وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٨] (١٦٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُتِيتُ بِالْبُرَاق، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْل، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِه، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِس، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكعَتَيْن، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ - ﵇ -: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أنتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ويَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا
[ ٤ / ٤٤١ ]
وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي (^١) إِلَى السَّمَاءِ الثالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِيُوسُفَ - ﷺ -، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْن، فَرَحَّبَ (^٢) وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ (^٣) قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِليْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ - ﷿ - ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ (^٤) قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ - ﷺ - فَرَحَّبَ (^٥) وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﷿ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى - ﷺ -، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ (^٦): وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بإِبْرَاهِيمَ - ﷺ - مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُور، وَإذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْه، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَة، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَال، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى (^٧)، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ
_________________
(١) وفي نسخة: "ثم عرج بنا".
(٢) وفي نسخة: "فرحّب بي".
(٣) وفي نسخة: "قيل: من أنت؟ ".
(٤) وفي نسخة: "فقيل: من هذا؟ ".
(٥) وفي نسخة: "فرحّب بي".
(٦) وفي نسخة: "قال".
(٧) وفي نسخة: "فأوحى إليّ ما أوحى".
[ ٤ / ٤٤٢ ]
عَلَى أمّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ (^١) التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى - ﵇ - حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ (^٢) صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوق، يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
[تنبيه]: فَرّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة -: اسم عجميّ، ولذا لا ينصرف؛ للعلميّة والعجمة.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٣ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِي) هو ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ومائة وعشرين)، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "فسله".
(٢) وفي نسخة: "فتلك خمسون".
[ ٤ / ٤٤٣ ]
[تنبيه]: "البُنانيّ" - بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين -: منسوب إلى قبيلة معروفة (^١).
٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الصحابيّ الشهير - ﵁ -، مات سنة (٩٢ أو ٩٣) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٤) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وحماد بن سلمة، قد علّق له البخاريّ، بل قيل: روى عنه حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريّين، وشيبان أُبُلّيّ - بضمتين، وتشديد اللام - قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت، وثابتٌ ألزم أصحاب أنس - ﵁ - له، فقد قيل: إنه لازمه أربعين سنة.
٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ -، من المكثرين السبعة - ﵃ -، فقد روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو ممن نال الكرامة بخدمة رسول الله - ﷺ -، فقد خدمه عشر سنين، ودعا له بالبركة، فنال ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمِّر أكثر من مائة سنة - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُتِيتُ) بالبناء للمفعول (بِالْبُرَاقِ) - بضم الباء الموحدة - قال أهل اللغة: "البُرَاق": اسم الدابة التي ركبها رسول الله - ﷺ - ليلة الإسراء.
قال الزبيديّ في "مختصر العين"، وصاحب "التحرير": هي دابة كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يركبونها.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٠.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
قال النوويّ: وهذا الذي قالاه، من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يُثبت ذلك من النقل - إن شاء الله تعالى - قريبًا.
قال ابن دُرَيد: اشتقاق البراق من البَرْق - إن شاء الله تعالى - يعني: لسرعته، وقيل: سُمِّي بذلك؛ لشدة صفائه، وتلألئه، وبريقه، وقيل: لكونه أبيض.
وقال القاضي عياض: يحتمل أنه سمِّي بذلك؛ لكونه ذا لونين، يقال: شاة بَرْقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيضِ طاقاتٌ سُودٌ، قال: ووُصف في الحديث بأنه أبيض، وقد يكون من نوع الشاة البَرْقاء، وهي معدودة في البيض، والله تعالى أعلم (^١).
وقال في "الفتح": و"البُرَاق" - بضم الموحدة، وتخفيف الراء -: مشتقّ من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البَرق؛ لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاةٌ بَرْقاء: إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سُودٌ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض؛ لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض، ويحتمل أن لا يكون مشتقًّا. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قيل: الحكمة في الإسراء به - ﷺ - راكبًا، مع القدرة على طيّ الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت بأن الملك إذا استَدْعَى من يختص به يَبْعَث إليه بما يركبه (^٣).
(وَهُوَ) أي: البراق (دَابَّةٌ أَبْيَضُ) ذكّر وصفه باعتبار كونه مركوبًا، أو نظرًا للفظ البراق.
والحكمة في كونه بهذه الصفة الإشارة إلى أن الركوب كان في سِلْم وأَمْن، لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٠ - ٢١١.
(٢) "الفتح" ٧/ ٢٤٦.
(٣) "الفتح" ٧/ ٢٤٦ "كتاب المناقب" رقم (٣٨٨٨).
[ ٤ / ٤٤٥ ]
(طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْلِ) الظرف متعلّق بصفة بعد الصيم لـ "دابّة"، أو بحال منه (يَضَعُ حَافِرَهُ) واحد حوافر الدابّة، وقد يُستعار للقدم كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَمَا بَرِحَ الوِلْدَانُ حَتَّى رَأَيْتُهُ … عَلَى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِسَاقٍ وَحَافِرِ
قاله في "الصحاح" (^١).
(عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) أي: عند نهاية نظرها، فـ "الطَّرْفُ" - بفتح، فسكون -: مصدرُ طَرَفَ، يقال: طَرَفَ البَصَرُ طَرْفًا، من باب ضَرَبَ: تحرّك، وطَرْفُ العين: نَظَرُها، ويُطلق على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ، قاله الفيّوميّ (^٢)، وفي رواية النسائيّ: "خَطْوُها عند منتهى طَرْفِها"، والخَطْو بالفتح مصدر خطأ يخطو: إذا مشى.
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند أبي يعلى والبزَّار: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هَبَط ارتفعت يداه"، وفي رواية لابن سعد، عن الواقديّ بأسانيده: "له جناحان"، قال الحافظ: ولم أرَها لغيره، وعند الثعلبيّ بسند ضعيف، عن ابن عباس في صفة البراق: "لها خَدّ كخدّ الإنسان، وعَرْف كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذَنَب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء".
قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طيرانًا أن الله إذا أكرم عبدًا بتسهيل الطريق له، حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يَخرُج بذلك عن اسم السفر، وتجري عليه أحكامه.
قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: خُصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به؛ لأنه لم يُنقَل أن أحدًا ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق، ولكن ركوب البراق كان زيادةً له في تشريفه؛ لأنه لو صَعِدَ بنفسه لكان في صورة ماشٍ، والراكب أعزّ من الماشي.
(قَالَ) - ﷺ - (فَرَكِبْتُهُ) أي: البراق (حَتَّى أتيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان غايةَ الشهرة:
_________________
(١) "صحاح الجوهريّ" ٢/ ٥٥٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧١.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
[إحداهما]: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدال المخففة.
[والثانية]: بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة، قال الواحديّ: أما مَن شَدَّده، فمعناه المُطَهَّر، وأما مَن خَفّفه، فقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فان كان مصدرًا، كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا، فمعناه بيت المكان الذي جُعِل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزجاج: البيت المقدَّس: المطَهَّر، وبيت المقدس؛ أي: المكان الذي يُتطهَّر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضًا: إيلياء (^١).
(قَالَ) - ﷺ - (فَرَبَطْتُهُ) بفتح الموحّدة، يقال: رَبَطته رَبْطًا، من بابي ضرب ونَصَرَ: إذا شددته، والرِّباط بالكسر: ما تُربط به القربة وغيرها، والجمع رُبُط، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، قاله الفيّوميّ (^٢). (بِالْحَلْقَةِ) بإسكان اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ وغيره فتح اللام أيضًا، قال الجوهريّ: حَكَى يونس، عن أبي عمرو بن العلاء حَلَقَة بالفتح، وجمعها حَلَقٌ، وحَلَقَات، وأما على لغة الإسكان، فجمعها حَلَق وحِلَق، بفتح الحاء وكسرها، قاله النوويّ (^٣).
وقال ابن منظور - ﵀ -: "الحَلْقَةُ": كلُّ شيء استدار، كحلقة الحديد والفضّة والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاق بالكسر على الغالب، وحِلَق بكسر، ففتح، على النادر، كهَضَبة وهِضَب، والحَلَق بفتحتين عند سيبويه اسم للجمع، وليس بجمع؛ لأن فَعْلَةً ليست مما يُكسَّر على فَعَل، أفاده ابن منظور (^٤).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وَحَلَقةُ الباب بالسكون من حديد وغيره، وحَلَقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كلُّهُ، والجمع حَلَق بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق بالكسر، مثلُ قَصْعَةٍ وَقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَة بالفتح
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢١٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١١.
(٤) "لسان العرب" ١٠/ ٦١.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
لغةٌ في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى (^١).
(الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأنبِيَاءُ) كذا هو في الأصول "يَربط به" بضمير المذكر، فأما "يَربط"، فإنه يجوز فيه الأمران؛ لأنه مسند إلى "الأنبياء"، والجمع يجوز تذكيره وتأنيثه، كما قال في "الخلاصة":
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ
وأما "به" فأعاده على معنى "الحلقة"، وهو الشيء.
قال صاحب "التحرير": المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: الأقصى (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكَعَتَيْنِ) أي: تحيّة للمسجد (ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) أي: ليشرب ما يشاء (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) أي: فخيّرني أن آخذ أيّهما شئتُ، فاخترت بتوفيق من الله - ﷾ -، ففي هذه الرواية اختصار، تبيّنها رواية أبي هريرة - ﵁ - الآتية بلفظ: "فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربته " (فَقَالَ جِبْرِيلُ - ﷺ -: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: فَسَّرُوا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة، ومعناه - والله أعلم -: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجُعِل اللبن علامة؛ لكونه سهلًا طيبًا طاهرأ سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر، فإنها أمّ الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: أصل الفطرة: ابتداء الخلقة، ومنه فَطَرَ ناب البعير إذا ابتدأ خروجه، ومنه قول الأعرابيّ المتحاكم إلى ابن عبّاس - ﵄ - في البئر: أنا فَطَرتها، أي: ابتدأت حفرها، وقيل في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: جِبِلّة الله التي جَبَلَهم عليها، من التهيّؤ لمعرفته، والإقرار به، وقيل: هي ما أُخذ عليهم في ظهر آدم - ﵇ - من الاعتراف بربوبيّته، وقيل: الفطرة الإسلام؛ لأنه الذي لقتضيه فطرة العقل ابتداءً، وقد حُمِل على
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٤٧.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
هذا قوله - ﷺ -: "كلّ مولود يولد على الفطرة … " الحديث، متّفقٌ عليه، وقد نصّ على هذا في حديث آخر، فقد أخرج المصنّف من حديث عياض بن حمار - ﵁ - مرفوعًا، قال: "إني خلقت عبادي حُنفاء كلّهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم … " الحديث، وكأن معنى هذا الحديث: أنه لَمّا مال إلى ما يُتَناوَل بالجِبِلّة والطبع، وما لا ينشا عنه مفسدة، وهو اللبن، وعَدَلَ عمّا ليس كذلك مما يُتوقَّع منه مفسدةٌ أو من جنسه، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح، صَوَّب الملك فعله ودعا له، كما قال في الرواية الأخرى: "أَصَبْتَ أصاب الله بك".
ويحتمل أن يكون من باب التفاؤل والتشبيه لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الصبيّ، ويشقّ أمعاءه، فسُمّي بذلك فطرة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: أصل الفطرة في كلام العرب: الخِلْقة، ومنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]؛ أي: خالقهما، وقيل: الفطرة: الا بتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: أقم وجهك للدين الذي فطر الله الناس عليه، قبل الْجِبِلّة التي جَبَلهم عليها من التهيّؤ لمعرفة الله تعالى والإقرار به، وقيل: ما أخذ الله عليهم في ظهر آدم - ﵇ - من الاعتراف بربوبيّته.
وقيل: معناه الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، وسُمِّي الأحنف على القلب، كما سُمّي اللديغ سَلِيمًا، والحنيفيّة المستقيمة عن الميل لأديان أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠].
وقيل في قوله - ﷺ -: "كلُّ مولود يولد على الفطرة" متّفقٌ عليه، هذه الأقوال كلّها، وقيل: ما كُتب عليه في بطن أمه، وقيل: الإسلام.
ويحتمل أن المراد بالفطرة في قوله: "اخترتَ الفطرة" بعض هذه المعاني: الإسلام، أو الاستقامة، أو الحنيفيّة، ويكون أيضًا لَمّا كان اللبن كلّه
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٨٨.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
حلالًا في هذه الشريعة والخمر كلّه حرامًا، فعَدَل عما حُرّم فيها إلى ما أُحلّ فيها، ودلّ ذلك على هدايته لها، وقيل: هو من باب التفاؤل الحسن لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الرضيع ويَفتح فمه عليه، سُمّي فِطرةً لشقّه الأمعاء، وما تقدّم أوجَه. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لَمّا كان الخمر كلّه حرامًا" فيه نظر؛ إذ الخمر لم تكن حينئذ محرّمة، اللهم إلا أن يكون المراد أنها ستحرّم، فألهمه الله تعالى ذلك، فأعرض عنها، فيكون من توفيق الله له للهدى، أو نَفَرَ منها لِمَا جَبَلَه الله تعالى عليه من البُعْد عن أسباب الشرّ والفساد، كما نَفَر عنها كثير من عقلاء الجاهليّة لذلك، أو نَفَر منها لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق طبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ، حفظًا من الله تعالى له ورعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ عَرَجَ) بفتح العين والراء، من باب قعد، أي: صَعِدَ، وارتقى (بِنَا) أي: به ومن معه، وهو جبريل - ﵇ -، أو عبّر بما هو للجماعة عن نفسه، لأن المقام مقام فخر واعتزاز، وتحدّث بنعمة الله تعالى (إِلَى السَّمَاءِ) أي: الدّنيا، كما جاء في الرواية الأخرى، ومعناه: القربى، وهي الأولى، (فَاسْتَفْتَحَ) أي: طلب فتح الباب، فالمفعول محذوف اختصارًا (جِبْرِيلُ)؛ (فَقِيلَ) أي: قال له خزانها، كما صُرّح به في الرواية الأخرى (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنا جبريل، قال النوويّ - ﵀ -: فيه بيان الأدب فيمن استأذن بدَقّ الباب ونحوه، فقيل له: من أنت؟ فينبغي أن يقول: زيد مثلًا، إذا كان اسمه زيدًا، ولا يقول: أنا، فقد جاء الحديث بالنهي عنه، ولأنه لا فائدة فيه. انتهى (^٢).
(قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -) خبر لمحذوف أيضًا؛ أي: هو محمد، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: محمد معي، (قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ - ﵀ -: مراد البوّاب بقوله: "وقد بُعِث إليه؟ " بعثه للإسراء وصعود السموات، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٦١ - ٦٦٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٢.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدّة، فهذا هو الصحيح - والله أعلم - في معناه، ولم يذكر الخطابيّ في "شرح البخاريّ" وجماعة من العلماء غيرَهُ، وإن كان القاضي قد ذكر خلافًا، أو أشار إلى خلاف في أنه استَفْهَمَ عن أصل البعث، أو عما ذكرتُهُ، قال القاضي: وفي هذا أن للسماء أبوابًا حقيقيةً، وحفظةً مُوَكَّلين بها، وفيه إثبات الاستئذان، والله أعلم. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وقد بُعث إليه" هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ - ﷺ - وإرساله إلى الخلق، وهذا يدلّ على أنهم لم يكن عندهم علمٌ من وقت إرساله؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة، لا يَفترون عنها، وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) جبريل - ﵇ - (قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ) أي: بالصعود، (فَفُتِحَ لَنَا) بالبناء للمفعول، أي: فتح خازن السماء باب السماء لأجلنا، (فَإِذَا أَنَا) "إذا" هي الفُجائيّة، (بِآدَمَ) أبي البشر؛ (فَرَحَّبَ بِي) أي: قال لي بعد ردّ السلام: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، كما سيأتي في الروايات الأخرى، يقال: رَحّب به ترحيبًا: إذا دعاه إلى الرُّحْب، بالضمّ؛ أي: المكان الواسع، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) قال القاري: يحتمل أن يكون المراد قوله: "ولنعم المجيءُ جاء"، وأن يكون غيره غيرَ مُبيَّن. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول مما لا يخفى بُعده فتفطّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -) الباب، (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) قال الأزهريّ: قال ابن السّكِّيت: يقال: هما ابنا عَمٍّ، ولا يقال: ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة. انتهى.
(فَرَحَّبَا، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي) وفي نسخة: "بنا" (إِلَى السَّمَاءِ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٨٩.
(٢) "المرقاة" ١٠/ ١٦٧.
[ ٤ / ٤٥١ ]
الثَّالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ) البابَ جِبْرِيلُ؛ (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ) بنِ يعقوب - ﵇ -، (إِذَا هُوَ) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال، قاله القاري (^١)، (قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (شَطْرَ الْحُسْنِ) أي: نصف حسن الناس، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند البيهقي، وأبي هريرة - ﵁ - عند ابن عائذ والطبرانيّ: "فإذا أنا برجل أحسنِ ما خَلَقَ اللهُ، قد فَضَلَ الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب"، وهذا ظاهره أن يوسف؛ كان أحسن من جميع الناس، لكن رَوَى الترمذيّ، من حديث أنس - ﵁ -: "ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا حَسَنَ الوجه، حَسَنَ الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا"، فعلى هذا فيُحْمَل حديث المعراج على أنّ المراد غير النبيّ - ﷺ -، ويؤيده قول من قال من الأصوليين: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه.
وأما حديث الباب، فقد حمله ابن المُنَيِّر - ﵀ - على أن المراد: أن يوسف أُعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبيّنا - ﷺ -، والله تعالى أعلم (^٢).
(فَرَحَّبَ) وفي نسخة: "ورحّب بي"، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: "فقيل: من هذا؟ " (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] أي: في السماء الرابعة، ذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسيره عند شرح هذه الآية (٣/ ١٢٧) ما نصّه:
وقد رَوَى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله - ﷿ - لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾؟ فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أَرْفَع لك كلَّ يوم مثلَ عمل جميع
_________________
(١) "المرقاة" ١٠/ ١٦٧.
(٢) "الفتح" ٧/ ٢٥١.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
بني آدم، فأَحَبّ أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال له: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكَلِّم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملًا، فحمله بين جناحيه، حتى صَعِد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت مُنْحَدِرًا، فكلَّم ملك الموت في الذي كلَّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: العجب بُعِثتُ، وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧].
قال ابن كثير: هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الأثر ثقات، رجال الصحيح، غير شَمِر بن عطيّة، وهو ثقة وثّقه النسائيّ، وابن سعد، وغيرهما، إلا أنه من الإسرائيليّات، لا سيَّما وقد قال ابن كثير: وفي بعضه نكارة، فالظاهر عدم صحّته، والله تعالى أعلم.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا … فذكر نحو ما تقدَّم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله - يعني: ملك الموت - كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ … وذكر باقيه، وفيه أنه لَمّا سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر، ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قُبِضَ - ﵇ - وهو لا يشعر به.
ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خَيّاطًا، فكان لا يَغْرِز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحدٌ أفضل عملًا منه، وذكر بقيته كالذي قبله.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: إدريس رُفِع لم يمت كما رفع عيسى.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: السماء الرابعة، وقال العَوْفي عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: رُفِع
[ ٤ / ٤٥٣ ]
إلى السماء السادسة، فمات بها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] قال: الجنة. انتهى ما ذكره ابن كثير - ﵀ -.
وقال في "الفتح": واستَشْكَل بعضهم قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ بأن غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه! ثم أجاب بأن المراد أنه لم يُرْفَع إلى السماء مَن هو حي غيره.
وفيه نظر؛ لأن عيسى - ﵇ - أيضًا قد رُفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رُفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قويّة، ثم أورد أثر كعب الذي سبق من رواية الطبريّ، ثم قال: وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الآثار كلّها لا تستند إلى دليل مرفوع صحيح، فليست حجة مقنعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: "فقيل: من هذا؟ " (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِهَارُونَ - ﷺ -، فَرَحَّبَ) وفي نسخة: "فرحّب بي" (وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى - ﷺ -، فَرَحَّبَ، وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيل) وفي نسخة: "قال"، (وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ - ﷺ -) حال كونه، (مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) أي: الذي تعمُره الملائكة بالعبادة، قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: يُستَدَلّ به على جواز الاستناد إلى القبلة، وتحويل الظهر إليها. انتهى. (وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) أي: للعبادة فيه، (لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ) أي: لكثرتهم، فلا يستطيعون العودة إليه مرّة
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم الحديث (٣٣٤٣).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
أخرى، وفيه كثرة الملائكة على سائر المخلوقات، (ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى) هكذا وقع في الأصول "السدرة" بالألف واللام، وفي الروايات بعد هذا: "سدرة المنتهى" بالإضافة، وسيأتي عند المصنّف (^١) في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنها سُمِّيت بذلك؛ لأنه إليها يَنتهي ما يُعرَج به من الأرض فيُقبَض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به من فوقها فيُقبض منها.
وقال النوويّ - ﵀ -: سُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله - ﷺ -.
قال الحافظ - ﵀ -: وهذا لا يعارض حديث ابن مسعود - ﵁ - المتقدم، لكن حديث ابن مسعود ثابت في "الصحيح"، فهو أولى بالاعتماد، وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحُكِي عن ابن مسعود أنها سُمّيت بذلك … إلخ هكذا أورده، فأشعر بضعفه عنده، وهو صحيح مرفوع، فكان الأولى له إيراده بالجزم.
وقال القرطبيّ في "المفهم": ظاهر حديث أنس - ﵁ - أنها في السابعة؛ لقوله بعد ذكر السماء السابعة: "ثم ذَهَب بي إلى السدرة"، وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شكّ فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرَّب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد.
وقال غيره: إليها منتهى أراوح الشهداء، قال: ولترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، قال الحافظ: كذا قال، ولم يُعَرِّج على الجمع بل جزم بالتعارض، قال: ولا يعارض قولُهُ: "إنها في السادسة" ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمَل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها.
(وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ) بكسر الفاء، وفتح الياء التحتانيّة، بعدها لام،
_________________
(١) سيأتي برقم (١٧٣).
[ ٤ / ٤٥٥ ]
جمع فِيلٍ، وفي رواية للبخاريّ: "مثلُ آذان الفُيُول" وهو أيضًا جمع فيل، قال ابن دحية: اختيرت السدرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظلّ ممدود، وطعائم لذيذٌ، ورائحة زكيّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يَجمع القول والفعل والنيّة، فالظلّ بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النيّة، والرائحة بمنزلة القول. انتهى (^١). (وَإِذَا ثَمَرُهَا) وفي رواية: "فإذا نَبِقها" بفتح النون، وكسر الموحّدة وسكونها أيضًا، قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في أصل الرواية، أي التحريك، و"النَّبِقُ": معروف وهو ثَمَرُ السدر (^٢)، (كَالْقِلَالِ) بكسر القاف، جمع قُلّة بالضمّ، وهي: جَرَّةٌ عظيمة، تَسَعُ قِرْبتين أو أكثر، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وفي الرواية الآتية: "مثلُ قلال هَجَر"، و"هَجَر" بفتحتين بلد بقرب المدينة، لا تنصرف للعلميّة والتأنيث باعتبار البقعة، ويجوز صرفها باعتبار المكان، قال الخطابيّ - ﵀ -: يريد أن ثمرها في الكثرة مثل القلال، وكانت معروفةً عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد
الماء الكثير بها في قوله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء قلتين … " الحديث (^٣)، (قَالَ) - ﷺ - (فَلَمَّا غَشِيَهَا) بكسر الشين، من باب تَعِبَ؛ أي: غطّاها، (مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ) "ما" موصولة فاعل "غشيها"، وعبّر بها تفخيمًا وتعظيمًا للأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وقال القرطبيّ: يعني غشيها من جلال الله تعالى وعظيم شأنه وسلطانه، (تَغَيَّرَتْ) أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أخرى أحسن منها، (فَمَا) نافية، أي: ليس (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا) بفتح العين، يقال: نَعَتَ الرجلُ صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه، ونَعَتَ نفسَهُ بالخير: وصفَها به، وانتَعَتَ: اتّصفَ، ونَعُتَ الرجلُ بضمّ العين: إذا كان النعت له خِلْقةً، قاله الفيّوميّ (^٤)، وقوله: (مِنْ حُسْنِهَا) أي: لأجل شدّة حسنها، فهو تعليلٌ لعدم استطاعة نعتها (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى) وفي نسخة: "فأوحى إليّ ما أوحى"، أي: الذي أوحاه، وأبهمه أيضًا للتفخيم والتغظيم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٥٤ "كتاب المناقب" رقم (٣٨٨٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) "المصباح" ٢/ ٦١٢.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
(فَفَرَضَ عَلَيَّ) أي؛ وعلى أمته، ففي الرواية الأخرى: "فقم بها أنت وأمتك" (خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ) وفي نسخة: "فَسَله"، (التَّخْفِيفَ، فَإنَّ أُمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ) أي: اختبرت، يقال: بلاه الله بخير أَو شرّ، يبلوه بَلْوًا، وأبلاه بالألف، وابتلاه ابتلاء: بمعنى امتحنه (بَني إِسْرَائِيلَ، وَخَبَرْتُهُمْ) عطف تفسير لـ "بلوت" (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي) إلى الموضع الذي ناجيته منه أوّلًا، فناجيته فيه ثانيًا، (فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَط عَنِّي خَمْسًا، قَالَ) موسى - ﵇ - (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ) - ﷺ - (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى؛ (حَتَّى قَالَ) - ﷾ - (يَا مُحَمَّدُ) فيه أن الله - ﷾ - كلّم نبيه محمدًا - ﷺ - في تلك الليلة بلا واسطة (إِنَّهُنَّ) أي: الصلوات (خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ) إذ الحسنة بعشر أمثالها (فَذَلِكَ خَمْسُونَ) وفي نسخةَ: "فتلك خمسون" (صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) أي: قصد أن يعمل حسنة (فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ حَسَنَةً) منصوب على الحال (فَإنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا) أي: عشر حسنات (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ سَيئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ) أي: من محلّ المناجاة (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ) موسى (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) أي: من الخمس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ") والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤١٨ و٤١٩ و٤٢٠ و٤٢١، (١٦٢)، و(البخاريّ) في "صفة النبيّ - ﷺ - " (٣٥٧٠)، و"التفسير" (٤٩٦٤)، و"الأشربة" (٥٦١٠)، و"الرقاق" (٦٥٨١)، و"التوحيد" (٧٥١٧)، وفي "خلق
[ ٤ / ٤٥٧ ]
أفعال العباد" (٢٦ و٦٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٨ - ١٥٣ - ٢٨٦)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢١٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات الخمس فيها.
٢ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه وحبيبه - ﷺ - بالعروج إليه، وتكليمه إياه بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه - ﷺ - عُرج به روحًا وجسدًا، يقظة لا منامًا، على ما هو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على نبيّه - ﷺ - حيث هداه الله تعالى للفطرة، فاختار اللبن.
٥ - (ومنها): بيان أن الخمر خبيثة، وهي أم الخبائث، تُخرج عن الطبيعة وتلقي في الشرّ والضلال.
٦ - (ومنها): إثبات البُراق وبيان صفته، أنه من الدواب المعروفة بهذه الصفة السامية.
٧ - (ومنها): أن في ربطه الأخذَ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يَقْدَح في التوكل، إذا كان الاعتماد على الله تعالى.
٨ - (ومنها): فيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر، والترحيب، والكلام الحسن، والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي.
٩ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا أُمِن عليه الإعجاب وغيره من الفتن.
١٠ - (ومنها): إثبات أبواب للسماء حقيقيّة وحفَظَة موكّلين بها.
١١ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان لدخول بيوت الناس.
١٢ - (ومنها): أن من آداب الاستئذان، أن يقول إذا قيل له: من أنت؟ أن يقول: محمد، أو أحمد باسمه، ولا يقول: أنا؛ إذ لا فائدة فيه، ولأنه ورد الإنكار فيه، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: أتيت النبيّ - ﷺ -
[ ٤ / ٤٥٨ ]
في دَيْن كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "من ذا؟ " فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا! "، كأنه كرهها.
١٣ - (ومنها): بيان أن من أدب البوّاب أن لا يسمح لأحد بالدخول إلا بعد أن يتأكّد من إذن صاحب البيت للطارق، ولو كان ذلك صديقًا له.
١٤ - (ومنها): أن الملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله تعالى به، فإنهم استفهموا جبريل عن بعثة النبيّ - ﷺ -.
١٥ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هؤلاء الأنبياء، حيث رفعهم إلى السماوات العلى.
١٦ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله - ﷿ -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
١٧ - (ومنها): مشروعيّة تحيّة المسجد بركعتين.
١٨ - (ومنها): أن فرض الصلاة ليلة الإسراء، وهو مجمع عليه.
١٩ - (ومنها): أن المارّ يُسلِّم على القاعد، وإن كان المارّ أفضل من القاعد.
٢٠ - (ومنها): فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظَهر وغيره، وهو مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة.
٢١ - (منها): جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل.
٢٢ - (ومنها): استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده؛ لِمَا وقع منه - ﷺ - في إجابته مَشُورة موسى - ﵇ - في سؤال التخفيف.
٢٣ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الاستحياء وبذل النصيحة من يَحتاج إليها، وإن لم يستشر الناصح في ذلك.
٢٤ - (ومنها): بيان ما أسدى موسى - ﵇ - إلى هذه الأمة حيث أمر النبيّ - ﷺ - بطلب التخفيف عليهم عن خمسين صلاةً حتى خمسًا.
٢٥ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة حيث خفّف عنها خمسين صلاةً من حيث العدد، وأبقى أجرها كما هي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
[ ٤ / ٤٥٩ ]
٢٦ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ - ﷺ - على أمته، حيث سعى في التخفيف عنها عن خمسين صلاة، فظهر به مصداق قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قصّة الإسراء:
(اعلم): أنهم اختَلَفوا في الإسراء برسول الله - ﷺ -، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام، والحقّ الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، أنه أُسري بجسده - ﷺ -، والآثار الكثيرة التي أوردها المصنّف في هذا الباب، وكذا غيره من المحدّثين، وأهل السير في كتب السنّة واضحة في الدلالة على ذلك من طالعها، وبحث عنها، وتأمّلها حقّ تأمّل، ولا يُعدَل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه فيُحتاجَ إلى تأويل.
وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نَبّه مسلم على ذلك بقوله: "فقدَّم وأخَّر، وزاد ونقَّص".
فمن ذلك قوله: "وذلك قبل أن يُوحَى إليه"، وهو غلطٌ بلا شكّ، فإن الإسراء أقلُّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه - ﷺ - بخمسة عشر شهرًا، وقال الحربيّ: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهريّ: كان ذلك بعد مبعثه - ﷺ - بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أُسْرِي به - ﷺ -، وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل.
وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق؛ إذ لم يَختلفوا أن خديجة - ﵂ - صلَّت معه - ﷺ - بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها تُوفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس.
ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يُوحَى إليه.
وأما قوله في رواية شريك: "وهو نائم"، وفي الرواية الأخرى: "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان"، فقد يحتج به مَن يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه؛ إذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل
[ ٤ / ٤٦٠ ]
على كونه نائمًا في القصة كلها، هكذا حقّق القاضي عياض - ﵀ -.
قال النوويّ - ﵀ - بعد نقل كلام عياض هذا: وهذا الذي قاله في رواية شريك، وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره، وقد ذكر البخاريّ - ﵀ - رواية شريك هذه، عن أنس، في "كتاب التوحيد" من "صحيحه"، وأتى بالحديث مُطَوَّلًا.
قال الحافظ عبد الحقّ - ﵀ - في كتابه "الجمع بين الصحيحين" بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ، من رواية شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأَتَى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد رَوَى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البنانيّ، وقتادة، يعني: عن أنس، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليمس بالحافظ عند أهل الحديث، قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعوَّل عليها. انتهى كلام الحافظ عبد الحق - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": وقد اختُلِف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذّ إلا إن حُمِل على أنه وقع حينئذ في المنام، وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النوويّ، وبالغ ابن حزم، فنَقَل الإجماع فيه، وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا، يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزيّ أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحَكَى ابن حزم مقتضى الذي قبله؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربيّ، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورَجَّحه ابن المنير في "شرح السيرة" لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قاله السديّ، وأخرجه من طريقه الطبريّ، والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقديّ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.
[ ٤ / ٤٦١ ]
وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سَبْرة أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النوويّ في "الروضة"، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحَكَى عياضٌ وتبعه القرطبيّ والنوويّ عن الزهريّ: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورَجّحه عياض ومن تبعه، واحتَجَّ بأنه لا خلاف أن خديجة صَلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث؛ أو نحوها، وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
قال الحافظ: في جميع ما نفاه من الخلاف نظرٌ؛ أما أوّلًا: فإن العسكريّ حَكَى: أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابيّ: أنها ماتت عام الهجرة.
وأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختُلِف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشيّ، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس.
وأما ثالثًا: فقد ثبت عن عائشة - ﵂ - أنها جَزَمت بأن خديجة - ﵂ - ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة.
فالمعتمد أن مراد مَن قال: بعد أن فُرضت الصلاة ما فُرض قبل الصلوات الخمس، إن ثَبَت ذلك، ومراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة - أي: الخمس - فيُجْمَع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء.
وأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحَكَى العسكريّ عن الزهريّ: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فَرّعَه العسكريّ على قول مَن قال: إن المدة بين البعثة والهجرة كانت عشرًا. انتهى ما ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يميل إليه القلب هو القول بأنه كان قبل
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٨٨٨).
[ ٤ / ٤٦٢ ]
الهجرة بسنة، كما قال به الأكثرون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[تنبيه]: يوجد في هامش بعض النسخ ما نصّه:
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ المَاسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ. انتهى.
أما "أبو أحمد" فهو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الجُلُوديّ، راوي الكتاب عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن الإمام مسلم، تُوفّي سنة (٣٦٨ هـ)، وقد تقدّمت ترجمته في تراجم رواة "صحيح مسلم" أوائل شرح المقدّمة (^١).
وأما المَاسَرجِسِيّ فهو: الإمام المحدِّث العالم الثقة، أبو العباس، أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى، سِبْطُ الحسن بن عيسى بن مَاسَرْجِس النيسابوريّ.
سَمِع جدّه، وإسحاق بن راهويه، وشيبان بن فَرّوخ، والربيع بن ثَعْلب، ووهب بن بقية، وعمرو بن زُرَارة، وطبقتهم.
وحدّث عنه الحافظ أبو عليّ النيسابوريّ، وأبو إسحاق المزكِّي، وأبو سهل الصُّعْلوكيّ، وأبو أحمد الحاكم، وآخرون.
مات في صفر سنة (٣١٣ هـ)، وهو في عشر المائة، وكان من وجوه أهل بلده، وعلمائهم - ﵀ - (^٢).
(فائدة): "المَاسَرْجِسِيّ" - بفتح السين المهملة، وإسكان الراء، وكسر الجيم -: نسبة إلى جدّه مَاسَرْجِس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أتى الجُلُوديّ - ﵀ - بهذا هنا؛ لأنه قد علا له هذا الحديث برجل، فإنه رواه أوّلًا، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، عن شيبان بن فَرُّوخ، ثم رواه عن المَاسَرْجِسِيّ، عن شيبان.
_________________
(١) راجع: "شرح المقدّمة" ١/ ٦٣.
(٢) راجع: "سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٤٠٥.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
قال النوويّ - ﵀ -: وهذه الفائدة، وهي قوله: "قال الشيخ أبو أحمد … إلى آخره" تقع في بعض الأصول في الحاشية، وفي أكثرها في نفس الكتاب، وكلاهما له وجه، فمَن جعلها في الحاشية، فهو الظاهر المختار؛ لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه، فلا تُدخَل في نفسه، وإنما هي فائد، فشأنها أن تُكْتَب في الحاشية، ومَن أدخلها في الكتاب، فلكون الكتاب منقولًا عن عبد الغافر الفارسيّ، عن شيخه الجُلُوديّ، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلوديّ، فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب؛ لكونها من جملة المأخوذ عن الجلوديّ، مع أنه ليس فيه لَبْسٌ، ولا إيهام أنها من أصل مسلم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤١٩] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُتِيتُ، فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقة، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٥.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُتِيتُ) بالبناء للمفعول، أي: أتاني الملائكة، (فَانْطَلَقُوا بِي) أي: ذهبوا بي (إِلَى زَمْزَمَ) أي: إلى بئر زمزم، وهو البئر المعروفة في المسجد الحرام بمكة، وهي لا تنصرف؛ للعلميّة والتأنيث، ويقال: ماءٌ زَمْزَمٌ، وزَمْزَامٌ، وزُوَازِمُ، وزُوَزِمُ: إذا كان بين الملح والعَذْب، وقد ذكر بعض اللغويين لها أسماءً كثيرة، منها: مَكْتُومةُ، ومَضْنُونةُ، وشُبَاعَةُ، وسُقيا، والرِّواءُ، ورَكْضة جبريل، وهَزْمَةُ جِبريل، وشِفَاءُ سُقْم، وطَعامُ طُعْم، وحَفِيرةُ عبد المطّلب (^١).
وذكر صاحب "تاج العروس" أنه جمع لها من كتب الحديث وكتب اللغة أسماء تنيف على ستّين اسمًا (^٢).
(فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي) بالبناء للمفعول، أي: شُقّ، كما في الرواية التالية، (ثُمَّ غُسِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ") بالبناء للمفعول أيضًا، قال النوويّ - ﵀ -: هو بإسكان اللام، وضمّ التاء هكذا ضبطناه، وكذا هو في جميع الأصول والنُّسَخ. انتهى.
وقال القاضي عياض - ﵀ -: كذا رويناه عن جميعهم بضمّ الهمزة، وكسر الزاي، وضمّ التاء، وحَكَى لنا بعض شيوخنا عن القاضي أبي الوليد الوَقَّشِيّ - وكان أكثر اعتنائه بأمثال هذه الألفاظ المشكلة، والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وَهَمٌ من الرواة وتصحيفٌ، وصوابها: "ثُمّ تُرِكتُ"، فعَرضتُ هذا على شيخنا أبي الحسين بن سِرَاج الحافظ اللغويّ، فقال لي: هذا تكلّف، و"أُنزلتُ" بمعنى تُرِكتُ في كلام العرب معروفٌ (^٣)، فاتّفقا في المعنى واختلفا في صحّة اللفظ.
قال: ثم ظهر لي أنا بعد ذلك أن "أُنزلتُ" على بابها المستعمل الذي هو ضدّ "رُفِعتُ"، ألا تراه كيف قال في أول الحديث: "انطلقوا بي"؟ أي: رفعوه من مضجعه وحملوه إلى حيث فُعِل به هذا، ثم رُدّ إلى مكانه وأُنزل في مضجعه.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ١٢/ ٢٧٥.
(٢) راجع: "تاج العروس" ٨/ ٣٢٨.
(٣) قال في "المصباح" ٢/ ٦٠١: ونَزَلتُ عن الحقّ: تركته. انتهى.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
قال: ولم أزل أَعُدّ هذا وما قبله أنا وغيري من غرائب المعاني، ودقائق أسرار كشف المشكل إلى أن أوقفني المطالعة عن الجلاء فيه، وإذا اللفظ طرفٌ من الحديث الطويل المتقدّم، وقف عليها الراوي معلِّقًا بقيّة الحديث بما تقدّم، ومُحيلًا عليه، فذكر الإمام أبو بكر الخُوَارَزميّ المعروف بالبَرْقانيّ في "الصحيح" فقال فيه: "ثمّ أُنزلت طستٌ مملوءةٌ حكمةً وإيمانًا، فحُشي بها صدري، ثم عُرِج بي … "، وذكر تمام الحديث. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - (^١).
قال النوويّ: ومقتضى رواية البَرْقانيّ أن يُضْبَطَ "أُنْزِلَتْ" بفتح اللام وإسكان التاء، وكذلك ضبطناه في الجمع بين "الصحيحين" للحميديّ، وحَكَى الحميديّ هذه الزيادة المذكورة عن رواية البَرْقانيّ وزاد عليها، وقال: أخرجها البَرْقانيّ بإسناد مسلم، وأشار الحميديّ إلى أن رواية مسلم ناقصة، وأن تمامها ما زاده البَرْقانيّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله عنه: نصّ الحميديّ - ﵀ - في "الجمع": وأخرج مسلم أيضًا طرفًا منه من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُتيتُ، فانطلقوا بي إلى زمزم، فشُرح عن صدري، ثم غُسل بماء زمزم، ثم أُنزلت"، لم يزد مسلم على هذا فيما رأيناه من نُسَخ كتابه.
وتمامه في كتاب أبي بكر البَرْقَانيّ بهذا الإسناد، قال: "ثم أنزلت طستًا (^٢) من ذهب ممتلئةً إيمانًا وحكمةً، فحشا بها صدري، ثم عَرَج بي الملكُ إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا آدم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي إلى السماء الثانية، واستفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال:
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦٩٢ - ٦٩٤.
(٢) هكذا نسخة "الجمع" للحميديّ ٢/ ٥٣٣، والذي عند القاضي عياض في "الإكمال" ٢/ ٦٩٣: "ثم أنزلت طستٌ مملوءة حكمةً وإيمانًا، فحُشي بها صدري، ثم عُرج بي … "، وذكر تمام الحديث، والظاهر أن ما في الإكمال هو الصواب، فليُحرّر.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا عيسى ويحيى، فقالا: مرحَبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي الملك إلى السماء الثالثة، ثم اسَتفتح، قال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: من معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، ففتح، فإذا يوسف، قال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي إلى السماء الرابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، فإذا إدريس في الرابعة، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَج إلى السماء الخامسة، ثم استفتح، فقالَ: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا هارون، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي الملك إلى السماء السادسة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؛ قال: نعم، ففتح، فإذا موسى، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَجَ إلى السماء السابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا إبراهيم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، فانتهيتُ إلى بناء، فقلتُ للملك: ما هذا؟ قال: هذا بناء بناه الله - ﷿ - للملائكة، يدخل فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، يقدّسون الله، ويسبّحونه، ولا يعودون فيه، قال: ثم انتهيتُ إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، قال: فلمّا غشيها من أمر الله ما غَشِيها، تحرّكت حتى ما يستطيع أحدٌ نعتها، قال: وفُرِض عليّ خمسون صلاةً، فأتيتُ على موسى، قال: بكم أُمرتَ؟ قلت: أُمرتُ بخمسين صلاةً، قال: فإن أمتك لا تُطيق هذا، فارجع إلى ربّك، فاسأله التخفيف، فرجعتُ إلى ربي، فوضع عنّي عشرًا، قال: فما زلت بين ربي وموسى حتى جعلها خمس صلوات، فأَتيتُ على موسى، فقال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال: لا، بل أُسلِّم لربي، فنوديتُ: إني قد كمَّلتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، بكلّ صلاة عشر صلوات". انتهى (^١).
_________________
(١) "الجمع بين الصحيحين" ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأَولى في توجيه رواية المصنّف هذه حملها على أنها مختصرة من المتن الطويل، وبه يزول الإشكال دون تكلّف وتعسّف، فهي كسائر الروايات التي يوردها المصنّف مختصرة، غاية الأمر أنه لم يُشِر إلى أنها مختصرة، وهذا لا يضرّ فيما قلنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(مسألة): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا بهذا الطريق، وأخرجه (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٤)، و(أبو بكر البَرْقانيّ) كما سبق آنفًا من رواية الحميديّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٠] (…) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِه، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِه، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ، يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْن، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ).
رجال هذا الإسناد أربعةٌ:
وقد تقدّموا كلهم قبل حديث، وهو (١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -) وقوله: (وَهُوَ يَلْعَبُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جمع
[ ٤ / ٤٦٨ ]
كثرة لغُلام بالضمّ، وهو الابن الصغير، وجمع القلّة: غِلْمة بكسر فسكون، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ مجازًا باسم ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ (^١)، (فَأخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أي: ألقاه على الأرض، يقال: صرَعَه يَصْرَعه، كمَنَعه يمنعه: إذا طرحه على الأرض، أفاده المجد (^٢)، (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) أي: محلّ قلبه، (فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ) أي: من القلب (عَلَقَةً) بفتحتين أي: قِطعة دم، قال المجد - ﵀ -: "العَلَقُ" محرّكةً: الدم عامّةً، أو الشديد الحُمْرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقِطْعةُ منه بهاء. انتهى (^٣). (فَقَالَ) الملك (هَذَا) إشارة إلى العلقة، وذكّره نظرًا للخبر (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ) أي: نصيبه الذي يستطيع إيصال الوسوسة إليك منه، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذه العَلَقةُ المنتزعة عنه، هي القابلة للوساوس والمحرّكة للشهوات، فأُزيل ذلك عنه، وبذلك أعين على شيطانه حتى سلم منه. انتهى (^٤).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: ويحتمل أن تكون هذه العَلَقَةُ التي استخرجها من قلبه هي أحد أجزاء القلب المختصّ بها حبّ الدنيا، والنزوع إلى الشهوات التي منها يأتي الشيطان، أو ما يختصَّ بها من عوارض السهو والغفلة، كلُّ ذلك بتدبير العزيز الحكيم، وهي الأبواب التي يأتي منها الشيطان، فطُرِحت عنه، فلا يجد الشيطان إليه سبيلًا، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء.
أو تكون تلك العَلَقَة إذا كانت في القلب هي القابلة لوسواس الشيطان، والمحرّكة للنفس بما رَكب الله فيها من القُوَى لما يُوافقه، فأُزيحت عنه - ﷺ - ليسلم من دواعيه الخبيثة، ونُقّي القلب وغُسل منها حتى لا يبقى لها أثرٌ في القلب جُملةً. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٥).
(ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال النوويّ - ﵀ -: "الطَّست" - بفتح الطاء، وإسكان السين المهملتين -: إناء معروف، وهي مؤنثة، وحَكَى القاضي عياض كسر الطاء لغةً، والمشهور الفتح، ويقال فيها: طَسّ - بتشديد السين،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٦٦٣.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٨١٩.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٨٢.
(٥) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وحذف التاء - وطَسَّة أيضًا، وجمعها طِسَاس وطُسُوسٌ وطَسّات. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "الطَّسْتُ" قال ابن قُتيبة: أصلها طَسٌّ، فأُبدلت من أحد المضعّفين تاء؛ لثِقَل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام، وفي التصغير: طُسَيسة، وجُمِعت أيضًا على طُسُوس باعتبار الأصل، وعلى طُسُوت باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفرّاء: كلام العرب طَسّةٌ، وقد يقال: طَسّ بغير هاء، وهي مؤنّثةٌ، وطيّئٌ تقول: طَسْتٌ، كما قالوا في لَصّ: لَصْتٌ، ونُقل عن بعضهم التذكير والتأنيثُ، فيقال: هو الطسّةُ والطّسْتُ، وهي الطّسّةُ والطَّسْتُ، وقال الزجّاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طَسّات على لفظها، وقال السِّجِسْتانيّ: هي أعجميّةٌ مُعرّبةٌ، ولهذا قال الأزهريّ: هي دَخِيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربيّة. انتهى (^٢).
(بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ) بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضَرَبه، وفيه لغة أُخرى لاءمه بالمد، على وزن آذنه، ومعناه: جمعه وألزقه، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم (^٣).
قال النوويّ: وليس في هذا ما يوهم جوازَ استعمال إناء الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان أوّل الأمر قبل تحريم النبيّ - ﷺ - أوانيَ الذهب والفضة. انتهى (^٤).
(ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ) أي: أعاد الملكُ القلبَ إلى مكانه الأول، والظاهر أن "ثمّ" للترتيب الذكريّ؛ لأن اللأم بعد وضعه في مكانه، والله تعالى أعلم، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أي: الذين كانوا يلعبون معه - ﷺ - (يَسْعَوْنَ) أي: يُهَرْولون ويُسرعون في مشيهم (إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، أي: أراد بقوله: "إلى أمه" إلى مرضعته، و"الظِّئْرُ" بكسر الظاء المعجمة، بعدها همزة ساكنة: هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظِئْرٌ، قاله النوويّ - ﵀ -.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٢.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٨٦.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٦.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
وقال المجد - ﵀ -: "الظِّئْرُ" بالكسر: العاطفة على ولد غيرها المرضعةُ له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى، جمعه أَظْؤُرٌ، وأَظْآرٌ، وظُؤُورٌ، وظُؤُورةٌ، وظُؤَارٌ، وظُؤْرَةٌ. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "الظّئْرُ" بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الناقة تَعْطِف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبيّة تَحْضنُ ولد غيرها: ظِئْرٌ، وللرجل الحاضن: ظِئْرٌ أيضًا، والجمع أَظْآرٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمال، وربّما جُمعت المرأة على ظِئَارٍ بكسر الظاء وضمّها، وظَأَرْتُ أَظأَرُ بفتحتين: اتّخذتُ ظِئْرًا. انتهى (^٢).
[تنبيه]: المراد بـ "ظِئْره" هنا هي حليمة السعديّة، مرضعة النبيّ - ﷺ -، وهي بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنة - بكسر المعجمة، وسكون الجيم، بعدها نون - ابن رِزَام - بكسر الراء، بعدها زاي - ابن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن.
قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: أرضعت النبيّ - ﷺ -، ورأت له بُرهانًا، تركنا ذكره لشهرته، وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة ابنة عبد الله، أم النبيّ - ﷺ - من الرضاعة إلى رسول الله - ﷺ -، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه، وروى عنها عبد الله بن جعفر، وحديثه عنها بقصّة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبّان في "صحيحه"، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد الله بن جعفر وحليمة، قاله في "الإصابة" (^٣).
(فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا) - ﵀ - (قَدْ قُتِلَ) أي: لأنهم رأوا الملك يصرعه، ويشقّ عن قلبه (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أي: استقبلت النبيّ - ﷺ - أمه ومن معها من أقاربها (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) - بالقاف المفتوحة - أي: مُتَغَيّر اللون، قال أهل اللغة: امْتُقِعَ لونه فهو مُمْتَقَعٌ، وانْتُقِعَ فهو مُنْتَقَعٌ، وابْتُقِعَ - بالباء - فهو مُبْتَقَعٌ، فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهنّ، قال الجوهريّ وغيره: والميم أفصحهنّ، ونَقَل الجوهريّ اللغات الثلاث عن الكسائيّ، قال: ومعناه: تَغَيُّرٌ مِن حُزْنٍ أو فَزَعٍ، وقال
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٣٩٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٨.
(٣) "الإصابة" ٨/ ٨٧.
[ ٤ / ٤٧١ ]
الهرويّ في "الغريبين" في تفسير هذا الحديث: يقال: انْتُقِعَ لونُهُ، وامْتُقِعَ، وَاهْتُقِعَ، والتُمِعَ، واسْتُنْقِعَ، والتُمِئَ، وانْتُسِفَ، وابْتُسِرَ، والتُهِمَ بمعنى واحد، كلها عن الفرّاء.
وقال الأزهريّ: التُمِغَ - بالغين المعجمة أيضًا - وانْتُشِفَ - بالشين المعجمة أيضًا -.
قال القاضي عياض: وأصل انْتُقِعَ - والله أعلم - من النَّقْعِ وهو التراب، أي: تغيّر وجهه وزال عنه نور الحياء حتى أشبه التراب وكأنما ذُرّ عليه. انتهى (^١).
(قَالَ أنَسٌ) - ﵁ - (وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) هو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء، وهي الإِبْرة.
[تنبيه]: قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصة - ﵄ -، بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين، أما الزمانان؛ فالأول في صِغَره والثاني في كِبَره، وأما المكانان؛ فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته والثاني عند البيت، وأما الحالان؛ فالأول نُزع من قلبه ما كان يضرّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل، ومُلئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارةٌ إلى التهيّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يُشْهِدَه، ولا يُلْتَفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرّةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أَلْيَق والوهم منه أقرب، فإن رُواة الحديثين أئمة مشاهير حُفّاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المهلَّب بن أبي صفرة في "شرح مختصر صحيح البخاري". انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٨٧.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٠]، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢١ - ١٤٩ - ٢٨٨)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٣٠٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٧٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٥)، وفي "دلائل النبوّة" (١٦٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٣٤ و٦٣٣٦)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (١/ ١٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عناية الله - ﷾ - بنبيّه - ﷺ - حيث أخرج منه حظّ الشيطان حتى لا يتسلّط عليه، قال القرطبيّ - ﵀ -: ما دلّ عليه الحديث من الشقّ، والإخراج فهو محمولٌ على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا إحالة في متنه عقلًا، ولا يُستبعد من حيث إنّ شقّ الصدر وإخراج القلب موجب للموت، فإن ذلك أمر عاديّ، وكانت جلّ أحوال النبيّ - ﷺ - خارقةً للعادة، إما معجزةً، وإما كرامةً. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): ما قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: وفي هذه القصّة أدلّ حجة، وأوضح برهان، وأصحّ دليل على مذهب أهل الحقّ من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضًا، ليس يُوجبها سبب، ولا تقتضيها طبيعة، ولا يُشترط لوجودها شرط لا توجد إلا معه البتّة، إلا من حيث أجرى الله العادة حتى إذا شاء خرقها وأنفذ قدرته كيف شاء، وكانت بمجرّد قدرته خلافًا للفلاسفة ومن ضارع مذهبها من المعتزلة، فإن شقّ الجوف، وإخراج الحشوة، وإخراج القلب، وشقّه، ومعاناته، وغسله، وإخراج شيء منه كلّ ذلك مُقتِل في العادة، وسبب يوجد معه الموت لا محالة، وقد اجتمعت هذه كلّها في هذه القصّة، ولم يمت صاحبها؛ إذ لم يُرد الله تعالى موته ولا
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٨٢.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
قضاه، بل كانت هذه المهالك في حقّ غيره أسبابًا لحياة نفسه، وقوّة روحه، وكمال أمره. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وفي هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته، إلا أن ينظر بشهوة، فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدميّ إلا الزوج لزوجته ومملوكته، وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إليه إلى وجهه وسائر بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها، إلا أن يكون لحاجة البيع والشراء، والتطبيب، والتعليم، ونحوها. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ في الأمر من تحريم النظر إلى وجهه مطلقًا فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه كان في أولاد الصحابة - ﵃ - من هو صبيح الوجه، فلم يُنقل تحريم النظر إليهم، ومن ذلك أن النبيّ - ﷺ - صرف وجه الفضل بن عباس - ﵄ - في حجة الوداع لنظر تلك المرأة إليه ونظره إليها، وكان صبيح الوجه، فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه خشي افتتان المرأة به وافتتانه بها، فإنما منع أن تنظر إليه المرأة وينظر إليها، ولم يمنع أحدًا من الرجال أن ينظر إليه، وأمثال ذلك كثيرة.
وهذا إذا لم يكن النظر بشهوة، وأما إذا كان بشهوة، فالمنع لا شك فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان - ﵀ - بعد إخراجه لهذا الحديث: شُقّ صدرُ النبيّ - ﷺ - وهو صبيّ يَلعب مع الصبيان وأُخرج منه العَلَقة، ولَمّا أراد الله جلّ وعلا الإسراء به، أمر جبريل بشقّ صدره ثانيًا وأخرج قلبه فغسله، ثم أعاده مكانه مرّتين في موضعين، وهما غير متضادّين. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٧.
(٣) "صحيح ابن حبان" بنسخة الترتيب ١٤/ ٢٤٣.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢١] (…) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَني شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَة، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ، قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْه، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِي، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقَةٌ ثبتٌ عابدٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد أو أبو أيوب، المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) القُرَشيّ، وقيل: الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد المقبريّ وهو أكبر منه، والثوريّ، ومالك، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراورديّ، وغيرهم.
قال ابن معين والنسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال ابن عديّ: إذا رَوَى عنه ثقة فلا بأس برواياته، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وقال النسائيّ أيضًا: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس
[ ٤ / ٤٧٥ ]
بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد لا يحدِّث عنه، قال الساجيّ: كان يَرَى القدر.
قال الواقديّ: تُوُفّي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بعد سنة أربعين ومائة، وقال ابن عبد البر: مات سنة (١٤٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث، والصحابيّ سبق قريبًا.
وقوله: (عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، والإسراء: سير الليل، يقال: سَرَيتُ مَسْرًى وسُرًى، وأسريتُ إسراءً بمعنًى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز، وقد جاء في القرآن، وقال حسّان:
حَيِّ النَّضِيرَ رَبَّةَ الخِدْرِ … أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، والقول الأول أعرف، ويقال: سَرَينا سَرْيَةً واحدةً، والاسم: السُّرْيةُ بالضمّ والسُّرَى، ويقال: أسراه وأسرى به، مثل أخذ الخطام وأخذ به (^١).
وقوله: (أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ) هم ملائكة، ولم يُعرف تسميتهم، ويحتمل أن يكون منهم ما وقع في رواية ميمون بن سِيَاه، عن أنس عند الطبراني: "فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقالا: أُمِرنا بسيدهم، ثم ذهبا ثم جاءا، وهم ثلاثة، فألقوه فقلبوه لظهره" (^٢).
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ) أنكره الخطابيّ، وابنُ حزم، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، والنوويّ، وعبارة النوويّ: وقع في رواية شريك - يعني هذه - أوهام، أنكرها العلماء، أحدها: قوله: "قبل أن يوحى إليه"، وهو غلطٌ (^٣)، لم يوافق عليه، وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي. انتهى، وصرح المذكورون بأن شريكًا تفرد بذلك.
قال الحافظ: وفي دعوى التفرد نظرٌ، فقد وافقه كثير بن خُنيس - بمعجمة،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٨٤.
(٢) راجع: "الفتح" ١٣/ ٤٨٨.
(٣) سيأتي الجواب قريبًا بأن ليلة الإسراء ليست ليلة مجيء الملائكة قبل الوحي، وإنما هي ليلة أخرى، كما سيأتي ما يدلّ على ذلك من رواية شريك نفسه، فتنبّه.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
ونون، مصغَّرًا - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ في "كتاب المغازي" من طريقه. انتهى (^١).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِضَتِهِ) يعني: أن شريكًا ساق متن الحديث مطوّلًا، وفيه قصة الإسراء بطولها.
وقوله: (وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ) إشارة إلى ما وقع لشريك من المخالفات، وقد تكلّم العلماء على هذه المخالفات، ونبّهوا عليها كما أشار إليه المصنّف هنا، وبيّنوا ما فيها من الغلط:
قال عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": زاد فيه - يعني: شريكًا - زيادة مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ.
وسبق إلى ذلك أبو محمد بن حزم، فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء سمّاه "الانتصار لأيامى الأمصار"، فنَقَل فيه عن الحميديّ، عن ابن حزم، قال: لم نجد للبخاريّ ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم، مع إتقانهما وصحة معرفتهما فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك.
من ذلك قوله: "قبل أن يوحى إليه"، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة.
ثم قوله: "إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"، وعائشة - ﵂ - تقول: إن الذي دنى فتدلى جبريل. انتهى.
وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يُسْبَق إليه، فإن شريكًا قَبِله أئمة الجرح والتعديل، ووثَّقُوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، ورَوَى عبد الله بن أحمد الدَّوْرَقيّ، وعثمان الدارميّ، وعباس الدُّوريّ عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عديّ: مشهور من أهل المدينة، حَدَّث عنه مالك
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
وغيره من الثقات، وحديثه إذا رَوَى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يَرْوِي عنه ضعيف، قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقةٌ، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى تقدير تسليم تفرده "قبل أن يوحى إليه" لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث، لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيَّما إذا كان الوَهَم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث مَن وَهِم في تاريخ، لتُرك حديث جماعة من أئمة المسلمين، ولعله أراد أن يقول: "بعد أن أوحي إليه"، فقال: "قبل أن يوحى إليه". انتهى.
وقد سبق ابنَ حزم أيضًا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابيّ، وقال فيه النسائيّ، وأبو محمد بن الجارود: ليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، نعم، قال محمد بن سعد، وأبو داود: ثقةٌ، فهو مختلف فيه، فإذا تفرّد عُدّ ما ينفرد به شاذًّا، وكذا منكرًا على رأي من يقول: المنكر والشاذّ شيء واحد.
والأَوْلى التزام وُرود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها، إما بدفع تفرّده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة.
ومجموع ما خالفت فيه روايةُ شريك غيرَه من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك:
[الأول]: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يَضْبِط منازلهم، وقد وافقه الزهريّ في بعض ما ذَكَر.
[الثاني]: كون المعراج قبل البعثة، وقد سبق الجواب عن ذلك، وأجاب بعضهم عن قوله: "قبل أن يوحى" بأن القبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقةً، واحتَمَلَ أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي: أن ذلك وقع بغتةً قبل أن يُنذَر به، ويؤيده قوله في حديث الزهريّ: "فُرِجَ سقفُ بيتي".
قِال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الجواب - أعني: كون الوحي المنفيّ في شأن الإسراء لا وحي الرسالة - هو الأقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
[الثالث]: كونه منامًا، وسيأتي الجواب عنه أيضا بما فيه غنية.
[ ٤ / ٤٧٨ ]
[الرابع]: مخالفته في محل سحدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما سيأتي أيضًا.
[الخامس]: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
[السادس]: شقّ الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره، كما سيأتي في شرح رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة.
[السابع]: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة، كما سيأتي أيضًا.
[الثامن]: نسبة الدنوّ والتدلّي إلى الله - ﷿ -، والمشهور في الحديث أنه جبريل - ﵇ -.
[التاسع]: تصريحه بأن امتناعه - ﷺ - من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة.
[العاشر]: قوله "فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه"، وقد تقدم ما فيه (^١)
[الحادي عشر]: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس، فامتنع كما سيأتي.
[الثاني عشر]: زيادة ذكر التَّوْر في الطَّست.
قال الحافظ - ﵀ -: فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرَها مجموعة في كلام أحد ممن تقدّم، وقد بيّنت في كل واحد إشكال من استشكله والجواب عنه إن أمكن، وبالله التوفيق.
_________________
(١) أراد بما تقدّم له فيه قوله نقلًا عن الخطابيّ: قال: والمكان لا يُضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ - ﷺ - في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير متعيّن، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى. انتهى. "فتح" ١٣/ ٤٩٢ "كتاب التوحيد" رقم (٧٥١٧).
[ ٤ / ٤٧٩ ]
وقد جزم ابن القيّم في "الهدي" بأن في رواية شريك عشرة أوهام، لكن عدَّ مخالفته لمحالّ الأنبياء أربعة منها، وأنا جعلتها واحدة، فعلى طريقته تزيد العِدّة ثلاثة، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيق نفيسٌ وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: رواية شريك التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية ثابت قد ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" مطوّلةً، فقال:
(٧٥١٧) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله، أنه قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: ليلة أُسري برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يَرَهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يَرَى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشَقّ جبريل ما بين نَحْره إلى لَبَّته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أَتَى بطست من ذهب، فيه تَوْر من ذهب، محشوًّا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولَغَاديده - يعني: عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: مَن هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بُعِث؟، قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يَعْلَم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمهم، فوَجَدَ في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسَلِّم عليه فسَلَّم عليه ورَدّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطّردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مَضَى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضرب يده، فإذا هو مسكٌ أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عَرَج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -، قالوا:
[ ٤ / ٤٨٠ ]
وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عَرَج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عَرَج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربّ، لم أظُنّ أن يُرْفَع عليّ أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاةً على أمتك كلَّ يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِدَ إليك ربك؟ قال: عَهِد إليّ خمسين صلاةً كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع، فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبيّ - ﷺ - إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ خَفّف عنّا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى، فاحتبسه، فلم يزل يُرَدّده موسى إلى ربه، حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضَعُفُوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع، فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبيّ - ﷺ - إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنّا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يُبَدَّل القول لديّ كما فرضتُهُ عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَف عنّا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه، ارجع إلى ربك، فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله - ﷺ -: يا موسى،
[ ٤ / ٤٨١ ]
قد والله استحييت من ربي، مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام".
قوله: "فقال أولهم: أيُّهم هو؟ " فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلّهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه، وجعفر بن أبي طالب ابن عمه.
وقوله: "فلم يرَهم" أي: بعد ذلك "حتى أتوه ليلة أخرى"، ولم يُعَيِّن المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أُوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدةٌ، فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي كثيرة، أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابيّ وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذا الجواب أن قوله: "قبل أن يوحى إليه" ليس ظرفًا للإسراء، وإنما هي ليلة أخرى، ثم بعد أن أوحي إليه جاؤوه فوقع الإسراء، وهذا تأويل قويّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأما ما ذكره بعض الشرّاح أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيُحْمَل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيِّم في هذا الحديث نفسه.
وأقوى ما يُسْتَدَلُّ به أن المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسِهِ: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبُعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل.
وقوله: "فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام"، فإن حُمِل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هَبَط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، وجاز أن يؤَوَّل قوله: "استيقظ" أي: أفاق مما كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يَستغرق فيه، فإذا انتهى رَجَع إلى حالته الأولى، فكَنَى عنه بالاستيقاظ.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه؛ هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
وقوله: "ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا" إن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإن كانت متحدة، ففي هذا السياق حذف تقديره: "ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس، ثم أَتَى بالمعراج"، كما في حديث مالك بن صعصعة: "فغُسِل به قلبي، ثم حُشِي، ثم أعيد، ثم أُتيت بدابة، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل، حتى أتى السماء الدنيا"، وفي سياقه أيضًا حذف تقديره: "حتى أتى بي بيت المقدس، ثم أَتى بالمعراج"، كما في رواية ثابت، عن أنس رفعه: "أُتيت بالبراق، فركبته حتى أتى بي بيت المقدس، فربطته، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين".
وقوله: "فإذا هو في السماء الدنيابنهرين يَطّرِدان"؛ أي: يجريان، وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: "فإذا في أصلها أربعة أنهار"، وُيجمَع بأن أصل نَبْعهما من تحت سدرة المنتهى، ومَقَرّهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
وقوله: "قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك"، هذا ممَّا يُستَشكَل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة، وقد أخرج أحمد من حديث حميد الطويل، عن أنس رفعه: "دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه، فإذا مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى"، وأصل هذا الحديث عند البخاريّ بنحوه من طريق قتادة، عن أنس، لكن ليس فيه ذكر الجنة، وأخرجه أبو داود، والطبري من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، ولفظه: "لَمّا عُرِج بنبيّ الله - ﷺ - عَرَض له في الجنة نهرٌ … " الحديث.
ويمكن أن يكون بهذا الموضع شيء محذوف، تقديره: ثم مَضَى به في السماء الدنيا إلى السابعة، فإذا هو بنهر.
وقوله: "كلُّ سماء فيها أنبياء، قد سماهم، فوَعَيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة".
[ ٤ / ٤٨٣ ]
كذا في رواية شريك، وفي حديث الزهريّ، عن أنس، عن أبي ذرّ، قال أنس: فذكر أنه وَجَد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يُثْبِت كيف منازلهم، غير أنه وَجَد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. انتهى.
وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم، وهما مخالفان لرواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، قال الحافظ: وقد وافق الأكثرون قتادة، وسياقه يدُلّ على رُجحان روايته، فإنه ضَبَط اسم كلِّ نبيّ والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المحتمد، لكن إن قلنا: إن القصة تعددت، فلا ترجيح ولا إشكال.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد القصّة غير صحيح؛ لِمَا سيأتي، فالترجيح هو الصحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: "وموسى في السابعة بفضل كلامه لله"، قال الحافظ: وهذا التعليق (^١) يدُل على أن شريكًا ضَبَط كون موسى في السماء السابعة، وقد قدمنا أن حديث أبي ذر يوافقه، لكن المشهور في الروايات أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة، بأنه كان مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، فمع التعدد لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جُمِع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يُذكَر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فَرَض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أوّلُ شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، وقد أشار النووي إلى شيء من ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
_________________
(١) يعني قوله: "بفضل كلام الله".
[ ٤ / ٤٨٤ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل يردّه قوله في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: "فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى، فقال: كم فرض الله عليك … "، فإنها ظاهرة بأنه مرّ أوّلًا على إبراهيم؛ لأنه في السماء السابعة، ثم مرّ على موسى في السادسة، فالأولى ترجيح الروايات المشهورة: أن إبراهيم في السابعة، وموسى في السادسة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى"، كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة.
قال الحافظ: ولعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله".
ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبريّ بعد ذكر إبراهيم في السابعة: "فإذا هو بنهر، فذكر أمر الكوثر، قال: ثم خرج إلى سدرة المنتهى" وهذا موافق للجمهور.
ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها. انتهى.
وقوله: "ودنا الجبار ربُّ العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"، في رواية ميمون المذكورة: "فدنا ربك - ﷿ -، فكان قاب قوسين أو أدنى".
قال الخطابيّ: ليس في هذا الكتاب - يعني: صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا ولا أشثع مَذَاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما. هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قُصاراه إما ردّ الحديث من أصله وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرَّح فيهما بأنه كان رؤيا؛
[ ٤ / ٤٨٥ ]
لقوله في أوله: "وهو نائم"، وفي آخره: "استيقظ"، وبعض الرؤيا مَثَلٌ يُضرَب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يُصرَف إليه في مثله، وبعض الرؤيا لا يَحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة.
قال الحافظ؛ وهو كما قال، ولا التفات إلى مَن تعقّب كلامه بقوله في الحديث الصحيح: "إن رؤيا الأنبياء وحي"، فلا يَحتاج إلى تعبير؛ لأنه كلام مَن لم يُمْعِن النظر في هذا المحل، فقد ثبت أن بعض مرأى الأنبياء يقبل التعبير، ومن ذلك قول الصحابة - ﵃ - له - ﷺ - في رؤية القميص: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: "الدين"، وفي رؤية اللبن قال: "العلم" إلى غير ذلك.
لكن جزْم الخطابي بأنه كان في المنام متعَقَّب بما تقدم تقريره قبلُ، ثم قال الخطابيّ مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها: إنما هي حكاية يَحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النبيّ - ﷺ -، ولا نَقَلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. انتهى.
وتعقّبه الحافظ وأحسن، فقال: وما نفاه من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصة إلى النبيّ - ﷺ - لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابيّ، فإما أن يكون تلقّاها عن النبيّ - ﷺ - أو عن صحابيّ تلقاها عنه، ومثل ما اشتَمَلت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثير لم يُحمَل حديثُ أحدٍ، رَوَى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود.
ثم قال الخطابيّ: إن الذي وَقَع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار - ﷿ - مخالف لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، مَن تقدم منهم ومَن تأخر، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه دَنَا جبريل من محمد - ﷺ -، فتدلى، أي: تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: تدلى فدنا؛ لأن التدلي بسبب الدنو.
[الثاني]: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدليًا كما
[ ٤ / ٤٨٦ ]
رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسك بشيء.
[الثالث]: دنا جبريل فتدلى محمد - ﷺ - ساجدًا لربه تعالى شكرًا على ما أعطاه، قال: وقد رُوي هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك، فلم تُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يُقَوِّي الظن أنها صادرة من جهة شريك. انتهى.
وقد أخرج الأموي في "مغازيه"، ومن طريقه البيهقي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قال: دنا منه ربه، وهذا سَنَد حسنٌ، وهو شاهد قويٌّ لرواية شريك.
ثم قال الخطابيّ: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا لم يَذكُرها غيره، وهي قوله: "فعلا به - يعني: جبريل - إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب". قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ - ﷺ - في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الأخير متعيِّنٌ، وليس في السياق تصريحٌ بإضافة المكان إلى الله تعالى.
وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي، ففيه نظرٌ، فقد ذكرتُ من وافقه، وقد نَقَل القرطبيّ عن ابن عباس أنه قال: دنا الله - ﷾ -، قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، قال: وقيل: تدلَّى الرفرف لمحمد - ﷺ - حتى جَلَس عليه، ثم دنا محمد من ربه. انتهى.
قال: وقال القاضي عياض في "الشفاء": إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى، أو من الله، ليس دنوّ مكان ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبيّ - ﷺ - إبانة لعظيم منزلته وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله - ﷿ - تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأول فيه ما قالوه في حديث: "يَنزل ربنا إلى السماء"، وكذا في حديث: "مَن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا"، وقال غيره: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي؛ لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى، والتدلّي طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبيّ - ﷺ - عبارة عن لطف المحلّ وإيضاح
[ ٤ / ٤٨٧ ]
المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة الدنوّ في هذا الحديث مما أُنْكِر على شريك، قال الإمام البيهقيّ - ﵀ -: في حديث شريك زيادة تفرّد بها على مذهب من زعم أنه - ﷺ - رأى ربه، يعني: قوله: "ثم دنا الجبار ربُّ العزة فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى" قال: وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل - ﵇ - أصحّ.
قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في "تفسيره" بعد نقل كلام البيهقيّ ما نصّه: وهذا الذي قاله البيهقيّ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذرّ - ﵁ - قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: "نورٌ أنَى أراه؟ "، وفي رواية: "رأيتُ نورًا"، أخرجه مسلم - ﵀ -.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨] إنما هو جبريل - ﵇ - كما ثبت ذلك في "الصحيحين" عن عائشة أم المؤمنين وابن مسعود - ﵄ -، وكذلك هو في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ -، ولا يُعرف لهم مخالفٌ من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا. انتهى كلام ابن كثير - ﵀ - (^٢).
والحاصل أن زيادة الدنوّ لا تثبُت في حديث صحيح، فلا حاجة إلى توجيهها؛ لأنه فرع ثبوتها، فلو ثبتت لما توقّفنا في حملها على ظاهرها كسائر الصفات، من الاستواء، والنزول، والقرب، والمجيء، وغير ذلك مما ثبت في النصوص الصحيحة على ما يليق بجلال الله تعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: "عند الخامسة" هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسًا، وأن المراجعة كانت تسع مرات، ورجوع النبيّ - ﷺ - بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة، والمحفوظ ما تقدم أنه - ﷺ - قال لموسى في الأخيرة: "استحييت من ربي".
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٤٩٠ - ٤٩٤ "كتاب التوحيد" رقم الحديث (٧٥١٧).
(٢) "تفسير ابن كثير" ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
وقوله: "فاستيقظ وهو في المسجد الحرام"، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنتُ فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، فلم يرجع إلى حال بشريته - ﷺ - إلا وهو بالمسجد الحرام، وأما قوله في أوله: "بينا أنا نائم"، فمراده في أول القصة، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه، وفي قوله في الرواية الأخرى: "بينا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملك" إشارة إلى أنه لم يكن استَحْكَم في نومه. انتهى.
قال الحافظ: وهذا كله ينبني على توحيد القصة، وإلا فمتى حُمِلت على التعدد، بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعدّد ليس بسديد، على ما يأتي بيانه، فالأولى التأويل إن أمكن، أو الترجيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٢] (١٦٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي، وَأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلى السَّمَاء، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ؛ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: فَاُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ
[ ٤ / ٤٨٩ ]
بَكَى، قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ - ﷺ -، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيه، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّة، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَفَتَحَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أدهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ؛ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة، قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِإِدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالْأخَ الصَّالِح، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخَ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالْأخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَأَبَا حَبَّةَ الْأنصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثُمَّ عَرَجَ بِي، حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقلَامِ"، قَالَ ابْنُ حَزْمِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً"، قَالَ: "فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى - ﵇ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى - ﵇ -، فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - ﵇ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى نَأْتِيَ
[ ٤ / ٤٩٠ ]
سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) - بضمّ التاء وفتحها - المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ المذكور قبل باب.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير المذكور في السند الماضي.
٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه وتأخّرت هجرته فلم يشهد بدرًا، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -.
٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - هو الخادم المشهور، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
٦ - (ومنها): أن أبا ذرّ - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة، كان من أزهد الصحابة، وقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذرّ"، رواه أحمد والترمذيّ (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" (٦٣٤١)، والترمذيّ في "جامعه" (٣٧٣٧).
[ ٤ / ٤٩١ ]
[تنبيه]: هذا الحديث رواه عن النبيّ - ﷺ - جماعة من الصحابة - ﵃ -، لكن طرقه في "الصحيحين" تدور على أنس - ﵁ - مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر كما في هذه الرواية، ورواه قتادة عنه، عن مالك بن صعصعة، كما في الرواية الآتية، ورواه شريك بن أبي نمر، وثابت البناني عنه، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة، كما سبقت روايتهما، وفي سياق كل منهم عنه ما ليس عند الآخر (^١)، وقد بيّنّا بعضه، وسنبيّن ما بقي فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة الصحابيّ المشهور - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَالَ: فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي) - بضم الفاء، وبالجيم - أي: فُتِح، والحكمة فيه أن الملك انصَبّ إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يُعَرِّج على شيء سواه مبالغةً في المناجاة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد.
ويحتمل أن يكون السرّ في ذلك التمهيد لِمَا وقع من شقّ صدره، فكأن الملك أراه بانفراج السقف والتئامه في الحال كيفيةَ ما سيصنع به لطفًا به وتثبيتًا له، والله تعالى أعلم.
وقال العينيّ - ﵀ -: فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: بيتي بإضافته إلى نفسه؟
قلت: إضافته إليه بأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب، كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرَفَك.
فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟.
قلت: أما على كون العروج مرّتين فظاهرٌ، وأما على كونه مرّة واحدةً، فلعلّه - ﷺ - بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ ومنه عُرِج به إلى السماء.
والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٥٤٨ "كتاب الصلاة" (٣٤٩).
[ ٤ / ٤٩٢ ]
كون ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به. انتهى (^١).
(وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَفَرَجَ صَدْرِي) هو بفتح الفاء، وبالجيم أيضًا؛ أي: شقَّه، ورجَّح القاضي عياض أنّ شقّ الصدر كان وهو صغير، عند مرضعته حليمة، وتعقّبه السهيلي بأن ذلك وقع مرتين، وهو الصواب، والحكمة في الشق الأول، كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك، والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة، وقد رَوَى الطيالسيّ والحارث في "مسنديهما" من حديث عائشة - ﵄ -، أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء، - والله تعالى أعلم - ومناسبته ظاهرة، ورُوي الشَّقّ أيضًا وهو ابن (^٢) عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في "الدلائل"، وروى مرة أخرى خامسة ولا تثبت، قاله في "الفتح" (^٣).
(ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا، وإنما خُص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا، وكان من ذهب لأنه أعلى أواني الجنة، وهو رأس الأثمان، وله خواصّ، منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيّره، وهو أنقى كلّ شيء وأصفاه ويقال في المثل: أنقى من الذهب، وهو بيت الفرح والسرور، وقال الشاعر [من البسيط]:
صَفْرَاءُ لَا تَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا … لَوْ مَسَّهَا حَجَر مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
وهو أثقل الأشياء، فيُجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيَرسُبُ، وهو موافق لثقل الوحي، وهو عزيز، وبه يتمّ الملك.
وقد أبعد من استدَلّ به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب؛ لأن المستعمِل له الملك، فيحتاج إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كُلِّفنا به، ووراء ذلك أنّ ذلك كان على أصل الإباحة؛ لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة، كما سيأتي واضحًا في محلّه من "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٦٢.
(٢) "عمدة القاري" ٣/ ٦٣.
(٣) "الفتح" ١/ ٥٤٩.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
(مُمْتَلِئٍ) كذا وقع بالتذكير على معنى الإناء، لا على لفظ الطست؛ لأنها مؤنثه.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، وفيه أنه وإن كان التأنيث فيها أكثر، إلا أنه يجوز تذكيرها، فلا حاجة إلى ما ذكره، وقد سبق تحقيقه في شرح الحديث الذي قبل حديث، فارجع إليه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنصب على التمييز، قال في "الفتح": والمعنى أن الطست جُعِل فيها شيءٌ يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا مجازًا، أو مُثِّلا له بناءً على جواز تمثيل المعاني، كما يُمَثَّل الموت كبشًا.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب حمل الحديث على ظاهر المعنى، فما الحامل على دعوى المجاز؟، فالحقّ أن الحكمة والإيمان جُعلا في الطست، وأُفرغا في صدر النبيّ - ﷺ -، على ظاهر ما دلّ عليه الحديث، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
و"الحكمة": اسم من حَكُم بضمّ عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: هو المتقن للأمور، وأما حَكَمَ بفتح عين الفعل، فمعناه: قضى، ومصدره الحُكْم بالضمّ، والحُكْم أيضًا الحكمة بمعنى العلم، والحكيم: العالم (^١).
وقال ابن منظور - ﵀ -: الحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال من يُحسِنُ دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيم، قال: والْحَكَمَة - بفتحتين -: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحَنَكِه، تمنعه عن مخالفة راكبه. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الحَكمَة وزان قَصَبَة للدابّة، سُمّيت بذلك لأنها تذلّلها لراكبها حتى تمنعها الجِمَاح ونحوَهُ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال. انتهى (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٦٣.
(٢) راجع: "لسان العرب" ١٢/ ١٤٤.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٤٥.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
وقال ابن دريد - ﵀ -: كلّ كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نَهَتك عن قبيح فهي: حكمة (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة، صَفَا لنا منها أن الحكمة: العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ للعمل به، والكفّ عن ضدّه، والحكيمُ من حاز ذلك. انتهى ملخصًا.
وقد تُطلَق الحكمة على القرآن، وهو مشتمل على ذلك كلِّه، وعلى النبوة كذلك، وقد تُطلَق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك (^٢).
(فَأفرَغَهَا) قال النوويّ - ﵀ -: الضمير للطست، فجاء "ممتلئ" على معناها، وهو الإناء، و"أفرغها" على لفظها، وحَكَى صاحب "التحرير" قولًا أنه يعود على الحكمة، وهذا القول، وإن كان له وجهٌ، فالأظهر ما قدّمناه؛ لأن عوده على الطست يكون تصريحًا بإفراغ الإيمان والحكمة، وعلى قوله يكون إفراغ الإيمان مسكوتًا عنه. انتهى (^٣). (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء: إذا غطيته وجعلته مطبقًا، (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) قال في "الفتح": استَدَلّ به بعضهم على أن المعراج وقع غير مرّة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يُذْكَر هنا، ويمكن أن يقال: هو من اختصار الراوي، والإتيان بـ "ثُمّ" المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع أمر الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما الإطباق والعروج، بل يشير إليه، وحاصله أن بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر. انتهى.
قال الجامح عفا الله عنه: كونه من اختصار الراوي هو الأقرب؛ لأن حمله على التعدّد مما لا يخفى بعده، والله تعالى أعلم.
(فَعَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملك، ووقع عند البخاريّ من رواية الكشميهني: "فعرج به" على الالتفات أو التجريد، و"العُرُوج": الصعود، يقال: عَرَج يَعرُج من باب نصر إذا صَعِدَ، وقال ابن سِيدهْ: عَرَج في
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٦٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٤٩.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢١٨.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
الشيء وعليه يَعْرُجُ عُرُوجًا: رَقِيَ، وعَرَجَ الشيءُ فهو عَرِيجٌ: ارتفع وعلا، والمعراج: شبه سُلّم، مِفْعال من العروج. انتهى.
(إِلَى السَّمَاءِ) وللبخاريّ: "إلى السماء الدنيا"، (فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ - ﵇ - لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فُعْلَى من الدنوّ؛ أي: القريبة من الأرض (افْتَحْ) هذا يدُلّ على أن الباب كان مغلقًا، قال ابن المُنَيِّر: حكمته التحقق أن السماء لم تُفْتَح إلا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحًا (قَالَ) أي: الخازن (مَنْ هَذَا؟) مَن استفهاميّة مبتدأ، خبرها اسم الإشارة، ويجوز العكس (قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ) أي: المستأذن هو جبريل - ﵇ -، وفيه أن من أدب الاستئذان أن يُسَمِّيَ المستأذن نفسه؛ لئلا يلتبس بغيره (قَالَ) الخازن (هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ) جبريل (نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ) الخازن (فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفأرسل إليه؟.
وفي رواية البخاريّ: "أَأُرْسَل إليه" بهمزتين، أولاهما للاستفهام وهي مفتوحة، والثانية همزة التعدية وهي مضمومة.
واستفهام الخازن هذا يحتمل أن يكون خَفِي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، ويحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر؛ لقوله: "إليه"، ويؤيد الاحتمال الأول قوله في رواية شريك: "أوَ قد بُعِث"، لكنها من المواضع التي تُعُقِّبت كما سبق الكلام عليها، أفاده في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاحتمال الأول بعيد، يبعده عدم استفهامه لِمَا قاله جبريل: معي محمد، حيث لم يقل: من محمد؟ فإنه دليل واضح على أَنَّ نبوته - ﷺ - معلومة لدى أهل السماء، وإنما الاستفهام: هل هو مأمور الآن بالعروج إلى السماء أم لا؟، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) جبريل (نَعَمْ، فَفَتَحَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الخازن (قَالَ) - ﷺ - (فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) قال العينيّ: ضمير الجمع فيه يدلّ على أنهما كان معهما ملائكة آخرون، فكأنهما كلّما تعدّيا سماء تشيّعهما الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ فيه نظر؛ لأن "نا" ضمير
[ ٤ / ٤٩٦ ]
للمتكلّم ومعه غيره، سواء كان واحدًا أو أكثر، فالنبيّ - ﷺ - وجبريل - ﵇ - يُطلق عليهما "نا"، فلا حاجة إلى وجود غيرهما معهما، وأيضًا تشييع ملائكة كلّ سماء لهما يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا) هي الفجائيّة، وتختصّ بالجملة الاسميّة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرّد، وزمان عند الزجّاج (^١).
(رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) جمع سَوَاد، كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامّهم، وكلّ عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كلّ شيء، قال أبو عبيد: هو شخص كلّ شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساودة جمع الجمع. انتهى (^٢). (وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ) - ﷺ - (فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: بمعنى الجهة، وظرف متعلّق بـ "نظر" (ضَحِكَ) استبشارًا بأهل اليمين حيث إنهم من أهل الجنّة (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) حزنًا على أهل الشمال حيث إنهم من أهل النار، وهم من ذريّته (قَالَ: فَقَالَ) أي: ذلك الرجل (مَرْحَبًا) أي: أصبتَ رُحْبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش (بِالنَّبِي الصَّالِح وَالابْنِ الصَّالِحِ) "الصالح": هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، وكلَّهم قالوا له: "بالنبيّ الصالح"؛ لشموله سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعَفَاف والفضل، ولم يقل أحد منهم: مرحبًا بالنبيّ الصادق ولا "بالنبيّ الأمين"؛ لِمَا ذكرنا من أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير (قَالَ) - ﷺ - (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟) ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم - ﵇ -: "مَرْحَبًا"، ورواية مالك بن صَعْصَعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتُحْمَل هذه عليها؛ إذ ليس في هذه أداة ترتيب (^٣).
(قَالَ) جبريل - ﵇ - (هَذَا آدَمُ - ﷺ -، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النون والسين المهملة: جمع نَسَمة، وهي الروح، وحَكَى ابن التين أنه رواه بكسر الشين المعجمة، وفتح الياء آخر الحروف، بعدها ميم، وهو
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٦٩.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٦٤.
(٣) "الفتح" ١/ ٥٥٠.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل.
قال القاضي عياض - ﵀ -: قد جاء أن أرواح الكفار في سِجِّين، وأن أرواح المؤمنين مُنَعَّمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟.
وأجاب بأنه يَحتَمِل أنها تُعْرَض على آدم أوقاتًا، فصادف وقتُ عرضها مرورَ النبيّ - ﷺ -، ويدُلّ على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دون أوقات قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
واعتُرِض بأن أرواح الكفار لا تُفَتَّحُ لها أبواب السماء، كما هو نَصُّ القرآن.
والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يُكْشَف له عنهما. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن النَّسَم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعدُ، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومُستَقَرُّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعْلِم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى مَن عن يمينه، ويَحْزَن إذا نظر إلى مَن عن يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادةً قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرِّها من جنة أو نار، فليست مرادةً أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويُعْرَف أن قوله: "نسم بنيه" عام مخصوص، أو أريد به الخصوص.
وأما ما أخرجه ابن إسحاق والبيهقيّ من طريقه في حديث الإسراء: "فإذا أنا بآدم، تُعْرَض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: رُوح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تُعْرَض عليه أرواح ذريته الفُجّار، فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجّين"، وفي حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزَّار: "فإذا عن يمينه باب يَخرُج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حَزِن"، فهذا لو صَحّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله في "الفتح" (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٥٠.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
(فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّة، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ) - ﵇ - (حَتَّى أتى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ) البابَ (قَالَ) - ﷺ - (فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: من قوله: "من هذا؟ هل معك أحد؟ أفأرسل إليه؟ " (فَفَتَحَ) الخازن الباب.
(فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (فَدكَرَ) أي: أبو ذرّ - ﵁ - (أَنَّهُ) أي: النبيّ - ﷺ - (وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ) بضم أوله، من الإثبات: أي: لم يُعيِّن أبو ذرّ - ﵁ - (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: منازل هؤلاء الأنبياء - ﵈ - التي تخصّ كلّ واحد منهم (غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ - ﵇ - فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هذا موافق لرواية شريك، عن أنس - ﵁ -، والثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السابعة، فإن قلنا بتعدد المعراج، فلا تعارض، وإلا فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: "إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور"، وهو في السابعة بلا خلاف، وأما ما جاء عن عليّ - ﵁ - أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت حُمِل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبى؛ لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتًا يُحاذي الكعبة، وكلّ منها معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره أن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السماوات، ويقال: إن اسم البيت المعمور الضُّرَاح، بضم المعجمة، وتخفيف الراء، وآخره حاء مهملة، ويقال: بل هو اسم سماء الدنيا، ولأنه قال هنا: إنه لم يُثْبِت كيف منازلهم؟ فرواية مَن أثبتها أرجح، قاله في "الفتح".
قال الجامع: هذا الذي ذكره من أن في كلّ سماء بيتًا يُحاذي الكعبة يحتاج إلى دليل يَثبتُ به، فما هو؟ والله تعالى أعلم.
(قَالَ) لفظ البخاريّ: "قال أنسٌ"، فقال في "الفتح": ظاهره أن هذه اللفظة لم يسمعها أنسٌ من أبي ذرّ (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِإِدْرِيسَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ولفظ البخاريّ: "مرّ جبريل بالنبيّ - ﷺ - بإدريس"، فالباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإلصاق، أو بمعنى "على" (قَالَ) أي: إدريس
[ ٤ / ٤٩٩ ]
(مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا مخالف لِمَا يقوله أهل النسب والتاريخ، من أن إدريس - ﵇ - أبٌ من آباء النبيّ - ﷺ -، وأنه جَدٌّ أعلى لنوح - ﵇ -، وأن نوحًا هو ابن لامك بن مَتُّوشَلَخ بن خَنُوخ، وهو عندهم إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم - ﵇ -، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسَرْدها على ما ذكرناه، وإنما يختلفون في ضبط بعضها وصورة لفظه، وجاء جواب الآباء هنا إبراهيم وآدم مرحبًا بالابن الصالح، وقال إدريس: مرحبًا بالأخ الصالح، كما قال موسى، وعيسى، وهارون، ويوسف، ويحيى، وليسوا بآباءٍ صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قيل عن إدريس: إنه إلياس، وإنه ليس بجدّ لنوح، فإن إلياس من ذرية إبراهيم، وإنه من المرسلين، وأن أول المرسلين نوح - ﵇ -، كما جاء في حديث الشفاعة. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ -.
قال النوويّ - ﵀ - بعد نقله كلام القاضي هذا: وليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس أبًا لنبينا محمد - ﷺ -، فإن قوله: "والأخ الصالح" يَحْتَمِل أن يكون قاله تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإن كان ابنًا، فالأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي هو الظاهر، فلو صحّ ما قاله أهل النسب بدليل صحيح، لتكلّفنا لِمَا قاله النوويّ، وإلا فلا داعي إلى التكلّف، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: ثُمَّ مَرَّ) أي: جاوز جبريل مع النبيّ - ﷺ - إدريس (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخِ الصَّالِح، قَالَ) - ﷺ - (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ) جبريل (هَذَا مُوسَى، قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) "ثم" هنا ليست على بابها في الترتيب؛ إذ الروايات الكثيرة متفقة على أن مروره بموسى بعد عيسى، والحمل على التعدّد بعيد، كما لا يخفى (فَقَالَ) عيسى (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٠.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالابْنِ الصَّالِحِ) إنما قال: "والابن الصالح" كما قال آدم - ﵇ -؛ لأن لهما أبوّة بخلاف سائر الأنبياء، فإنهم قالوا: "والأخ الصالح" (قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ) - ﵇ -.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجّارَيّ المدنيّ القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، وقيل: اسمه كنيته، ثقة عابدٌ [٥].
رَوَى عن أبيه وأرسل عن جدّه وعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حبّة البدريّ، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة، والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وسلمان الأغر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الله، ومحمد، وابن عمه، محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار وهو أكبر منه، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم.
قال ابن سعد: فَوَلَد محمدُ بن عمرو بن حزم: عثمانَ، وأبا بكر الفقيهَ، وأم كلثوم، وأمهم كبشة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، وقال ابن معين، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عَطّاف بن خالد، عن أمه، عن امرأة أبي بكر بن محمد بن حزم، قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمد بن علي بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استَعْمَلت أبا بكر بن حزم غَرَّك بصلاته، فقال: إذا لم يَغُرَّني المصلون، فمَنْ يَغُرُّني؟ قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وذكره الهيثم بن عديّ في محدثي أهل المدينة، والواقديّ في ثقاتهم، وقال أبو ثابت، عن ابن وهب، عن مالك: لم يكن عندنا أحدٌ بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان ولَّاه عمر بن عبد العزيز، وكَتَب إليه أن يكتب له من العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ولم يكن بالمدينة أنصاريّ أميرٌ غير أبي بكر بن حزم، وكان قاضيًا،
[ ٤ / ٥٠١ ]
زاد غيره: فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر، عن تلك الكتب، فقال: ضاعت، وقال سعيد بن عُفير عن ابن وهب: قال لي مالك: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مُرُوءة، ولا أتمَّ حالًا، ولا رأيت مثل ما أُوتي، وَليَ المدينة والقضاء والموسم.
قال خليفه بن خياط: سنة مائة أقام الحج أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وفيها مات، وقال عمر بن عبد الله التميميّ: تُوُفّي سنة عشر ومائة، وقال الهيثم بن عديّ، وأبو موسى، وابن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال الواقديّ، وابن المدينيّ، وغيرهما: مات سنة عشرين، زاد الواقديّ: وكان ثقةً كثيرَ الحديث، ويقال عن الهيثم بن عديّ: مات سنة ست وعشرين، وهو خطأ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
(أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ) قال النوويّ - ﵀ -: "أبو حَبّة" - بالحاء المهملة، والباء الموحدة - هكذا ضبطناه هنا، وفي ضبطه واسمه اختلاف، فالأصح الذي عليه الأكثرون "حَبّة" - بالباء الموحدة - كما ذكرنا، وقيل: "حَيَّة" بالياء المثنّاة تحتُ، وقيل: "حَنّة" - بالنون - وهذا قول الواقديّ، ورُوي عن ابن شهاب الزهريّ، وقد اختُلِف في اسم أبي حبة، فقيل: عامر، وقيل: مالك، وقيل: ثابت، وهو بدريّ باتفاقهم، واستُشْهِد يوم أحد، وقد جَمَع الإمام أبو الحسن ابن الأثير الجزريّ - ﵀ - الأقوال الثلاثة في ضبطه والاختلاف في اسمه في كتابه "معرفة الصحابة - ﵃ - "، وبَيّنها بيانًا شافيًا - ﵀ -. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال الحافظ - ﵀ - في "التقريب" (ص ١١٣١): أبو حبّة بتشديد الموحدة الأنصاريّ البدريّ، قيل: اسمه عامر بن عمرو، وقيل: ابن عبد عمرو، وقيل: اسمه عمرو، قال ابن إسحاق: استُشهد بأحد، وزعم الواقديّ أن الذي شَهِدَ بدرًا واستُشهِدَ بأحد أبو حَنَّةَ بالنون بدل الموحّدة، والذي يظهر أن أبا حبّة الذي روى حديث الإسراء وحديث ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١]، وروى عنه ابن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
حزم، وعمّار بن أبي عمّار، وضبطه المحدّثون بالموحّدة غير الذي ذكر أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، واختلفوا هل هو بالموحّدة، أو النون، أو التحتانيّة؟ فإن شيخ عمّار بقي إلى خلافة معاوية لتصريح عمّار بالسماع منه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الحافظ يقتضي أن رواية أبي بكر بن محمد بن حزم المذكورة هنا متّصلة؛ لأنه تأخّر موته إلى خلافة معاوية - ﵁ -، واحتجّ على ذلك بما رواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن عفّان، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن عمّار بن أبي عمّار، سمعت أبا حبّة البدريّ يقول: لَمّا نزلت ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١] … فذكر الحديث (^٢)، قال: فهذا إن كان محفوظًا يدلّ على تأخّر أبي حبّة إلى أيام معاوية - ﵁ -. انتهى (^٣).
لكن الحديث الذي احتجّ به في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف فلا يصلح للاحتجاج به، ولذا قال في "الفتح": لكن رواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة؛ لأنه استُشهد بأُحد قبل مولد أبي بكر بدهر وقبل مولد أبيه محمد أيضًا.
والحاصل أن رواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبّة هذه مرسلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (ثُمَّ عَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، أي: صَعِد بي جبريل - ﵇ - (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوتُ وارتفعتُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]،
_________________
(١) "التقريب" ص ١١٣١ نسخة أبي الأشبال.
(٢) أخرجه الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال: (١٥٤٢٧) حدثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي حبة البدري، قال: "لما نزلت ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ قال جبريل - ﵇ -: يا محمد إن ربك يأمرك أن تقرئ هذه السورة أُبي بن كعب، فقال النبيّ - ﷺ -: "يا أُبي إن ربي - ﷿ - أمرني أن أقرئك هذه السورة"، فبكى، وقال: ذُكرت ثمة؟ قال: "نعم".
(٣) راجع: "الإصابة" ٧/ ٧١، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٠٨.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
والفتح: ٢٨، والصفّ: ٩]، وحديث: "والشمسُ في حُجرتها لم تَظْهَر"، وقول النابغة الجعديّ [من الطويل]:
عَلَوْنَا السَّمَاءَ عِفَّةً وَتَكَرُّمَا … وَإِنَّا لَنْبْغِي فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
(لِمُسْتَوًى) بضم الميم وفتح الواو: المَصْعَد، وقيل: المكان المستوي، وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: "المستوى" يكون بمعنى العلوّ والمصعد، قال ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: صَعِدَ أمره.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفسير الذي ذكره القاضي عن ابن عباس - ﵄ - في معنى "استوى" أخرجه البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (^١) وصرّح بضعفه، وهو كما قال؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدّيّ الصغير، وهو كذَّاب، عن محمد بن السائب الكلبيّ وهو كذّاب أيضًا، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو متروك، بل قيل بتكذيبه أيضًا، كما في "الميزان" (^٢)، وهذا الإسناد معروف عندهم بسلسلة الكذب، كما في "تدريب الراوي" (^٣)، فلا يصلح للاحتجاج به.
والحقّ أن معنى استوى: علا وارتفع، وهو المنقول عن السلف، كما ذكره البخاريّ في "صحيحه" عن أبي العالية وغيره، فالواجب أن نقول: إن الاستواء بمعنى العلوّ ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وقد أشبعت الكلام في غير هذا الموضع، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
قال القاضي: وقد يكون المستوى بمعنى موضع متوسّط مما شاء الله تعالى من ملكوته، وقيل في قوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أي: متوسّطًا، وقد يكون "مستوى" أي: حيث يظهر عدل الله وحكمه لعباده هناك، ويقال للعدل: "سواء" ممدودًا ومفتوحًا، و"سوى" مكسورًا مقصورًا، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. انتهى (^٤).
وقال في "العمدة": اللام في "لمستوى" للتعليل، أي: عَلَوْتُ لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى "إلى"، كما قوله تعالى:
_________________
(١) راجع: "الأسماء والصفات" ٢/ ٣١٠.
(٢) راجع: "ميزان الاعتدال" ١/ ٢٩٦.
(٣) راجع: "التدريب" ١/ ١٨١.
(٤) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.
[ ٤ / ٥٠٤ ]
﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلّقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى. انتهى (^١).
(أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأقلَامِ") - بالصاد المهملة -؛ أي: تصويتها حال الكتابة، قال الخطابيّ: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يُكْتَب ويُرْفَع لِمَا أراده من أمره وتدبيره.
(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أي: عن شيخه (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) أي: عن أبي ذرّ، كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: الظاهر أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاريّ، وليس بين أنس وبين رسول الله - ﷺ - ذكر أبي ذرّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله - ﷺ - ذكر ابن عبّاس وأبي حبّة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدّم آنفًا، مع أن الظاهر من حال الصحابيّ أنه إذا قال: قال رسول الله - ﷺ -، يكون بدون واسطة، فلعلّ أنسًا سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله - ﷺ -، والباقي سمعه من أبي ذرّ - ﵁ -. انتهى (^٣).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) وفي رواية ثابت، عن أنس المتقدّمة: "فَرَض الله عليّ خمسين صلاةً، كلَّ يوم وليلة"، ونحوه في رواية مالك بن صعصعة الآتية، فيَحْتَمِل أن يقال: في كل من هذه الرواية، والرواية الأخرى اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه يَستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما يُستَثنى من خصائصه - ﷺ -، قاله في "الفتح" (^٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الصواب، فالحقّ أن الفرض عليه - ﷺ - فرض على أمته، وبالعكس، إلا الخصائص، ومما يؤكّد هذا قول موسى؛ للنبيّ - ﷺ - في رواية ثابت الماضية التي فيها قوله - ﷺ -: "فرض الله
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٧٠.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٥١.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ٣/ ٦٦.
(٤) "الفتح" ١/ ٥٥١.
[ ٤ / ٥٠٥ ]
عليّ خمسين صلاةً": "ماذا فَرَض ربُّك على أمتك؟ "، فقال النبيّ - ﷺ -: "خمسين صلاةً"، أي: فرض عليهم كما فرض عليّ، فتبيّن بهذا أن الفرض على أحدهما يستلزم الآخر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى - ﵇ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى - ﵇ -: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة عند البخاريّ: "فوضع عني عشرًا"، ومثله في رواية شريك، وفي رواية ثابت: "فحطّ عني خمسًا".
قال النوويّ - ﵀ -: هذا المذكور هنا لا يخالف أنه - ﷺ - قال: "حَطّ عني خمسًا … " إلى آخره، فالمراد بحط الشطر هنا أنه حَطّ في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر، وقال القاضي عياض - ﵀ -: المراد بالشطر هنا الجزء، وهو الْخَمْس، وليس المراد به النصف، وهذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث الثاني مختصر، لم يُذكَر فيه كرّات المراجعة.
واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة، وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعيّن حَمْلُ باقي الروايات عليها.
وأما قول الكرمانيّ: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وَضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني: نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعًا، كذا قال، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم.
وأبدى ابن المُنَيِّر هنا نكتةً لطيفةً في قوله - ﷺ - لموسى ﵇ - لَمّا أمره أن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٥١ - ٥٥٢.
[ ٤ / ٥٠٦ ]
يرجع بعد أن صارت خمسًا، فقال: "استحييت من ربي"، قال ابن المنيّر: يحتمل أنه - ﷺ - تفرّس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا، لكان سائلًا في رفعها، فلذلك استحيا. انتهى.
ودَلَّت مراجعته - ﷺ - لربه في طلب التخفيف تلك المرات كلها، أنه عَلِم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام، بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يُشْعِر بذلك، لقوله - ﷾ -: "لا يبدَّل القول لديّ".
ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة وأول جمع الكثرة، فخَشِي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإلحاح في الطلب من الله مطلوب، فكأنه خَشِي من عدم القيام بالشكر، والله أعلم.
قال: وأبدى بعض الشيوخ حكمةً لاختيار موسى؛ تكرير ترداد النبيّ - ﷺ -، فقال: لَمّا كان موسى قد سأل الرؤية فمُنِعَ، وعَرَف أنها حصلت لمحمد - ﷺ - قَصَد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته؛ لِيَرى مَن رأى، كما قيل: لعلّي أراهم أو أرى من رآهم.
قال الحافظ: ويَحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية في كل مرة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أبداه بعض الشيوخ وأقرّه عليه الحافظ، وإن اعترضه في التكرار ليس بسديد؛ لأن الصحيح أن النبيّ - ﷺ - لم يرَ ربّه، كما سيأتي للمصنّف أنه - ﷺ - قال لأبي ذرّ - ﵁ - لما سأله: هل رأيت ربك؟ -: "نور أنَّى أراه"، وفي رواية: "رأيتُ نورًا"، وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه قريبًا إن شاء الله تعالى.
وأما طلب موسى تكرار المراجعة فالظاهر - كما قاله بعض المحقّقين - أنه حمله على ذلك رحمته لأمة محمد - ﷺ - والشفقة عليهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - ﵇ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ) وفي رواية البخاريّ: "هنّ خمس، وهنّ خمسون"، والمراد هي خمس عددًا باعتبار
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٥٢.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
الفعل، وخمسون اعتدادًا باعتبار الثواب (لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي: إن هذه الخمس لا تنسخ (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول حتى نأتي بالنون في أوله، وفي بعض الأصول: "حتى أَتَى"، وكلاهما صحيح. انتهى.
(فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ") قال النوويّ - ﵀ -: أما "الجنابذ" فبالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة، وهي: القِبَاب، واحدتها جُنْبُذة، ووقع في "كتاب الأنبياء"، من "صحيح البخاريّ" كذلك، ووقع في أول "كتاب الصلاة" منه "حَبَائل" بالحاء المهملة، والباء الموحدة، وآخره لام، قال الخطابيّ وغيره؛ هو تصحيف.
وأما "اللؤلؤ"، فمعروف، وفيه أربعة أوجه: بهمزتين وبحذفهما، وبإثبات الأولى دون الثانية وعكسه، والله أعلم.
وقال في "الفتح" في شرح قوله: "حبايل اللؤلؤ": كذا وقع لجميع رواة البخاريّ في هذا الموضع بالحاء المهملة، ثم الموحدة، وبعد الألف تحتانية، ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وإنما هو "جَنَابِذ" بالجيم والنون، وبعد الألف موحدة، ثم ذال معجمة، كما وقع عند البخاريّ في "أحاديث الأنبياء" من رواية ابن المبارك وغيره، عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، قال: ووجدت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذرّ في هذا الموضع: "جنابذ" على الصواب، وأظنه من إصلاح بعض الرواة.
وقال ابن حزم في أجوبته على مواضع من البخاريّ: فتشت على هاتين اللفظتين، فلم أجدهما ولا واحدة منهما، ولا وقفت على معناهما. انتهى.
وذكر غيره أن "الجنابذ" شِبْهُ القِبَاب، واحدها جُنْبُذة بالضمّ، وهو ما ارتفع من البناء، فهو فارسيّ معرَّب، وأصله بلسانهم كُنْبَذة بوزنه، لكن الموحدة مفتوحة والكاف ليست خالصة، ويؤيده ما رواه البخاريّ في "التفسير" من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: لَمَّا عُرِج بالنبيّ - ﷺ - قال: "أَتيتُ على نَهر
[ ٤ / ٥٠٨ ]
حافتاه قباب اللؤلؤ". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٢] (١٦٣)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٤٩)، و"الحجّ" (١٦٣٦)، و"الأنبياء" (٣٣٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥٤ و٣٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٧ و٤١٨)، و(الدارميّ) في "الردّ على الجهميّة" (ص ٣٤)، والآجرّيّ في "الشريعة" (٤٨١ - ٤٨٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧١٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٥٤)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٣١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده زيادة على ما سبق، وإن كان بعضها تقدّم:
١ - (منها): أن فيه دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن الجنة في السماء.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأن الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عَمِل بلازم الإرسال إليه، وقد أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" من حديث أبي رافع مرفوعًا: "إذا دُعي أحدكم، فجاء مع الرسول، فهو إذنه".
٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: فيه حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله تعالى، من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام التي هو تعالى يَعْلَم كيفيتها، على ما جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك، وصورته، وجنسه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، أو من أطلعه على شيء من ذلك، من ملائكته، ورسله، وما يَتَأوَّل هذا، ويُحيله
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٥٢ - ٥٥٣.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان؛ إذ جاءت به الشريعة المطهرة، ودلائل العقول لا تحيله، والله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد حكمةً من الله تعالى وإظهارًا لما يشاء من غيبه، من يشاء من ملائكته، وسائر خلقه، وإلا فهو غنيّ عن الكَتْب والاستذكار - ﷾ -. انتهى.
٤ - (ومنها): ما قال القاضي - ﵀ - أيضًا: في علوّ منزلة نبيّنا - ﷺ -، وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بَلَغَ من ملكوت السموات، دليلٌ على علُوّ درجته، وإبانة فضله، وقد ذكر البزَّار خبرًا في الإسراء عن عليّ - ﵁ -، "وذكر مسير جبريل - ﵇ - على البراق، حتى أتى الحجاب، وذكر كلمةً، وقال: خَرَج ملكٌ من وراء الحجاب، فقال جبريل - ﵇ -: والذي بعثك بالحقّ إن هذا الملك ما رأيته مُنذ خلقتُ، وإني أقرب الخلق مكانًا" (^١)، وفي حديث آخر: "فارقني جبريل، وانقطعت عني الأصوات" (^٢). انتهى كلام القاضي - ﵀ -.
٥ - (ومنها): ما قال الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، مبيّنًا فوائد أحاديث الباب ومبوّبًا لها، ما معناه: فيه الردّ على الجهميّة، وبيان أن الجنّة مخلوقة، وأن النبيّ - ﷺ - دخلها، وأنها فوق السموات، وأن السدرة المنتهى فوقها، وأن النبيّ - ﷺ - انتهى إليها، وأنه دنا من ربّ العزّة، وربّ العزّة دنا منه قاب قوسين أو أدنى (^٣)، وأن ما غشي السدرة من الألوان كان من نوره ﵎، وأن الكوثر الذي أُعطيه محمد - ﷺ - هو مخلوق وموجود، وهو نهرٌ من ماء، ترابه المسك، وصفة الحوض، وماؤه، وأن من بدّل ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من أمته لم يَرِد حوضه، وأن النيل والفرات أصلهما في السماء، وإثبات صريف
_________________
(١) راجع: "كشف الأستار" ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده زياد بن المنذر، متروك الحديث.
(٢) عزاه القاضي في "الشفا" ١/ ٢٠٢ إلى النقاش عن ابن عباس، قال بعضهم: والنقاش صاحب غرائب ومناكير.
(٣) قد تقدّم أن الصحيح كون الضمائر في ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ لجبريل - ﵇ -، لا للربّ، فلا تكن من الغافلين.
[ ٤ / ٥١٠ ]
الأقلام فوق السماوات السبع، وأن موسى رُفع فوق الأنبياء بكلامه ﵎. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر وغيره، خلافًا من أثبت ذلك.
٧ - (ومنها): جواز دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مُؤَكَّدةً، خلافًا لقوم فيما أُكِّد.
٨ - (ومنها): جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه - ﷿ - نَسَخَ الخمسين بالخمس قبل أن تُصَلَّى، ثم تفضّل عليهم بأن أكمل لهم الثواب؟.
وتعقّبه ابن المُنَيِّر، فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشُّرّاح، وهو مشكل على مَن أثبت النسخ قبل الفعل، كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة؛ لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يُتَصَوَّر قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا، قال: وهذه نكتة مبتكرة.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن المُنيّر وابتكره فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إنما نُسخ بعد بلوغه إلى النبيّ - ﷺ -، وهو أحد المكلّفين بلا شكّ، وليس بلازم بلوغ الأمة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): ما قيل: إنما اخْتَصّ موسى - ﵇ - بتنبيه النبيّ - ﷺ - على مراجعة ربّه في التخفيف عن أمته، دون غيره ممن لقيه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأن أمته أكثر من أمة غيره، ولأن كتابه أكبر الكتب المُنَزَّلة قبل القرآن تشريعًا وأحكامًا، أو لأن أمة موسى - ﵇ - كانوا كُلِّفوا من الصلاة ما ثَقُل عليهم، فخاف موسى على أمة محمد - ﷺ - مثل ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "فإني بَلَوت بني إسرائيل"، قاله القرطبي - ﵀ -.
وأما قول من قال: "إنه أول من لاقاه بعد الهبوط"، محتجًّا بقوله في هذا الحديث: "فرجعت بذلك حتى أمرّ بموسى"، فليس بصحيح؛ لأن حديث مالك بن صعصعة الآتي أقوى من هذا، وفيه أنه لقيه في السماء السادسة بعد إبراهيم - ﵇ -، فتنبّه، فإنه دقيق.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ١١٨.
[ ٤ / ٥١١ ]
وأما ما قاله في "الفتح": وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة، وصَعِد موسى إلى السابعة، فلقيه فيها بعد الهبوط، ارتفع الإشكال، وبَطَل الردُّ المذكور. انتهى.
ففيه نظر؛ إذ يحتاج إثبات هذا الصعود إلى السابعة إلى دليل صحيح، فليس هذا الأمر مما يثبت بالتخمين والاحتمال، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): ما قيل: إن الحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج، أنه لَمّا قُدِّس ظاهرًا وباطنًا حين غُسل بماء زمزم، وملئ بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تُفْرَض الصلاة في تلك الحالة، وليَظْهَر شرفه في الملأ الأعلى، ويصلّي بمن سكنه من الأنبياء والملائكة (^١)، وليناجي ربه، ومن ثَمّ كان المصلي يناجي ربه جلَّ وعلا (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر الأسئلة والأجوبة الواردة على هذا الحديث:
١ - (منها): ما قيل: إن الإسراء كان ليلًا، فما الحكمة في ذلك؟.
[أجيب] بأوجه:
(الأول): أنه وقت خلوة، واختصاص، ومجالسة للملوك، وهو من أشرف مجالسهم، وهو وقت مناجاة الأحبّة.
(الثاني): أن الله تعالى أكرم جماعة من الأنبياء بأنواع الكرامات ليلًا، قال تعالى في قصّة إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وفي قصة لوط - ﵇ -: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١، والحجر: ٧٦] وفي قصّة يعقوب - ﵇ -: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقال: دعا لهم ليلًا، وقرّب موسى نجيًّا ليلًا، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ﴾ [النمل: ٧]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾
_________________
(١) هكذا قال في "الفتح"، وفيه نظر، إذ لم يُنقل أنه - ﷺ - صلى بهم في الملإ الأعلى، وإنما صلّى بهم في بيت المقدس، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٤٨.
[ ٤ / ٥١٢ ]
[الدخان: ٢٣]، وأكرم نبيّنا - ﷺ - ليلًا بأمور، منها: انشقاق القمر، وإيمان الجنّ به، وخرج إلى الغار ليلًا.
(الثالث): أن الله تعالى قدّم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] وليلة النحر تُغني عن الوقوف نهارًا.
(الرابع): أن الليل أصل، ولهذا كان أولَ الشهور، وسواده يَجمع ضوء البصر، ويُحدّ كليل النظر، ويُستلذّ فيه بالسمر، ويجتلي فيه وجه القمر.
(الخامس): أنه لا ليل إلا وله نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
(السادس): أن الليل محلّ استجابة الدعاء والغفران والعطاء، كما صحّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، متّفقٌ عليه.
وصحّ أنه - ﷺ - قال لعمرو بن عَبَسَة - ﵁ -: "إن أقرب ما يكون الربُّ - ﷿ - من العبد جوف الليل الآخر … " الحديث (^١).
[فإن قلت]: ورد في الحديث: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة … " الحديث.
[قلت]: هذا بالنسبة إلى الأيام.
(السابع): أن في جملة الليالي ليلة القدر، خير من ألف شهر.
(الثامن): أنه - ﷺ - كثيرًا ما كان يسافر ليلًا، وحثّ بالسفر فيه، وقال: "عليكم بالدُّلْجَة، فإن الأرض تطوى بالليل" (^٢).
٢ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في الإسراء؟.
[أجيب]: بأنه إنما كان للمناجاة، ولهذا كان من غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكليم في موسى - ﵇ - عن مواعدة وموافاة، فأين ذلك من هذا؟
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣/ ٢٨.
[ ٤ / ٥١٣ ]
وشتّان ما بين المقامين، وبين من كُلّم على الطور، وبين من دُعي إلى أعلى من البيت المعمور، وبين من سُخّرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانيّة.
٣ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في عروج النبي - ﷺ - راكبًا على البراق، مع أن الله تعالى قادر على رفعه في طرفة عين بلا براق؟.
[أجيب]: بأن ذلك للتأنيس بالمعتاد، ولكرامة الراكب عادة على غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: لَخّصت هذه الأسئلة وأجوبتها مما كتبه البدر العينيّ - ﵀ - في "عمدته" (^١)، وقد ذكر فيه أسئلة أخرى أكثرها تَكَلُّفَات، وليس عليها دليل، فتركتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٣] (١٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِه، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَان، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاَثةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْن، فَأُتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا"، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِه، "فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْل، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِه، فَحُمِلْتُ عَلَيْه، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أتيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِه، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ - ﷺ - "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ﵉،
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٣/ ٧٢ - ٧٧.
[ ٤ / ٥١٤ ]
وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ: "ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى - ﵇ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأخِ الصَّالِح، وَالنَّبِيِّ الصَّالِح، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ هَذَا غُلَامٌ، بَعَثْتَهُ بَعْدِي، يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ كثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أنهَار، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَان، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنَهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَان، فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّة، وَأَمَّا الظَّاهِرَان، فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيه، آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أُتِيتُ، بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَن، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ أمّتُكَ عَلَى الْفِطْرَة، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً"، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النّضْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وهو من أثبت الناس في قتادة [٦] (١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ المذكور قبله.
٦ - (مَالِكُ بن صَعْصَعَةَ) مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن
[ ٤ / ٥١٥ ]
عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار الأنصاريّ، نسبه ابن سعد، وقيل: إنه من بني مازن بن النّجّار وجزم بذلك البغويّ، فقال: إنه من بني مازن بن النجار، حدَّث أنس بن مالك عنه، عن النبيّ - ﷺ - بقصة الإسراء، وهو في "الصحيحين" من طريق قتادة، عن أنس، قال البغويّ: سَكَن المدينة، ورَوَى عن النبيّ - ﷺ - حديث الإسراء بطوله، رواه عنه أنس، وذَكَر الخطيب في "المبهمات" أنه الذي قال له النبيّ - ﷺ -: "أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ "، أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجاله الجماعة، غير مالك بن صعصعة - ﵁ -، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -.
٥ - (ومنها): أن مالك بن صعصعة - ﵁ - من المقلّين، ليس له في هذه الكتب إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) قال أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ - ﵀ -: هكذا هذا الحديث في رواية أبي العلاء بن ماهان وأبي العبّاس الرازيّ، عن أبي أحمد - يعني: الجُلُوديّ -، وعند غيره: عن أبي أحمد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، ولم يقل: "لعلّه"، والحديث محفوظ عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة دون شكّ.
قال أبو الحسن - يعني: الدارقطنيّ - ﵀ -: لم يروِه عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة غير قتادة. انتهى كلام الغسّانيّ - ﵀ - (^١).
_________________
(١) "تقييد المهمل، وتمييز المشكل" ٣/ ٧٨٣، و"شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٤ / ٥١٦ ]
وقوله: (رَجُلِ مِنْ قَوْمِهِ) بالجرّ بدل من "مالك"، يعني: أن مالك بن صعصعة من قوم أَنس بن مالك؛ لأنه من بني النجّار (قَالَ) أي: مالك بن صعصة - ﵁ - (قَالَ نَبِي اللهِ - ﷺ -: "بَيْنَا) هي "بين" وقد مرّ البحث عنها قريبًا، وقوله: (أَنَا) مبتدأ خبره قوله: (عِنْدَ الْبَيْتِ) أي: الكعبة؛ لأنه صار علمًا عليها بالغلبة، كـ "العقبة" لعقبة أَيْلَة، أو لعقبة مِنى، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ "أَل" كَـ "العَقَبَهْ"
وعند البخاريّ في "المعراج" من طريق همّام عن قتادة: "بينما أنا في الحطيم، وربما قال: في الحِجْر مضطجعًا".
قال في "الفتح": قوله: "وربما قال: في الحجر" هو شك من قتادة، كما بيّنه أحمد، عن عفان، عن همام، ولفظه: "بينا أنا نائم في الحطيم"، وربما قال قتادة: "في الحجر"، والمراد بالحطيم هنا الحِجر، وأبعد من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحِجْر، وهو وإن كان مُخْتلَفًا في الحطيم، هل هو الحجر أم لا؟ لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد؛ لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها، ووقع في رواية الزهريّ، عن أنس، عن أبي ذرّ الماضية بلفظ: "فُرِج سقف بيتي، وأنا بمكة"، وفي رواية الواقديّ بأسانيده: "إنه أُسري به من شِعْب أبي طالب"، وفي حديث أم هانئ عند الطبرانيّ: "إنه بات في بيتها، قالت: ففقدَتْهُ من الليل، فقال: إن جبريل أتاني".
والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شِعْب أبي طالب، ففُرِج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لكونه كان يسكنه، فنَزَل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مُضطجِعًا، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه البراق.
وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق: "أن جبريل أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق"، وهو يؤيد هذا الجمع.
وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته
[ ٤ / ٥١٧ ]
بذلك، والتنبيه على أن المراد منه أن يُعْرَج به إلى جهة العلو، قاله في "الفتح" (^١).
(بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ) الظرف إما خبر بعد خبر، أو حال من "أنا"، و"اليقظان" بفتح، فسكون: صفة مشبّهة من يَقِظَ يَقَظًا، من باب تَعِبَ، ويَقَظَةً بفتح القاف، ويقاظَةً: خلافُ نام، وكذلك إذا انتبه للأمور، ورجلٌ يقظان، وامرأة يَقْظَى (^٢).
قال في "الفتح": هو محمول على ابتداء الحال، ثم لَمّا خَرَج به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمَرّ في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك عند البخاريّ في "كتاب التوحيد" في آخر الحديث: "فاستيقظ، وهو في المسجد الحرام"، فإن قلنا بالتعدد، فلا إشكال، وإلا حُمِل على أن المراد بـ "استيقظ": أفاق، أي: أنه أفاق مما كان فيه من شُغْل البال بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم الدنيويّ.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد المعراج بعيد جدًّا، وإن مال بعضهم إليه، وقد اعترض ابن أبي العزّ - ﵀ -، في "شرح العقيدة الطحاويّة" على هذا القول، وعبارته: وقيل: كان الإسراء مرّتين: مرّةً في اليقظة، ومرّةً منامًا، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: "ثم استيقظتُ" وبين سائر الروايات، وكذلك منهم من قال: بل كان مرّتين، مرّةً قبل الوحي ومرّةً بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرّات، مرّةً قبل الوحي ومرّتين بعده، وكلّما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرّة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرّةً واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البرّ.
قال شمس الدين ابن القيّم: يا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنّوا أنه كان في كلّ مرّة تُفرَض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردّد بين ربّه وبين موسى - ﵇ - حتى تصير خمسًا، فيقول: أأمضيتُ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٤٣ - ٢٣٤ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٨٨٨).
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٨٠ - ٦٨١.
[ ٤ / ٥١٨ ]
فريضتي، وخفّفتُ عن عبادي"، ثم يُعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يَحُطّها إلى خمس؟. انتهى (^١).
فتحصّل من هذا أن الصواب عدم تعدّد الإسراء والمعراج، وأنه إذا اختلفت علينا الروايات، سلكنا مسلك الترجيح، وعملنا بما دلّت عليه الروايات الكثيرة القويّة لرجحانها، وألغينا الروايات المرجوحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا) هو جبريل ﵇ (يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاَثةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) المراد بالرجلين: حمزة، وجعفر، وكان النبيّ - ﷺ - نائمًا بينهما، قاله في "الفتح".
(فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول، والآتي، والذي شقّ النحر، وغَسَل القلبَ، وملأه حكمةً وإيمانًا، هو جبريل ﵇، ففي رواية أبي - ﵁ - السابقة: "فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء" (فَانْطُلِقَ بِي) بالبناء للمفعول أيضًا، الظاهر أن المراد انطلاقه من بيته إلى المسجد (فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِطَسْتٍ) تقدّم أنها بفتح أولها وكسره، وبمثناة، وقد تحذف، وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها، وخُصَّ الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا (مِنْ ذَهَبٍ) خُصّ الذهب لكونه أعلى أنواع الأواني الحسية وأصفاها، ولأن فيه خواصَ ليست لغيره، ويظهر لها هنا مناسبات، منها أنه من أوانى الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، وقال السُّهيليّ وغيره: إن نُظِر إلى لفظ الذهب نالسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نُظر إلى معناه فلوضاءته، ونقائه، وصفائه، ولثقله، ورسوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، ولأنه أعزّ الأشياء في الدنيا، والقول هو الكتاب العزيز.
قال: ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة،
_________________
(١) راجع: "شرح العقيدة الطحاويّة" ص ٢٢٤.
[ ٤ / ٥١٩ ]
ولا يكفي أن يقال: إن المستعمِل له كان ممن لم يَحْرُم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه لو كان قد حُرِّم عليه استعماله لَنُزِّه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم.
ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيُلْحَق بأحكام الآخرة.
قال الجامع: تقدّم أن الأرجح أن يُحمل هذا على أنه كان قبل تحريم استعمال الذهب، والله تعالى أعلم.
(فِيهَا) أي: في تلك الطست؛ لأنها مؤنثة غالبًا، كما سبق بيانه (مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) يعني: تلك الطست فيها ماء زمزم لغسل قلبه، والظاهر أن هذه الطست غير الطست المملوءة حكمةً وإيمانًا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَشُرِحَ) بالبناء للمفعول، أي: شُقّ (صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا"، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنى؟) وفي رواية البخاريّ من طريق همام، عن قتادة: "فشقّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يَعنِي به؟ "، فتبيّن أن الذي كان مع قتادة هو الجارود، قال في "الفتح": لم أرَ من نسبه من الرواة، ولعلّه ابن أبي سَبْرَة البصريّ صاحب أنس، فقد أخرج له أبو داود من روايته عن أنس حديثًا غير ذا. انتهى (^١).
(قَالَ) أي: ذلك الذي معه مجيبًا عن سؤاله (إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ) أي: شقّه من فوق بطنه إلى أسفله، وفي رواية البخاريّ في "بدء الخلق": "من النحر إلى مراقّ بطنه"، و"النحر": موضع القلاة من الصدر، و"المراقّ" بفتح الميم، وتشديد القاف: هو ما سَفَلَ من البطن، فما تحته من المواضع التي تَرِقّ جلودها، وفي رواية للبخاريّ أيضًا في "المناقب": "من ثُغْر نَحْره إلى شِعْرَته"، و"الثُّغْرة" بضمّ المثلّثة، وسكون الغين المعجمة: هي الموضع المنخفض الذي بين التَّرْقُوَتين، و"الشِّعْرة" بكسر الشين المعجمة، وسكون العين: شَعْر العانة.
[تنبيه]: قال في "الفتح": قد استنكر بعضهم وقوع شَقّ صدره - ﷺ - ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٢٤٤.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
فقد تواردت الروايات به، وثَبَتَ شقّ الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، ولكل منها حِكْمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس - ﵁ -: "فأَخرج عَلَقةً، فقال: هذا حَظّ الشيطان منك"، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ - ﷺ - على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وَقَع شقّ الصدر عند البعثة زيادةً في إكرامه لِيَتَلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وَقَع شقّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة.
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسلِ؛ لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرَّر في شرعه - ﷺ -.
ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها.
وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته؛ لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": لا يُلتَفَتُ لإنكار الشقّ ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير، ثم ذكر نحو ما تقدم. انتهى (^١).
("فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي) ببناء الفعل للمفعول، وكذا الأفعال بعده (فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ) أي: الذي كان في الطست (ثُمَّ أُعِيدَ) أي: القلب (مَكَانَهُ) أي: في محلّه الأول (ثُمَّ حُشِيَ) أي: مُلئ (إِيمَانًا وَحِكْمَةً) قد تقدّم تفسير الحكمة بما فيه الكفاية، وتقدّم أيضًا أن الصواب في هذا حمله على حقيقته، فيكون المعنى أن الإيمان والحكمة حُشي بهما قلبه - ﷺ - على ظاهره، وتجسيدُ المعاني جائزٌ وواقع، فقد أخرج المصنّف ﵀ عن أبي أمامة الباهليّ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقَان من طير صوافّ، تُحاجّان عن أصحابهما … " الحديث.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ٤ / ٥٢١ ]
وحديث: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيذبح"، متّفق عليه، وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك من أحوال الغيب، فلا حاجة إلى ما تكلّف به بعضهم من التأويلات المتعسّفة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ) وصفه بـ "أبيض"، وذكّر الضمير في "له" نظرًا لكونه مركوبًا، للفظ البراق (فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْلِ) الظرف صفة لـ "دابّة"، والحكمة في كون الدابّة بهذه الصفة الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابّة لا توصف بذلك في العادة، أو باعتبار أن الركوب كان في سِلْم وأَمْنٍ، لا في حَرْبٍ وخوف.
(يَقَعُ خَطْوُهُ) بفتح الخاء المعجمة أوّلَهُ: المرة الواحدة، وبضمّها: الفِعْلة (عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ) - بفتح الطاء، وسكون الراء، وبالفاء - أي: نظره، أي: يَضَعُ رجله عند منتهى ما يَرَى بصره، أي: عند آخر ما وقع عليه نظره بعينه (فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (ثُمَّ انْطَلَقْنَا) أي: ذهبت أنا وجبريل، بعد ركوبي على تلك الدابّة، وفي رواية لأبي سعيد في "شرف المصطفى": "فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل"، وفي رواية معمر، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به أُتي بالبراق مُسْرَجًا مُلْجَمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حَمَلَك على هذا؟ فوالله ما ركبك خلق أكرم على الله منه، قال: فارفضّ عرقًا"، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسن غريبٌ، وصححه ابن حبان، وذكر ابن إسحاق، عن قتادة أنه لَمّا شَمَسَ (^١) وَضَعَ جبريل يده على مَعْرَفَته (^٢) فقال: أما تستحي … فذكر نحوه مرسلًا، لم يذكر أنسًا، وفي رواية وَثِيمة عن ابن إسحاق: "فارتَعَشَت، حتى لَصِقَت بالأرض، فاستويتُ عليها"، وللنساليّ وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس، نحوه موصولًا، وزاد: "وكانت تُسَخَّر للأنبياء قبله"، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق.
_________________
(١) شمس من بابي قتل وضرب، شُموسًا وشماسًا: استعصى على راكبه. اهـ. "المصباح".
(٢) "المَعْرَفَة" بفتح، فسكون، ففتح: موضع العَرْف من الطير والخيل.
[ ٤ / ٥٢٢ ]
وفيه دلالة على أن البراق كان مُعَدًّا لركوب الأنبياء ﵈ خلافًا لمن نَفَى ذلك، كابن دحية، وأوَّل قول جبريل: "فما رَكِبَك أكرم على الله منه"؛ أي: ما ركبك أحدٌ قطُّ، فكيف يركبك أكرم منه؟ وقد جَزَم السهيليٌّ أن البراق استصْعَبَ عليه لبُعد عهده بركوب الأنبياء قبله.
وقال النوويّ: قال الزبيديّ في "مختصر العين"، وتبعه صاحب "التحرير": كان الأنبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح.
قال الحافظ: قد ذكرتُ النقل بذلك، ويؤيده ظاهر قوله: "فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء".
ووقع في "المبتدأ" لابن إسحاق من رواية وَثِيمة في ذكر الإسراء: "فاستَصْعَبت البراق، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن رُكِبت في الفترة"، وفي "مغازي ابن عائذ" من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، قال: "البراق: هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل"، وفي الطبرانيّ، من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: "أن جبريل أتى النبيّ - ﷺ - بالبراق، فحمله بين يديه"، وعند أبي يعلى والحاكم، من حديث ابن مسعود رفعه: "أُتيت بالبراق، فركبت خلف جبريل"، وفي حديث حُذيفة عند الترمذيّ، والنسائيّ: "فما زايلا ظهر البراق"، وفي "كتاب مكة" للفاكهيّ والأزرقيّ: "إن إبراهيم كان يحجُّ على البراق"، وفي أوائل "الروض" للسهيليّ: "إن إبراهيم حَمَلَ هاجر علي البراق، لَمّا سار إلى مكة بها وبولدها".
قال الحافظ ﵀: فهذه الآثارُ يشدّ بعضها بعضًا، وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك، لم أرَ الإطالة بإيرادها.
ومن الأخبار الواهية في صفة البراق: ما ذكره الماورديّ، عن مقاتل، وأورده القرطبيّ في "التذكرة"، ومِن قبله الثعلبيّ، من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال،: "الموت والحياة جسمان، فالموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فَرَسٌ بلقاء أنثى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تَمُرّ بشيء، ولا يجد ريحها شيء إلا حَيِيَ.
ومنها: أن البراق لَمّا عاتبه جبريل، قال له معتذرًا: إنه مس الصفراء
[ ٤ / ٥٢٣ ]
اليوم، وأن الصفراء صنم من ذهب، كان عند الكعبة، وأن النبيّ - ﷺ - مَرّ به، فقال: تَبًّا لمن يعبدك من دون الله، وأنه - ﷺ - نَهَى زيد بن حارثة أن يمسه بعد ذلك، وكسره يوم فتح مكة.
قال ابن المُنَيِّر: إنما استصعَبَ البراق تَيْهًا وزَهْوًا (^١) بركوب النبيّ - ﷺ - عليه، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك خَجِلَ، وارْفَضَّ عَرَقًا من ذلك، وقريب من ذلك رَجْفَةُ الجبل به، حتى قال له: "اثبُت فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيق، وشهيد"، فإنها هِزَّة الطَّرَب لا هزّة الغضب.
ووقع في حديث حذيفة عند أحمد قال: "أُتي رسول الله - ﷺ - بالبراق، فلم يُزايل ظهره هو وجبريل، حتى انتهيا إلى بيت المقدس".
فهذا لم يُسنده حذيفة، عن النبيّ - ﷺ -، فيحتَمِلُ أنه قال عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون قوله: "هو وجبريل" يتعلق بمرافقته في السير لا في الركوب.
قال ابن دحية وغيره: معناه: وجبريلُ قائدٌ، أو سائقٌ، أو دليلٌ، قال: وإنما جَزَمنا بذلك؛ لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبيّ - ﷺ -، فلا مدخل لغيره فيها.
قال الحافظ: وَيرُدّ التأويل المذكور أن في "صحيح ابن حبان" من حديث ابن مسعود - ﵁ - أن جبريل حمله على البراق رَدِيفًا له، وفي رواية الحارث في "مسنده": "أُتي بالبراق، فركب خلف جبريل، فسار بهما"، فهذا صريح في ركوبه معه، فالله أعلم.
وأيضًا فإن ظاهره أن المعراج وقع للنبيّ - ﷺ - على ظهر البراق إلى أن صَعِدَ السماوات كلها، ووصل إلى ما وصل، ورَجَع وهو على حاله، وفيه نظر لِمَا سأذكره، ولعل حذيفة إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج، على ما تقدّم من تقرير الإسراء مرّتين. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن حمل الأحاديث على تعدد الإسراء غير مقبول، بل الحقّ أنه لا تعدّد، وإنما الصواب سلوك مسلك الترجيح بين
_________________
(١) قوله: "تَيْهًا"؛ أي: فخرًا وتكبّرًا، وقوله: "زَهْوًا" عطف تفسير.
[ ٤ / ٥٢٤ ]
الروايات، فما لم يقبل منها الجمع يُنظر فيه، فيُعمل بالأرجح، ويترك المرجوح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى أتيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ظاهره أنه استمرّ على البراق حتى عرج إلى السماء، وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير الإسراء إلى بيت المقدس، فأما العروج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رَقِيَ المعراج وهو السّلّم، كما وقع مُصَرَّحًا به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، والبيهقيّ في "الدلائل"، ولفظه: "فإذا أنا بدابة كالبغل، مضطرب الأذنين، يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، فركبته … "، فذكر الحديث، قال: "ثم دخلتُ أنا وجبريل بيت المقدس، فصليتُ ثم أُتيت بالمعراج"، وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لَمّا فرغت مما كان في بيت المقدس، أُتِيَ بالمعراج، فلم أرَ قط شيئًا كان أحسن منه، وهو الذي يَمُدّ إليه الميت عينيه إذا حُضِر، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء … " الحديث، وفي رواية كعب: "فوُضِعت له مِرْقاة من فضة ومرقاة من ذهب، حتى عَرَج هو وجبريل"، وفي رواية لأبي سعيد في "شرف المصطفى": "أنه أُتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه مُنَضَّد باللؤلؤ، وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة".
وأما المحتج بالتعدد فلا حجة له؛ لاحتمال أن يكون التقصير في ذلك الإسراء من الراوي، وقد حَفِظه ثابت، عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: "أُتيت بالبراق"، فوصفه، قال: "فركبته، حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تَرْبِط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناءين … "، فذكر القصة، قال: "ثم عَرَج بي إلى السماء"، وحديث أبي سعيد دالّ على الاتحاد.
قال: وقوله في رواية ثابت: "فربطته بالحلقة" أنكره حذيفة، فرَوَى أحمد، والترمذيّ من حديث حذيفة، قال: "تحدثون أنه ربطه، أَخَافَ أن يفِرَّ منه، وقد سَخَّره له عالم الغيب والشهادة؟ " قال البيهقيّ: المثبت مُقَدَّم على النافي، يعني: مَن أثبت ربط البراق، والصلاة في بيت المقدس، معه زيادة علم على مَن نَفَى ذلك، فهو أولى بالقبول.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
ووقع في رواية بريدة عند البزار: "لَمّا كان ليلة أُسري به، فأَتَى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها، فخرقها، فشدّ بها البراق"، ونحوه للترمذيّ.
وأنكر حذيفة أيضًا في هذا الحديث أنه - ﷺ - صَلَّى في بيت المقدس، واحتجَّ بأنه لو صلى فيه، لكُتِب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق.
والجواب عنه منعُ التلازم في الصلاة، إن كان أراد بقوله: كُتِب عليكم الفرضَ، وإن أراد التشريع فنلتزمه، وقد شَرَعَ النبيّ - ﷺ - الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شَدّ الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديثٍ.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ: "حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها"، وفيه: "فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كلُّ واحد منا ركعتين"، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه نحوه، وزاد: "ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين من بين قائم، وراكع، وساجد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم"، وفي رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم: "فلم أَلْبَث إلا يسيرًا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أَذَّن مؤذن، فأقيصت الصلاة، فقمنا صفوفًا ننتظر مَن يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل، فقدَّمني، فصلَّيتُ بهم"، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند مسلم: "وحانت الصلاة، فأممتهم"، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: "فلما أتى النبيّ - ﷺ - المسجد الأقصى، قام يصلي، فإذا النبيّون أجمعون يصلون معه"، وفي حديث عمر عند أحمد أيضًا أنه لَمّا دخل بيت المقدس، قال: أصلي حيث صلى رسول الله - ﷺ -، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى.
قال عياض ﵀: يحتمل أن يكون صَلَّى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعِدَ منهم إلى السماوات مَن ذَكَر أنه - ﷺ - رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هَبَطَ من السماء، فهبطوا أيضًا، وقال غيره: رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لِمَا ثبت أنه رُفِع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل
[ ٤ / ٥٢٦ ]
الأرواح خاصةً، ويحتمل الأجساد بأرواحها، والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي إلى هذه الاحتمالات التي تؤدّي إلى إخراج النصوص الصريحة الواضحة عن ظواهرها، بل الحقّ أنه - ﷺ - صلَّى بالأنبياء بأجسادهم وأرواحهم، ثم لَمّا صَعِدَ إلى الملإ الأعلى وجد من ذَكَر أنه وجدهم من الأنبياء كذلك روحًا وجسدًا، فإن هذه الأمور الغيبيّة لا تقاس على الشهادة، بل يجب التسليم لها، فإن الله ﷾ يُكرم من يشاء من عباده بما يشاء من الكرامة، ولا سيّما الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، وهو على ما يشاء قدير، فالواجب أن نصدّق بما صحّ لدينا عن رسول الله - ﷺ -، ولا نتكلّف لتأويله بما لا نُحيط به علمًا، بل نقول: إنه - ﷺ - مرّ على موسى في قبره، فرآه يصلي في قبره، ثم لَمّا وصل إلى بيت المقدس صلّى وبمن معه من الأنبياء تلك الصلاة، ثم لَمّا عرج إلى السماء وجده في السماء السادسة، فرحّب به ودعا له، فما أخبر به النبيّ - ﷺ - وصحّ لدينا، حقّ وصدق نؤمن به، وإن جحده من أهل الضلالة الذين لا يقبلون إلا ما جوّزه عقلهم المشحون بالهوى، اللهم أرِنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين.
وقوله: (السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فُعْلَى من الدنوّ، وهو القرب، أي: القريبة إلى الأرض، وفي حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقيّ: "إلى باب من أبواب السماء، يقال له: باب الحفظة، وعليه ملك، يقال له: إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك".
(فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﷺ -) أي: طلب فتح باب السماء الدنيا من خازنها (فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟) أي: قال خازنها لجبريل: من هذا الذي يستفتح الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) أي: أنا جبريل (قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟) هذا يُشعِر بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وذلك الإحساس إما بمشاهدة؛ لكون السماء شفافةً، وإما بأمر معنويّ، كزيادة أنوار، أو نحوها مما يُشعر بتجدد أمر يَحْسُن معه السؤال بهذه الصيغة.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
(قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -) أي: معي محمد - ﷺ -، وفيه دليلٌ على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية (قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟) أي: أُرسل إليه للعروج، وليس المراد أصل البعث؛ لأن ذلك كان قد اشتَهَر في الملكوت الأعلى، وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله عليه بذلك أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقّى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه.
وقيل: الحكمة في سؤال الملائكة: "وقد بعث إليه"، أن الله أراد اطلاع نبيه - ﷺ - على أنه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: "أبُعِث إليه"، فدَلّ على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد؟ مثلًا.
(قَالَ) جبريل (نَعَمْ) بُعِث إليه (قَالَ) - ﷺ - (فَفَتَحَ لَنَا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الخازن، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الباب (وَقَالَ) أي: الخازن (مَرْحَبًا بِهِ) أي: أصاب رُحْبًا وسَعَةً، وكَنَى بذلك عن الانشراح، وقال ابن منظور ﵀: وقولهمٍ في تحيّة الوارد: "أهلًا ومَرْحبًا"؛ أي: صادفت أهلًا ومرحبًا، أو أتيت سَعَة وأتيتَ أهلًا، فاستأنِس ولا تستوحِشْ، وقال أيضًا: قولهم: "مَرْحَبًا" أي: أتيت، أو لقيتَ رُحْبًا وسَعَةً لا ضِيقًا، وكذلك "سَهْلًا"؛ أي: نزلت بلدًا سهلًا، لا حَزْنًا غَلِيظًا. انتهى بتصرف (^١).
[تنبيه]: استنبط ابن المُنَيِّر من قوله: "فقال: مرحبًا" جواز ردّ السلام بغير لفظ السلام.
وتُعُقِّب بأن قول الملك: "مرحبًا به" ليس ردًّا للسلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب، والسياق يرشد إليه، وقد نَبّهَ على ذلك ابن أبي جمرة ﵀، ووقع هنا أن جبريل قال له عند كلّ واحد منهم: "سَلِّمْ عليه، قال: فسلَّمت عليه، فردّ عليّ السلام"، وفيه إشارة إلى أنه رآهم قبل ذلك.
(وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) قيل: المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء، فنعم المجيء مجيئه، وقال ابن مالك ﵀: في هذا
_________________
(١) "لسان العرب" ١/ ٤١٤ - ٤١٥.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
الكلام شاهدٌ على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف، في باب "نِعْمَ"؛ لأنها تحتاج إلى فاعل هو "المجيء"، وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأٌ مُخْبَرٌ عنه بـ "نِعْمَ " وفاعِلِهَا، فهو في هذا الكلام وشبهه موصول، أو موصوف بـ "جاء"، والتقدير: نعم المجيء الذي جاء، أو: نِعم المجيء مجيء جاءه، وكونه موصولًا أجود؛ لأنه مُخْبَر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفةً أولى من كونه نكرةً. انتهى (^١).
والحاصل أن فاعل "نعم" هنا هو "المجيء"؛ لأن فاعلها لا بدّ أن يكون محلًّى بـ "أل"، أو مضافًا إلى المحلّى، ويكون أيضًا ضميرًا مفسَّرًا بالتمييز، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … "نِعْمَ" وَ"بِئْسَ" رَافِعَانِ اسْمَيْنِ
مُقَارِنَي "أَلْ" أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كـ "نِعْمَ عُقْبَى الكُرَمَا"
وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزةٌ كـ "نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ"
(قَالَ) - ﷺ - (فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ - ﷺ - ") أي: مررنا عليه.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الظاهر أن الضمير لسعيد بن أبي عروبة، يعني: أن سعيدًا ساق هذا الحديث مع بيان قصّة عروج النبيّ - ﷺ - في السماوات وملاقاته للأنبياء فيها، لكن المصنّف، أو أحد الرواة ممن فوقه اختصره بما أشار إليه بقوله: (وَذَكَرَ أنهُ) - ﷺ - (لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ﵉، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) وسيأتي الحديث بتمامه من"مسند أبي عوانة" - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) - ﷺ - ("ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِح، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها؛ لأن الصلاح صفة تَشْمَل خلال الخير، ولذلك كرّرها كلٌّ منهم عند كلّ صفة، والصالحُ: هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثم كانت كلمة جامعة لمعاني
_________________
(١) "شواهد التوضيح" ص ١١٠.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
الخير، وفي قول آدم ﵇: "بالابن الصالح" إشارة إلى افتخاره بأبوّة النبيّ - ﷺ -.
(فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ) أي: يا رب (هَذَا غُلَامٌ، بَعَثْتَهُ بَعْدِي، يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) وفي رواية شريك، عن أنس: "لم أظنّ أحدًا يُرفَع عليّ"، وفي حديث أبي سعيد: "قال موسى: يَزعُم بنو إسرائيل أني أكرم على الله، وهذا أكرم على الله مني"، زاد الأمويّ في روايته: "ولو كان هذا وحده وإن عليّ، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله"، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: "أنه مرّ بموسى ﵇، وهو يَرْفَع صوته، فيقول: أكرمته وفضّلته، فقال جبريل: هذا موسى، قلتُ: ومَن يعاتب؟ قال: يعاتب ربَّه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربّه؛ قال: إن الله قد عَرَف له حِدَّته"، وفي حديث ابن مسعود عند الحارث، وأبي يعلى، والبزار: "وسمعت صوتًا وتَذَمُّرًا، فسألت جبريل، فقال: هذا موسى، قلتُ: على من تذمُّرُهُ؟ قال: على ربِّه، قلت: على ربِّه؟ قال: إنه يَعْرِف ذلك منه".
قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حَسَدًا، معاذَ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان أَسَفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وَقَعَ من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبيّ مثلُ أجر كلِّ من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبيّنا - ﷺ - مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.
وأما قوله: "غلام" فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه؛ إذ أعطى لمن كان في ذلك السنّ ما لم يعطِه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه، وقد وقع من موسى ﵇ من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند الطبريّ، والبزَّار، قال - ﷺ -: "كان موسى أشدهم عليّ حين مَرَرْتُ به، وخيرهم لي حين رَجَعتُ إليه"، وفي حديث أبي سعيدٍ: "فأقبلتُ راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحبُ كان لكم، فسألني كم فَرَضَ عليك ربُّك … " الحديث.
قال ابن أبي جمرة ﵀: إن الله جَعَل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما
[ ٤ / ٥٣٠ ]
جَعَل في قلوب غيرهم؛ لذلك بَكَى رحمةً لأمته، وأما قوله: "هذا الغلام"، فأشار إلى صِغَر سنه بالنسبة إليه.
وقال الخطابي ﵀: العرب تسمي الرجل المستجمع السنّ غلامًا ما دامت فيه بقية من القوة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا عليهما الصلاة والسلام، من استمرار القوّة في الكهولية، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هَرَمٌ، ولا اعترى قوّته نقصٌ، حتى إن الناس في قدومه المدينة كما ثبت من حديث أنس - ﵁ - لَمّا رأوه مُردفًا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشابّ، وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسنّ من أبي بكر - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: "فإذا أنا بإبراهيم، خليل الرحمن، مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال"، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبريّ: "فإذا هو برجل أشمط، جالس عند باب الجنة على كرسيّ".
[تنبيه]: اختُلِف في حال الأنبياء عند لُقِيّ النبيّ - ﷺ - إياهم ليلة الإسراء، هل أُسري بأجسادهم لملاقاة النبيّ - ﷺ - تلك الليلة، أو أن أرواحهم مُستقرَّةٌ في الأماكن التي لقيهم النبيّ - ﷺ - وأرواحهم مشكّلةٌ بشكل أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل؟ قال الحافظ: واختار الأول بعض شيوخنا، واحتج بما ثبت في مسلم، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "رأيت موسى ليلة أُسري بي قائمًا يصلي في قبره"، فدَلّ على أنه أُسري به لَمّا مر به.
قال الحافظ: قلت: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض، فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرّة في السماء. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاختلاف يعدّ من فضول الكلام، فكان الأولى للعلماء أن لا يشتغلوا به، بل يمسكوا عنه؛ لعدم فائدة تنبني عليه، ومع ذلك فالأخذ بما دلّت عليه ظواهر النصوص، من أنه - ﷺ - رأى موسى في قبره يصليّ، ووجده أيضًا مع سائر الأنبياء في بيت المقدس، وفي الملإ الأعلى كلّ ذلك بأجسادهم وأرواحهم هو الحقّ الذي لا ينبغي العدول
[ ٤ / ٥٣١ ]
عنه؛ إذ لا مانع من ذلك ولا نصّ يصرف عن هذا الظاهر، والله ﷾ قادرٌ على كلّ ذلك، وقد ثبت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم، فكن مع ظواهر النصوص، ولا تعدل عنها إلا إذا وجدت دليلًا يصرفك عنه، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِنا لما اختُلف فيه من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم آمين.
(وَقَالَ) الظاهر أن الضمير لمالك بن صعصعة، ويحتمل أن يكون لمن دونه (فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ) وسيأتي في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات، وسيحان وجيحان"، فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها، فيصح أنها من الجنة، قاله في "الفتح".
(يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا) الضمير لسدرة المنتهى التي اختصر ذكرها، ففي رواية أبي عوانة الآتية: "ثم رُفِعت لنا السدرة المنتهى، فحدَّث نبي الله - ﷺ - أن ورقها مثل آذان الفِيَلَة، وأن نَبِقَها مثل قِلال هَجَر، وحَدَّث نبي الله - ﷺ - أنه رأى أربعة أنهار، يخرجن من أصلها: نهران باطنان، ونهران ظاهران … ".
وقوله: "ثم رفعت لنا السدرة المنتهى"؛ أي: قُرِّبت وظهرت لنا، والرفع إلى الشيء يُطلَق على التقريب منه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤]؛ أي: تقرب لهم، ووقع بيان سبب تسميتها السدرة المنتهى في حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي إن شاء الله تعالى.
(نَهْرَانِ ظَاهِرَان، وَنَهْرَانِ بَاطِنَان، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذ الْأَنْهَارُ؟ قَالَ: أمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَان، فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ) قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه أن الباطن أجلّ من الظاهر؛ لأن الباطن جُعِل في دار البقاء، والظاهر جُعل في دار الفناء، ومن ثَمَّ كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال - ﷺ -: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (وَأَمَّا الظَّاهِرَان، فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ) وفي رواية شريك: "أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يَطّردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما"، والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري
[ ٤ / ٥٣٢ ]
الجنة، وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا، كذا قال ابن دحية.
ووقع في حديث شريك أيضًا: "ومضى به يَرْقَى السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضَرَب بيده، فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبَأَ لك ربُّك".
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم، قال: "ثم انطَلَق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خُضْر أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشَرِبتُ، فإذا هو أحلى من العسل، وأشدّ رائحةً من المسك".
وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: "فإذا فيها عين تجري، يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة".
قال الحافظ ﵀: فيمكن أن يُفَسَّر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب، وكذا رُوي عن مقاتل قال: الباطنان: السلسبيل والكوثر.
وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: "سيحان، وجيحان، والنيل، والفرات، من أنهار الجنة"، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب، فهما غير سيحون وجيحون، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: "الفُرَاتُ" بالمثناة في الخط، في حالتي الوصل والوقف في القراءات المشهورة، وجاء في قراءة شاذة أنها هاء تأنيث، وشبَّهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه (^١).
(ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٥٥.
[ ٤ / ٥٣٣ ]
الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيه، آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) قال صاحبَ "مطالع الأنوار": ورويناه "آخرَ ما عليهم" برفع الراء، ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير: ذلك آخرُ ما عليهم من دخوله، قال: والرفع أوجَهُ، وفي هذا أعظم دليل على كثرة الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم - والله تعالى أعلم (^١).
(ثُمَّ أُتِيتُ، بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ) قد تقدّم في أول الباب الكلام في هذا الجُمَل، والذي يزاد هنا معنى: "أصبت"، أي: أصبت الفطرة، كما جاء في الرواية المتقدّمة، وتقدَّم بيان معنى الفطرة.
ومعنى "أصاب الله بك"؛ أي: أراد بك الفطرةَ، والخيرَ، والفضلَ، وقد جاء "أصاب" بمعنى "أراد" في قول الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ [ص: ٣٦]، أي: حيث أراد، اتَّفَق عليه المفسرون وأهل اللغة، كذا نَقَل الواحديّ اتفاق أهل اللغة عليه.
وأما قوله: "أمتُك على الفطرة"، فمعناه: أنهم أَتْبَاعٌ لك، وقد أصبت الفطرة، فهم يكونون عليها، والله تعالى أعلم (^٢).
ووقع في رواية البخاريّ: "ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها".
قال في "الفتح" مفسّرًا للفطرة: أي دين الإسلام، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرةً؛ لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشُقُّ أمعاءه، والسرّ في ميل النبيّ - ﷺ - إليه دون غيره؛ لكونه كان مألوفًا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، وقد وقع في هذه الرواية أن إتيانه الآنية كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى، ووقع عند البخاريّ في "الأشربة": من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رُفِعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار … " فذكره، قال: "وأتيت بثلاثة أقداح … " الحديث، وهذا موافق لحديث الباب إلا أن شعبة لم يذكر في الإسناد مالك بن صعصعة، وفي
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
حديث أبي هريرة عند ابن عائذ في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم قال: "ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مُغَطّاة، فقال جبريل: يا محمد أَلَا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت إحداها، فإذا هو عَسَلٌ، فشربت منه قليلًا، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبنٌ، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويتُ، قال: وفّقك الله"، وفي رواية البزَّار من هذا الوجه: أن الثالث كان خمرًا، لكن وقع عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماءً، ولم يذكر العسل، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: "فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن … " الحديث.
وقد وقع عند مسلم من طريق ثابت، عن أنس أيضًا: أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه: "ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاء جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عَرَج الى السماء".
وفي حديث شداد بن أوس: "فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشدّ ما أخذني، فأُتيت بإناءين، أحدهما لبن، والآخر عسل، فعَدَلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يديّ - يعني: لجبريل -: أخذ صاحبك الفطرة".
وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق في قصة الإسراء: "فصلى بهم - يعني: الأنبياء - ثم أتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن … " الحديث، وفي مرسل الحسن عنده نحوه، لكن لم يذكر إناء الماء.
ووقع بيان مكان عَرْض الآنية في رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة عند البخاريّ، ولفظه: "أتي رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به بإيلياء، بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَتْ أمتك" وهو عند مسلم، وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عُتبة، عن أنس، عند البيهقيّ: "فعُرض عليه الماء، والخمر، واللبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت
[ ٤ / ٥٣٥ ]
الماء لغَرِقت، وغَرِقت أمتك، ولو شربت الخمر، لغَوَيت وغوت أمتك".
قال الحافظ ﵀: ويُجْمَع بين هذا الاختلاف إما بحمل "ثُمّ" على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عَرْض الآنية مرتين: مرةً عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، ومرةً عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤيةِ الأنهار الأربعة.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأوجه، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: أما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيُحمَل على أن بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تَخْرُج من أصل سدرة المنتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبريّ لَمّا ذَكَر سدرة المنتهى: "يَخرُج أصلها من أنهار من ماء غير آسنٍ، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذةً للشاربين، ومن عسل مصفَّى"، فلعله عُرِض عليه من كل نهر إناءٌ.
وجاء عن كعب (^١) أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء سيحان، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَي كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً") قد تقدّم ما يتعلق بهذا في شرح حديث أبي ذرّ - ﵁ -.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ) الظاهر أن الضمير لسعيد بن أبي عروبة ﵀، أي: ذكر تمام قصّة الصلاة، كما سنسوقه من رواية أبي عوانة ﵀.
[تنبيه]: قد أخرج الإمام الحافظ أبو عوانة الإسفرائينيّ ﵀ رواية سعيد بن أبي عروبة هذه التي اختصر المصنّف ﵀ بعض مواضعها، فقال في "مسنده" (١/ ١٠٧):
(٣٣٧) حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء،
_________________
(١) لعله من الإسرائيليّات، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٥٣٦ ]
قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، (ح) وحدثنا أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مِهْران، قال: ثنا رَوْح بن عُبادة، قال: أنبا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن نبيّ الله - ﷺ - قال: "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليَقْظَان، إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، قال: فأُتيت، فانطُلِق بي، ثم أُتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى كذا وكذا" قال قتادة: قلت للذي معي: ما يَعْنِي؟ قال: قال: إلى أسفل بطني، "فاستُخرج قلبي، فغُسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، فحُشي إيمانًا وحكمةً، ثم أُتيت بدابة أبيض، يقال له: البراق، فوق الحمار دون البغل، فحُملت عليه، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الدنيا، ثم استفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، قالوا: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففتُحِ لي، فأتيت على آدم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، قيل: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على يحيى وعيسى، فقلت: يا جبريل من هذان؛ قال: هذان يحيى وعيسى، قال: وأحسبه قال: ابنا الخالة، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على يوسف، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على إدريس، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك إدريس، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح" قال: فكان قتادة يقرأ
[ ٤ / ٥٣٧ ]
عندها ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]. "ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على هارون، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك هارون، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على موسى، فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، فلما جاوزته بكى، قيل: وما يبكيك؟ قال: رَبِّ هذا غلام، بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففتح لنا، فأَتيت على إبراهيم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، ثم رُفِع لنا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخرَ ما عليهم، ثم رُفعت لنا السدرة المنتهى، فحَدّث نبيُّ الله - ﷺ - أنّ ورقها مثلُ آذان الفِيَلة، وأن نَبقَها مثلُ قلال هَجَر، وحَدَّث نبيّ الله - ﷺ - أنه رأى أربعة أنهار، يخرجن من أَصلها، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان، فنهران في الجنة، وأما النهران الظاهران، فالنيل والفرات، قال: ثم أُتيت بإنائين: أحدهما لبن، والآخر خمر، فاخترت اللبن، فقيل لي: أصبت أصاب الله بك، وأمتُك على الفطرة، وفُرِضت عليَّ خمسون صلاة في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاةً كلَّ يوم، قال: إني قد بَلَوْتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسَلْه التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطّ عني خمسًا، ثم أَتيت على موسى، فقال: بما أمرت؟
[ ٤ / ٥٣٨ ]
قلت: حط عني خمسًا، قال: إني قد بَلَوتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، قال: فما زلت بين موسى وبين ربي، حتى صُيِّرت إلى خمس صلوات في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: صُيِّرت إلى خمس صلوات كل يوم، قال: إني بلوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، فقلت: لقد رجعت إلى ربي، حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلّم، قال: فنوديت أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أن حديث مالك بن صَعْصَعَة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٣ و٤٢٤] (١٦٤)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٠٧)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٣) و(٣٤٣٠)، و"المناقب" (٣٨٨٧)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٤٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٤٤٨)، و"الكبرى" (٣١٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩ - ٢١٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٣٦ و٣٣٧ و٣٣٨ و٣٣٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧١٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٨٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ذكره الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه"، وهو تحقيقٌ
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ١٠٧ - ١٠٩.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
نفيسٌ، يكون فَذْلَكَةً لِمَا سبق من التحقيقات، أسوقه بطوله لنفاسته، قال ﵀ (١/ ٢٤٣ - ٢٤٧):
قال أبو حاتم: الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يَعِدُ الشيءَ لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة، وجعله محدودًا، ثم قَضَى كون مثله في بعض الأحوال، مثل مَن ذكره الله، وجعله الله جل وعلا في كتابه، حيث يقول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩]، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات، فلما صَحَّ وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراده الله جل وعلا قبل يوم القيامة، لم يُنكَر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره، حتى مَرّ - ﷺ - ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس، فرآه - ﷺ - يدعو في قبره؛ إذ الصلاة دعاء (^١) فلما دخل - ﷺ - بيت المقدس، وأُسري به أُسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة.
فأما قوله - ﷺ - في خبر مالك بن صعصعة: "بينما أنا في الحطيم، إذ أتاني آتٍ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه"، فكان ذلك له فضيلة فُضّل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة؛ إذ البشر إذا شُقّ عن موضع القلب منهم ثم استُخْرِج قلوبهم ماتوا.
وقوله: "ثم حُشِي" يريد أن الله جل وعلا حَشَا قلبه اليقين والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب، فنُقِل إلى قلبه، ثم أُتي بدابة، يقال لها: البراق، فحُمِل عليه من الحطيم أو الحجر، وهما جميعًا في المسجد الحرام، فانطَلَق به جبريل، حتى أتى به على قبر موسى، على حسب ما وصفناه، ثم
_________________
(١) هكذا أوّل ابن حبّان ﵀ الصلاة بالدعاء هنا، والظاهر أنه أراد الصلاة المعروفة؛ إذ لا داعي للتأويل المذكور، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
دخل مسجد بيت المقدس، فخَرَق جبريل الصخرة بإصبعه، وشدَّ بها البراق، ثم صَعِد به إلى السماء، ذُكِر شدّ البراق بالصخرة في خبر بريدة، ورؤيته - ﷺ - موسى يصلي في قبره ليسا جميعًا في خبر مالك بن صعصعة، فلما صَعِد به إلى السماء الدنيا، استَفتَحَ جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -، قيل: وقد أُرسِل إليه؛ يريد به: وقد أرسل إليه لِيُسْرَى به إلى السماء، لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فُتِح له، فرأى آدم على حسب ما وصفنا قبلُ، وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة إدريس، ثم في السماء الخامسة هارون، ثم في السماء السادسة موسى، ثم في السماء السابعة إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لأن يراهم المصطفى - ﷺ - في تلك الليلة، فيكون ذلك آيةً معجزة يُسْتَدَلّ بها على نبوته على حسب ما أصّلنا قبلُ، ثم رُفع له سدرة المنتهى، فرآها على الحالة التي وَصَفَ، ثم فُرِض عليه خمسون صلاةً، وهذا أمر ابتلاءٌ، أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد - ﷺ - حيث فَرَض عليه خمسين صلاةً؛ إذ كان في علم الله السابق أنه لا يَفْرِض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأَمَره بخمسين صلاة أمر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه، كما أَمَر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبح ابنه، أَمَره بهذا الأمر، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما أسلما وتلّه للجبين فداه بالذبح العظيم؛ إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أَمَر لوَجَد ابنه مذبوحًا، فكذلك فَرَض الصلاة خمسين، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى، وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم، ألهم الله موسى أن يسأل محمدًا - ﷺ - بسؤال ربِّه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ﵇ له سببًا لبيان الوجود لصحة ما قلنا: إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسًا لا خمسين، فرَجَع إلى الله جل وعلا، فسأله فوضع عنه عشرًا، وهذا أيضًا أمر ابتلاء، أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه، ثم جَعَل سؤال موسى ﵇ إياه سببًا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تُفْرَض على هذه
[ ٤ / ٥٤١ ]
الأمة خمسًا لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه - ﷺ - حينئذ حتى قال لموسى: قد سألت ربي حتى استحييتُ لكني أَرْضَى وأُسَلِّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيت فريضتي، أراد به الخمس صلوات، وخففت عن عبادي، يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها.
وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله - ﷺ - بجسمه عيانًا، دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرًا صُوِّرَ له؛ إذ لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نومًا دون اليقظة، لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يَرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى - ﷺ - ما وُصِفَ في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالةً معجزةً يُفَضَّل بها على غيره، ضدّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب، جلّ ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو حمد بن أبي جمرة ﵀ في قوله - ﷺ -: "بينا أنا بين النائم واليَقْظَان": لو قال - ﷺ -: إنه كان يقظان لأخبر بالحقّ؛ لأن قلبه في النوم واليقظة سواءٌ، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكّن منها، لكنه تحرَّى - ﷺ - الصدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعْدَل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة. انتهى.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع وحسن الخلق، حيث كان نائمًا بين الرجلين.
٤ - (ومنها): بيان جواز نوم جماعة في موضع واحد، لكنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد؛ لِمَا ثبت من النهي عن ذلك.
٥ - (ومنها): فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبي جمرة ﵀: وإنما لم يُغسَل بماء الجنة لِمَا اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنّة، ثم استقرّ في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبيّ - ﷺ - في الأرض. انتهى.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: كون ماء زمزم من الجنّة يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم.
وقال السهيليّ ﵀: لَمّا كانت زمزم هَزْمة جبريل روحِ القدس لأمّ إسماعيل جدّ النبيّ - ﷺ -، ناسب أن يُغسل بمائها عند دخولى حضرة القدس ومناجاته.
ومن المناسبات المستبعدة قول بعضهم: إن الطست يناسب ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ [النمل: ١]. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): ما قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وإنهما يَخرُجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شَهِد به ظاهر الخبر، فَلْيُعْتَمَد، وأما قول عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض؛ لكونه قال: إن النيل والفرات يَخرُجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض.
ففد تُعُقّب بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض.
والحاصل أن أصلهما في الجنة، وهما يخرجان أوّلًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يَستقِرّا في الأرض، ثم ينبعان.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على فضيلة ماء النيل والفرات؛ لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان.
قال القرطبيّ ﵀: لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء؛ لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يَحتَمِل أن يتفرّعا عن النيل والفرات، قال: وقيل: إنما أُطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة؛ لِمَا فيها من شدّة العُذُوبة والحسن والبركة، والأولى أولى، والله تعالى أعلم (^٢).
٨ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه أن الحكمة ليس بعد
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٤٥.
(٢) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٥٥.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
الإيمان أجلُّ منها، ولذلك قُرِنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
٩ - (ومنها): أن هذه القصة، قد اشتَمَلت من خوارق العادة على ما يُدْهِش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن مَن شُقّ بطنه، وأُخرج قلبه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يؤثِّر في النبيّ - ﷺ - ذلك ضررًا ولا وجعًا، فضلًا عن غير ذلك.
١٠ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شقّ الزيادة في قوّة اليقين؛ لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه، وعدم تأثّره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧].
[تنبيه]: اختُلِف، هل كان شق صدره - ﷺ - وغسله مختصًّا به - ﷺ - أو وقع لغيره من الأنبياء ﵇؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطست التي يُغسَل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، ونظير هذا البحث في ركوبه البراق، قاله في "الفتح" (^١)، ويحتاج إلى صحّة ما عزاه إلى الطبرانيّ، فإن صحّ فقد ارتفع النزاع، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: الحكمة في تخصيص موسى ﵇ بمراجعة النبيّ - ﷺ - في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات بما لم يُكلّف به غيرها من الأمم، فثَقُلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد - ﷺ - من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: "إني قد جَرّبت الناس قبلك". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ لقوله: "لكون أمة موسى … إلخ" ما جاء في رواية النسائيّ من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس - ﵁ -، وفيه: "فإنه فَرَض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما … " الحديث.
وقيل في وجه الحكمة غير ذلك (^٢)، مما لا ينشرح له الصدر، فيكفي هذا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ٧/ ٢٥٥.
(٢) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٥٢ "كتاب مناقب الأنصار".
[ ٤ / ٥٤٤ ]
١٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه - ﷺ - لَمّا عُرِج به رأى في تلك الليلة تعبُّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم شأنها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه، والله تعالى أعلم (^١).
١٣ - (ومنها): أنه قد اختُلِف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء ﵈ بالسماء التي التقاه بها النبيّ - ﷺ -، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زَيّفه السهيليّ، فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له - ﷺ - مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ - ﷺ - من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما أَلِفَه من الوطن، ثم كان مآل كلّ منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه، وبعيسى ويحيى على ما وقع له في أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، وبيوسف على ما وقع له من إخوته، من قريش في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: "أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] "، وبإدريس على رَفِيع منزلته عند الله، وبهارون على أن قومه رَجِعوا إلى محبته بعد أن آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فَصَبَر"، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما خُتِم له - ﷺ - في آخر عمره، من إقامة منسك الحج، وتعظيم البيت، وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيليّ، وأوردها الحافظ في "الفتح" مُنَقَّحةً مُلَخَّصَةً.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٥٦.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
قال: وذكر ابن المُنَيِّر ﵀ في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنىً لطيفًا زائدًا، وهو ما اتَّفَقَ له - ﷺ - من دخول مكة في السنة السابعة، وطوافه بالبيت، ولم يَتَّفِق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قَصَدَها في السنة السادسة فصَدُّوه عن ذلك.
وقال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أوّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة، وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد - ﷺ -، ويليه يوسف، لأن أمة محمد - ﷺ - تدخل الجنة على صورته، وإدريس في الرابعة؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه؛ لفضل كلام الله، وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبيّ - ﷺ - بِلُقِيِّه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبيّ - ﷺ - عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى، والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يُعْرَف من جميع العوالم مَن يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا ما ثَبَت عن الملائكة في هذا الخبر.
١٥ - (ومنها): أن قوله: "فنُودِيتُ: أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها" من أقوى ما استُدِلّ به على أن الله ﷾ كَلَّم نبيه محمدًا - ﷺ - ليلة الإسراء بغير واسطة.
١٦ - (ومنها): أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبيّ - ﷺ -: إنه عالج الناس قبله وجَرّبهم.
١٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن مَن سَلَفَ من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى ﵇ في كلامه: إنه عالجهم على أقلَّ من ذلك، فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة ﵀، قال: ويستفاد منه أن مقام الخلّة مقام الرضا
[ ٤ / ٥٤٦ ]
والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثَمّ استَبَدّ موسى ﵇ بأمر النبيّ - ﷺ - بطلب التخفيف دون إبراهيم؛ مع أن للنبيّ - ﷺ - من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى ﵇ لمقام الأُبُوّة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة، وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث مِن سَبقِهِ إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه، ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحكمة التي ذكرها غير ابن أبي جمرة مما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الخبر هو الأظهر، لا ما قاله ابن أبي جمرة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٤] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْن، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ وربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفر الدَّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٥٨ "كتاب مناقب الأنصار" رقم (٣٨٨٨).
[ ٤ / ٥٤٧ ]
وقوله: (قَالَ) لمعاذ بن هشام.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَر" ضمير هشام الدستوائيّ.
وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي: زاد هشام على رواية سعيد بن أبي عروبة الماضية قوله: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ … إلخ".
وقوله: (فَشُقَّ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير "صدره"، أي: شقّ صدره - ﷺ -.
وقوله: (إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ) بفتح الميم، وتشديد القاف، وهو ما سَفَل من البطن، ورَقَّ من جلده، قال الجوهريّ: لا واحد لها، وقال صاحب "المطالع": واحدها مَرَقّ. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف على رواية سعيد بن أبي عروبة هنا، أخرجها النسائيّ ﵀ في "كتاب الصلاة" من "المجتبى"، فقال:
(٤٤٤) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام الدستوائيّ، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبيّ - ﷺ - قال: "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ أقبل أحد الثلاثة، بين الرجلين، فأُتيت بطست من ذهب، ملآن حكمةً وإيمانًا، فشُق من النحر إلى مَرَاقّ البطن، فغُسِل القلب بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيمانًا، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، ثم انطلقت مع جبريل ﵇، فأتينا السماء الدنيا، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؛ مرحبًا به، ونعم المجيءُ جاء، فأَتيت على آدم ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك، من ابنٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فاتيت على يحيى وعيسى، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فأتيت على يوسف ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إدريس ﵇، فسلمت عليه،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٦.
[ ٤ / ٥٤٨ ]
فقال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الخامسة، فمثل ذلك، فأتيت على هارون ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء السادسة، فمثل ذلك، ثم أتيت على موسى ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، فلما جاوزته بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنةَ أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي، ثم أتينا السماء السابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إبراهيم ﵇، فسلمت - عليه، فقال: مرحبًا بك، من ابنٍ ونبيّ، ثم رُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ ملكٍ، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخرُ ما عليهم، ثم رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نَبِقُها مثل قلال هَجَر، وإذا وَرَقها مثل آذان الفِيَلة، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالفُرات والنيل، ثم فُرضت عليّ خمسون صلاةً، فأتيت على موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاةً، قال: إني أعلم بالناس منك، إني عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإن أمتك لن يطيقوا ذلك، فارجع إلى ربك، فاسأله أن يخفف عنك، فرجعت إلى ربي، فسألته أن يخفف عني، فجعلها أربعين، ثم رجعت إلى موسى ﵇، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها أربعين، فقال لي مثل مقالته الأولى، فرجعت إلى ربي ﷿، فجعلها ثلاثين، فأتيت على موسى ﵇، فأخبرته، فقال لي مثل مقالته الأولى، فرجعت إلى ربي، فجعلها عشرين، ثم عشرة، ثم خمسة، فأتيت على موسى ﵇، فقال لي مثل مقالته الأولى، فقلت: إني أستحي من ربي ﷿ أن أرجع إليه، فنودي: أن قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشر أمثالها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٥] (١٦٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَة، يَقُولُ:
[ ٤ / ٥٤٩ ]
حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - - يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ أُسْرِيَ بِه، فَقَالَ: "مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَقَالَ: عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ"، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف بـ "بُندار"، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بـ "غندر"، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (تَ ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج البصريّ الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) - رُفيع - بالتصغير - بن مِهْران الرّيَاحيّ - بكسر الراء، والتحتانيّة - مولاهم البصريّ، ثقةٌ كثير الإرسال [٢].
أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبيّ - ﷺ - بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصَلّى خلف عمر، ورَوَى عن عليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، وأبي أيوب، وأُبي بن كعب، وثوبان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، ورافع بن خَدِيج، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم.
ورَوَى عنه خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، ومحمد بن سيرين، ويوسف بن عبد الله بن الحارث، وحفصة بنت سيرين، والربيع بن أنس، وقتادة، ومنصور بن زاذان، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال اللالكائيّ: مجمعٌ على ثقته، وقال قتادة عنه: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم - ﷺ - بعشر سنين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ذهب علم أبي العالية، لم يكن له رُواة، قال ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير، وبعده السُّدّيّ، وبعده الثوريّ، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نُقِمَ عليه حديث الضحك في الصلاة، وكلُّ مَن رواه غيره، فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يُعْرَف، ومن أجله تَكَلّموا
[ ٤ / ٥٥٠ ]
فيه، وسائر أحاديثه مستقيمةٌ صالحةٌ، وقال ابن المدينيّ: أبو العالية سمع من عمر، حدّثنا معمر (^١)، عن هشام، عن حفصة، عن أبي العالية قال: قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات، وقال عليّ أيضًا: سمع من عليّ، وأبي موسى، وابن عباس، وابن عمر، وقال عباس، عن يحيى: لم يسمع من عليّ، وقال أحمد: ثنا حجاج، ثنا شعبة: قد أدرك رُفَيع عليًّا، ولم يسمع منه، وقال النضر بن شُميل، عن شعبة، عن عاصم: قلت لأبي العالية: مَن أكبر من رأيت؟ قال: أبو أيوب، غير أني لم آخذ عنه شيئًا، رواه ابن أبي حاتم في "المراسيل"، وهو عجيب، وقال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين، ويقال: إنه لم يسمع من عليّ، إنما يُرسل عنه، وعن أبي خَلْدة، عنه، قال: رحم الله الحسن، قد سمعت العلم قبل أن يولد، ورَوَى أبو أحمد الحاكم، عن أبي خَلْدة، قال: قلت لأبي العالية: أدركت النبيّ - ﷺ -؟ قال: لا، جئت بعد سنتين أو ثلاث، وقال الشافعي: حديث الرِّيَاحيّ رِيَاح، يعني: في القهقهة.
ذكر الهيثم وغيره أنه مات في ولاية الحجَّاج، وقال أبو خَلْدة: مات سنة تسعين، وقال غيره: سنة (٩٣)، وقال المدائنيّ: سنة (١٠٦)، وقال أبو عمر الضرير: مات سنة (١١١)، والصحيح الأول، وكذا جزم به ابن حبان، ورَوَى البخاريّ وغيره عن أبي خَلْدة أنه تُوُفّي سنة (٩٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا (١٦٥) وأعاده بعده، وحديث (١٦٦): "أي واد هذا؟ … " وأعاده بعده، وحديث (١٧٦): "رآه بفوائده مرّتين"، و(٨٢٦): "نهى عن الصلاة بعد الفجر … "، و(٢٣٧٧): "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس … "، و(٢٧٣٠): "لا إله إلا الله العظيم الحليم … ".
[تنبيه]: "أبو العالية" في الرواة اثنان:
(الأول): هذا المترجم هنا.
(الثاني): أبو العالية البرّاء بتشديد الراء نسبة إلى بري السهام، البصريّ،
_________________
(١) هكذا في "تهذيب التهذيب"، ولعل فيه سقطًا؛ لأن الظاهر أن ابن المدينيّ لم يلقَ معمرًا، فكيف يقول: حدثنا معمر؛ فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٥٥١ ]
وهو أيضًا يروي عن ابن عبّاس - ﵄ -، واسمه زياد، وقيل: كُلثوم، وقيل: أُذينة، وقيل: ابن أذينة، ثقةٌ من الطبقة الرابعة، مات في شوّال سنة (٩٠) تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، أحدهما في الصلاة، والآخر في الحجّ، وسيأتي برقم (٦٤٨) و(١٢٤٠)، والله تعالى أعلم.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله، الحبر البحر - ﵁ - توفّي (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وشعبة وإن كان واسطيًّا إلا أنه قد انتقل إلى البصرة واستوطنها، وكذلك ابن عبّاس - ﵄ -.
٤ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة عن أبي العالية.
٦ - (ومنها): أن ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، دعا له النبيّ - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يسمّى الحبر والبحر؛ لسعة علمه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ) رُفَيع بنَ مِهْران (يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -؛ يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ أسْرِيَ بِهِ) أي: وقت الإسراء به، فهو مفعول به لـ "ذَكَر"، وليس ظرفًا له؛ لأن ذكره لم يكن وقت الإسراء، وإنما المراد أنه ذكر يومًا ما حصل له وقت الإسراء به، فافهمه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: "مُوسَى) بن عمران النبيّ المعروف ﵇، وهو مبتدأ خبره قوله: (آدَمُ) أفعل من الأدمة بالضمّ، وهي السُّمْرة.
قال ابن الأثير ﵀: "الأُدْمةُ": في الإبل: البياض مع سواد المُقلتين، بعير آدمُ بَيِّنُ الأدْمة، وناقةٌ أَدْماءُ، وهي في الناس: السُّمْرة الشديدة، وقيل: من
[ ٤ / ٥٥٢ ]
أَدْمة الأرض، وهو لونها، وبه سُمّي آدم ﵇ انتهى (^١).
وقال المجد ﵀: الأُدْمة بالضمّ في الإبل: لونٌ مُشْرَبٌ سَوَادًا أو بياضًا، أو هو البياض الواضح، وفي الظباء: لون مُشْربٌ بياضًا، وفينا: السُّمْرةُ، أَدِمَ، كعَلِمَ، وكَرُمَ، فهو آدم، وجمعه: أُدْمٌ، وأُدْمانٌ بضمّهما، وهي أَدماءُ، وشذّ أَدْمانة، وجمعه أُدْم بالضمّ. انتهى (^٢). (طُوَالٌ) بضم الطاء المهملة، وتخفيف الواو، قال الجوهريّ: الطُّوال بالضمّ: الطَّوِيل، يقال: طَوِيلٌ، وطُوالٌ، فإذا أفرط في الطول قيل: طُوّالٌ بالتشديد. انتهى (^٣).
وقال ابن منظور: يقال للرجل إذا كان أَهْوَج (^٤) الطُّول: طُوال - بالتخفيف - وطُوّال بتشديدها، وامرأةٌ طُوَالَةٌ، وطُوّالَةٌ (^٥)، وقال أيضًا: والطُّوَال بالضمّ: المُفْرط الطول، وأنشد ابن برّيّ قول الطُّفيل [من الوافر]:
طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ يَهُزُّ لَدْنًا … يَلُوحُ سِنَانُهُ مِثْلَ الشِّهَابِ
(كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون، ثم واو، ثم همزة، ثم هاء، وهو حيّ من اليمن يُنسبون إلى شنوءة، وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولُقّب شنوءة؛ لشنآن كان بينه وبين أهله، والنسبة إليه شَنُوئيّ بالهمز بعد الواو، وبالهمز بغير واو، وقال الداوديّ: رجال الأزد معروفون بالطول. انتهى (^٦).
وقال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": سُمّوا بذلك من قولك: رجل فيه شَنُوءَةٌ، أي: تَقَزُّزٌ، قال: ويقال: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا وتباعدوا، وقال الجوهريّ: الشَّنُوءَةُ على فَعُولة: التَّقَزُّزُ، وهو التباعد من الأدناس، ومنه أَزْدُ شنوءةَ، وهم حيّ من اليمن، يُنسَب إليهم شَنَئِيٌّ، قال: قال ابن السِّكِّيت: وربما قالوا: أَزْدُشَنُوَّةَ بالتشديد غيرَ مهموز، ويُنْسَب إليها شَنَوِيٌّ، وقال الراجز:
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٣٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٩٦٩.
(٣) "الصحاح" ٤/ ١٤٣١.
(٤) الْهَوَجُ محرّكةً؛ طُولٌ في حُمْق، وطَيش، وتسرعّ. اهـ. "ق" ص ١٩٢.
(٥) "لسان العرب" ١١/ ٤١١.
(٦) "الفتح" ٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٩٨ - ٣٣٩٩).
[ ٤ / ٥٥٣ ]
نَحْنُ قُرَيْشٌ وَهُمُ شنُوَّةُ … بِنَا قُرَيْشًا خُتِمَ النُّبُوَّةُ (^١)
(وَقَالَ) - ﷺ - (عِيسَى جَعْدٌ) مبتدأ وخبره، يعني: أن عيسى ﵇ جَعْدٌ؛ أي: مكتنز الجسم، قال النوويّ ﵀: وقع في أكثر الروايات في صفته سَبِطُ الرأس، فقال العلماء: المراد بالجعد هنا جُعُودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، وليس المراد جعودة الشعر، وأما الجعد في صفة موسى ﵇، فسيأتي الكلام عليه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
(مَرْبُوعٌ") قال أهل اللغة: هو الرجل بَيْن الرجلين في القامة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير الحقير، وفيه لغات، ذكرهنّ صاحب "المحكم" وغيره، مَرْبُوع، ومُرْتَبِعٌ، ومُرْتَبَعٌ، - بفتح الباء وكسرها - ورَبْع، ورَبْعَة، ورَبَعَةٌ، الأخيرة بفتح الباء، والمرأة رَبْعَةٌ، ورَبَعَةٌ، نقله النوويّ ﵀ (^٢).
وقال المجد ﵀: الرَّبْعُ: الرجل بين الطُّول والقِصَر، كالمَرْبُوع، والرَّبْعَة، ويُحَرَّكُ، والمِرْبَاع، والمُرْتَبع، مبنيًّا للفاعل وللمفعول، وهي رَبْعَةٌ أيضًا، جمعها رَبْعَاتٌ، ومحرَّكةً شاذٌّ؛ لأن فَعْلةً صفةً لا تُحَرَّك عينها في الجمع، وإنما تُحرَّك إذا كانت اسمًا، ولم تكن العين واوًا أو ياءً. انتهى (^٣).
(وَذَكَرَ) أي: النبيّ - ﷺ - (مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ) أعاذنا الله تعالى منها (وَذَكَرَ الدَّجَّالَ) سيأتي قريبًا وصف النبيّ - ﷺ - بأنه رجل جَعْد قَطَط، أعور العين اليمنى، كأنها عِنَبةٌ طافية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٥ و٤٢٦] (١٦٥) و[٨٠/ ٤٢٧ و٤٢٨ و٤٢٩] (١٦٦)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٣٩)، و"أحاديث
_________________
(١) " الصحاح" ١/ ٤١.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٦.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٦٤٦.
[ ٤ / ٥٥٤ ]
الأنبياء" (٣٣٩٦)، و(ابن ماجه) في "كتاب المناسك" (٢٨٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٥ - ٢٥٩ - ٣٤١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٠ و٣٩١ و٣٩٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢١ و٤٢٢ و٤٢٣ و٤٢٤ و٤٢٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٣٢ و٢٦٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): إثبات الإسراء بالنبيّ - ﷺ -.
٢ - (ومنها): بيان بعض ما رآه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء، وهو رؤيته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومالكًا خازن النار ﵇، والدجّال الكذاب، أعاذنا الله من فتنته.
٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على حبيبه - ﷺ -، حيث أسرى به في ليلة واحدة، حتى وصل إلى الملإ الأعلى في سويعة، وشاهد فيها ما أطلعه الله على المغيّبات العلوية والسفليّة من الآيات الكبرى، ثم حفظ ذلك، وحدّث به كأنه يشاهده، وهذا من الفضل الجسيم، كما قاله ﷾: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٤ - (ومنها): جواز نعت الإنسان بما فيه من الأوصاف الخَلْقيّة والخُلُقيّة؛ للتخصيص لا للتنقيص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبيِ العَالِيَة، حَدَّثنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ؛ رَجُلٌ آدَمُ، طُوَالٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْق، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاض، سَبِطَ الرَّأْسِ"، وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّار، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ، أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ: (﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇).
[ ٤ / ٥٥٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبٌ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون تقدّموا فيما قبله.
وقوله: (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول، وسقطت لفظة "مررت" في معظمها، ولا بُدّ منها، فإن حُذفت كانت مرادة. انتهى (^١).
وقوله: (جَعْدٌ) صاحب "التحرير" ﵀: فيه معنيان:
[أحدهما]: ما تقدّم في عيسى ﵇، وهو اكتناز الجسم.
[والثاني]: جُعُودة الشعر، قال: والأول أصحّ؛ لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة - ﵁ - في "الصحيح" أنه رَجِلُ الشعر. انتهى.
قال النوويّ ﵀: والمعنيان فيه جائزان، وتكون جُعُودة الشعر على المعنى الثاني ليست جعودة القَطَط، بل معناها أنه بَيْنَ القَطَط والسَّبِط، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقوله: (إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ) أي: بينهما.
وقوله: (سَبِطَ الرَّأْسِ) قال النوويّ ﵀: "السَّبِطُ" بفتح السين المهملة، والباء الموحّدة، ويجوز كسرها، لغتان مشهورتان، ويجوز إسكان الباء مع كسر السين وفتحها، على التخفيف، كما في كَتِفٍ وبابِه، قال أهل اللغة: الشعرُ السَّبِطُ: هو المُسْتَرْسِلُ، ليس فيه تَكَسُّرٌ، ويقال في الفعل منه: سَبِطَ شعرُهُ - بكسر الباء - يَسْبَطُ - بفتحها - سَبَطًا بفتحها أيضًا. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
وقال المجد ﵀: "السَّبْطُ"، ويُحرَّك، وكَكَتِفٍ: نقيض الجَعْد، وقد سَبُطَ، كَكَرُمَ، وفَرِحَ، سَبْطًا، وسُبُوطًا، وسُبُوطَةً، وسَبَاطَةً. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ ﵀: سَبِطَ الشعرُ سَبَطًا، من باب تَعِبَ، فهو سَبِطٌ بكسر الباء، وربّما قيل: سَبَط بالفتح وَصْفٌ بالمصدر: إذا كان مُسْتَرْسِلًا، وسَبُطَ سُبُوطَةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُلَ سُهُولةً، فهو سَهْلٌ لغة فيه. انتهى (^٢).
وقوله: (وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ) قال النوويّ ﵀: هو بضم الهمزة، وكسر الراء، و"مالكًا" بالنصب، ومعناه: أُري النبيّ - ﷺ - مالكًا، وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" في هذا الحديث: "ورأيت مالكًا"، ووقع في أكثر الأصول: "مالكٌ" بالرفع، وهذا قد يُنْكَر، ويقال: هذا لحنٌ، لا يجوز في العربية، ولكن عنه جواب حَسَنٌ، وهو أن لفظة "مالك" منصوبة، ولكن أُسقطت الألف في الكتابة، وهذا يفعله المحدثون كثيرًا، فيكتبون "سمعتُ أَنَسً" بغير ألف، ويقرأونه بالنصب، وكذلك "مالكً" كتبوه بغير ألف، ويقرأونه بالنصب، فهذا - إن شاء الله تعالى - من أحسن ما يقال فيه، وفيه فوائدُ، يُتَنَبَّهُ بها على غيره. انتهى (^٣)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]) قال النوويّ ﵀: هذا الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ هو من استدلال بعض الرواة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه من كلام ابن عبّاس - ﵁ -، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، وعليه يكون في قوله: "وأُري مالكًا … إلخ" التفات، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇) قال النوويّ ﵀: وأما تفسير قتادة فقد وافقه عليه جماعة منهم: مجاهد، والكلبيّ، والسديّ، وعلى مذهبهم معناه: فلا تكن في شكّ من لقائك موسى ﵇، وذهب كثيرون من المحققين من المفسرين، وأصحاب المعاني إلى أن معناها:
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٦٠٢.
(٢) "المصباح المنبر" ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ٤ / ٥٥٧ ]
فلا تكن في شكّ من لقاء موسى الكتاب، وهذا مذهب ابن عباس، ومقاتل، والزجاج، وغيرهم، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض ﵀: وقول قتادة في آخر الحديث: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]؛ أي: أن نبيّ الله - ﷺ - لقي موسى ﵇، يعني: ليلة الإسراء، فالهاء على هذا عائدة على موسى ﵇، وقال غيره من المفسّرين: الهاء عائدة على الكتاب، أي: فلا تكن في مرية من تلقّي موسى الكتاب الذي أوتي، وعن الحسن: معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكُذّب، فلا تكن في مرية أنك ستلقى مثل ما لقيه من الأذى والتكذيب، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، يعود إلى الرجوع للآخرة والبعث، وما تقدّم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، واعتَرَضت قصّة موسى بين الكلامين. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير ضعفه مما لا يخفى؛ إذ فيه إخراج أسلوب الكتاب عن وضعه، فلا ينبغي ذكر مثله إلا للردّ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٧] (١٦٦) - (حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّة، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ"، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوا (^٣): ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٨.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٠٧ - ٧٠٨.
(٣) وفي نسخة: "فقالوا".
[ ٤ / ٥٥٨ ]
قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْني لِيفًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المَروزيّ، ثم البغداديّ، خَرَجت به أمُّه من مرو وهي حاملٌ، فوَلَدته ببغداد، وبها طلب العلم، ثم طاف البلاد، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظٌ فقيه، مجتهدٌ، حجة، رأس الطبقة [١٠].
رَوَى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعلي بن عيّاش الحمصيّ، والشافعيّ، وغُندر، ومعتمر بن سليمان، وجماعة كثيرين.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضًا بواسطة، وأسود بن عامر شاذان، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبو الوليد، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وهم من شيوخه، وقتيبة، وداود بن عمرو، وخَلَف بن هشام، وهم أكبر منه، وأحمد بن أبي الحواريّ، ويحيى بن معين، وعلي بن المدينيّ، والحسين بن منصور، وزياد بن أيوب، ودُحَيم، وأبو قُدامة السرخسيّ، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمينة، وهؤلاء من أقرانه، وابناه: عبد الله، وصالح، وتلامذته: أبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحنبل بن إسحاق، وشاهين بن السَّميْدَع، والميمونيّ، وغيرهم، وآخر مَن حدَّث عنه أبو القاسم البغويّ.
قال ابن معين: ما رأيت خيرًا من أحمد، ما افتخر علينا بالعربية قطّ، وقال عارم: قلت له يومًا: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب، فقال: يا أبا النعمان، نحن قومٌ مساكين، وقال صالح: سمعت أبي يقول: وُلدت في سنة (١٦٤) في أولها، في ربيع الأول، وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: مات هُشيم سنة (١٨٣)، وخرجت إلى الكوفة في تلك الأيام، ودخلت البصرة سنة (٨٦)، وقال أيضًا: سمعته يقول: سمعت من علي بن هاشم بن البَرِيد سنة (١٧٩) في أول سنة طَلَبْتُ، وهي السنة التي مات فيها مالك، وقال أيضًا:
[ ٤ / ٥٥٩ ]
حججت سنة (٨٧)، وقد مات فُضيل، ورأيت ابن وهب، ولم أكتب عنه، قال: وحججت خمس حِجَجٍ، منها ثلاثُ حِجج راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، وقال إبراهيم بن شماس: وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث يقولان: ما قَدِم الكوفة مثل ذاك الفتى؛ يعنيان: أحمد، وقال القطان: ما قَدِم عليّ مثل أحمد، وقال فيه مرة: حَبْرٌ من أحبار هذه الأمة، وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشدّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقال الشافعيّ: خرجت من بغداد، وما خَفَفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وقال عبد الله الخُريبيّ: كان أفضل أهل زمانه، وقال أبو الوليد: ما بالمصرين أحبّ إليّ من أحمد، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه، وقال العباس العنبريّ: حجة، وقال ابن المدينيّ: ليس في أصحابنا أحفظ منه، وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال يحيى بن معين: لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، نَزِهُ النفس، فقيه في الحديث، مُتَّبع الآثار، صاحب سنة وخير، وقال أبو ثور: أحمد شيخنا وإمامنا، وقال العباس بن الوليد بن مَزْيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا إلا شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد، وقال بشر بن الحارث: أُدْخِل الكير، فخرج ذهبًا أحمر، وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدَّوْرقيّ: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتهموه على الإسلام، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدريك؛ قال: أخذت عليه الأبواب، وقال نوح بن حبيب: رأيت أحمد في مسجد الخيف سنة (٩٨) مُستندًا إلى المنارة، فجاءه أصحاب الحديث، فجعل يُعَلِّمهم الفقه والحديث، ويفتي الناس، وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة.
فال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكروا هذه القصّة، وما أظنّها تصحّ، فإن أحمد إمام في السنّة لا يخالف هدي النبيّ - ﷺ - في صلاته، فإنه لم يثبت عنه - ﷺ -
[ ٤ / ٥٦٠ ]
أنه كان يصليّ هذا المقدار من الصلاة، فتبصّر ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال هلال بن العلاء: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعيّ تفقه بحديث رسول الله - ﷺ -، وبأحمد ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نَفَى الكذب عن حديث رسول الله - ﷺ -، وبأبي عُبيد فسّر الغريب، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: هو إمام، وهو حجة، وقال النسائي: الثقة المأمون أحد الأئمة، وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين، وقال الخليليّ: كان أفقه أقرانه، وأروعهم، وأكفّهم عن الكلام في المحدثين، إلا في الاضطرار، وقد كان أمسك عن الرواية من وقت الامتحان، فما كان يروي إلا لبنيه في بيته، وقال ابن حبان في "الثقات": كان حافظًا متقنًا فقيهًا ملازمًا للورع الخفيّ، مواظبًا على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد - ﷺ -، وذلك أنه ثبت في المحنة، وبَذَل نفسه لله، حتى ضُرِب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علمًا يُقْتَدَى به، وملجأً يُلْجَأُ إليه، وقال سليمان بن حرب لرجل سأله عن مسألة: سل عنها أحمد، فإنه إمام، وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من الثوريّ، وقال ابن سعد: ثقةٌ ثبتٌ صدوقٌ كثير الحديث، وقال أبو الحسن ابن الزاغونيّ: كُشِفَ قبرُ أحمد حين دُفن الشريفُ أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوُجِد كفنه صحيحًا لم يَبْلَ، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة.
قال عباس الدُّوريّ، ومُطَيَّن، والفضل بن زياد، وغيرهم: مات يوم الجمعة، لثنتي عشرة خَلَت من ربيع الأول سنة (٢٤١)، لكن قال الفضل: في ربيع الآخر، وكذلك قال عبد الله بن أحمد، وقيل: حُزِر مَن صلَّى عليه، فكانوا ثمانمائة ألف رجل وستين ألف امرأة، وقيل: أكثر من ذلك، وقال عبد الله: كان أبي يقول: قولوا لأهل البِدَع: بيننا وبينكم الجنائز.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٢ - (وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٩/ ٢٠٢٥.
[ ٤ / ٥٦١ ]
[تنبيه]: من يُسمّى بسُرَيج بالجيم مصغّرًا في الرواة اثنان فقط:
(أحدهما): هذا المترجم هنا.
(الثاني): سُريج بن النعمان بن مروان الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ، يَهِم قليلًا، من كبار الطبقة [١٠] (ت ٢١٧) من رجال البخاريّ، والأربعة، ولم يروِ عنه المصنّف، والله تعالى أعلم.
٣ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) وقيل قبلها (حمام ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه سُريج، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، وداود علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديان، وهشيمًا فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ) هو وادٍ خلف أَمَجٍ، بينه وبين مكّةَ ميلٌ واحدٌ، و"أَمَج" بفتح الهمزة والميم، وبالجيم: قرية ذات مزارع هناك، قاله في "الفتح" (^١). (فَقَالَ) - ﷺ - " (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون السؤالَ (هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ) - ﷺ - " (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٨٤ "كتاب الحجّ" رقم (١٥٥٦).
[ ٤ / ٥٦٢ ]
مُوسَى ﵇) قال المهلَّب ﵀: هذا وَهَمٌ من بعض رواته؛ لأنه لم يَأْتِ أثرٌ ولا خبرٌ أن موسى حيّ وأنه سيحجّ، وإنما أتى ذلك عن عيسى، فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: "لَيُهِلَّنَّ ابن مريم بفَجّ الرَّوْحَاء". انتهى.
فتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: وهو تغليطٌ للثقات بمجرد التوهم، فسيأتي في "كتاب اللباس" من البخاريّ بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم فيه، أفيقال: إن الراوي غَلِطَ، فزاده؟ وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية، عن ابن عباس بلفظ: "كأني أنظر إلى موسى هابطًا من الثنية، واضعًا إصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله بالتلبية"، قاله لما مَرّ بوادي الأزرق، واستفيد منه تسمية الوادي، وهو خَلْفَ أَمَجٍ بينه وبين مكة ميل واحد، قال: وفي هذا الحديث أيضًا ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر غَلِطَ، فزاد يونس؟. انتهى، وهو تعقّبٌ نفيسٌ.
وقال ابن المُنَيِّر في "الحاشية": توهيم المهلَّب للراوي وَهَمٌ منه، وإلا فأيّ فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رُفع نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل.
قال الحافظ: أراد المهلب بأن عيسى لَمّا ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: كأني أنظر إليه، ولهذا استدلّ المهلب بحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي فيه: "لَيُهِلَّنّ ابن مريم بالحج"، والله تعالى أعلم (^١).
وقوله: (هَابِطًا) منصوب على الحال، أي: حال كونه نازلًا (مِنَ الثَّنِيَّةِ) هي: العقَبَةُ، أو طريقها، أو الجَبَلُ، أو الطريقة فيه أو إليه، قاله المجد (^٢).
(وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبيَةِ) "الجُؤَارُ": بضم الجيم، وبالهمزة: رفع الصوت، ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ أي: ترفعون أصواتكم، وتستغيثون، يقال: جأر يَجْأَرُ، قال عديّ بن زيد [من الرمل]:
إِنَّنِي وَاللهِ فَاقْبَلْ حَلْفَتِي … بِأَبِيلٍ (^٣) كُلَّمَا صَلَّى جَأَرْ
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٨٥.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١١٤١.
(٣) "الأبيل": راهب النصارى.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
وفيه استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج الترمذي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - سئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: "العَجّ، والثّجّ" (^١)، وأخرج أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح، عن خلاد بن السائب الأنصاريّ، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: "أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن آمر أصحابي، ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية"، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، وسيأتي تمام البحث في محلّه من كتاب الحجّ - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ أتى) - ﷺ - (عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى) بفتح الهاء، وسكون الراء، بعدها شين معجمة، مقصورًا: قال ابن الأثير: ثنيّةٌ بين مكة والمدينة، وقيل: جبلٌ قُرب الجحفة. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض: جبلٌ من بلاد تهامة على طريق الشام، والمدينة قريبٌ من الجحفة. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) - ﷺ - ("أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ لا قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ) - ﷺ - ("كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇) بفتح الميم، وتشديد التاء، مقصورًا، هو اسم أبيه، قال في "الفتح": ووقع في "تفسير عبد الرزاق" أنه اسم أمِّه، وهو مردود بما في حديث ابن عبّاس - ﵄ - عند البخاريّ: ونسبه إلى أبيه، فهذا أصحّ، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتّصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس. انتهى (^٤).
(عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ) متعلّق بحال محذوف، أي: حال كونه راكبًا عليها، و"الناقة": الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتى تُجْذِع، والجمع: أَيْنُقٌ بالقلب المكانيّ، بتقديم عين الكلمة على اللام، ونُوقٌ،
_________________
(١) أخرجه الترمذيّ برقم (٧٥٧) وفي سنده انقطاع؛ لأن عبد الرحمن بن يربوع لم يلقَ أبا بكر - ﵁ -، لكن صححه الشيخ الألباني ﵀، والظاهر أنه لشواهده، والله تعالى أعلم.
(٢) "النهاية" ٥/ ٢٦٠.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٠٩.
(٤) "الفتح" ٦/ ٥٢٠ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤١٦).
[ ٤ / ٥٦٤ ]
ونِيَاق (^١)، وقوله: (جَعْدَةٍ) بالجرّ صفة لـ "ناقة"، ومعناها: المكتنزة اللحم (عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، و"الجُبّة" بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة: من اللباس معروفة، جمعها جُبَبٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف (^٢)، ويُجمع أيضًا على جِبَاب (^٣).
و"الصوف بالضمّ: معروفٌ، قاله في "القاموس"، وقال ابن سِيده: الصُّوف للغنم كالشعر للمعز، والوَبَر للإبل، والجمع أصواف، وقد يقال: الصوف للواحدة على تسمية الطائفة باسم الجميع، حكاه سيبويه، ويقال للواحدة: صوفة، وتُصغَّر على صُويفة، قاله في "التاج" (^٤).
(خِطَامُ نَاقَتِه) مبتدأ خبره قوله: "خُلبة"، و"الخِطام" بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة، جمعه خُطُمٌ، مثل كتاب وكُتُب: هو الحبل الذي يقاد به البعير، يُجعل على خَطْمه، سُمّي بذلك لأنه يَقَع على خطم البعير، وهو مقدّم الأنف والفم (^٥)، وقال المجد: الخَطْمُ من الدابّة: مقدّم أنفها وفمها، قال: وخَطَمه بالخِطَام: جعله على أنفه، و"الخِطام ككتاب: ذلك المُعلَّقُ به. انتهى (^٦).
(خُلْبَة) بضمّ الخاء المعجمة، وبالباء الموحّدة بينهما لام، فيها لغتان مشهورتان: الضمّ، والإسكان، حكاهما ابن السِّكّيت، والجوهريّ، وآخرون، وكذلك الخُلُب، والخُلْبُ، وهو الليف، كما فسّره هُشيم هنا.
وقوله: (وَهُوَ يُلَبِّي") جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، فتكون أربعة أحوال، إما مترادفة، أو متداخلة.
وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنها تتأكد عند الهبوط، كما تتأكد عند الصعود (^٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣١.
(٢) "المصباح" ١/ ٨٩.
(٣) "القاموس" ص ٦٢.
(٤) "تاج العروس " ٦/ ١٦٩.
(٥) راجع: "المصباح" ١/ ١٧٤.
(٦) "القاموس المحيط" ص ٩٩٥.
(٧) "الفتح" ٣/ ٤٨٥ "كتاب الحجّ" رقم (١٥٥٦).
[ ٤ / ٥٦٥ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٧ و٤٢٨ و٤٢٩] (١٦٦)، و(البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٥٥)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٥٥)، و"كتاب اللباس" (٥٩١٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٥ - ٢٧٦ - ٢٩٦)، أما فوائد الحديث فقد تقدّمت، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: "كأني أنظر":
(اعلم): أنه قد اختلف أهل التحقيق في معناه على أوجه:
قال القاضي عياض ﵀: أكثر الروايات في وصفهم تدلّ على أنه - ﷺ - رأى ذلك ليلة أُسري به، وقد وقع ذلك مُبَيَّنًا في رواية أبي العالية، عن ابن عباس - ﵄ -، وفي رواية ابن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ -، وليس فيها ذكر التلبية. قال:
[فان قيل]: كيف يَحُجّون، ويُلَبُّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟.
[فاعلم]: أن للمشايخ، وفيما ظَهَرَ لنا عن هذا أجوبةٌ:
[أحدهما]: أنه على الحقيقة؛ لأن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يَبْعُد أن يَحُجُّوا ويُصَلّوا، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - رأى موسى قائمًا في قبره يصلي، فإنهم وإن كانوا قد تُوُفّوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل.
قال القرطبيّ ﵀: حُبِّبت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم، لا بما يُلْزَمون به، كما يُلْهَم أهل الجنة الذكر، ويؤيّده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء؛ لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠].
[ ٤ / ٥٦٦ ]
[الوجه الثاني]: أن عمل الآخرة ذكرٌ ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠].
[الوجه الثالث]: أن تكون هذه رؤية منام ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر - ﵄ -: "بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة … "، وذكر الحديث في قصة عيسى - ﷺ -.
[الوجه الرابع]: أنه - ﷺ - أُرِيَ أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثِّلُوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجُّهم وتلبيتهم، كما قال - ﷺ -: "كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى، وكأني أنظر إلى يونس ﵈".
[الوجه الخامس]: أن يكون أَخْبَر عما أوحي إليه - ﷺ - من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرَهم رؤية عين. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ بزيادة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعندي أن الجواب الأول هو الأرجح؛ لأن معظم الروايات واضحة فيه، والروايات التي تدلّ على أنه وقع له منامًا لا تنافي هذا، فإنه لا يمتنع أن يقع له ذلك في الحالتين في اليقظة والمنام، فتأمل.
وممّا يوضّح ما قلته، ويقوّي ما رجّحته ما حقّقه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقيّ ﵀ في كتابه النافع، فقد جمع ﵀ كتابًا لطيفًا في حياة الأنبياء في قبورهم، أورد فيه حديث أنس: "الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلُّون"، أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير، وهو من رجال الصحيح، عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان، عن الحجَّاج الأسود، وهو ابن أبي زياد البصريّ، وقد وثقه أحمد وابن معين، عن ثابت، عنه، وأخرجه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" من هذا الوجه، وأخرجه البزّار، لكن وقع عنده عن حجاج الصوّاف، وهو وَهَمٌ، والصواب الحجَّاج الأسود، كما وقع التصريح به في رواية البيهقيّ، وصححه البيهقيّ.
وأخرجه أيضًا من طريق الحسن بن قتيبة، عن المستلم، وكذلك أخرجه البزّار وابن عديّ، والحسن بن قتيبة ضعيف.
وأخرجه البيهقيّ أيضًا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أحد فقهاء الكوفة، عن ثابت بلفظ آخر، قال: "إن الأنبياء لا يُترَكون في
[ ٤ / ٥٦٧ ]
قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلّون بين يدي الله، حتى يُنفَخ في الصور"، ومحمد سيئ الحفظ.
وذكر الغزاليّ، ثم الرافعيّ حديثًا مرفوعًا: "أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث، ولا أصلي له"، إلا إن أُخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيد؛ لأن رواية ابن أبي ليلى قابلة للتأويل.
قال البيهقيّ: إن صَحّ فالمراد أنهم لا يُترَكون يصلّون إلا هذا المقدار (^١)، ثم يكونون مصلين بين يدي الله، قال البيهقيّ: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، رفعه: "مررت بموسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن أنس.
[فإن قيل]: هذا خاصّ بموسى ﵇.
[قلنا]: قد وجدنا له شاهدًا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه مسلم أيضًا، من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "لقد رأيتني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مسراي … " الحديث، وفيه: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْبٌ جَعْدٌ، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلي، أقرب الناس به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفيّ، وإذا إبراهيم؛ قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم … ".
قال البيهقيّ: وفي حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه لقيهم ببيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأَمَّهم نبيّنا - ﷺ -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، وفي حديث أبي ذرّ، ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء، أنه لقيهم بالسماوات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ثم عُرِج به هو، ومن ذَكَر من الأنبياء إلى السماوات، فلقيهم النبيّ - ﷺ -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، فحضرت الصلاة فأمَّهم نبينا - ﷺ -، قال:
_________________
(١) هكذا عبارة "الفتح"، وفيها ركاكة؛ فليُنظر، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٥٦٨ ]
وصلاتهم في أوقات مختلفة، وفي أماكن مختلفة لا يردّه العقل، وقد ثبت به النقل، فَدَلَّ ذلك على حياتهم.
قال الحافظ ﵀ بعد نقله عن البيهقيّ ﵀ ما تقدّم: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل، فإنه يُقَوِّيه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء.
قال: ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة رفعه، وقال فيه: "وصَلُّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، وسنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ في "كتاب الثواب" بسند جيد، بلفظ: "مَن صَلَّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليّ نائيًا بُلِّغْتُهُ"، وعند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، عن أوس بن أوس، رفعه، في فضل يوم الجمعة: "فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ"، قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَضُ صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟، قال: "إن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذكر أن أرجح الأجوبة هو القول بأن الحديث على ظاهر ما دلّ عليه من أن الأنبياء يصلّون ويَحجّون، فما صحّ لدينا من الأدلّة بأنهم يفعلون كذا حملناه على ظاهره، دون أي توقّف، والله تعالى قادر على كلّ شيء، وهم أهل لإكرامهم بما ذُكر، فتأمل بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: ومما يُسْتَشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود بسنده عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: "ما من أحد يُسَلِّم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي، حتى أرد ﵇"، ورواته ثقات.
ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عَوْد الروح إلى الجسد يَقتضي انفصالها عنه، وهو الموت.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة:
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٦١ - ٥٦٣ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٤٧).
[ ٤ / ٥٦٩ ]
[أحدها]: أن المراد بقوله: "رَدّ الله عليّ روحي" أن ردّ روحه كانت سابقةً عقب دفنه، لا أنها تعاد، ثم تُنْزَع، ثم تعاد.
[الثاني]: سَلّمنا، لكن ليس هو نزع موت، بل لا مشقة فيه.
[الثالث]: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك.
[الرابع]: المراد بالروح النطق، فتَجَوَّز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه.
[الخامس]: أنه يَستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سُلِّم عليه، رَجَعَ إليه فهمه؛ ليجيب مَن سَلَّم عليه.
وقد استُشْكِل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يَستلزم استغراق الزمن كله في ذلك؛ لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يُحصَى كثرةً.
وأجيب بأن أمور الآخرة لا تُدْرَك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، والله تعالى أعلم، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي وأرجحها هو الخامس، وما عداه فلا يخفى ضعفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: "كَأَنِّي أنظُرُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ، وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ (^٣) فِي أُذُنَيْه، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَة، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ "، قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٣.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "إصبعه في أذنه".
[ ٤ / ٥٧٠ ]
فَقَالَ (^١): "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي، مُلَبِّيًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا، وكذا الباقون، و"داود": هو ابن أبي هند المذكور في السند الماضي.
وقوله: (فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ) يعني: أن أبا العالية ذكر مما ذكر له ابن عبّاس - ﵄ - من وصف لون موسى ﵇، ووصف شعره، لكن داود بن أبي هند نسي ذلك، وقد حفظه غيره، فقد سبق في رواية قتادة، عن أبي العالية: "رجلٌ آدم، طُوالٌ جعد، كأنه من رجال شنوءة"، ونحوه من رواية مجاهد، عن ابن عبّاس - ﵄ - في الحديث التالي.
وقوله: (وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) وفي نسخة: "إصبعه في أذنه" بالإفراد، و"الإصبع" فيها عشر لغات: كسر الهمزة، وفتحها، وضمها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمها، والعاشرة أُصبُوع، على مثال عُصْفُور.
وفي هذا دليل على استحباب وضع الإصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه، مما يستحب له رفع الصوت.
قال النوويّ ﵀: وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما حقّقت ذلك في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوْ لِفْتٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناها "لِفْتٌ" بكسر اللام، وإسكان الفاء، وبعدها تاء مثناة من فوق، وذكر القاضي، وصاحب "المطالع" فيها ثلاثة أوجه:
[أحدها]: ما ذكرته.
_________________
(١) وفي نسخة: "قال".
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٠.
[ ٤ / ٥٧١ ]
[والثاني]: فتح اللام، مع إسكان الفاء.
[والثالث]: فتح اللام والفاء جميعًا. انتهى (^١).
وعبارة عياض ﵀: قوله: ثنيّة هرشى، أو لفت" هَرْشَى بفتح الهاء، وسكون الراء: جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة، قريبٌ من الجُحْفة، و"لفت": موضع بين مكة والمدينة، قاله الكنديّ، سمعنا هذا الحرف من القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، ومن الشيخ أبي بحر هنا بفتح اللام فقط، وسكون الفاء، ومن الحافظ أبي الحسين بكسر اللام، وسكون الفاء، وأنشدنا بعضهم في ذلك [من الطويل]:
مَرَرْنَا بِلَفْتٍ وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا … قَلَائِدُ دُرِّ حُلَّ عَنْهَا نِظَامُهَا
وروينا هذا البيت في كتاب مشاهد ابن هشام عن أشياخنا التميميّ، والأسديّ، وابن سراج:
وَلفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجَّ صَلَاحِ
كذا سمعناه بالكسر، وكذا كان في المشاهد عند أبي بحر، وكذا قيّدناه عنه. انتهى كلام عياض ﵀ (^٢).
وقوله: (خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ) رُوي بتنوين "ليفٍ"، ورُوي بإضافته إلى "خُلْبة"، فمن نَوّن جعل "خلبة" بدلًا، أو عطف بيان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٩] (…) - (حَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: "أمّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْه، إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي").
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٠.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٠٩ - ٧١١.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطَبَان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (^١) (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
(مُجَاهِدُ) بن جَبْر، أبو الحجَّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٣] (ت ١٠١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. والباقون تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: حديث مجاهد هذا وقع عند البخاريّ عنه عن ابن عمر بدل ابن عبّاس، ونصّه:
(٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيمٌ، سَبِطٌ، كأنه من رجال الزط". انتهى.
فتكلّم الحفّاظ فيه، وقالوا: إنه غلطٌ، والصواب: "عن ابن عبّاس - ﵄ -".
قال في "الفتح": قوله: "عن ابن عمر" كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاريّ، وقد تعقبه أبو ذرّ في روايته، فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفِرَبريّ: "مجاهد، عن ابن عمر"، قال: ولا أدري أهكذا حدّث به البخاريّ، أو غَلِط فيه الفربريّ؟ لأني رأيته في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: "ابن عباس"، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارميّ، عن محمد بن كثير، قال: وتابعه نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. انتهى.
وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، عن أحمد بن مسلم الخزاعيّ، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاريّ، عن محمد بن كثير،
_________________
(١) جعله في "التقريب" من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنسًا - ﵁ -؛ فتنبّه.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
فقال: مجاهد، عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، فقال: ابن عباس. انتهى.
وأخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق محمد بن أيوب بن الضُّرَيس، وموسى بن سعيد الدندانيّ، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال فيه: "ابن عباس"، ثم قال: قال البخاريّ عن محمد بن كثير، عن "ابن عمر"، والصواب عن "ابن عباس".
وقال أبو مسعود في "الأطراف": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير، فقال: "مجاهد، عن ابن عباس" ووقع في البخاريّ في سائر النسخ: "مجاهد، عن ابن عمر"، وهو غلطٌ، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شُميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل، فقالوا: "ابن عباس"، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس. انتهى.
ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم، عن شيخ البخاريّ فيها، وليس فيها لعيسى ذكرٌ، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى، حسبُ.
وقال محمد بن إسماعيل التيميّ: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاريّ، فإن الإسماعيليّ أخرجه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد، وقال فيه: "عن ابن عباس"، ولم يُنَبِّه على أن البخاريّ قال فيه: "عن ابن عمر"، فلو كان وقع له كذلك لنَبّه عليه كعادته.
والذي يُرَجِّح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر، وحَلِفِهِ على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه: "فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد، عن ابن عباس، لا عن ابن عمر. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الأصول، وهو صحيح، قوله: "فقال: إنه مكتوب"؛ أي: قال قائل من
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٥٩ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٣٨).
[ ٤ / ٥٧٤ ]
الحاضرين، ووقع في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحق في هذا الحديث، من رواية مسلم: "فذكروا الدجال، فقالوا: إنه مكتوب بين عينيه"، هكذا رواه: "فقالوا"، وفي رواية الحميديّ عن "الصحيحين": "وذكروا الدجال بين عينيه كافر"، فحذف لفظة "قال"، و"قالوا"، وهذا كله يصحح ما تقدم. انتهى.
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ) وفي نسخة: "قال ذلك"، يعني: لم أسمع النبيّ - ﷺ - تكلم بقوله: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وهذا لا ينافي أن غيره سمعه يقول ذلك، فسيأتي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك - ﵃ - أنهم سمعوه من النبي - ﷺ - يقول: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وقد ساق المصنف ﵀ أحاديثهم في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة".
وقوله: (فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ) يريد النبيّ - ﷺ - بذلك نفسه، فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم ﵇.
وقوله: (إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي) هكذا هو في الأصول كلها "إذا" بالألف بعد الذال، وهو صحيح، وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه أنكر إثبات الألف، وغَلَّط راويه، وغَلَّطه القاضي، وقال: هذا جهل من هذا القائل، وتَعَسُّف، وجَسَارةٌ على التوهم لغير ضرورة، وعدمُ فهم بمعاني الكلام؛ إذ لا فرق بين "إذا" و"إذ" هنا؛ لأنه وَصَفَ حاله حين انحداره فيما مضى.
[تنبيه]: لم يُصَرّح أحدٌ ممن رَوَى هذا الحديث عن ابن عون بذكر النبيّ - ﷺ -، قاله الإسماعيليّ، ولا شك أنه مراد؛ لأن ذلك لا يقوله ابن عباس مِن قِبَل نفسه، ولا عن غير النبيّ - ﷺ -، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٠] (١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٨٥.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "عُرِضَ عَليَّ الْأنبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْب مِنَ الرِّجَال، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، فَإِذَا أقرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ (^١)، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: "دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثّقَفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمى الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ حجةٌ [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى أسانيده، كما مرّ غير مرّة، وله فيه شيخان فرّق بينهما.
_________________
(١) وفي نسخة زيادة "- ﷺ -".
[ ٤ / ٥٧٦ ]
٢ - (ومنها): أنه إنما فرّق بين شيخيه، ولم يقرُن بينهما؛ للاختلاف بينهما في شيئين:
(الأول): أن قتيبة قال: "حدّثنا"؛ إشارة إلى أنه إنما أخذه سماعًا من لفظ شيخه، ومحمد بن رُمح قال: "أخبرنا"؛ إشارةً إلى أنه إنما سمعه من شيخه بقراءة غيره عليه.
(الثاني): أن قتيبة قال: "ليثٌ" بدون "أل"، وقال ابن رُمح: "الليث" بـ "أل"، وكلاهما جائز؛ لأن "أل" هنا للمح الأصل، يجوز ذكرها وحذفها، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد، فقد تفرّد به هو وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أن هذه الرواية مما يؤمن فيه تدليس أبي الزبير؛ لأنها من رواية الليث عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر - ﵁ -، فقد قال سعيد بن أبي مريم: حدّثنا الليث، قال: جئتُ أبا الزبير، فدَفَع لي كتابين، فسألته: أسمعت هذا كلّه عن جابر؟ قال: لا، فيه ما سمعت، وفيه ما لم أسمع، قلت: فأَعْلم لي على ما سمعتَ منه، فاعلم لي على هذا الذي عندي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذا الذي ذكره الليث مع قاعدة رواية شعبة عن شيوخه المدلّسين، كأبي إسحاق السبيعيّ، وقتادة، والأعمش، وكذلك رواية يحيى القطّان عن شيوخه المدلّسين، فقلت:
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ المُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا
مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ المُعْتَمَدْ
وَهَكَذَا القَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعًا يُؤْتَمَنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ تَخْشَ يَا فَطِنْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَلْتَعْلَمَا
[ ٤ / ٥٧٧ ]
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ المَنَالْ … يَصبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ
٥ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "عُرِضَ) بالبناء للمفعول، أي: أُريتُ، يقال: عَرَضَ عليه الشيءَ، من باب ضرب: إذا أراه إيّاه (^١). (عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ) الظاهر أن هذا العرض ليلة الإسراء، ويحتمل أن يكون في غيرها، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا) هي الفجائيّة (مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ) بفتح الضاد المعجمة، وإسكان الراء، قال القاضي عياض ﵀: هو الرجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقِلّته، وقال القرطبيّ ﵀: الضرب من الرجال الذي له جسم بين جسمين، ليس بالضخم، ولا بالضَّئيل، قال طرفة [من الطويل]:
أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ … خُشَاشٌ (^٢) كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ
وسيأتي في الرواية التالية بلفظ: "مُضْطَربٌ" وهو الطويل غير الشديد، وهو ضدّ جَعْدِ اللحم، مُكْتَنزه، وقال عياضٌ ﵀: لكن يَحْتَمِلُ أن الرواية الأولى أصحّ، يعني رواية "ضَرْبٌ"؛ لقوله في الرواية الأخرى: "حَسِبته قال: مضطرب"، فقد ضَعُفت هذه الرواية للشك، ومخالفة الأخرى التي لا شكّ فيها، وفي الرواية الأخرى: "جَسِيمٌ سَبِطٌ"، وهذا يَرْجِع إلى الطويل، ولا يُتَأَوَّلُ جسيم بمعنى سَمِين؛ لأنه ضِدُّ "ضَرْب"، وهذا إنما جاء في صفة الدجال. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (^٣).
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ص ٥٨٠.
(٢) في خاء خشاش الحركات الثلاث، وهو اللطيف الرأس، قاله ابن السّكّيت، وقال أبو عبيد: هو الرجل الخفيف، وأيضًا الحيّة، وأيضًا ما يخش به البعير، وهو العُود الذي يُدخَل في أنف البعير عَرْضًا، ويُخرج طرفاه من الجهتين، وفيهما حبل يقاد به، فإذا استصعب جُذِب به، فيؤلمه فينقاد، ومنه الحديث الآتي في آخر الكتاب في خبر الشجرة: "فانقادت عليه كالبعير المخشوش". "شرح الأبيّ" ١/ ٣٢٢.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٠١.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
وتعقّبه النوويّ ﵀، فقال: وهذا الذي قاله من تضعيف رواية "مُضْطَرب"، وأنها مخالفة لرواية "ضَرْب"، لا يُوَافَقُ عليه، فإنه لا مخالفة بينهما، فقد قال أهل اللغة: "الضرْبُ": هو الرجل الخفيف اللحم، كذا قاله ابن السِّكِّيت في "الإصلاح"، وصا حب "المجمل"، والزبيديّ، والجوهريّ، وآخرون لا يحصون. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعّقب حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) تقدّم الكلام على هذه الجملة، وأن المراد تشبيهه بهذه القبيلة في الطول؛ لأنها معروفة به (وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا) للمفاجأة أيضًا (أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا) أي: مماثلًا، وانتصابه على الحال، قال المجد ﵀: "الشِّبْهُ" بالكسر، والتحريك، وكأمير: المِثْلُ، جمعه أشباهٌ، وشابهه، وأشبهه: ماثله. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الشَّبَهُ" بفتحتين، والشَّبِيه مثلُ كريم، والشِّبْه بالكسر، مثلُ حِمْلٍ: المشابه، وشبَهتُ الشيءَ بالشيء: أقمته مُقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون تلك الصفة ذاتيّةً ومعنويّةً، فالذاتيّة كهذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد، والمعنويّة نحو: زيدٌ كالأسد أو كالحمار، أي: في شدّته وبلادته، وزيد كعمرو، أي: في قوّته، وكَرَمه وشبَهِه، وقد يكون مجازًا، نحو: الغائب كالمعدوم. انتهى (^٢).
(عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) بن مُعَتِّب - بالمهملة، والمثناة المشددة - بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفيّ، وهو عَمُّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، أخت آمنة، كان أحد الأكابر من قومه، وقيل: إنه المراد بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، قال ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب، وقتادة، والسُّدّيّ: المراد بالقريتين: مكة والمدينة (^٣)، وثبت ذكر عروة بن
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١٢٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٣.
(٣) اختلفوا في تعيين الرجل المراد، فعن قتادة: أرادوا الوليد بن المغيرة، من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفيّ من أهل الطائف، وعن مجاهد: عتبة بن ربيعة، =
[ ٤ / ٥٧٩ ]
مسعود في الحديث الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وهو مُسْتَوْفًى في "صحيح البخاريّ".
وترجمه ابنُ عبد البر بأنه شَهِدَ الحديبية، وهو كذلك، لكن في العرف إذا أُطلق على الصحابي أنه شَهِد غزوة كذا يَتَبادر أن المراد أنه شَهِدها مسلمًا، فلا يقال: شَهِد معاوية بدرًا؛ لأنه لو أُطلق ذلك ظَنّ مَن لا خِبْرة له؛ لكونه عَرَف أنه صحابيّ أنه شَهِدها مع المسلمين، وذكر موسى بن عُتبة (^١)، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، وكذلك ذكره ابن إسحاق يزيد بعضهم على بعض: أن أبا بكر لَمّا صَدَر من الحجّ سنة تسع، قَدِمَ عروة بن مسعود الثقفيّ على النبيّ - ﷺ -، وفي رواية ابن إسحاق أنه اتّبَع أثر النبيّ - ﷺ - لَمّا انصرف من الطائف، فأسلم واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأَذِن له، فدعاهم إلى الإسلام، ونَصَحَ لهم، فعصوه، وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السَحَر قام على غُرْفة له، فَأَذَّن، فرماه رجل من ثقيف بسهم، فقتله، فلما بَلَغَ ذلك النبيّ - ﷺ -، قال: "مَثَلُ عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه" (^٢).
واختُلِف في اسم قاتله، فقيل: أوس بن عوف، وقيل: وهب بن جابر، وقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فِيّ إلا ما في الشهداء الذين قُتِلوا مع النبيّ - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم (^٣).
_________________
(١) = وعُمير بن عروة بن مسعود، وعنه رواية ابن عبد ياليل بدل حبيب، وعن السديّ: الوليد، وكنانة بن عبد عمرو بن عُمير، وعن ابن عباس: الوليد، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفيّ. راجع: "الإصابة" ٤/ ٤٠٦.
(٢) هكذا نسخة "الإصابة" ٤/ ٤٠٧، ولعله "موسى بن عقبة" بالقاف؛ فليُحرّر.
(٣) أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ١٧/ ١٤٨، وابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٣٧٠، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ٦١٥، وقال الهيثميّ في "المجمع" ٩/ ٣٨٩: عن عروة بن الزبير … الحديث، رواه الطبرانيّ، وروي عن الزهريّ نحوه، وكلاهما مرسل وإسنادهما حسن. انتهى.
(٤) راجع: "الإصابة" ٤/ ٤٠٦ - ٤٠٨.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
(وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ) لأنه - ﷺ - أشبه الناس بإبراهيم ﵇ (وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ) بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ) يعني: شيخه الثاني في هذا السند (دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ) يعني: أنه نسبه إلى أبيه، وأما قتيبة، فلم ينسُبه إليه، بل قال: "دحية" فقط.
وهو دَحْيَةُ بن خَلِيفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر ابن عوف الكلبيّ - ﵁ -.
صحابيّ مشهورٌ أولُ مشاهده الخندق، وقيل: أُحُدٌ، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضْرَب به المثل في حسن الصورة، وكان جبرائيل ﵇ ينزل على صورته، جاء ذلك من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة - ﵂ -، ورَوَى النسائيّ بإسناد صحيح، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر - ﵄ -: "كان جبرائيل يأتي النبيّ - ﷺ - في صورة دحية الكلبيّ"، ورَوَى الطبراني من حديث عُفير بن مَعْدان، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبيّ" (^١)، وكان دحية رجلًا جميلًا.
وروى العجليّ في "تاريخه" عن عَوَانة بن الحَكَم، قال: أجمل الناس مَن كان جبرائيل ينزل على صورته.
قال ابن قتيبة في "غريب الحديث": فأما حديث ابن عباس: كان دحية إذا قَدِم المدينة لم تَبْقَ مُعْصِرٌ (^٢) إلا خرجت، تنظر إليه، فالمعنى بالمُعْصِر: العاتق.
وقال ابن البَرْقيّ: له حديثان عن النبيّ - ﷺ -، وقال الحافظ ﵀: يَجتمع لنا عنه نحو الستة.
وهو رسول النبيّ - ﷺ - إلى قيصر، فلقيه بِحِمْصَ أول سنة سبع، أو آخر سنة ستّ.
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ١٠٧.
(٢) يقال: أعصرت المرأة إذا بلغت شبابها، وأدركت، أو دخلت في الحيض، أو راهقت العشرين، أو ولدت. اهـ. "ق" ص ٣٩٧.
[ ٤ / ٥٨١ ]
ومن المنكر ما أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن عباس: أن دحية أسلم في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وقد ردَّه ابن عساكر بأن في إسناده الحسين بن عيسى الحنفيّ، وهو أخو سُلَيم القارئ، وهو صاحب مناكير.
وقد رَوَى الترمذيّ من حديث المغيرة - ﵁ -: أنّ في حية أهدى إلى النبيّ ﵇ خفين، فلبسهما، وعند أبي داود من طريق خالد بن يزيد بن معاوية، عن دحية، قال: أُهدي إلى النبيّ - ﷺ - قُبَاطيّ (^١)، فأعطاني منها قِبطية.
ورَوَى أحمد من طريق الشعبيّ، عن دحية قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس، فينتج لك بغلًا فتركبها؟ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" (^٢).
وقال ابن سعد: أخبرنا وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: بَعَثَ رسول الله - ﷺ - دِحيةَ سَرِيَّةً وحده"، وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على كُرْدُوس، وقد نَزَل دمشق، وسكن المِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية - ﵄ - (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٣٠] (١٦٧)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٤٩)، وفي "الشمائل" (١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٨ و٣٤٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٣٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٢٩).
_________________
(١) قال في "ق": القبط بالكسر أهل مصر، وإليهم تنسب الثياب القُبطيّة بالضم على غير قياس، وقد تُكسر، جمعه قُبَاطيّ، وقَبَاطيّ. اهـ.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٢٥٦٥)، والنسائيّ ٦/ ٢٢٤، وأحمد ١/ ٩٨.
(٣) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٣٢١ - ٣٢٣.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣١] (١٦٨) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﵇: "حِينَ أُسْرِيَ بِي، لَقِيتُ مُوسَى ﵇، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -: مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأْس، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي: حَمَّامًا - قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ: فَأُتِيتُ بإِنَاءَيْنِ: فِي أَحَدِهِمَا لَبَن وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أيَّهُمَا شِئْتَ. فَاَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ المذكور قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ المذكور قبل باب.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ المذكور قبل باب أيضًا.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب الإمام المشهور المذكور قبل باب أيضًا.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبث فقية، إمام [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة (٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، كما سبق.
٣ - (ومنها): أن قوله: "وتقاربا في اللفظ" فيه إشارة إلى أنه إذا وقع اختلاف بين المشايخ في الألفاظ مع اتّحاد المعنى لا يضرّ عدم بيان الاختلاف بالتفصيل، بل تكفي الإشارة الإجماليّة، وإن كان الأولى الإفصاح، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِلَافَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَحَدَ المَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ عن سعيد.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سلَيْمَانُ خَارِجَهْ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "حِينَ أُسْرِيَ بِي) "حين" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "لَقِيتُ"، و"أُسْرِي بي" بالبناء للمفعول، يقال: سَرَيتُ الليل، وسَرَيتُ به سَرْيًا، والاسم السِّرَايةُ: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغة حجازيّة، ويُستعملان متعدّيين بالباء إلى مفعول، فيقال: سَرَيتُ بِزَيد وأسريتُ به (^١).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٥.
[ ٤ / ٥٨٤ ]
وفي نسخة: "حين أسري به".
(لَقِيتُ مُوسَى ﵇) بكسر القاف، يقال: لَقِيته أَلقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيهُ، ومنه لِقَاءُ البيت وهو استقباله (^١). (فَنَعَتَهُ) من باب نَفَعَ (النَّبِيُّ - ﷺ -) أي: وصف موسى ﵇ (فَإِذَا) هي الفجائيّة (رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -:) القائل: "حسبته" هو عبد الرزاق (مُضْطَرِبٌ) المضطرب: الشديد، وقيل: الخفيف اللحم، وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام بن يوسف عن معمر بلفظ: "ضَرْبٌ"، وليس فيه قوله: "حسبته قال"، و"الضَّرْبُ" - بفتح الضاد المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، - فُسِّر بالنحيف، ولا منافاة بينهما.
وقال ابن التين ﵀: هذا الوصف مغاير لقوله بعد هذا: "إنه جسيم" - يعني: في الرواية التي أوردها البخاريّ بعد هذه - وقال: والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال، وقال القاضي عياض رَرَحِمَهُ اللهُ: رواية من قال: "ضَرْب" أصح من رواية من قال: "مُضْطَرِبٌ"؛ لما فيها من الشك، قال: وقد وقع في الرواية الأخرى: "جَسِيم"، وهو ضِدّ الضرب، إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول.
وقال التيميّ ﵀: لعل بعض لفظ هذا الحديث دخل في بعض؛ لأن الجسيم إنما ورد في صفة الدجال، لا في صفة موسى. انتهى.
وأُجيب بأنه لا مانع أن يكون مع كونه خفيف اللحم جسيمًا بالنسبة لطوله، فلو كان غير طويل لاجتمع لحمه، وكان جسيمًا (^٢).
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال ما نصّه: والذي يتعين المصير إليه ما جَوَّزه عياض أن المراد بالجسيم في صفة موسى ﵇ الزيادة في الطول، ويؤيده قوله في الرواية التي بعد هذه - أي عند البخاريّ - (^٣): "كأنه من رجال الزُّطّ"، وهم طُوَالٌ غير غِلاظ.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٨.
(٢) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٥٩.
(٣) هو: ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: =
[ ٤ / ٥٨٥ ]
ووقع في حديث الإسراء: "رأيت موسى جَعْدًا طُوَالًا"، واستنكره الداوديّ، فقال: لا أراه محفوظًا؛ لأن الطويل لا يوصف بالجَعْد.
وتُعُقِّبَ بأنهما لا يتنافيان، وقال النوويّ: الجُعودة في صفة موسى ﵇ جعودة الجسم، وهو اكتنازه، واجتماعه، لا جعودة الشعر؛ لأنه جاء أنه كان رَجِلَ الشَّعَر. انتهى.
(رَجِلُ الرَّأسِ) بفتح الراء، وكسر الجيم، وتسكن تخفيفًا: يقال: رَجِلَ الشعرُ رَجَلًا، من باب تَعِبَ، فهو رَجِلٌ بالكسر، وتُسكَّن تخفيفًا؛ أي: ليس شديد الجُعُودة، ولا شديد السُّبُوطة، بل بينهما، أفاده الفيّوميّ ﵀ (^١).
وقال المجد ﵀: وشَعَرٌ رَجْلٌ، وكَجَبَلٍ وكَتِفٍ (^٢): بَينَ السُّبُوطة والجُعُودة، وقد رَجِلَ، كَفَرِحَ. انتهى.
(كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) أي: في الطول، وهو اسم قبيلة، وقد تقدّم ضبطه وسبب تسميته في الحديث الماضي، فراجعه.
(قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى) ﵇ (فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَبْعَةٌ) - بفتح الراء، وسكون الموحدة، ويجوز فتحها - وهو المربوع، والمراد أنه ليس بطويل جدًّا، ولا بقصير جدًّا، بل هو وَسَطٌ.
(أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ) وفي نسخة: "كأنه خرج" (مِنْ دِيمَاسٍ) - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية، وآخره سين مهملة - و"الدِّيمَاس" في اللغة: السَّرَبُ (^٣)، ويُطْلَق أيضًا على الكِنّ، والحَمَّام من جملة الكِنّ، والمراد من ذلك وصفه بصفاء اللون، ونَضَارة الجسم، وكثرة ماء الوجه، حتى كأنه كان في
_________________
(١) = قال النبيّ - ﷺ -: "رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى، فادم، جسيم، سَبِط، كأنه من رجال الزط". و"الزُّطّ" بضم الزاي، وتشديد الطاء المهملة: جنس من السودان، وقيل: هم نوع من الهنود، وهم طوال الأجسام مع نَحَافة فيها، قاله في "الفتح" ٦/ ٥٥٩.
(٢) "المصباح" ١/ ٢٢١.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٩٠٤.
(٤) "السَّرَبُ": بفتحتين: بيت في الأرض لا منفذ له، وهو الوَكْر، جمعه أَسْرابٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، فإن كان له منفذٌ إلى موضع آخر، فهو النَّفَقُ. انتهى. "المصباح" ١/ ٢٧٢.
[ ٤ / ٥٨٦ ]
موضع كِنٍّ، فخَرَج منه وهو عَرْقان، وفي رواية ابن عمر - ﵄ - بعد هذا: "يقطر رأسه ماءً"، وفي لفظ: "ينطُفُ رأسه ماءً"، وهو محتملٍ لأن يراد الحقيقة، وأنه عَرِقَ حتى قَطَر الماءُ من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نَضَارة وجهه، ويؤيده أن في رواية عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة - ﵁ -، عند أحمد، وأبي داود: "يقطر رأسه ماءً، وإن لم يُصِبْهُ بَلَلٌ"، قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ ﵀: وأما "الدِّيماس": - فبكسر الدال، وإسكان الياء، والسينُ في آخره مهملة - وفسره الراوي بالحَمّام، والمعروف عند أهل اللغة أن الديماس هو السَّرَبُ، وهو أيضًا الكِنّ.
قال الهرويّ في هذا الحديث: قال بعضهم: الديماس هنا هو الكِنّ، أي: كأنه مُخَدَّرٌ، لم يَرَ شمسًا، قال: وقال بعضهم: المراد به السَّرَب، ومنه دَمَسْتُهُ: إذا دفنته.
وقال الجوهريّ في "صحاحه": في هذا الحديث قوله: "خَرَجَ من دِيماس"، يعني: في نَضَارته، وكثرة ماء وجهه، كأنه خَرَج من كِنٍّ؛ لأنه قال في وصفه: "كأن رأسه يقطر ماءً".
وذَكَر صاحب "المطالع" الأقوال الثلاثة فيه، فقال: "الدِّيماس" قيل: هو السَّرَبُ، وقيل: الحَمَّام، هذا ما يتعلق بالديماس.
وأما "الحَمَّام": فمعروف، وهو مُذَكَّر باتفاق أهل اللغة، وقد نَقَل الأزهريّ في "تهذيب اللغة" تذكيره عن العرب، والله تعالى أعلم.
وأما وصف عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - في هذه الرواية، وهي رواية أبي هريرة - ﵁ - بأنه أحمر، ووصفه في رواية ابن عمر - ﵄ - بعدها بأنه آدَمُ، والآدم الأسمر، وقد رَوَى البخاريّ عن ابن عمر - ﵄ - أنه أنكر رواية أحمر، وحَلَفَ أن النبيّ - ﷺ - لم يقله - يعني: وأنه اشتبه على الراوي - فيجوز أن يُتَأَوَّلَ الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأُدْمَةِ والحمرة، بل ما قاربها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار النوويّ ﵀ بإنكار ابن عمر - ﵄ -
_________________
(١) ٦/ ٥٥٨ "كتاب أحاديث الأنبياء".
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٢.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
الأحمر إلى ما أخرجه البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، وسيأتي ذكره قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (يَعْنِي حَمَّامًا) قال في "الفتح": هو تفسير عبد الرزاق، ولم يقع ذلك في رواية هشام بن يوسف. انتهى (^١).
(قَالَ) - ﷺ - (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأنا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ) - ﷺ - (فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "أن رسول الله - ﷺ - أُتي ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين … " (فِي أَحَدِهِمَا لَبَن، وَفي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ؟ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ) وفي نسخة: "قال" (هُدِيتَ الْفِطْرَةَ) ببناء الفعل للمفعول، و"الفطرة" مفعول ثان؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، وباللام و"إلى"، يقال: هداه الله الطريقَ، وللطريق، وإلى الطريق، أفاده المجد (^٢)؛ أي: أرشدك الله تعالى إلى الإسلام، ودلّك عليه (أَوْ) للشك من الراوي، أي: أو قال: (أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ) تقدّم الخلاف في معناها، وأن الأرجح هو الإسلام، والاستقامة على الدين الحقّ (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أداة تنبيه واستفتاح، كـ "ألا" (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لأنها في محل الاستئناف والابتداء، قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بفتح الغين المعجمة وفتح الواو، يقال: غَوَى غَيًّا، من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلاف الرُّشْد، والاسم الغَوَايَةُ بالفتح (^٣).
وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المذكورة: "ثم أخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غَوَت أمتك".
قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: يحتمل أن يكون - ﷺ - من الخمر؛ لأنه تفرّس أنها ستحرُمُ؛ لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن أحدهما سيحرُم، والآخر تستمرّ إباحته.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٥٨.
(٢) راجع: "القاموس" ص ١٢١٠.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٧.
[ ٤ / ٥٨٨ ]
ويحتمل أن يكون نَفَرَ منها؛ لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ؛ حفظًا من الله تعالى له ورِعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا طاهرًا، سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك.
وفي الحديث مشروعيّة الحمد عند حصول ما يُحمَد، ودفع ما يُحذر، فقد قال جبريل ﵇ لما هدى الله تعالى حبيبه - ﷺ - إلى الفطرة: "الحمد لله الذي هداك للفطرة".
وقوله: "غَوَت أمتك" يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفال، أو تقدّم عنده علم بترتّب كلٍّ من الأمرين، وهو أظهر، أفاده في "الفتح" (^١).
وقد سبق البحث في هذا كله مستوفًى في شرح حديث الإسراء، فارجع إليه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٣١] (١٦٨)، و(البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٤ و٣٤٣٧)، و"التفسير" (٤٧٠٩ و٥٥٧٦)، و"الأشربة" (٥٦٠٣)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٣٠)، و(النسائيّ) في "الأشربة" (٨/ ٣١٢)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥/ ٣٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٥/ ١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٢٨)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٨٧).
وأما فوائد الحديث، فقد سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) ١٠/ ٣٦ "كتاب الأشربة" رقم (٥٥٧٥ - ٥٥٧٨).
[ ٤ / ٥٨٩ ]