وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٥] (١٨٠) - (حَدَّثنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَد، وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاء، عَلَى وَجْهِه، فِي جَنَّةِ عَدْنٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) (^١) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ بن
_________________
(١) بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد.
[ ٥ / ٩٧ ]
صُهْبان الأزديّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (^١) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المذكور قبل حديث.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَمّيّ، أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبي عمران الْجَوْنيّ، وداود بن أبي هند، ومنصور، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومطر الوراق، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو موسى، وبُنْدار، والحميدي، وأبو غسان المسمعي، والحسن بن عرفة، وغيرهم.
قال أحمد: كان ثقة. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. وقال القواريري: كان حافظًا. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين سنة شبههُ، أو مثله، أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة.
قال أبو داود: مات سنة (١٨٧)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٨٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (١٨٩)، ويقال: سنة (١٩٠)، وحكى الْقَرّاب القولين في "تاريخه".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨٠)، وحديث (٥٧٢): "إنه لو حَدَثَ في الصلاة شيء … "، و(٢١٠٩): "أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون"، و(٢٣٠٠): "لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء … "، و(٢٦٢٥): "إذا طبختَ مرقةً، فأكثر ماءها … "، و(٢٨٣٨): "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوّفة … ".
_________________
(١) "غسّان" بفتح الغين المعجمة، يجوز صرفه، وعدمه، و"المسمعيّ" - بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية -: نسبة مِسْمَع بن ربيعة جدّ قبيلة.
[ ٥ / ٩٨ ]
٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) هو: عبد الملك بن حبيب الأزديّ، ويقال: الكنديّ البصريّ، أحد العلماء، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤].
رَأَى عمران بن حصين، ورَوى عن جندب بن عبد الله البجلي، وأنس، وأبي فِرَاس، ربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبيد، وسليمان التيمي، وابن عون، وأبو عامر الخزاز، وشعبة، وأبان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وهمام بن يحيى، والحمادان، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، واسمه عبد الرحمن، كذا قال. وقال غيره: سنة تسع. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ثلاث وعشرين، وقد قيل: سنة ثمانية. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة، وصح سماعه من أنس.
وفي الطبراني بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجونيّ، قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندبًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) الْأَشْعَرِيُّ الكوفيّ، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عباس، والأسود بن هلال.
وروى عنه أبو جمرة الضُّبَعيّ، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وبدر بن عثمان، وعبد الله بن أبي السَّفَر، والأجلح بن عبد الله الْكِنديّ، وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أُراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهنيّ، قاتل عَمّار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا بأخي. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اسمه كنيته، مات في
[ ٥ / ٩٩ ]
ولاية خالد، ومن زَعَم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ، عامر اسم أبي بردة. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث، يُستضعَف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ست ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث، هذا (١٨٠)، وحديث (٦١٤): "الوقت بين هذين"، و(٦٣٥): "من صلّى البردين دخل الجنّة"، و(١٩٠٢): "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف … "، و(٢٧١١): "اللهم باسمك أحيا … "، و(٢٨٣٨): "إن للمؤمن في الجنة لخيمة … "، وكرّره ثلاث مرّات.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير - ﵁ - المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فمروزيّ، وأبي بكر فكوفيّ، وأما الصحابيّ فقد سكن البصرة والكوفة.
٣ - (ومنها): أنهم رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وأبي غسّان فتفرّد به المصنّف، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لأبي غسّان، قال: حدّثنا أبو عبد الصمد" يعني أن سياق هذا المتن لشيخه أبي غسّان، وأما الآخران فروياه بالمعنى، ثم إن أبا غسّان ذكر شيخه بكنيته، فقال: "حدّثنا أبو عبد الصمد"، وأما الآخران فصرّحا باسمه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو عمران، عن أبي بكر.
٦ - (ومنها): أن أبا بكر اسمه كنيته على الأصحّ، كأخيه أبي بُردة، ويقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر.
[ ٥ / ١٠٠ ]
٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: أبو بكر، عن أبي موسى - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس - ﵁ - الْأَشْعَرِيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "جَنَّتَانِ) خبر لمبتدأ محذوف، أي هما جنتان، ويجوز أن يكون مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه موقع التفصيل، على حدّ قول الشاعر [من المتقارب]:
فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ لَبسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ
والشاهد "فثوبٌ لبستُ"، وكذلك "وثوبٌ أجرّ" (^١).
وفي رواية أبي عوانة في "مسنده:، وابن منده في "الإيمان"، من طريق أبي قُدامة الحارث بن عُبيد الإياديّ، عن أبي عمران الْجَوْنيّ: "جنّاتُ الْفِردوس أربع: ثنتان آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما من ذهب، وثنتان من فضّة آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن، وهذه الجنات تشخُب (^٢) من جنات عدن، ثم تصدّع بعدُ أنهارًا". انتهى (^٣).
وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) خبر لـ "جنّتان"، على الثاني، أي كائنتان من فضّة، وقوله: (آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا) بدل اشتمال من "جنّتان"، أو من ضمير "كائنتان"، أو "آنيتهما" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على مسند إليه، أو "من فضّة" خبر مقدّم، و"آنيتهما" مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر "جنّتان"، وكذلك إعراب قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه قال: "جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورِقٍ لأصحاب اليمين"، أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات.
_________________
(١) راجع: "شرح ابن عقيل على الخلاصة" ١/ ١٣٨.
(٢) من باب نصر: أي تدرّ، وتسيل.
(٣) "مسند أبي عوانة" ١/ ١٣٧ رقم (٤١٢)، و"الإيمان" لابن منده ٢/ ٧٧٢ رقم (٧٨١).
[ ٥ / ١٠١ ]
قال الحافظ: وفيه رَدّ على ما حكيته عن الترمذي الحكيم أن المراد بقوله تعالى: "ومن دونهما جنتان" الدنوّ، لا أنهما دون الجنتين المذكورتين قبلهما، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين، وعكس بعض المفسرين، والحديث حجة للأولين.
قال الطبريّ: اختُلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فقال بعضهم: معناه في الدرجة، وقال آخرون: معناه في الفضل.
وقوله: "جنتان" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، وتفسير له.
[فإن قلت]: هذا يدلّ على أن الجنتين من ذهب لا فضّة فيهما، وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة - ﵁ - قلنا: يا رسول الله حَدِّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب، ولبنة من فضة … " الحديث، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، وله شاهد عن ابن عمر - ﵄ -، أخرجه الطبرانيّ، وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد - ﵁ -، أخرجه البزار، ولفظه: "خَلَقَ الله الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة … " الحديث.
[وأجيب]: بأنه يُجمَع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" في حديث أبي سعيد - ﵁ -: "إن الله أحاط حائط الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَا) نافية (بَيْنَ الْقَوْمِ) أي أهل الجنّة (وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) زاد في رواية ابن ماجه: ﵎ (إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانيّة، وهذا هو الموافق لحديث: "الكبرياء ردائي" (^٢)، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٥٣٣ "كتاب التوحيد" رقم الحديث (٧٤٣٤ - ٧٤٤٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ -، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته". وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من طريق الأغر أبي مسلم، عن=
[ ٥ / ١٠٢ ]
فإنه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنّة عدن، فكيف غيرهم؟، وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى، لا يمكن زوالها عنه، فيدوم المنع بدوامها، إلا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر، لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: "وبين أن ينظروا" أي: وبين أن يُديموا، فلولا هي لدام نظرهم، وذلك لأن المنع من مقتضيات المعاملة بهذه الصفة، وهي غير لازمة، وبهذا صارت صفة الكبرياء مانعةً عن دوام النظر، دون أصله، فليُتأمّل.
ويمكن أن يقال: المراد برداء الكبرياء هو المعاملة بمقتضاها، لا نفس صفة الكبرياء، كما هو مقتضى الإضافة؛ إذ الأصل التغاير، لا التباين، وهو المناسب بالتعبير بالرداء، بناءً على أن الرداء عادةً لا يلزم اللابس لزوم الإزار، وحينئذ، فرداء الكبرياء، وإن كان مانعًا من أصل النظر، لكنه غير لازم، فيمكن النظر، وعلى الوجهين فالحديث مسوقٌ لإفادة كمال قرب أهل جنّة عدن منه تعالى. انتهى (^١).
وقال المازريّ: كان النبي - ﷺ - يخاطب العرب بما تَفْهَم، ويُخرِج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس؛ ليُقَرِّب تناولهم لها، فعبّر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك.
وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهي أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فمخاطبة النبي - ﷺ - لهم برداء الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره، أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعَلِم أن الله مُنَزَّهٌ عن الذي يقتضيه ظاهرها، إما أن يُكَذِّب نقلَتها، وإما أن يؤوّلها، كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداءَ الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته. انتهى ملخصًا.
_________________
(١) = أبي هريرة - ﵁ -، ولفظه: قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله ﷿: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار".
(٢) "شرح السنديّ" ١/ ١٢١.
[ ٥ / ١٠٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى عياض هنا الاستعارة غير صحيحة، فالحقّ إثبات رداء الكبرياء على ما يليق بجلال الله ﷾ كما أثبته هذا النصّ الصحيح المتّفق على صحّته، ولا يلزم منه التشبيه؛ لأنه إنما يلزم لو قلنا: رداء كرداء الخلق، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال الطيبي: قوله: "على وجهه" حال من "رداء الكبرياء".
وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مُفَوَّضٌ، وإما مُتَأَوَّلٌ بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من صفات الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "متأول بأن المراد بالوجه الذات" هذا التأويل خطأ، والصواب إجراء النصّ على ظاهره على الوجه اللائق بالله ﷾، فمن فعل ذلك فقد سلك جادّة أهل السنة والجماعة، ولا يستلزم ذلك النقص ولا التشبيه، وأيضًا فلو جاء التشبيه من إثبات الوجه، للزم في إثبات الذات التي أُوِّل إليها؛ إذ لا فرق بينهما، فالواجب إثبات الوجه على ما يليق بجلاله ﷾، كثبوت الذات له من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، فهذا هو الباب المطّرد الواسع في باب الأسماء والصفات، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومستمسك العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السييل.
ثم استشكل الكرمانيّ ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة.
ثم أجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية، فعَبَّر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد. انتهى.
وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: "إلا رداء الكبرياء"، فإنه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤوا مقاعدهم من الجنة، لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال، لَمَا حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حَفّهم برأفته، وتفضّل عليهم بتقويتهم على النظر إليه ﷾.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: ثم وجدت في حديث صهيب - ﵁ -
[ ٥ / ١٠٤ ]
في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى - ﵁ - الحجاب المذكور في حديث صهيب - ﵁ - يعني: الحديث الآتي بعد هذا - وأنه ﷾ يكشف لأهل الجنة إكرامًا لهم.
وقال القرطبي في "المفهم": الرداء استعارة كَنَى بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"، وليس المراد الثياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لمّا كانا متلازمين للمخاطب من العرب، عَبّر عن العظمة والكبرياء بهما. ومعنى حديث الباب: أن مُقْتَضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يُرِيهم وجهه كمالًا للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابًا كان يمنعهم.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى القرطبيّ الاستعارة غير صحيحة، بل الحديث لا مجاز فيه، بل هو على حقيقته، على ما يليق بجلال الله ﷾، وقد سبق تحقيق هذا غير مرّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
ونقل الطبري عن علي - ﵁ - وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: هو النظر إلى وجه الله ﷿.
(فِي جَنَّةِ عَدْنٍ") راجع إلى القوم، قاله في "الفتح"، فهو متعلِّق بحال من ضمير "ينظرون"، قاله السنديّ، وقال عياض: معناه راجع إلى الناظرين، أي: وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنه لا تحويه الأمكنة ﷾.
وقال القرطبي: يتعلق بمحذوف في موضع الحال من "القوم"، مثل: كائنين "في جنة عدن"، وقال الطيبي: قوله: "في جنة عدن" متعلّق بمعنى الاستقرار في الظرف، فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة، وإليه أشار التوربشتي بقوله: يشير إلى أن المؤمن إذا تبوأ مقعده، والحجب مرتفعة، والموانع التي تحجب عن النظر إلى ربه مُضْمَحِلَّة إلا ما يصدّهم من الهيبة، كما قيل:
أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا … أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ
[ ٥ / ١٠٥ ]
فإذا حَفّهم برأفته ورحمته، رفع ذلك عنهم تفضلًا منه عليهم (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٦/ ٤٥٥] (١٨٠)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٨٧٨ و٤٨٨٠)، و"التوحيد" (٧٤٤٤)، و(الترمذيّ) في "صفة الجنّة" (٣٥٢٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤١٩)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٨٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٤٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤١١ و٤١٦)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٤٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٨٢)، و(ابن أبي عاصم) في "السنة" رقم (٦١٣)، و(الدولابيّ) في "الكنى" (٢/ ٧١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤١٢ و٤١٣ و٤١٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٨٠ و١٨١)، و(اللالكائي) في "شرح أصول الاعتقاد" (٨٣١)، و(البيهقيّ) في "الاعتقاد" (١٣٠)، وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٢)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٧٩، ٤٣٨٠). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات رؤية المؤمنين ربهم ﷾ في الآخرة.
٢ - (ومنها): إثبات الردّ على الجهميّة في إنكارهم صفات الله تعالى، من صفة رداء الكبرياء، وصفة الوجه على ما يليق بجلاله ﷾، ورؤية المؤمنين في الآخرة.
٣ - (ومنها): إثبات وجود الجنة، وأنها مخلوقة الآن.
٤ - (ومنها): إثبات تفاوت الجنة فيما بين درجاتها؛ إذ بعضها من
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٥٣١ - ٥٣٥.
[ ٥ / ١٠٦ ]
الذهب، وبعضها من الفضّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٦] (١٨١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبِيِّضْ وُجُوهَنَا؟، أَلمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الْقَوَاريريّ، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنة (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) - بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين - هو: ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت بضع ١٢٠) وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (صُهَيْبٌ) بن سِنَان بن مالك، ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عُقيل، ويقال: طُفيل بن عامر بن جَنْدَلة بن سعد بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النَّمِر بن قاسط، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان
[ ٥ / ١٠٧ ]
النَّمَريُّ المعروف بالرُّوميّ، أصله من النَّمِر بن قاسط سَبَتْهُ الروم من نِينَوَى، وزعم عُمارة بن وَثِيمة أن اسمه عبد الملك، وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، فسَبَت الروم صُهيبًا، وهو غلام، فنشأ بينهم فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هَرَب صُهيب من الروم إلى مكة، فحالف عبد الله بن جُدعان، وأسلم قديمًا، وهاجر، فأدرك النبي - ﷺ - بقباء، وشَهِد بدرًا والمشاهد بعدها، وروى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر وعلي - ﵃ -، وعنه بنوه: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأسلم مولى عمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار، وسعيد بن المسيب، وشعيب بن عمرو بن سليم، وابن ابنه زياد بن صيفي بن صهيب، وغيرهم.
قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وقيل: بلغ (٧٣) سنة، وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص، وقال أبو زكريا الْمَوْصِليّ في "الطبقات": كان من المستضعفين بمكة، والمعذَّبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وقال أنس: قال النبي - ﷺ -: "صهيب سبق الروم"، وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وإليه أوصى عمر أن يصلي بالنالس، حتى يجتمع أهل الشورى على رجل (^١).
رَوَى له الجماعة، وله أحاديث، له عند البخاريّ حديث، وعند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨١)، و(٢٩٩٩): "عَجَبًا لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير … "، و(٣٠٠٥): "كان ملِكٌ فيمن كان قبلكم … "، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
_________________
(١) "الإصابة" ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٦، و"تهذيب الكمال" ١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٢١٨.
[ ٥ / ١٠٨ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وحماد بن سلمة أخرج له البخاريّ حديثًا وحدًا في "الرِّقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، فمدنيّ، ثم كوفيّ، وصهيب - ﵁ - فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
٦ - (ومنها): أن صهيبًا هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت أن له فيه ثلاثة أحاديث فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ صُهَيْبٍ) بن سِنَان الرُّوميّ - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةً) وفي رواية ابن ماجه: "إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ" (قَالَ) - ﷺ - (يَقُولُ الله ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟) وفي رواية ابن ماجه: "نَادَى مُنَادٍ، يَا أَهْلَ الْجَنَّة، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ" (فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ) من التبييض (وُجُوهَنَا؟) وفي رواية ابن ماجه: "فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّل اللهُ مَوَازِينَنَا؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ " هذا لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبّة والشوق، وإنما يَليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف، والظفَر بالمرجوّ الذي كان تشوّق إليه قَنِعَ به، ولَهَا عن غيره، وأما من مات محبًّا لله، مشتاقًا لرؤيته، فلا يكون همّه إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غيرُ، ويدلّ على صحّة ما قلته أن المرْء يُحشر على ما يموت عليه، كما عُلم من الشريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا يُنبَّه بالسؤال، بل يُعطيه أمنيّته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة
[ ٥ / ١٠٩ ]
عشر من الصحابة - ﵃ - عن النبيّ - ﷺ -، ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة، منهم المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليّة، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة، واتّصال الأشعّة، وزوال المانع من القرب المفرط، والْبُعد المفرط، والْحُجُب الحائلة، في خَبْط لهم وتحكّم، وأهلُ الحقّ لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئيّ، لكن يقترن بالرؤية بحكم العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدّلها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا يليق بمن مات … إلخ " فيه نظر لا يخفى؛ لأن نصّ الحديث مطلق، لم يفرّق بين طائفة، وطائفة، وأيضًا استدلاله على ذلك بأن من مات يُحشر … إلخ محلّ نظر أيضًا؛ لأن الكلام ليس في الحشر، وإنما هو بعد دخول الجنة، والاستقرار فيها، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(أَلَمْ تُدْخِلْنَا) بضمّ أوله، من الإدخال (الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا) بضمّ أوله، وتشديد الجيم، من التنجية، ويَحْتَمل أن يكون بتخفيف الجيم، من الإنجاء (مِنَ النَّارِ؟ قَالَ) - ﷺ - (فَيَكْشِفُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الكشف (الْحِجَابَ) أي يزيله، ويرفعه، والظاهر أنه رداء الكبرياء الذي تقدم في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وقال السنديّ: لا تعارض بين الأحاديث التي وردت في الرؤية مختلفةً في الكيفيّة؛ لكونها تكون مرارًا متعدّدةً. انتهى.
(فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا) وفي رواية ابن ماجه: "فَيَنْظُرُونَ إِلَيْه، فَوَاللهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا (أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿") زاد في رواية ابن ماجه: "وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ"، و"أَقَرّ" من قرّت عينه تَقِرّ - بفتح القاف، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وتَعِبَ -.
قال في "القاموس": وقرّت عينه تَقِرُّ بالكسر والفتح قَرَّةً - بالفتح - وتُضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوّفةً إليه. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٤١٣ - ٤١٤.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٤١٥.
[ ٥ / ١١٠ ]
وقال في "اللسان": واختلفوا في اشتقاق ذلك، فقال بعضهم: معناه بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمْعَةً باردةً، وللحزن دَمعةً حارّة، وقيل: من الْقَرَار، أي رأت ما كانت متشوّفةً إليه، فقرّت ونامت، وأقرّ الله عينه وبعينه، وقيل: أعطاه حتى تقرّ، فلا تطمح إلى من هو فوقه. وقيل: أَقرّ الله عينه مشتقّ من الْقَرُور، وهو الماء البارد، وقيل: أقرّ الله عينك، أي صادفت ما يُرضيك، فتقرّ عينك من النظر إلى غيره، وقيل: أقرّ الله عينه: أنام الله عينه، والمعنى: صادف سُرورًا، يُذهب سَهَره، فينام. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث صهيب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في الكلام على هذا الحديث: هذا الحديث هكذا رواه المصنّف، والترمذي في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه"، وغيرهم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال أبو عيسى الترمذيّ، وأبو مسعود الدمشقيّ، وغيرهما: لم يروه هكذا مرفوعًا عن ثابت غير حماد بن سلمة، ورواه سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، وحماد بن واقد، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى من قوله، ليس فيه ذكرُ النبيّ - ﷺ -، ولا ذكرُ صهيب - ﵁ -. قال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم": وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحّة الحديث، فقد قدّمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحقّقون من المحدّثين، وصححه الخطيب البغداديّ أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متّصلًا، وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا حُكم بالمتّصل وبالمرفوع؛ لأنهما زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير من كلّ الطوائف. انتهى (^٢).
_________________
(١) "لسان العرب" ٥/ ٨٦.
(٢) "شرح صحيح مسلم" للنووي ٣/ ١٧.
[ ٥ / ١١١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ من إطلاقه القول: بقبول زيادة الثقة مطلقًا، وكذا الحكم للموصول والمرفوع على الإطلاق، ليس هو المختارَ عند المحدّثين، بل المختار عندهم أن القبول يدور مع القرائن، فإن قامت قرينة لترجيح الوصل والرفع على ضدّهما حُكِم به، وإلا فلا، وكذا القول في زيادة الثقة، وقد استوفيت تحقيق هذا البحث في "شرح المقدمة"، فراجعه تستفد.
ثم إن ما قاله النووي من الترجيح هنا مقبول؛ لأن الذي وصله هو حماد بن سَلَمة، وهو مُقَدَّم في ثابت على غيره، فترجّح روايته.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذيّ" في ذكر طبقات أصحاب ثابت البنانيّ: الطبقة الأولى الثقات، كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حمادُ بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: ما أحدٌ روى عن ثابت أثبتُ من حماد بن سلمة.
وقال ابن معين: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البنانيّ، وقال أيضًا: حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد.
وقال ابن المدينيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم مِن بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، يعني: أن أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت.
وقال أبو حاتم الرازيّ: حماد بن سلمة في ثابت وعليّ بن زيد أحبّ إليّ من همّام، وهو أحفظ الناس، وأعلم الناس بحديثهما، بَيّن خطأ الناس، يعني: أن من خالف حمادًا في حديث ثابت وعليّ بن زبد قُدِّم قول حماد عليه، وحُكم بالخطأ على مخالفه.
وحَكَى مسلم في "كتاب التمييز" إجماعَ أهل المعرفة على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحَكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين، وأحمد، وغيرهم من أهل المعرفة.
وقال الدارقطنيّ: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت. انتهى ما ذكره
[ ٥ / ١١٢ ]
ابن رجب رحمه الله تعالى (^١).
قلت: فتبيّن بهذا أن رواية حماد بن سلمة بالوصل والرفع هي الراجحة، ولذلك أودعها الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه"، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٦/ ٤٥٦ و٤٥٧] (١٨١)، و(الترمذيّ) في "صفة الجنّة" (٢٥٥٢)، و"التفسير" (٣١٠٥)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٨٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣١٥)، و(أحمد) في "مسنده" ٤/ ٣٣٢ و٦/ ١٥، و(هناد بن السريّ) في "الزهد" (١٧١)، و(ابن أبي عاصم) في "السنة" (٤٧٢)، و(عبد الله بن أحمد) في "السنّة" (٢٧١)، و(الطبريّ) في "التفسير" (١٧٦٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤١١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٣، ٤٥٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٣١٤ و٧٣١٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٤١)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٨٠ - ١٨١)، و(الآجريّ) في "التصديق بالنظر" (٣٤ و٣٥ و٣٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٨٢ و٧٨٤ و٧٨٦ و٨٧٥)، و(اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٧٧٨ و٨٣٣)، و(البيهقيّ) في "البعث والنشور" (٤٤٦)، و"الاعتقاد" (١٢٤)، وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٧)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٩٣). والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وهي مجمع عليها عند أهل السنّة والجماعة، وإنما خالفت فيها الفرق الضالّة، كالجهميّة، والمعتزلة.
٢ - (ومنها): الردّ على الفرق الضالّة التي أنكرت الصفات، ورؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وخالفت نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة.
٣ - (ومنها): بيان المراد من ﴿الْحُسْنَى﴾ في قوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وهو أولى التفاسير، وأصوبها للآية الكريمة؛ لأن أولى ما فُسّر به النصّ ما جاء في النصّ.
_________________
(١) راجع: "شرح علل الترمذيّ" لابن رجب ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠.
[ ٥ / ١١٣ ]
٤ - (ومنها): إكرام الله ﷾ عباده المؤمنين بندائهم لإنجاز موعده لهم.
٥ - (ومنها): أن النظر إلى وجهه الكريم أعظم ما يُعطاه العبد من نعيم الجنة، فكلّ نعيم الجنة دونه، اللهم اجعلنا ممن تُعطيه النظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥، وحمّاد ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (وَزَادَ) الضمير ليزيد بن هارون.
وقوله: (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) ظاهر هذه الرواية أنه قرأ الآية بعد ما تقدّم من الحديث، ويخالفه ما في "سنن ابن ماجه"، ولفظه: عن صُهيب، قال: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله مَوْعِدًا يريد أن يُنْجِزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثَقِّل الله موازيننا، ويُبَيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر، يعني: إليه، ولا أقرّ لأعينهم".
فظاهر هذا أنه بدأ بتلاوة الآية قبل الحديث.
[ ٥ / ١١٤ ]
ويجاب: بأنه لا تعارض بينهما؛ لأن الواو في رواية ابن ماجه لا ترتّب، فتُحمل على رواية مسلم بـ "ثُمّ"، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية عبد الرحمن بن مهديّ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٤٥)، فقال:
(٤٥٣) حدثنا أبو بكر، عبد الله بن يحيى الطَّلْحيّ، ثنا عبد الله بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نودوا: يا أهل الجنة إنّ لكم عند الله مَوْعِدًا لم تروه، قالوا: ما هو؟ ألم يُبَيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُدَحْرِجنا عن النار؟، قال: فيَكْشِف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم منه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
[تنبيه آخر]: (اعلم): أن تفسير هذه الآية الكريمة، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بهذا الحديث هو أصحّ ما جاء في تفسيرها، وقد فُسّرت بما هو أعمّ من ذلك.
قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": يُخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادةً على ذلك أيضًا، ويَشْمَل ما يُعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقُّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته.
وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم
[ ٥ / ١١٥ ]
من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ -، ثم أورد حديث صهيب - ﵁ - هذا من رواية الإمام أحمد، ثم قال: وهكذا رواه مسلم، وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا شَبِيب، عن أبان، عن أبي تَمِيمة الْهُجَيميّ: أنه سمع أبا موسى الأشعري - ﵁ - يُحَدِّث عن رسول الله - ﷺ -: "إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يَسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷿"، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذَليّ، عن أبي تميمة الهجيمي به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "النظر إلى وجه الرحمن ﷿".
وقال أيضًا: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمر بن أبي سلمة، سمعت زُهيرًا، عمن سمع أبا العالية، حدثنا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله - ﷺ -، عن قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿"، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.