[١٣٩] (٢٤) - (وحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَن أَبِيه، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَا عَمّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَن مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْرِضُهَا عَلَيه، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
[ ١ / ٥١٢ ]
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الثقة الحافظ العابد الفقيه [٩] (ت ١٩٧) (ع) ٢/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٩] (ت ١٥٩) (ع) ٢/ ٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٤٣.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه الثقة الثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) ٤/ ٧٠.
٦ - (أَبُوهُ) المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عِمْران بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، والد سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، وله حديث في "الصحيحين " من طريق طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجًّا، فمررت بقوم يُصَلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله - ﷺ - بيعة الرضوان، فلقيت سعيد بن المسيب، فأخبرني، فقال سعيد: حدثني أبي، أنه كان ممن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل أتيناها، فلم نَقْدِر عليها، قال سعيد: إن أصحاب محمد - ﷺ - لم يعلموها، فعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم، وللمسيب حديث آخر في "الصحيحين" وغيرهما في قصة وفاة أبي طالب.
قال الحافظ في "الإصابة": وفي كل ذلك رَدٌّ لقول مصعب الزبيريّ: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح، وقد رد كلامه بذلك أبو أحمد الْعَسْكريّ، وقد شَهِدَ المسيب فتوح الشام، ولم يتحرر لي متى مات. انتهى كلام الحافظ (^١).
_________________
(١) "الإصابة" ٦/ ٩٦.
[ ١ / ٥١٣ ]
وقال في "تهذيب التهذيب": زعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد ثبت في "الصحيح" أنه شهد الحديبية، وقال ابن يونس: قَدِمَ المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة سبع وعشرين. وفي "الثقات" لابن حبان في التابعين: المسيب بن حزن فإن كان أراد هذا، فقد وَهِمَ وَهَمًا قَبِيحًا، وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ (^١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث مبايعته تحت الشجرة (١٨٥٩)، وأعاده بعده مرّتين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالإخبار، وفي أوله التحديث، وفي آخره العنعنة، وكلّها من صيغ الاتّصال على التفصيل في "عن".
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدّموا قريبًا.
٧ - (ومنها): أن سعيدًا تفرّد بالرواية عن أبيه، فليس له راوٍ غيره، وهذا مما يُردّ به على الحاكم أبي عبد الله النيسابوريّ في دعواه أن شرط الشيخين أن يخرجا الحديث الذي يرويه صحابيّ مشهور بالرواية عن الرسول - ﷺ -، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان إلخ، فإن هذه دعوى يكذّبها هذا السند، ونحوه مما سبق بيانه في المسألة
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٨٠.
[ ١ / ٥١٤ ]
الحادية والعشرين من مقدّمة "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٨ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا ثلاثة أحاديث: هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وحديث قصّة مبايعته تحت الشجرة عندهما، وحديث قصة مجيء أبيه إلى النبيّ - ﷺ -، فقال له: "ما اسمك؟ … إلخ" عند البخاريّ.
٩ - (ومنها): أن "المُسَيَّب" كله بفتح الياء، بصيغة اسم المفعول، إلا هذا، فإن الأولى ضبطه بكسر الياء المشدّدة؛ لأنه الذي ثبت عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، وكان سعيد يكره فتحه، ويقال: إنه دعا على من فتح، وقال: سيّب الله من سيّب أبي، وإلى ما ذُكر من ضبطه أشرت بقولي:
مُسَيَّبٌ بِفَتْحِ يَائِهِ سِوَى … أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى
لَكِنَّ كَسْرَهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى … أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَلْيُثْبَتَا
وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ … بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ
فَابْتَعِدَنْ عَنْ فَتْحِهِ لِتَسْلَمِ … عَنْ كُرْهِهِ وَلَوْمِهِ وَتَغْنَمِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِيهِ) المسيِّب بن حَزْن - بفَتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها نون - ابن أبي وَهْب، أنه (قَال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي حضرت علامات الموت، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة، لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدُل عليه ما وقع من محاورة النبيّ - ﷺ - له ولمن حضره من كفّار قريش بينه وبينهم.
ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجاء النبيّ - ﷺ - أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتَسُوغُ شفاعته؛ لمكانه منه، ولهذا قال: "أُحاجّ لك بها عند الله"، فيكون من الخصوصيّات، ويؤيد ذلك أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة
[ ١ / ٥١٥ ]
عبد المطلب ومات على ذلك، أن النبيّ - ﷺ - لم يترك الشفاعة له، بل شَفَعَ له حتى خُفِّفَ عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضعّف القاضي عياضٌ هذا الاحتمال الثاني في "إكماله" ١/ ٢١٢ ونقله عنه النوويّ في "شرحه"، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أنه احتمال صحيح قويّ، بل هو أقوى من الأول؛ للأدلة التي سمعتها الآن في تحقيق الحافظ، فاحتفظ بها، ولا يصُدَّنَّكَ كلام القاضي، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح أحاديث الشفاعة الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: أبو طالب هذا هو ابن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وهو عمّ النبيّ - ﷺ -، ووالد علي بن أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأول أصحّ، واسم عبد المطّلب: شيبة، وكان يقال له: شيبة الحمد، واسم هاشم: عمرو، وهاشم لقب له؛ لأنه أوّل من هَشَمَ الثَّرِيد لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قُصيّ: زيد، وقيل له: مُجَمِّع؛ لأنه جَمَعَ إليه قومَهُ، وكان والد النبيّ - ﷺ -، وهو عبد الله قد تُوُفّي، ورسول الله - ﷺ - حَمْلٌ في بطن أمه على الأصحّ، فوُلد رسول الله - ﷺ -، ونشأ في كفالة جدّه عبد المطّلب إلى أن تُوُفّي، فكَفَلَهُ عمّه أبو طالب، ولم يَزَل يُحبّه حبًّا شديدًا، ويَحُوطه ويَحفظه إلى أن بَعَثَ الله محمدًا - ﷺ - بالنبوّة، فنصَرَه أبو طالب، وأعانه، وأجاره ممن يُريد به سُوءًا، وقام دونه، وعادى في حقّه قُرَيشًا، وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروه بالعداوة والأذى، وطَلَبوا أن يُسلّمه لهم، فلم يفعل، ثم إن قريشًا، وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجْره، وجميع بني هاشم، ومقاطعتهم، وعلى أن لا يقاربوهم، ولا يناكحوهم، لا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهم بشيء، من وجوه الرفق كلّها، حتى يُسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -، وكَتَبُوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب، وبنو هاشم في شِعْبِهم، وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٤٣.
[ ١ / ٥١٦ ]
في جهد جَهِيد، وحال شديد إلى أن نَقَضَ الله أمر الصحيفة، وأظهر أمر نبيّه - ﷺ - على ما هو مذكور في كتب السِّيَر.
وكان أبو طالب يَعْرِفُ صدقَ النبي - ﷺ - في كلّ ما يقوله، ويقول لقريش: تعلمون أن محمدًا لم يَكذِب قطّ، ويقول لابنه عليّ: اتّبعه، فإنه على الحقّ، غير أنه لم يدخل في الإسلام، ولم يتلفّظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، فدخل عليه رسول الله - ﷺ - طامعًا في إسلامه، وحَرِيصًا عليه، باذلًا في ذلك جهده، مُستفرغًا ما عنده، ولكن عاقت عن ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرصٌ، ولا اقتدار. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال النوويّ في "شرحه": وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول الله - ﷺ - تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتُوُفِّيت خديجة، أم المؤمنين - ﵂ - بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. انتهى (^٢).
(جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ)، قال في "الفتح": يحتمل أن يكون الْمُسَيِّب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كُفّارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران.
وأما قول بعض الشُّرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فمردود؛ لأنه اسْتَدَلَّ بأن المسيِّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول الْعَسْكَرِيّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأَيًّا ما كان فلم يَشْهَد وفاةَ أبي طالب؛ لأنه تُوُفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ - ﷺ - يومئذ نحوُ الخمسين سنةً. انتهى.
ووجه الرَّدِّ أنه يلزم من كون المسيِّب تأخر إسلامه أن لا يَشهَد وفاة أبي طالب، كما شَهِدَها عبد الله بن أبي أمية، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك.
وعَجَبٌ من هذا القائل كيف يعزو كون المسيّب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، وَيغْفُلُ عن كون ذلك ثابتًا في "صحيح البخاري" الذي
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢١٥.
[ ١ / ٥١٧ ]
شَرَحَهُ؟ كما هو مذكور في "كتاب المغازي" واضحًا (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَا عَمِّ) وفي رواية البخاريّ: "أَيْ عَمِّ"، فـ "أَيْ" بتخفيف الياء حرف نداء، و"عَمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، حُذفت تخفيفًا.
[فائدة]: يجوز في إعراب قوله: "يا عمّ" أوجه، وذلك لأن القاعدة أنه إذا أُضيف المنادى إلى ياء المتكلّم، وكان صحيح الآخر، كالعبد، والأب، والأم، والعم، ونحوها، جاز فيه ستّة أوجه:
[أحدها]: حذف الياء، والاستغناء بالكسرة، نحو "يا عمِّ"، وهذا هو الأكثر.
[الثاني]: إثبات الياء ساكنةً، نحو "يا عمّي"، وهو دون الأول في الكثرة.
[الثالث]: قلب الياء ألفًا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو "يا عمَّ".
[الرابع]: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحةً، نحو "يا عمَّا".
[الخامس]: إثبات الياء مُحرّكةً بالفتح، نحو "يا عمّيَ"، وإلى هذه الأوجه الخمسة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كـ"عَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا"
[السادس]: ضم الاسم بعد حذفها، كالمنادى المفرد، والاكتفاء بنيّة الإضافة، وهو أضعف الوجوه، ولا يكون إلا فيما يكثر نداؤه مضافًا للياء، كالربّ، والأبوين، والعم، ونحو ذلك (^٢).
فتبيّن بهذا أنه يجوز في قوله هنا: "يا عمّ" هذه الأوجه الستة كلّها، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من "لا إله إلا الله"، أو على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٤٣.
(٢) راجع: "شرح ابن عقيل، مع حاشية الخضريّ" ٢/ ١٢٢ - ١٢٣.
[ ١ / ٥١٨ ]
(أَشْهَدُ) يجوز جزمه على أنه جواب الأمر، أي إن تقل أشهَدْ، ويجوز رفعه على الاستئناف استئنافًا بيانيًّا، كأنه قال: فما لي إن قلتها؟ وفي رواية للبخاريّ: "أُحَاجُّ"، وهي بتشديد الجيم، من الْمُحَاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ: "أُجادل عنك بها"، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري قال: "أَيْ عَمّ، إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمةً تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة". قاله في "الفتح" (^١).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وكلّ ذلك ترغيبٌ لأبي طالب، وحرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلا ما يُريد. انتهى (^٢).
(لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) الجارّان، والظرف متعلّقات بـ "أشهد".
(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِب، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاريّ، أي أتُعرض عنها، وتتركها، يقال: رَغِبَ عن الشيء: إذا لم يُرِده، ورغب فيه: إذا أراده، قال في "القاموس": رَغِبَ فيه، كسَمِعَ رَغْبًا، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغب، ورَغِبَ عنه: لم يُرده. انتهى (^٣)، وفي "المصباح": رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغَبًا بفتح الغين، وسكونها، وَرُغْبَى بفتح الراء وضمّها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبْتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (^٤).
(فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوله، وكسر الراء، يقال عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إيّاه، أي لم يَزَلْ - ﷺ - يُرغّب أبا طالب في تلك الكلمة، ويُحسّنها له، وفي رواية الشعبي عند الطبريّ: "فقال له ذلك مرارًا" (وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في الأصول، وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أن النبيّ - ﷺ - أقبل على أبي طالب يَعْرِض عليه الشهادة، ويُكرّرها عليه، ووقع في بعض النسخ: "ويُعيدان له تلك المقالة" على التثنية، ووجهها أن أبا جهل وعبد الله بن أبي أميّة أعادا على أبي طالب
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٤٥.
(٢) "المفهم" ١/ ١٩٣.
(٣) "القاموس" ص ٨٤.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٢٣١.
[ ١ / ٥١٩ ]
قولهما: "أترغب عن ملّة عبد المطّلب"، حتى أجابهم إلى ذلك، قال القاضي: وهذا أشبه. انتهى (^١).
وفي رواية البخاريّ: "ويُعيدانه بتلك المقالة" قال في "الفتح": أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كان قارب أن يقولها، فَيَرُدّانه، ووقع في رواية معمر: "فيعودان له بتلك المقالة"، وهي أوضح. انتهى (^٢).
(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي في آخر تكليمه إياهم (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أرادَ بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: "أنا" فَغَيَّرها الراوي؛ أَنَفَةً أن يَحْكِيَ كلامَ أبي طالب، استقباحًا للّفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة.
ووقع في رواية مجاهد قال: "يا ابن أخي مِلَّةُ الأشياخ"، ووقع في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا عند مسلم: "قال: لولا أَنْ تُعَيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله الْجَزَعُ، لأقررت بها عينك"، وفي رواية الطبرانيّ: قال: لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبَالِ أن أَفْعَلَ".
(وَأَبَى) أي امتنع أبو طالب (أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يُمْكن اطّلاعه عليه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلعه النبيّ - ﷺ -.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَا") بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ "ألا" ووقع في بعض النسخ "أَمَ والله لأستغفرن لك"، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "أَمَ " من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: "أَمَا والله" بألف بعد الميم، وكلاهما صحيح.
قال الإمام أبو السعادات، هبة الله بن عليّ بن محمد العلويّ الحسنيّ المعروف بابن الشجريّ في كتابه "الأمالي": "ما" مزيدة للتوكيد، رَكَّبُوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما: أن يراد به
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٣ بزيادة من "شرح النووي" ١/ ٢١٤.
(٢) "الفتح" ٨/ ٦٤٤.
[ ١ / ٥٢٠ ]
معنى "حَقًّا" في قولهم: "أما والله لأفعلنّ". والآخر: أن يكون افتتاحًا للكلام، بِمَنْزلة "ألا"، كقولك: "أما إنّ زيدًا منطلق"، وأكثر ما تُحذَف ألفها إذا وَقَعَ بعدها القسم؛ لِيَدُلُّوا على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأن الكلمة إذا بَقِيت على حرف واحد، لم تقم بنفسها، فعُلِم بحذف ألف "ما" افتقارها إلى الاتصال بالهمزة انتهى (^١).
(وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنُهَ) بالبناء للمفعول (عَنْكَ) أي عن الاستغفار لك، وفي بعض رواية غير الكشميهني عند البخاريّ: "ما لم أُنه عنه"، أي عن الاستغفار الذي دلّ عليه قوله: "لأستغفرنّ لك".
قال الزين بن الْمُنَيِّر: ليس المراد طلب المغفرة العامّة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مُبَيَّنًا في حديث آخر.
وتعقّبه الحافظ بأنّ هذه غفلة شديدةٌ منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُرَدَّ، وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإنما وَقَعَ النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ - ﷺ - اقتداءً بإبراهيم ﵇ في ذلك، ثم وَرَدَ نسخ ذلك كما سيأتي بيانه واضحًا. انتهى.
أفَانزَلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])، أي ما يجوز، وما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، قاله في "الفتح"، وذكر أهل المعاني أنّ "ما" تأتي في القرآن بمعنى النفي، كقوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وبمعنى النهي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهي في هذا الحديث للنهي، وتأوّل بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصلاة، والصحيح الأول (^٢).
والواو في قوله تعالِي: (﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾) [التوبة: ١١٣] واو الحال (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾) [التوبة: ١١٣]، أي بالموت على الكفر، و"الجحيم" اسم من أسماء النار المعدّة للكفّار، وكلُّ نار في مَهْوَاة فهي جحيم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصّافّات: ٩٧]،
_________________
(١) راجع: "شرح مسلم" للنووي ١/ ٢١٥.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٨/ ١٨١.
[ ١ / ٥٢١ ]
والجاحم: المكان الشديد الحرّ، وأصحاب الجحيم: مستحقّوها، وملازموها.
ثم بيّن تعالى عذر إبراهيم عن استغفاره في قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦] بأن ذلك إنما كان منه لأجل وعد إبراهيم لأبيه حين قال له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقيل: إن الموعد هو من أبي إبراهيم له بأن يسلم، فلما لم يَفِ بها، وتبيّن له أنه لا يسلم إما بالوحي، وإما بموته على الكفر، تبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والقولان لأهل التفسير.
و"الأوّاه": الدَّعَّاءُ المتضرّع، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس، و"الحليم": السيّد، قاله ابن حبيب، وقيل: هو الصبور على البَلْوَى، الصَّفُوحُ عن الأذى. قاله القرطبيّ (^١).
(وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى في أَبيِ طَالِبٍ) أي في شأنه وأمره (فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي لا تقدر على توفيق من أراد الله تعالى خذلانه، وكشَفَ ذلك بأن الهداية الحقيقيّة هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير الله تعالى بوجه ما، هي الإرشاد والدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]: أي ترشد، وتبيّن، كما قال: ﴿لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما ذكرناه هو مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة. انتهى (^٢).
وقال النوويّ في "شرحه": قد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاجُ وغيره (^٣)، وهي عامّةٌ، فإنه لا يَهْدِي، ولا يُضِلُّ إلا الله تعالى.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) "المفهم" ١/ ١٩٦.
(٣) وتعقّب أبو عبد الله القرطبي في "تفسيره" ١٣/ ٢٩٩ على الزجاج، فقال بعد نقل قوله: قلت: والصواب أن يقال: أجمع جلّ المفسّرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبيّ - ﷺ -. انتهى.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقال الفراء وغيره: قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يكون على وجهين:
[أحدهما]: معناه من أحببته لقرابته.
[والثاني]: من أحببت أن يَهتدِيَ، قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] أي بمن قُدِّرَ له الهدى. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره": يقول الله تعالى لرسوله - ﷺ -: إنك يا محمد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَر النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وهذه الآية أخصّ من هذا كلّه، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، أي هو أعلم بمن يستحقّ الهداية ممن يستحقّ الغَوَايةَ. انتهى (^٢).
وقال النسفيّ رحمه الله تعالى: في "تفسيره": ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كلّ من أحببتَ أن يدخل فيه من قومك وغيرهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] بمن يختار الهداية، ويَقبلها، ويتّعظ بالدلائل والآيات. قال الزجّاج: أجمع المفسّرون (^٣) على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدّقُوا محمدًا تُفلِحُوا، فقال - ﷺ -: "يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم، وتَدَعُها لنفسك؟ "، قال: فما تُريد يا ابن أخي؟ قال: "أريد أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله"، قال: يا ابن أخي أنا قد عَلِمتُ أنك صادقٌ، ولكنّي أكره أن يُقال: جَرخَ عند الموت، وإن كانت الصيغة عامّةً، والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدلّ أن وراء البيان ما يُسمّى
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٢) "تفسير ابن كثير" ص ١٠٠١ نسخة مؤسّسة الرسالة.
(٣) تقدّم أن القرطبي قد تعقّب هذا، وقال: الصواب: أجمع جلّ المفسّرين.
[ ١ / ٥٢٣ ]
هدايةً، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المسيِّب بن حَزْن - ﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا "الإيمان" ١/ ٤٠ (١٣٩ (٢٤) (^٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه به. وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به. وعن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم، عن الزهريّ به.
و(البخاريّ) في "التفسير" ٦/ ٨٧ (٤٦٧٥) عن إسحاق بن إبراهيم - وفي قصّة أبي طالب ٥/ ٦٥ (٣٨٨٤) عن محمود - كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر. وفي "النذور" ٨/ ١٧٣ (٦٦٨١) وفي "التفسير" أيضًا ٦/ ١٤١ (٤٧٧٢) عن أبي اليمان، عن شعيب - وفي "الجنائز" ٢/ ١١٩ (١٣٦٠) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح - ثلاثتهم عن الزهريّ به.
و(النسائيّ) في "الجنائز" ٤/ ٩٠ (٢١٦٢) وفي "التفسير" (١١٢٣٠) و(١١٣٨٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر به.
و(أحمد) ٥/ ٤٣٣ عن عبد الرزاق، عن معمر به. و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٤ و١٢٥ و١٢٦ و١٢٧) و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢ و٢٣ و٢٤ و٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): أنه دليلٌ واضحٌ على صحة إسلامِ مَن حضره الموت، ما لم يَشْرَع في النَّزْع، وهو الْغَرْغَرة.
_________________
(١) "تفسير النسفي" ٣/ ٢٤٠.
(٢) الأول ترقيمي، والثاني ترقيم محمد فؤاد.
[ ١ / ٥٢٤ ]
٢ - (ومنها): أنّ من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.
٣ - (ومنها): أنّ من لم يعمل خيرًا قط إذا خَتَمَ عمره بشهادة أن لا إله إلا الله، حُكِم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عَقْدُ قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وَصَلَ إلى حَدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعَجَزَ عن فهم الخطاب ورَدّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متّبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين.
٥ - (ومنها): أن المحبّة النافعة هي المحبّة الإيمانيّة، لا المحبّة الطبيعيّة، فإن أبا طالب كان يحبّ النبيّ - ﷺ - حبًّا شديدًا، ويقدّمه على نفسه، وعلى أولاده، ولكنه ما نفعه ذلك؛ إذ لم يحبّه المحبّة الشرعيّة التي تحمل على اتّباعه، والانقياد لشرعه.
٦ - (ومنها): أن الشرك محبطٌ لأعمال الخير؛ لأن أبا طالب كان يحوط النبيّ - ﷺ -، ويقوم بالدفاع عنه، ويَفْدِيه بكلّ ما يملكه، ويفعل تجاهه كلّ خير، إلا أن كلّ ذلك حَبِطَ بشركه، وعدم طاعته بالتوحيد، قال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
٧ - (ومنها): النهي عن الاستغفار للمشركين.
٨ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة.
٩ - (ومنها): جواز الْحَلِف من غير استحلاف؛ لأنّ النبيّ - ﷺ - قال: "أما والله لأستغفرنّ لك … " الحديث، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وكأنّ الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب.
١٠ - (ومنها): أن قوله: "هو على ملّة عبد المطّلب" من أحسن الآداب، والتصرّفات، وهو أن من حَكَى قول غيره القبيح، ينبغي له أن يَأتي بضمير الغيبة؛ لِقُبْحِ صورة لفظه الواقع، كمثل هذا، وكما في حديث: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله … " الحديث، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ١ / ٥٢٥ ]
(المسألة الرابعة): في الاستشكال الوارد على هذا الحديث.
قال في "الفتح": قوله: "فَأَنْزَل اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] ": هكذا وقع في هذه الرواية، ورَوَى الطبريّ من طريق شِبْلٍ، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ - ﷺ -: "استَغْفَر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي"، فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا، كما استغفر نبيّنا لعمه، فنزلت.
وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتّفاقًا، وقد ثبت أن النبيّ - ﷺ - أَتَى قبر أمه لَمّا اعتَمَرَ، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنَزَلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النُّزُول.
وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: "خرج رسول الله - ﷺ - يومًا إلى المقابر، فاتّبَعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جَلَستُ عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يَأْذَن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
وأخرج أحمد من حديث ابن بُريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: "نَزَل بنا، ونحن معه قريبٌ من ألف راكب"، ولم يذكر نزول الآية.
وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: "لَمّا قَدِمَ مكة أتى رَسْمَ قبر … "، ومن طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطية: "لَقا قَدِم مكة وَقَفَ على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس؛ رَجَاءَ أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنَزَلَت"، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه: "لَمّا هبط من ثنية عسفان" وفيه نزول الآية في ذلك.
فهذه طُرُق يَعْضِدُ بعضُها بعضًا، وفيها دلالة على تأخّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه - ﷺ - قال يوم أحد بعد أن شُجَّ وجهه: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
لكن يَحتَمِلُ في هذا أن يكون الاستغفار خاصًّا بالأحياء، وليس البحث فيه. ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخّر، وإن كان سببها تَقَدَّمَ، ويكون لنُزُولها سببان، مُتَقَدَّمٌ، وهو أمر أبي طالب، ومتأخرٌ، وهو أمر آمنة.
[ ١ / ٥٢٦ ]
يُؤَيِّدُ تأخير النُّزول ما ثبت من استغفاره - ﷺ - للمنافقين حتى نَزَل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النُّزُول، وإن تقدَّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في هذا الحديث: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]؛ لأنه يُشعِر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيد تَعَدُّد السبب ما أخرجه أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ - ﵁ - قال: سمعت رجلًا يَستَغفِر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ …﴾ الآية [التوبة: ١١٣].
وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنَزَلت، ومن طريق قتادة قال: ذكرنا له أن رجالًا، فذكر نحوه. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ.
وحاصله أن يُحْمَل على تعدد السبب، وتأخر نزول الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٤٠] (…) - (وحَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. (ح) وحَدَّثنا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأنزَلَ اللهُ ﷿ فِيه، وَلَمْ يَذْكُرْ الْآيتَيْن، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالَة، وَفي حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالَا بِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الْحَنْظلي، أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقة حافظ مجتهد [١٠]، (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) ٤/ ٢٨.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٨/ ٦٤٥.
[ ١ / ٥٢٧ ]
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) ٧/ ١٣٠.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) ٦/ ١٢٨.
٤ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) ٤/ ١٨.
٥ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِي) - بضمّ المهملة، وسكون اللام - هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الْخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) ٤/ ٢٤.
٦ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع).
رَوَى عن أبيه، وشعبة، وابن أخي الزهريّ، والليث، وأبي أويس، وعبد العزيز بن المطلب، وعاصم بن محمد بن زيد الْعُمَريّ، وسيف بن عُمَر الضَّبّيّ، وشريك القاضي، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد، وعليّ، وإسحاق، وابن معين، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وعَمْرو الناقد، والْكَوْسج، وأبو خيثمة، وحسن الحلوانيّ، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: سمعت "المغازي" من يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكوه ابن حبان في "الثقات". وقال الذُّهْليّ: رَوَى عن إبراهيم بن سعد الزهريّ، وعن أصحاب الزهريّ، فكثرت روايته لحديث الزهري، ومدار حديثه على أبيه يعقوب، وكان قد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات أخوه قبل أن يكتب عنه كثيرُ أحدٍ، وبقي يعقوب، فكتب عنه الناس، فوجدوا عنده عِلْمًا جليلًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، يُقَدَّم على أخيه في الفضل والورع والحديث، ومات في شوال سنة ثمان ومائتين، وكان
[ ١ / ٥٢٨ ]
أصغر من أخيه سعد بأربع سنين، وفي سنة ثمان أَرَّخه مُطَيَّن، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩٦) حديثًا.
٧ - (أَبُوه) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة، حجّةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨].
رَوَى عن أبيه، وصالح بن كيسان، والزهريّ، وهشام بن عروة، وصفوان بن سُليم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الليث، وقيس بن الربيع، وهما أكبر منه، ويزيد بن الهاد، وشعبة، وهما من شيوخه، والقعنبيّ، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وابناه: يعقوب، وسعد، وجماعة.
قال أحمد: ثقة، وقال أيضًا: أحاديثه مستقيمة. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع كَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حَدَّث عنه بعدُ، قلت: لم؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجةٌ. وقال أيضًا: إبراهيم أحب إلي في الزهريّ من ابن أبي ذئب، وقال أيضًا: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير، ومن ابن إسحاق، وقال الدُّوريّ: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزهريّ، أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال ابن معين أيضًا، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال مرةً: ليس به بأس. وقال عليّ بن الجعد: سألت شعبةَ عن حديث لسعد بن إبراهيم؟ فقال لي: فأين أنت من ابنه؟ قلت: وأين ذا؟ قال: نازل على عُمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه. وقال صالح جَزَرة: حديثه عن الزهريّ ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهريّ. وقال الدُّوريّ عن ابن معين في حديث جمع القرآن: ليس أحدٌ حَدَّثَ به أحسن من إبراهيم بن سعد، وقد حَدَّث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: وَليَ بيت المال ببغداد. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وذكر ابن عدي في "الكامل" عن عبد الله بن أحمد، سمعت أبي يقول: ذُكِرَ عند يحيى بن سعيد عُقَيل، وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يُضَعّفهما، يقول: عُقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: أَيْشٍ ينفع هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرهما يحيى.
[ ١ / ٥٢٩ ]
وعن أبي داود السِّجِسْتانيّ: سمعت أحمد سُئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، مرفوعًا: "الأئمة من قريش"، فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل.
قال الحافظ: رواه جماعة عن إبراهيم.
ونَقَلَ الخطيب أن إبراهيم كان يُجِيز الغناء بالعود، ووَليَ قضاء المدينة.
وقال ابن عيينة: كنت عند ابن شهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فَرَفَعَهُ وأكرمه، وقال: إن سعدأ أوصاني بابنه، وسعد سعد. وقال ابن عديّ: هو من ثقات المسلمين، حَدَّث عنه جماعة من الأئمة، ولم يَتخلَّف أحدٌ في الكتابة عنه، وقولُ مَن تَكَلَّم فيه تحاملٌ، وله أحاديث صالحة مستقيمة، عن الزهري وغيره.
قال عبد الله بن أحمد: وُلد سنة (١٠٨) أخبرني بذلك بعض ولده، وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٢)، أو (١٨٣)، وقال ابن سعد، وابن المدينيّ، وخليفة، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: مات سنة (١٨٣)، زاد علي بن المديني: وهو ابن (٧٣) سنة، وقال ابن سعد وهو ابن (٧٥) سنة، وقال سعيد بن عُفَير وأبو حسان الزِّيَاديّ: مات سنة (١٨٤)، وقال أبو مروان العثمانيّ: سمعت من إبراهيم بن سعد سنة (١٨٥)، ومات بعد ذلك.
قال الخطيب: حَدَّث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن سَيَّار الْحَرّانيّ، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة.
وفي "تاريخ بغداد": أنه قَدِمَ بغداد سنة (١٨٤)، فأكرمه الرَّشِيد، وفيها أَرَّخ ابن أبي عاصم وفاته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٩) أحاديث.
٨ - (صالِح) بن كَيْسَان المدنيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث، مُؤَدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤].
رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، ورَوَى عن سليمان بن أبي حَثْمَة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن
[ ١ / ٥٣٠ ]
حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والزهريّ، وأبي الزناد، ومحمد بن عجلان، والثلاثة أصغر منه، وغيرهم.
وعنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وسليمان بن بلال، وابن عتيبة، وغيرهم.
قال مُصعَب الزبيريّ: كان جامعًا من الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد؛ فقال: بَخٍ بَخٍ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح أكبر من الزهريّ. وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أَسَنّ من الزهريّ، قد رأى ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهريّ، سَمِع من ابن عمر، وابن الزبير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: معمر أحب إليّ، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس، عن ابن معين: قال: ليس في أصحاب الزهريّ أثبت من مالك، ثم صالح بن كيسان. وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: صالح أحبّ إليّ من عُقيل؛ لأنه حجازيّ، وهو أسنُّ، رأى ابن عمر، وهو ثقة، يُعَدّ في التابعين. وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. ووقع في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاريّ: صالح أكبر من الزهريّ، أدرك ابن عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سَمِعَ من ابن عمر، وما أراه محفوظًا. وقال الخليليّ في "الإرشاد": كان حافظًا إمامًا، رَوَى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يَحْكِي عنه، وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث، ثقةً حجّةً فيما حَمَلَ.
قال الهيثم بن عديّ: مات في زمن مروان بن محمد، وقال ابن سعد، عن الواقديّ: مات بعد الأربعين ومائة، وقيل: مَخْرَجَ محمدِ بنِ عبد الله بن حسن، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الحاكم: مات صالح بن كيسان، وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان قد لَقِيَ جماعةً من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ثم بعد ذلك تَلَمَّذَ للزهريّ، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعلّم وهو ابن سبعين سنة.
[ ١ / ٥٣١ ]
قال الحافظ: هذه مجازفةٌ قبيحةٌ، مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان وُلدَ قبل بِعْثة النبي - ﷺ -، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طَلَبَ العلم كما حَدَّده الحاكم، لكان قد أَخَذَ عن سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، وقد قال عليّ بن المدينيّ في "العلل": صالح بن كيسان لم يَلْقَ عقبة بن عامر، كان يروي عن رجل عنه، وقرأت بخط الذهبيّ: الذي يظهر لي أنه ما أكمل التسعين. انتهى كلام الحافظ (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٢) حديثًا.
٩ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنَّ رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب. والله تعالى أعلم.
وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى الإسناد الماضي، أي رواه معمر، وصالح كلاهما عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه - ﵁ -.
وقوله: (مثله) منصوب على الحال، أي حال كون حديثهما مثل حديث يونس الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر التي أحالها المصنف هنا ساقها الإمام البخاري، وأحمد، والنسائي، ولفظ البخاريّ: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب، لَمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي - ﷺ -، وعنده أبو جهل، فقال: "أَيْ عَمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب تَرْغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبيّ - ﷺ -: "لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنه"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ١ / ٥٣٢ ]
وأما رواية صالح، فقد ساقها البخاريّ أيضًا، فقال:
حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره، أنه لَمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - ﷺ -، فوَجَدَ عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب: "يا عَمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يَعْرِضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "أما والله لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [لتوبة: ١١٣].
وقوله: (غير أن حديث صالح انتهى) استثناء من كون روايتهما مثل رواية يونس، يعني رواية صالح بن كيسان انتهى عند قوله: "فأنزل الله ﷿ فيه، ولم يذكر تمام الآيتين، وقد عرفت من رواية البخاريّ المذكورة أنه زاد" ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، وعليه فيكون نهاية حديث صالح قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، ولعل المصنّف وقع له بدون ذكره.
وقوله: (ويعودان في تلك المقالة) يعني أن لفظ صالح مكان قول يونس: "ويُعيدان له تلك المقالة"، و"يعودان في تلك المقالة"، ووقع عند البخاريّ "بتلك المقالة" بالباء.
وقوله: (وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة، فلم يزالا به) الإشارة إلى قوله: "ويعودان في تلك المقالة"، يعني أنه وقع في رواية معمر بدل قول صالح: "ويعودان في تلك المقالة" "فلم يزالا به"، ولفظ البخاريّ: فلم يزالا يكلمانه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٤١] (٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
[ ١ / ٥٣٣ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: "قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَأَبَى، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآيةَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) ٤/ ١٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريّ المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) الْيشكريّ، أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين - بنون، مصغّرًا - الكوفيّ، صدوق يُخطيء [٦].
رَوَى عن أبي حازم، سلمان الأشجعيّ، ومَعْبَد، أبي الأزهر.
ورَوَى عنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن الْبَرِيد، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن عُبيد الظَنَافسيّ، وآخرون.
قال علي بن المديني، عن القطان: صالحٌ، وَسَطٌ، ليس هو ممن يُعْتَمَد عليه.
وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكْتَب حديثه، محله الصدق، صالح الحديث، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: لا، هو بابةُ فُضيل بن غَزْوَان، وذويه، بعض ما يأتي به صحيح، وبعض لا، قال أبي يُحَوَّلُ من كتاب "الضعفاء".
وقال الدارقطنيّ: كوفي ثقة. وقال الْعُقَيليّ: قال أحمد بن حنبل: ثقة.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم.
وقال ابن حبان في "الثقات": يزيد بن كيسان الأسلمي، كنيته أبو إسماعيل، وهو الذي يقال له: أبو مُنَيْن، كان يُخطيء ويُخَالف، لم يَفْحُش خطؤه حتى يُعْدَلَ به عن سبيل العدول، ولا أَتَى بما يُنكَر، فهو مقبول، إلا ما يُعْلَم أنه أخطأ فيه، فيُتْرَك خطؤه كغيره من الثقات.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
[ ١ / ٥٣٤ ]
٥ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن مولَاته عَزَّة الأشجعيّة، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعيّ، وعديّ بن ثابت، وفُضيل بن غَزْوان، وميسرة الأشجعيّ، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن عَجْلان، ويزيد بن كيسان، وسَيَّار، أبو الحكم، وفُرَاتٌ الْقَزّاز، ونُعَيم بن أبي هند، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة.
وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "صحيح البخاريّ " عنه قال؛ جالست أبا هريرة خمس سنين.
وقال بعض الناس: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁١/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن فيه التحديث مرّتين بضمير الجماعة؛ لكون الراوي سمعه من لفظ الشيخ مع غيره، والعنعنة ثلاث مرّات، وكلاهما من صيغ الاتّصال بشروطه في "عن".
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فإن الأول لم يُخرج له أبو داود، والثاني لم يُخرج له البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٤ - (ومنها): أن جملة من يسمّى بيزيد بن كيسان في الرواة اثنان:
[أحدهما]: صاحب الترجمة هنا.
[والثاني]: يزيد بن كيسان، أبو حفص الْخُلْقَانيّ، روى عن طاوس قوله،
[ ١ / ٥٣٥ ]
وعنه أبو نُعيم، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الطبقة السادسة أيضًا، تفرّد به النسائيّ، أخرج له في "مسند عليّ - ﵁ -، فقط" (^١).
٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة:
(الأول): هذا المترجم هنا.
(والثاني): أبو حازم الأعرج، واسمه سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الثقة العابد، من الطبقة الخامسة، وهو أيضًا من رجال الجماعة.
(والثالث): أبو حازم بن صخر بن الْعَيْلة - بالمهملة المفتوحة، بعدها تحتانيّة ساكنة - مستور، من الطبقة الثالثة، تفرّد به أبو داود.
(والرابع): أبو حازم الأنصاريّ البياضيّ مولاهم، صحابيّ، له حديث، وقيل: لا صحبة له، تفرّد به أبو داود في "المراسيل".
(والخامس): أبو حازم الغفاريّ مولاهم التمّار المدنيّ، مقبول من الطبقة الثالثة، تفرّد به البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ.
(والسادس): أبو حازم البجليّ الأحمسيّ، والد قيس بن أبي حازم، صحابيّ، له حديث، قيل: اسمه حصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، تفرد به البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود (^٢). والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه يقع الالتباس في "الصحيحين" بين أبي حازم الأشجعي، وأبي حازم الأعرج، لأنهما اللذان لهما رواية فيهما، ويفرّق بينهما بأمور:
[أحدها]: أن الأشجعيّ روى عن أبي هريرة وغيره من الصحابة - ﵃ -، والأعرج لم يرو عن أحد من الصحابة غير سهل بن سعد - ﵁ -.
[الثاني]: أن الأول كوفي، والثاني مدني.
[الثالث]: أن الأول من الطبقة الثالثة، والثاني من الخامسة.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٤/ ٤٢٧، و"تقريب التهذيب" ص ٣٨٤.
(٢) راجع: "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٠٧، و"التقريب" ص ٤٠٠.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وأما شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، فقد استوفيتها في الحديث الماضي، غير تخريجه، فأذكره هنا، فأقول:
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا "الإيمان" ٩/ ١٤١ عن محمد بن عبّاد، وابن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية - و٩/ ١٤٢ عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن يحيى بن سعيد القطّان، وحديثه أتمّ - كلاهما عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعيّ عنه.
وأخرجه (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٨) عن بُندار، عن يحيى بن سعيد به، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٤٣٤ و٢/ ٤٤١ و(أبو نعيم) في "مستخرجه " (١٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٤٢] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَمِّهِ: "قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّاَ اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأقْرَرْتُ بهَا عَيْنَكَ، فَأنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]).
رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير اثنين:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ السَّمِين، صدوق ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) ١/ ١٠٣.
[ ١ / ٥٣٧ ]
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة متقن حافظٌ، إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٩٨.
وقوله: (يقولون: إنما حمله على ذلك الْجَزَعُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْجَزَعُ" بالجيم والزاي، صحيح الرواية، لا يُعرف في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى الخوف من الموت، وفي كتاب أبي عُبيد: "الْخَرَعُ" - بالخاء المعجمة، والراء المهملة - وقال: يعني الضعف، والْخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ، وفسّره به، قال شَمِر (^١): يقال: خَرعَ الرجل: إذا ضعُفَ، وكلُّ رِخْوٍ ضعيفٍ خَرِيعٌ، وخَرع، و"الْخَرَعُ": الفصيل الضعيف، قال: و"الْخَرعُ": الدَّهِشُ، وفي "الصحاح" "الخَرَعُ - بالتحريك -: الرخاوة في الشيء، وقد خَرعَ الرجُل - بالكسر -: أي ضعُف، فهو خرع، ويقال لِمشْفَر البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ. انتهى (^٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "الْجَزَع" هكذا هو في جميع روايات المحدثين في مسلم وغيره "الجزع" بالجيم والزاي، وكذا نقله القاضي عياض وغيره من جميع روايات المحدثين، وأصحاب الأخبار، أي التواريخ، والسير، وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه "الْخَرَع" - بالخاء المعجمة، والراء المفتوحتين - أيضًا، وممن نَصَّ عليه كذلك الْهَرَويّ في "الغريبين"، ونقله الخطابيّ عن ثعلب مُختارًا له، وقاله أيضًا شَمِر، ومن المتأخرين أبو قاسم الزمخشريّ، قال القاضي عياض ﵀: ونبّهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب، قالوا: والْخَرَع هو الضعف والْخَوَر، قال الأزهريّ: وقيل: الْخَرَعُ: الدَّهَشُ، قال شَمِر: كلُّ رَخْوٍ ضعيفٍ خَرِيع، وخَرعٌ، قال: والْخَرَع: الدَّهَشُ، قال: ومنه قول أبي
_________________
(١) هو شَمِر بن حمدويه الهرويّ، أبو عمر اللغويّ الأديب، رحل إلى العراق شابًا، وأخذ عمن بها من أهل اللغة، وكتَبَ الحديث، له كتاب كبير في اللغة ابتدأه بحرف الجيم، وكان في غاية الكمال، أودعه تفسير القرآن وغريب الحديث، غير أنه كان ضَنِينًا به، لا يسمح بنسخه، ففقد جلّه بوفاته، وله غريب الحديث، توفي سنة (٢٥٥ هـ). انظر: "بغية الوعاة" ٢/ ٤ و"إنباه الرواة" ٢/ ٧٧ و"نزهة الألباب" ص ٢٥٩.
(٢) "المفهم" ١/ ١٩٤.
[ ١ / ٥٣٨ ]
طالب، فذكره، وفسّره بالضعف والْخَوَر. والله أعلم، انتهى (١).
وقوله: (لولا أن تُعيّرني قريش) أي تَسُبّني، وتُقَبِّح إليّ، يقال: عيّرتُهُ بكذا تعييرًا: إذا قبّحته، ونسبته إليه، يتعدّى بنفسه، وبالباء، والمختار أن يتعدّى بنفسه، قال الشاعر [من الطويل]:
أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا … وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ
قاله في "المصباح"، وقال في "اللسان": وقد عَيَّره الأمرَ، والعامّة تقول: عَيَّره بكذا بالباء، والأول كلام العرب، كما قال النابغة [من البسيط]:
وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَهَلْ … عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ؟
انتهى باختصار (^٢).
وقوله: (لأقررت بها عينك) أي سَرَرتك بقولها، وأبلغتُك أمنيّتك، يقال: قَرَّت العينُ، من باب ضربَ قُرَّةً بالضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، سُرُورًا، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ (^٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أحسن ما يقال فيه: ما قاله أبو العباس ثعلب، قال: معنى أَقَرَّ الله عينه: أي بَلَّغَه الله أمنيته، حتى ترضى نفسه، وتَقَرَّ عينه، فلا تستشرفُ لشيء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقَعْتَ بِقُرِّكَ: أي أدرك قلبك ما كان يتطلَّعُ إليه، وقال الأصمعيّ: معناه أبرد الله دَمْعَته، لأن دمعة الفَرَحِ باردةٌ، قال القاضي عياض: وسمعتُ الأُستاذ أبا الحسن بن الأخضر النحويّ يقول في تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال في ضدّه من السّخْن بقوله: أسخن الله عينه، وذلك أن الذي يَرَى ما يسؤوه يَبْكي، فتَسْخن عينه بالدموع، والذي يرى ما يَسُرُّه لا يبكي، فتبقى عينه باردة، فيكون معنى "أقرّ الله عينه": أي أراه ما يسُرُّه. انتهى (^٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) ١) "الإكمال" ١/ ٢١٠ - ٢١٢ و"شرح النووي" ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٩ و"لسان العرب" ٤/ ٦٢٥.
(٣) "المصباخ المنير" ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧.
(٤) "الإكمال" ١/ ٢١٢ - ٢١٤ و"شرح النووي" ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٥٣٩ ]