وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٢] (١٦٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَة، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أنتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْن، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَسَألتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا (^١) بِرَجُلٍ، جَعْدٍ، قَطَطٍ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأنهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ، إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، إمام دار الهجرة، ثقةٌ ثبت حجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٍ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر في أحد، وأجيز في الخندق، مات (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "فإذا أنا".
[ ٤ / ٥٩٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٧) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قرأت على مالك … إلخ" فيه هذه الصيغة التزمها يحيى بن يحيى في روايته عن مالك، وذلك لأن مالكًا ﵀ يرى القراءة مثل السماع، وينكر على من ينكر ذلك، فقد أخرج الحاكم في "علوم الحديث" من طريق مطرّف، قال: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ "الموطّأ" على أحد، بل يقرأون عليه، قال: وسمعته يأبى أشدّ الإباء على من يقول: لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث، ويُجزيك في القرآن، والقرآن أعظم؟ (^١).
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها للأخذ عن مالك.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أَرَانِي) بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، وذكره بلفظ المضارع مبالغةً في استحضار صورة الحال (^٢). (لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ) البيتُ الحرام زاده الله تعالى تشريفًا، سُمِّي كعبةً لارتفاعه وتَرَبّعه،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٨٠ "كتاب العلم"، و"فتح المغيث" للسخاويّ ٢/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٦٠.
[ ٤ / ٥٩١ ]
وكلُّ بيت مُرَبَّع عند العرب فهو كعبة، وقيل: سُمِّي كعبة لاستدارته وعُلُوّه، ومنه كُعْبُ الرجل، ومنه كَعَبَ ثَدْيُ المرأة من باب نَصَرَ (^١): إذا علا واستدار (^٢).
وفي الرواية التالية: "أراني الليلة في المنام عند الكعبة"، فصرّح بأنه كان منامًا.
(فَرَأيتُ رَجُلًا آدَمَ) أي: أسمر (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضمّ الهمزة وسكون الدال، جمع آدم، كما قال في "الخلاصة":
فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى
والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي: الرجالِ الأُدْمِ.
(لَهُ لِمَّةٌ) بكسر اللام، وتشديد الميم، وجمعها لِمَمٌ كقِرْبَةٍ وقِرَبٍ، قال الجوهريّ: ويُجمع على لِمَام، يعني: بكسر اللام، وهو الشَّعْرُ المُتَدَلِّي الذي جاوز شَحْمَةَ الأذنين، فإذا بَلَغ المنكبين فهو جُمَّةٌ، أي: بضم الجيم، وتشديد الميم، ذكره النوويّ (^٣).
وفي الرواية التالية: "تضرب لمّته بين منكبيه"، وقال في "الفتح": قوله: "لِمّته" بكسر اللام؛ أي: شعر رأسه، ويقال له: إذا جاوز شحمة الأذنين وألمّ بالمنكبين: لِمّة، وإذا جاوزت المنكبين فهي: جُمّة، وإذا قصرت عنهما فهي: وَفْرَة. انتهى (^٤).
(كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، ومعنى "رَجَّلها" بتشديد الجيم: سَرّحها بِمُشْط مع ماء أو غيره.
(فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً) قال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون على ظاهره، أي: يقطر بالماء الذي رَجّلها به لقرب ترجيله، والى هذا نحا القاضي الباجيّ، قال القاضي عياض: ومعناه عندي أن يكون ذلك عبارةً عن نَضَارته وحسنه، واستعارةً لجماله (^٥).
_________________
(١) يقال: كَعَبت المرأةُ تكعُبُ من باب قتل كِعَابةً: نتأ ثديها، فهى كاعبٌ. اهـ. "المصباح" ٢/ ٥٣٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٣، و"القاموس المحيط" ص ١٢١.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٣.
(٤) "الفتح" ٦/ ٥٦٠.
(٥) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٢٢.
[ ٤ / ٥٩٢ ]
(مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمهما (^١). (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ) جمع عاتقٍ، قال أهل اللغة: هو ما بين المنكب والعُنُق، وفيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أفصح وأشهر، قال صاحب "المحكم": ويُجْمَع العاتق على عواتق كما ذكرنا، وعلى عُتُقٍ وعُتْقٍ بضمّ التاء وسكونها.
(يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) قال القاضي عياض ﵀: إن كانت هذه رؤيا عين، فعيسى ﵇ حَيٌّ لم يمت، يعني: فلا امتناع في طوافه حقيقةً، وإن كان منامًا كما نَبَّهَ عليه ابنُ عمر - ﵄ - في روايته، فهو مُحْتَمِلٌ لِمَا تقدم ولتأويل الرؤيا، قال القاضي: وعلى هذا يُحْمَل ما ذُكِر من طواف الدجال بالبيت، وأن ذلك رؤيا؛ إذ قد ورد في "الصحيح" أنه لا يَدْخُل مكة ولا المدينة، مع أنه لم يُذْكَر في رواية مالك طواف الدجال، وقد يقال: إن تحريم دخول المدينة عليه إنما هو في زمن فتنته (^٢).
وقال في "الفتح": وغَلِط من استدلّ بهذا الحديث على أن الدجّال يدخل مكة أو المدينة؛ إذ لا يلزم من كون النبيّ - ﷺ - رآه في المنام بمكة أنه دخلها حقيقةً، ولو سُلّم أنه رآه في زمانه - ﷺ - بمكة، فلا يلزم أن يدخلها بعد ذلك إذا خرج في آخر الزمان.
قال: وقد استُدِلّ على أن ابن صيّاد ليس هو الدجّال بكونه سكن المدينة، ومع ذلك، فكان عمر وجابر - ﵄ - يحلفان على أنه الدجّال، كما سيأتي. انتهى (^٣).
(فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ﵇، واختَلَف العلماءُ في سبب تسمية عيسى ﵇ مَسِيحًا، قال الواحديّ: ذهب أبو عبيد والليث إلى أن أصله بالعبرانية مَشِيحا، فعربته العرب وغَيَّرت لفظه، كما قالوا: موسى، وأصله موشى أو ميشا بالعبرانية، فلما عَرّبوه غَيّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له، قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنه مشتقّ، وكذا قال غيره: إنه مشتقّ على قول
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٧٦٠.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٢٦ - ٧٢٧.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٣٧٠ "كتاب اللباس" رقم (٥٩٠٣).
[ ٤ / ٥٩٣ ]
الجمهور، ثم اختَلَفَ هؤلاء، فحُكِي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: لأنه لم يَمْسَحْ ذا عَاهَةٍ إلا بَرِئَ، وقال إبراهيم وابن الأعرابيّ: المسيح الصّدّيق، وقيل: لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض، أي: قطعها، وقيل: لأنه خَرَج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأنه مُسِح بالبركة حين وُلد، وقيل: لأن الله تعالى مَسَحَهُ، أي: خلقه خَلْقًا حَسَنًا، وقيل غير ذلك والله أعلم.
(ثُمَّ إِذَا أَنَا (^١) بِرَجُلٍ، جَعْدٍ) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، قال الهروي: "الجَعْدُ" في صفات الرجال يكون مدحًا ويكون ذَمًّا، فإذا كان ذمًّا، فله معنيان: أحدهما: القصير المترَدِّد، والآخر: البخيل، يقال: رجل جَعْدُ اليدين، وجَعْدُ الأصابع، أي: بَخِيل، وإذا كان مدحًا، فله أيضًا معنيان: أحدهما أن يكون معناه شديد الخلق، والآخر يكون شَعْرُه جَعْدًا غير سَبِطٍ، فيكون مدحًا؛ لأن السُّبُوطة أكثرها في شعور العجم، قال القاضي: وقال غير الهَرَويّ: الجعد في صفة الدجال ذَمٌّ، وفي صفة عيسى ﵇ مَدْحٌ. انتهى.
(قَطَطٍ) بفتح القاف والطاء، هذا هو المشهور، قال القاضي عياض ﵀: رويناه بفتح الطاء الأولى وبكسرها، قال: وهو شديد الجُعُودة.
(أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) رُوي بالهمز، وبغير الهمز، فمن همز معناه: ذَهَبَ ضوؤها، ومن لم يهمز معناه: ناتئة بارزة، ثم إنه جاء هنا "أعور العين اليمنى"، وجاء في رواية أخرى "أعور العين اليسرى"، وقد ذكرهما جميعًا مسلم في آخر الكتاب، وكلاهما صحيح.
قال القاضي عياض ﵀: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العِنَب من بين أخواتها، قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة، وليست جَحْراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهو يصحح رواية الهمز.
قال الحافظ: والحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديثُ عبادة بن
_________________
(١) وفي نسخة: "فإذا أنا".
[ ٤ / ٥٩٤ ]
الصامت، ولفظه: "رجلٌ قصيرٌ أفحج" بفاء ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم جيم من الفَحَج (^١)، وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين، وقيل: تداني صدور القدمين، مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج، وفي الحديث المذكور: "جَعْدٌ أعور مطموس العين، ليست بناتئة" - بنون ومثناة -، ولا جَحْراء - بفتح الجيم، وسكون المهملة، ممدودًا - أي: عميقة، وبتقديم الحاء، أي: ليست مُتَصَلِّبةً.
وفي حديث عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - "ممسوح العين"، وفي حديث سمرة - ﵁ - مثله، وكلاهما عند الطبرانيّ، ولكن في حديثهما: "أعور العين اليسرى"، ومثله لمسلم من حديث حُذيفة، وهذا بخلاف قوله في حديث الباب: "أعور العين اليمنى"، وقد اتّفقا عليه من حديث ابن عمر - ﵄ -، فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما القاضي عياض، فقال: تُصَحَّح الروايتان معًا، بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي: التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نُخَاعة هي الطافية بلا همز، وهي العين اليسرى، كما جاء في الرواية الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء، أي: معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة، فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها، حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها. انتهى. قال النوويّ: هو في نهاية الحسن.
وقال القرطبيّ (^٢) في "المفهم": حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بأصل خلقها معيبة، لكن يُبْعِد هذا التأويلَ أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وُصِفَت به الأخرى من العور، فتأمّله.
وأجاب صاحبه القرطبيّ (^٣) في "التذكرة" بأن الذي تأوله القاضي صحيح،
_________________
(١) بفتحتين.
(٢) هو أبو العباس القرطبيّ، صاحب "المفهم".
(٣) هو أبو عبد الله القرطبيّ، صاحب "جامع الأحكام" في التفسير، وهو تلميذ للأول.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
فإن المطموسة، وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء، هي التي فَقَدت الإدراك، والأخرى وُصِفت بأن عليها ظُفْرة (^١) غليظة، وهي جِلْدة تُغَشِّي العينَ، وإذا لم تُقْطَع عَمِيت العين، وعلى هذا فالعور فيهما؛ لأن الظُّفْرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضًا، فيكون الدجال أعمى أو قريبًا منه، إلا أنه جاء ذكر الظُفْرة في العين اليمنى في حديث سفينة، وجاء في العين الشمال في حديث سمرة، فالله أعلم.
قال الحافظ: وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله: إن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وُصِفت الأخرى، ثم قال في "التذكرة": يَحْتَمِل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظُفْرة، فإن في حديث حُذيفة أنه ممسوح العين، عليها ظُفْرة غليظة، قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظُفْرة، فالتي ليست كذلك أولى، قال: وقد فُسِّرت الظفرة بأنها لَحْمَة كالعَلَقة.
ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد: "وعينه اليمنى عوراء جاحظةٌ، لا تخفى كأنها نُخاعة في حائط مُجَصَّص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دُرّيّ"، فوَصَف عيثيه معًا، ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه: "أعور ذو حَدَقة جاحظة لا تخفى، كأنها كوكب دُرّيّ"، ولعلها أبين؛ لأن المراد بوصفها بالكوكب شدّة اتّقادها، وهذا بخلاف وصفها بالطمس، ووقع في حديث أُبَيّ بن كعب عند أحمد والطبرانيّ: "إحدى عينيه كأنها زُجاجة خضراء"، وهو يوافق وصفها بالكوكب، ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبرانيّ: "أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظُفْرة غليظة".
قال الحافظ ﵀: والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في "طافية" أنه بغير همز، فإنها قُيِّدت في رواية الباب بأنها اليمنى، وصَرَّح في حديث عبد الله بن مُغَفَّل وسَمُرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة الممسوحة، والعجب ممن يُجَوِّز رواية الهمز في "طافية" وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر.
وأما "الظُّفْرة"، فجائز أن تكون في كلا عينيه؛ لأنه لا يُضَادّ الطمس ولا
_________________
(١) في "القاموس": الظُفْرة - أي بالضمّ -: جُلَيدة تُغَشِّي العين، كالظَّفَرة محركة. اهـ.
[ ٤ / ٥٩٦ ]
النتوء، وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة، والمعيبةُ مع بقاء ضوئها هي البارزة، وتشبيهها بالنُّخَاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة، وأما تشبيهها بالزجاجة الخضراء، وبالكوكب الدريّ فلا ينافي ذلك، فإن كثيرًا ممن يَحْدُث له في عينه النتوء يبقى معه الإدراك، فيكون الدجال من هذا القبيل، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاوي ﵀: الظُّفْرة لَحْمة تَنْبُت عند المَاق، وقيل: جِلْدة تخرج في العين، من الجانب الذي يلي الأنف، ولا يُمنع أن تكون في العين السالمة، بحيث لا تواري الحدَقَة بأسرها، بل تكون على حدتها. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ) قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائل معيّنًا (هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ") قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، والأعور يُسَمَّى مَسِيحًا، وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه، وقيل غير ذلك.
قال القاضي ﵀: ولا خلاف عند أحد من الرواة في اسم عيسى ﵇ أنه بفتح الميم، وكسر السين، مخففةً، واختُلِف في الدجال، فأكثرهم يقوله مثله، ولا فرق بينهما في اللفظ، ولكن عيسى ﵇ مَسِيحُ هُدًى، والدجال مَسِيحُ ضلالة، ورواه بعض الرواة مِسِّيح، بكسر الميم والسين المشدَّدة، وقاله غير واحد كذلك إلا أنه بالخاء المعجمة، وقاله بعضهم بكسر الميم، وتخفيف السين، والله أعلم.
وأما تسميته بالدجَّال، فقال القاضي: قال ثعلب: لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها، يقال منه: دَجَلَ، وهذا مثل أحد التأويلات في تسميته مَسِيحًا، وقيل: بل لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجل: إذا مَوّه، وقيل: كلُّ كذّاب دجَّال، وهو من هذا المعنى أو قريب منه. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٢٠.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٢ و٤٣٣ و٤٣٤] (١٦٩)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤٤٠ و٣٤٤١)، "اللباس" (٥٩٠٢)، و"التعبير" (٦٩٩٩ و٧٠٢٦ و٧١٢٨)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٣ - ١٢٢ - ١٢٦ - ١٤٤ - ١٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٥ و٣٨٦ و٣٨٧ و٣٨٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٨ و٤٢٩ و٤٣٠ و٤٣١)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٣١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٣٠ و٧٣٣ و٧٣٤ و٧٣٥ و٧٣٦ و٧٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما منّ الله تعالى على النبيّ - ﷺ -، حيث أراه ما كان غيبًا، من صفات كلّ من عيسى - ﷺ - والدجال اللعين.
٢ - (ومنها): أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، فهو كاليقظة، ولذلك أقدم إبراهيم ﵇ على ذبح ولده به، كما قال ﷿: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدّة الاهتمام بتعليم أمته ما ينفعها أو يضرّها، حتى تأخذ بأسباب كلّ منهما، وتستعدّ له قبل وقوعه.
٤ - (ومنها): تسمية كلّ من عيسى ﵇ والدجال بالمسيح، إلا أنه عيسى مسيح البركة، والدجال مسيح اللعنة.
٥ - (ومنها): ما قال ابن العربي ﵀: في اختلاف صفات الدجال بما ذُكِر من النقص بيان أنه لا يَدْفَع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه.
٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: قد يحتجّ بهذا الحديث من يُجيز الطواف على الدابّة، وللمحمول بغير عذر؛ لما ذُكر من طواف موسى ﵇ على مناكب رجلين، ومالك لا يُجيزه إلا لعذر، وجوابه عن طواف النبيّ - ﷺ -
[ ٤ / ٥٩٨ ]
على الراحلة أن ذلك كان لعذر، ففي كتاب أبي داود أنه - ﷺ - ورد مكة وهو يشتكي … وساق الحديث، وقد يقال: لأنه كان يُعلّم الناس أمور حجّهم، فركب ليظهر لجميعهم، ولا يخفى عمله عليهم، كما أراهم صلاته على المنبر؛ لئلا يخفى على جميعهم، وقوله - ﷺ -: "لتأخذوا عني مناسككم"، أخرجه مسلم، وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، أخرجه البخاريّ.
قال: ويُجاب عنه في قصّة عيسى ﵇ بأنها منام، كما روي، أو محتملة للمنام، أو أنه ليس في الواجب، أو لعلّه لعذر، أو لأن شرع من قبلنا غير لازم لنا. انتهى كلام القاضي ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بصحّة الطواف راكبًا لعذر أو لغيره هو الحقّ؛ لفعل النبيّ - ﷺ - ذلك، مع قوله: "لتأخذوا عني مناسككم"، وهو مذهب الشافعيّ والمشهور من مذهب أحمد، وأما حديث أبي داود عن ابن عباس - ﵄ -: "قَدِم رسول الله - ﷺ - مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته … "، فضعيف؛ لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه من"كتاب الحجّ" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا، بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى (^٢) مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْه، رَجِلُ الشَّعْر، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، وَهُوَ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩.
(٢) وفي نسخة: "كأحسن يُرَى".
[ ٤ / ٥٩٩ ]
بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) (^١) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المُسَيَّب بن أبي السائب بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ المُسَيَّبيّ، أبو عبد الله المدنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، وعبد الله بن نافع الصائغ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن فُليح بن سليمان، ومَعْن بن عيسى، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعثمان بن خُرَّزاد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا، وغيرهم.
قال صالح بن محمد: سمعت مُصْعَبًا الزبيريّ يقول: لا أعلم في قريش أفضل من المسيبيّ، قال صالح: وهو ثقةٌ، وقال ابن قانع وإبراهيم بن إسحاق الصَّوّاف: ثقةٌ، وقال عبد الله بن الصَّقْر السُّكَّريّ: ثنا محمد بن إسحاق المسيبيّ الشيخ الصالح.
قال البخاريّ وغيره: مات سنة ست وثلاثين ومائتين، زاد البغويّ: في ربيع الأول.
تفرّد به المصنف وأبو داود، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث (^٢) فقط، هذا (١٦٩)، و(٥٥٩): "إذا وُضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة … "، و(٧٨٩): "إنما مَثَل صاحب القرآن كمثل الإبل … "، و(١٢٥٩): "ينزل بذي
_________________
(١) بفتح الياء منسوب إلى جدّه.
(٢) وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم ثمانية أحاديث. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٠٣.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
طوى … "، و(١٢٦٠): "استقبل فُرضتي الجبل … "، و(١٢٥٧): "أناخ بالبطحاء … "، و(٢٠٩١): "إني كنت ألبس هذا الخاتم … "، و(٢٧٤٣): "بينما ثلاثة نفر يتمشون … "، و(٢٨٦٢): "يوم يقوم الناس لرب العالمين … ".
٢ - (أنسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرَة، وقيل: جُعْدُبة، وقيل: عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضَمْرة المدنيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن شريك بن أبي نَمِر، وأبي حازم، وربيعة، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، وصالح بن كيسان، وصفوان بن سليم، وابن جريج، والأوزاعيّ، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن وهب، وبَقِيَّة بن الوليد، وماتا قبله، والشافعيّ، والقعنبيّ، ودُحَيم، وعلي ابن المديني، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن المنذر، والحميديّ، وابن نُمير، ومحمد بن إسحاق المُسيَّبيّ، وبونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بَكّار، وخلقٌ، وآخرهم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عنه: صُويلحٌ، وقال أبو زرعة والنسائيّ: لا بأس به، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه، وَحَكَى ابن شاهين في "الثقات" من طريق يوسف بن عديّ، ثنا إسماعيل بن رُشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أبو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه، ويقول: فيه الخيرُ، وإنه وإنه، وقد سَمِع وكَتَب، وقال الآجريّ، عن أبي داود، عن أحمد بن صالح قال: ذُكِر أبو ضمرة عند مالك، فقال: لم أرَ عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كُتُبه إلى هؤلاء العراقيين، قال أبو داود: وحدثنا محمود، ثنا مروان، وذَكَر أبا ضمرة، فقال: كانت فيه غفلة الشاميين، ووَثَّقه، ولكنه كان يَعْرِض كُتبه على الناس، قال أبو داود: وسمعت الأشجّ يقول: سألت أبا ضمرة عن شيء، فقال: كلُّ شيء في هذا البيت عَرْض، يعني: أحاديثه، وقال ابن حبان في الثقات: مَن زَعَم أنه أخو يزيد بن عياض بن جُعْدبة، فقد وَهِمَ، نَعَم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة.
[ ٤ / ٦٠١ ]
قال دُحَيم: سمعته يقول: وُلِدتُ سنة (١٠٤)، وقال البخاريّ، عن عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة مائتين، وقال ابن منجويه: سنة (١٨٠)، وكذا قال ابن حبان في الثقات، وهو وَهَمٌ، والصحيح سنة مائتين؛ لأن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ممن سمع منه، ومولده بعد سنة ثمانين ومائة (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأسديّ، مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص، زوج الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥].
أدرك ابن عمر وغيره، ورَوَى عن أم خالد، ولها صحبة، وجدّه لأمه أبي حَبِيبة مولى الزبير، وحمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، وسالم أبي الغيث، والأعرج، ونافع بن جبير بن مُطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوى عنه ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وبكير بن الأشجّ وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر، ووهيب بن خالد، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وابن جريج، والدَّراورديّ، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقةٌ ثبتًا كثير الحديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث. وقال إبراهيم بن المنذر عن مَعْن بن عيسى: كان مالك يقول: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وفي رواية: فإنه رجل ثقةٌ، طلبها على كِبَر السن، ولم يُكَثِّر كما كَثَّر غيره. وفي رواية: من كان في كتاب موسى قد شَهِد بدرًا فقد شهدها، ومن لم يكن فيه فلم يشهدها. وقال إبراهيم بن المنذر أيضًا عن محمد بن طلحة بن الطويل قال: ولم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه، قال: كان شُرَحبيل أبو سَعْد عالمًا بالمغازي، فاتهموه أنه يُدخِل فيهم من لم يَشهَد بدرًا، وفيمن قُتلْ يوم أحد من لم يكن منهم، وكان قد
_________________
(١) راجع: "تهذيب الكمال" ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٣، و"تهذيب التهذيب" ١/ ١٩٠.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
احتاج فسقط عند الناس، فسَمِع بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترأوا على هذا، فَدَبّ على كِبَر السنّ، وقَيَّد من شهد بدرًا وأُحُدًا، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكَتَب ذلك. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان ابن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال الدُّوري وغير واحد عن ابن معين، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال المفضل الغَلّابي عن ابن معين: ثقة، كانوا يقولون: في روايته عن نافع شيء. قال: وسمعت ابن معين يضعفه بعض شيء. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس موسى بن عقبة في نافع مثل مالك وعبيد الله بن عمر. وقال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد، بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ - وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين، وكان موسى يُفتي. وقال مصعب الزبيري: كان لهم هيئة وعلم. وقال الدوري عن ابن معين: أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وكان موسى أكثرهم حديثًا. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى أنه قال: لم أُدرك أحدًا يقول: قال النبي - ﷺ - إلا أم خالد. قال: وقال مَخْلَد بن الحسين: سمعت موسى بن عقبة، وقيل له: رأيت أحدًا من الصحابة؟ قال: حججت وابنَ عمر بمكة، عام حج نَجْدَة الحَرُوريّ، ورأيت سهل بن سعد متخطيًا عليّ، فتوكأ على المنبر فسارّ الإمامَ بشيء. وقال إبراهيم بن طهمان: ثنا موسى بن عقبة، وكان من الثقات.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، وقيل: سنة خمس. وقال عمرو بن عليّ عن يحيى القطان: مات قبل أن نَدْخُل المدينة بسنة، سنةَ إحدى وأربعين ومائة، وفيها أرّخه جماعة. وقال نوح بن حبيب: مات سنة اثنتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون الهاء، وفتح النون، بلفظ التثنية؛ أي: جالسًا في وسط الناس، والمراد أنه جلس بينهم مستظهِرًا لا مستخفيًا، وزيدت فيه الألف والنون تأكيدًا، أو معناه أن ظهرًا منهم
[ ٤ / ٦٠٣ ]
قدّامه وظهرًا خلفه، وأنهم أحفّوا به من جانبيه، فهذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمل في الإقامة بين قوم مطلقًا، ولهذا زعم بعضهم أن لفظة "ظهراني" في هذا الموضع زائدة (^١).
وقوله: (إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ … إلخ) معناه: أن الله تعالى مُنَزَّه عن سِمَات الحَدَث، وعن جميع النقائص، وأن الدجّال مخلوق من خلق الله تعالى، ناقص الصورة، فينبغي لكم أن تعلموا هذا، وتُعَلِّموه الناس؛ لئلا يَغْتَرَّ بالدجال مَن يَرَى تخييلاته وما معه من الفتنة (^٢).
وقوله: (أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى) قال النوويّ ﵀: هو عند النحويين من الكوفيين على ظاهره، من الإضافة، وعند البصريين يُقَدَّر فيه محذوف كما يُقَدَّر في نظائره، فالتقدير: أعور عين صفحة وجهه اليمنى. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما منع البصريّون من هذه الإضافة؛ لأنه يلزم فيها إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن "اليُمنى" صفة لـ "عين"، والصفة والموصوف كشيء واحد، وفائدة الإضافة تعريف المضاف بالمضاف إليه أو تخصيصه، ولا يتعرّف الشيء ولا يتخصّص بنفسه، وأما ما ظاهره إضافة الموصوف إلى صفته، كـ "حِبّة الحَمقاء"، و"صلاة الأولى"، وكهذا المثال، فيؤول على حذف مضاف إليه موصوف بتلك الصفة، فيقال: حِبة البَقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، وكذا عين الجهة اليمنى، كما مرّ آنفًا، وأجازه الكوفيون دون تقدير، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
وقوله: (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ) قال القرطبيّ ﵀: بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه: أنها ممتلئة، قد طَفَت وبَرَزَت، وقد رُوي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها، وتقبّضت، ويؤيّد هذه الرواية قوله في أخرى: إنه ممسوح العين، وإنها ليست جحْراء ولا ناتئة، وإنها مطموسة،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٠ "كتاب الأنبياء" رقم (٣٤٤٧).
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٣٦.
[ ٤ / ٦٠٤ ]
وهذه صفة حبة العِنَب إذا طفت وزال ماؤها، وبهذا فسّره عيسى بن دينار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وقوله: (رَجِلُ الشَّعْرِ) بفتح الراء وكسر الجيم؛ أي: قد سَرّح شعره ودهنه.
وقوله: (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) قال القرطبيّ: يعني أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف (^٢).
وقال في "الفتح": يحتمل أن يريد أنه يقطر من الماء الذي سرح به شعره، أو أن المراد الاستنارة، وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة (^٣).
وقوله: (جَعْدًا) بفح الجيم، وسكون العين المهملة: ضدّ السّبِط، يقال: جَعِد الشعرُ - بضمّ العين وكسرها - جُعُودةً: إذا كان فيه التواءٌ وتقبُّضٌ، فهو جَعْدٌ، وذلك خلاف المسترسِل، قاله الفيّوميّ (^٤).
وقوله: (قَطَطًا) بفتح القاف، والطاء المهملة، بعدها مثلها، هذا هو المشهور، وقد تكسر الطاء الأولى، والمراد به شدّة جعودة الشعر، ويُطلق في وصف الرجل، ويُراد به الذمّ، يقال: جَعْدُ اليدين، وجعد الأصابع؛ أي: بخيل، ويُطلق على القصير أيضًا، وتقدّم تمام البحث فيه.
وقوله: (كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ) قال النوويّ ﵀: ضبطنا "رأيتَ" بضمّ التاء وفتحها، وهما ظاهران، وفي الرواية الآتية: "أقرب الناس به شبَهًا ابن قطن"، وفي رواية البخاريّ: "وأقرب الناس به شبَهًا ابن قطن"، قال الزهريّ: رجل من خزاعة، هلك في الجاهليّة. انتهى.
و"ابن قَطَن" بفتح القاف، والطاء المهملة، قال في "الفتح": اسمه: عبد العزّى بن قَطَن بن عمرو بن جُندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطَلِق، وأمه هالة بنت خُويلد، أفاده الدمياطيّ، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله، هل يضرّني شبهه؟ قال: "لا، أنت مسلم وهو كافر"، حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبّه به - ﷺ -
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٩٩.
(٢) "المفهم" ١/ ٤٠٠.
(٣) "الفتح" ٦/ ٥٦٠.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ١٠٢.
[ ٤ / ٦٠٥ ]
أكثم هو عمرو بن لُحيّ جدّ خُزاعة لا الدجّال، كذلك أخرجه أحمد وغيره (^١).
وقوله: (يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) فيه دلالة على أن قوله - ﷺ -: "إن الدجّال لا يدخل المدينة ولا مكّة" أي: في زمن خروجه، ولم يُرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي. انتهى (^٢).
وتمام شرح المسائل المتعلّقة به قد سبقت في الذي قبله، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلًا آدَمَ، سَبِطَ الرَّأْس، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْن، يَسْكُبُ رَأْسُهُ، أَوْ يَقْطُرُ رَأسُهُ فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، لَا نَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ، وَرَأَيْتُ (^٣) وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْس، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان، اسم أبيه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٣.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٦٣.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٦٣.
(٣) وفي نسخة: "قال: ورأيتُ".
[ ٤ / ٦٠٦ ]
٤ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القُرشيّ العَدويّ، أبو عمر، أو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّصْت، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
وقوله: (سَبِطَ الرَّأْسِ) بفتح الباء، وكسرها، ويجوز إسكانها مع كسر السين وفتحها تخفيفًا: وهو الشعر المسترسل، ليس فيه تكسّر، وتقدّم الكلام فيه مستوفًى.
وقوله: (يَسْكُبُ رَأْسُهُ) بضم الكاف، يقال: سَكَبَ الماءُ سَكْبًا، وسُكُوبًا: انصبّ، وسكبه غيرُه، يتعدّى ولا يتعدّى، قاله الفيّوميّ (^١).
وقوله: (أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ) "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"يقطر" من باب نصر، بمعنى يسكب.
وقوله: (وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا) استُشْكِل كونُ الدجال يطوف بالبيت، وكونه يتلو عيسى ابن مريم ﵇، وقد ثبت أنه إذا رآه يَذُوب.
وأُجيب عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا لكن فيها ما يقبل التعبير.
وقال عياض: لا إشكال في طواف عيسى بالبيت، وأما الدجال فلم يَقَع في رواية مالك أنه طاف، وهي أثبت ممن روى طوافه.
وتُعُقِّب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود؛ لأن سكوت مالك عن نافع، عن ذكر الطواف لا يَرُدّ رواية الزهريّ عن سالم، وسواء ثبت أنه طاف أم لم يطف، فرؤيته إياه بمكة مشكلة، مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد انفصل عنه القاضي عياض بأن منعه من دخولها إنما هو عند خروجه في آخر الزمان.
قال الحافظ ﵀: ويؤيّده ما دار بين أبي سعيد، وبين ابن صيّاد فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صيّاد قال له: ألم يقل النبيّ - ﷺ -: "إنه لا يدخل مكة ولا المدينة"؟ وقد خرجت من المدينة أريد مكة، فتأوّله من جزم بأن ابن صيّاد هو الدجّال على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى ﵇. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المصباح" ١/ ٢٨١.
(٢) "الفتح" ١٣/ ١٠٦ "كتاب الفتن" رقم (٧١٣٠ - ٧١٣١).
[ ٤ / ٦٠٧ ]
وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٥] (١٧١) - (حَدَّثَنى (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا (^٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي (^٣) أَطُوفُ بالْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُل آدَمُ، سَبِطُ الشَّعْر، بَيْنَ رَجُلَيْن، يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ (^٤)، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْس، أَعْوَرُ الْعَيْن، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث وقع في معظم النسخ بعد الحديث التالي، والصواب أن محلّه هنا، كما لا يخفى على من نظر فيه، وهو الذي وقع في شرح الأبيّ والسنوسيّ، فتنبّه.
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدّموا في الباب الماضي، وسالم وأبوه ذُكرا في الحديث الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) بضمّ الطاء، وفتحها، أي: يقطُرُ وَيَسيل (^٥)، وقال المجد ﵀: نَطَفَ الماء، كنَصَرَ، وضَرَب: نَطْفًا، وتَنْطَافًا بفتحهما، ونِطَافَانًا، ونِطَافَةً بالكسر: سال. انتهى (^٦).
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٣) وفي نسخة: "إذ رأيتني".
(٤) وفي نسخة: "التَفَتُّ".
(٥) " شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧.
(٦) "القاموس المحيط" ص ٧٧١.
[ ٤ / ٦٠٨ ]
وقوله: (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"يُهَرَاق" بضمّ الياء، وفتح الهاء؛ أي: ينصبّ (^١).
وقال المجد ﵀: هَرَاقَ الماءَ يُهَرِيقه بفتح الهاء، هِرَاقَةً بالكسر، وأَهْرَقَهُ يُهْرِيقهُ إِهْرَاقًا، وأَهْرَاقَهُ يُهْرِيقه إهْرِيَاقًا، فهو مَهَرِيق، وذاكَ مُهَرَاقٌ، ومُهْرَاقٌ: صَبَّهُ، وأصله: أراقه يُرِيقه إِراقَةً، وأصل أراقَ: أَرْيَقَ، وأصلُ: يُرِيقُ يُرْيِقُ، وأصلُ يُرْيِقُ: يُؤَريقُ، وقالوا: أُهَرِيقُهُ، ولم يقولوا: أُأَرِيقه؛ لاستثقال الهمزتين، وزِنَةُ يُهَرِيقُ بفتح الهاء يُهَفْعِلُ، ومُهَرَاقٌ بالتحريك مُهَفْعَل، وأما يُهْرِيق ومُهْرَاقٌ بتسكين هائهما، فلا يُمكن أن يُنطق بهما؛ لأن الهاء والفاء جميعًا ساكنان. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: راقَ الماءُ والدمُ وغيره ريقًا، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعلُ مُريقٌ، والمفعولُ مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ وِزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتَح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَحْرِجه، وتُفتَح من الفاعل والمفعول أيضًا فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ: هَرْيِقْ وِزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكنُ الهاءِ تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، كأنّ الهمزة زِيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يَصِير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، و"دَعَا بِذَنُوب فأُهْرِقَ" ساكنُ الهاء، وفي "التهذيب": من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يَجْعَل الهاء كأنها أصلٌ، ويقول: هرقته هَرْقًا، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: "إن امرأة كانت لهَرَاق الدماءَ"، بالبناء للمفعول، و"الدماءَ" نُصِبَ على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصلُ تُهْرَاقُ دماؤُها، لكن جُعِلت الألف واللام بدلًا عن الإضافة،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٨٣٦ - ٨٣٧.
[ ٤ / ٦٠٩ ]
كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [الآية [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نِكَاحِها. انتهى (^١).
وقوله: (ثم ذهبتُ ألْتَفِتُ) وفي بعض النسخ: "التَفَتُّ" بصيغة الماضي.
وقوله: (جَسِيم) أي: سمين عظيم الجسم، وأما ما جاء في وصف موسى ﵇ بأنه جسيم سبط، فإنه يرجع إلى الطول، كما قال الشاعر [من الطويل]:
وَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ البَنَانِ كَأَنَّمَا … عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجَالِ لِوَاءُ (^٢)
ولا يُفسّر هذا بسمين؛ لأنه يخالف وصفه في الحديث الآخر بأنه ضَرْب من الرجال.
وتمام شرح الحديث والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل ثلاثة أحاديث، فراجعها تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٦] (١٧٠) - (حَدَّثَنَا (^٣) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبيِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْني قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الْحِجْر، فَجَلَا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِه، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأما قُتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، والزهريّ، فتقدّموا في الباب الماضي، وأما عُقَيل بن خالد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وجابر بن عبد الله - ﵄ -، فتقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٨.
(٢) راجع: "شرح الأبيّ" ١/ ٣٢٤.
(٣) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ٤ / ٦١٠ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، وفي رواية البخاريّ: "سمعت جابر بن عبد الله"، فقال في "الفتح": كذا في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم - يعني: الرواية التالية - وهو محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين؛ لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادةً ليست في رواية الزهريّ. انتهى (^١).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) وفي نسخة، وهي رواية للبخاريّ: "لَمّا كذّبني قريش"، وكلاهما جائز؛ فالتأنيث باعتبار "قريش" اسم قبيلة، والتذكير باعتباره اسم حيّ.
و"قُرَيشٌ": هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قُريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهيليّ وغيره، والثاني هو الأصح، والأول قول الجمهور، وإلى هذا أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ ﵀ في ألفيّة السيرة حيث قال:
أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُون النَّضْرُ
قال الفيّوميّ ﵀: وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريش، وقيل: قريشٌ دابّة تسكُن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ … ـرَ بِهَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
ويُنسَبُ إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشِيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُرَيْشِيٌ. انتهى (^٢).
وقال المجد ﵀: سُمّوا قُريشًا؛ لتجمّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي: شديدٌ،
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٣٩ "كتاب المناقب" رقم (٣٨٨٦).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٧.
[ ٤ / ٦١١ ]
أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفتّشون الحَاجَ (^١) فيسدّون خلّتها، أو سُمّيت بمصغر القِرْش، وهي دابّة بحريّة، تخافها دوابّ البحر كلّها، أو سُمّيت بقُريش بن مخلد بن غالب بن فِهْر، وكان صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِير قُريش، وخرجت عِيرُ قريش، والنسبة إليها قُرَشيّ، وقُرَيشيّ انتهى (^٢).
وقوله: "لَمّا كذّبتني قريش … إلخ" قد وقع بيان ذلك في طرق أخرى، فرَوَى البيهقيّ في "لدلائل" من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: "افْتَتَنَ ناس كثير - يعني: عقب الإسراء - فجاء ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتُصَدِّقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة، ثم رَجَع إلى مكة؟ قال: نعم إني أُصدِّقه بأبعد من ذلك، أُصَدِّقه بخبر السماء، قال: فسُمِّي بذلك "الصدِّيقَ"، قال: سمعت جابرًا يقول … "، فذكر الحديث.
وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد والبزَّار، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَمّا كان ليلة أُسري بي، وأصبحتُ بمكة، مَرّ بي عدوُّ الله أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟ قال رسول الله - ﷺ -: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فإن دعوتُ قومك أتُحَدِّثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، قال: فانفَضّت إليه المجالس، حتى جاؤوا إليهما، فقال: حَدِّث قومك بما حدثتني، فحدَّثهم، قال: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ … " الحديث.
وأخرجه النسائيّ من طريق زُرَارة بن أوفى، عن ابن عبّاس - ﵄ - مُطَوَّلًا، ولفظه: "لَمّا كان ليلة أُسري بي، ثم أصبحتُ بمكة قطعت بأمري، وعَرَفت أن الناس مُكَذِّبِيَّ، فقعدت معتزلًا حزينًا، فمرّ بي عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جَلَس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم، قال: ما هو؟
_________________
(١) "الحاج" بتخفيف الجيم جمع حاجة؛ أي فمن كان محتاجًا أغنوه. اهـ. "التاج".
(٢) "القاموس المحيط" ص ٥٤١.
[ ٤ / ٦١٢ ]
قال: إني أُسري بي الليلةَ، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فلم يرَ أن يُكَذِّبه مخافة أن يَجْحَد ما قال إن دعا قومه، قال: إن دعوتُ قومك لك تحدثهم؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هَلُمّ، قال: فانفضت إليه المجالس، فجاؤوا حتى جَلَسُوا إليهما، قال: حَدِّثْ قومك بما حدثتني، فحدثهم، قال: فمِن مُصَفِّق ومن واضع يده على رأسه متعجبًا، وفي القوم مَن سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، قال: فهل تستطيع أن تَنْعَت لنا المسجد؟ قال النبيّ - ﷺ -: فذهبت أَنْعَت لهم، قال: فما زِلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد حتى وُضع فنعتّه، وأنا أنظر إليه، قال: فقال القوم: أما النعت فقد أصاب".
وأخرج قاسم بن ثابت في "الدلائل"، فقال: "جاء ناس من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أَتى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق" (^١).
[تنبيه]: وقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء، فمن ذلك ما وقع عند النسائيّ، من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل … " الحديث، وفيه: "فرَكِبتُ ومعي جبريل، فَسِرتُ، فقال: انزل فصَلّ، ففعلتُ، فقال: أتدري أين صليت؟ صليتَ بطيبة وإليها المُهاجَرُ"، يعني بفتح الجيم.
ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار، والطبرانيّ أنه "أول ما أُسري به مَرَّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزِل فصَلّ، فنزل فصلى، فقال: صليت بيثرب"، ثم قال في روايته: "ثم قال: انزل، فصلِّ مثل الأول، قال: صليتَ بطور سيناء حيث كَلَّم الله موسى، ثم قال: انزل، فذكر مثله، قال: صليتَ ببيت لَحْم، حيث وُلد عيسى".
وقال في رواية شداد بعد قوله: "يَثْرِب": "ثم مَرَّ بأرض بيضاء، فقال:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٢٤٤ "كتاب التفسير" تفسير سورة الإسراء رقم (٤٧٠٨ - ٤٧١٠).
[ ٤ / ٦١٣ ]
انزل فصلّ، فقال: صليتَ بمدين"، وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليماني، فصلى في المسجد، وفيه أنه مَرَّ في رجوعه بعِير لقريش، فسلَّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، وفيه: أنه أعلمهم بذلك، وأن عِيرهم تَقْدَم في يوم كذا، فَقَدِمَت الظهرَ، يَقْدُمُهم الجمل الذي وَصَفه.
وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك: "ثم دخلت بيت المقدس، فجُمِع لي الأنبياء، فقَدَّمني جبريل حتى أممتهم".
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس - ﵁ - عند البيهقيّ في "الدلائل": أنه مَرَّ بشيء يدعوه، متنحيًا عن الطريق، فقال له جبريل: سِرْ، وأنه مَرّ على عجوز، فقال: ما هذه؟ فقال: لا، سِرْ، وأنه مَرّ بجماعة، فسلموا، فقال له جبريل: اردُد عليهم، وفي آخره: فقال له: الذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلّموا إبراهيم وموسى وعيسى.
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبرانيّ والبزَّار: أنه "مَرّ بقوم يزرعون ويحصدون، كلما حصدوا عاد كما كان، قال جبريل: هؤلاء المجاهدون، ومرّ بقوم تُرْضَخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضِخت عادت، قال: هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة، ومَرّ بقوم على عوراتهم رِقَاع يَسرَحون كالأنعام، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة، ومرّ بقوم يأكلون لحمًا نيئًا خبيثًا ويدعون لحمًا نضيجًا طيبًا، قال: هؤلاء الزُّناة، ومرّ برجل جَمَع حُزْمة حطب لا يستطيع حملها، ثم هو يضمّ إليها غيرها، قال: هذا الذي عنده الأمانة لا يؤديها، وهو يطلب أخرى، ومرّ بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قُرِضت عادت، قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ومرّ بثور عظيم، يَخرُج من ثُقْب صغير، يريد أن يرجع فلا يستطيع، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة، فيندم فيريد أن يردها فلا يستطيع".
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البزار والحاكم: أنه "صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أُتي هناك بأرواح الأنبياء، فأَثنوا على الله، وفيه قول إبراهيم: لقد فَضَلكم محمد".
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس - ﵁ -: "ثم بُعث له آدم فمن دونه، فأمَّهم تلك الليلة"، أخرجه الطبرانيّ.
[ ٤ / ٦١٤ ]
وعند مسلم من رواية عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "ثم حانت الصلاة فأممتهم".
وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - عند الطبراني في "الأوسط": "ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا حتى قدَّموا محمدًا"، وفيه: "ثم مرَّ بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خَرَّ، وإن جبريل قال له: هم آكلو الربا، وأنه مر بقوم مَشافرهم كالابل، يلتقمون حجرًا، فيخرج من أسافلهم، وإن جبريل قال له: هؤلاء أكلة أموال اليتامى" (^١).
(قُمْتُ فِي الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: قال الأزهريّ: هو حَطِيم مكة، كأنه حُجْرة مما يَلي المَثْعَب من البيت، وقال الجوهريّ: الحِجْرُ حِجْر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المُدَار بالبيت جانب الشمال (^٢).
(فَجَلَا اللهُ لِي) وفي نسخة: "فَجَلَّى الله"، قال النوويّ ﵀: رُوي بتشديد اللام، وتخفيفها، وهما ظاهران، ومعناه: كَشَف وأظهر. انتهى (^٣).
وقيل: معناه: كَشَفَ الحجب بيني وبينه حتى رأيته، والأصحّ أنه رُفع البيت حتى نظر إليه ونعته لهم، كما دلّت عليه رواية عبد الله بن الفضل، عن أم سلمة التالية: قال: "فسألوني عن أشياء لم أُثبتها، فكُرِبتُ كَرْبًا لم أُكْرَب مثله قط، فرَفَع الله لي بيت المقدس أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به"، وفي حديث ابن عباس: "فجيء بالمسجد، وأنا أنظر إليه حتى وُضِع عند دار عَقِيل، فَنَعَتُّهُ وأنا أنظر إليه".
وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أُحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان ﵇، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أُحضر إليه، وما ذلك على الله بعزيز.
ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد: "فَخُيِّل لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته"، قال الحافظ ﵀: فإن لم يكن مُغَيَّرًا من قوله: "فجلى"، وكان ثابتًا احتَمَلَ أن يكون المراد أنه مُثِّل قريبًا منه كما تقدم نظيره
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ١٧٠.
(٣) " شرح النوويّ" ٢/ ٢٢٧.
[ ٤ / ٦١٥ ]
في حديث: "أُريت الجنة والنار"، وتأوّل قوله: "جيء بالمسجد"؛ أي: جيء بمثاله. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما دلّ عليه ظاهر ما في الصحيح من أنه رُفع له بيت المقدس، فرآه عَلَنًا، ووصفه لهم مشاهدًا له، والله تعالى أعلم.
قال: ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار والطبرانيّ ما يؤيد الاحتمال الأوّل، ففيه: "ثم مررت بعير لقريش … " فذكر القصة: "ثم أَتيت أصحابي بمكة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟ فقال: إني أَتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر، فصِفْه لي، قال: ففُتِح لي شراكٌ، كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه".
وفي حديث أم هانئ أيضًا: "أنهم قالوا له: كم للمسجد بابًا؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليه، وأعدّها بابًا بابًا"، وفيه عند أبي يعلى: إن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عَدِيّ والد جُبير بن مطعم، وفيه من الزيادة: فقال رجل من القوم: "هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم والله قد وجدتهم قد أضلّوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه، ومررت بابل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء، قالوا: فأخبرنا عن عِدّتها وما فيها من الرُّعاة، قال: كنت عن عدتها مشغولًا، فقام، فأتى الإبل فعَدَّها وعَلِم ما فيها من الرِّعاء، ثم أتى قريشًا، فقال: هي كذا وكذا، وفيها من الرِّعاء فلان وفلان، فكان كما قال".
(بَيْتَ الْمَقْدِسِ) تقدّم بيان لغاته، واشتقاقه قريبًا (فَطَفِقْتُ) بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفَقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَبَ طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفَق، وطَفِقَ بمراده: ظَفِرَ، قاله المجد (^١)، وهي من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، وخبرها يكون فعلًا مضارعًا، ولا يُقرن بـ "أن"، كما قال في "الخلاصة":
… وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخْذْتُ وَعَلِقْ
_________________
(١) "القاموس" ص ٨١٤.
[ ٤ / ٦١٦ ]
(أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أي: علاماته، وقوله: (وَأنا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) جملة اسميّة كبرى في ضمنها صغرى في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٦] (١٧٠)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٨٨٦)، و"التفسير" (٤٧١٠)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٣٢)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥/ ٣٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٣٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٠) و(٣٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٣٢)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى نبيّه - ﷺ - بالإسراء.
٢ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ - ﷺ - حيث أخبر قريشًا بما سألته من نعت بيت المقدس، وما وقع له في الطريق من رؤيته للعير، وما وقع فيها.
٣ - (ومنها): بيان فضل الله - ﷺ - على حبيبه ﵇ حيث يسارع إلى إزالة ما يقع له من الكروب، فإن قريشًا لما سألته عن وصف بيت المقدس لم يكن له علم تفصيل لذلك حيث كان ليلًا، وفي سُويعة قليلة، فجلّى الله تعالى له ذلك البيت، حتى شاهده، وأخبرهم بأوصافه المفضلة، فضلًا من الله ونعمة، كما قال ﷿: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحقّ لمعاندة مَن يريد إخماده؛ لأنه لو عُرِج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فلما ذَكَر أنه أُسري به إلى بيت المقدس، سألوه
[ ٤ / ٦١٧ ]
عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس، كانوا رأوها، وعَلِموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صحّ خبره في ذلك، لَزِم تصديقه في بقية ما ذَكَره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن، وزيادة في شَقَاء الجاحد والمعاند. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٧] (١٧٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْل، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْر، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُني عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْني عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أَثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْه، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِه، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاء، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُل ضَرْبٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَكْتُ مِنَ الصَّلَاة، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِك صَاحِبُ النَّار، فَسَلِّمْ عَلَيْه، فَالْتَفَتُّ إِلَيْه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (حُجَيْنُ (^٢) بْنُ الْمُثَنَّى) اليَماميّ، أبو عُمير، نزيل بغداد، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٤٠ - ٢٤١ "كتاب المناقب" رقم (٣٨٨٧).
(٢) بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، آخره نون، مصغّرًا.
[ ٤ / ٦١٨ ]
رَوَى عن الليث، ومالك، وعبد العزيز الماجشون، ويعقوب القُمّيّ، ويحيى بن سابق، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، والدّوريّ، وغيرهم.
قال محمد بن رافع، وصالح بن محمد: ثقةٌ، وقال البخاريّ: كان قاضيًا على خُرَاسان، وقال أبو بكر الجارُوديّ: ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً مات ببغداد، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الكلاباذيّ: مات سنة (٢٠٥) أو بعدها (^١).
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، واسم أبي سلمة: ميمون، ويقال: دينار المَاجِشُون - بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة - أبو عبد الله، ويقال: أبو الأصبغ المدنيّ الفقيه، أحد الأعلام، مولى آل الهُدَير التيميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيه، مصنّف [٧].
رَوَى عن أبيه، وعمه يعقوب، ومحمد بن المنكدر، والزهريّ، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وحميد الطويل، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعمرو بن يحيى المازنيّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعبد الله بن الفضل الهاشمي وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وزُهير بن معاوية، وإبراهيم بن طَهمان، والليث بن سعد، وهم من أقرانه، وابن وهب، وابن مهديّ، ووكيع، وأبو عامر العَقَديّ، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو النضر، وحُجَين بن المثنى، وأحمد بن خالد الوَهْبيّ، وعبد الله بن صالح العجليّ، وعبد الله بن صالح المصريّ، وغيرهم.
_________________
(١) وقع في تاريخ وفاته غلط في "تهذيب التهذيب" فقال: (٢٥٠)، وكذا في "التقريب"، فقال: (١٨٥). وكلاهما غلط، والصواب ما هنا. راجع: "تهذيب الكمال" ٥/ ٤٨٤.
[ ٤ / ٦١٩ ]
قال إبراهيم الحربيّ: الماجشون فارسيّ، وإنما سُمِّي الماجشون؛ لأن وَجْنَتَيه كانتا حَمْرَواين، فسُمّي بالفارسية المايكون، فشُبِّه وجنتاه بالقمر، فعَرّبه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون، وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تَعَلَّق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لَقِيَ الرجلَ يقول: شوني، فلُقِّب الماجشون، وقال الحسين بن حِبّان: قيل لأبي زكريا: الماجشون هو مثل ليث وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدر والكلام، ثم تركه وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قَدِمَ بغداد كتبوا عنه، فكان بعد يقول: جعلني أهلُ بغداد مُحَدِّثًا، وكان صدوقًا، وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يَصلَح للوزارة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن مهدي، عن بِشْر بن السَّرِيّ: لم يسمع من الزهريّ، قال أحمد بن سنان: معناه أنه عَرَضَ.
وقال ابن السَّرْح، عن ابن وهب: حَجَجْتُ سنة (١٤٨) وصائحٌ يَصِيح: لا يُفتي الناس إلا مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وأهل العراق أَرْوَى عنه من أهل المدينة، وتُوُفّي ببغداد سنة (١٦٤)، وكان فقيهًا وَرِعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين، مُفَرِّعًا على أصولهم، ذابًّا عنه، وكذا قال البخاريّ، وقال أحمد بن صالح: كان نَزِهًا، صاحب سنة، وثقةً، وقال أبو بكر البزّار: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من مالك، وقال أحمد بن كامل: لعبد العزيز كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ في الأحكام، يروي عنه ذلك ابنُ وهب، وعبد الله بن صالح، وغيرهم، وقال موسى بن هارون الحمّال: كان ثَبْتًا مُتْقِنًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ) بن العبّاس بن رَبِيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس بن مالك، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، والأعرج، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم.
ورَوَى عنه مالك، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وزياد بن سعد، وأبو
[ ٤ / ٦٢٠ ]
أويس، وغيرهم، وحَدَّث عنه صالح بن كيسان والزهريّ، وهما من أقرانه.
قال حرب، عن أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: عبد الله بن الفضل ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن ابن عمر، وأنس، إن كان سَمِعَ منهما، كذا قال، وقد صَرَّح بالسماع من أنس عند البخاريّ في "سورة المنافقين"، وقال العجليّ: ثقةٌ، وكذا قال ابن البَرْقِيّ، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (^١) ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٢) و(١٤٢١): "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها … "، وأعاده بعده، و(٢٣٧٣): "لا تفضّلوا بين أنبياء الله … ".
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحُجين بن المثنّى، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وقد تقدّم ذكرهم قريبًا.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره،
_________________
(١) وله عند البخاريّ أربعة أحاديث فقط برقم ٣٤١٥ و٤٠٧٢ و٤٩٠٦ و٧٤٢٨.
[ ٤ / ٦٢١ ]
ورأس المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هكذا رواية عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد تقدّم من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ -، وسبق أن الحديث صحيح بالطريقين، على أن لأبي سلمة فيه شيخان: جابرُ وأبو هريرة - ﵄ -، كما حقّقه الحافظ في "الفتح"، فما كتبه بعض من علّق على "صحيح مسلم " هنا من أن هذا الحديث خطأ، والصواب حديث جابر - ﵁ -، فلا أدري من أين أخذه، فتنته، ولا تغترّ بكلّ من جرّ قلمه، فإن ذلك مَخْزَاةٌ ومَنْدَمَة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي، وقد تقدّم البحث في أن من خواصّ أفعال القلوب أنها تختصّ بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظننتني قائمًا"، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِقت بها في ذلك "رأى" الحُلميّة، كقوله - ﷺ - هنا: "لقد رأيتني"، وكقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ٣٦]، و"رأى" البصريّة، كقوله [من الوافر]:
وَلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي
وكذا أُلحْقِ بها "عَدِمَ"، و"وَجَد"، و"فَقَد" (فِي الْحِجْرِ) بكسر، فسكون: أي: حِجر الكعبة (وَقُرَيْشٌ تَسْأَلني) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (عَنْ مَسْرَايَ) بفتح الميم، وسكون السين المهملة، مقصورًا مصدرٌ ميميّ لـ"سَرَى"، قال المجد ﵀: السّرَى كالهُدى: سير عامّة الليل، ويُذَكَّرُ، سَرَى، يَسْرِي سُرًى، ومَسْرىً، وسَرْيَةً، ويُضَمّ، وسِرَايَةً، وأسرى، واسترى، وسَرَى به، وأسراه، وبه، و﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١] تأكيدٌ، أو معناه: سَيَّرَه. انتهى (^١).
(فَسَأَلتْني عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي: من أوصاف بيت المقدس (لَمْ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١٦٥.
[ ٤ / ٦٢٢ ]
أثبِتْهَا) أي: لم أحفظها، ولم أَضْبِطها لاشتغالي بأهمّ منها (فَكُرِبْتُ) بالبناء للمفعول (كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ) قال النوويّ ﵀: هو بضم الكافين، والضمير في "مثله " يعود على معنى الكُربة، وهو الكَرْبُ، أو الغَمّ، أو الهَمّ، أو الشيء، قال الجوهريّ: الكُربة بالضم: الغَمّ الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكَرْب، وكَرَبه الغمّ: إذا اشتدّ عليه. انتهى.
ولفظ أبي عوانة وأبي نعيم: "فُكُربتُ كَرْبًا".
(قَطُّ) بضمّ الطاء المهملة المشدَّدة، يقال: ما ذلك قَطُّ؛ أي: في الزمان الماضي (^١). (قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْه، مَا يَسْألونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْبَأتهُمْ بِه، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأنْبِيَاء، فَإِذَا) وفي نسخة: "وإذا" (مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي (قال الأبّيّ ﵀: الأظهر أنها رؤية عين، وأنها الصلاة المعهودة، ويأتي في آخر الكتاب: "مررت على موسى، وهو قائم يُصلّي في قبره". انتهى (^٢).
قال القاضي عياض ﵀: قوله: "فإذا بموسى قائم يصلّي"، وذكر مثله في عيسى ﵇، وفي آخر كتاب مسلم بعد هذا: "مررت على موسى، وهو قائم في قبره يصلّي".
فالجواب عن صلاتهم قد تقدّم في ذكر حجِّ موسى وعيسى ﵇. قال: وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء، وهي من أعمال الآخرة، ويؤكّد أحدَ التأويلات فيه، وأنه الصلاة المعهودة ما ذكر من أنه - ﷺ - أمّ الأنبياء ﵈.
وقد قال بعضهم: يَحْتَمل أن موسى ﵇ لم يمت، وأنه حيّ، فتكون صلاته حقيقة، كصلاة عيسى ﵇ بدليل قوله - ﷺ - "فأكون أنا أول من تنشقّ عنه الأرض، فإذا موسى آخذ بساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ "، متّفق عليه.
لكن يَرُدّ هذا التأويل قوله - ﷺ -: "يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر"، والقبر لا يكون إلا للميت، والحديث الوارد في قصّة وفاته، وخبره مع ملك الموت، وسيأتي آخر الكتاب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال هذا البعض بحديث الصعقة من
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٥٠٨.
(٢) "شرح الأبيّ" ١/ ٣٢٥.
[ ٤ / ٦٢٣ ]
أضعف الاستدلال، وأبعدها عن الصواب؛ لأنه لا دلالة له أصلًا على الموت المعهود؛ لأن تلك الصعقة في القيامة، فتأمله بإنصاف يظهر لك جليّ الأمر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[فإن قيل]: كيف رأى موسى ﵇ يصلي في قبره، وصلى النبيّ - ﷺ - بالأنبياء ببيت المقدس، ووَجَدَهم على مراتبهم في السموات، وسَلّموا عليه ورَحَّبُوا به؟.
[فالجواب]: أنه يَحتمل أن تكون رؤيته موسى ﵇ في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبيّ - ﷺ - إلى السماء، وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويحتمل أنه - ﷺ - رأى الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم، ثم سألوه ورَحَّبُوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى، فلا تتناقض الأحاديث، وتستمرّ على الصواب، قاله عياض ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا أجاب القاضي ﵀، وعندي أن الذي يظهر من مجموع الروايات التي سبق بيانها أن إمامة النبيّ - ﷺ - لهم كان قبل الصعود، والله تعالى أعلم.
والحاصل أن قصّة إسراء النبيّ - ﷺ - في بعض الليل إلى بيت المقدس، ثم عُرُوجه إلى السماوات العلى، ومروره على الأنبياء هناك، واستقبالهم له بالترحيب، وتردّده بين ربّه وبين موسى، ورؤيته تلك العجائب الغرائب في سويعة من الزمن خارجٌ عن تصوّرنا، ولكنه فعل الواحد القهّار، لا يُعجزه شيء، بل هو قادر على أكثر من ذلك، فنؤمن بأنه - ﷺ - رأى موسى ﵇ في قبره يصلّي، ثم صلى به وبالأنبياء الآخرين ببيت المقدس، ثم استقبلوه بالترحيب في عروجه سماءً سماءً، كلّ ذلك على ظاهره من غير تأويل، والله على كلّ شيء قدير.
(فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٣١.
[ ٤ / ٦٢٤ ]
قَائِمٌ يُصَلِّي، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِي، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ) وفي نسخة زيادة "- ﷺ -" (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) الظاهر أن المعنى دخل وقتها بدليل قوله: (فَأَمَمْتُهُمْ) أي: صِرْتُ لهم إمامًا (فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاة، قَالَ قَائِل) الظاهر أنه جبريل ﵇ (يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّار، فَسَلِّمْ عَلَيْه، فَالْتَفَتُّ إِلَيْه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ") أي: سلَّم عليّ قبل أن أُسلّم عليه تبجيلًا وتكريمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٧] (١٧٢)، و(النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١٢٨٤ و١١٤٨٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٤٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٣٣).
وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.