وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٢] (١٧٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِخَمْسِ كلِمَاتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ - ﷿ - لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَار، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ - لَوْ كشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انتهى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "عَنِ الْأَعْمَشِ"، وَلَمْ يَقُلْ: "حَدَّثنَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في"الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم - المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمي، ثقة عابد، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن
[ ٥ / ٧٨ ]
المسيب، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن الحارث النَّجْراني، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، وزيد بن أبي أنيسة، ومسعر، والعلاء بن المسيب، وإدريس بن يزيد الأودي، والأوزاعي، والمسعودي، وحصين بن عبد الرَّحمن، وغيرهم.
قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأُرَاطيّ (^١): زَكّاه أحمد بن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يُثني على أحد إلَّا على عمرو بن مرّة، فإنه كان يقول: كان مأمونًا على ما عنده. وقال بقية عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلَّا يدلس إلَّا ابن عون، وعمرو بن مرّة. وقال قُرَاد عن شعبة: ما رأيت عمرو بن مرّة في صلاة قط، إلَّا طننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل الأرض. وقال مسعر: لَمْ يكن بالكوفة أحب إلي، ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو يخطئ، منهم: عمرو بن مرّة. وقال جرير عن مغيرة: لَمْ يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُكنى أبا عبد الرَّحمن، وكان مرجئًا، ووثقه ابن نمير، ويعقوب بن سفيان.
وقال أبو نعيم، وأحمد بن حنبل: مات سنة (١١٦)، وقيل: مات سنة (١١٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا.
٤ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود الْهُذَليّ، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣].
_________________
(١) قال في "القاموس": وذو أُراط كغُراب: موضعان. انتهى.
[ ٥ / ٧٩ ]
رَوَى عن أبيه، ولم يسمع منه، وعن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن الحارث بن الْمُصْطَلِق، وكعب بن عُجْرة، وعائشة، وأم زينب الثقفية، والبراء بن عازب، ومسروق، وغيرهم.
ورَوى عنه إبراهيم النخعيّ، وأبو إسحاق السبيعي، وسعد بن إبراهيم، وعمرو بن مرّة، والمنهال بن عمرو، ونافع بن جبير بن مطعم، وغيرهم.
قال شعبة عن عمرو بن مرّة: سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. وقال المفضل الغلابي عن أحمد: كانوا يُفَضِّلون أبا عبيدة على عبد الرَّحمن. وقال الترمذي: لا يُعرَف اسمه، ولم يسمع من أبيه شيئًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لَمْ يسمع من أبيه شيئًا. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قلت لأبي: هل سمع أبو عبيدة من أبيه؟ قال: يقال: إنه لم يسمع، قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يَروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيدة، قال: خرجت مع أبي لصلاة الصبح، فقال أبي: ما أدري ما هذا؟ وما أدري عبدُ الله بن أبي هند من هو؟. وقال الترمذي في "العلل الكبير": قلت لمحمد: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يَعرِف اسمه، وقال: هو كثير الغلط. وقال الدارقطني: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حُنَيف بن مالك ونظرائه. وقال صالح بن أحمد: ثنا ابن المديني، ثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: قلت لشعبة: إن عثمان الْبُرّيّ حدثنا عن أبي إسحاق، أنه سمع أبا عبيدة، أنه سمع ابن مسعود، فقال: أَوّهْ، كان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجَعَل يضرب جبهته. انتهى.
قال الحافظ: هذا الاستدلال بكونه ابن سبع سنين على أنه لَمْ يسمع من أبيه، ليس بقائم، ولكن راوي الحديث عثمان ضعيف. انتهى، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم.
وقال شعبة عن عمرو بن مرّة: فُقِد عبدُ الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شدّاد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ليلة دُجَيل، وكانت سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة (٨٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٩)، وأعاده بعده، وحديث (٨٦٤): "انظروا إلى هذا الخبيث
[ ٥ / ٨٠ ]
يخطب قاعدًا … "، و(١٠٠٠): "تصدّقن يا معشر النساء … "، و(٢٣٥٥): "أنا محمد، وأحمد، والمقفّي … "، و(٢٧٥٩): "إن الله - ﷿ - يبسط يده بالليل … " ..
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه له شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو، عن أبي عبيدة.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش.
٧ - (ومنها): أن أبا عُبيدة مشهور بكنيته، والأصحّ أنه لا اسم له غيرها.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة - ﵃ -، أمّره عُمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان - ﵃ -، وهو أحد الْحَكَمين بصفّين، وأثنى عليه النبيّ - ﷺ - في حسن قراءته، فقد أخرج عن أبي بردة، عن أبي موسى - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال له: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" مطوَّلًا (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (٢١٨٧٤): حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا مالك، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: خرج بُريدة عشاءً، فلقيه النبيّ - ﷺ -، فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت رجل يقرأ، فقال النبيّ - ﷺ -: "تُرَاه مرائيًا؟ "، =
[ ٥ / ٨١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي قام - ﷺ - خطيبًا في الصحابة - ﷺ -، حال كونه مذكّرًا لهم بخمس كلمات.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "قام فينا … إلخ" فيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
[أحدها]: أن يكون "فينا" و"بخمس" حالين مترادفين، أو متداخلين، وذلك أن يكون الثاني حالا من الضمير المستتر في الحال الأولى، أي قام خطيبًا فينا، مذكّرًا بخمس كلمات.
[وثانيها]: أن يكون "فينا" متعلّقًا بـ "قام" بأن يُضَمَّنَ معنى "خَطَب"، و"بخمس" حالًا، أي خطب قائمًا مذكّرًا بخمس كلمات، و"قام" في الوجهين بمعنى القيام على ما ورد في حديث أوس بن حُذيفة الثقفيّ - ﵁ -: "كان النبيّ - ﷺ - ينصرف إلينا بعد العشاء، فيُحدّثنا قائمًا على رجليه، حتى يُراوح بين قدميه من طول القيام".
[وثالثها]: أن يعلّق "بخمس" بـ "قام"، ويكون "فينا" بيانًا، كأنه لَمّا قيل: "قام بخمس"، فقيل: في حقّ من؟، أجيب: في حقّنا، وجهتنا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ذكر في "الكشّاف" في قوله تعالى:
_________________
(١) = فأسكتَ بريدةُ، فإذا رجل يدعو، فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلَّا أنت الأحد الصمد الذي لَمْ يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال النبيّ: "والذي نفس محمد بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أَعْطَى، وإذا دُعي به أجاب"، قال: فلما كان من القابلة خَرَج بُريدة عشاءً، فلقيه النبيّ - ﷺ -، فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت الرجل يقرأ، فقال النبيّ - ﷺ -: "أتقوله مراء؟ "، فقال بريدة: أتقوله مراءٍ يا رسول الله؟، فقال النبيّ - ﷺ -: "لا بل مؤمن منيبٌ، لا بل مؤمن منيب"، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الأشعريّ - أو: إن عبد الله بن قيس -، أُعطي مِزْمارًا من مزامير آل داود"، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ قال: بلى، فأَخْبِره، فأخبرته، فقال: أنت لي صديقٌ، أخبرتني عن رسول الله - ﷺ - بحديث. وهذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح.
[ ٥ / ٨٢ ]
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، قيل: مع من؟ قيل: معه، وكذلك قدّر في قوله - ﷾ -: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فعلى هذا "قام" بمعنى قام بالأمر: أي تشَمَّرَ، وتجلَّد له، فالمعنى: أنه قام بحفظ تلك الكلمات فينا؛ لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال الله - ﷾ -: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - (^١).
وقال السنديّ - ﵀ -: وفي الوجه الثالث لو جُعل "فينا" متعلّقًا بـ "قام" من غير اعتبار، أي قام بخمس كلمات في حقّنا، ولأجل انتفاعنا كان صحيحًا، والأقرب أن المعنى: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجارّان متعلّقان بالقيام، وهو على ظاهره، وذلك أن يُجعل القيام مِن قام بالأمر، ويُجعل "فينا" بيانًا متعلّقًا به أيضًا. انتهى (^٢).
(بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ) أي بخمس جُمَل، فالمراد بالكلمة هنا الجملة المركبة المفيدة، وهو إطلاق لغويّ، كما يسمّون القصيدة كلمةً، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة":
وَكِلْمَةٌ بهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَم
ومنه قوله - ﷿ - ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ] [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: لا إله إلَّا الله كلمة الإخلاص، ومنه ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ"
[تنبيه]: المراد بالكلمات هنا: الْجُمَل المترابطة في المعنى:
[فالكلمة الأولى]: قوله: "إن الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام".
[الثانية]: قوله: "يَخفِض القسط، ويرفعه".
[الثالثة]: قوله: "يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل".
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥٤٨.
(٢) "شرح السنديّ" ١/ ١٢٨.
[ ٥ / ٨٣ ]
[الرابعة]: قوله: "حجابه النور - أو - النار".
[والخامسة]: قوله: "لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
ويحتمل أن تكون الكلمة الأولى هي قوله: "إن الله لا ينام"، والثانية قوله: "ولا ينبغي له أن ينام"، والثالثة قوله: "يخفض القسط ويرفعه"، والرابعة قوله: "يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار … إلخ"، والخامسة قوله: "حجابه النور … إلخ"، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ اللهَ ﷿ لَا يَنَامُ) أي بالفعل؛ لأن النوم من النقائص؛ إذ هو انغمار، وغلبةٌ على العقل، يَسقُط به الإحساس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهو مستحيل عليه، وهذا كقوله ﷿: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ والآية [البقرة: ٢٥٥]، (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) أي بالاحتمال، فإن النوم مستحيلٌ عليه ﷾، وكلمة "لا ينبغي" تستعمل في المستحيلات والممنوعات، مثل هذا، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء: ٢١١]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الآية [يس: ٦٩].
وقال القاري ﵀: (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) نفيٌ للجواز تأكيدًا لنفي الوقوع على سبيل التتميم، أي لا يكون، ولا يصحّ، ولا يستقيم، ولا يمكن له النوم؛ لأنه أخو الموت (^١). وقال السنديّ ﵀: الكلمة الأولى دالّةٌ على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذُكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. انتهى (^٢).
(يَخْفِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ) قال القاضي عياض: قال الهرويّ: قال ابن قتيبة: "القِسْط": الميزان، وسُمِّي قِسْطًا؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، قال: والمراد أن الله تعالى يَخفِض الميزان، ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزّان يده، ويَخفضها عند الوزن، وهذا
_________________
(١) "شرح المرقاة" ١/ ١٢٨.
(٢) "شرح السندي" ١/ ١٢٨.
[ ٥ / ٨٤ ]
تمثيل لما يُقَدِّر تَنْزِيله، فشبّه بوزن الميزان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]: أي أنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزّان الذي يزن، فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف يجوز عليه النوم، وهو الذي يتصرّف أبدًا في ملكه بميزان العدل؟.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا تمثيل … إلخ"، غير صحيح؛ لأنه يدلّ على أن الميزان هنا ليس حقيقةً، بل هو مجاز، وهو معنى باطل، مناف لما ثبت في النصوص الصحيحة من إثبات الميزان، والوزن به حقيقةً لا مجازًا، وكذا قوله: "فأمره كأمر الوزان" فيه نظر لا يخفى، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قِسط كل مخلوق، أي نصيبه، يخفضه فيُقَتِّره، ويرفعه فيوسعه (^١).
وقال الطيبيّ: المعنى الأول للقسط هو الأولى؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "يرفع الميزان ويخفضه". انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ: قال ابن قتيبة: القِسْط: الميزان، وسُمّي بذلك؛ لأن القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل، ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به ها هنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، و"القُسطاس" بضم القاف، وكسرها: هو أَقْوَمُ الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كلّ مخلوق، يَخفضه، فيُقتِّره، ويرفعه، فيوسّعه، وقيل: إن القسط هو العدل نفسه، ويُراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [الحديد: ٢٥]، أي النَّصَفَة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، فتارة يرفعه بمعنى: يُعليه، ويُظهره بوجود
_________________
(١) راجع: "شرح مسلم للنوويّ" ٣/ ١٣، و"شرح السنديّ" ١/ ١٢٨.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٥٤٩.
[ ٥ / ٨٥ ]
الأنبياء، وأصحابهم، وأتباعهم العاملين به، وتارة يَخفضه بمعنى يُذهبه، ويُخفيه بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها، ويَحْتَمِلُ أن يكون رَفْعُها قبضها، كما قال - ﷺ - في الأمانة: إنها تُرفع من القلوب (^١)، وكما قال: "أول ما تَفقِدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة" (^٢)، بل كما قال: "عليكم بالعلم قبل أن يُرفع" (^٣)، وخفضها: إيجادها في الأرض، ووضعها. انتهى كلام القرطبيّ (^٤).
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) أي للعرض عليه ﷾، فالرفع على ظاهره، وقيل: معنى الرفع إليه: الرفع إلى خزائنه، كما يقال: حُمل المال إلى الملك، فيُضبط إلى يوم الجزاء، ويُعرَض عليه، وإن كان هو ﷾ أعلم به؛ ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاءً له على فعله، والمعنى الأولى أولى، والله تعالى أعلم.
(عَمَلُ اللَّيْلِ) أي المعمول فيه (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي قبل أن يُؤتَى بعمل النهار، وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة إلى رفع الأعمال، وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات، وعرضهم على الله تعالى، فإن الفاصل بين الليل والنهار آنٌ لا يجزي، وهو آخر الليل، وأول النهار.
وقيل: قبل أن يُرفع إليه عمل النهار، والأول أبلغ، قاله التوربشتيّ.
وقيل: الثاني أبلغ؛ لأن فيه بيان عظيم شأن الله تعالى، وقوّة عباده المكرمين، وحسن قيامهم بما أُمروا، ولأن لفظ العمل مصدر، فكأنه قال: يُرفع إليه عمل الليل، أي المعمول في الليل قبل عمل النهار، فلا حاجة إلى
_________________
(١) رواه الشيخان، وغيرهما من حديث حُذيفة - ﵁ -، وقد تقدّم للمصنّف برقم (١٤٣)، وهو عند البخاريّ برقم (٦٤٩٧).
(٢) قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ ﵀: رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح، غير شدّاد بن معقل، وهو ثقة. انتهى. "المجمع" ٧/ ٣٣٠.
(٣) رواه ابن عديّ في "الكامل" ٥/ ١٨١٣، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ١/ ٢٨، وفيه عثمان بن أبي عاتكة، وهو ضعيف.
(٤) "المفهم" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
[ ٥ / ٨٦ ]
تقدير لفظ الشروع، كاحتياجه إلى تقدير الرفع في المعنى الأول.
(وَعَمَلُ النَّهَارِ) بالرفع عطفًا على "عملُ الليل" (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ) وفي الرواية الآتية: "وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْل، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ"، قال النوويّ: معنى الرواية الأولى - والله أعلم -: يُرفع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية الثانية: "يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، ويُرْفَع إليه عمل الليل في أول النهار الذي بعده، فإن الملائكة الحفَظَة يَصْعَدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويَصْعَدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أولى الليل"، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وذكر القاري ﵀ في "شرح المشكاة" ما معناه: وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكّلين برفع أعمال النهار بعد العصر، والليل بعد الصبح، وأنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما رُوي: أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة، وما بين كلّ سماءين كذلك، وسَمْكُ كلّ سماء كذلك، وتقدير "رَفْع" في الأول، و"رَفْع" أو "فِعْل" في الثاني هو الذي دلّ عليه الحديث الآخر: إن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر، وأعمال الليل تُرفع بعد صلاة الصبح، فلا يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعلٍ من عمل النهار، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فِعْلِ أو رَفعِ شيء من عمل الليل؛ لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلًا يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة الباهرة. فالحاصل أن قوله: "قبل عمل النهار" يتعيّن فيه تقدير "رَفْع"، ولا يصحّ تقدير "فِعل" فيه، وقوله: "قبل عمل الليل" يصحّ فيه كلٌّ منهما، وتقدير الفعل أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين. انتهى (^٢).
(حِجَابُهُ النُّورُ) مبتدأ وخبره، يعني: أن حجاب الله ﷾ الذي احتجب به من خلقه النور، قال النوويّ في "شرحه": أصل الحجاب في اللغة المنع والسَّتْرُ، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ١٣.
(٢) "المرقاة شرح المشكاة" ١/ ٢٨٥.
[ ٥ / ٨٧ ]
الجسم والحد، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه إيماء إلى أن الحجاب هنا مجاز، وليس حقيقةً، وسيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال التوربشتيّ: أشار بذلك إلى أن حجابه خلاف الْحُجُب المعهودة، فهو مُحْتَجِبٌ عن الخلق بأنوار عزّه وجلاله، وأشعّة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تُدهَش دونه العقول، وتذهب الأبصار، وتتحيّر البصائر، ولو كُشف ذلك الحجاب، فتجلّى لما وراءه من حقائق الصفات، وعظمة الذات لم يَبقَ مخلوق إلا احترق، ولا مفطور إلا اضمحلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئيّ، وهو هنا راجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية له بما ذكر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعبّر به عنه (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فقام ذلك المنع … إلخ"، هذا أيضًا من نوع ما سبق للنوويّ من دعوى المجاز، وسيأتي الرّدّ عليه.
والحاصل أن الصواب كون الحجاب حقيقة، لا مجاز فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ) يعني أن لفظ "النور" إنما وقع في رواية أبي كُريب، وأما شيخه أبو بَكر بن أبي شيبة، فرواه بلفظ: "النار"، ولا تنافي بين الروايتين، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ ما معناه: إن تردّد الراوي في لفظ "النور"، و"النار" لا اختلاف في المعنى؛ لأن هذه النار التي كلّم الله تعالى بها موسى؛ يقال لها: نار ونور، كما سمَّى الله تعالى نار المصباح نورًا، بخلاف النار المظلمة، كنار جهنّم، فتلك لا تُسمَّى نورًا، فالأقسام ثلاثة: إشراقٌ بلا إحراق، وهو النور المحض، كالقمر، وإحراق بلا إشراق، وهي النار المظلمة، وما هو نار ونور، كالشمس، ونارِ المصابيح التي في الدنيا توصف بالأمرين. انتهى (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) راجع: "الكاشف" ٢/ ٥٥٠.
(٣) "مجموع الفتاوى" ٦/ ٣٨٧.
[ ٥ / ٨٨ ]
(لَوْ كشَفَهُ) أي الحجاب (لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ) أي أنوار وجهه ﷾، قال النوويّ في "شرحه": "السُّبُحات" بضم السين والباء، ورفع التاء في آخره، وهي جمع سُبْحَة، قال صاحب "العين"، والهرويّ، وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى "سُبُحاتُ وجهِهِ": نوره، وجلاله، وبهاؤه.
وذكر في "الكاشف" عن بعضهم في معنى "سبحات وجهه" أنها الأنوار التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبّحوا، وهلّلوا؛ لما يروعهم من جلال الله وعظمته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض يحتاج إلى نقل صحيح، والله تعالى أعلم.
(مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ") المراد جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره ﷾ محيط بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير: لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا، وتَجَلَّى لخلقه لأحرق جلال وجهه جميع مخلوقاته.
قال الطيبيّ ﵀: وذهب المظهر وغيره إلى أن الضمير في "بصره" إلى الخلق، و"ما" في "ما انتهى" بمعنى: "من" و"من خلقه" بيان له، والأول هو الوجه - يعني: أن رجوع ضمير "بصره" إلى الله تعالى هو المعنى الصحيح - بل فساد هذا المعنى لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "عَنِ الْأَعْمَشِ"، وَلَمْ يَقُلْ: "حَدَّثَنَا") يعني: أن شيخه أبا بكر قال في روايته: "عن الأعمش" بـ "عن"، ولم يذكر لفظ: "حدّثنا"، كما قاله شيخه الآخر، وهو أبو كُريب.
قال النوويّ ﵀: هذا من احتياط الإمام مسلم ﵀، وورعه، وإتقانه، وهو أنه رواه عن أبي كريب، وأبي بكر، فقال أبو كريب في روايته: "حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش"، وقال أبو بكر: "حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش"، فلما اختَلَفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما: أبي معاوية بَيَّنَها مسلم ﵀، فحصل فيه فائدتان:
[إحداهما]: أن "حدّثنا" للاتصال بإجماع العلماء، وفي "عن" خلاف كما قدمناه في الفصول وغيرها، والصحيح الذي عليه الجماهير، من طوائف
[ ٥ / ٨٩ ]
العلماء، أنها أيضًا للاتِّصال إلا أن يكون قائلها مدلسًا، فَبَيَّن مسلم ذلك.
[والثانية]: أنه لو اقتَصرَ على إحدى العبارتين، كان فيه خَلَلٌ، فإنه إن اقتصر على "عن" كان مُفَوِّتًا لقوّة "حدّثنا"، وراويًا بالمعنى، وإن اقتصر على "حدَّثنا" كان زائدًا في رواية أحدهما راويًا بالمعنى، وكل هذا مما يُجْتَنَب. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٥/ ٤٥٢ و٤٥٣ و٤٥٤] (١٧٩)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٩٥ و١٩٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ و٤٠١ و٤٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٤٨ و٤٤٩ و٤٥٠ و٤٥١)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٩ - ٢٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٧٥ و٧٧٧ و٧٧٨ و٧٧٩)، و(البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ١٨٠ و١٨١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٩١)، و(الآجرّيّ) في "الشريعة" (ص ٣٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحالة النوم على الله كل ﷾؛ لكونه من النقائص.
٢ - (ومنها): أن الله تعالى يُعزّ من يشاء ويهدي من يشاء من عباده، كما قال ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
٣ - (ومنها): أن الأعمال ترفع إليه كل يوم وكلّ ليلة، وهذا معنى قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠].
[ ٥ / ٩٠ ]
٤ - (ومنها): إثبات الحجاب له ﷾، وهو النور الحائل بينه وبين خلقه، ولولاه لاحترقوا.
٥ - (ومنها): الردّ على الجهميّة فيما أنكرته من الصفات، وهو الوجه، والبصر، ورفع القسط، وخفضه، فكلها صفات ثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله.
٦ - (ومنها): ما قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ ﵀ في كتاب الرّدّ على المريسيّ: إنما كانت تَحرق سُبُحات وجهه ﷾ لو كشفها كلّ شيء في الدنيا؛ لأن الله تعالى كَتَب الفناء عليها، وركَّب ما ركّب من جوارح الخلق للفناء، فلا تحتمل نور البقاء، فتحترق به، أو تُدكّ، كما دُكّ الجبل، فإذا كان يوم القيامة رُكّبت الأبصار والجوارح للبقاء، فاحتملت النظر إلى وجهه الكريم، وإلى سُبُحاته، ونور وجهه من غير أن تحرق أحدًا، كما لو أن أجسَمَ رَجُلٍ وأَعْظَمه وأكمله لو أُلقي في الدنيا في تنّور مسجور لصار رمادًا في ساعة، فهو يتحرق في نار جهنم ألف عام وأكثر، ونارُها أشدّ حرًّا من نار الدنيا سبعين ضعفًا، لا يصير منها رمادًا، ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]؛ لأن أجسامهم، وأبصارهم، وأسماعهم تُركَّب يومئذ للبقاء، فاحْتَمَلت من عذاب جهنّم ما لم تكن تحتمل جزءًا من ألف جزء من عذاب الدنيا، وكذلك أولياء الله تعالى تحتمل أبصارهم النظر إلى وجه الله تعالى يوم القيامة، ولو قد أدركهم شيء من سُبُحات وجهه في الدنيا لاحترقوا، كما قال رسول الله - ﷺ -، ولم تحتملها أبصارهم. انتهى كلام الدارميّ ﵀، (^١) وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ في "شرحه": وأما الحجاب: فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن الجسم، والحدّ، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك
_________________
(١) "نقض الدارميّ" ٢/ ٧٥٥ - ٧٥٨.
[ ٥ / ٩١ ]
المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما، والمراد بالوجه الذاتُ، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه، جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره ﷾ مُحيط بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير: لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا، وتَجَلَّى لخلقه، لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النووي تبعًا للقاضي عياض، وغيره من الأشاعرة المؤوّلين مما لا يخفى ما فيه من الفساد:
(فمن ذلك): تأويل الحجاب ودعوى كونه مجازًا عن منع الرؤية، وهذا باطلٌ؛ لأن النصوص أثبتت لله ﷾ الحجاب، فمذهب السلف أن الحجاب ثابت لله ﷾ على حقيقته، كما أثبتته النصوص، فهو يحجب بصر خلقه عنه بنوره، فلا أحد يُدركه ﷾، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ ﵀ في كتابه الردّ على بشر المريسيّ: إنما نقول: احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته وسلطانه، لو قُدّر كشفها لأحرق نور الربّ، وجلاؤه كلَّ ما أدركه بصره، وبصره مدرك كلّ شيء، غير أنه يُصيب به ما يشاء، ويَصرفه عما يشاء، كما أنه حين تجلّى لذلك الجبل خاصّةً من بين الجبال جعله دكًّا، ولو تجلّى لجميع جبال الأرض لصارت دكّاء كما صار جبل موسى، ولو تجلّى لموسى لجعله دكًّا، وإنما خرّ صعقًا؛ لما هاله من صوت الجبل. انتهى (^٢).
(ومن ذلك): تفسيره الوجه بالذات، فإنه منه مصير إلى نفي صفة الوجه، وهو غير صحيح، بل الوجه صفة ثابتة لله تعالى، كما أثبتها لنفسه في كتابه، حيث قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وحيث أثبته هذا الحديث الصحيح، وغيره من الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من إثباتنا له تشبيهه بخلقه، فأيّ فرق بين إثباتنا له الذات، وبين إثباتنا له الوجه؟، فإن كان يلزم من الوجه التشبيه لزم من الذات أيضًا، لكن نقول: له ذات لا تشبه الذوات، ووجه لا يشبه الوجوه، وبصرٌ لا يُشبه الأبصار، ويدٌ لا تشبه الأيدي، وغير ذلك من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ١٣ - ١٤.
(٢) "نقض الدارميّ على المريسيّ" ٢/ ٧٥٠ - ٧٥٤.
[ ٥ / ٩٢ ]
صفات الكمال، وهذا هو مذهب السلف، وهو الصراط المستقيم، فعليك بلزومه إن أردت الهدى والعزّ المستديم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الخامسة): ذكر الطيبيّ ﵀ في "الكاشف" هنا وجوهًا متعلّقة بلطائف المعاني، والمحسّنات البديعيّة، أحببت إيرادها مع التعقيب على ما يحتاج إلى التعقيب عليه:
[أحدها]: أن قوله: "لا ينبغي له أن ينام" جملة معترضة، واردة على التتميم؛ صونًا للكلام عن المكروه، فإن قوله: "لا ينام" لا ينفي جواز النوم، كما قال الأشرف، فعقّب به لدفع ذلك التجويز، قال أبو الطيّب [من الطويل]:
وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ … تَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا
فإن "حاشاك" تتميم في غايةً الحسن، ومعنى "لا ينبغي" لا يصحّ، ولا يستقيم النوم؛ لأنه مناف لحال ربّ العالمين.
[وثانيها]: "يخفض، ويرفع، وعمل الليل، وعمل النهار" من باب التضادّ، والمطابقة، والخفض، والرفع في القرينتين مستعارتان للمعاني من الأعيان.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "مستعارتان … إلخ" غير صحيح؛ لأن الاستعارة من المجاز، فهو يريد أن لا يثبت صفة الخفض والرفع لله تعالى على ظاهرها، وقد سبق أن نبّهنا على مثل هذا، فالحقّ أنها ثابتة له، ولا حاجة إلى المجاز؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، وهنا لم يتعذّر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[وثالثها]: "لو كشفه" من الشرط والجزاء، استئنافيّة، مبيّنة للكلام السابق، كأنه لما قيل: إن حجابه النور، وعُرِّف الخبر المفيد للتخصيص اتّجه للسائل أن يقول: لم خُصّ الحجاب بالنور؟ أجيب: بأنه لو كان من غيره لاحترق.
قال الجامع: هذه الفائدة غير واضحة، والله تعالى أعلم.
[ورابعها]: الجملة الفعليّة في النفي والإثبات كلها واردة على صيغة المضارع؛ لإرادة الاستمرار، فالمنفيّان فيها يدلان على الدوام من غير انقطاع،
[ ٥ / ٩٣ ]
والأربع المثبتة على التجدد مع الاستمرار، وأما الجملة الاسميّة فدلالتها على سبيل الثبات والدوام في هذا العالم، والشرطيّة منبئة عن ذلك؛ لما دلّت على أنها مخالفة للنور المتعارف.
قال: وفيه دليل على أن نبينا - ﷺ - رأى ربّه تعالى لقوله في الدعاء: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا".
قال الجامع: مسألة رؤية النبيّ - ﷺ - ربه ليلة الإسراء ببصره قد حقّقنا القول فيها، وأن جمهور السلف على نفيها، للحديث الصحيح المتقدّم: "نور أنى أراه"، وغيره، ومن نُقل عنه إثباتها كابن عبّاس فإن الصحيح أنه أثبتها بالفؤاد، لا بالعين، فتنبّه.
وأما استدلال الطيبيّ عليها بالحديث المذكور، فمما لا يخفى بُعده على بصير، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وأما المؤمنون إذا صَفَت بشريّتهم عن الكُدُورات في دار الثواب، فيُرزَقُون هذه المنحة السنيّة، والرتبة العليّة.
[وخامسها]: أن معنى الحديث بأسره مسبوك من معنى آية الكرسيّ، فإن قوله ﷾: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إلى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مشعر بصفة الإكرام، ومنه إلى الخاتمة مشير إلى صفة الجلال؛ لما فيه من المنع عن الشفاعة إلا بإذنه، ومن ذكر الكرسيّ الذي هو سرير الملك، وهو مناسب لحديث الحجاب، وكذلك الحديث إلى قوله: "حجابه النور" مُنْبِيءٌ عنٍ صفة الإكرام، ومنه إلى آخره عن صفة الجلال، فتكون صفة الجلال محتجبةً بصفة الإكرام، فلو كشف حجاب الإكرام لتلاشت الأشياء، وتفنى بتجلي صفات الجلال الكائنات، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
ومن أسمائه الحسنى، وصفاته العظمى النور، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
وبيانه أن قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ مقرّر للكلام السابق، قال في "الكشّاف": وهو تأكيد لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّومًا، وهو مثل قوله: "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كالتعليل لمعنى القيّوميّة، أي كيف ينام، وهو مالك ما
[ ٥ / ٩٤ ]
في السماوات وما في الأرض، ومربيهم، ومدبّر أمور معاشهم ومعادهم؟ وإلى الأول الإشارة بقوله: "يخفض القسط ويرفعه"، وإلى الثاني بقوله: "يُرفَع إليه عمل الليل … إلخ".
[فإن قلت]: فأين معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية في الحديث؟.
[قلت]: تخصيص ذكر البصر الذي هو نوع من طريق العلم مُلَوّح إليه، فما أجمعه من كلمات! وما أفصحه من عبارات! ولعمر الله إن هذا الحديث سيّد الأحاديث، كما أن آية الكرسيّ سيدة الآيات. انتهى كلام الطيبيّ ﵀، وهو بحث جيّد مع ما سبق في بعضه من المناقشة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (^١) جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ "مِنْ خَلْقِهِ"، وَقَالَ: "حِجَابُهُ النُّورُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والأعمش تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) لا تنافي بينه وبين الرواية السابقة "بخمس كلمات"؛ إذ يُحمل بضمّ الرابعة، والخامسة، أو الأولى والثانية في كلمة واحدة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ٥ / ٩٥ ]
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) ضمير "ذَكَرَ" لجرير.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ "مِنْ خَلْقِهِ") يعني أن جريرًا أسقط في روايته لفظ "من خلقه"، واقتصر على قوله: "ما انتهى إليه بصره".
وقوله: (وَقَالَ: "حِجَابُهُ النُّورُ) يعني أنه روى بلفظ "حجابه النور"، ولم يذكر "النار"، وقد سبق اختلاف شيخي المصنّف على أبي معاوية فيه كما نبّه عليه في كلامه السبق.
لكن الذي وقع عند ابن منده في الإيمان من رواية جرير بلفظ "النار"، فقد أخرجه من طرق عنه، كما سيأتي بعض الطرق في التنبيه التالي، ولعل المصنّف ﵀ وقع له بلفظ "النور"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية جرير هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على أبي معاوية، أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ في "الإيمان" (٢/ ٧٧٠) فقال:
(٧٧٧) أنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، قالا: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير (ح)، وأنبأ عبد الرحمن بن يحيى، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أنبأ عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفض القسط، ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ (^١)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
_________________
(١) وفي نسخة: "ومحمد بن بشّار".
[ ٥ / ٩٦ ]
مُوسَى، قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَرْبَعٍ: إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ، وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْل، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ المذكور قبل باب.
٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُنْدار المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدر"، أبو عبد الله الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.