وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٨] (٥٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ (^٢)، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلِإ بَنى النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ (^٣)، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (^٤) يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَرْسلَ إِلَى مَلِإ بَنِي
_________________
(١) راجع: "صحيفة همام بن منبّه" ١/ ٣٧.
(٢) وفي نسخة: "يقال: هم بنو عمرو بن عوف".
(٣) وفي نسخة: "متقلّدين سيوفَهُم".
(٤) وفي نسخة: "فكان نبيّ اللَّه -ﷺ-".
[ ١٢ / ٦٣ ]
النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ (^١) ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكينَ، وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً (^٢)، وَجَعَلُوا عِضَادتَيْهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُو يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ … فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام المذكور في الباب الماضي.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلي، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) عن بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِيُّ) يزيد بن حُميد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٦٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وشيبان أُبُليّ، وهي من قرى البصرة.
_________________
(١) وفي نسخة: "ما نطلُبُ".
(٢) وفي نسخة: "قبلةً له".
[ ١٢ / ٦٤ ]
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو معمّر، فقد جاوز عمره مائة سنة، واشتهر بالخادم؛ لكونه خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، فنال ذلك -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالمثنّاة الفوقيّة، وتشديد التحتانيّة (الضبَعِيِّ) بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة: نسبة إلى ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، أبو قبيلة نزلت البصرة (^١)، أنه (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ) بفتح القاف، وكسر الدال، يقال: قَدِمَ من سَفَره يَقْدَم بفتح الدال، من باب تَعِبَ قُدُومًا، ومَقْدَمًا بالفتح أيضًا: إذا رجع (^٢). (الْمَدِينَةَ) النبويّة، وهي في الأصل: المصر الجامع، ووزنها فَعِيلة؛ لأنها من مَدَنَ، وقيل: مَفْعِلَةٌ بفتح الميم؛ لأنها من دان، والجمع مُدُنٌ، ومَدَائنُ بالهمز على القول بأصالة الميم، ووزنها فَعَائلُ، وبغير همز على القول بزيادة الميم، ووزنها مفاعل؛ لأن للياء أصلًا في الحركة، فتُرَدّ إليه، ونظيرها في الاختلاف مَعَايش، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٣).
ثم صارت علمًا بالغلبة على مدينة رسول اللَّه -ﷺ-، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "الْعَقَبَهْ"
وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِي أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
(فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) بضمّ العين المهملة، وكسرها، لغتان مشهورتان، قاله النوويّ -﵀- (^٤)، وقال الفيّوميّ -﵀-: عِلْوُ الدار وغيرها: خلافُ السُّفْل، بضمّ العين وكسرها، والْعُلْيا: خلاف السُّفلى، تُضمّ العين، فتُقصَرُ، وتُفْتَح فتُمَدُّ، قال ابن الأنباريّ: والضمّ مع القصر أكثر استعمالًا، فيقال: شَفَةٌ عُلْيَا،
_________________
(١) راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٦٢.
(٢) راجع: "مختار الصحاح" (ص ٢٤٣) بزيادة من "كتاب العين" ٣/ ٣٦٦.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧.
(٤) "شرح النوويّ" ٥/ ٦ - ٧.
[ ١٢ / ٦٥ ]
وعَلْيَاءُ، وأصلُ الْعَلْيَاء: كلُّ مكان مُشْرِفٍ، وجمعُ الْعُلْيا عُلًى، مثلُ كُبْرَى وكُبَر. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": كلُّ ما في جهة نجد يُسمَّى العاليةَ، وما في جهة تِهَامة يُسمّى السافلةَ، وقُبَاءُ من عوالي المدينة، وأُخِذ من نزول النبيّ -ﷺ- فيه التفاؤل له ولدينه بالعلوّ. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: أعلى المدينة هو العوالي، والعاليةُ، وهو قُباء وما حولها، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف، وقيل: إن كلّ ما كان من جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها إلى تهامة يُسمّى العالية، وما كان دون ذلك يُسمّى السافلة، وبنو النجّار كانوا أخوال النبيّ -ﷺ-، وكان مقصود النبيّ -ﷺ- أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة، وأن يتّخذ بها مسكنًا يسكنه. انتهى (^٣).
ثم بيّن تلك الناحية بما أبدله بقوله:
(فِي حَيٍّ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة-: القبيلة، وجمعه أحياء (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) -بفتح العين فيهما- أي ابن مالك بن الأوس بن حارثة، ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبويّ بالمدينة، وكان نزوله على كُلْثوم بن الْهِدْم، وقيل: كان يومئذ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زِبَالة في "أخبار المدينة".
وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وهذا هو المعتمد، وشَذّ من قال: يوم الجمعة، وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: قَدِمَها لهلال ربيع الأول، أي أول يومٍ منه، وفي رواية جرير بن حازم، عن ابن إسحاق: قَدِمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي مَعْشَر، لكن قال: ليلة الاثنين، ومثله عن ابن الْبَرْقيّ، وثبت كذلك في أواخر "صحيح مسلم".
وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: قَدِمها لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول، وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى"، من طريق أبي بكر بن حزم: قَدِم لثلاث عشرة من ربيع الأول.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٢) "الفتح" ٧/ ٣١٢.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٥.
[ ١٢ / ٦٦ ]
قال الحافظ -﵀-: وهذا يُجمَع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال، وعنده من حديث عُمر: "ثم نزل على بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خَلَتَا"؛ ليوافق رواية جرير بن حازم.
وعند الزبير في "خبر المدينة"، عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأول، وقيل: كان قدومه في سابعه.
وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام ابن الكلبيّ: إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول، فإن كان محفوظًا، فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضُمّ إلى قول أنس: إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلةً، خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبيّ جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبّان، فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتدّ بيوم الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتدّ بيوم الخروج ولا الدخول.
وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار.
وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرُب منه.
والأكثر أنه قَدِمَ نهارًا، ووقع في رواية مسلم ليلًا، ويُجْمَع بأن القدوم كان آخر الليل، فدخل نهارًا، أفاده في "الفتح" (^١).
(فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) وفي رواية للبخاريّ: "فلبِث رسول اللَّه -ﷺ- في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلةً"، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: "أقام فيهم ثلاثًا"، قال: وروى ابن شهاب عن مُجَمِّعِ بن جارية: "أنه أقام اثنتين وعشرين ليلةً"، وقال ابن إسحاق: "أقام فيهم خمسًا"، وبنو عمرو بن عوف يزعُمون أكثر من ذلك.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٨٧.
[ ١٢ / ٦٧ ]
قال الحافظ -﵀-: ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس، وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكرته، فهو أولى بالقبول من غيره. انتهى (^١).
(ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: "إلى ملإ من بني النجّار"، أي يريد رجالهم، وشُجعانهم، وأشرافهم (^٢)، قال الفيّوميّ -﵀-: "الْمَلأُ" مهموزًا: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك لِمَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدَة الرأي، أو لأنهم يَمْلئون العيون أُبَّهَةً، والصدر هَيْبَةً، والجمع: أَملاءٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسبابٍ. انتهى (^٣).
وبنو النّجّار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الْجَمُوح، والنّجّار: قَبِيلٌ كبيرٌ، من الأنصار، منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وفصائل، وتيم اللات هو النجار، سُمِّي بذلك؛ لأنه اخْتَتَن بقَدُوم، وقيل: بل ضَرَب رجلًا بقَدُوم، فجرحه، ذكره الكلبيّ، وأبو عبيدة.
وإنما طلب -ﷺ- بني النجار؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشمًا جدَّه -ﷺ- تزوج سَلْمَى بنت عمرو بن زيد، من بني عديّ بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، قاله في "العمدة" (^٤).
(فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ) وفي نسخة: "متقلّدين سُيُوفهم"، وفي رواية البخاريّ: "متقلّدي سيوفهم" بالإضافة، قال في "العمدة": قوله: "فجاؤا متقلدي السيوف" هكذا في رواية كريمة بإضافة "متقلدين" إلى "السيوف"، وسقوط النون للإضافة، وفي رواية الأكثرين: "متقلدينَ السيوفَ"، بنصب "السيوفَ"، وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كلّ حال هو منصوب على الحال، من الضمير الذي في "جاؤوا"، والتّقَلُّد: جعل نِجَاد السيف على المنكب. انتهى (^٥).
(قَالَ) أنس -﵁- (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي أنه مستحضرٌ الآن
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٨٨.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٥.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٠.
(٤) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٩.
(٥) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٩.
[ ١٢ / ٦٨ ]
لتلك الهيئة، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم يَنْسَ منه شيئًا، بل كأنه ينظر إليهم الآن، وهم على الهيئة المذكورة (عَلَى رَاحِلَتِهِ) جارّ ومجرور متعلّق بحال مقدّر من "رسول اللَّه"، أي حال كونه راكبًا على راحلته.
و"الراحلة": الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَل، وجمعها رَوَاحِل، قاله في "المصباح" (^١).
وقال في "العمدة": وكانت راحلته -ﷺ- ناقةً تُسَمَّى القَصْواء. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وراحلته -ﷺ- هذه أخذها من أبي بكر -﵁- في الهجرة، وذلك أن أبا بكر -﵁- كان جهّز للَّهجرة راحلتين لَمّا قال له النبيّ -ﷺ-: "أرجو أن يؤذن لي"، يعني في الهجرة، فعلفهما ورَقَ السَّمُرَة أربعة أشهر، فلَمّا أُذن له -ﷺ- في الهجرة، قال أبو بكر: خذ بأبي أنت وأمّي يا رسول اللَّه إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بالثمن"، وفي رواية ابن إسحاق: قال: "لا أركب بعيرًا ليس هو لي"، قال: فهو لك، قال: "لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به"، قال: أخذتها بكذا وكذا، قال: "أخذتها بذلك"، قال: هي لك، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر -﵁- عند الطبرانيّ فقال: "بثمنها يا أبا بكر"، فقال: بثمنها إن شئتَ.
ونَقَل السُّهَيليّ في "الروض الأُنُف" عن بعض شيوخ المغرب أنه سئل عن امتناعه -ﷺ- من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله، فقال: أَحَبّ أنْ لا تكون هجرته إلا من مال نفسه.
وأفاد الواقديّ أن الثمن ثمانمائة، وأن التي أخذها رسول اللَّه -ﷺ- من أبي بكر هي القَصْواء، وأنها كانت من نَعَم بني قُشَير، وأنها عاشت بعد النبيّ -ﷺ- قليلًا، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مُرْسَلة ترعى بالبقيع.
وذكر ابن إسحاق أنها الجذعاء، وكانت من إبل بني الْحَرِيش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- أنها الجذعاء، قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٩.
(٣) ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ١٢ / ٦٩ ]
(وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، أي حال كون أبي بكر -﵁- راكبًا خلفه -ﷺ-.
و"الرَّدْفُ" -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة-: هو الذي تَحْمِله خلفك على ظهر الدابّة، يقال: أردفته إردافًا، وارتدفته، فهو رَدِيفٌ، ورِدْفٌ، أفاده في "المصباح" (^١).
وقال السنديّ -﵀-: المراد أنه كان راكبًا خلف النبيّ -ﷺ-، وهما على بعير واحد، وهو الظاهر، أو على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: كأن النبيّ -ﷺ- أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره، وإلا فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وفي إردافه لأبي بكر -﵁- في ذلك اليوم دليلٌ على شرف أبي بكر، واختصاصه به دون سائر أصحابه. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": وكان لأبي بكر ناقةٌ، فلعله تركها في بني عمرو بن عوف؛ لمرض، أو غيره، ويجوز أن يكون ردّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله، وثَمّ وجه آخر حسَنٌ، وهو أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها؛ لشرف الارتداف خلفه؛ لأنه تابعه، والخليفة بعده. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما استحسنه أخيرًا قريبٌ مما قاله الحافظ، وهو الأولى.
وحاصله أنه -ﷺ- أردفه على ناقته؛ ليتشرّف بذلك، وليعلم الناس منزلته عنده، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ) جملة حاليّة أيضًا، أي حال كون أشراف بني النّجّار محيطين به -ﷺ-، وإنما أحاطوا به؛ تعظيمًا له، وفرحًا بقدومه إليهم.
(حَتَّى أَلْقَى) أي رَحْله، فالمفعول محذوفٌ، يقال: ألقيت بالشيء: إذا طرحته، وقال ابن رجب: معناه: أنه نزل به، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله، وما معه. انتهى.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) "فتح الباري" ٢/ ٢٠٥.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٩.
[ ١٢ / ٧٠ ]
و"حتى" غاية لمحذوف، أي واصل سيره حتى ألقى رحله (بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ) متعلّق بـ "ألقى"، أي بفناء دار أبي أيوب -﵁-، و"الْفِنَاء" بكسر الفاء: سعةٌ أمامَ الدار، والجمع أفنيةٌ، وفي "الْمُجْمَل": فناء الدار: ما امتدّ من جوانبها، وفي "المحكم": وتبدل الباء من الفاء، قاله في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": وقع عند ابن إسحاق، وابن عائذ أنه رَكِب من قُباء يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول اللَّه هَلُمّ إلى العَدَد والعُدَد والقوّة، انزِلْ بين أظهرنا.
وعند أبي الأسود، عن عروة نحوه، وزاد: "وصاروا يتنازعون زمام ناقته"، وسَمّى ممن سأله النزول عندهم عِتبان بن مالك في بني سالم، وفَرْوة بن عمرو في بني بياضة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سَلِيط وغيره في بني عَدِيّ يقول لكل منهم: "دَعُوها فإنها مأمورة".
وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: جاءت الأنصار، فقالوا: إلينا يا رسول اللَّه، فقال: "دعوا الناقة، فإنها مأمورةٌ"، فبركت على باب أبي أيوب.
وفي حديث البراء عن أبي بكر -﵄-: "فتنازعه القوم، أيُّهم ينزل عليه؟، فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب، أُكْرِمهم بذلك".
وعند ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وعند سعيد بن منصور، كلاهما عن عَطّاف بن خالد: "أنها استناخت به أوّلًا، فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول اللَّه، فقال: دعوها، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فأذن لي أن أنقُل رَحْلك، قال: نعم، فنَقَل، وأناخ الناقة في منزله".
وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لَمّا نَقَل رحل النبيّ -ﷺ- إلى منزله، قال النبيّ -ﷺ-: "المرء مع رحله"، وأن سعد بن زُرارة جاء، فأخذ ناقته، فكانت عنده، قال: وهذا أثبت، وذكر أيضًا أن مُدّة إقامته عند أبي أيوب، كانت سبعة أشهر (^٢).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٢) "الفتح" ٧/ ٢٨٩.
[ ١٢ / ٧١ ]
وذكر في "الفتح" أيضًا: أن البخاريّ أخرج في "التاريخ الصغير" عن ابن شهاب: قال: كان بين ليلة العقبة -يعني الأخيرة- وبين مُهَاجَر النبيّ -ﷺ- ثلاثة أشهر، أو قريب منها.
قال الحافظ: هي ذو الحجة، والمحرم، وصفر، لكن كان مَضَى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهَلّ ربيع الأول، فمهما كان الواقع أنه اليوم الذي دخل فيه من الشهر يُعْرَف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء، وقد ينقص، وقد يزيد؛ لأن أقلّ ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل الثاني عشر منه. انتهى (^١).
[تنبيه]: ذكر الحافظ العراقيّ في "ألفيّة السيرة" خبر وُصُوله -ﷺ- إلى قباء، ثم إلى المدينة، فأجاد في ذلك وأفاد، فقال:
حَتَّى إِذَا أَتَى إِلَى قُبَاءِ … نَزَلَهَا بِالسَّعْدِ وَالْهَنَاءِ
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثِنْتَي عَشْرَهْ … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ فَنِعْمَ الْهِجْرَهْ
أَقَامَ أَرْبَعًا لَدَيْهِمْ وَطَلَعْ … فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ فَصَلَّى وَجَمَعْ
فِي مَسْجِدِ الْجُمْعَةِ وَهْيَ أَوَّلُ … مَا جَمَّعَ النَّبِيُّ فِيمَا نَقَلُوا
وَقِيلَ بَلْ أَقَامَ أَرْبَعَ عَشْرَهْ … فِيهِمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَ ذِكْرَهْ
وَهْوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ … لَكِنَّ مَا مَرَّ مِنَ الإِتْيَانِ
لِمَسْجِدِ الْجُمْعَةِ يَوْمَ جُمْعَةِ … لَا يَسْتَقِيِمُ مَعَ هَذِي الْمُدَّةِ
إِلَّا عَلَى قَوْلٍ بِكَوْنِ الْقَدْمَةِ … إِلَى قُبَا كَانتْ بِيَوْمِ الْجُمْعَةِ
بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وَارْتَحَلَا … لِطَيْبَةَ الْفَيْحَاءِ طَابَتْ نُزُلَا
فَبَكَتْ نَاقَتُهُ الْمَأْمُورَهْ … بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَهْ
فَحَلَّ فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبَا … حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا
وَحَوْلَهُ مَنَازِلًا لأَهْلِهِ … وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ
طَابَتْ بِهِ طَيْبَةُ مِنْ بَعْدِ الرَّدَى … أَشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا
كَانَتْ لَمِنْ أَوْبَأِ أَرْضِ اللَّهِ … فَزَالَ دَاؤُهَا بِهَذَا الْجَاهِ
وَنَقَلَ اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَةِ … مَا كَانَ مِنْ حُمَّى بِهَا لِلْجُحْفَةِ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٩١.
[ ١٢ / ٧٢ ]
وَلَيْسَ دَجَّالٌ وَلَا طَاعُونُ … يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصِينُ
انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقيّ -﵀-.
[تنبيه آخر]: ذكر في "شرف المصطفى" أنه لَمّا نزلت الناقة عند دار أبي أيوب، جَعَل جبار بن صخر يَنْخَسها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار أَعَنْ منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف.
وهو: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلميّ، ويقال: جابر بن صخر الأنصاريّ، شَهِد العَقَبة وبدرًا، وهو صحابيّ كبير.
رَوَى محمد بن إسحاق، عن أبي سعد الخطميّ سمع جبار بن عبد اللَّه، قال: صليت خلف رسول اللَّه -ﷺ- أنا وجابر بن صخر، فأقامنا خلفه، والصحيح أن اسمه جبار بن صخر.
وذكر محمد بن إسحاق في "كتاب المبتدأ، وقصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-" تألِيفِهِ أن تُبَّعًا، وهو ابن حسان، لَمّا قدم مكة قبل مولد رسول اللَّه -ﷺ- بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربعمائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، وسألهم تُبَّعٌ عن سِرّ ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبيًا اسمه محمد، هذه دار مُهَاجَرِه، فنحن نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تُبّع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جاريةً، وزوّجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتابًا فيه إسلامه، وقوله:
شَهِدتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ … رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِئِ النَّسَمِ
في أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد -ﷺ- إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده، وبنى للنبيّ -ﷺ- دارًا ينزلها، إذا قدم المدينة، فتداول الدار الملّاك إلى أن صارت لأبي أيوب -﵁-، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربعمائة، ويزعُم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج، ولما خرج رسول اللَّه -ﷺ- أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه قال: "أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تبع الأول"، فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبيّ -ﷺ-، فقال: من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهّم أنه
[ ١٢ / ٧٣ ]
ساحر، فقال -ﷺ-: "أنا محمد، هات الكتاب"، فلما قرأه قال: "مرحبًا بتُبّع الأخ الصالح" ثلاث مرات.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ساق أهل التواريخ هذه الحكاية، فاللَّه تعالى أعلم بصحّتها.
وفي "معجم الطبرانيّ": "لا تُسُبّوا تُبّعًا".
وأخرج أحمد في "مسنده" عن سهل بن سعد -﵁- أنه قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تسبوا تُبّعًا، فإنه كان قد أسلم" (^١).
و"تُبَّعُ" -بضم التاء المثناة من فوقُ وفتح الباء المشددة، وفي آخره عين مهملة- لَقَبٌ لكل مَن مَلَك اليمن، ككسرى لقب لكل من ملك الفُرْس، وقيصر لكل من ملك الروم.
وقال عكرمة: إنما سُمّي به؛ لكثرة أتباعه، أفاده في "العمدة" (^٢).
(قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "فكان النبيّ -ﷺ-" (يُصَلِّي حَيْث أَدْرَكتْهُ الصَّلَاة) وفي رواية البخاريّ: "وكان يُحبّ أن يُصلّي حيث أدركته الصلاة".
يعني أنه -ﷺ- كان يُصلّي في أيّ موضع أدركه فيه وقت الصلاة؛ مبادرةً إليها في أول وقتها.
(وَيُصَلِّي فِي مَرَابِض الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ، كمجلسٍ، ومَقْعَدٍ: وهو مأوى الغنم ليلًا، يقال: رَبَضَت الدابّة رَبْضًا، من باب ضَرَبَ، ورُبُوضًا، وهو مثلُ بُرُوك الإبل (^٣).
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذا موافق لحديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، فأيما رجل أدركته الصلاة، فعنده مسجده، وطَهوره"، ولحديث: "الأرضُ لك مسجدٌ، فأينما أدركتك الصلاة فصلّهْ، فإنه لك مسجد". انتهى.
_________________
(١) حديث صحيح بشواهده، راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ -﵀- (٥/ ٥٤٨).
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) راجع: "القاموس"، و"المصباح" في مادّة ربض.
[ ١٢ / ٧٤ ]
(ثُمَّ إِنَّهُ) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في محلّ الابتداء، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
وضمير "إنه" للنبيّ -ﷺ-، وكذا فاعل قوله: (أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ) والفعل مبنيّ للفاعل، أي أَمَر النبيّ -ﷺ- أصحابه ببناء المسجد.
قال النوويّ -﵀-: ضبطناه "أَمَرَ" بفتح الهمزة والميم، و"أُمِرَ" بضم الهمزة، وكسر الميم، وكلاهما صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فنائب الفاعل على الضبط الأخير ضمير النبيّ -ﷺ- مثل الضبط الأول، وكذا ضمير "إنه" له أيضًا، وأما ما قاله العينيّ من أن ضمير "إنه" في هذه الحالة للشأن ففيه نظر لا يخفى، يعني أن أللَّه تعالى أمر نبيّه -ﷺ- ببناء المسجد.
(قَالَ) أنس -﵁- (فَأَرْسَلَ) النبيّ -ﷺ- (إِلَى مَلِإ بَنِي النَّجَّارِ) بالإضافة، وفي رواية البخاريّ: "إلى ملإ من بني النجّار" (فَجَاءُوا، فَقَالَ) -ﷺ- ("يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) أي قرّروا معي ثمنه، وبيعونيه بالثمن، يقال: ثامنتُ الرجل في المبيع أُثَامِنه: إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه واشترائه، قاله في "اللسان".
قال الخطابيّ ﵀: فيه أن صاحب السلعة أحقّ بالسوم، فإنه -ﷺ- طلب منهم أن يذكروا له الثمن، ولم يقطع فيها من عنده. انتهى (^١).
وقوله: (بِحَائِطِكُمْ هَذَا") متعلّق بـ "ثامنوني"، والإشارة إلى بستان هناك، و"الحائط": البستان من النخيل، إذا كان عليه حائطٌ، وهو الجدار، وجمعه الحوائط، قاله في "اللسان".
وقال في "العمدة": الحائط هنا: البستان، يدلّ عليه قوله: "وفيه نخل، وبالنخل فقُطِع"، وفي لفظ: "كان مِرْبَدًا"، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر ليُجَفّف. انتهى.
(قَالُوا) أي ملأ بني النجّار (لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ) وفي نسخة: "ما نطلب ثمنه"، وأصل الكلام: "واللَّه لا نطلُب ثمنه"، فاعتُرض بالقسم بين "لا"
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٣٩٠.
[ ١٢ / ٧٥ ]
والفعل؛ للتأكيد، وكُرّرت "لا" للتأكيد أيضًا (إِلَّا إِلَى اللَّهِ) أي إلا من اللَّه، فـ "إلى" بمعنى "من"، على حد قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … ايُسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، و"الْكُور": الرحل، و"السقيُ" بمعنى الركوب مجازًا، و"إليّ" بمعنى "منّي" (^١).
وقال الكرمانيّ -﵀-: ما حاصله: لا نطلُب ثمن المصروف في سبيل اللَّه إلا من اللَّه، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب يُستعمل بـ "مِنْ"، فالقياس أن يقال: إلا من اللَّه، قلت: معناه: لا نطلُب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى اللَّه تعالى.
وتعقّبه العينيّ -﵀- بأن هذا تعسّف مع تطويل، بل معناه: لا نطلب الثمن إلا من اللَّه تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيليّ: "لا نطلب ثمنه إلا من اللَّه"، وقد جاء "إلى" في كلام العرب للابتداء، كقوله:
إِلَيَّ ابْنُ حْمَرَا
ويجوز أن تكون "إلى" ههنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: نُنْهِي طلب الثمن إلى اللَّه تعالى، كما في قولهم: "أَحمَدُ إليك اللَّه"، والمعنى: "أُنْهِي حمده إليك"، والمعنى لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن أي الأجر من اللَّه تعالى. انتهى (^٢).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية يدلّ على أنه -ﷺ- لم يشتره منهم، ولم يأخذوا منه ثمنًا، لكن وقع في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة" ما ظاهره مخالف له، ففيه: قال: "ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه -ﷺ- بالمدينة، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول اللَّه -ﷺ- حين بركت راحلته: هذا -إن شاء اللَّه- المنزل.
ثم دعا رسول اللَّه -ﷺ- الغلامين، فساومهما بالْمِرْبد؛ ليتخذه مسجدًا،
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٧٠ - ٧١ بنسخة "حاشية الأمير".
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦١.
[ ١٢ / ٧٦ ]
فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه -ﷺ- أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. . . " الحديث.
فهذه الرواية تدلّ على أنه اشتراه منهما، وذَكَر أهل السير ما يدلّ على أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" عن الواقديّ، عن معمر، عن الزهريّ: "أن النبيّ -ﷺ- أمر أبا بكر أن يُعطيهما ثمنه"، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير.
وقد أجاب في "الفتح" عن هذا بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه يُجمع بأنهم لَمّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه، سأل -ﷺ- عمن يختصّ بملكه منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يَحْتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى (^١).
وقال في "المنهل" بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويُجمع بين رواية الواقديّ وما بعدها بأن أبا بكر رَغِبَ في الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أيوب، ومعاذ بن عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كلّ من أولئك ما دفع، فاشتركوا في الثمن. انتهى (^٢)، وهو جمع حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب بعد ذكر رواية الواقديّ المتقدّمة ما نصّه: وهذا إن صحّ يدلّ على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم، وحديث أنس أصحّ من رواية يرويها الواقديّ، عن معمر وغيره، عن الزهريّ مرسلةً، فإن مراسيل الزهريّ لو صحّت عنه، فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا تفرّد بها الواقديّ؟. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن فيه أن رواية الواقدي موافقة لما في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة"، إلا في دفع أبي بكر -﵁- الثمن، فلا وجه لطعن ابن رجب للرواية، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَنَسٌ) -﵁- (فَكَانَ فِيهِ) أي في الحائط الذي بُنِي في مكانه المسجدُ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٩٠.
(٢) "المنهل العذب المورود" ٤/ ٥٦.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٩٧.
[ ١٢ / ٧٧ ]
(مَا أقولُ) "ما" موصولة اسم "كان" وخبره "فيه" مقدّمًا، وقوله: (كانَ فِيهِ نَخْلٌ) بيان لـ "ما أقول"، و"النخل": اسم جمع الواحدة: نخلة، وكلُّ جمع بينه وبين واحده الهاءُ، قال ابن السِّكّيت: فأهل الحجاز يُؤَنِّثُون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نخلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما "النِّخِيلُ" بالياء فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
(وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ) قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، قال القاضي عياض ﵀: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو: ما تَخَرّب من البناء.
وقال الخطابيّ: لعل صوابه خُرْب بضم الخاء، جمع خُرْبة بالضم، وهي الخروق في الأرض، أو لعله حرف.
قال القاضي: لا أدري ما اضطرّه إلى هذا، يعني أن هذا تكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعاني، لا حاجة إلى تغييره؛ لأنه كما أَمَرَ بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخَرِبِ فرفعت رسومها، وسُوّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: "الْخِرَب" يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء: جمع خَرِبَة، كنَقِمَة ونِقَمٍ، ويجوز أن تكون جمع خِرْبة بكسر الخاء، وسكون الراء على التخفيف، كنِعْمَة ونَعَمٍ، ويجوز أن يكون الَخَرِبُ بفتح الخاء، وكسر الراء، كنَبِقَة ونَبِقٍ، وكَلِمَة وكَلِمٍ، وقد رُوي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة: يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، بعدها مُوَحَّدةٌ: جمع خَرِبة، ككَلِم وكَلِمة.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٧.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ١٨.
[ ١٢ / ٧٨ ]
قال الحافظ: وكذا ضُبِط في "سنن أبي داود"، وحَكَى الخطابيّ أيضًا كسر أوله، وفتح ثانيه، جمع خِرَبةٍ، كعِنَب وعِنَبَة، وللكشميهنيّ "حَرْثٌ" بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، وقد بَيَّن أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة، عن أبي التياح بالمهملة والمثلثة، فعلى هذا فرواية الكشميهنيّ وَهَمٌ؛ لأن البخاريّ إنما أخرجه من رواية عبد الوارث.
وقال الخطابيّ: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، وحُدِّثناه "الخِرَب" بالكسر ثم الفتح، ثم حَكَى احتمالات: منها "الْخُرْب"، بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، و"الْجِرَف"، بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكله من الأرض، و"الْحَدَب"، بالمهملة وبالدال المهملة أيضًا: المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فَسُوِّيت"؛ لأنه إنما يُسَوَّى المكان المحدوب، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيُبنى، ويُعَمَّر دون أن يُصْلَح، ويُسَوَّى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وما المانع من تسوية الخراب، بأن يزال ما بقي منه، ويُسَوّى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات، مع توجيه الرواية الصحيحة. انتهى (^١).
وقال في "العمدة" بعد ذكر ما قاله الخطابيّ: قال عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أَمَر يقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالْخِرَب فرُفِعت رسومها، وسُوِّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطةً، مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" بسند صحيح: "وأَمَر بالحرث، فحُرِث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة (^٢).
(فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) بالبناء للمفعول، أي أمر بقطع النخل، فقُطع، وهذا كما قال في "الفتح" محمول على أنه لم يكن يُثمر، أو يُثمر، ولكن دعت الحاجة إليه؛ ليُمكن بناء المسجد في ذلك المكان. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٣١٢.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦٢.
[ ١٢ / ٧٩ ]
(وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال ابن بطال -﵀-: لم أَجِد في نبش قبور المشركين لتُتَّخَذ مسجدًا نصًّا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تُنْبَش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا، قاله في "الفتح" (^١).
(وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ) أي وأمر بالخِرَب أن تُسوّى، أي تُعَدَّل، فسُوّيت، أي فعُدِّلت، يقال: سَوَّيتُ المكان: إذا عدّلته (^٢)، وإنما أَمَر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها.
(قَالَ) أنس -﵁- (فَصَفُّوا النَّخْلَ) من صَفَّ القومَ، من باب ردّ: إذا أقامهم صفًّا واحدًا، قاله في "المختار" (قِبْلَةً) منَصوب الظرفيّة على حذف مضاف، أي جهة قبلة، وفي نسخة: "قبلةً له"، وفي رواية البخاريّ: "فَصَفّوا النخل قبلةَ المسجد"، والمراد أنهم جعلوها سواري جهة القبلة؛ ليُسقف عليها، أفاده في "المنهل".
وفي "مغازي ابن بكير" عن ابن إسحاق: "جُعِلَت قبلةُ المسجد من اللَّبِنِ"، ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن عمر -﵁-: أن المسجد كان على عهده -ﷺ- مَبْنِيًّا باللَّبِن، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُهُ خَشَب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا.
قال في "العمدة": ولعل المراد بالقبلة جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
وورد أيضًا أنه كان في موضع المسجد الغرقد، فأَمَر أن يُقْطَع، وكان في المربد قبور جاهليةٌ، فأَمر بها رسول اللَّه -ﷺ-، فنُبِشت، وأَمَر بالعظام أن تُغَيَّب، وكان في المربد ماء مُسْتَنْجِلٌ، فستره حتى ذهب، وهو: من النجل وهو الماء القليل، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيّ -ﷺ- ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول:
_________________
(١) ٧/ ٣١٢.
(٢) "المصباح" ١/ ٢٩٨.
[ ١٢ / ٨٠ ]
هَذا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
وجَعَل قبلته إلى القدس، وجَعَل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يُدْعَى باب العاتكة، والثالث: الذي يدخل منه -﵊- وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجَعل طول الجدار قامة وبسطة، وعَمَده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تُسَقِّفه، فقال: عَرِيش كعريش موسى، خُشيبات، وتمام الأمر أعجل من ذلك.
وفي "الصحيح" عن ابن عمر -﵄- أن المسجد كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ- مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبيّ -ﷺ- باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غَيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، والقَصَّة، وجَعَل عَمَده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.
وفي "الإكليل": ثم بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز، وفي "الروض": ثم بناه المهديّ، ثم زاد فيه المأمون، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن، ذكره في "العمدة" (^١).
(وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً) أي بَنَوا جانبي الباب بحجارة، و"العضادتان" -بكسر العين المهملة، وتخفيف المعجمة-: تثنية عِضَادة، وهي الخشبة التي على جانب الباب، ولكل باب عضادتان، وأعضادُ كلِّ شيء ما يَشُدُّ جوانبه، قاله في "الفتح".
وفي "العمدة": "العِضَادة" بكسر العين، قال ابن التيانيّ في "الموعب": قال أبو عمر: هي جانب الحوض، وعن صاحب "العين": أعضادُ كل شيء ما يَشُدُّه من حواليه، من البناء وغيره، مثال عِضَاد الحوض، وهي صفائح من حجارة، يُنْصَبْن على شَفِيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطَبَّق الباب، إذا أُصفق، وفي "التهذيب" للأزهريّ: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى (^٢).
(قَالَ) أنس -﵁- (فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ) أي يقولون الرجز، ويتعاطونه،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦٣.
[ ١٢ / ٨١ ]
و"الرجَز" -بفتحتين-: نوعٌ من أوزان من الشعر معروفٌ، أجزاؤه "مستفعلن" ستّ مرّات، ورَجَز الرجل يَرْجُز، من باب نصر: إذا قال شعر الرجز، وارتجز مثله، وقد اختَلَفَ العروضيون، وأهل الأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، والصحيح أنه شعر، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُمْ) جملة حاليّة من فاعل "يرتجزون"، أي والحال أنه -ﷺ- مصاحب لهم في نقل الحجارة، والارتجاز.
وقال القرطبيّ -﵀-: ليس فيه دليل راجح على أن النبيّ -ﷺ- كان المنشد، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين بحضرة النبيّ -ﷺ-، فإن الواو للحال، و"رسول اللَّه" مبتدأ، و"معهم" خبره، والجملة في موضع الحال، هذا هو الظاهر.
ويَحْتَمِلُ أن يكون معطوفًا على المضمر في "يرتجزون". انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، يؤيّده ما وقع في بعض الرواية: "وهو يرتجز معهم"، وفي حديث البراء -﵁- قال: رأيت النبيّ -ﷺ- يوم الخندق، وهو ينقل التراب. . . وفيه: "وهو يرتجز برجز عبد اللَّه بن رواحة"، متّفق عليه، فدلّ على أنه -ﷺ- كان يرتجز بنفسه، ويُنشد شعر غيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَهُمْ يَقُولُونَ) جملة حاليّة أيضًا، فالحالان إما متداخلان، ولا خلاف فيه، أو مترادفان، وفيه خلاف، وقد تقدّم تحقيقه، وفي رواية البخاريّ في "الصلاة: "وهو يقول"، فالضمير للنبيّ -ﷺ-، وفي رواية له في "الهجرة" من طريق الزهريّ: وطَفِقَ رسول اللَّه -ﷺ- ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول، وهو ينقل اللبِنَ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
ويقول:
اللَّهُمَّ إِنّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ … فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
(اللَّهُمَّ) معناه: يا اللَّهُ، وقال البصريّون: اللَّهمّ دعاء بِجْمِيع أسمائه؛ إذ
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٢٤.
[ ١٢ / ٨٢ ]
الميم تُشعر بالجمع، كما في "عليهم"، وقال الكوفيون: أصله اللَّهُ أُمَّنا بخير، أي اقصِدْنا، فخُفِّف، فصار اللهم (إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ) وفي رواية أبي داود: "اللهم إنّ الخير خير الآخرة" (فَانْصُرِ الأنْصَارَ) هكذا رواية المصنّف "فانصر"، وهي رواية البخاريّ في "الهجرة"، ورواية أبي داود أيضًا، ووقع في رواية للبخاريّ: "فاغفر للأنصار" قال في "العمدة": كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي، والحمويّ: "فاغفر الأنصارَ" بحذف اللام، ووجهه أن يُضَمَّنَ "اغْفِرْ" معنى "استُرْ"، و"الأنصار": جمع نَصِير، كأشراف جمع شريف، والنصير الناصر، مِن نَصَره اللَّه على عدوّه ينصره نصرًا، والاسم النُّصْرة بالضمّ، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم آووا النبيّ -ﷺ-، وعزّروه، ونصروه، واتّبعوا النور الذي أُنزل معه -﵃-.
(وَالْمُهَاجِرَهْ) أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية؛ محبةً فيه، وطلبًا للآخرة.
والهجرةُ في الأصل من الْهَجْر ضِدّ الوصل، وقد هَجَره يَهْجُره هجرًا، من باب نصر، وهِجْرانًا: إذا قطعه، وترك وصله، ثم غَلَب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه: هاجر مُهاجرةً.
وقال الكرمانيّ: واعلم أنه لو قُرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على "الآخرة"، و"المهاجرة"، إلَّا أنه قيل: إنه قرأهما بالتاء متحركة خروجًا عن وزن الشعر. انتهى.
وتعقّب الحافظ كلام الكرمانيّ هذا بأنه لم يذكر مستنده، وبأن قوله في رواية البخاريّ في "الهجرة": "فتمثل بشعر رجل من المسلمين" (^١)، أي فإن كونه شعرًا ينافي قراءته بتحريك التاء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ٢٩.
[ ١٢ / ٨٣ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١١٧٨ و١١٧٩ و١١٨٠] (٥٢٤)، و(البخاريّ) في "الوضوء" (٢٣٤)، و"الصلاة" (٤٢٨ و٤٢٩)، و"فضائل المدينة" (١٨٦٨)، و"البيوع" (٢١٠٦)، و"الوصايا" (٢٧٧١ و٢٧٧٤ و٢٧٧٩)، و"مناقب الأنصار" (٣٩٣٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٥٣ و٤٥٤)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥٠)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٣٩ - ٤٠)، و(ابن ماجه) فيها (٧٤٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٨٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١١ - ٢١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤١٨٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٧ و١١٧٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٩ و١١٦٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ابتداء بناء المسجد النبويّ.
٢ - (ومنها): جواز الإرداف، وذلك إذا كانت الدابة تطيق ذلك.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام.
٤ - (ومنها): جواز الْتِفَاف المرؤوسين حول رئيسهم؛ احترامًا له.
٥ - (ومنها): أن للرئيس أن يخصّ بعض قومه بالنزول عنده، إذا كان قريبًا له؛ تقديمًا لحقّ القرابة.
٦ - (ومنها): استحباب المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها في أيّ مكان حضرت.
٧ - (ومنها): جواز الصلاة في مرابض الغنم، وقد أخرج الترمذيّ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تُصَلوا في أَعْطان الإبل"، وقال: حسنٌ صحيح.
٨ - (ومنها): بيان طهارة أبعار الغنم وأبوالها، وهو القول الراجح، وقد تقدّم تحقيقه في "كتاب الطهارة"، وباللَّه تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): استحباب المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة بيع الأرض وشرائها، ومنع اغتصابها.
[ ١٢ / ٨٤ ]
١١ - (ومنها): جواز التبرّع للَّه تعالى بما يملكه من الأراضي.
١٢ - (ومنها): جواز نبش القبور الدارسة، وأنه إذا أُزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم، جازت الصلاة في تلك الأرض، وجاز اتخاذ موضعها مسجدًا إذا طُيِّبت أرضه.
١٣ - (ومنها): أن الأرض التي دُفِن فيها الموتى، ودَرَسَت يجوز بيعها، وأنها باقية على ملك صاحبها، وورثتِهِ من بعده إذا لم توقف، قاله النوويّ -﵀-.
وقال في "العمدة": فيه جواز نبش قبور المشركين؛ لأنه لا حرمة لهم، ويجوز نبش عظامهم، ونقلها من الأرض؛ للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك.
[فإن قلت]: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دُفن فيه، فقد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟.
[قلت]: تلك القبور التي أَمَر النبيّ -ﷺ- بنبشها لم تكن أملاكًا لمن دُفِن فيها، بل لعلها غُصِبت، فلذلك باعها مُلّاكها، وعلى تقدير التسليم أنها حُبِسَت فليس بلازم، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قال الفقهاء: إذا دُفِن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلًا عن المشرك.
وقد يجاب بأنه دَعَت الضرورة، والحاجة إلى نبشهم فجاز.
[فإن قلت]: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار؛ لِيُتَّخَذ مكانها مساجد؟.
[قلت]: أجاز ذلك قومٌ، محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود: أن النبيّ -ﷺ- قال: "هذا قبر أبي رِغَال، وهو أبو ثَقِيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يُدْفَع عنه، فلما خَرَج أصابته النِّقْمَة، فدُفن بهذا المكان، وآية ذلك أنه دُفِن معه غُصْن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، واستخرجوا الغصن" (^١).
قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال، فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى،
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود برقم (٣٠٨٨) وفي سنده بُجير بن أبي بُجير: مجهول.
[ ١٢ / ٨٥ ]
وليست حرمتهم موتى بأعظم منها، وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك.
وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون، والشافعيّ، وأشهب بهذا الحديث.
وقال الأوزاعيّ: لا يُفْعَل؛ لأن رسول اللَّه لما مَرّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظَلَموا إلَّا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم"، متّفق عليه، فنهى أن يدخل عليهم مساكنهم، فكيف قبورهم؟ وقال الطحاويّ: قد أباح دخولها على وجه البكاء. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي جواز نبش قبور المشركين عند الحاجة؛ لحديث الباب، ولا يعارضه حديث: "لا تدخلوا. . . إلخ"؛ لأنه يُحمل على غير الحاجة، أو كان على وجه الغفلة، واللهو دون البكاء والخشية، واللَّه تعالى أعلم.
قال: [فإن قلت]: هل يجوز أن تُبْنَى على قبور المسلمين؟.
[قلت]: قال ابن القاسم: لو أن مَقْبَرة من مقابر المسلمين عَفَت، فَبَنَى قوم عليها مسجدًا، لم أر بذلك بأسًا، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا دَرَست، واستُغْنِي عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين، لا يجوز تملكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد.
قال العينيّ: وذكر أصحابنا -يعني الحنفيّة- أن المسجد إذا خَرِب ودَثَر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عَفَت، ودَثَرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يَبْنِي موضع المسجد دارًا، وموضع المقبرة مسجدًا، وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في عودها إلى ملك أصحابها في هذه الحالة عندي نظر؛ بل الذي يظهر في مثل هذه الحالة أن تباع، ويُصرَف ثمنها في إنشاء محلّ مسجد، أو مقبرة في مكان ينتفع به المسلمون، واللَّه تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): جواز قطع الأشجار المثمِرَة للحاجة والمصلحة؛
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ١٢ / ٨٦ ]
لاستعمال خشبها، أو لِيُغرَس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تُتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، أو قطعها في بلاد الكفار، إذا لم يُرْجَ فتحها؛ لأن فيه نكايةً وغيظًا لهم، وإضعافًا وإرغامًا.
قال ابن رجب -﵀-: وقد نصّ أحمد على جواز القطع إذا كانت في داره نخل وضيَّقت عليه، فلا بأس أن يقطعها.
وكره جماعة قطع الشجر الذي يُثمر، منهم الحسن، والأوزاعيّ، وإسحاق، وكره أحمد قطع السدر خاصّةً؛ لحديث مرسل، ورد فيه (^١)، وقال: قلّ إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا، ورخَّص في قطعه أَخرون. انتهى (^٢).
١٥ - (ومنها): جواز الارتجاز، وقول الأشعار في حال الأعمال الشاقّة، والأسفار، ونحوها؛ لتنشيط النفوس، وتحريك الهمّة، وتشجيعها على معالجة الأمور الصعبة.
قال في "الفتح": وذكر الزبير من طريق مُجَمِّع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك [من الرجز]:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إِذًا لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
ومن طريق أخرى عن أم سلمة -﵂- نحوه، وزاد: قال: وقال عليّ بن أبي طالب -﵁-[من الرجز]:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا … يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدَا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدَا
وقال القرطبيّ -﵀-: وهذا الحديث وشبهه يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر، والاستعانة بذلك على الأعمال، والتنشيط.
قال: ومن هنا أخذت الصوفيّة إباحة السماع، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك، وتَعَدَّوا فيه الوجه الجائز، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرّمات من أصناف الملاهي، كالشّبابات، والطارات، والرقص، وغير ذلك، وهذه أفعال
_________________
(١) حديث ضعيف للاضطراب فيه.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١٤.
[ ١٢ / ٨٧ ]
الْمُجّان، أهل البطالة والفسوق المدخلين في الشريعة ما ليس منها - أعاذنا اللَّه تعالى من ذلك بمنّه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
١٦ - (ومنها): جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها.
١٧ - (ومنها): أن ما ورد في كراهة البناء مختصّ بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمر دينيّ، كبناء المساجد.
١٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع، وكمال الخُلُق حيث ينقل الصخر والتراب معهم، ويُجيبهم في شعرهم.
١٩ - (ومنها): أن الخير كلَّ الخير هو خير الآخرة؛ لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا، فإنه سريع الزوال، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
٢٠ - (ومنها): استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين.
٢١ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": واحتجّ من أجاز بيع غير المالك بهذه القصّة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين.
وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجّار فساومهما، وأشرك معهما في المساومة عمّهما الذي كانا في حَجْره. انتهى.
٢٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: وفي بنائه -ﷺ- مسجده بالجذوع والجريد دليلٌ على ترك الزَّخْرفة في المساجد، والتأَنُّق فيها، والإسراف، بل قد ورد عنه -ﷺ- ما يقتضي النهي عن زخرفتها، وتشييدها، فقال: "ما أُمرتُ بتشييد المساجد"، وقال ابن عبّاس: "لتزخرفُنّها كما زَخرفت اليهود والنصارى". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث هذا أخرجه أبو داود في "سننه" بسند
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٢٤.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٢٣.
[ ١٢ / ٨٨ ]
صحيح، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أُمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس: "لتزخرِفُنَّها كما زَخْرَفت اليهود والنصارى" (^١).
وقال البخاريّ في "صحيحه": "باب بنيان المسجد"، وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أَكِنّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّر، أو تُصَفِّر، فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، وقال ابن عباس: لتزخرفُنّها كما زخرفت اليهود والنصارى. انتهى.
٢٣ - (ومنها): ما قاله ابن رجب -﵀-: في الحديث دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي -ﷺ- لم يأمرهم عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور، ولا تطهيرها، ولو فَعَل ذلك لما أهمل تعلّمه؛ للحاجة إليه، ويدلّ عليه أيضًا أن الصحابة -﵁- كانوا يخوضون الطين في الطرقات، ولا يغسلون أرجلهم، والنجاسات مُشاهدة في الطرقات، فلو لم تَطْهُر بالاستحالة لما سومح في ذلك، وهذا قول طائفة من العلماء من السلف، كأبي قلابة وغيره، ورجحه بعض الحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أن الأرض النجسة إذا جفّت، فإنه يصلي عليها، ولا يتيمّم بها، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم أنها نجسة بكلّ حال. انتهى (^٢).
٢٤ - (ومنها): ما قاله ابن رجب أيضًا: في الحديث دليلٌ على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح؛ فإن النبيّ -ﷺ- طلب شراء هذا الْمِربد، وهذه المسألة على قسمين:
[أحدهما]: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه، ونقله كأهل الحرب، ومن دُفن في مكان مغصوب، فهذا لا شكّ في صحّة البيع للأرض كلّها، ويُنقل المدفون فيها، كما أمر النبيّ -ﷺ- بنقل عظام المشركين.
[والثاني]: أن يكون المقبور محترمًا، لا يجوز نبشه، فلا يصحّ بيع موضع القبور خاصّة، وهل يصحّ في الثاني؟ يُخرّج على الخلاف في تفريق
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" برقم (٤٤٨).
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١٢.
[ ١٢ / ٨٩ ]
الصفة. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل ينشد النبيّ -ﷺ- شعرًا أم لا؟
قال النوويّ -﵀-: اختَلَف أهل العروض، والأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعرًا إلا بالقصد، أما إذا جَرَى كلام موزون بغير قصد، فلا يكون شعرًا، وعليه يُحْمَل ما جاء عن النبيّ -ﷺ- من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه -ﷺ-. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: اختَلَف أصحاب العروض، وعلم الشعر في أعاريض الرجز، هل هي من الشعر؟ الصحيح أنه من الشعر؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلْتَزَم فيه القوافي، والرجز كذلك، وأيضًا فإن قريشًا لَمّا اجتمعوا، وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبيّ -ﷺ-، فقال قائل: نقول: هو شاعر، فقالوا: واللَّه لتكذّبنّكم العرب، قد عرفنا الشعر كلّه، هزجه، ورجزه، ومقبوضه، ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر.
وإنما أخرجه من جنس الشعر مَن أشكل عليه إنشاد النبيّ -ﷺ- إياه، فقال: لو كان شعرًا لَمَا عَلِمه النبيّ -ﷺ-؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور، لم يستحقّ اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يُطلَق على الناس كلّهم أنهم شُعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يخلون أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح" عند قول ابن شهاب بعد روايته حديث الباب: "ولم يبلغنا أن النبيّ -ﷺ- تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذه الأبيات"، وزاد ابن عائذ في آخره: "التي كان يرتجز بهنّ، وهو ينقل اللَّبِن لبناء المسجد".
قال ابن التين: أُنكر على الزهريّ هذا من وجهين:
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١٤.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٨.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ١٢ / ٩٠ ]
[أحدهما]: أنه رجزٌ، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله: راجزٌ، ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال له: شاعرٌ، ولا أنشد شعرًا.
[والوجه الثاني]: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبيّ -ﷺ- شعرًا أم لا؟، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظرٌ. انتهى.
والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر، إذا كان موزونًا، وقد قيل: إنه كان -ﷺ- إذا قال ذلك لا يُطْلِق القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك.
وفي حديث سهل بن سعد -﵁- في غزوة الخندق بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وهذا ليس بموزون.
وعن الثاني بأن الممتنع عنه -ﷺ- إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلًا، وقول الزهريّ: "لم يبلغنا" لا اعتراض عليه فيه، ولو ثبت عنه -ﷺ- أنه أنشد غير ما نقله الزهريّ؛ لأنه نَفَى أن يكون بلغه، ولم يُطْلِق النفي المذكور، على أن ابن سعد رَوَى عن عفّان، عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهريّ قال: لم يقل النبيّ -ﷺ- شيئًا من الشعر، قيل: قبله، أو يُرْوَى عن غيره إلا هذا، كذا قال، وقد قال غيره: إن الشعر المذكور لعبد اللَّه بن رواحة، فكأنه لم يبلغه، وما في "الصحيح" أصحّ، وهو قوله: "شعر رجل من المسلمين". انتهى (^١).
وقد ذكر العلامة أبو عبد اللَّه القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]: ما نصّه: إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يَعْلَم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين وغيره:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وقوله:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٩١.
[ ١٢ / ٩١ ]
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا، ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكر ابن العربيّ منها آيات، وتكلم عليها، وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ": ليس بشعر.
وقال الخليل في "كتاب العين": إنّ ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرًا، ورُوي عنه أنه من منهوك الرجز، وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء، من قوله: "لَا كَذِبْ"، ومن قوله: "عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"، ولم يُعْلَم كيف قاله النبيّ -ﷺ-.
قال ابن العربيّ: والأظهر من حاله أنه قال: "لَا كَذِب" الباء مرفوعة، وبخفض الباء من "عبد المطلب" على الإضافة.
وقال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرًا؛ لأنه إذا فَتَحَ الباءَ من البيت الأول، أو ضمها، أو نوّنها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر.
وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر، وهذا مكابرة للعيان؛ لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره، وأما قوله: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ" فقيل: إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من "دَمِيت"، فان سكن لا يكون شعرًا بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، ولعل النبيّ -ﷺ- قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع.
والمعوَّل عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبيّ -ﷺ- عالِمًا بالشعر، ولا شاعرًا أن التمثل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالِمًا بالشعر، ولا يُسَمَّى شاعرًا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطًا لا يكون خياطًا.
قال أبو إسحاق الزجاج: معنى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: وما علّمناه أن يَشْعُر، أي ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمنع أن يُنْشِد شيئًا من الشعر.
[ ١٢ / ٩٢ ]
قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما أخبر اللَّه -﷿- أنه ما علّمه اللَّه الشعر، ولم يُخبِر أنه لا ينشد شعرًا، وهذا ظاهر الكلام.
وقيل فيه قولٌ بَيِّنٌ زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولًا موزونًا لا يقصد به إلى شعر، فليس بشعر، وإنما وافق الشعر، وهذا قولٌ بَيِّنٌ، قالوا: وإنما الذي نفاه اللَّه عن نبيه -ﷺ- فهو العلم بالشعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتّفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه، إذا قَدِموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: واللَّه لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فواللَّه ما يُشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر، وقال أنيسٌ أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر (^١)، فلم يلتئم أنه شعر، أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب.
وكذلك قال عتبة بن أبي ربيعة، لما كلّمه: واللَّه ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللُّسْنِ البلغاء.
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يُعَدُّ شعرًا، وإنما يُعَدّ منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: "حدّثنا شيخ لنا"، وينادي: "يا صاحب الكسائي"، ولا يُعَدُّ هذا شعرًا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجواب الأخير هو أحسن الأجوبة عندي، وحاصله أن الشعر المعنيّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] هو الذي يقع عن قصد، وأما ما يقع اتّفاقًا من غير قصد إليه، فلا يُعدّ شعرًا، فما وقع في كلامه -ﷺ- موزونًا، وكان ما أنشده لغيره، وما وقع في الآيات القرآنية موافقًا لأوزان بعض البحور، فليس بشعر؛ لما أسلفناه، وبهذا يزول الإشكال، ويحسن المقال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) أقراء الشعر: أنواعه، وطرقه، وبُحوره.
[ ١٢ / ٩٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الرد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ -بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الموحّدة-: مأوى الغنم، قال الفيّوميّ -﵀-: الرَّبَضُ -بفتحتين- والْمَرْبِض، وزانُ مَجْلِسٍ للغنم: مأواها ليلًا، والرَّبض للمدينة ما حولها، قال ابن السِّكِّيت: والرَّبَضُ أيضًا: كلُّ ما أويت إليه من أُخت، أو امرأة، أو قرابة، أو غير ذلك، ورَبَضَت الدابّة رَبْضًا، من باب ضَرَب، ورُبُوضًا، وهو مثلُ بُرُوك الإبل. انتهى (^١).
وقال في "العين": الرّبَضُ": ما حول مدينة، أو قصر، من مساكن جُند، أو غيرهم، ومسكنُ كلّ قوم على حيالهم: رَبَضٌ، ويُجمع على أرباض. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: مرابض الغنم: هي مباركها،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢١٥.
(٢) "العين" ٢/ ٩٠.
[ ١٢ / ٩٤ ]
ومواضع مبيتها، ووَضْعِها أجسادها على الأرض للاستراحة، قال ابن دريد: ويقال ذلك أيضًا لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع.
واستَدَلّ بهذا الحديث مالك، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد سبق بيان المسألة في آخر "كتاب الطهارة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق هناك ترجيح مذهبهما؛ لقوّة دليله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وفيه أنه لا كراهة في الصلاة في مُرَاح الغنم، بخلاف أعطان الإبل، وسبقت المسألة هناك أيضًا. انتهى (^١).
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والمعنى: قبل أن يبني -ﷺ- مع أصحابه مسجده الشريف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ (^٢)، حَدَّثَنَا (^٣) خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في معظمها: "حدّثنا يحيى بن يحيى"، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٨.
(٢) وفي معظم النسخ: "حدّثنا يَحْيَى بْنُ يحيى".
(٣) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٢ / ٩٥ ]
معظم النسخ "يحيى بن يحيى"، وفي بعضها: "يحيى" فقط غير منسوب، والذي في "الأطراف" لخلف أنه يحيى بن حبيب، قيل: وهو الصواب (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كونه "يحيى بن حبيب" هو الذي صرّح به الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٢٨) فقال: "رواه مسلم عن عُبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث". انتهى.
وهو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧) فقال: "رواه مسلم عن يحيى بن حبيب بن عربيّ"، ولم يتعقّبه الحافظ في "نكته"، وفي كلام النوويّ ما يدلّ على أنه الصواب، ولذا أثبتّه هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن خالد بن الحارث حدّث، عن شعبة بمثل حديث معاذ بن معاذ، عنه.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث هذه لم أجد من ساقها من طريقه، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.