وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٣٨] (١٧٣) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، (ح) وحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَألْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة، إِلَيْهَا
[ ٤ / ٦٢٥ ]
يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْض، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاَتِيمَ سُورةِ الْبَقَرَة، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (^١) العَبْسيّ، الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الواو - أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٤ - (الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ) الهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو عديّ الكوفيّ، قاضي الريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وأبي وائل، ومصعب بن سعد، وكُلْثوم بن المصْطَلِق، وإبراهيم النخعيّ، وطلحة بن مُصَرّف، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهو أكبر منه، ومالك بن مغول، والثوريّ، ومِسْعَر، وعمرو بن أبي قيس، وعثمان بن زائدة، وبشر بن الحسين أحد الضعفاء، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أحمد: صالح الحديث، مقارب الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، من أصحاب إبراهيم، وكان الزبير صاحب سنة، وقال أبو داود الطيالسيّ: لا نَعْرِف للزبير بن عديّ عن أنس إلا حديثًا واحدًا، وقال اليخاريّ: ثنا أحمد بن سليمان، ثنا بشر بن
_________________
(١) اسم أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان.
[ ٤ / ٦٢٦ ]
الحسين، وفيه نظر، أن الزبير بن عديّ مات بالريّ سنة (١٣١)، وكذا أَرَّخه ابن حبّان، قال: وصلَّى عليه نُبَاتة بن حنظلة، وكان من العبّاد، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وبشرٌ متروك، رَوَى عن الزبير بواطيل، وقال الفَسَويّ: تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (١٧٣) وحديث (٥٣٥): "كنّا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب"، وأعاده بعده، و(٢٣٤٨): "قُبِض رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستّين … ".
٥ - (طَلْحَةُ) بن مصرّف بن عَمرو بن كَعْب الياميّ الكوفيّ القارئ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] (ت ١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٦ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الهَمْدانيّ - بسكون الميم - أبو إسماعيل الكوفيّ، الملقّب بمرّة الطيب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٧٦) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين الأخيرين.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الزبير، عن طلحة، عن مرّة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
٥ - (ومنها): أن الزبير بن عديّ هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت عدد ما له من الأحاديث فيه.
[ ٤ / ٦٢٧ ]
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "وألفاظهم متقاربة"، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا.
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: "عن عبد الله " مهملًا، وهو ابن مسعود - ﵁ -؛ لأن القاعدة أنه إذا أُطلق عبد الله في سند الكوفيين فهو المراد، وقد تقدّم ضابط هذه المسألة غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - أنه (قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُول اللهِ - ﷺ) - ببناء الفعل للمفعول، يقال: سريت الليلَ، وسريتُ به: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغةٌ حجازيّة، وتقدّم تمام البحث فيه (انْتُهِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير للنبيّ - ﷺ -، يقال: انْتَهَى الأمرُ: إذا بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يَبْلُغه (^١).
والجارّ والمجرور نائب عن الفاعل، وَيحتمل - لو صحّت الرواية به - أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الإسراء المفهوم من "أُسْرِيَ"، أي انتهى الإسراء به - ﷺ -، حتى وصل (إِلَى سِدْرر الْمُنْتهَى) من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، ويَحتمل أن يكون من إضافة الأعمّ إلى الأخصّ، كشجر الأراك، وعلى الأول لا بدّ من تأويله؛ لئلا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز، كما قال في "الخلاصة":
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
والتقدير: سدرة الشجر المنتهى، وفيه الحذف والإيصال، والأصل: المنتهَى إليها، وسيأتي سبب تسميتها بذلك.
(وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هكذا في حديث ابن مسعود - ﵁ - أنها في السماء السادسة، وقد تقدّم في حديث أنسّ - ﵁ - ما يدلّ على أنها في السابعة، ورجّح الأكثرون هذا، لأن رواته أكثر، وجمع المحقّقون بأن معظمها في السابعة، وقد أظلت الجنة، وبعضها في السادسة؛ لأنها في نهاية العِظَم، كما
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٦٢٩.
[ ٤ / ٦٢٨ ]
صحّت بذلك الأحاديث، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر وجه تسميتها بسدرة المنتهَى، فقال:
(إِلَيْهَا يَنْتَهِي) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (مَا يُعْرَجُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، والنائب عن الفاعل هو الجارّ والمجرور، وقوله: (مِنَ الْأَرْضِ) متعلّق بـ "يُعرج"، يعني: أنه يقف عندها كل ما يُصعد به من الأرض، من أعمال العباد والأرواح، ولا يَتَجاوزها (فَيُقْبَضُ مِنْهَا) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: تقبضه الملائكة، فتوصله إلى ما أُمرت به (وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا) ببناء الفعل للمفعول (فَيُقْبَضُ مِنْهَا) يعني: أن ما أنزل من فوق السدرة من الوحي، وغيره يقف عندها حتى تأخذه الملائكة منها، وتَنْزِل به إلى الأرض.
وحاصل المعنى: أن سدرة المنتهى غاية لوصول ما ينزل من فوقها حتى يُقبض منها، وغاية لصعود ما يُصعَد به من تحتها.
فقد تبيّن من هذا سبب تسميتها بهذا الاسم، وقيل: سُمّيت بذلك لانتهاء علم الخلق إليها، وقيل: لانتهاء أرواح الشهداء إليها، والأصحّ ما في هذا الحديث.
ثم إن ما ذُكر من وصف سدرة المنتهى بهذا الوصف، الظاهر أنه مرفوع إلى النبيّ - ﷺ -، ومال القرطبي إلى أنه موقوف على ابن مسعود - ﵁ -، ولا يخفى بُعْده، ولو سُلّم فالوقف في مثل هذا له حكم الرفع، كما هو معلوم في محلّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - كما صرّح به في رواية الترمذيّ - موضّحًا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦] الظرف متعلّق بقوله: ﴿رَآهُ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، وقوله: (قَالَ) تأكيد للأول.
(فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي: يغشاها فَرَاشٌ من ذهب، و"الفَرَاشُ" بفتح الفاء: الطير الذي يُلقي نفسه في ضوء السراج، واحدتها فَرَاشة.
كذا فسّر المبهم في قوله تعالى: ﴿مَا يَغْشَى﴾ وبالفراش، ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: أنه "جَرَادٌ من ذهب"، قال
[ ٤ / ٦٢٩ ]
البيضاويّ: وذكر الفَراش وقع على سبيل التمثيل؛ لأن شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب؛ لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها. انتهى.
وقال الحافظ: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقةً، ويَخلُق الله فيه الطيَرَان، والقدرة صالحة لذلك. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو المتعيّن، وأما ما قاله البيضاويّ فغير صحيح؛ لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على ظاهره لا يُعدَل عنه إلى غيره إلا بدليل صارف عن ظاهره، فدعوى المجاز هنا غير صحيحة، والله تعالى أعلم.
وتقدّم في رواية ثابت، عن أنس - ﵁ -: "فلمّا غشيها من أمر الله تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها"، وفي رواية حُميد، عن أنس عند أحمد نحوه، لكن قال: "تحوّلت ياقوتًا" (^٢)، وفي حديث أبي سعيد وابن عبّاس - ﵃ -: "يغشاها الملائكة"، وفي حديث أبي سعيد، عن البيهقيّ: "على كلّ ورقة منها ملك".
(قَالَ) أي: ابن مسعود - ﵁ - (فَأُعْطيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية الترمذيّ: "فأعطاه الله عندها"، أي: عند سدرة المنتهى (ثَلَاثًا) أي: ثلاث خصال، وزاد الترمذيّ: "لم يُعْطِهنّ نبيًّا كان قبله" (أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) قد تقدّم البحث المتعلّق بهذا مستوفًى (وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قيل: معناه: أُعطي إجابة دعواتها.
قال الجامع عفا الله عنه: الأَوْلى تفسيره بأن المعنى أنه أُعطي هذه الخواتيم من ذلك المحلّ الأعلى، يدلّ على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ﵀
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٥٣.
(٢) قال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده":
(٣) حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "انتهيتُ إلى السدرة، فإذا نَبِقُها مثل الجِرَار، وإذا وَرَقُها مثل آذان الفِيَلة، فلما غَشِيَها من أمر الله ما غشيها، تَحَوَّلت ياقوتًا، أو زُمُرّدًا، أو نحو ذلك".
[ ٤ / ٦٣٠ ]
في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي ذرّ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُعطيتُ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعطَهنّ نبيّ قبلي"، وأخرج أحمد أيضًا بسند حسن - كما قال الحافظ ابن كثير - عن عُقبة بن عامر الجُهَنيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أُعطيتهما من كنز تحت العرش"، إلى غير ذلك من الأحاديث (^١).
قال بعض المحقّقين: كأن المراد أنه قَرَّر له إعطاءه إياها، وأنها ستنزل عليه، وإلا فالآيتان مدنيّتان، والله تعالى أعلم.
(وَغُفِرَ) بصيغة الماضي مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: "المُقْحِماتُ"، وعبّر بالماضي؛ إشارة إلى تحقّق وقوعه، وعند النسائيّ: "ويغفر" بصيغة المضارع، ثم إن الجملة بتقدير حرف مصدريّ نائب فاعل لـ "أُعطي" مقدّرًا بدليل ما قبله، أي: وأعطي أن غُفِر، أي: غفران المقحمات، وحذف الحرف المصدريّ مع رفع الفعل جائز، وواقع في القرآن الكريم، كقوله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ومنه قولهم: "تَسْمَع بالمعَيديّ خير من أن تراه"، برفع "تسمعُ"، وأما نصبه فشاذّ كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
(لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أمّتِهِ) - ﷺ - (شَيْئًا) نكّره إشارة إلى أن الشرك لا يُغفر، قليله ككثيره (الْمُقْحِمَاتُ) بصيغة اسم الفاعل بمعنى الذنوب العظام التي تُقْحِم أصحابها، أي: تدخلهم النار.
قال النوويّ ﵀: "الْمُقْحِمَاتُ": - بضم الميم، وإسكان القاف، وكسر الحاء - ومعناه: الذنوب العظام الكبائر التي تُهْلِك أصحابها، وتوردهم النار، وتُقْحِمهم إيّاها، والتَّقَحُّمُ: الوقوع في المهالك، ومعنى الكلام: من مات من هذه الأمّة، غير مُشرِك بالله، غُفِر له المقحمات، والمراد - والله أعلم - بغفرانها أنه لا يُخَلَّد في النار، بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يُعَذَّب أصلًا،
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٤٨ - ٣٥١.
[ ٤ / ٦٣١ ]
فقد تقرَّرت نصوص الشرع، وإجماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العُصَاة من الموحدين.
وَيَحْتَمِل أن يكون المراد بهذا خُصُوصًا من الأمة، أي: يُغْفَر لبعض الأمة المُقْحِماتُ، وهذا يَظْهَر على مذهب مَن يقول: إنّ لفظة "مَنْ" لا تقتضي العموم مطلقًا، وعلى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الإخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي.
ويُمْكِن تصحيحه على المذهب المختار، وهو كونها للعموم مطلقًا؛ لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص، وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
وقال السنديّ ﵀: ولعل المراد أن الله تعالى لا يؤاخذهم بكلّها، بل لا بدّ أن يَغفر لهم بعضها، وإن شاء غفر لهم كلّها، وقيل: المراد بالغفران أن لا يُخلَّد صاحبها في النار، أو المراد: الغفران لبعض الأمة، ولعله إن كان هناك تأويلٌ فما ذَكَرتُ أقربُ، وإلا فتفويض هذا الأمر إلى علمه تعالى أولى. انتهى كلام السنديّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى هو الذي تقدّم في كلام النوويّ رحمه اللهمن حمل "مَنْ" على الخصوص؛ للأدلّة المقتضية لذلك، ففيه الجمع بين النصوص دون تعارض.
والحاصل أن المراد بالأمّة بعضهم، فيغفر الله تعالى لبعض الأمة جميع ذنوبهم، صغائرها وكبائرها الموبقات ما عدا الشرك؛ لقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، فبعض الأمة هم الذين شاء الله تعالى أن يَغفر لهم جميع ذنوبهم، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج هذا الحديث أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٣٩) من طُرُق، فوقع عنده بلفظ: "وغُفر لمن مات لا يُشرك به من أمته إلا المقحمات"، بزيادة "إلا" الاستثنائيّة، ونبّه عليه هو، والظاهر أن زيادة "إلا" غلطٌ؛ لأن رواية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ٣.
[ ٤ / ٦٣٢ ]
الأكثرين خالية منها، فليُتنبَّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٢/ ٤٣٨] (١٧٣)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٧٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٤٥١)، وفي "الكبرى" (٣١٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣٦٥٦ و٤٠٠١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٥ و٣٤٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان محلّ سدرة المنتهى، وهو أنها في السماء السادسة، وتقدّم أن أكثر الروايات أنها في السابعة، وقدّمنا أنه يُجمع بينهما بأن أصلها في السادسة.
٢ - (ومنها): بيان وصف سدرة المنتهى.
٣ - (ومنها): بيان معنى قوله ﷿: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦].
٤ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به حبيبه - ﷺ -، حيث أعطاه هذه الخصال الثلاث، وفضّله بها، ولم يُعطِها لأحد من الأنبياء غيره.
٥ - (ومنها): بيان فضل الصلوات الخمس، حيث فُرضت في المحلّ الأعلى، خلاف سائر الفرائض.
٦ - (ومنها): بيان فضل خواتيم سورة البقرة، وقد وردت أحاديث صحاح في فضلها:
[فمنها]: ما أخرجه الشيخان عن أبي مسعود البدريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه".
[ومنها]: ما أخرجه مسلم، والنسائيّ عن ابن عباس - ﵄ - قال: "بينما
[ ٤ / ٦٣٣ ]
جبريل قاعد عند النبيّ - ﷺ - سَمِعَ نَقِيضًا من فوقه، فرَفَع رأسه، فقال: هذا بابٌ من السماء فُتِح اليوم، لم يُفْتَح قطُّ إلا اليوم، فنَزَل منه ملك، فقال: هذا ملك نَزَل إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسَلَّم وقال: أَبْشِر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته".
[ومنها]: ما أخرجه الترمذيّ بإسناد حسن عن النعمان بن بشير - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله كَتَب كتابًا قبل أن يَخلُق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين خَتَم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيَقْرَبَها شيطان". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وصحّحه الحاكم على شرط مسلم.
٧ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمّة، حيث إنه يَغفر لها المقحِمات غير الشرك، وهذا فضل من الله تعالى عظيم من ربّ كريم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغفر لهم المقحِمات، ويعفو عنهم السيّئات، ويكرمهم بدخول الجنّات؛ إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الرابع من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى ليلة الأحد المبارك ١٥/ ٦/ ١٤٢٥ هـ الموافق ١/ أغسطس / ٢٠٠٤ م.
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١].
[ ٤ / ٦٣٤ ]
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الخامس مفتتحًا بـ (٨٣) - (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، وهل رأى النبيّ - ﷺ - رَبّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟) رقم الحديث [٤٣٩] (١٧٤).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
* * *
[ ٤ / ٦٣٥ ]