقال البخاريّ: دار بجرد بفارس، كان جدّه منها، وقال أحمد بن صالح: كان من أهل أصبهان، نَزَلَ المدينة، وكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فلَقّبه أهل المدينة الدراوردي. وقال ابن حبّان: كان أبوه من درابجرد، مدينة بفارس، فاستثقلوا أن يقولوا: درابجردي، فقالوا: دراورديّ، وقد قيل: إنه من أندرانه، ووقع في "سنن أبي داود" في "الجهاد": حدثنا النُّفَيليّ، ثنا عبد العزيز الأَنْدَرَاورديّ، وقال أبو حاتم السجستانيّ، عن الأصمعيّ: نسبوا إلى درابجرد الدراوردي، فغَلِطُوا، قال أبو حاتم: والصواب دَرَابِيّ، أو جِرْدِيّ، ودَرَابِيّ أجود. انتهى (^١).
وقال الشيخ ابن الصلاح في "صيانة صحيح مسلم"ج ١، ص ١٦٧: "الدَّراورديّ" عبد العزيز بن محمد، حروفه مهملة كلها، وهو بدال مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم واو مفتوحة، بعدها راء ساكنة، ثم دال - والأثبت فيه أنه نَسَبٌ شاذّ مسموع على غير القياس، وأنه نسبة إلى دَرَابَجِرد، مدينة من فارس، وهي بدال مهملة مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم مكسورة، بعدها راء ساكنة، ثم دال، ومنهم من يُثبت فيها بعد الدال الأولى ألفًا أخرى - وما ذكرناه من كونه نسبةً إلى دَرَا بجرد هو قول أهل العربية، أو من ذَكَرَ ذلك منهم، وممن قاله من أهل الحديث الحافظان: أبو حاتم بن حبان الْبُسْتيّ، وأبو نصر الْكلاباذيّ، قال ابن حبان: كان أبوه منها، وقال الكلاباذي: كان جدّه منها، وقال أبو حاتم السجستانيّ اللغويّ: زعم الأصمعي أن الدراوردي الفقيه منسوب إلى درابجرد، قال أبو حاتم: وهو منسوب على غير قياس، بل هو خطأ، وإنما الصواب: دَرَابِيّ، أو جِرْديّ، ودرابي أجود، قلت: وليس من المرضي قولُ ابن قتيبة: إنه منسوب إلى دراورد، وكذا قول الكلاباذي: دراوردي هي درابجرد؛ لأن ذلك مشعر بأنه غير مخصوص بالنسب، وهو به مخصوص.
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣.
[ ١ / ٤٨١ ]
وقرأت بخط الحافظ أبي سعد السمعانيّ في كتابه "الأنساب": إنه قد قيل: إنه من أندرابة، قلت: وهذا لائق بقول من يقول فيه: الأندراورديّ، بزيادة همزة مفتوحة، ونون ساكنة في أوله، وهو قول أبي عبد الله الْبُوشَنْجيّ، من أئمة الحديث وأدبائهم.
وأَنْدَرابة مدينة من عمل بَلْخ، وقرية بمرو أيضًا.
قال: أخبرني شيخنا المسند، أبو الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفُرَاويّ بقراءتي عليه بنيسابور، عن أبي جَدّه، أبي عبد الله الفُرَاوي وغيره، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونيّ، وسعيد بن محمد الْبَحِيريّ، وأبي بكر البيهقيّ، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا عبد الله الْبُوشَنْجِيَّ غير مرّة يقول: عبد العزيز بن محمد الأَنْدَرَاورديّ، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (^١).
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ) الْحُرَقِيّ - بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل - بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة - المدنيّ، مولى الْحُرَقة من جُهَينة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأنس، وأبي السائب، مولى هشام بن زهرة، ونعيم المجمر، وسعد بن كعب بن مالك، وعليّ بن ماجد، وعباس بن سهل بن سعد، وغيرهم.
وروى عنه ابنه شِبْل، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عجلان، ورَوح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، والدَّراورديّ، وابن أبي حازم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء، قال: وسألت أبي عن العلاء وسهيل؟ فقال: العلاء فوق سهيل، وكذا قال حرب عن أحمد، وزاد: وفوق محمد بن عمرو. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء.
_________________
(١) راجع: "الصيانة" ص ١٦٦ - ١٦٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: صالح، رَوَى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء، وهو عندي أشبه من العلاء بن المسيب، وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: وللعلاء نُسَخٌ يرويها عنه الثقات، وما أَرَى به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان - يعني حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" - وقال عثمان الدارميّ: سألت ابن معين عن العلاء وابنه، كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف - يعني بالنسبة إليه، يعني كأنه لَمّا قال: أوثق خشي أن يُظَنّ أنه يشاركه في هذه الصفة، فقال: إنه ضعيف. وقال الخليليّ: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه: "إذا كان النصف من شعبان، فلا تصوموا"، وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير، دون الشواذّ، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: صحيفةُ العلاء بالمدينة مشهورة، كان ثقةً، كثير الحديث، ثَبْتًا، وتُوُفيَ في أول خلافة أبي جعفر، وقال البخاريّ: قال عليّ: مات سنة (٣٢)، وقال ابن الأثير: مات سنة (٣٩).
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧٠) حديثًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، المدني مولى الْحُرَقة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وهانئ مولى عليّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه العلاء، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن عَلْقَمة، وعُمَر بن حفص بن ذَكوان.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو أوثق، أو المسيب بن رافع؟ فقال: ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ١ / ٤٨٣ ]
وذكره ابن المدينيّ مع الأعرج وغيره، من أصحاب أبي هريرة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا. والباقون تقدّموا قريبًا، ورَوْحٌ هو: ابن القاسم المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
وقوله: "أمرتُ أن أُقاتل الناس إلخ"، ووقع في بعض النسخ (^١): "أقاتل الناس إلخ" بحذف "أمرت أن".
وقوله: (وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبمَا جِئْتُ بِهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه بيان ما اختُصِر في الروايات الَأُخَر، من الاقتصار على قوله: "لا إله إلا الله"، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه، كَفَاه ذلك، وهو مؤمنٌ من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها؛ خلافًا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزَعَمَ أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأٌ ظاهرٌ، فإن المراد التصديق الجازم، وقد حصل، ولأن النبيّ - ﷺ - اكتفى بالتصديق بما جاء به - ﷺ -، ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في "الصحيحين" يحصل بمجموعها التواتر بأصلها، والعلم القطعيّ، وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أول الإيمان. انتهى كلام النوويّ، وقد أجاد فيه وأفاد، وفنّد الرأي الباطل مما ابتدعه المتأخّرون من أهل الأهواء والعناد، والله تعالى وليّ الْهُدَى والرشاد.
وقوله: "عصموا منّي إلخ" أي منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، وقال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وفسّر العصمة بعده في الحديث بقوله: "حرُم ماله ودمه"، واختصاص ذلك بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة
_________________
(١) راجع النسخة التي صححها محمد ذهني ١/ ٣٩.
[ ١ / ٤٨٤ ]
إلى الإيمان، وأن المراد به مشركو العرب، وأهل الأوثان، ممن لا يوحّد الله - ﷾ -، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيره ممن يوحّد الله، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: "لا إله إلا الله"؛ إذ يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وقد تقدّم تمام شرح الحديث قريبًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(مسألة):
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا بهذا السياق تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا فقط (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ … " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(ح) وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ …
(ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
رجال هذا الإسناد:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَرِيّ مولاهم، أبو سعيد
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ١٠/ ١٧ و٢٩.
[ ١ / ٤٨٥ ]
البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٩٢.
٤ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بمعجمة مكسورة، وياء ومثلّثة ابن طَلْق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ قاضيها، وقاضي بغداد أيضًا، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨].
رَوَى عن جده، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث الْحُدّاني، وأبي مالك الأشجعيّ، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، ومصعب بن سُليم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والأعمش، والثوري، وجعفر الصادق، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، وابنا أبي شيبة، وابن معين، وأبو نعيم، وأبو داود الْحَفريّ، وأبو خيثمة، وعفان، وأبو موسى، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعمرو بن محمد الناقد، وأبو كريب، وابنه عمر بن حفص بن غياث، والحسن بن عرفة، وجماعة، ورَوَى عنه يحيى القطان، وهو من أقرانه.
قال ابن كامل: ولاه الرشيد قضاء الشرقية ببغداد، ثم عزله، وولاه قضاء الكوفة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: صاحب حديث، له معرفة. وقال العجليّ: ثقة مأمون فقيه، كان وكيع ربما سئل عن الشيء، فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فسلوه. وقال يعقوب: ثقة ثبت، إذا حَدّث من كتابه، ويُتَّقَى بعضُ حفظه. وقال ابن خِرَاش: بلغني عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث، فأنكرتُ ذلك، ثم قَدِمت الكوفة بأخرة، فأخرج إليّ عُمَر بن حفص كتاب أبيه، عن الأعمش، فجعلت أترحَّم على يحيى. وحَكَى صاعقة، عن علي بن المديني شبيهًا بذلك، وقال ابن نُمير: كان حفص أعلم بالحديث من ابن إدريس. وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استُقْضِي، فمن كَتَب عنه من كتابه، فهو صالح، وإلا فهو كذا. وقال أبو حاتم: حفص أتقن، وأحفظ من أبي خالد الأحمر. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: حفص أثبت من عبد الواحد بن زياد، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال ابن معين: جميعُ ما حدث به ببغداد من حفظه. وقال
[ ١ / ٤٨٦ ]
الآجريّ عن أبي داود: كان ابن مهديّ: لا يُقَدِّم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث، وقال داود بن رُشيد: حفص كثير الغلط. وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حَسَنًا وكان عَسِرًا. وقال الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وَلِيتُ القضاء حتى حَلَّت لي الميتة، وكذا قال سَجّادة عنه، وزاد: ولم يَخلُف درهمًا يوم مات، وخَلَّف عليه الدين، وكان يقال: خُتِم القضاء بحفص، وقال يحيى بن الليث بعد أن ساق قصةً من عدله في قضائه: كان أبو يوسف لمّا وُلِّي حفص، قال لأصحابه: تعالوا نَكتُب نوادر حفص، فلما وَرَدت قضاياه عليه، قال له أصحابه أين النوادر؟ فقال: ويحكم إن حفصًا أراد الله فوفّقَه.
وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن حفصًا كان يُدلّس. وقال العجليّ: ثبت فقيه البدن.
وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغداديّ: قلت لأبي عبد الله: من أثبتُ عندك شعبة، أو حفص بن غياث؟ يعني في جعفر بن محمد، فقال: ما منهما إلا ثَبْتٌ، وحفص أكثر روايةً، والقليل من شعبة كثير. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا كثير الحديث، يُدَلِّس. وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان حفص بأخرة دخله نسيان، وكان يحفظ، ومما أُنكر على حفص حديثه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنّا نأكل ونحن نمشي"، قال ابن معين: تَفَرَّدَ، وما أراه إلا وَهِمَ فيه. وقال أحمد: ما أدري ماذا؟ كالمنكر له. وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده. وقال ابن المدينيّ: انفرد حفص نَفْسُهُ بروايته، وإنما هو حديث أبي الْبَزَريّ، وكذا حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رفعه: "من أقال مسلمًا عَثْرَته … " الحديث، قال ابن معين: تفرد به عن الأعمش، وقال صالح بن محمد: حفص لَمّا ولي القضاء جفا كُتُبَهُ، وليس هذا الحديث في كتبه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ليس هذا الحديث في كتبه، قال ابن عديّ: وقد رواه عن حفص يحيى بن معين، وزكرياء بن عديّ، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول - في حديث حفص عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: "خَمِّروا وجوه موتاكم … " الحديث -: هذا خطأ، وأنكره، وقال: قد حدثناه حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، مرسلًا.
[ ١ / ٤٨٧ ]
قال هارون بن حاتم: سئل حفص، وأنا أسمع عن مولده؟ فقال: وُلدتُ سنة (١١٧)، قال: ومات سنة (١٩٤)، وكذا قال جماعة، وقال سَلْمُ بن جُنَادة: مات سنة (١٩٥)، وقال الفلاس، وأبو موسى: سنة (١٩٦)، والأول أصحّ، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في عشر ذي الحجة سنة خمس أو ست وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٩) حديثًا.
[تنبيه]: في الرواة من يُسمّى حفص بن غياث، اثنان: أحدهما هذا، والثاني حفص بن غياث، شيخ يروي عن ميمون بن مهران، مجهول، من الطبقة الثامنة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٥ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي.
٦ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدّم في ١/ ١.
٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورعٌ، يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٨ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) ٤/ ١١٥.
٩ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) ١/ ٤.
١٠ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) ٤/ ١١٨.
١١ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ وابن الصحابيّ - ﵄ - مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة ٤/ ١١٥.
١٢ - (أَبُو هريرة) - ﵁ - المذكور في السند الماضي.
وقوله: (وعن أبي صالح) عطف في قوله: "عن أبي سفيان"، فالأعمش يَرْوِي هذا الحديث عن شيخين بإسنادين: عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ -، وعن
[ ١ / ٤٨٨ ]
أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، وكلاهما قالا: قال رسول الله - ﷺ - الحديث.
وقوله: (بمثل حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة - ﵁ -)، يعني أن حديث أبي سفيان عن جابر، وأبي صالح عن أبي هريرة بمثل سياق حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة الماضي قبل حديث.
[تنبيه]: حديث أبي سفيان الذي أحاله المصنف هنا ساقه الحافظ أبو نعيم في "مُستخرجه"، فقال: حدَّثنا عبد الله بن يحيى الطاحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص، وحدّثنا محمد بن عليّ بن حبيش، ثنا القاسم بن زكريّا، ثنا أبو كُريب، ثنا حفص بن غياث، وأبو معاوية، وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الحمّانيّ، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - لفظ القاسم - وقال حفص عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله" (^١).
وساقه أيضًا الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان"، فقال:
أنبأنا محمد بن عمرو البختريّ الرَّزَّاز، ثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا يعلى بن عُبيد، أنبأنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله - ﷿ - (^٢).
وقوله: (ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] الظاهر أن القارئ هو النبي - ﷺ -، فهو من جملة المرفوع.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]: أي فذكّر يا محمد الناسَ بما أرسلت به إليهم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المسند المستخرج"١/ ١١٦.
(٢) "كتاب الإيمان" لابن منده ١/ ١٦٨.
(٣) "تفسير ابن كثير" ص ١٤١٧.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال المفسرون: معناه: إنما أنت واعظ، ولم يكن - ﷺ - أُمر إذ ذاك إلا بالتذكير، ثم أُمر بعدُ بالقتال، و"المسيطر": الْمُسَلَّط، وقيل: الجبار، وقيل الربّ. انتهى (^١).
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ العامّة على الصاد، وقُنبلٌ في بعض طرقه، وهشام بالسين، وخَلَفٌ بإشمام الصاد زايًا بلا خلاف، وعن خلّاد وجهان، وقرأ هارون "بمسيطر" بفتح الطاء، اسم مفعول؛ لأن سيطر عندهم متعدّ، يدلّ على ذلك فعل مطاوعه، وهو تسيطر، ولم يجئ اسم فاعل على مُفَيعل إلا مُسيطر، ومُبيقِرٌ، ومُهيمِنٌ، ومُبيطِرٌ، من سيطر، وبيقر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مُجَيمرٌ اسم وادٍ، ومُديبِرٌ، قيل: ويمكن أن يكون أصلهما مُجمِر، ومُدبر، فصُغِّرا، قلت: وقد تقدّم لك أن بعضهم جوّز مهيمنًا مصغّرًا، وتقدّم أنه خطأٌ عظيم، وذلك في سورة المائدة، وغيرها. انتهى كلام السمين (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾، أي فعظهم يا محمد، وخَوِّفهم ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] أي واعظ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢] أي بمسلط عليهم، فتقتلهم، ثم نسختها آية السيف، وقرأ هارون الأعور "بمسيطَر" بفتح الطاء. انتهى (^٣).
وفي "اللسان": "المسيطر"، و"المصيطر": الْمُسَلَّط على الشيء؛ ليُشرِف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السَّطْر؛ لأن الكتاب مُسَطَّرٌ، والذي يفعله مُسَطِّرٌ، ومُسَيْطِرٌ، يقال: سيطرتَ علينا، وقال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، أي مسلّط، يقال: سيطر يُسيطر، وتسيطر يتسيطر، فهو مُسيْطِرٌ، ومُتسيطِرٌ، وقد تُقلب السين صادًا؛ لأجل الطاء، وقال الزجّاج: المسطرون: الأرباب المسلَّطون، يقال: قد تسيطر علينا، وتَصَيْطَرَ، بالسين والصاد، والأصل السين، وكلُّ سين بعدها طاء يجوز أن تُقلب صادًا، يقال: سَطَرَ
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢١١.
(٢) "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ١٠/ ٧٧١.
(٣) "تفسير القرطبيّ"٢٠/ ٣٧.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وصَطَرَ، وسطا عليه وصطا، وسَطَرَهُ: أي صرعه. انتهى (^١). والله تعالى بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث جابر - ﵁ - هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية):
في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ٨/ ١٣٥ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - وعن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ - كلاهما عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٤١) عن محمد بن بشّار، عن ابن مهديّ به، وقال: حسنٌ صحيح.
و(النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١٦٧٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن الثوريّ به.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٠٠ من طريق الثوريّ - ٣/ ٢٩٥ ومن طريق ابن جريج - كلاهما عن أبي الزبير به و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٦] (٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاح، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ").
_________________
(١) "لسان العرب" ٤/ ٣٦٤.
[ ١ / ٤٩١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريُّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عديّ، وبشر بن المفضل، وعبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، وعبد الملك بن الصبّاح، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ بن هشام، ويزيد بن هارون وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن يونس الْكُدَيميّ، وغيرهم.
قال ابن حبان في "الثقات": يُغرِبُ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وفيها أَرّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ ثبتٌ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
[تنبيه]: "الْمِسْمَعِيّ": - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم -: مَحِلّة بالبصرة، نزلها الْمِسْمَعون، فنُسبت إليهم (^١)، وأفاد في "القاموس" أن "مِسْمَعًا" كمِنْبَرٍ: جمعه مَسَامِع: أبو قبيلة، وهم الْمَسَامِعَةُ. انتهى باختصار (^٢).
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْن الصَّبَّاحِ) الْمِسْمَعِيُّ، أبو محمد الصَّنْعَانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعيّ، وهشام بن حَسّان، وعبد الحميد بن جعفر، وعمران بن حُدَير، وشعبة، والثوريّ، وثور بن يزيد، الحمصيّ، وغيرهم.
وروَى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غَسّان المسمعيّ، ونُصير بن الفَرَج، ويحيى بن حكيم الْمُقَوّم، وعبد الرحمن بن عمر، رُسته، والذُّهْليّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حبان في
_________________
(١) "الأنساب" ٥/ ٢٩٧ و"اللباب" ٣/ ٢١٢ و"معجم البلدان" ٥/ ١٢٣.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٦٥٧.
[ ١ / ٤٩٢ ]
"الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين، وقال الخليليّ: عبد الملك بن الصبَّاح، عن مالك مُتَّهَمٌ بسرقة الحديث، قال الحافظ: كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحدًا يقال له: عبد الملك بن الصبَّاح، فإن كان محفوظًا، فهو غيرُ الْمِسْمَعِيِّ. انتهى (^١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٩٠٤) و(٢٧١٩) و(٥٣٣).
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجِهْبِذُ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٤ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَوِيُّ المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن مُرْجانة، وابن أبي مليكة، وصفوان بن سُليم، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر.
وروى عنه أخوه عاصم، وابنه عثمان بن واقد، وشعبة.
قال أحمد، وأبو داود، وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقةٌ يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٦٥) و(٦٦) و(١٥٠٩) و(٢٠٦٠).
٥ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدّم في ٥/ ١٢١.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (ت ٧٣) (ع) ١/ ١٠١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.
[ ١ / ٤٩٣ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الملك بن الصبّاح، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، وواقد بن محمد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى مالك بن عبد الواحد، ولا عبد الملك بن الصباح غير المذكورين في هذا السند.
٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى واقدًا في الكتب الستّة سبعة، منهم في "الصحيحين" اثنان: أحدهما: واقد بن محمد هذا، والثاني: واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاريّ، له عند المصنّف حديث واحد فقط، وهو حديث عليّ - ﵁ - في قيام النبيّ - ﷺ - للجنازة، والباقون في "السنن".
[تنبيه]: قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في "صيانة صحيح مسلم": واقد بن محمد الْعُمَريّ - بالقاف - وليس في "الصحيحين" وافد بالفاء أصلًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل ولا يوجد في الرواة، لا في الكتب الستة، ولا في غيرها من يسمّى وافدًا بالفاء أصلًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن واقد بن محمد روى عن أبيه عن جد أبيه، ورواية الأبناء عن الآباء كثيرة، لكن رواية الشخص عن أبيه، عن جدّه قليلة، وهي عن جدّ أبيه أقلّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵄ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أُمِرْتُ) أي أمرني الله تعالى؛ لأنه لا آمر لرسول الله - ﷺ - إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمِرتُ فالمعنى أمرني رسول الله - ﷺ -، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ: احتمل.
والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس.
[ ١ / ٤٩٤ ]
(أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي بأن أُقاتل، فحذف منه حرف الجر، وهو في مثله قياس، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ "كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
(حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) جُعِلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكِر، فمقتضاه أن مَن شَهِدَ، وأقام، وآتى، عَصَمَ دمه، ولو جحد باقي الأحكام.
والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنّ نص الحديث، وهو قوله: "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكْتَفِ به؟ ونَصَّ على الصلاة والزكاة.
[فالجواب]: أن ذلك لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية.
(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وقامت الحرب: إذا اشتدّ القتال، أو المراد بالقيام الأداء؛ تعبيرًا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة المفروض منها، لا جنسَها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها.
(وُيؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطوها لمستحقيها (فَإِذَا فَعَلُوا) وفي رواية البخاريّ: "فإذا فَعَلوا ذلك"، وذكر اسم الإشارة باعتبار المذكور، أي فعلوا ما ذُكر من الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفيه التعبير بالفعل عما بعضُه قولٌ، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القولُ فعلُ اللسان. انتهى (^١)، وقوله: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) جواب "إذا"، أي حفظوا، وحَقَنُوا، ومعنى العصمة في اللغة: المنع، ومنه العصام، وهو الخيط الذي تُشدّ به فم القربة، حيث يمنع الماء من السيلان (إِلَّا بِحَقِّهَا) أي بحقّ الدماء، والأموال، وللبخاريّ: "إلَّا بحقّ الإسلام"، وهو بمعناه، والاستثناء مفرّغ،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٩٧ و"عمدة القاري" ١/ ١٨٠.
[ ١ / ٤٩٥ ]
والعصمة متضمّنة لمعنى النفي؛ فلذا صحّ التفريغ؛ إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم وأموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّها، والإضافة في "بحقّها" بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: "من"، وبمعنى "في".
[فائدة]: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي، وجوّزه ابن مالك في كلّ موجب في النفي، نحو صمت إلا يوم الجمعة؛ إذ معناه لم أفطر، والتفريغ إما في نهي صّريح، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أو ما في معناه، كالشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أو فيما معناه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (^١).
[تنبيه]: أراد بحقّ الدماء، ما بيّنه في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، متّفقٌ عليه،
وبحقِّ الأموال الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة بها.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "إلا بحقها"، سيأتي أن أبا بكر - ﵁ - أدخل في هذا الحقّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء مَن أدخل فيه فعل الصيام والحج، أيضًا، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها بذلك، أخرجه الطبرانيّ، وابن جرير الطبريّ، من حديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله - ﷿ -، قيل: وما حقُّها؟ قال: "زِنًا بعد إحصان، وكُفْرٌ بعد إيمان، وقتلُ نفس، فيقتل بها" (^٢).
ولعل آخره من قول أنس - ﵁ -، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه.
_________________
(١) راجع "عمدة القاري" ١/ ١٨٠،
(٢) أورده الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٥ - ٢٦ وقال: رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وفيه عمرو بن هاشم البيروتيّ، والأكثر على توثيقه. انتهى.
[ ١ / ٤٩٦ ]
ويشهد لهذا ما في "الصحيحين" عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١).
(وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ") جملة من مبتدإ وخبر، أي محاسبة الناس بعد تمسّكهم بهذه الأشياء في أمور سرائرهم على الله - ﷾ -.
وقال في "الفتح": قوله: "وحسابهم على الله"، أي في أمر سرائرهم، ولفظة "على" مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "وحسابهم على الله - ﷿ - ": يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، تَعْصِم دم صاحبهما وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله - ﷿ -، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم أن في بعض الروايات في "صحيح مسلم" ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ الآية [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
والمعنى إنما عليك أن تُذَكِّرهم بالله، وتدعوهم إليه، ولست مُسَلَّطًا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه.
وفي "مسند البزار" عن عياض الأنصاريّ، عن النبي - ﷺ - قال: "إن لا إله إلا الله، كلمةٌ على الله كريمةٌ، لها عند الله مكان، وهى كلمةٌ مَن قالها صادقًا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبًا حَقَنَت ماله ودمه، ولقي الله غدًا، فحاسبه".
وقد استَدَلَّ بهذا من يَرَى قبول توبة الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) "الفتح" ١/ ٩٧.
[ ١ / ٤٩٧ ]
الْعَوْد إلى الإسلام، ولم يَرَ قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي - ﷺ - يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية):
في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٣٦] (٢٢) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن الصبّاح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن أبيه، عنه.
و(البخاريّ) في "الإيمان" (٢٥) عن عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيّ، عن حرميّ بن عُمارة، عن شعبة، به.
وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" ١/ ١١٧ (١٢٠ و١٢١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٥) و(البيهقيّ) في "الكبرى" ٣/ ٣٦٧ و٨/ ١٧٧ و(البغويّ) في "شرح السنة" (٣٣) و(ابن حبان) في "صحيحه" (١٧٥) و(٢١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
(اعلم): أن هذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة، عن واقد بن محمد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيزٌ، تفرّد بروايته عنه عبد الملك بن الصبّاح عند المصنّف، وحَرَمِيّ بن عُمارة عند البخاريّ، وهو عزيز عن حرميّ، تفرّد به عنه الْمُسْنَديّ، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١ / ٤٩٨ ]
أبو عوانة، وابن حبان، والإسماعيليّ، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرّد به عنه أبو غسان شيخ المصنّف، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في "مسند أحمد" على سعته.
وقد استَبْعَد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لَمَا تَرَكَ أباه يُنازع أبا بكر - ﵃ - في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه، لَمَا كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله - ﷺ -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وينتقل عن الاستدلال بهذا النّصّ إلى القياس؛ إذ قال: لأُقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.
[والجواب]: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مُستَحضِرًا له، فقد يَحتَمِل أن لا يكون حَضَرَ المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذَكَرَهُ لهما بَعْدُ، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله - ﷺ - في الحديث الذي رواه: "إلا بحق الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاةُ حقُّ الإسلام.
ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سبق بيانه في الأحاديث السابقة.
وفي القصة دليلٌ على أن السنة قد تَخْفَى على بعض أكابر الصحابة - ﵃ -، ويَطَّلِعُ عليها آحادهم، ولهذا لا يجوز أن يُلْتَفَتَ إلى الآراء، ولو قَوِيت مع وجود سنة تخالفها، ولا يجوز أن يقال: كيف خَفِي ذا على فلان الإمام؛ إذ لا يكون أعلم، وأرفع رتبة من أبي بكر وعمر - ﵄ -، وقد خفي عليهما ما حفظه صغار الصحابة - ﵃ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الرابعة):
في فوائده:
١ - (منها): أن فيه دليلًا على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم تفنيد ذلك بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ١ / ٤٩٩ ]
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى: فيه بيانٌ واضحٌ بأن الإيمان أجزاءٌ وشُعَبٌ تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه - ﷺ - ذَكَرَ في هذا الخبر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فَرْضٌ على المخاطبين في جميع الأحوال، ثم قال: "ويقيموا الصلاة"، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، ثم قال: "ويؤتوا الزكاة"، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان. انتهى كلامه (^١).
٤ - (ومنها): ما قاله النووي: في هذا الحديث أنّ من ترك الصلاة عمدًا يُقْتَلُ، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك.
وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد؛ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال؛ ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة، ولم يُنقَل أنه قَتَلَ أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظرٌ، للفرق بين صيغة "أُقاتِل"، و"أَقتُل".
وقد أطنب ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في الإنكار على من استَدَلَّ بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحَكَى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يَحِلّ قتال الرجل ولا يحل قتله. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ٩٦.
[ ١ / ٥٠٠ ]
(المسألة الخامسة):
في دفع الاستشكال الوارد على هذا الحديث، وذلك أنّ مقتضاه قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف تُرِكَ قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟
[فالجواب]: من أوجه:
[أحدها]: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
[ثانيها]: أن يكون من العام الذي خُصّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
[ثالثها]: أن يكون من العام الذي أريد به الخاصّ، فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس": أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائيّ بلفظ: "أُمرت أن أقاتل المشركين".
(فإن قيل): إذا تَمَّ هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن مَنَعَ الجزية.
(أجيب): بأن الممتنع في ترك المقاتلة رَفْعُها، لا تأخيرها مدةً، كما في الهدنة، ومقاتلةِ من امتنع من أداء الجزية، بدليل الآية.
[رابعها]: أن يكون المراد بما ذُكِرَ من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضٍ بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة.
[خامسها]: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه، من جزية، أو غيرها.
[سادسها]: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسببُ السبب سببٌ، فكأنه قال: حتى يُسلِموا، أو يلتزموا ما يُؤَدِّيهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقربُ الأجوبة عندي هو الثالث، فكأنه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٩٧.
[ ١ / ٥٠١ ]
قال: "أمرت أن أقاتل جميع الناس، إلا الذين أخرجتهم الأدلة من وجوب مقاتلتهم، ممن كان من أهل الجزية، أو نحوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة):
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: وقد رُوي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فَرْض الصلاة، والصيام، والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظرٌ؛ فإن رواة هذه الأحاديث، إنما صحِبُوا رسول الله - ﷺ - في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه، ثم قوله: "عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم" يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، ويَقتُل من أبي الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - ﷺ - كان يقبل مِن كل مَن جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويَعْصِم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد - ﵄ - قتله لمن قال: "لا إله إلا الله" لَمّا رَفَع عليه السيف، واشتد نكيره عليه.
ولم يكن النبي - ﷺ - يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد رُوي أنه قَبِلَ مِن قومٍ الإسلامَ، واشترطوا أن لا يُزَكُّوا، ففي "مسند الإمام أحمد" عن جبار - ﵁ - قال: اشتَرَطَت ثقيفٌ على رسول الله - ﷺ - أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، وأن رسول الله - ﷺ - قال: "سيتصدقون، ويجاهدون" (^١).
وفيه أيضًا: عن نصر بن عاصم الليثيّ، عن رجل منهم، أنه أتى النبي - ﷺ - فأسلم على أن لا يُصَلِّي إلا صلاتين، فقبل منه (^٢).
وأخذ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلْزَم بشرائع الإسلام كلها، واستَدَلَّ أيضًا بأن
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٣٤١ وفي سنده ابن لَهِيعة، وفيه كلام مشهور.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٠٢ والطيالسيّ (١٣٦٠) والنسائيّ ٢/ ٢٠٥ والطحاويّ في "شرح مشكل الآثار" برقم (٢٠٤)، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٥٠٢ ]
حكيم بن حزام - ﵁ - قال: بايعت النبي - ﷺ - على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا (^١)، قال أحمد: معناه أن يَسْجُد من غير ركوع.
وخَرَّج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًّا عن أنس - ﵁ - قال: لم يكن النبي - ﷺ - يَقبَلُ مَنْ أجابه إلى الإسلام، إلا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَن أَقَرَّ بمحمد - ﷺ - وبالإسلام، وذلك قول الله ﷿: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وهذا لا يثبت (^٢) وعلى تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنه - ﷺ - أَمَر معاذًا - ﵁ - لَمّا بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أوّلًا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة، ومراده أنّ من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان مَن سأله عن الإسلام يَذْكُر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل ﵇ لَمّا سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائرَ الرأس، يسأله عن الإسلام.
وبهذا الذي قررناه يَظهَر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حَقٌّ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردها تَعْصِم مَنْ أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أَخَلَّ بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قوتلوا.
وقد ظَنَّ بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظرٌ، وسيرة النبيّ - ﷺ - في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دعا عليًّا يوم خيبر، فأعطاه
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٢٥ و٣٦٣، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) رواه ابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" ١/ ٩٥ وفي سنده عروة بن مروان العرقيّ الرقيّ، قال الدارقطنيّ: كان أميًّا ليس بالقويّ، وأبو العوّام، عمران بن داور القطان صاحب أوهام.
[ ١ / ٥٠٣ ]
الراية، وقال: "امش، ولا تَلْتَفِت حتى يفتح الله عليك"، فسار عليّ شيئًا، ثم وَقَفَ، فَصَرَخَ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: "قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿" (^١).
فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمةً للنفوس والأموال، إلا بحقها، ومن حقّها عدم الامتناع عن الصلاة والزكاة، بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة - ﵃ -.
ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وثبت أن النبي - ﷺ - إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، فإن سمع أذانًا، وإلا أغار عليهم (^٢).
مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه: "إن سمعتم مؤذنًا، أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا" (^٣).
وقد بَعَثَ عيينة بن حِصْن إلى قوم من بني الْعَنْبر، فأغار عليهم، ولم يَسمَع أذانًا، ثم ادَّعَوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك.
وبَعَثَ - ﷺ - إلى أهل عُمَان كتابًا فيه: "من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلام عليكم، أما بعدُ فأقرُّوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَدُّوا الزكاة، وخُطُّوا المساجد، وإلا غَزَوْتكم". خَرَّجه البزّار، والطبرانيّ، وغيرهما (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٤٠٦).
(٢) رواه أحمد في "مسنده" ٣/ ١٥٩، والبخاريّ في "صحيحه" (٦١٠).
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢٢٦ وأبو داود (٢٦٣٥) والترمذيّ (١٥٤٩) وحسّنه، ولكن في سنده ابن عصام المزنيّ، قال ابن المدينيّ: لا يُعرف.
(٤) قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٦٤ بعد أن عزاه إلى البزار: وهو مرسل، وفيه من لا يعرف.
[ ١ / ٥٠٤ ]
فهذا كله يدلّ على أنه كان يَعتبِر حالَ الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر - ﵁ -، كما في قصّتهما السابقة.
فأبو بكر - ﵁ - أَخَذَ قتالهم من قوله: "إلا بحقه"، فدَلّ على أن قتالَ مَن أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداءُ حقّ المال الواجب، وعمر - ﵁ - ظَنّ أن مجرد الإتيان بالشهادتين يَعْصِم الدم في الدنيا؛ تَمَسُّكًا بعموم أول الحديث، كما ظَنّ طائفة من الناس أنّ مَن أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة؛ تَمَسُّكًا بعموم ألفاظٍ وَرَدت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر - ﵁ - رَجَعَ إلى موافقة أبي بكر - ﵁ -.
وقد خَرَّج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر - ﵄ - بزيادةٍ، وهي أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وخَرَّجه ابن خزيمة في "صحيحه"، ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله الأئمة الحفاظ، منهم علي بن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ، ولم يكن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر.
وإنما قال أبو بكر: "والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال"، وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث: "إلا بحقها"، وفي رواية: "إلا بحق الإسلام"، فجَعَلَ من حق الإسلام إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا تُرتَكَب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثني بقوله: "إلا بحقها".
وقوله: لأقاتلن مَن فَرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال"، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنه يُقاتَل؛ لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال.
وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر - ﵁ -، وإنما أُخِذ من قوله: "إلا بحقها"، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام.
[ ١ / ٥٠٥ ]
ويُسْتَدَلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في "صحيح مسلم" عن أم سلمة - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: "يُستَعمَل عليكم أمراءُ، فتَعْرِفون وتُنكرِون، فمَن أنكر فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابع"، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوْا" (^١).
وحُكْمُ مَن تَرَك سائر أركان الإسلام أن يُقاتَلُوا عليها كما يُقاتَلُون على ترك الصلاة والزكاة.
ورَوَى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع، أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بَعَثَ خالد بن الوليد - ﵁ -، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمَن تَرَك واحدة من الخمس، فقاتلهم عليها، كما تُقاتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان".
وقال سعيد بن جُبير: قال عمر بن الخطاب: لو أَنَّ الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.
فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات، وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يُقتَل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم، ويدل على ذلك ما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن خالد بن الوليد - ﵁ - استأذن النبيّ - ﷺ - في قتل رجل، فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي"، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: "إني لم أُومَرْ أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم".
وفي "مسند الإمام أحمد ﵀" عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه، أنه أتى النبي - ﷺ - فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيّ - ﷺ -: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: "أليس يصلي؟ "، قال: بلى، ولا صلاة له، قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم برقم (١٨٥٤) وأبو داود (٤٧٦٠).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣ وإسناده على شرط الشيخين.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يُقتَل الممتنع من فعل الصلاة:
[أحدهما]: يُقتَل أيضًا، وهو المشهور عن أحمد ﵀، ويُسْتَدَلُّ له بحديث ابن عمر - ﵄ - هذا.
[والثاني]: يُقتَل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
وأما الصوم، فقال مالك: وأحمد في رواية عنه: يُقْتَلُ بتركه، وقال الشافعيّ، وأحمد في رواية: لا يُقْتَل بذلك، ويُستَدَلُّ له بحديث ابن عمر وغيره، مما في معناه، فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء.
قال ابن رجب: قلت: وقد رُوي عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا وموقوفًا: أن من ترك الشهادتين، أو الصلاة، أو الصيام، فهو كافرٌ، حلال الدم، بخلاف الزكاة والحج، وقد سبق ذكر شرحه في حديث: "بُني الإسلام على خمس".
أما الحج فعن أحمد - ﵀ - في القتل بتركه روايتان، وحَمَلَ بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره، وغلب على ظنه الموت في عامه، وأما إن أخره معتقدًا أنه على التراخي، كما يقول كثير من العلماء، فلا قتل بذلك. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٧] (٢٣) - (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْل الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال له:
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٢٢٦ - ٢٣٦.
[ ١ / ٥٠٧ ]
الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) ٤/ ٨٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) ٤/ ٣١.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عمّ أبي إسحاق الفزاريّ، ثقة حافظٌ، وكان يُدلّس أسماء الشيوخ [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وأيمن بن نابل، وموسى الجهنيّ، وهاشم بن هاشم بن عتبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي مالك الأشجعيّ، ويزيد بن كيسان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وزكرياء بن عديّ، ويحيى بن معين، والحميديّ، وعلي بن المدينيّ، وداود بن رُشيد، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، وسُويد بن سعيد، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وغيرهم.
قال أبو بكر الأسدّي عن أحمد: ثبت حافظ، وقال أبو داود عن أحمد: ثقة ما كان أحفظه، وكان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: ثقة. وقال الدُّوريّ: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غُرَاب، والله ما رأيت أحيل الناس للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المدينيّ، عن أبيه: ثقة فيما يَروِي عن المعروفين، وضعَّفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نُمَير: كان يلتقط الشيوخ من السِّكَك. وقال العجليّ: ثقة ثبت، ما حَدَّث عن المعروفين فصحيح، وما حَدَّثَ عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يُدفَع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين. وقال الآجريّ، عن أبي داود:
[ ١ / ٥٠٨ ]
كان يقلب الأسماء. وقال ابن أبي خَيْثَمة، عن ابن معين: كان مروان يُغَيِّر الأسماء يُعَمِّي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حَكَم بن ظُهَير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "الميزان": قال ابن معين: وجدتُ بخط مروان: وكيعٌ رافضيّ، فقلت له: وكيعٌ خير منك، فَسَبَّنِي، وقال الذهبيّ: كان عالِمًا، لكنه يَرْوي عمن دَبَّ ودَرَجَ، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يَبَرُّونه، يعني الذين يروي عنهم، كأنه يُجازيهم.
قال ابن المثنى، ودُحَيم: مات فَجْأَةً سنة ثلاث وتسعين ومائة، قبل التروية بيوم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٤ - (أَبُو مَالِكٍ) سَعْد بن طارق الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) ٥/ ١١٩.
٥ - (أبوه) طارق بن أَشْيم بالمعجمة، وزانُ أحمر ابن مسعود الأشجعيّ، صحابيّ، له أحاديث، رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن الخلفاء الأربعة، وعنه ابنه أبو مالك (^١).
وقال في "الإصابة": طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي والد أبي مالك، قال البغويّ: سكن الكوفة، قال مسلم: تفرد ابنه بالرواية عنه، وله عنده حديثان، قال الحافظ: وفي ابن ماجه أحدهما، وصَرَّح فيه بسماعه من النبي - ﷺ -، وفي "السنن" حديث آخر عن أبي مالك الأشجعيّ: قلت لأبي: يا أبت قد صليتَ الصبحَ خلف رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: يا بُنَيّ مُحْدَثٌ، وصححه الترمذيّ، وأغرب الخطيب، فقال في كتاب "القنوت": في صحبته نظر.
قال الحافِظُ: ما أدري أيُّ نظر فيه بعد هذا التصريح؟ ولعله رأى ما أخرجه ابن منده من طريق أبي الوليد، عن القاسم بن مَعْن، قال: سألت آل
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٣٢.
[ ١ / ٥٠٩ ]
أبي مالك الأشجعيّ: أسمع أبوهم من النبيّ - ﷺ -؟ قالوا: لا، وهذا نَفْيٌ يُقَدَّم عليه مَن أثبت، ويَحْتَمِلُ أنه عَنَى بقوله: أبوهم أبا مالك، وهو كذلك، لا صحبة له، إنما الصحبة لابنه. انتهى كلام الحافظ (^١).
قال الجمامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن طارق بن أشيم - ﵁ - صحابيّ دون شكّ؛ لصحة تصريحه بالسماع، فينبغي حمل قول القاسم على ولده أبي مالك، فإنه هو الذي لا صحبة له، وأما قول الخطيب: في صحبته نظر، فَمِمَّا لا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم.
روى البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث برقم (٢٣) وحديث رقم (٢٦٩٧) وكرّره ثلاث مرّات. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، كالسند التالي، وهو أعلى ما وقع له من أعلى الأسانيد، كما سبق بيانه في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول هرويّ، ثم حدثانيّ، نسبة إلى الحديثة، بلد على الفرات، مشهور (^٢)، والثاني عدنيّ، ثم مكيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له من الأحاديث إلا نحو ثمانية، راجع: "تحفة الأشراف" في ترجمة ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦، و"إتحاف الْمَهَرَة بأطراف العشرة" ٦/ ٣٣٧ - ٣٤٠.
أما شرح الحديث فواضحٌ، يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم.
(مسألة): حديث أبي مالك الأشجعيّ، عن أبيه هذا مما انفرد به المصنّف عن بقيّة أصحاب الكتب الستة، أخرجه هنا [٨/ ١٣٧] (١٣٨) عن سُويد بن نصر، ومحمد بن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية
_________________
(١) ٣/ ٤١١ - ٤١٢.
(٢) راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ١ / ٥١٠ ]
الفزاريّ و٨/ ١٣٨ عن زُهير بن حرب، عن يزيد بن هارون و٨/ ١٣٨ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر ثلاثتهم عن أبي مالك، عن أبيه.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده ٣/ ٤٧٢ و٦/ ٣٩٤، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١٠/ ١٢٣، و٣٧٥/ ١٢، و(أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١١٧ - ١١٨ (١٢٢ - ١٢٣)، والطبرانيّ في "الكبير" ٨/ ٨١٩ وما بعده و(ابن منده) (٣٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٨] (…) (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ وَحَّدَ اللهَ … " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديثين.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) ٥/ ١١٩.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) ٢/ ٣.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) ٤/ ٤٥.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "ثم ذكر بمثله"، أي ذكر كُلٌّ من أبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون بمثل حديث مروان الفزاريّ، وإنما أفرد الضمير باعتبار لفظ كليهما، فإنه مفرد اللفظ، مثنّى المعنى.
ويحتمل أن يكون الضمير لشيخيه على التأويل المذكور، وهذان الاحتمالان هما الغالب في عادة المصنّف في إحالاته الكثيرة، كما سبق، وكما سيأتي التنبيه عليه.
ويحتمل أن يكون الضمير لوالد أبي مالك الأشجعيّ، وهو طارق بن أشيم، أي ساق لفظ الحديث بمثل حديثه السابق.
[ ١ / ٥١١ ]
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر التي أحالها المصنف هنا على رواية مروان أخرجها ابن حبان في "صحيحه" (١٧١) فقال: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك الأشجعي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من وَحَّدَ الله، وكَفَرَ بما يُعْبَدُ من دونه، حَرُمَ ماله وَدَمُهُ، وحسابه على الله".
وأما رواية يزيد بن هارون، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٤٧٢ قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي، عن أبيه أنه سمع النبيّ - ﷺ -، وهو يقول لقوم: "من وحّد الله تعالى، وكفر بما يُعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿".
ثم قال أحمد: حدثنا به يزيد بواسط، وبغداد، قال. سممع النبيّ - ﷺ -.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٥٥].