وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٦٨] (١٨٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا (^١) عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ،
_________________
(١) قوله: "كلاهما" هكذا في بعض النسخ، قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه" (٣/ ٣٩): وقع في معظم النسخ "كليهما" بالياء، ووقع في بعضها "كلاهما" بالألف مصلَحًا، وقد قدّمت في الفصول التي في أول الكتاب بيان جوازه بالياء. انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله عنه: وجهه بالياء أن يكون مفعولًا لفعل مقدّر، أي أعني كليهما، ويحتمل أن يقرأ بالألف، وإن كان مكتوبًا بالياء؛ لإجل الإمالة، والله تعالى أعلم.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِن لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي؟، أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ"، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه المذكور قبل بابين.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، قاضي الريّ، المذكور قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"ج ١ ص ٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة ثبتٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبِيدة) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - بن عَمْرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السَّلْمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها - المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبير، مخضرم، ثقة ثبت [٢].
رَوَى عن علي، وابن مسعود، وابن الزبير، ورَوَى عنه عبد الله بن سَلِمة المرادي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن سيرين، وأبو حسان الأعرج، وأبو الْبَخْتريّ الطائي، وعامر الشعبي، وغيرهم.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
قال الشعبي: كان شُرَيح أعلمهم بالقضاء، وكان عَبِيدة يوازيه، وقال أشعث عن محمد بن سيرين: أدركت الكوفة، وبها أربعة ممن يُعَدّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنّى بعبيدة، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشُريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شُريح لَخِيَار، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم يره، وكان من أصحاب علي وعبد الله، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وقال ابن نُمير: كان شُريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عَبِيدة، ويُروَى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشدّ توقيًا منه، وكلُّ شيء روي عن إبراهيم عن عَبِيدة سوى رأيه، فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا.
وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: هاجر عَبِيدة زَمَنَ عمر - ﵁ -.
وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة. وعَدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود - ﵁ -. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحبُّ إليك أو عَبِيدة؟ فلم يُخَيِّر، قال عثمان: هما ثقتان. وقال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: أصحُّ الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدة عن علي. وقال العجلي: كلُّ شيءٍ رَوَى محمدٌ (^١) عن عَبِيدة، سوى رأيه فهو عن عليّ، وكلُّ شيء رَوَى عن إبراهيم، فذكر مثل ما تقدم.
قال ابن نُمير وغيرُ واحد: مات سنة اثنتين وسبعين، وقال قعنب: مات سنة (٧٢) أو (٧٣). وقال الترمذي: سنة (٧٣)، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سنة (٧٤)، وكذا أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وصححه، وقد قال البخاري في "تاريخه": حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن أبي حَصين قال: أوصى عَبيدة أن يصلي عليه الأسود، خَشِي أن يصلي عليه المختار، فبادر فصلى عليه، وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عَبِيدة مات قبل سنة تسعين بمدة؛ لأن المختار قُتِل سنة (٦٧) بلا خلاف.
_________________
(١) أي ابن سيرين.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: إبراهيم، عن عَبِيدة.
٥ - (ومنها): أن عَبِيدة هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد ما روى له المصنّف فيه.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بعَبِيدة بفتح، فكسر في الكتب الستة تسعة (^١)، منهم في "الصحيحين" ثلاثة:
١ - (الأول): هذا المترجم هنا عند الجماعة.
٢ - (والثاني): عَبِيدة بن حُميد الكوفيّ المعروف بالحذّاء، صدوقٌ نحويّ، ربّما أخطأ، من الطبقة الثامنة، مات سنة تسعين، وقد جاوز الثمانين.
٣ - (والثالث): عَبِيدة بن سفيان الحضرميّ المدنيّ، ثقة من الثالثة، عند المصنّف، والأربعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) قال القاري: الظاهر أنهما متلازمان، فالجمع بينهما للتوضيح، ولا يبعُد أن يكون احترازًا مما عسى
_________________
(١) راجع البقيّة في: "تقريب التهذيب" ص ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٥ / ٢٣١ ]
أن يتوهّم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنّة حينئذ، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: جاء نحو هذا في آخرِ مَن يَجُوزُ على الصراط، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان، أو جنسان، وعَبَّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط، فيتحد المعنى، إما في شخص واحد، أو أكثر، ويقوّي الاحتمال الثاني ما سيأتي في الحديث الثالث من رواية أنس عن ابن مسعود - ﵄ -، ولفظه: آخِرُ مَن يدخل الجنة رجلٌ، فهو يمشي مرّةً، وَيكْبُو مرّةً، وتَسْفَعه النار مرّةً، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نَجّاني منكِ. وعند الحاكم من طريق مسروق، عن ابن مسعود، ما يقتضي الجمع، قاله في "الفتح" (^٢).
(رَجُلٌ) تقدّم الخلاف في اسم هذا الرجل في شرح الحديث الطويل الماضي، (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) - بفتح المهملة، وسكون الموحّدة - منصوب على الحال، أو مفعول مطلق لفعل مقدّر، أي يحُبو حَبْوًا، مِن حَبَا الصبيّ، مِن باب "قال": إذا دَرَج على بطنه، قاله الفيّوميّ (^٣).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "الْحَبْوُ": أن يمشي على يديه وركبتيه، أو اسْته، وحَبَا البعير: إذا بَرَك، ثم زَحَفَ من الإعياء، وحبا الصبيّ: إذا زَحَفَ على اسْتِهِ. انتهى (^٤).
وقال المجد - ﵀ -: حَبَا الرجلُ: إذا مشى على يديه، وبطنه، وحبا الصبيّ: إذا مشى على اسْتِه، وأشرف بصدره. انتهى (^٥).
ووقع في رواية الأعمش، عن إبراهيم، التالية بلفظ "زَحْفًا"، وهما متقاربا المعنى، قال النوويّ - ﵀ -: قال أهل اللغة: الْحَبْوُ: الْمَشيُ على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه
_________________
(١) "المرقاة" ٩/ ٥٥١.
(٢) ١١/ ٤٥٢.
(٣) "المصباح" ١/ ١٢٠.
(٤) "النهاية" ١/ ٣٣٦.
(٥) "القاموس المحيط" ص ١١٤٥.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
ومَقْعَدته، وأما الزَّحْف: فقال ابن دُرَيد وغيره: هو المشيُ على الاسْتِ مع إفراشه بصدره، فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان، أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما حُمِلَ على أنه في حالٍ يَزْحَفُ وفي حالٍ يَحْبُو. انتهى (^١).
(فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا) وفي نسخة: "قال: فيأتيها" بزيادة "قال"، يعني أنه يجيء قريبًا منها، أو فيدخلها (فَيُخَيَّلُ) بالبناء للمفعول: أي يُصوَّر (إِلَيْهِ أَنَّهَا) أي الجنّة (مَلْأَى) فَعْلَى تأنيث ملآن: أي ممتلئة بالسكّان (فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى) أي فليس لي مكان فيها (فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُل الْجَنَّةَ) قال القاريّ - ﵀ -: المراد بها جنس الجنّة، أو جنّة بخصوصها. انتهى (^٢). (فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا) قال القاري - ﵀ -: أي في سعتها، وقيمتها. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وقيمتها" فيه نظر لا يخفى؛ إذ جميع ما في الدنيا لا يساوي قيمةَ أقلّ قليل في الجنّة، كما قال - ﷺ -: "موضع سوط في الجنّة خير من الدنيا وما فيها"، رواه البخاريّ، والله تعالى أعلم.
(وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) أي زيادة عليها في الكميّة والكيفيّة، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فالمؤمن لَمّا ترك الدنيا، وهي كانت كالحبس في حقّه، جوزي بمثلها عَدلًا، وعشرة أضعافها فضلًا (^٤)، والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من الراوي (إِن لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا) وفي رواية الأعمش الآتية: فيقال له: "أتذكُر الزمان الدي كنت فيه؟ - أي الدنيا - فيقول: نعم، فيقال له: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى، فيقال له: لك الذي تمنّيتَ، وعشرة أضعاف الدنيا".
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "فيقول الله تعالى له: اذهب فادخل الجنة، فان لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها"، وفي الرواية الأخرى: "لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا"، هاتان الروايتان بمعنى واحد، وإحداهما تفسير للأخرى،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ٣٩.
(٢) "المرقاة" ٩/ ٥٥٢.
(٣) "المرقاة" ٩/ ٥٥٢.
(٤) راجع: "المرقاة" ٩/ ٥٥٢.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
فالمراد بالأضعاف الأمثال، فإن المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل، وأما قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى في الكتاب: "فيقول الله تعالى: أيُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ "، وفي الرواية الأخرى: "أترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك، وعشرة أمثاله"، فهاتان الروايتان لا تُخالفان الأُوليين، فإن المراد بالأولى من هاتين أن يقال له أوّلًا: لك الدنيا ومثلها، ثم يزاد إلى تمام عشرة أمثالها، كما بيّنه في الرواية الأخيرة، وأما الأخيرة فالمراد بها أن أحد ملوك الدنيا، لا ينتهي ملكه إلى جميع الأرض، بل يَمْلِك بعضًا منها، ثم منهم من يَكْثُر البعض الذي يملكه، ومنهم من يَقِلّ بعضه، فيُعْطَى هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات، وذلك كله قدر الدنيا، ثم يقال له: لك عشرة أمثال هذا، فيعود معنى هذه الرواية إلى موافقة الروايات الأخرى المتقدّمة، ولله الحمد، وهو أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(قالَ) - ﷺ - وفي بعض النسخ بحذف "قال" (فَيَقُولُ) الرجل (أَتَسْخَرُ) بفتح الخاء المعجمة: أي أتستهزئ (بِي؟) قال النوويّ - ﵀ -: وقع في الروايات "أتسخر بي"، وهو صحيح، يقال: سَخِرتُ منه، وسَخِرت به، والأول هو الأفصح الأشهر، وبه جاء القرآن، والثاني: فصيح أيضًا، وقد قال بعض العلماء: إنه إنما جاء بالباء لإرادة معناه، كأنه قال: أتهزأ بي. انتهى (^١).
(أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ") جملة حالية من فاعل "تضحك"، و"أو" للشكّ، وفي رواية الأعمش: "أتسخر بي؟ "، ولم يشكّ، وفي رواية أنس، عن ابن مسعود: "أتستهزئ بي، وأنت ربّ العالمين؟ ".
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "أو أتضحك … إلخ"، هذا شكّ من الراوي، هل قال: "أتسخر بي؟، أو قال: أتضحك بي؟ "، فإن كان الواقع في نفس الأمر أتضحك بي؟، فمعناه: أتسخر بي؟؛ لأن الساخر في العادة يضحك ممن يَسْخَر به، فوُضع الضحك موضع السخرية مجازًا.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٣/ ٤٠.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
قال: وأما معنى "أتسخر بي؟ " هنا ففيه أقوال:
[أحدها]: قاله المازريّ: إنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث، دون لفظه؛ لأنه عاهد الله مرارًا أن لا يسأله غير ما سأل، ثم غَدَرَ، فَحَلّ غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدّر الرجل أن قول الله تعالى له: "ادخل الجنة"، وتردده إليها، وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له، والسخرية به؛ جزاءً لِمَا تقدم من غدره، وعقوبةً له، فسَمَّى الجزاءَ على السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي؟ أي: تعاقبني بالإطماع؟.
[والقول الثاني]: قاله أبو بكر الصوفي: إن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على الله تعالى، كأنه قال: أَعْلَم أنك لا تهزأ بي؛ لأنك رب العالمين، وما أعطيتني من جزيل العطاء، وأضعاف مثل الدنيا حقّ، ولكن العجب أنك أعطيتني هذا، وأنا غير أهل له، قال: والهمزة في "أتسخر بي" همزة نفي، كما في قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] على أحد الأقوال، قال: وهو كلامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مكانه من ربه، وبَسْطَهُ له بالإعطاء.
[والقول الثالث]: قاله القاضي عياض: أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من هذا الرجل، وهو غير ضابط لما قاله؛ لِمَا ناله من السرور ببلوغ ما لم يَخْطُر بباله، فلم يضبط لسانه دَهَشًا وفَرَحًا، فقال، وهو لا يعتقد حقيقةَ معناه، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال النبيّ - ﷺ - في الرجل الآخر: إنه لم يَضبِط نفسه من الفرح، فقال: "أنت عبدي، وأنا ربك" (^١).
وقال القرطبيّ في "المفهم": أكثروا في تأويله، وأشبه ما قيل فيه: إنه استَخَفَّه الفرَح، وأدهشه، فقال ذلك، وقيل: قال ذلك؛ لكونه خاف أن يُجَازَى على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات، وارتكاب المعاصي، كفعل الساخرين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟، فهو كقوله - ﷿ -: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]: أي يُنْزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٣/ ٤٠.
(٢) "المفهم" ٤٢٤ - ٤٢٥.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استهزاء الله تعالى بالمنافقين ونحوهم (^١)، وسُخريّته بهم من صفات الله تعالى التي يقابل بها من يستحقّها، وهي على الحقيقة اللائقة به - ﷾ -، ولا تؤوّل، بل يجب الإيمان بها كما وردت، من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، كسائر صفات الله - ﷿ - من الضحك، والفرح، والرضا، والغضب، ونحوها، ولكنها تأتي في المقابلة، كالمكر والخديعة، وأما تفسيرها بإنزال الجزاء بالمستحقّين له، فليس معنى لها، وإنما هو من لوازمها المترتّبة عليها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) عبد الله بن مسعود - ﵁ - (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ضَحِكَ) بفتح الضاد، وكسر الحاء المهملة، قال المجد - ﵀ -: ضَحِكَ كَعَلِمَ، وناسٌ يقولون: ضِحِكْتُ بكسر الضاد، ضَحْكًا بالفتح والكسر، وبكسرتين، وكَكَتِفٍ، وتضحّك، وتضاحك، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ، وضَحُوكٌ، ومِضْحاكٌ، وضُحَكَةٌ، كهُمَزَة، وكحُزُقّةٍ: كثير الضحك. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: ضَحِكَ من زيد، وضَحِكَ به ضَحِكًا، وضَحْكًا، مثلُ كَلِيم، وكَلْمٍ: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحك، وضحّاكٌ مبالغة. انتهى (^٣).
(حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس ثعلب، وجماهير العلماء، من أهل اللغة، وغريب الحديث، وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل: المراد هنا الضواحك، وقيل: المراد بها الأضراس، وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه (^٤).
وزاد في رواية ابن مسعود: "فضَحِكَ ابن مسعود، فقالوا: مِمّ تضحك؟ فقال: هكذا فَعَلَ رسول الله - ﷺ - مِن ضَحِك رب العالمين، حين قال الرجل:
_________________
(١) انظر ما كتبه الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل في تعليقاته على "فتح الباري" ١١/ ٥٤٠.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٨٥٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٣٥٨.
(٤) "شرح النوويّ" ٣/ ٤٠.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
أتستهزئ مني؟ قال: لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر".
قال البيضاويّ: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجازٌ، بمعنى الرضا، وضحك النبيّ - ﷺ - على حقيقته، وضحك ابن مسعود على سبيل التأسي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: نسبة الضحك مجاز غير صحيح، بل الحقّ أن نسبة الضحك إلى الله تعالى حقيقةٌ، وليس بمجاز، فقد ثبتت هذه الصفة له - ﷾ - في الأحاديث الصحاح، وحقّقها النبيّ - ﷺ - بالفعل تأسّيًا بربّه - ﷾ -، فله - ﷾ - ضحك يليق بجلاله، لا يشبه ضحك المخلوقين.
والحاصل أن الضحك صفة فعليّة ثابتة لله - ﷾ - متعلّقة بمشيئته، كالرضا، والمحبّة، والغضب، ونحوها، فلا تؤوّل بالرضا، بل يجب الإيمان بها على حقيقتها اللائقة به - ﷾ -، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، كما قال - ﷿ -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل ذوي الانحراف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) قال الكرمانيّ - ﵀ -: ليس هذا من تَتِمّة كلام رسول الله - ﷺ -، بل هو من كلام الراوي نقلًا عن الصحابة، أو عن غيرهم، من أهل العلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قائل: "فكان يقال … إلخ"، هو إبراهيم النخعيّ، كما بيّنه ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، حيث قال بعد سوق الحديث ما نصُّهُ: قال إبراهيم: وكان يقال: إن ذلك الرجل أدنى أهل الجنة منزلةً. انتهى.
وأما قائل المقالة المذكورة: فهو النبيّ - ﷺ -، ثَبَتَ ذلك في أول حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجلٌ صرف الله وجهه عن النار … "، وساق القصة، وفي حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - الآتي بعد حديث أبي سعيد ضي الله عنه - رفعه: "قال: سأل
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٤٥٣.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
موسى ربه: ما أدنى أهل الجنّة منزلة … " الحديث، وقد تقدّم للمصنّف أيضًا (^١) من طريق همّام، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: "إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة، أن يقال له: تَمَنّ، فيتمنى، ويتمنى، فيقول: هل تمنّيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت، ومثله معه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٩/ ٤٦٨ و٤٦٩] (١٨٦)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥٧١)، و"التوحيد" (٧٥١١)، و(الترمذيّ) في "صفة جهنّم" (٢٥٩٥)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه " (١٣/ ١١٩ - ١٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩ و٤٦٠)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٥٩ و٣١٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٧ و٧٤٣١ و٧٤٧٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٨٤٢ و٨٤٣ و٨٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤٢٦ و٤٢٧ و٤٢٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٦٥ و٤٦٦ و٤٦٧)، وفي "صفة الجنّة" (٤٤٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٣٣٩ و١٠٣٤٠)، و(البيهقيّ) في "البعث" (٩٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان آخر أهل النار خروجًا منها.
٢ - (ومنها): بيان سعة فضل الله - ﷾ -، وإكرامه لعبده المؤمن، وإن سبقت له سوابق المخالفات والعصيان، إلا أنه - ﷾ - يتفضّل عليه بالتجاوز عنها، ويُعطيه ما لم يخطُر بباله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
_________________
(١) تقدّم برقم (١٨٢).
[ ٥ / ٢٣٨ ]
٣ - (ومنها): بيان إثبات صفة الضحك لله - ﷾ -، فقد ثبتت في هذا الحديث الصحيح، وفي أحاديث أخرى صحيحة، فهي ثابتة له - ﷾ - على ما يليق بجلاله، كما سبق تحقيقه آنفًا.
٤ - (ومنها): بيان جواز الضّحِك، وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن، ولا بمسقط للمروءة، إذا لم يجاوز به الحدّ المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنِّي لَأَعْرِفُ اَخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّار، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ (^٢)، قَالَ: فَيَذْهَبُ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ، وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ "، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ - ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْب) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطًة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثناه".
(٢) وفي نسخة: "ادخل الجنة"، بدون الفاء.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) هو سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، وشرح الحديث يُعلم مما قبله، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٧٠] (١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَثنَا ثَابِت، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْك، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأوَّلينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِل بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلمْ تُعَاهِدْنِي، أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلُهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ
[ ٥ / ٢٤٠ ]
تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَاب الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبّ، هَذِه، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؛ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ " فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنَي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار البصريّ الحافظ المذكور قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَة) أبو سلمة البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا.
٣ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا.
٤ - (أَتس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير مات - ﵁ - سنة (٣٢) أو (٣٩) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن مسعود، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس - ﵁ -، لزمه أربعين سنة.
[ ٥ / ٢٤١ ]
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ" - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً) قال الطيبيّ - ﵀ -: الفاء يجوز أن تكون تفصيليّةَّ، أَبْهَمَ أَوّلًا دَخوله الجنّة، ثم فصّل كيفيّة دخوله فيها ثانيًا، وأن تكون لتعقيب الإخبار، وإن تَقَدَّمَ ما بعدها على ما قبلها في الوجود، فوقعت موقع "ثُمّ" في هذا المعنى، كأنه قيل: أُخبركم عقب هذا القول حاله، فهو يمشي قبل دخوله في الجنّة مرّةً. انتهى (^١). (وَيَكبُو) أي يسقط على وجهه، يقال: كَبَا يَكْبُو كَبْوًا بفتح، فسكون، وكُبُوًّا بضمّتين، وتشديد الواو: انكبّ على وجهه، قاله المجد (^٢).
ووقع عند أبي عوانة بلفظ: "فينكبّ" (مَرَّةً) أخرى (وَتَسْفَعُهُ النَّارُ) بفتح التاء، وسكون السين المهملة، وفتح الفاء: أي تضرب وجهه، وتُسَوّده، وتؤثّر فيه أَثَرًا، وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "تسفعه النار": أي تُعلم في وجهه علامةَّ، يقال: سفعتُ الشيءَ: إذا جعلت عليه علامةً، يريد: أثرًا من النار. انتهى.
وقال ابن الملك: "تسفعه": أي تلفحه لفحًا يسيرًا، فيتغيّر لون بشرته، وقيل: أي: تُعلّمه علامة، أي: أثَرَّا مَنها، وفي "القاموس": "سَفَعَ الشيءَ" كمنعه: أعلمه، ووَسمَهُ، وسَفَعَ السَّمُومُ وجهَهُ: لَفَحَهُ لَفْحًا يسيرًا، قال: ولفحت النار بحرّها: أحرقت. انتهى (^٣).
(مَرَّةً) أخرى (فَإِذَا مَا) زائدة (جَاوَزَهَما) أي تَعَدّى النار التي آذته بحرّها وسمومها (الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تبَارَكَ) أي تقدّس، وتنزّه، وهي صفة خاصّة بالله تعالى، قاله المجد (^٤). وقال القاري: "تبارك": تعظّم، وتعالى، أو تكاثر خيره. انتهى (^٥). (الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ) هذا فَرَحٌ بما أُعطيه من النجاة من سَفْعِ
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٥٣٥.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١١٩٤.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٢١٨ وص ٦٥٥.
(٤) المصدر السابق ص ٨٣٩.
(٥) "المرقاة" ٩/ ٥٤٦.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
النار (لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ) جواب قسم محذوف: أي والله لقد أعطاني الله (شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) أَقْسَم بالله تعالى من شدّة الفرح أنّ نجاته نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين: أي ممن كان على مثل حاله الذين خلّفهم وراءه؛ إذ لم ير أهل الجنّة حتى يعرف أنهم أعطوا أفضل مما أُعطيه بكثير، وقال القاري: ولعلّ وجهه أنه ما رأى أحدًا مشاركًا له في خروجه من النار، ولم يدر أن الأبرار في دار القرار. (فَتُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (لَهُ شَجَرَةٌ) أي عندها عين ماء كما يأتي في قوله: "وأشرب من مائها" (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء (رَبِّ) تقدّم أن فيه في حالة النداء ستّ لغات (أَدْنِنِي) بقطع الهمزة، أمرٌ من الإدناء رباعيًّا: أي قرّبني (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ) بكسر اللام الأولى، ونصب الفعل كذا في "المرقاة"، وتعقّبه بعض المحقّقين، فقال: ولا يخفى ما فيه، والصواب أن تُسَكّن اللام؛ لكونها للأمر مقرونةً بالفاء، ويُجزَم بها الفعل، وما عُطِف عليه، فإن أمر المتكلّم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، ورد في الكتاب العزيز، والحديث الشريف، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقال - ﷺ -: "قوموا فلأصلِّ لكم"، متّفقٌ عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ الظاهر أن الرواية بنصب الفعل، وتوجيهه ما ذكره الطيبيّ - ﵀ -، قال: الفاء فيه سببتة، واللام مزيدة للتأكيد، أو عكسه. انتهى (^١).
وحاصل ما أشار إليه أن الفعل منصوب بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء السببيّة الواقعة بعد الطلب، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضيْنِ "أَنْ" وَسَتْر حَتْمٌ نَصَبْ
وعلى هذا فاللام زائدة للتأكيد، أو الفعل منصوب بـ "أن" مضمرةً أيضًا بعد "لام كي"، وعلى هذا فالفاء زائدة للتأكيد، والله تعالى أعلم.
(بِظِلِّهَا) أي ظلّ تلك الشجرة (وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا) أي مسألتك، أو أُمنيّتك، وقوله: (سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟)
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٥٣٦.
[ ٥ / ٢٤٣ ]
جواب الشرط، وهو دالّ على خبر "لعلّ" (^١)، وفي بعض النسخ: "إن أعطيتكها أن تسألني غيرها" (فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) أي يجعله معذورًا، أي غير ملوم، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من العَذْر ثلاثيًّا، أو بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعذار رباعيًّا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: "عَذَرْتُهُ فِيما صَنَعَ عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللَّوْمَ، فهو معذورٌ: أي غير ملوم، والاسم الْعُذْرُ، وتُضَمّ الذال للاتباع، وتُسَكَّن، والجمع أعذار، قال: وأعذرته بالألف لغة، واعتذر: أي طَلَب قبول معذرته، واعتذر عن فعله: أظهر عُذْره. انتهى (^٢).
(لِأَنَّهُ) أي العبد (يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ - ﵀ - ﵀ -: كذا هو في الأصول في المرتين الأُوليين، وأما الثالثة فوقع في أكثر الأصول: "ما لا صبر له عليها"، وفي بعضها: "عليه"، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى "عليها" أي نعمةً لا صبر له عليها: أي عنها. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: معنى كلام النوويّ - ﵀ - أن "ما" عبارة عن نعمة، و"على" بمعنى "عن"، والله تعالى أعلم.
(فَيُدْنِيهِ) أي يقرّبه (مِنْهَا) أي من تلك الشجرة (فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، ويَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي أخرى (هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى) لأن ربّه - ﷾ - أراد له الترقّي من الأدنى إلى الأعلى (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) وفي نسخة: "يا ربّ" (أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) قال القاري - ﵀ -: الواو لمطلق الجمع؛ لأن الظاهر أن الاستراحة بظلِّها قبل الشرب من مائها. انتهى (^٤). (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) قال الطيبيّ - ﵀ -: هو حالٌ تنازع فيه "أستظلّ"، و"أشرب" (فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْألَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ) أي الربّ - ﷾ - الَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي) بالرفع: أي تطلب منّي (غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ
_________________
(١) "المرقاة" ٩/ ٥٤٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٨.
(٣) "شرح النوويّ" ٣/ ٤٢.
(٤) "المرقاة" ٩/ ٥٤٧.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي ثالثة (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَب أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ) قال الطيبيّ - ﵀ -: منصوب المحلّ بفعل يفسّره ما بعده: أي أسألك هذه، وقوله: (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أو مستأنفة (وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) ولفظ أبي عوانة: "والربّ يعلم أنه سيسأله غيرها" (لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا) وفي بعض النسخ: "عليه"، وقد سبق توجيه الوجهين قريبًا (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ) وفي نسخة: "فسَمِعَ" (أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي في مؤانستهم مع أزواجهم، أو في محاورتهم مع أصحابهم، فأراد الاستئناس بهم، أو في غنائهم، فأراد التقرّب ليلتذّ بأنغامهم (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الياء، وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يَقْطَع مسألتك مني، قال أهل اللغة: "الصَّرْيُ" بفتح الصاد، وإسكان الراء: هو القطع، ورُوي في غير "صحيح مسلم": "ما يَصْرِيك مني؟ "، قال إبراهيم الحربيّ: هو الصواب، وأنكر الرواية التي في "صحيح مسلم" وغيره: "ما يَصْرِيني منك"، قال النوويّ: وليس هو كما قال، بل كلاهما صحيح، فإن السائل متى انقَطَع من المسؤول انقَطَع المسؤول منه، والمعنى: أَيُّ شيء يُرْضِيك، وَيقْطَع السؤال بيني وبينك؟. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "ما يصريني منك؟ ": أي ما يقطع مسألتك، ويمنعك من سؤالي؟ يقال: صَرَيتُ الشيءَ: إذا قَطعته، وصَرَيتُ الماء، وصَرّيته: إذا جمعته، وحَبَسته، وقال التوربشتيّ - ﵀ -: صَرَى الله عنه شَرّه: إذا رَفَعَه، وصَرَيته: منعته، وصَرَيتُ ما بينهم صَرْيًا: أي فَصَلتُ، يقال: اختصمنا إلى الحاكم، فصَرَى ما بيننا: أي قَطَعَ ما بيننا وفَصَلَ، وحسن أن يقال: ما يفصل بيني وبينك؟.
والمعنى هنا: ما الذي يُرضيك حتى تترك مناشدتك؟ فقد أجبتك إلى ما سألت كرّةً بعد كرّة، وأخذتُ ميثاقك أن لا تعود، ولا تسأل غيره، وأنت لا
[ ٥ / ٢٤٥ ]
تفي بذلك، فما الذي يَفصِل بيني وبينك في هذه القضيّة؟ ففيه بيان فضل الله العظيم على عباده، وسعة رحمته وكرمه وبرّه ولطفه بهم، حيث يُخاطبهم مخاطبة المستعطف الباعث سائله على الاستزادة، فما أكرم جوده الجسيم، وما أعظم برّه العميم!.
(أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ") ولفظ أبي عوانة: "وأنت ربّ العزّة"، إنما قال هذا لغلبة الفرح والسرور عليه، قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا الكلام صادرٌ عنه، وهو غير ضابط لما قال من شدّة السرور ببلوغ ما لم يَخطُر بباله، فلم يضبط لسانه دهشةً وفَرَحًا، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، ونحوُهُ ما جاء في حديث التوبة من قول الرجل لَمّا وجد راحلته، وما حملته: "اللهم أنت عبدي، وأنا ربّك"، متّفقٌ عليه.
(فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (فَقَالَ: أَلَا) بالتخفيف: أداة تحضيض (تَسْأَلُونِّي) قال القاري - ﵀ -: بتشديد النون، وتخفف. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاري من الضبط بالوجهين يعتمد على صحة الرواية بهما، فإن صحّت بأحدهما فهو المعتمد، ولم أجد من حقّق الرواية، غير أن النُّسخ مضبوطة بالقلم بالتشديد، والله تعالى أعلم.
(مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قال التوربشتيّ: الضحك من الله تعالى، ومن رسوله - ﷺ -، وإن كانا متّفقين في اللفظ، فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله - ﷾ - يُحمل على كمال الرضا عن العبد، هارادة الخير ممن يشاء أن يرحمه من عباده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله التوربشتيّ من معنى ضحك الله - ﷾ - تفسير باللازم، يريد بذلك أن الضحك مجاز، وليس حقيقةً، وهذا غير صحيح،
_________________
(١) "المرقاة" ٩/ ٥٤٩.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
فالحقّ، والصواب أن الضحك ثابت لله - ﷾ - حقيقةً على ما يليق بجلاله، وقد تقدّم البحث مستوفًى، فلا تك من الغافلين، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاويّ: إنما ضحك رسول الله - ﷺ - استعجابًا، وسرورًا بما رأى من كمال رحمة الله تعالى، ولطفه على عبده المذنب، وكمال الرضا عنه، وأما ضَحِك ابن مسعود - ﵁ - فكان اقتداءً بسنّة رسول الله - ﷺ -؛ لقوله: "هكذا ضحك رسول الله - ﷺ -". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب في بيان سبب ضحك النبيّ - ﷺ - هو الذي ثبت عنه، لا ما قاله البيضاويّ، فقد صحّ عنه - ﷺ - بيان سببه هنا لَمّا قالوا له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضَحِك رب العالمين"، فهل بعد بيانه - ﷺ - بيان؟، هيهات هيهات، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم.
(حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ") ولفظ أبي عوانة: "ولكني على ما أشاء قدير".
قال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: لم استدركه؟، قلت: عن مقدّر، فإنه تعالى لَمّا قال له: "أيرضيك أن أُعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ "، فاستبعده العبد؛ لِمَا رأى أنه ليس أهلًا لذلك، وقال: "أتستهزئ بي؟ " قال - ﷾ - له: نعم كنتَ لست أهلًا له، لكني أجعلك أهلًا له، وأُعطيك ما استبعدته؛ لأني على ما أشاء قادر. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٩/ ٤٧٠] (١٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩١ - ٣٩٢ و٤١٠ - ٤١١)، (وأبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٠
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٥٣٧.
[ ٥ / ٢٤٧ ]
و٥٢٩٠)، و(الدارميّ) في "الردّ على المريسيّ" (ص ٥٣٢)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٣١ و٣١٨ - ٣١٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٧ و٧٤٣٠ و٧٤٣١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٦٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٧٧٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٨٤١)، و(البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٤٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾