وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٠] (١٧٨) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّسْتَريّ - بضمّ المثنّاة، وسكون المهملة، وفتح المثنّاة، ثم راء - نزيل البصرة، أبو سعيد التميميّ مولاهم، ثقةٌ، من كبار [٧].
رَوَى عن الحسن، وابن سيرين، وابن أبي مُليكة، وعطاء، وقتادة، وأبي الزبير، وإبراهيم بن العلاء الْغَنَويّ، وعبد الله بن يسار المكيّ، وقيس بن سعد، وليث بن أبي سُليم، وأيوب، وعمرو بن دينار.
ورَوَى عنه وكيع، وبهز بن أسد، وعبد الرَّحمن بن مهديّ، وعبد الملك بن إبراهيم الْجُدّيّ، وابن المبارك، وأبو أسامة، وعبد الصمد، ويزيد بن هارون، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وحجاج بن منهال، وأبو عُمَر الْحَوْضيّ، وسهل بن بَكّار، وسليمان بن حرب، وأبو سلمة، والقعنبيّ، وعليّ بن الجعد، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: يزيد بن إبراهيم أثبت من جرير بن حازم، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين، عن يزيد بن إبراهيم، والسَّرِيّ بن يحيى أيهما أثبت؟ فقال: يزيد لا شك فيه، والسريّ ثقة، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هشام بن حسان أحبّ إليك في ابن سيرين، أو يزيد بن إبراهيم؟ فقال: ثقتان، قلت: فيزيد، أو جعفر بن حيّان؟ قال: يزيد، قال عثمان: وسمعت أبا الوليد يقول: يزيد أثبت عندنا من هشام، وقال يزيد بن زريع: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحسن أثبت
[ ٥ / ٦١ ]
من يزيد بن إبراهيم، وقال عبد الرَّحمن بن الحكم: ليس في أصحاب الحسن أثبت منه، وقال محمود بن غيلان: ذُكر يزيد بن إبراهيم عند وكيع، فقال: ثقةٌ ثقة، وقال ابن المدينيّ: ثبت في الحسن وابن سيرين، وقال يحيى بن سعيد: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذاك، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقة من أوسط أصحاب الحسن وابن سيرين، وقال زياد بن أيوب، عن سعيد بن عامر: ثنا يزيد بن إبراهيم الصدوق المسلم، وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتًا، وكان عفان يرفع أمره، وقال ابن عديّ: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كلِّ من يروي عنه، وإنما أُنكرت أحاديث رواها عن قتادة، عن أنس، وهو ممن يُكْتَب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه أيضًا أحمد بن صالح، وعمرو بن عليّ، وابن نمير، وقال علي بن أشكاب: ثنا أبو قَطَن، ثنا يزيد بن إبراهيم التُّسْتَريّ الذهب الْمُصَفَّى، وقال عثمان الدارميّ، عن أبي الوليد: ما رأيت أكيس منه، كان يُحدِّث عن الحسن، فيُغْرِب، ويحدثنا عن ابن سيرين، فيلحَنُ، يعني: أنه كان يحدِّث كما سمع.
قال الحافظ: وفرَّق أبو محمد بن حزم في "كتاب الحج" من "الْمُحَلَّى" بين يزيد بن إبراهيم التستريّ، وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستري ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيفٌ، ولا أدري من هو سلفه في جعله اثنين؟. انتهى (^١).
وقال أبو الوليد الطيالسيّ: مات سنة إحدى وستين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين، وقال ابن ابنه محمد بن سعيد بن إبراهيم: مات سنة ثلاث وستين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٨)، وحديث (٢٢٢٢): "لا عدوي، ولا غُول، ولا صفر"، و(٢٦٦٥): "إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه … ".
٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس، رأس الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ٥ / ٦٢ ]
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) العُقيليّ - بالضمّ - أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة، فيه نصْبٌ [٣].
رَوَى عن أبيه على خلاف فيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن أبي الْجَدْعاء، وعبد الله بن سُراقة، وأقرع مؤذن عمر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الكريم، ومحمد بن سيرين، وعاصم الأحول، وقتادة، وحميد الطويل، وأيوب السختياني، وبُدَيل بن مَيْسرة العقيليّ، والْجُريريّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، وقال: روى عن عمر، قال: وقالوا: كان عبد الله بن شقيق عثمانيًا، وكان ثقة في الحديث، وروى أحاديث صالحة. وقال يحيى بن سعيد: كان سليمان - التيمي سيئ الرأي في عبد الله بن شقيق. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وكان عثمانيًا، يُبغِض عليًّا. وقال ابن عدي: ما بأحاديثه بأس - إن شاء الله تعالى -، وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ، وقال الْجُرَيريّ: كان عبد الله بن شقيق مُجَاب الدعوة، كانت تمر به السحابة، فيقول: اللهم لا تَجُوز كذا وكذا حتى تُمْطِر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تُمْطر، حكاه ابن أبي خيثمة في "تاريخه".
قال الهيثم بن عديّ، ومحمد بن سعد: تُوُفي في ولاية الحجاج على العراق. وقال خليفة: مات بعد المائة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٠٨).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٤ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ المشهور - ﵁ -، تُوُفّي سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.
[ ٥ / ٦٣ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعبد الله بن شقيق، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن عبد الله بن شَقِيق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الْغِفَاريّ - ﵁ -، وفي الرواية التالية أنه قال: قلت لأبي ذرّ: لو رأيتُ رسول الله - ﷺ - لسألته، فقال: عن أيّ شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أساله: هل رأيتَ ربّك؟ … (قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ - (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ) - ﷺ - ("نُورٌ) خبر لمحذوف، أي هو نورٌ، فيه وصف الله تعالى بأنه نورٌ، وهو صفة من صفاته تعالى ثابت له بهذا الحديث وغيره، كما ثبتت له الصفات الأخرى على ما يليق بجلاله وعظمته، دون تشبيه ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - (أَنَّى أَرَاهُ") أي كيف أراه؟، و"أَنَّى" - بفتح الهمزة، وتشديد النون، مقصورًا - قال الفيّوميّ: استفهام عن الجهة، تقول: أنّى يكون هذا؟ أي: من أي وجه وطريق؟. انتهى (^١).
والاستفهام هنا إنكاريّ، بمعنى: النفي، ويحتمل أن يكون للتعجّب، والمعنى: حجابه النور، فكيف أراه؟ أي منعني النور من الرؤية.
وقال النوويّ - ﵀ -: بتنوين "نُورٌ"، وبفتح الهمزة في "أَنَّى"، وتشديد النون وفتحها، و"أَرَاه" بفتح الهمزة، هكذا رواه جميعُ الرواة في جميع الأصول والروايات، ومعناه: حجابه نورٌ، قال المازريّ - ﵀ -: الضمير عائد على الله - ﷾ -، ومعناه: أن النور مَنَعَني من الرؤية، كما جَرَت العادة بإغشاء الأنوار الأبصارَ، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٨.
[ ٥ / ٦٤ ]
وقوله - ﷺ - في الرواية التالية: "رأيت نورًا" معناه: رأيت النور، فحسبُ، ولم أر غيره. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "نورٌ أَنَّى أراه؟ " هكذا رويناه، وقيّدناه برفع "نورٌ" وتنوينه، وفتح "أَنَّى" التي بمعنى "كيف" الاستفهاميّة، ورواية من زَعَم أنه رواه: "نورانيّ" ليست بصحيحة النقل، ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف، وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى حيث قال: "رأيت نورًا"، ورفع "نورٌ" على فعل مضمر تقديره: غلبني نور، أو حجبني نور، و"أنَّى أَرَاه" استفهام على جهة الاستبعاد لغلبة النور على بصره، كما هي عادة الأنوار الساطعة، كنور الشمس، فإنه يُغشي البصر، ويحيره إذا حدّق نحوه، ولا يعارض هذا "رأيتُ نورًا"، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه، ثم غلب عليه بعدُ، فضعُف عنه بصره، ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله تعالى نورٌ، كما اعتقده هشام الجواليقيّ، وطائفة المجسّمة، ممن قال: هو نورٌ لا كالأنوار؛ لأن النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محال عقلًا ونقلًا. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله نور … إلخ" كلام باطلٌ، كيف لا يُعتقد، وقد صحّت النصوص بذلك؟ ومحاولته الردّ على من قال: نورٌ لا كالأنوار باطلٌ أيضًا، فكيف، وهو نفسه يُثبت لله تعالى ذاتًا، ويقول: لا كذوات المخلوقين، وصفات لا كصفات المخلوقين؟، فكذا قول من قال: إن الله تعالى نورٌ لا يشبه النور المخلوق، بل على ما يليق بجلاله.
والحاصل أن إثبات كون الله تعالى نورًا على الحقيقة دون تشبيه، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله - ﷾ - هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ١٢.
(٢) "المفهم" ١/ ٤٠٧.
[ ٥ / ٦٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٤/ ٤٥٠ و٤٥١] (١٧٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٨٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٧٤)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٠٥ و٢٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٨)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٧٠ و٧٧١ و٧٧٢ و٧٧٣ و٧٧٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٣ و٣٨٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٤٦ و٤٤٧).
(المسألة الثالثة): ذكر المازريّ - ﵀ - أنه رُوي: "نُورانيّ" - بفتح الراء، وكسر النون، وتشديد الياء - قال: ويَحْتَمِل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه: أي خالق النور المانع لي من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال، قال القاضي عياض - ﵀ -: هذه الرواية لَمْ تقع إلينا، ولا رأيتها في شيء من الأصول إلَّا ما حكاه أبو عبد الله المازريّ، ومن المستحيل أن تكون ذات الله تعالى نورًا؛ إذ النور من جملة الأجسام والله - ﷾ - يَجِلّ عن الاتّصاف بذلك، هذا مذهب جميع أئمة المسلمين، خلافًا لبعض المجسّمة، كهشام الْجَوَاليقيّ، ومن تبعه ممن قال: نورٌ لا كالأنوار، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وما جاء في الأحاديث من تسميته - ﷾ - بالنور: معناه: ذو نورهما، وخالقه، وقيل: هادي أهل السموات والأرض، وقيل: مُنَوِّر قلوب عباده المؤمنين، وقيل: معناه ذو البهجة والجمال، وهذا يرجع إلى المعنى الأول، أي مالكهما وربّهما، أو لنفي النقائص والْغِيَرِ والْحَوَادث. انتهى كلام القاضي (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر القاضي عياض تبعًا للمازريّ، ونقله النوويّ، وسكت عليه في شرح هذا الحديث على هذا الوجه، وفيه نظر من وجهين:
(أحدهما): أن رواية "نورانيّ" لَمْ تثبت أصلًا، كما يفيده كلام عياض، بل هي مصحّفة، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ -، فقد قال العلامة شمس الدين ابن القيّم - ﵀ -: سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول في قوله - ﷺ -: "نُورٌ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٧٥١ - ٧٥٢.
[ ٥ / ٦٦ ]
أنّى أراه": معناه: كان ثَمَّ نورٌ، أو حال دون رؤيته النور، فأَنّى أراه، قال: ويدلّ عليه أن في بعض ألفاظ "الصحيح": "هل رأيت ربّك؟ " فقال: "رأيتُ نورًا".
قال: وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتّى صحّفه بعضهم، فقال: "نورانيّ أراه" على أنَّها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأٌ لفظًا ومعني، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لَمّا اعتقدوا أن رسول الله - ﷺ - رأى ربّه، وكان قوله: "أنَّى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث، وردّه بعضهم باضطراب لفظه، وكلّ هذا عُدولٌ عن موجب الدليل.
وقد حَكَى عثمان الدارميّ في "كتاب الرّدّ" له إجماع الصحابة على أنه - ﷺ - لَمْ يَرَ ربّه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عبّاس - ﵄ - من ذلك، وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلافٍ في الحقيقة، فإن ابن عبّاس لَمْ يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين، حيث قال: إنه رآه، ولم يقُل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد كلفظ ابن عبّاس - ﵄ -.
قال ابن القيّم: ويدلّ على صحّة ما قاله شيخنا في معنى حديث أبي ذرّ - ﵁ - قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: "حجابه النور"، فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذرّ - ﵁ -: "رأيت نورًا". انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن لفظة "نورانيّ" غير ثابتة، فلا ينبغي التشاغل في توفيقها مع الروايتين الأخريين، والله تعالى أعلم.
(الثاني): أن الإشكال الذي ذكروه في أن وصف الله تعالى بأنه نور يلزمه التشبيه، إنما يرد على مذهب الأشاعرة المتكلّمين الذين يؤوّلون الصفات، ما عدا الصفات السبع المعروفة خشية التشبيه، ولا يَرِد على مذهب السلف القائلين بإثبات ما أثبته الله تعالى من ذلك في كتابه، أو أثبته رسوله - ﷺ - فيما صحّ عنه، وقد جزم ابن تيميّة - ﵀ - بأن الذي ثبت عن السلف هو القول:
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" لابن تيميّة ٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨.
[ ٥ / ٦٧ ]
بأن الله تعالى نور على الحقيقة دون تشبيه، ولا تأويل، ولا تعطيل، قال: بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم، وهذا مذهب السلفيّة، وجمهور الصفاتيّة، من أهل الكلام والفقهاء والصوفيّة وغيرهم، وهو قول أبي سعيد بن كُلّاب، ذكره في الصفات، وردّ على الجهميّة تأويل اسم النور، وهو شيخ المتكلّمين الصفاتيّة من الأشعريّة الشيخ الأول، وحكاه عنه أبو بكر بن فورك في كتاب "مقالات ابن كلاب"، والأشعريّ، ولم يذكروا تأويله إلَّا عن الجهميّة المذمومين باتّفاق، وهو أيضًا قول أبي الحسن الأشعريّ، ذكره في "الموجز"، وقد أطنب شيخ الإسلام في تقرير هذه المعاني، والردّ على المخالف بما لا تراه عند غيره (^١)، فتمسّك به، فإنه الكنز المكنون، زادني الله تعالى وإياك حرصًا على اتباع الحقّ.
وقال العلامة ابن القيّم - ﵀ -: والله - ﷾ - سَمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجَعَلَ دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
وقد فسّر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتُقّ له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسني، والنور يضاف إليه - ﷾ - على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله، فالأول كقوله - ﷿ -: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي - ﷺ - في الدعاء المشهور: "أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت" (^٢)، وفي الأثر الآخر:
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦.
(٢) لَمْ أجد من ذكره بهذا اللفظ.
[ ٥ / ٦٨ ]
"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" (^١). فأخبر أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى أن الأرض تُشرق يوم القيامة بنوره، وفي "معجم الطبراني"، و"السنة" له، وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن مسعود - ﵁ - قال: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه" (^٢). وهذا الذي قاله ابن مسعود - ﵁ - أقرب إلى تفسير الآية من قول مَن فَسّرها بأنه هادي أهل السموات والأرض، وأما من فسرها بأنه منوّر السموات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.
وقال - ﵀ - (^٣) في نونيّته:
وَ"النُّورُ" مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَمِن … أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي الْبُرْهَانِ
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَلَامًا قَدْ حَكَا … هُ الدَّارِمِي عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ
مَا عِنْدَهُ لَيْلٌ يَكُونُ وَلَا نَهَا … رٌ قُلْتُ تَحْتَ الْفُلْكِ يُوجَدُ ذَانِ
نُورُ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى مِنْ نُورِهِ … وَالأَرْضِ كَيْفَ النَّجْمُ وَالْقَمَرَانِ
مِنْ نُورِ وَجْهِ الرَّبِّ ﷻ … وَكَذَا حَكَاهُ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِي
فِيهِ اسْتَنَارَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ مَعْ … سَبْعِ الطِّبَاقِ وَسَائِرِ الأَكْوَانِ
وَكِتَابُهُ نُورٌ كَذَلِكَ شَرْعُهُ … نُورٌ كَذَا الْمَبْعُوثُ بِالْفُرْقَانِ
وكَذَلِكَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِ الْفَتَى … نُورٌ عَلَى نُورٍ مَعَ الْقُرْآنِ
وحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كَشَفَ الْحِجَا … بَ لأَحْرَقَ السُّبُحَاتُ لِلأَكْوَانِ
وَإِذَا أَتَى لِلْفَصْلِ يُشْرِقُ نُورُهُ … فِي الأَرْضِ يَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَانِ
وَكَذَاكَ دَارُ الرَّبِّ جَنَّاتُ الْعُلَى … نُورٌ تَلألأَ لَيْسَ ذَا بُطْلَانِ
_________________
(١) ضعيف أخرجه الطبرانيُّ في "الكبير"، وقال الهيثميّ: فيه ابن إسحاق مدلّس، وبقيّة رجاله ثقات، "مجمع الزوائد" ٦/ ٣٥.
(٢) هذا الأثر أخرجه الطبرانيّ ٩/ ٢٠٠، حديث (٨٨٨٦)، قال الهيثميّ - ﵀ - في "المجمع" ١/ ٨٥: فيه أبو عبد السلام، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات". اهـ.
(٣) أي ابن القيّم - ﵀ -.
[ ٥ / ٦٩ ]
وَالنُّورُ ذُو نَوْعَيْنِ مَخْلُوقٌ وَوَصْـ … فٌ مَا هُمَا وَاللهِ مُتَّحِدَانِ
وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوقُ ذُو نَوْعَيْنِ مَحْـ … سُوسٌ وَمَعْقُولٌ هُمَا شَيْئَانِ
احْذَرْ تَزِلُّ فَتَحْتَ رِجْلِكَ هُوَّةٌ … كَمْ قَدْ هَوَى فِيهَا عَلَى الأَزْمَانِ
مِنْ عَابِدٍ بِالْجَهْلِ زَلَّتْ رِجْلُهُ … فَهْيَ إِلَى قَعْرِ الْحَضِيضِ الدَّانِي
لَاحَتْ لَهُ أَنْوَارُ آثَارِ الْعِبَا … دَةِ ظَنَّهَا الأَنْوَارَ لِلرَّحْمَن
فَأَتَى بِكُلّ مُصيبَةٍ وَبَلِيَّةٍ … مَا شِئْتَ مِنْ شَطَحٍ وَمِنْ هَذَيَانِ (^١)
وَكَذَا الْحُلُولِيُّ هُوَ خَدْنُهُ … مِن هَاهُنَا حَقًّا هُمَا أَخَوَانِ
وَيُقَابِلُ الرَّجُلَيْنِ ذُو التَعْطِيلِ وَالْـ … حُجُبِ الْكَثِيفَةِ مَا هُمَا سِيَّانِ
ذَا فِي كَثَافَةِ طَبْعِهِ وَظَلَامِهِ … وَبِظُلمَةِ التَّعْطِيلِ هَذَا الثَّانِي
وَالنُّورُ مَحْجُوبٌ فَلَا هَذَا وَلَا … هَذَا لَهُ مِنْ ظُلْمَةٍ يَرَيانِ (^٢)
[فائدة]: في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية [النور: ٣٥].
قال العلامة ابن القيّم - ﵀ -: هذا مثلٌ لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبَيّ بن كعب وغيره، وقد اختُلِف في مفسر الضمير في ﴿نُورِهِ﴾، فقيل: هو النبي - ﷺ -، أي مثل نور محمد - ﷺ -، وقيل: مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن، والصحيح أنه يعود على الله - ﷾ -، والمعنى: مثلُ نور الله - ﷾ - في قلب عبده، وأعظمُ عباده نصيبًا من هذا النور رسوله - ﷺ -، فهذا مع ما تضمنه عود الضمير إلى المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظًا ومعنًى، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى؛ إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه،
_________________
(١) قال في "مدارج السالكين": ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحقّ، وإنما وصوله إلى شواهد الحقّ، ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه، وحسن ظنه بترّهات القوم وخَيالاتهم، قال: ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارًا بحسب استعداداتها، وتقوى تارةً، وتضعف تارة، ولكن تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف، وصفاء البواطن والأسرار، لا أنَّها نور الذات المقدّسة، فإن الجبل لَمْ يثبت لليسير من ذلك النور حتى تدكدك، وخرّ موسى صعقًا مع عدم تجلّيه له، فما الظنّ بغيره؟! انتهى.
(٢) "النونيّة" ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٩.
[ ٥ / ٧٠ ]
ويضاف إلى العبد؛ إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل، ومحلّ وحالٌ، ومادّة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل هو الله تعالى، مُفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء، والقابل العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحالُ همته وعزيمته وإرادته، والمادّة قوله وعمله، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تَقَرُّ به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:
[أحدهما]: طريقة التشبيه المركَّب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمّتها بنور المؤمن من غير تعرُّض لتفصيل كلّ جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامّةُ أمثال القرآن، فتأمل صفة المشكاة، وهي كُوَّةٌ (^١) تَنْفُذ لتكون أجمع للضوء، قد وُضع فيها المصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدُّرّيّ في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القَرَاح (^٢)، لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القَرَاح مَحْمِيّة بأطرافه، تصيبها الشمس، أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها، يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب، هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصّه به.
[والطريقة الثانية]: طريقة التشبيه المفَصَّل: فقيل: المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، شُبِّه قلبه بالزجاجة؛ لرقّتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن، فإنه قد جَمَع الأوصاف الثلاثة، فهو يَرْحَم، ويُحسِن، ويتحنَّن، ويُشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم
_________________
(١) "الْكَوّة" بفتح الكاف، وضمها: الثقبة في الحائط.
(٢) "القراح" بالفتح: وزانُ كلام: هي المزرعة التي ليس عليها بناء، ولا فيها شجر.
[ ٥ / ٧١ ]
على ما هي عليه، ويباعد الكَدَر والدَّرَن والوَسَخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويَغلُظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى.
وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقّها، وأصلبها وأصفاها، والمصباح هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق، وهي مادّة المصباح التي يتقد منها، والنور على النور نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يَسْمَع ما فيه بالأثر، ثم يَبْلُغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه، ونَطَق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع، والفطرة والوحي، فَيُرِيه عقله وفطرته وذوقه أنّ الذي جاء به الرسول - ﷺ - هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان، ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشُّبَه الباطلة، والخيالات الفاسدة، من الظنون الجهليات التي يُسَمِّيها أهلها القواطع العقليات، فهي في حدره، كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].
فانظر كيف انتظمت في هذه الآياتِ طوائف بني آدم أتم انتظام؟، واشتملت عليهم أكمل اشتمال؟.
فإن الناس قسمان:
[القسم الأول]: هم: أهل الهدى والبصائر الذين عَرَفوا أن الحق فيما جاء به الرسول - ﷺ - عن الله - ﷾ -، وأن كلّ ما عارضه فشبهات يشتبه على من قَلّ نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل ينتفع به، وهي: ﴿… كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩، ٤٠].
[ ٥ / ٧٢ ]
وهؤلاء هم أهل الهدى، ودين الحقّ، أصحاب العلم النافع، والعمل الصالح الذين صدّقوا الرسول في أخباره، ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات، ولا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون، أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوّكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، مُمْحِلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله - ﷺ - من الحكمة وفصل الخطاب، إِنْ عندهم إلَّا نُخَالة الأفكار، وزُبالة (^١) الأذهان، التي قد رَضُوا بها، واطمأنوا إليها، وقدَّموها على السنة والقرآن، إن في حدورهم إلَّا كبر ما هم ببالغيه، أوجبه لهم اتباعُ الهوى ونخوة الشيطان، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان.
[القسم الثاني]: أهل الجهل والظلم الذين جَمَعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، وهؤلاء قسمان:
(أحدهما): الذين يحسبون أنهم على علم وهدي، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهلُ الجهلِ المركب الذين يَجهلون الحقّ، ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل، ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء، إلا إنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه، بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لَمْ يجده شيئًا، وهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب، الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان، كما هو حال من أَمَّ السراب، فلم يجده ماء، بل انضاف إلى ذلك أنه وَجَد عنده أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين - ﷾ -، فحسب له ما عنده من العلم والعمل، فوفاه إياه بمثاقيل الدرّ، وقَدِم إلى ما عَمِل من عمل يرجو نفعه، فجعله هباءً منثورًا؛ إذ لَمْ يكن
_________________
(١) بضم الزاي، يقال: ما في البئر زُبالة: أي شيء، قاله في "ق".
[ ٥ / ٧٣ ]
خالصًا لوجهه، ولا على سنة رسول الله - ﷺ -، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه.
و"السَّرَاب": ما يُرَى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يَسْرُب (^١) على وجه الأرض، كأنه ماء يجري، و"القيعة": القاع، وهو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه، ولا فيه وادٍ، فشُبِّه علوم من لَمْ يأخذ علومه وأعماله من الوحي بسراب، يراه المسافر في شدة الحرّ فيؤُمُّه فيخيب ظنه، ويجده نارًا تلظي، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشِر الناس، واشتد بهم العطش بَدَت لهم كالسراب، فيحسبونه ماءً، فإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية العذاب، فعَتَلُوهم إلى نار الجحيم، فسُقُوا ماءً حميمًا فقطّع أمعاءهم، وذلك الماء الذي سُقُوه هو تلك العلوم التي لا تنفع، والأعمال التي كانت لغير الله تعالى، صَيَّرها الله تعالى حميمًا سقاهم إياه، كما أن طعامهم من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو تلك المعلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تُسمى ولا تُغني من جوع، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]، وهم الذين عُنُوا بقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وهم الذين عُنُوا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
(والقسم الثاني) من هذا المصنّف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل، بحيث قد أحاط بهم من كلّ وجه، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضلّ سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء، من غير نور من الله تعالى، ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ جمع ظلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوي، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحقّ الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم؛ ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور،
_________________
(١) بضمّ الراء من باب قعد.
[ ٥ / ٧٤ ]
فإن المعرض عما بَعَث الله تعالى به محمدًا - ﷺ - من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الْخُفّاشية ما بعث الله به محمدًا - ﷺ - من النور جَدَّ في الهرب منه، وكاد نوره يَخْطَف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى، كما قيل [من الطويل]:
خَفَافِيشُ أَعْشَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِه … وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ
فإذا جاء إلى زُبالة الأفكار، ونُخالة الأذهان، جال ومال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع، فإذا طَلَع نور الوحي، وشمس الرسالة، انحجر في حُجْرة الحشرات. انتهى كلام الإمام ابن القيّم - ﵀ - (^١)، وإنما نقلته بطوله؛ لفوائده الكثيرة، وعوائده الغزيرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥١] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ع) وَحَدَّثَنِي (^٢) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَسَألتُهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: "رَأَيْتُ نُورًا").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف بـ "بندار"، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، هو أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة دون واسطة، كما مرّ غير مرّة.
_________________
(١) راجع: "اجتماع الجيوش الإسلاميّة" ص ٤٩ - ٥٨.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ٥ / ٧٥ ]
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر، كجَعْفر، أبو بكر البصريّ الدّستوائيّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب، واسمه يوسف بن الحجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٥ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن عبد الله الباهليّ الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ٢٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٦ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠، والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (قَدْ سَأَلْتُ) هكذا الرواية بحذف المفعول: أي سألته.
وقوله: (رأيتُ نورًا) قال الإمام ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه" بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: معناه: أنه لَمْ يَرَ ربّه، ولكن رأى نورًا عُلْويًّا من الأنوار المخلوقة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية لا تخالف الرواية التي قبلها: "نورٌ أنّى أراه"، فإن مؤدّى العبارتين أنه - ﷺ - ير ربّه ببصره، وإنما رأى نورًا، وهو حجابه - ﷾ -، فالروايتان بمعنى واحد.
ثم إن هذا الذي دلّ عليه حديث أبي ذرّ - ﵁ -: من أنه - ﷺ - لَمْ ير ربّه هو الحقّ الذي ينبغي التمسّك به؛ لأنه الذي دلّت عليه ظواهر الآياتِ والأحاديث، وهو المنقول عن معظم السلف، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه قال: إنه رآه ببصره، وإنما عن ابن عبّاس - ﵄ - وغيره أنه رآه بفؤاده.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: وأما الرؤية فالذي ثبت في "الصحيح" عن ابن عبّاس - ﵄ - أنه قال: رأى محمد - ﷺ - ربّه بفؤاده مرّتين، وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عبّاس أثبت رؤية الفؤاد.
_________________
(١) "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان" ١/ ٢٥٥.
[ ٥ / ٧٦ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا جمع وجيهٌ يَجمع الأقوال، فتمسّك به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: والألفاظ الثابتة عن ابن عباس - ﵄ - هي مطلقة، أو مقيّدة بالفؤاد، تارةً يقول: رأى محمد ربّه، وتارةً يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عبّاس لفظ صريحٌ بأنه رآه بعينه، وكذلك الإمام أحمد تارةً يُطلق الرؤية، وتارةً يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عبّاس، ففهم منه رؤية العين، وليس في الأدلّة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة - ﵃ -، ولا في الكتاب والسنّة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ، كما في "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربّك؟ فقال: "نورٌ أَنَّى أراه؟ "، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان أراه نفسه بعينه، لكان ذكر ذلك أولي، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي "الصحيحين" عن ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أُسري به، وهذه رؤيا الآياتِ؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدّقه قوم، وكذّبه قوم، ولم يُخبرهم بأنه رأى ربّه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك، لذكره، كما ذكر ما دونه.
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة، واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحد في الدنيا بعينه، إلَّا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبيّنا محمد - ﷺ - خاصّةً، واتّفقوا على أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة عِيانًا، كما يرون الشمس والقمر. انتهى كلام شيخ الإسلام - ﵀ - (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسُ،
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٠٧ - ٥١٠.
[ ٥ / ٧٧ ]
فتمسّك به، تسلك سبيل الهدى والرشاد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.