وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٠] (٣٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ) بن سُرَاقة بن عمرو الْخَزْرجيّ، أبو نعيم، أو أبو محمد المدنيّ الصحابيّ الصغير (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو الوليد الصحابيّ الشهير المدنيّ، مات -﵁- سنة (٣٤) وله (٧٢)، وقيل غير ذلك، دُفن بقبرص بالشام، وقيل: ببيت المقدس (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وهو في معنى الرباعيّات؛ لأن محمودًا وعبادة صحابيّان، فهما بمنزلة راوٍ واحد، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
[ ٩ / ٢١٠ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ -﵄-.
٥ - (ومنها): أن عبادة -﵁- من أفاضل الصحابة -﵃-، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد العقبتين، وشهد بدرًا، وآخى رسول اللَّه -ﷺ- بينه وبين أبي مَرْثد الْغَنَويّ، وجّهه عمر -﵁- إلى الشام قاضيًا ومعلِّمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فِلَسطين، وهو أول من ولي القضاء بها، وله من الحديث (١٨٠) حديثًا، اتفق الشيخان على ستّة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بآخرين، قال محمد بن كعب الْقُرَظيّ: جمع القرآن في زمن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة من الأنصار: معاذ، وعبادة، وأُبيّ، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء -﵃- (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) وفي رواية صالح بن كيسان الآتية: عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره، ووقع في رواية الحميديّ عن سفيان: حدثنا الزهريّ، سمعت محمود بن الربيع، ولابن أبي عُمَر، عن سفيان بالإسناد، عند الإسماعيليّ: سمعت عُبادة بن الصامت، قال في "الفتح": وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل مَن أعلّه بالانقطاع؛ لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطنيّ. انتهى (^٢).
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) -﵁- (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-) معناه: يَصِل الراوي بهذا الحديث إلى النبيّ -ﷺ-.
_________________
(١) راجع: "الإعلام بفوائد عمدة الإحكام" ٣/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) "الفتح" ٢/ ٤٨٦.
[ ٩ / ٢١١ ]
[تنبيه]: قوله: "يبلغ به النبيّ -ﷺ-" من صيغ الرفع حكمًا، ومثله قولهم: "يرفعه"، و"ينميه"، و"روايةً"، و"يرويه"، و"يُسنده"، و"يأثُرُه"، ونحو ذلك، وإلى ذلك أشار السيوطيّ -﵀- في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَنْمِيهِ … رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ
وهذه الألفاظ وأمثالها مرفوعة حكمًا، بلا خلاف بين أهل العلم، كما صرّح به النوويّ، واقتضاه كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، قال الحافظ السخاويّ: يدلّ لذلك مجيء بعض المكنيّ به بالتصريح، ففي بعض الروايات لحديث: "الفطرة خمس": "يبلغ به النبيّ -ﷺ-، وفي بعضها: "قال رسول اللَّه -ﷺ-، وكما جاء هنا في الرواية التالية بلفظ: "عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: لا صلاة. . . " إلخ.
والسبب الحامل للراوي على عدوله عن التصريح بقول الصحابيّ: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-، ونحو ذلك إلى أن يعبّر بقوله: "يبلغ به"، أو "ينميه"، أو "يرويه"، أو نحوها مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ -ﷺ- كونه يشكّ في صيغة الرفع بعينها، هل هي "سمعتُ"، أو "قال رسول اللَّه -ﷺ-"، أو "نبيّ اللَّه"، أو "حدّثني"، أو نحوها؟ وهو ممن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتخفيف، أو لورعه حيث رواه بالمعني، أو نحو ذلك (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
("لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ") زاد الحميديّ، عن سفيان: "فيها"، كذا في "مسنده"، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميديّ، أخرجه البيهقيّ، وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيليّ، ولِقُتيبة، وعثمان بن أبي شيبة، عند أبي نعيم، في "المستخرج"، وهذا يُعَيِّن أن المراد القراءة في نفس الصلاة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال العلامة السنديّ -﵀- في "حاشية النسائيّ" (٢/ ١٣٧):
قوله: "لا صلاة لمن لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب": ليس معناه: لا صلاة لمن
_________________
(١) راجع: شرحي لألفية السيوطيّ المسمّى "إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر" ١/ ١٢٧ - ١٢٩.
(٢) ٢/ ٤٨٦.
[ ٩ / ٢١٢ ]
لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قطّ، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قطّ، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرةً، ولو خارج الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرةً في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه: لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في بعض الصلوات؛ إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها، ما تُرِك فيها، وما لَمْ يترك فيها؛ إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يُقرأ فيها، فهذا عمومٌ محمول على الخصوص، بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادر إلى الأفهام، من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لا يضرّ بعموم النفي للجنس؛ لشمول النفي بعدُ لكل صلاة تُرك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي.
ثم قد قَرَّروا أن النفي لا يُعْقَل إلَّا مع نسبةٍ بين أمرين، فيقتضي نفيُ الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس؛ ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يُقَدَّر من الأمور العامّة؛ كالكون، والوجود، أما الكمال، فقد حَقَّق المحقق الكمال (^١) ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلَّا بدليل، والوجود في كلام الشارع يُحمَل على الوجود الشرعيّ دون الحسيّ، فمُفاد الحديث نفي الوجود الشرعيّ للصلاة التي لم يُقرَأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو عين نفي الصحة، وما قال أصحابنا -يعني الحنفيّة-: إنه من حديث الآحاد، وهو ظنيّ، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب، أنه يوجب العمل ضرورةَ أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاةٍ لَمْ يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها الإمام.
_________________
(١) أراد به الكمال ابن الهمام، صاحب "فتح القدير شرح الهداية" في الفقه الحنفيّ.
[ ٩ / ٢١٣ ]
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة، لكن إذا ضُمّ إليه قوله -ﷺ-: "وافْعَلْ في حلاتك كلها" للأعرابي المسيء صلاته، يَلزَم افتراضها في كل ركعة، ولذلك عَقَّب هذا الحديث بحديث الأعرابي في "صحيح البخاريّ"، فلله دره ما أدَقّه -وكذلك مسلم هنا حيث أتى به في هذا الباب-، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه العلامة السنديّ الحنفيّ: من بطلان صلاة من لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب فيها؛ عملًا بالأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيره، تحقيقٌ نفيس جدًّا، وهو يدلّ على إنصافه، وبُعده عن التعصّب المذهبيّ الذي يُغطّي كثيرًا من الحقّ، وهذا أمر نادر عند المذهبيين، ولا سيّما الذين ينتسبون إلى مذهبه الحنفيّ، فإن هذه المسألة، وأشباهها قد زلّ فيها قدم كثير ممن يُظنّ فيهم البراعة، والتقدّم في المذهب، بل وفي سائر المعلوم، أمثال الطحاويّ من المتقدّمين، وأمثال العينيّ من المتأخّرين، فلا تغترّ بما يموّهون به في ردّ هذا النصّ الصريح: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، هداني اللَّه وإياك سبيل الصواب.
غير أن مما يُستدرك من كلام السنديّ قوله: "نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي. . . إلخ"، فإنه غير مقبول؛ لأن الأحاديث الواردة التي أشار إليها غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم هذا الحديث الصحيح: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، وعلى تقدير صحّتها تُحمَل على ما عدا الفاتحة؛ عملًا بالاستثناء المذكور في الحديث الصحيح: "فلا تفعلوا إلَّا بأم القرآن. . . "، وسيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقال القاضي عياض: قيل: يُحْمَل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيُخَصّ بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادَّعَى أن المراد بالصلاة معناها اللغويّ، فغير مسلَّم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عُرْفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه؛ لكونه بُعِث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفيّ الصلاة الشرعية،
_________________
(١) راجع: "حاشية السنديّ على سنن النسائيّ" ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٩ / ٢١٤ ]
استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يَحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نُقِل عن القاضي أبي بكر وغيره، حتى مال إلى التوقُّف؛ لأن نفي الكمال يُشْعِر بحصول الإجزاء، فلو قُدِّر الإجزاء منتفيًا لأجل العموم قُدِّر ثابتًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد، فلا حاجة إلى أكثرَ منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ -﵀-: وفي هذا الأخير نظرٌ؛ لأنا إن سلمنا تعذّر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى. ويؤيده رواية الإسماعيليّ من طريق العباس بن الوليد النَّرْسيّ، أحد شيوخ البخاريّ عن سفيان بهذا الإسناد، بلفظ: "لا تُجزئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وتابعه على ذلك زياد بن أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطنيّ، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما.
ولأحمد من طريق عبد اللَّه بن سَوَادة الْقُشَيريّ، عن رجل عن أبيه، مرفوعًا: "لا تُقْبَل صلاة لا يُقرَأ فيها بأم القرآن".
وقد أخرج ابن خزيمة، عن محمد بن الوليد القرشيّ، عن سفيان، حديث الباب بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي: أي لا تُصَلُّوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم، عن عائشة، مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ: "لا يُصَلِّي أحدكم بحضرة الطعام"، أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره، عن يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق (^١)، وابن حبان، من طريق حسين بن عليّ وغيره،
_________________
(١) وقع في "الفتح" "عن القاسم"، وهو غلط؛ لأن مسلمًا ما أخرجه من طريق =
[ ٩ / ٢١٥ ]
عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة، بهذا اللفظ.
وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة الحنفيةُ، لكن بَنَوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة؛ لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلَّا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي، ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فيصلي صلاةً يريد أن يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها؛ مبالغةً في تحقيق مخالفته لمذهب غيره. انتهى (^١).
قال الجامح عفا اللَّه عنه: وأنا لا ينقضي عجبي من كثير ممن ينتسب إلى المذهب الحنفيّ في ترك الطمأنينة، والاستعجال في الصلاة، فكأن الإمام أبا حنيفة أمرهم بهذا الاستعجال، وعدم الطمأنينة في الصلاة، والمعروف أن الخلاف بين أبي حنيفة وغيره في فرضيّة الطمأنينة، وسنيّتها، لا في أصل مشروعيّتها، فأبو حنيفة كسائر الأئمة يقول بمشروعيّة الاطمئنان، وإنما يخالف غيره في عدم بطلان الصلاة بتركه، فكأن عوام الحنفيّة فهموا من مذهبه أنه قائل باستحباب الاستعجال، وهذا هو واقع لسان حالهم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) = القاسم، وإنما أخرجه من طريق عبد إللَّه بن أبي عتيق، وإنما القاسم له قصّة في الحديث، وسيأتي هذا في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣.
[ ٩ / ٢١٦ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٠ و٨٨١ و٨٨٢ و٨٨٣] (٣٩٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٢٢ و٨٢٣ و٨٢٤)، و(الترمذيّ) فيها (٣١١)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٣٧ و١٣٨)، و(ابن ماجه) فيها (٨٣٧)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٦٢٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٦٠)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٣٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣١٤ و٣٢١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٨٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٨٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨٢ و١٧٨٥ و١٧٨٦ و١٧٩٢ و١٨٤٨ و١٨٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨ و١٦٤ و٣٧٤ و٣٧٥)، و(الطبرانيّ) في "الصغير" (١/ ٧٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦٤ و١٦٦٥ و١٦٦٦ و١٦٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٠ و٨٧١ و٨٧٢)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١٥)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٢١)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٥٧٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة في كل الصلوات، على كل مصلٍّ؛ إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا؛ لهذا الحديث، وفيه خلاف سنحققه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن فيه تسمية هذه السورة بـ "فاتحة الكتاب"، وفيه ردّ على من منع ذلك، وزعم أن أم الكتاب اسم للوح المحفوظ، فلا يُسمّى به غيره، قال النوويّ: وهو غلط، وهو كما قال؛ لأن هذا الحديث يبطل زعمه.
قال النوويّ -﵀- في "المجموع" (^١): لفاتحة الكتاب عشرة أسماء، حكاها الإمام أبو إسحاق الثعلبي وغيره:
[أحدها]: فاتحة الكتاب، وجاءت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ -ﷺ- في تسميتها بذلك، قالوا: سميت به؛ لأنه يفتتح بها المصحف، والتعلم، والقراءة
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذّب" ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ٩ / ٢١٧ ]
في الصلاة، وهي مفتتحة بالحمد الذي يفتتح به كلُّ أمر ذي بال، وقيل: لأن الحمد فاتحة كل كتاب.
[الثاني]: سورة الحمد؛ لأن فيها الحمد.
[الثالث، والرابع]: أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأنَّها مقدمة في المصحف، كما أن مكة أم القري، حيث دُحِيت الدنيا من تحتها، وقيل: لأنَّها مجمع المعلوم والخيرات، كما سُمِّي الدماغ أمّ الرأس؛ لأنه مجمع الحواس والمنافع، قال ابن دريد: الأم في كلام العرب الراية ينصبها الأمير للعسكر، يفزعون إليها في حياتهم وموتهم، وقال الحسن بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنَّها إمام لجميع القرآن، تقرأ في كل ركعة، وتُقدَّم على كل سورة، كأم القرى؛ لأهل الإسلام، وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّها أعظم سورة في القرآن، ثبت في "صحيح البخاريّ" عن أبي سعيد بن المعلى -﵁- قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد"، فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؛ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته".
[الخامس]: الصلاة؛ للحديث الصحيح الآتي في هذا الباب أن النبيّ -ﷺ- قال: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. . . " الحديث.
[السادس]: السبع المثاني؛ للحديث الصحيح الذي ذكرناه قريبًا، سميت بذلك؛ لأنَّها تُثَنَّى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة.
[السابع]: الوافية بالفاء؛ لأنَّها لا تُنقَص، فيقرأ بعضها في ركعة، وبعضها في أخري، بخلاف غيرها.
[الثامن]: الكافية؛ لأنَّها تكفي عن غيرها، ولا يكفى عنها غيرها.
[التاسع]: الأساس، رُوي عن ابن عباس -﵄-.
[العاشر]: الشفاء، فيه حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- في رقيته اللديغ بها، وهو في "صحيح البخاري".
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، بناءً على أن الركعة الواحدة تسمى صلاةً لو تجردت.
[ ٩ / ٢١٨ ]
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلًا يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة، والأصل أيضًا عدم إطلاق الكل على البعض؛ لأن الظهر مثلًا كلها صلاة واحدة حقيقةً، كما صرح به في حديث الإسراء حيث سَمَّى المكتوبات خمسًا، وكذا حديث عبادة: "خمس صلوات كتبهنّ اللَّه على العباد"، وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازًا.
قال الشيخ ابن دقيق العيد: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة واحدة منها، فإن دلّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدمًا. انتهى.
وقال بمقتضى هذا البحث الحسن البصريّ، رواه عنه ابن المنذر بإسناد صحيح.
ودليل الجمهور في إيجابها في كل ركعة قوله -ﷺ- للمسيء صلاته: "وافعل ذلك في حلاتك كلها" بعد أن أمره بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن حبان: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
قال في "الفتح": ولعل هذا هو السر في إيراد البخاريّ له عقب حديث عبادة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وكذلك يدلّ فعل مسلم هنا حيث أورده في هذا الباب؛ فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، سواء أسرّ الإمام أم جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقةً، فتنتفي عند انتفاء القراءة.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: إلَّا إن جاء دليلٌ يقتضي تخصيص صلاة المأموم من هذا العموم، فيقدّم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لَمْ يجئ دليلٌ صحيح يعارض هذا العموم، بل الذي جاء نصّ في إيجابها على المأموم مطلقًا، وذلك ما صحّ عنه -ﷺ- أنه قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، فتنبّه.
قال الحافظ -﵀-: واستَدَلّ مَن أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية
[ ٩ / ٢١٩ ]
بحديث: "من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعللَّه الدارقطنيّ وغيره.
واستَدَلّ من أسقطها عنه في الجهرية، كالمالكية بحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، ولا دلالة فيه؛ لإمكان الجمع بين الأمرين، فيُنصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا سكت، وعلى هذا فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم؛ لئلا يوقعه في ارتكاب النهي، حيث لا يُنصت إذا قرأ الإمام.
وقد ثبت الإذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في "جزء القراءة"، والترمذيّ، وابن حبان، وغيرهما، من رواية مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة -﵁-، أن النبيّ -ﷺ- ثَقُلَت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، والظاهر أن حديث الباب مختصر من هذا، وكأنّ هذا سببه، واللَّه أعلم.
وله شاهد من حديث أبي قتادة -﵁- عند أبي داود، والنسائيّ، ومن حديث أنس -﵁- عند ابن حبان.
ورَوَى عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير، قال: لا بُدّ من أم القرآن، ولكن مَن مَضَى كان الإمام يسكت ساعةً قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بهذا الحديث الصحيح أنه لا بُدّ للمأموم من قراءة الفاتحة مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهريّة، أم سريّةً، فتبصر؛ ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القراءة في الصلاة:
ذهب العلماء كافّةً إلى وجوبها، ولا تصح الصلاة إلَّا بها، قال النوويّ: ولا خلاف فيه إلَّا ما حكاه القاضي أبو الطيب، ومتابعوه عن الحسن بن صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ٩ / ٢٢٠ ]
واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن عليّ أن عمر بن الخطاب -﵁- صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له؟ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حَسَنًا، قال: فلا بأس، رواه الشافعي في "الأم"، وغيره، وعن الحارث الأعور أن رجلًا قال لعليّ -﵁-: إني صليت، ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمّت صلاتك، رواه الشافعيّ، وعن زيد بن ثابت -﵁- قال: القراءة سنة، رواه البيهقيّ.
واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب، ولا معارض لها.
وأما الأثر عن عمر -﵁- فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة، ومحمد بن عليّ لم يدركا عمر.
والثاني: أنه محمول على أنه أسرّ بالقراءة.
والثالث: أن البيهقيّ رواه من طريقين موصولين، عن عمر -﵁- أنه صلى المغرب، ولم يقرأ فأعاد، قال البيهقيّ: وهذه الرواية موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما الأثر عن عليّ -﵁- فضعيف أيضًا؛ لأن الحارث الأعور متّفقٌ على ضعفه، وترك الاحتجاج به.
وأما الأثر عن زيد -﵁-، فقال البيهقيّ وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلَّا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة؛ أي طريق يُتَّبَعُ، ولا يُغَيَّر، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصحّ بدونها هو الحقّ، وأن الأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نُسبت إليه، وإما شاذّة لا يُلتفت إليها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة:
_________________
(١) "المجموع" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ٩ / ٢٢١ ]
ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، إلى أن الفاتحة متعينة لا تصح صلاة القادر عليها إلَّا بها، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وخَوّات بن جُبير، والزهريّ، وابن عون، والأوزاعيّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات عنه: إحداها: آية تامة، والثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازيّ: وهذا هو الصحيح عندهم، والثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد.
واحتُجَّ لأبي حنيفة بقول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحديث أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال للمسيء صلاته: "كَبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، متّفقٌ عليه، وبحديث أبي سعيد -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- هو: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب أو غيرها"، وفي حديث أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ-: "لا صلاة إلَّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب".
قالوا: فدلّ على أن غيرها يقوم مقامها، قالوا: ولأن سور القرآن في الحرمة سواء، بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب، وتحريم مس المحدث المصحف.
واحتج الجمهور بحديث عبادة بن الصامت -﵁- المذكور في الباب: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه.
فإن قالوا: معناه: لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر، والسابق إلى الفهم، فلا يُقْبَل.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خِدَاجٌ"، يقولها ثلاثًا، أي غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . . " الحديث.
[ ٩ / ٢٢٢ ]
وعن عبادة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "لا تجزئ صلاة لا يَقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب"، رواه الدارقطنيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة -مسألةِ فرضيّة قراءة الفاتحة على كل مصلٍّ، وعدم إجزاء غيرها عنها- أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور، من فرضيّتها، وعدم إجزاء غيرها عنها؛ لكون أدلّتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له نَفَاقٌ في سوق المناظرة، بل أتوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث ردُّوا الأحاديث الصحيحة بمجمل آية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ التي بيانها إلى رسول اللَّه -ﷺ- الذي قال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بيّنها بأنها الفاتحة، حيث قال: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه، وقال أيضًا: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما".
قال الحافظ أبو حاتم بن حبّان البُسْتيّ -﵀- في "صحيحه" ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقلّ بنفسه في حالة دون حالة حتى يُستَعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقلّ في بعض الأحوال حتى يُستَعمل على كيفيّة اللفظ المجمل الذي هو مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تُبيّنها السنن، وسنن المصطفى -ﷺ- كلها مستقلّة بنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسِّرةُ لِمُبهمه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأخبر جلّ وعلا أن المفسِّر لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسوله -ﷺ-، ومُحالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسِّر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويَدفَع صحّته النظر. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وأيضًا ردّوها بالروايات الضعيفة، كحديث: "من كان له إمام فقراءة
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٩٢.
[ ٩ / ٢٢٣ ]
الإمام له قراءة"، وأمثاله مما لا يثبتُ، ولا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فقد تبيّن بذلك الحقّ الذي لا خفاء ولا لبس فيه، وقد أشبعت هذا البحث في "شرح النسائيّ" (^١)، وكذلك البحث في وجوب القراءة في كلّ ركعة، وأن الحقّ هو الوجوب، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨١] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٢) أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ (^٣) بِأُمِّ الْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عَمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ) وفي نسخة: "لمن لا يقترئ"، وهو افتعال من القراءة.
وقوله: (بِأُمّ الْقُرْآنِ) سمّيت به؛ لكونها أصلًا ومنشأ له، إما لمبدئيّتها له، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على اللَّه -﷿-، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الْحِكَم النظريّة، والأحكام العمليّة (^٤)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ١١/ ٢٧٨ - ٢٨٦ و٣١٩ - ٣٢٧.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٣) وفي نسخة: "لمن لا يقترئ".
(٤) "المرعاة" ٣/ ١٠٨.
[ ٩ / ٢٢٤ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَن مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الْخَلالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغارها [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) يقال: مَجَّ الشرابَ من فيه: إذا رمى به، وقال أهل اللغة: المجّ: إرسال الماء من الفم مع نَفْخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتى تُبَاعِد به، وكذلك مجّ لُعابه، والمجاجة، والمجاج: الريق الذي تَمُجُّه من فيك، ومجاجة الشيء أيضًا عُصارته، ويقال: إن المطر مجاج الْمُزْن،
[ ٩ / ٢٢٥ ]
والعسلَ مجاج النحل، والمجاج أيضًا: اللبن؛ لأن الضرع يَمُجّه، والتركيب يدلّ على رمي الشيء، قاله في "العمدة" (^١).
وقوله: (فِي وَجْهِهِ) أي في وجه محمود.
وقوله: (مِنْ بِئْرِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: "من دلو"، وفي رواية له: "من دلو كانت في دارهم"، وفي رواية النسائيّ: "من دلو مُعلَّق"، ولا تعارض بينها؛ لأنه يُتأول بأن الماء أُخذ بالدلو من البئر التي كانت في دارهم، فتناوله النبيّ -ﷺ- من الدلو بفيه، ثمّ مجّه على وجهه.
وهذا منه -ﷺ- من باب التبريك له، والمداعبة واللطف، حيث إنه صغير، ففي رواية البخاريّ: "عَقَلتُ من النبيّ -ﷺ- مَجّةً مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلو".
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (^٢)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "فَصَاعِدًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم أول الباب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٠٨.
(٢) وفي نسخة: "حدثنا إسحاق".
[ ٩ / ٢٢٦ ]
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت.
وقوله: (وَزَادَ: فَصَاعِدًا) يعني أن معمرًا زاد في روايته لهذا الحديث في آخره لفظة "فصاعدًا"، أي قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا".
مسائل تتعلّق بهذه الزيادة:
أعني قوله: "فصاعدًا".
(المسألة الأولى): رواية معمر هذه أخرجها الحافظ أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٤٥٠)، فقال:
(١٦٦٥) حدّثنا الدّبَريّ، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمّ القرآن فصاعدًا". انتهى.
(المسألة الثانية): في الكلام على هذه الزيادة:
(اعلم): أن هذه الزيادة صحيحة، أخرجها المصنّف هنا بهذا السند، وأخرجها النسائيّ عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به، وأبو داود عن قتيبة، وأحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهريّ به، وأحمد في "مسنده" (٥/ ٣٢٢)، والبيهقيّ في "الكبرى" (٢/ ٣٧٤)، والبغويّ في "شرح السنة" (٥٧٦ و٥٧٧).
وقد ادّعى ابن حبّان في "صحيحه" (^١) أنه تفرّد بها معمر، عن الزهريّ، دون أصحابه.
ورُدّ عليه: بأن سفيان بن عيينة تابعه عليها، كما مرّ آنفًا من رواية أبي داود.
والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة، كما أثبتها المصنّف هنا، وأما محاولة صاحب "المرعاة" في تضعيفها، وطوّل في ذلك نفسه، فمما لا يُلتفت إليه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٨٧.
[ ٩ / ٢٢٧ ]
(المسألة الثالثة): في معنى قوله: "فصاعدًا"، وإعرابها:
فأما معناها: فزائدًا على الفاتحة؛ يعني أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، فما زاد عليها، على حدّ قولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا.
وأما إعرابها، فهي منصوبة على الحال، وهي من الأحوال التي يجب حذف عاملها وصاحبها، وهي كل حال تُفهِم ازديادًا، أو نَقصًا بتدريج، ويجب اقترانها بالفاء، أو بـ "ثُمَّ"، كقولهم: اشتريته بدرهم فصاعدًا، وتصدّقتُ بدينار فسافلًا، فـ "صاعدًا" و"سافلًا" حالان، عاملهما وصاحبهما محذوفان وجوبًا، والتقدير: فذهب الثمن صاعدًا، وذهب المتصدَّق به سافلًا، هكذا حقّقه شُرَّاح "الخلاصة" عند قولها:
وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيها عَمِلْ … وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ
وقال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعدًا حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكونا على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحًا؛ لأنه صفة، لا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا، ولا يجوز أن تقول: وصاعدًا؛ لأنك لا تريد أن تخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أَوّلًا، ثم قرّرت شيئًا بعد شيء؛ لأثمان شَتّي، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعني، ولم يُلْزِمِ الواوُ الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعد" بدل من زاد ويزيد، و"ثُمّ" مثل الفاء، إلَّا أن الفاء أكتر في كلامهم.
وقال ابن جني: "وصاعدًا" حال مؤكّدة، ألا ترى أن ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعدًا، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلَّا صاعدًا. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة:
قال في "الفتح": واستُدِلّ بقوله: "فصاعدًا" على وجوب قدر زائد على الفاتحة.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
وتُعُقّب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاريّ في "جزء القراءة": هو نظير قوله: "تُقْطَع اليد في ربع دينار فصاعدًا"، وادَّعَى ابن حبان، والقرطبيّ، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم، في رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقرّ على ذلك، وسيأتي في هذا الباب حديث أبي هريرة -﵁-: "ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت، ومن زاد فهو أفضل"، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس -﵄-: أن النبيّ -ﷺ- قام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب" (^١).
وقال النوويّ في "شرح المهذّب" (٣/ ٣٤٣):
قراءة السورة بعد المفاتحة سنة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وكافة العلماء، إلَّا ما حكاه القاضي أبو الطيب، عن عثمان بن أبي العاص الصحابي -﵁-، وطائفةٍ أنه تجب مع الفاتحة سورة، أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب "البيان" عن عمر بن الخطاب -﵁-، ويُحتَجّ لى بأنه المعتاد من فعل النبيّ -ﷺ- كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، مع قوله -ﷺ-: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي".
ودليل الجمهور قوله -ﷺ-: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وظاهره الاكتفاء بها، وعن أبي هريرة -﵁- قال: "في كل صلاة يُقرأ فما أسمعنا رسول اللَّه -ﷺ- أسمعناكم، وما أخفى عنّا أخفينا، وإن لم تَزِد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير لك"، رواه متّفقٌ عليه.
واستَدَلّ البيهقيّ وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة -﵁-، ولا دلالة فيه لمسألتنا، فإن الصحابة -﵃- لا يُحتَجّ على بعضهم بقول بعض، وعن ابن عباس -﵄-: "أن رسول اللَّه -ﷺ- صَلَّى ركعتين، ولم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب"، رواه بإسناد ضعيف. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
قال المجامع عفا اللَّه عنه، ما ذهب إليه الجمهوو من عدم وجوب ما زاد على الفاتحة هو الحقّ عندي؛ لقوّة حجّته، فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٨٤.
[ ٩ / ٢٢٩ ]
عن جابر ذكر قصةَ معاذ، قال: وقال -يعني النبيّ -ﷺ- للفتى: "كيف تصنع يا ابن أخي، إذا صليت؟ " قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسال اللَّه الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ولا دندنة معاذ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إني ومعاذًا حول هاتين، أو نحو هذا. . . "، الحديث.
فقد أقرّ النبيّ -ﷺ- هذا الفتى في قوله: "أقرأ بفاتحة الكتاب"، ولم يأمره بالزيادة، فدلّ على أن الزيادة على الفاتحة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبةً لبيّنها النبيّ -ﷺ- للفتى.
والحاصل أن الراجح عدم وجوب ما زاد على الفاتحة؛ لما ذُكر؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٤] (٣٩٥) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ"، فَقِيلَ (^١) لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (^٢)، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَى عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".
_________________
(١) وفي نسخة: "قيل".
(٢) زاد في نسخة: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي".
[ ٩ / ٢٣٠ ]
قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أول الباب.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من العلاء.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعىّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "مَنْ صَلَّى) "من" شرطية؛ أي إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا (صَلَاةً) نكرة في سياق الشرط، فتعمّ؛ أي جهرتةً كانت، أو سرّيّةً، فريضةً، أو نافلة (لَمْ يَقْرَأْ) بالبناء للفاعل (فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أي فاتحة الكتاب، وسميت الفاتحة بأم القرآن؛ لأنَّها فاتحته، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنَّها أصلها.
وقال القرطبيّ -﵀-: سُمّيت أمّ الكتاب؛ لأنَّها أصله، أي هي محيطة بجميع علومه، فهي منها، وراجعة إليها، ومنها سُمّيت الأم أُمًّا؛ لأنَّها أصل النسل، والأرض في قوله:
[ ٩ / ٢٣١ ]
فَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا … فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩]، وقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ولا معنى لكراهة من كَرِهَ تسميتها بأمّ القرآن، مع وجود ذلك في الحديث. انتهى (^١).
(فَهِيَ خِدَاجٌ) بكسر الخاء المعجمة: أي ناقصة نقصَ فساد وبُطلان.
قال النوويّ -﵀-: "الْخِداج" بكسر الخاء المعجمة، قال الخليل بن أحمد، والأصمعيّ، وأبو حاتم السجستانيّ، والْهَرَويّ، وآخرون: الخداج: النُّقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تامّ الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الْيُدَيَّة: مُخْدَج اليد؛ أي ناقصها، قالوا: فقوله -ﷺ-: "خداج": أي ذات خداج، وقال جماعة من أهل اللغة: خَدَجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: الخِداج: النقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تامّ الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل، وإنما قال: "فهي خداجٌ"، والْخِدَاج مصدر على حذف مضاف: أي ذاتُ خِداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه؛ مبالغةً، كقوله:
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ (^٣)
وقال الخطّابيّ -﵀-: معنى: خِدَاج: ناقصة نقص فساد وبُطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها، وهو دمٌ لَمْ يستبن خَلْقه، فهي مُخدَج، والْخِداج اسم مبنيّ منه. انتهى (^٤).
وقال البخاريّ -﵀- في "جزء القراءة" له: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة: إذا أسقطت، والسقط ميتٌ لا يُنتفع به. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل، وإن تمّ خَلْقه إسقاطها، والسقط ميت، لا يُنتفع به كما عَرَفت، فظهر من هذا
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥١.
(٣) "النهاية" ٢/ ١٢ - ١٣.
(٤) "معالم السنن" ١/ ٢٠٣.
[ ٩ / ٢٣٢ ]
كلّه أن المراد من قوله: "خِدَاجٌ" نُقصان الذات، أعني نقصان الفساد، والبطلان، ويدلّ عليه ما رواه البيهقيّ في "كتاب القراءة" له عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، قال: قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسيّ، قال البيهقيّ: رواه ابن خزيمة، عن محمد بن يحيى، محتجًّا به على أن قوله في سائر الروايات: "فهي خِداجٌ" المراد به النقصان الذي لا تجزئ معه. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: في حديث أبي هريرة -﵁- هذا من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لَمْ يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، والخِداج النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخِلقة، وذلك نتاجٌ فاسدٌ، وقال الأخفش: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت: إذا قذفت به قبل وقت الولادة، وإن كان تامّ الخلق، وقد زعم من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة أن قوله: "خِداج" يدلّ على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة، وهذا تحكّم فاسدٌ، والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة؛ لأنَّها صلاة لم تتمّ، ومن خرج من صلاته قبل أن يُتمّها فعليه إعادتها تامّة كما أُمر، ومن ادّعَى أنَّها تجوز مع إقراره بنقصها، فعليه الدليل، ولا سبيل له إليه من وجه يلزم. انتهى (^١).
(ثَلَاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرّات، وقوله: (غَيْرُ تَمَامٍ") بالرفع عطفُ بيان لخداج، أو بدل منه، وقيل: تأكيد، قال الزرقانيّ -﵀-: فهو حجة قويّة على وجوب قراءتها في كلّ صلاة. انتهى.
وقال صاحب "المرعاة": هذا يدلّ على تعيّن الفاتحة في الصلاة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، ولا يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن؛ لأن لفظ التمام يُستعمل في الإجزاء، ويُطلَق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلَّا به، ففيه دليلٌ على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. انتهى (^٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الاستذكار" ٤/ ١٩٣.
(٢) "المرعاة" ٣/ ١١١ - ١١٢.
[ ٩ / ٢٣٣ ]
(فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ) القائل هو أبو السائب الراوي للحديث عنه في الرواية التالية، ففي رواية النسائيّ من طريقه: "فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام" (إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟) أي نكون في بعض الأوقات مقتدين بالإمام، فهل علينا من حرج إن لم نقرأ بها؟ (فَقَالَ) أبو هريرة، وفي رواية النسائيّ: "فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك" (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سرًّا في نفسك، قال البيهقيّ -﵀- في "كتاب القراءة": المراد أن يتلفّظ بها سرًّا دون الجهر بها، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها؛ لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يُسمّى قراءةً، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحدٌ، ولا يساعده لسان العرب. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: معناه: اقرأها سرًّا بحيث تُسمِع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم، أن المراد تدبر ذلك وتذكّره فلا يُقْبَل؛ لأن القراءة لا تُطلق إلَّا على حركة اللسان، بحيث يُسمِع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه، من غير حركة لسانه، لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. انتهى (^١).
وفي رواية أبي عوانة: "فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؛ فغمزني بيده، فقال: يا فارسيّ، أو ابن الفارسيّ اقرأ بها في نفسك"، وفي رواية البخاريّ في "جزء القراءة": "قلت: يا أبا هريرة، كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وهو يجهر بالقراءة؟ قال: ويلك يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك"، وكذلك في رواية البيهقيّ في "كتاب القراءة".
فظهر بهذه الروايات أن أبا هريرة كان يُفتي بعد وفاة النبيّ -ﷺ- بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، سريّة كانت، أو جهريّةً، وفي إفتائه بهذا دلالة واضحةٌ على أن حديثه: "من صلّى صلاةً لَمْ يقرأ بأم القرآن، فهي خِداجٌ"، باقٍ على عمومه، شاملٌ للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأن راوي الحديث
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٠٣.
[ ٩ / ٢٣٤ ]
أعرف بالمراد منه، قاله المباركفوريّ -﵀- (^١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتك بقراءتها سرًّا؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) هذا استدلال من أبي هريرة -﵁- على ما أفتى به من قراءة المأموم الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يُعذر في تركها، وانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ تقوية للأدلة، ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن اللَّه -﷾- سمّى الفاتحة صلاةً، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلّ، فلا بدّ لكلّ مصلّ أن يقرأها، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، واللَّه تعالى أعلم.
(يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ) بصيغة المتكلّم (الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة، وأراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسُمّيت صلاةً؛ لأن الصلاة لا تصحّ إلَّا بها، ففيه إطلاق اسم الكلّ على الجزء، ونظيره قوله -ﷺ-: "الحجِّ عرفة" (^٢).
وقال الخطَّابيّ -﵀-: يريد بالصلاة القراءة، يدلّ على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد به: "إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول اللَّه: حَمِدني عبدي. . . " إلى آخر السورة، وقد تُسمّى القراءة صلاةً؛ لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءًا من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قيل: معناه القراءة، وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أراد صلاة الفجر، فسمَّى الصلاة قرآنًا، والقرآن صلاةً؛ لانتظام أحدهما بالآخر.
يدلّ على صحّة ما قلناه قوله: (بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) والصلاة خالصة للَّه، لا شِرْك فيها لأحد، فعُلم أن المراد به القراءة.
وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلوّ اللفظ، وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي
_________________
(١) راجع: "أبكار المنن" ص ١٣٩.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في "الجامع" (٣/ ٢٣٧)، والنسائيّ ٥/ ٢٥٦.
[ ٩ / ٢٣٥ ]
إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: "وهذه بيني وبين عبدي".
ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بيّنةً، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر، ومدّة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على الآخر، وقيل لشريح: "كيف أصبحت؟ قال: أَصبحت، ونصف الناس عليّ غِضَاب، يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليَّ؛ لاستخراجي الحقّ منه، وإكراهي إياه عليه، وكقول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَينِ شامِتٌ … بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ
انتهى كلام الخطّابيّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
زاد في نسخة: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي"، ومعنى قوله: "فنصفهما لي". أن نصف الفاتحة خاصّ بي، وهو الثلاث الآياتِ الأُوَلُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله: "ونصفها لعبدي": أي أن نصفها الآخر خاصّ به، وهو قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . . .﴾ إلى آخر السورة.
والإضافة في قوله: "عبدي" إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقّق بصفات، العبوديّة، والقيام بحقوق الربوبيّة، وشهود آثارهما، وأسوارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، ورُوح الأشباح، وغَرْس تجلّيات الأسرار التي يتخلّى بها العبد عن الأغيار.
ولَمَّا كان وصف العبوديّة غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحقّ وَصَفَ اللَّه تعالى به نبيّه -ﷺ- في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الآية [الإسراء: ١]،
_________________
(١) "معالم السنن" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الآية [الفرقان: ١]، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] (^١).
(وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعده من اللَّه -﷾- لعبده أن يُجيب دعاءه، ووعده لا يُخلَف، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ) هذا بيان للصلاة التي قسمها اللَّه -﷿- بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر -ﷺ- ما يقوله اللَّه تعالى عند قراءة العبد كلَّ آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه، حضًّا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصّة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور.
وفيه حجةٌ لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها معها، كما ذكر فضل كل آية منها، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) اتّفق القرّاء السبعة على ضمّ الدال، وهو مبتدأ وخبر، ورُوي عن سفيان بن عيينة، ورؤبة بن الحجاج أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عَبْلة بضمّ الدال واللام؛ إتباعًا للثاني الأولَ، وله شواهد، لكنه شاذّ، وعن الحسن وزيد بن عليّ بكسر الدال؛ إتباعًا للأول الثانيَ.
قال الإمام ابن جرير الطبري -﵀-: معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر للَّه خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما بَرَأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يُحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم علء، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربّنا الحمد على ذلك كلّه أوَّلًا وآخرًا.
قال -﵀-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناءٌ أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه فكأنه قال: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" بتصرف ٥/ ٢٤٨.
[ ٩ / ٢٣٧ ]
قال: وقد قيل: إن قول القائل: "الحمد للَّه" ثناء عليه بأسمائه الحسني، وصفاته الْعُلَي، وقوله: "الشكر للَّه" ثناء عليه بنعمه وأياديه.
ثم شَرَع في ردّ ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر، وقد نقل السلميّ هذا المذهب أنَّها سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفيّة، وقال ابن عبّاس -﵄-: "الحمد للَّه" كلمة كل شاكر.
وقد استدلّ له القرطبيّ بصحّة قول القائل: "الحمد للَّه شُكرًا".
واعترض ابن كثير على قول ابن جرير بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أن الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدّية، والشكر لا يكون إلَّا على المتعدّية، ويكون بالجنان واللسان والأركان. . . إلى آخر كلامه (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي في اعتراض ابن كثير على كلام ابن جرير نظر؛ لأن ابن جرير نقل ذلك عن المتقدّمين، كابن عبّاس، وجعفر الصادق، فكيف يُردّ عليه بما اشتهر عند المتأخّرين؟، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد: عالم، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جَعَل ﴿الْعَالَمِينَ﴾ الجنّ والإنس، جعل العالم جمعًا لأشياء متّفقة، قاله الأزهريّ -﵀- (^٢).
وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: و"الربّ": المالك المتصرّف، ويُطلق في اللغة على السيّد، وعلى المتصرّف للإصلاح، وكلُّ ذلك صحيح في حقّ اللَّه تعالى، ولا يُستعمل الربّ لغير اللَّه تعالى، بل بالإضافة، تقول: ربّ الدار كذا، وأما الربّ فلا يقال: إلَّا للَّه -﷿-، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم.
و"العالمين": جمع عالم، وهو كل موجود سوى اللَّه -﷿-، والعالم لا واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات في السموات، وفي البرّ والبحر، وكلّ فرد منها وجِيلٍ يُسمّى عالَمًا أيضًا. انتهى.
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٤.
(٢) "شرح غريب ألفاظ الشافعيّ" ص ٢٢٨.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَني عَبْدِي) أي أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي.
وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: وقوله تعالى: "حمدني عبدي، وأثنى عليّ، ومجّدني" إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كلّه، ولهذا جاء جوابًا لـ "الرحمن الرحيم"؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. انتهى.
(وَإِذَا قَالَ) العبد: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) صفتان من صفات اللَّه -﷿-، ولا يوصف بـ "الرحمن" غير اللَّه تعالى، وأما "الرحيم" فجائز أن يقال: فلانٌ رحيمٌ، وهو أبلغ من الراحم، قاله الأزهريّ -﵀-.
وقال ابن كثير -﵀-: هما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و"رحمن" أشدّ مبالغةً من "رَحيم"، وفي كلام ابن جرير ما يُفهم منه حكاية الاتّفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدلّ على ذلك، وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ.
وقال القرطبيّ -﵀-: والدّليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قال اللَّه تعالى: أنا الرحمن خَلَقتُ الرحم، وشققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"، قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: "وإنكار العرب لاسم الرحمن؛ لجهلهم باللَّه، وبما وجب له.
وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كنَدْمَان ونَدِيم، قاله أبو عُبيد، وقيل: ليس بناءُ فعلان كفَعِيل، فإن فعلان لا يقع إلَّا على مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبًا، وفَعِيلٌ قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو عليّ الفارسيّ: "الرحمن" عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به اللَّه تعالى، و"الرحيم" إنما هو من جهة المؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (^١).
وقال أيضًا: وَصَفَ نفسه تعالى بعدَ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه لَمّا كان في اتصافه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيبٌ قَرَنه بـ ﴿الرَّحْمَنِ
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ١/ ١٠٦.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
الرَّحِيمِ﴾؛ لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لو يعلم المؤمن ما عند اللَّه من العقوبة ما طمع بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قَنِطَ من جنته أحدٌ". انتهى (^١).
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) أي حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي.
(وِإذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي يوم الجزاء بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة، وخَصَّ يوم الدين بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلَّا للَّه تعالى.
وقال القرطبيّ: الدين: الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك. انتهى.
و﴿مَالِكِ﴾ اسم فاعل صفة للَّه تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظيّة، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؟؛ لأن محلّ كون إضافته لفظيّةً إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قُصد به المضيّ، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقيّة، فتوصف به المعرفة.
قال الحافظ ابن كثير -﵀-: قرأ بعض القرّاء "مَلِك"، وقرأ الآخرون ﴿مَالِكِ﴾، وكلاهما صحيح، متواترٌ في السبع. انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قرأ محمد بن السميفع بنصب "مالكَ"، وفيه أربِع لغات: مالك، ومَلِكٌ، ومَلْكٌ، مخففة من مَلِك، ومَلِيك، قال الشاعر [من الوافر]:
وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا
وقال آخر [من الكامل]:
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١/ ١٣٩.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا … قَسَمَ الْخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَّامُهَا
"الخلائق": الطبائع التي جُبِل الإنسان عليها، ورُوي عن نافع إشباع الكسرة في ملك، فيقرأ ملكي على لغة من يُشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها الْمُهْدَويّ، وغيره.
قال: واختَلَف العلماء أيُّما أبلغ: مَلِك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذيّ.
فقيل: ملك أعمّ، وأبلغ من مالك؛ إذ كلُّ مَلِك مالك، وليس كل مالك مَلِكًا، ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مِلْكه حتى لا يتصرف إلَّا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيدة، والمبرِّد، وقيل: مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرُّفًا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. . . إلى آخر ما ذكره القرطبيّ من الأقوال (^١).
(قَالَ) اللَّه -﷿- (مَجَّدَنِي عَبْدِي) أي عظّمني، وأثنى عليّ بصفات الجلال، وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "مجّدني": أي اعتقد شَرَفي، ونَطَقَ به، والمجدُ نهاية الشرف، وهو الكثير صفات الكمال، والمجد: الكثرة، ومنه قوله:
في كل شجر نارٌ، واسمه الْمَرْخُ والْعَفَارُ: أي كثُر نارهما. انتهى (^٢).
(وَقَالَ مَرَّةً) أي قال الراوي بدل قوله: "مجّدني عبدي"، ثم يحتمل أن يكون أبا هريرة -﵁-، أو غيره (فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) أي سلَّم أموره إليّ، قال القرطبيّ -﵀-: أي يقول هذا، ويقول هذا، غير أن فوَّض أقلّ ما يقوله، وليس شكًّا، وهو مطابق لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك؛ إذ لا تبقى دعوى لِمُدَّعٍ. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: وقوله: "وربما قال: فَوَّض إليّ عبدي"، وجه مطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أن اللَّه تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد، وحسابهم، والدين الحسابُ، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحدٍ في ذلك اليومِ ولو مجازًا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازيّ ويدَّعي
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٦ - ٢٧.
[ ٩ / ٢٤١ ]
بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فاللَّه -﷾- هو المالك، والْمَلِك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكلُّ مَن سواه مربوبٌ له عبدٌ مُسَخَّرٌ، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر ما لا يخفى. انتهى.
(فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي نخضع، ونتذلّل لك، وقرأ السبعة بتشديد الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، وقرأ عمر بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذّة مردودة؛ لإن "إيَا" ضوء الشمس، وقرأ بعضهم "أَيّاك" بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقرأ بعضهم "هِيّاك" بالهاء بدل الهمزة.
قال القرطبيّ -﵀-: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أوّل السورة إلى هنا خبر عن اللَّه تعالى، وثناءٌ عليه، و﴿نَعْبُدُ﴾ معناه: نُطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مُذلَّلًا للسالكين، قاله الهرويّ.
ونُطق المكلّف به إقرار بالربوبيّة، وتحقيق لعبادة اللَّه تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى.
وقال ابن كثير -﵀-: والعبادة في اللغة من الذّلّ، يقال: طريقٌ مُعَبَّدٌ: أي مُذلَّلٌ، وفي الشرع: عبارة عما يَجمع كمال المحبّة والخضوع والخوف. انتهى.
(﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) أي نسألك العون، وهو بفتح النون في قراءة الجميع إلَّا يحيى بن وَثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني تميم: أي نطلُبُ العون والتأييد والتوفيق.
وقُدّم المفعول، وهو "إيّاك"، وكُرّر؛ للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكّل إلَّا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كلّه يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأوّل تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤ من الحول والقوّة، وتفويض إلى اللَّه -﷿-، قاله ابن كثير -﵀-.
وقال أبو جعفر الطبريّ -﵀-: تأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللَّهمّ نخشع، ونَذِلّ، ونستكين؛ إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة، لا لغيرك.
ومعنى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإياك ربّنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلّها، لا أحد سواك؛ إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره
[ ٩ / ٢٤٢ ]
بمعبوده الذي يعبده، من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا، مخلصين لك العبادة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، ووجه حسنه فيها أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تجديدًا لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظًا للإصغاء إليه.
وألطف من ذلك أن العبد إذا ذكر الحقيقَ بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه مُحرّكًا للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفةً من تلك الصفات العظام قَوِيَ ذلك المحرّك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمة تلك الصفات المفيدة أنه مالك الأمر كلّه يوم الجزاء، فحينئذ يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمّات، أفاده بعض المحقّقين (^٢).
(قَالَ) اللَّه -﷿- (هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) وفي رواية أبي داود: "فهذه بيني وبين عبدي"، وفي رواية النسائيّ: "فهذه الآية بيني وبين عبدي"، وإنما كانت بين اللَّه -﷿- وبين عبده؛ لأن بعضها تعظيم للَّه تعالى، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبعضها استعانة للعبد بربّه -﷿- على أموره، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وقال القرطبيّ: وإنما قال اللَّه تعالى هنا: "هذا بيني وبين عبدي"؛ لأنَّها تضمّنت تذلّل العبد للَّه، وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيم اللَّه تعالى وقدرته على ما طلب منه. انتهى (^٣).
(وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعد من اللَّه تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من العون على أموره. (فَإِذَا قَالَ) العبد (﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾) قراءة الجمهور بالصاد، وقُرئ: "السراط" بالسين، وقُرئ بالزاي، قال الفرّاء: وهي لغة بني عُذْرة، وبني كُليب.
قال القرطبيّ -﵀-: ﴿اهْدِنَا﴾ دعاءٌ ورغبةٌ من المربوب إلى الربّ،
_________________
(١) "تفسير الطبريّ" ١/ ٦٩.
(٢) هو العلامة محمد بن عبد الرحمن القزوينيّ، صاحب "تلخيص المفتاح" في علوم البلاغة ١/ ٤٧١ - ٤٧٥ بنسخة حاشية الدسوقيّ.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٧.
[ ٩ / ٢٤٣ ]
والمعنى: دُلّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أُنسك وقُربك، قال بعض العلماء: فجعل اللَّه -﷿- عُظْمَ الدعاء، وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي؛ لأن هذا الكلام قد تكلّم به ربّ العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلّم به.
وفي الحديث: "ليس شيء أكرم علي اللَّه من الدعاء" (^١)، وقيل: المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: أي مِلْنا، وخرج -ﷺ- في مرضه يُهادى بين رجلين: أي يتمايل، ومنه الهديّة؛ لأنَّها تُمال من ملك إلى ملك، ومنه الْهَدْيُ للحيوان الذي يُساق إلي الحرم.
فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحقّ.
وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم: طريق الحجّ، وهذا خاصّ، والعموم أولى.
وقال محمد ابن الحنفيّة: هو دين اللَّه الذي لا يُقبَل من العباد غيره.
وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية: الصراط المستقيم: هو رسول اللَّه -ﷺ- وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق ونصح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (^٢).
وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: لمَّا تقدم الثناءُ علي المسؤول ﵎، ناسب أن يُعَقَّب بالسؤال، كما قال: "فنصفُها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهذا أكمل أحوال السائل أن يَمْدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد اللَّه إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسي -﵇-: ﴿رَبِّ إِنِّي
_________________
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والحاكم، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ١/ ١٤٧.
[ ٩ / ٢٤٤ ]
لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشاعر [من الوافر]:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
والهداية هاهنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعَدَّى الهداية بنفسها كما هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتَضَمَّن معنى ألهمنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أي بَيَّنّا له الخير والشر، وقد تُعَدَّى بـ "إلى"، كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]، ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وذلك بمعني الإرشاء والدلالة، وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقد تُعَدَّى باللام، كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]: أي وفَّقَنا لهذا، وجعلنا له أهلًا.
وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وحصذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الْخَطَفَى [من الوافر]:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ … إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول وعمل وُصِف باستقامة، أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوَجَّ باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة للَّه تعالى، وللرسول -ﷺ-، فرُوي أَنَّه كتاب اللَّه، وقيل: هو الإسلام، وقيل: الحقُّ قال: وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، وذَكَرَ ما تقدّم في كلام القرطبيّ، إلَّا قول فضيل: إنه طريق الحجّ.
ثم قال: وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتّبع النبيّ -ﷺ-، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع
[ ٩ / ٢٤٥ ]
الحقّ، فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام، فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب اللَّه، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحة، يُصدّق بعضها بعضًا، وللَّه الحمد.
وقال ابن جرير أيضًا: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن مَن وُفّق لما وُفّق له مَن أنعم اللَّه عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وُفِّق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر اللَّه به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهج النبيّ -ﷺ-، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد للَّه صالح، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم.
[فإن قيل]: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت، من صلاة وغيرها، وهو مُتَّصِفٌ بذلك؟، فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟.
[فالجواب]: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده اللَّه تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى اللَّه تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء اللَّه، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يُمِدَّه بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد مَن وَفَّقه اللَّه تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل باجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطرّ المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦].
فقد أَمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال الْمُعِينة على ذلك، واللَّه أعلم.
وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
[ ٩ / ٢٤٦ ]
فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استَمِرَّ بنا عليه، ولا تَعْدِلْ بنا إلى غيره. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^١).
وقوله: (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) مُفَسَّرٌ للصراط المستقيم، وهو بدلٌ منه عند النُّحَاة بدل الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيد أبوك، ويجوز أن يكون عطف بيان، واللَّه أعلم.
ومعناه: أَدِمْ هدايتنا، فإن الإنسان قد يَهْدِي إلى الطريق، ثم يقطع به، وقيل: هو صراط آخر، ومعناه: العلم باللَّه -﷿-، والفهم عنه، قاله جعفر بن محمد.
[تنبيهات]:
(الأول): في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عشر لغات، قرئ بعامتها "عليهُم" بضم الهاء وإسكان الميم، و"عليهِم" بكسر الهاء وإسكان الميم، و"عليهِمي" بكسر الهاء والميم، وإلحاق ياء بعد الكسرة، و"عليهمو" بكسر الهاء، وضم الميم، وزيادة واو بعد الضمة، و"عليهمو" بضم الهاء والميم كلتيهما، وإدخال واو بعد الميم، و"عليهم" بضم الهاء والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء، وأوجه أربعة منقولة عن العرب، غير مَحْكيّة عن القراء، "عليهُمي" بضم الهاء وكسر الميم، وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن البصريّ عن العرب، و"عليهُم" بضم الهاء وكسر الميم، من غير زيادة ياء، و"عليهِم" بكسر الهاء وضم الميم، من غير إلحاق واو، و"عليهِم" بكسر الهاء والميم، ولا ياء بعد الميم، وكلها صواب، قاله ابن الأنباريّ.
(الثاني): اختَلَف الناس في الْمُنْعَم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]، فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٠.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
(الثالث): في هذه الآية ردّ على القدريّة، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في حدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم، لَمَا سألوه الهداية، ولا كرّروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرّعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فكما سألوه أن يَهديهم سألوه أن لا يُضِلَّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية [آل عمران: ٨]، ذكره القرطبيّ -﵀- (^١).
وقوله: (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) قرأ الجمهور بجرّ ﴿غَيْرِ﴾ على النعت، قال الزمخشريّ: وقُرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول اللَّه -ﷺ-، وعمر بن الخطاب، ورُويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والعامل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفُهُم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة للَّه ورسله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ، وعَدَلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فَقَدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحقّ، وأكّد الكلام بـ "لا"؛ ليدُلّ على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن ﴿غَيْرِ﴾ ها هنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر [من الوافر]:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحَذَف الموصوفَ، واكتَفَى بالصفة؛ وهكذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أي غير صراط المغضوب عليهم اكتَفَى
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٩ / ٢٤٨ ]
بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دَلَّ عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
ومنهم من زعم أن ﴿لَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة، وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج [من الرجز]:
فِي بِئْرِ لَا حُورٍ (^١) سَرَى وَمَا شَعَرْ
أي في بئر حور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا رَوَى أبو عُبيد القاسم بن سلام في كتاب "فضائل القرآن" عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين"، وهذا إسناد صحيح، وكذلك حَكَى عن أُبَيّ بن كعب -﵁- أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه، من أنه إنما جيء بـ "لا" لتأكيد النفي؛ لئلا يُتَوَهَّم أنه معطوف على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وللفرق بين الطريقتين؛ لِيُجْتَنَب كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحقّ، والعمل به، واليهود فَقَدُوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن مَن عَلِم، وترك استحقّ الغضب، بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لَمْ يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الحقّ ضَلُّوا، وكلٌّ من اليهود والنصارى ضالّ مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ
_________________
(١) قال في "اللسان" (٤/ ٢١٧): الْحَوْرُ: الرجوع عن الشيء، وإلى الشيء، حار إلى الشيء، وعنه حَوْرًا، ومَحَارًا، ومَحَارةً، وحُؤُورًا: رجع عنه، وإليه، وقال العَجَاج: فِي بِئْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ أراد في بئرٍ لا حُؤُورٍ، فأسكن الواو الأولي، وحذفها؛ لسكونها، وسكون الثانية بعدها. انتهى.
[ ٩ / ٢٤٩ ]
لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وأخص أوصاف النصارى الضلال، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار، قاله ابن كثير -﵀-.
وقال القرطبيّ -﵀-: اختُلِفَ في المغضوب عليهم والضالين من هم؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصاري، وجاء ذلك مفسرًا عن النبيّ -ﷺ- في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، والترمذي في "جامعه"، وشَهِد لهذا التفسير أيضًا قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقيل: المغضوب عليهم المشركون، والضالين المنافقون.
وقيل: المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة، والضالين عن بركة قراءتها، حكاه السلمي في "حقائقه"، والماوردي في "تفسيره"، وليس بشيء، قال الماوردي: وهذا وجه مردود؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار، وتقابلت فيه الآثار، وانتشر فيه الخلاف لَمْ يجز أن يُطْلَق عليه هذا الحكم.
وقيل: المغضوب عليهم باتّباع البدع، والضالين عن سنن الهدى.
قال القرطبيّ: وهذا حسنٌ، وتفسير النبيّ -ﷺ- أولى وأعلى وأحسن. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح التفاسير -كما قال القرطبيّ- هو تفسير النبيّ -ﷺ-، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما، من حديث عديّ بن حاتم -﵁-، فما فسّر به النبيّ -ﷺ- لا يُقدّم عليه غيره؛ لأنه تفسير من قال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة مهمّة]: قال الحافظ ابن كثير -﵀-: الصحيح من مذاهب العلماء أنه يُغْتَفَر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما، وذلك أن
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١/ ٢٤٩.
[ ٩ / ٢٥٠ ]
الضاد مخرجها من أول حافة اللسان، وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرِّخْوَة، ومن الحروف الْمُطْبَقَة، فلهذا كلِّه اغتُفِرَ استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، وأما حديث: "أنا أفصح مَن نطق بالضاد"، فلا أصل له. انتهي، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) اللَّه تعالى (هَذَا لِعَبْدِي) أي الكلام خاصّ بعبدي؛ لأنه دعاء بالتوفيق إلى صراط من أنعم اللَّه عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، والعصمة من صراط من غَضِبَ اللَّه عليهم، ولعنهم، وجَعَل منهم القِرَدَة والخنازير، وصراط من أضلّوا كثيرًا، وضلُّوا عن سواء السبيل.
وقال النوويّ -﵀-: قوله تعالى: "فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ إلى آخر السورة، فهذا لعبدي"، هكذا هو في "صحيح مسلم"، وفي غيره: "فهؤلاء لعبدي"، وفي هذه الرواية دليل على أن ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، وفي المسألة خلافٌ، مبنيّ على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنَّها من الفاتحة، وأنها آية ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست من الفاتحة، يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده ثلاث آيات، وللأكثرين أن يقولوا: قوله: "هؤلاء"، المراد به الكلمات، لا الآيات، بدليل رواية مسلم: "فهذا لعبدي"، وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين؛ لأن هذا مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة كون الاثنين أقلّ الجمع قد استوفيت بحثه في "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة" في الأصول، ورجّحت أنه الحقّ، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وأما مسألة كون البسملة من الفاتحة، أم لا؟ فسيأتي البحث عنه مستوفًى بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى-.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٠٤.
[ ٩ / ٢٥١ ]
(وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ") هذا وعدٌ من اللَّه تعالى الكريم أن يُجيب عبده بإعطاء ما سأل، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
فهنيئًا للعبد الموفّق لهذا الفضل العظيم ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، اللهم اجعلنا هداة مهديين، مخير ضالَّين، ولا مضلّين، آمين.
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة، والظاهر أنه بالسند السابق، وليس معلّقًا، واللَّه تعالى أعلم.
(حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي على العلاء (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المجرور، وقوله: (فِي بَيتِهِ) متعلّق بـ "مريض"، أو بـ "دخلتُ"، أو بحال مقدَّر (فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ) أي عن هذا الحديث.
وغرض المصنّف بهذا: تأكيد اتّصال السند ببيان سماع سفيان من شيخه العلاء؛ لأنه كان في الرواية السابقة بالعنعنة، وتأكيد ذلك السماع ببيان مكانه، والحالة التي كان هو محليها حينما حدّثه به، وهي كونه مريضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٤ و٨٨٥ و٨٨٦] (٣٩٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٢١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٥٣)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٩٠٩)، و"الكبرى" في "فضائل القرآن" (١٨٠١٢) و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٣٨)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٤ - ٨٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في (٢٥٦١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٦٧)، و"أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠ و٢٨٥ و٤٨٧) (وابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨٤ و١٧٨٨ و١٧٨٩ و١٧٩٤ و١٧٩٥)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١٥)، و"مشكل الآثار" (٢/ ٢٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩ و١٦٦ و١٦٧)، و(البغويّ) في
[ ٩ / ٢٥٢ ]
"شرح السنّة" (٥٧٨)، (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٧٣ و١٦٧٤ و١٦٧٥ و١٦٧٦ و١٦٧٧ و١٦٧٨ و١٦٧٩ و١٦٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٣ و٨٧٤ و٨٧٥ و٨٧٦ و٨٧٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة على كلّ مصلٍّ، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وقد تقدَّم البحث فيه قريبًا مستوفًى، فراجعه.
٢ - (ومنها): بيان عظم شأن الفاتحة، حتى سمّاها اللَّه تعالى بالصلاة، قال العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها لا تصح إلَّا بها، كقوله -ﷺ-: "الحج عرفة" ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة.
٣ - (ومنها): المراد بقسمة الفاتحة نصفين قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد للَّه تعالى، وتمجيد، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال، وطلبٌ، وتضرعٌ وافتقارٌ.
٤ - (ومنها): أنه احتَجّ القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث، قال النوويّ -﵀-: وهو من أوضحَ ما احتَجّوا به، قالوا: لأنَّها سبع آيات بالإجماع، فثلاث في أولها ثناء، أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وثلاث دعاء، أولها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسابعة متوسطة، وهي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قالوا: ولأنه -﷾- قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. . . "، فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها لذكرها.
قال: وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة:
[أحدها]: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة، هذا حقيقة اللفظ.
[والثاني]: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة.
[والثالث]: معناه: فإذا انتهى المعبد في قراءته إلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذه الأجوبة من التكلّفات،
[ ٩ / ٢٥٣ ]
والحقّ أن قول من قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة هو الظاهر؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث في هذا بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى-.
٥ - (ومنها): بيان عناية اللَّه تعالى بعبده، حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووَعَده أن يُعطيه ما سأل.
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن كثير -﵀-: اشتَمَلت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد اللَّه، وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى، المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين، وعلى إرشاده عبيدَه إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرُّؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك، أو نظير، أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، حتى يَقْضِي لهم بذلك إلى جواز الصراط الحسية يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، واشتَمَلت أيضًا على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يُحْشَروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون.
وما أحسن ما جاء من إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . . .﴾ الآية [المجادلة: ١٤]، وكذلك إسناد الضلال إلى مَن قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية، ومن حَذَا حَذْوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك، ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم بمتشابهٍ من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الردّ عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغيّ.
وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه
[ ٩ / ٢٥٤ ]
فأولئك الذين سَمَّى اللَّه فاحذروهم"، يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فليس بحمد اللَّه لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء لِيَفْصِل الحقّ من الباطل، مُفَرِّقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض، ولا اختلاف؛ لأنه من عند اللَّه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٥] (. . .) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي (^٢) الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنِ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَن صَلَّى صَلَاةً، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ" بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، يقال: اسمه عبد اللَّه بن السائب، ثقة [٣] (م ٤) تقدم "الطهارة" ٢٩/ ٦٦٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، سوى "الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ"، و"أَبِي هُرَيْرَةَ" -﵁- فتقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفيَانَ) يعني أن أنس بن مالك، وابن جُريج حدّثا عن العلاء بن عبد الرحمن بمثل حديث سفيان بن عيينة عنه المذكور قبلهما.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ. . . إلخ) يعني أن
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٨ - ٢٩.
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٩ / ٢٥٥ ]
في حديث أنس، وابن جريج زيادة على حديث سفيان، وهي قوله: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي".
[تنبيه]: أما رواية مالك التي أحالها هنا على رواية سفيان بن عيينة، فأخرجها النسائيّ -﵀- في "المجتبى"، فقال:
(٩٠٩) أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداجٌ، غير تمام"، فقلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يقول اللَّه -﷿-: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اقرءوا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول اللَّه -﷿-: حَمِدني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول اللَّه -﷿-: أثنى عليّ عبدي، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول اللَّه -﷿-: مَجّدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل". انتهى.
وأما رواية ابن جريج، فأخرجها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٥٠٢) حدثنا عبد الرزاق، قال: ابن جريج قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأبي القرآن، فهي خِداج، هي خِداج، غير تمام"، قال أبو السائب لأبي هريرة: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال أبو السائب: فغمز أبو هريرة ذراعي، فقال: يا فارسي اقرأها في نفسك، إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قال اللَّه -﷿-: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، قال أبو هريرة: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اقرءوا،
[ ٩ / ٢٥٦ ]
يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيقول اللَّه: حَمِدَني عبدي، ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، فيقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فيقول اللَّه: مَجّدني عبدي، وقال: هذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: أجدها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال: يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول اللَّه -﷿-: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ" لا يَقُولُهَا ثَلَاثًا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف-: نسبة إلى ناحية من اليمن، تسمّى مَعْقِر، أبو الحسن، نزيل مكة، مقبول [١١].
رَوَى عن النضر بن محمد، وإسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل بن مُنَبِّه.
ورَوَى عنه مسلم، والمفضَّل بن محمد الْجَنَديّ، ومحمد بن إسحاق بن العباس الفاكهيّ المكيّ، كان حيًّا سنة (٢٥٥)، وذكر عبد الغنيّ في ترجمته أنه رَوَى عن سعيد بن بَشِير، وقيس بن الربيع، وهو وَهَمٌ، فإنه لَمْ يدركهما، وإنما رَوَى عن النضر عنهما، وقال اللالكائيّ: يُكْنَى أبا أحمد.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٥)، وحديث (٨٣٢): "أرسَلَني بِصِلَةِ الأرحام. . . "، و(٢٣٦٢): "ما تصنعون؟
[ ٩ / ٢٥٧ ]
قالوا: كنا نصنعه. . . "، و(٢٥٠١): "نعم، قال: عندي أحسن العرب، وأجمله، أم حبيبة. . . ".
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن موسى الْجُرَشيّ (^١)، أبو محمد اليماميّ، مولى بني أميّة، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٣ - (أَبُو أُوَيسٍ) عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، قريب مالك وصِهْره، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٦٧) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩١.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث أبي أويس بمثل حديث سفيان، ومالك، وابن جريج.
[تنبيه]: رواية أبي أويس هذه أخرجها الإمام البيهقيّ -﵀- في "السنن الكبرى" (٢/ ٣٧٥)، فقال:
(٣٧٦٧) وأخبرنا أبو نصر، أحمد بن عليّ بن أحمد القاضي، من أصله، ثنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل بن الحسن بن عيسى الماسَرْجِسيّ، ثنا الفضل بن محمد الشعرانيّ، ثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثني أبي، عن العلاء، أنه قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب جميعًا، وكانا جليسي أبى هريرة -﵁- قالا: قال أبو هريرة -﵁-: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مَن صلى صلاةً، لَمْ يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، فهي خِداج (^٢)، غير تمام"، قال: قلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "-يعني- يقول اللَّه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول اللَّه: حَمِدني عبدي، فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، يقول عبدي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
_________________
(١) بجيم مضمومة، وشين معجمة. اهـ. "ت".
(٢) هكذا مرّتين، وعند المصنّف ثلاثًا، ولعله سقط من النساخ لـ "سنن البيهقيّ"، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
يقول اللَّه: مَجَّدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول عبدي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبينه، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ " إلى آخر السورة. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٧] (٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ (^١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) (^٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصريّ، مولى قُرَيبة، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
أدرك أبا الطُّفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام، وأنس، وسعيد بن المسيب، وعُبيد بن عُمير، ورَوَى عن الحسن بن ثابت، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وابنه إبراهيم بن حبيب، وأبو أسامة، وروح بن عبادة، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "فما أعلن لنا".
(٢) وفي نسخة: "أخفينا لكم".
[ ٩ / ٢٥٩ ]
قال أحمد: كان ثبتًا ثقةً، وهو عندي يقوم مقام يونس، وابن عون، وكان قليل الحديث، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو أسامة: كان من رُفَعاء الناس، وإنما رَوَى مائة حديث، وقال عليّ ابن المدينيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء اللَّه- وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ: قيل لأبي داود: أيما أحبّ إليك: هشام بن حسان، أو حبيب بن الشهيد؛ فقال: حبيب، وحَكَى ابن شاهين في "الثقات" أن شعبة قال لإبراهيم: لَمْ يكن أبوك أقلهم حديثًا، ولكنه كان شديد الاتّقاء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو داود، عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: مات سنة (١٤٥)، وهو ابن (٦٦) سنةً، وزاد علي ابن المدينيّ، عن إبراهيم: أن ذلك كان في ذي الحجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٦)، وحديث (٩٥٥): "صلى على قبر"، و(١٢٣٢): "جَمَعَ بينهما، بين الحجِّ والعُمرة"، و(٢٤٢٧): "نعم، فحملنا، وتركك".
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح، واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
أبو هريرة تقدّم قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيبٌ، عن عطاء.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَبيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي ابن أبي رَبَاح (يُحَدِّثُ عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ) هكذا رواية أبي أسامة،
[ ٩ / ٢٦٠ ]
عن حبيب بن الشهيد مرفوعة، وقد أنكر الدارقطنيّ على مسلم، وقال: إن المحفوظ عن أبي أُسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جُريج، وكذا رواه أحمد، عن يحيى القطّان، وأبي عُبيدة الحدّاد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا، وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجّاج، عن ابن جُريج كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: "وسمعته يقول: لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته" للنبيّ -ﷺ-، فيكون مرفوعًا، بخلاف رواية الجماعة. نعم، قوله: "ما أسمعنا"، و"ما أخفى عنّا" يُشعر بأن جميع ما ذكره متلقًّى عن النبيّ -ﷺ-، فيكون للجميع حكم الرفع، قاله في "الفتح" (^١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
("لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ") وفي رواية البخاريّ، من طريق ابن جريج، عن عطاء: "في كل صلاة يُقرأ" ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "كلُّ صلاة يُقرأ فيها".
هذا نصّ صريح في وجوب قراءة القرآن في الصلاة، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح حديث عبادة بن الصامت -﵁-، فراجعه تستفد.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَمَا) موصولة: أي الذي (أَعْلَنَ) وفي نسخة: "أعلن لنا" (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي جهر لنا -ﷺ- من القراءة (أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ) أي جهرنا فيه حتى تسمعوه، وفي رواية ابن جريج الآتية: "فما أسمعنا رسول اللَّه -ﷺ- أسمعناكم" (وَمَا أَخْفَاهُ) أي الذي أخفاه -ﷺ- من القراءة (أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) وفي نسخة: "أخفينا لكم"، واللام بمعنى "من"، وفي رواية ابن جريج الآتية: "وما أخفى منّا أخفينا منكم"، وزاد في رواية ابن جريج: "فقال له رجل: إن لَمْ أزد على أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها، فهو خيرٌ، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك"، وفي رواية حبيب المعلّم الآتية: "ومن قرأ بأمّ الكتاب، فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل".
وفيه استحباب قراءة السورة، أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٩٥.
[ ٩ / ٢٦١ ]
الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مرفوعًا من أفراد المصنّف -﵀-، وأما الموقوف الآتي، فمتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٧ و٨٨٨ و٨٨٩] (٣٩٦)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٧٢)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٦٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٩٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٣ و٢٨٥ و٣٤٨ و٤٨٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦٨ و١٦٦٩ و١٦٧٠ و١٦٧١ و١٦٧٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٨ و٨٧٩ و٨٨٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨١ و١٨٥٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٠٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب القراءة في كل صلاة، على كلّ مصلٍّ، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وسواء كانت الصلاة فريضةً، أو نافلة، سرّيّة، أو جهريّة.
٢ - (ومنها): أن قوله: "ومن قرأ بأم الكتاب، أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل"، فيه دليل لوجوب الفاتحة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، فمن لم يقرأ بها لَمْ تصحّ صلاته، وهو شاهد لحديث عبادة -﵁- المتقدّم، أفاده في "الفتح".
٣ - (ومنها): مشروعيّة الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، والأخريين من العشاء، قال النوويّ -﵀-: وعلى هذا أجمعت الأمة، واختلفوا في العيد، والاستسقاء، ومذهبنا الجهر فيهما، وفي نوافل الليل، قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يُسِرّ بها،
[ ٩ / ٢٦٢ ]
والكسوف يُسرّ بها نهارًا، ويجهر ليلًا، والجنازة يسر بها ليلًا ونهارًا، وقيل: يجهر ليلًا، ولو فاته صلاة ليليّة، كالعشاء، فقضاها في ليلة أخرى جَهَر، وإن قضاها نهارًا، فوجهان الأصحّ يسرّ، والئاني يجهر، وإن فاته نهاريّة، كالظهر، فقضاها نهارًا أسرّ، وإن قضاها ليلًا فوجهان الأصح يجهر، والثاني يسرّ، وحيث قلنا: يجهر أو يسر فهو سنة، فلو تركه صحت صلاته، ولا يسجد للسهو عندنا. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
٤ - (ومنها): استحباب قراءة السورة، أو آيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور، وسيأتي اختلاف العلماء في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ما زاد على الفاتحة:
قال النوويّ -﵀-: فيه استحباب السورة بعدها، وهذا مُجْمَع عليه في الصبح، والجمعة، والأوليين من كل الصلوات، وهو سنة عند جميع العلماء، وحَكَى القاضي عياض: عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وهو شاذّ مردود، وأما السورة في الثالثة والرابعة، فاختَلَف العلماء، هل تستحب أم لا؟ وكره ذلك مالك -﵀-، واستحبّه الشافعي -﵀- في قوله الجديد دون القديم، والقديم هنا أصحّ، وقال آخرون: هو مُخَيَّر، إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّحَ، وهذا ضعيف، وتستحب السورة في صلاة النافلة، ولا تستحب في الجنازة على الأصح؛ لأنَّها مبنية على التخفيف.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم استحباب قراءة السورة في الجنازة، محلُّ نظر، فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن طلحة بن عبد اللَّه، قال: صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهَرَ حتى أسمعنا، فلما فرَغ أخذت بيده، فسألته؟ فقال: سنّةٌ وحقّ. انتهى (^١).
فدلّ على أنّ قراءة السورة مع الفاتحة سنة؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ولا يزاد على الفاتحة إلَّا التأمين عقبها، ويستحب أن تكون السورة
_________________
(١) راجع: "المجتبى" ٤/ ٧٥، و"الكبرى" ٢/ ٤٤٨.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
في الصبح والأوليين من الظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره.
واختلفوا في تطويل القراءة في الأولى على الثانية، والأشهر عندنا أنه لا يستحب، بل يُسَوَّى بينهما، والأصح أنه يطول الأولى؛ للحديث الصحيح: "وكان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية"، متّفق عليه.
ومن قال بالقراءة في الأخريين من الرباعية يقول: هي أخف من الأوليين، واختلفوا في تقصير الرابعة على الثالثة، واللَّه أعلم.
وحيث شُرِعت السورة فتركها فاتته الفضيلة، ولا يسجد للسهو، وقراءة سورة قصيرة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، ويقرأ على ترتيب المصحف، ويكره عكسه، ولا تبطل به الصلاة.
ويجوز القراءة بالقراءات السبع، ولا يجوز بالشواذّ، وإذا لَحَن في الفاتحة لحنًا يُخِلّ المعني، كضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو كسرها، أو كسر كشاف ﴿إِيَّاكَ﴾، بطلت صلاته، وإن لَمْ يُخِلّ المعنى، كفتح الباء من ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ونحوه كُرِه، ولم تبطل صلاته، ويجب ترتيب قراءة الفاتحة، وموالاتها، ويجب قراءتها بالعربية، ويحرم بالعجمية، ولا تصح الصلاة بها، سواء عَرَف العربية أم لا، وبشترط في القراءة، وفي كل الأذكار إسماع نفسه، والأخرس ومن في معناه يُحَرِّك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان، ويجزئه، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا (^١) مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا
_________________
(١) وفي نسخة: "أخفيناه".
[ ٩ / ٢٦٤ ]
فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا، أَجْزَأَتْ عَنْكَ) (^١).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير زُهير، فتقدّم قبل باب، و"عمرو الناقد": هو ابن محمد، و"إسماعيل بن إبراهيم": هو ابن عليّة، و"ابن جُريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، و"عطاء": هو ابن أبي رَبَاح.
وقوله: (فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ) وفي الرواية التالية: "في كل صلاة قراءة"، وفي رواية النسائيّ: "كلُّ صلاة يُقرأ فيها"؛ يعني أن كل ركعة، أو كل صلاة سرّيّة كانت، أو جهريّة تجب القراءة فيها.
فقوله: "في كلّ صلاة" متعلّق بـ "يُقرأ"، وهو بالبناء للمفعول.
وأراد أبو هريرة -﵁- بهذا بيان وجوب القراءة في جميع ركعات كلّ الصلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، منفردًا كان المصلّي، أو إمامًا، أو مأمومًا، وأشار بقوله: "فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَسْمَعْنَاكُمْ. . . إلخ" إلى أن هذا ثابتٌ عنه -ﷺ-، وأصرح منه الرواية السابقة أنه -ﷺ- قال: "لا صلاة إلَّا بقراءة".
وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) قال صاحب "تنبيه المعلم": لا أعرفه. انتهى (^٢).
وقوله: (إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟) جواب "إن" محذوف: أي فهل يجزيني؟، أو فما الحكم؟.
وقوله: (وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا) أي اكتفيت بقراءتها، ولم تزد عليها غيرها، وبقيّة مباحث الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ (^٣) -، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ
_________________
(١) وفي نسخة: "أجزأتك".
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ١٢١.
(٣) وفي نسخة: "نا يزيد بن زريع".
[ ٩ / ٢٦٥ ]
قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ (^١)، فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْعٍ) الحافظ المثبت البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَبِيب الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، وهو حبيب بن أبي قُرَيبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي بَقِيّة، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن عطاء بن أبي رَبَاح، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن شعيب، وهشام بن عروة، وأبي الْمُهَزِّم التميميّ.
ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زُريع، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، وعبد الوهاب الثقفيّ.
قال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يُحَدِّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدِّث عنه، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: ما أحتجّ بحديثه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات سنة (١٣٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٩٦)، وحديث (١٢٥٦): "ما منعكِ أن تكوني حججتِ معنا؟. . . "، و(١٣١١): "نزله رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأنه كان أسمح لخروجه. . . ".
والباقيان تقدّما فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٠] (٣٩٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
_________________
(١) وفي نسخة: "فمن قرأ بأم القرآن".
[ ٩ / ٢٦٦ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ "السَّلَامَ (^١)، قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ"، ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِن رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فرّوخ القطّان التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الْمَقْبُريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] (ت ١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) كيسان أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَريك، ثقةٌ ثبتٌ ٢١، (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "فردّ رسول اللَّه -ﷺ﵇".
[ ٩ / ٢٦٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه هو أحد الأئمة التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، عن سعيد، عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه: سعيد، عن كيسان.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن سعيد المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) قال الدارقطنيّ -﵀-: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد اللَّه كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لَمْ يقولوا: "عن أبيه"، ويحيى حافظٌ، قال: فيُشْبه أن يكون عبيد اللَّه حدّث به على الوجهين، وقال البزار: لَمْ يُتَابَعْ يحيى عليه، ورَجَّح الترمذيّ رواية يحيى.
قال الحافظ: لكل من الروايتين وجهٌ مرجِّحٌ، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لَمْ يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثَمّ أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريق يحيى في "باب أمر النبيّ -ﷺ- الذي لا يُتمّ ركوعه بالإعادة"، وفي "باب وجوب القراءة"، وأخرج في "الاستئذان" طريق عبد اللَّه بن نُمَير، وفي "الإيمان والنذور" طريق أبي أسامة، كلاهما عن عبيد اللَّه، ليس فيه "عن أبيه"، وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة.
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة، أخرجها أبو داود، والنسائيّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن عَجْلان، وداود بن قيس، كلهم عن عليّ بن يحيى بن
[ ٩ / ٢٦٨ ]
خَلاد بن رافع الزُّرَقيّ، عن أبيه، عن عمه، رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسم رفاعة، قال: عن عمّ له بدريّ، ومنهم من لم يقل: "عن أبيه"، ورواه النسائيّ، والترمذيّ من طريق يحيى بن عليّ بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه، عن رفاعة، لكن لَمْ يقل الترمذيّ: "عن أبيه"، وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ (فَدَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية ابن نُمير الآتية: "أن رجلًا دخل المسجد، فصلّي، ورسول اللَّه -ﷺ- جالسٌ في ناحية المسجد"، وفي رواية النسائيّ، من حديث رفاعة بن رافع -﵁-: "بينما رسول اللَّه -ﷺ- جالسٌ، ونحن حوله إذ دخل رجلٌ. . . " الحديث.
[تنبيه]: هذا الرجل الداخل هو خلاد بن رافع، جدُّ عليّ بن يحيى، راوي الخبر، بَيَّنه ابن أبي شيبة، عن عبّاد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن عليّ بن يحيى، عن رفاعة، أن خلادًا دخل المسجد، ورَوَى أبو موسى في "الذَّيل" من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عليّ بن يحيى بن عبد اللَّه بن خلاد، عن أبيه، عن جدِّه، أنه دخل المسجد. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: وفيه أمران: زيادة عبد اللَّه في نسب عليّ بن يحيى، وجَعْلُ الحديث من رواية خلاد جدِّ عليّ، فأما الأول فَوَهَمٌ من الراوي عن ابن عيينة، وأما الثاني فمن ابن عيينة؛ لأن سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك، لكن بإسقاط عبد اللَّه، والمحفوظ أنه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن محمد بن عجلان.
وأما ما وقع عند الترمذيّ: "إذ جاء رجل كالبدويّ، فصلي، فأخفّ صلاته"، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد؛ لأن رفاعة شَئهَه بالبدويّ؛ لكونه أخفّ الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى (^١).
(فَصَلَّى) زاد النسائيّ من رواية داود بن قيس: "ركعتين"، وفيه إشعار بأنه
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٢٤.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
صلى نَفْلًا، والأقرب أنَّها تحية المسجد، وفي رواية النسائيّ المذكورة: "وقد كان النبيّ -ﷺ- يَرْمُقُه في صلاته"، زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ولا نَدْرِي ما يَعِيب منها؟ "، وفي رواية من طريق الليث، عن ابن عجلان: "يَرْمُقُهُ، ونحن لا نشعر"، وهذا محمول على حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنه قال: "ولا نشعر بما يعيب منها"، أفاده في "الفتح" (^١).
(ثُمَّ جَاءَ) أي الرجل الذي صلّى (فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة: "فجاء، فسلّم"، وهي أولى؛ لأنه لَمْ يكن بين صلاته ومجيئه تَرَاخٍ (فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّلَامَ) وفي نسخة: "فردّ رسول اللَّه -ﷺ﵇"، وفي رواية للبخاريّ في "الاستئذان" من طريق ابن نمير: "فقال: وعليك السلام".
قال في "الفتح": وفي هذا تعقّب على ابن الْمُنَيِّر حيث قال: فيه أن الموعظة في وقت الحاجة أهمّ من ردّ السلام، ولعله لَمْ يردّ ﵇ تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. انتهى.
قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ "الصحيحين" ثبوت الردّ في هذا الموضع وغيره، إلَّا الذي في "الإيمان والنذور" عند البخاريّ، وقد ساق الحديث صاحب "العمدة" بلفظ الباب إلَّا أنه حذف منه: "فرَدَّ النبيّ -ﷺ-"، فلعل ابن الْمُنيِّر اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب "العمدة". انتهى (^٢).
(قَالَ) -ﷺ- ("ارْجِعْ، فَصَلِّ) وفي رواية ابن عجلان: "أَعِدْ صلاتك" (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ") الفاء للتعليل؛ أي لأنك لَمْ تصلِّ، أي لَمْ تُوجِدْ حقيقة الصلاة المطلوبة منك شرعًا، فهو نفي للحقيقة؛ لانتفاء الطُّمانينة التي هي ركن من أركانها، أو أن المراد لَمْ تصحّ صلاتك، فيكون النفي راجعًا للصفة؛ خلافًا لمن قال: إنه نفيٌ للكمال؛ لأن النفي يتوجّه للحقيقة إذا أمكن كما هنا، وإلا يتوجّه لأقرب صفة للحقيقة؛ كالصحّة، لا الكمال (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٢٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) راجع: "المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" ٥/ ٣٠٠.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
وقال القاضي عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهو مبنيّ على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر، ومَن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه -ﷺ- لَمْ يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدَلّ على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية، وهو المهلَّب ومن تبعه، وفيه نظر؛ لأنه -ﷺ- قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم، فعلَّمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر -﵀- (^١).
(فرَجَعَ الرَّجُلُ) المسيء في صلاته؛ ليصلّي مرّة أخرى (فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى) أي مثل صلاته الأولى بلا طُمأنينة، ولا اعتدال (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ"، ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية ابن نُمير عند البخاريّ: "فقال في الثالثة، أو في التي بعدها"، وفي رواية أبي أسامة: "فقال في الثانية، أو الثالثة"، وتترجح الأولى؛ لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه -ﷺ- كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالبًا، قاله في "الفتح".
[تنبيه]: قد استُشكِل تقرير النبيّ -ﷺ- له على صلاته، وهي فاسدة على القول بأنه أخلّ ببعض الواجبات، وأجاب المازريّ: بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا، أو غافلًا، فيتذكره، فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقّق الخطأ، وقال النوويّ -﵀- نحوه، قال: وإنما لَمْ يُعَلّمه أولًا؛ ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة.
وقال ابن الجوزيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لَمْ يَفُتْهُ، فرأى إيقاظ الفِطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل لا بدّ من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلِّم لما يُلْقَى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٢٥.
[ ٩ / ٢٧١ ]
إلى التعليم، لا سيّما مع عدم خوف الفوات، إما بناءً على ظاهر الحال، أو بوحي خاصّ.
وقال التُّورِبِشْتيّ -﵀-: إنما سكت عن تعليمه أَوّلًا؛ لأنه لَمّا رَجَع لَمْ يستكشف الحال من مَوْرِد الوحي، وكأنه اغتَرَّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استَبْهَم عليه، فلما طَلَب كشف الحال من مَوْرِده أرشد إليه. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: لكن فيه مناقشةٌ؛ لأنه إن تَمّ له في الصلاة الثانية والثالثة، لَمْ يتم له في الأولى؛ لأنه -ﷺ- بدأه لَمّا جاء أول مرّة بقوله: "ارجع، فصَلِّ فإنك لَمْ تصلّ"، فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة الأولى، كيف لَمْ يُنكِر عليه في أثنائها، لكن الجواب يَصلَح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أنه إنما لَمْ يُنكر عليه أثناء الصلاة، بل أخّره إلى أن انتهى منها؛ ليتبيَّن له جميع ما يُخطئ فيه؛ إذ لو أنكر عليه في الوسط، وعلّمه وأعاد ربّما أخطأ في غيره، فيحتاج إلى تعليمه، ويتسلسل، ولا يقال: إذا تبيّن له ذلك في المرّة الأولى، فلماذا ردّه ثانيًا وثالثًا؛ لأنا نقول: إن ذلك للزجر له، حيث أقدم على الإعادة من غير أن يتعلّم منه -ﷺ-، فعاقبه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي) وفي رواية البخاريّ: "فما أُحسِن غيره، فعلِّمني"، وفي حديث رفاعة بن رافع -﵁-: "والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جَهَدتُ، فعلِّمني وأَرِني"، وفي لفظ: "لقد جهدتُ، وحَرَصْتُ، فأَرِني وعلِّمني"، وفي رواية: "والذي أكرمك يا رسول اللَّه، لقد جهدتُ، فعلّمني"، وفي رواية: "فقال الرجل: فأرني وعلّمني فإنما أنا بشرٌ، أُصيب وأُخطئ، فقال: أَجَلْ".
(قَالَ) -ﷺ- معلِّمًا له ("إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ) وفي رواية عبد اللَّه بن نُمَير التالية: "إذا قمت إلى الصخلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر"، وفي حديث رفاعة: "فتوضأ كما أمرك اللَّه، ثم تشهد، وأقم"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عند النسائيّ: "إنها لَمْ تتم صلاة أحدكم، حتى يسبغ
[ ٩ / ٢٧٢ ]
الوضوء، كما أمره اللَّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر اللَّه، ويَحْمَده، ويُمَجِّده"، وعند أبي داود: "ويُثْنِي عليه"، بدل: "ويمجِّده".
وقال صاحب "المرعاة": وفي رواية الطبرانيّ لحديث رفاعة: "ثم يقول: اللَّه أكبر"، وهي تبيّن أن المراد من التكبير خصوص هذا اللفظ، فلا يصحّ افتتاح الصلاة إلَّا بلفظ "اللَّه أكبر"، دون غيره من الأذكار، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه يقول: يجزئ بكلّ لفظ يدلّ على التعظيم، وهذا نظرٌ منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكلّ ما دلّ عليه، والحقّ ما ذهب إليه مالك، وأحمد، من تعيّن التكبير، وتخصيص لفظ "اللَّه أكبر".
قال ابن دقيق العيد -﵀-: ظاهر الحديث يعيِّن التكبير، ويتأيّد ذلك بأن العبادات محلّ التعبّدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها اتّباع اللفظ.
وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ "اللَّه أكبر"، وهذا لأن رُتَب هذه الأذكار مختلفة كما تدلّ عليه الأحاديث، فقد لا يتأدّى برتبة ما يُقصد من أخري، ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر -أي ولو كان سجودًا- لَمْ يجزه، ويتأيّد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بلفظ: "اللَّه أكبر" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قال في "الفتح": لَمْ تَختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة -﵁-، وأما رفاعة ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ويقرأ ما تيسر من القرآن، مما علّمه اللَّه"، وفي رواية يحيى بن عليّ: "فإن كان معك قرآن فأقرأ، وإلا فاحمد اللَّه، وكبّره، وهلله"، وفي رواية محمد بن عمرو، عند أبي داود: "ثم اقرأ بأمّ القرآن، أو بما شاء اللَّه"، ولأحمد وابن حبّان من هذا الوجه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت"، ترجم له ابن حبان بـ "بابُ فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة" (^٢).
_________________
(١) راجع: "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ٣/ ٥.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٢٥.
[ ٩ / ٢٧٣ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيَّن بمجموع هذه الروايات أن معنى قوله هنا: "ما تيسّر" هي الفاتحة؛ لأن الرواية يُفسّر بعضها بعضًا، فلا مُتمسّك لمن استدلّ به على عدم فرضيّة قراءة الفاتحة؛ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) حال مؤكّدة، وقيل: مقيّدة، وفي رواية أحمد المذكورة: "فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك، وتمكَّن لركوعك"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيركع حتى تطمئن مفاصله، ويَسترخي".
(ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من الركوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ) أي تستوي (قَائِمًا) وفي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى تطمئنّ قائمًا"، رواها ابن أبي شيبة عنه، وقد ساق المصنّف إسنادها بعد هذا، ولكن لَمْ يسق لفظها، فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن أبي أُسامة، وهو في "مستخرج أبي نُعيم" من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسي، أحد شيوخ البخاريّ عن أبي أسامة.
قال الحافظ -﵀- بعد ذكر ما تقدّم: فثبت ذكر الطُّمانينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبّان، وفي لفظ لأحمد: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"، وعُرِف بهذا أن قول إمام الحرمين: "في القلب من إيجابها -أي الطُّمأنينة في الرفع من الركوع- شيءٌ؛ لأنَّها لَمْ تذكر في حديث المسيء صلاته" دالّ على أنه لَمْ يَقِفْ على هذه الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيسجد حتى يمكِّن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي".
(ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من السجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) أي بعد السجدة الأولى، وهي حال مؤسِّسة، وفي رواية إسحاق المذكورة: "ثم يكبر، فيركع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويُقيم صُلْبه"، وفي رواية محمد بن عمرو:
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٩ / ٢٧٤ ]
"فإذا رفعت رأسك، فاجلِسْ على فخذك اليسرى"، وفي رواية إسحاق: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ جالسًا، ثم افتَرِشْ فخذك اليسري، ثم تشهد".
(ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) أي جميع ما ذُكر من الأقوال والأفعال، إلَّا تكبيرة الإحرام، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى؛ لما عُلِم شرعًا من عدم تكرارها، وقيل: التقدير: ثم افعل ذلك؛ أي ما ذُكر مما يمكن تكريره، فخرج نحو تكبيرة الإحرام (^١). (فِي صَلَاِتِكَ) أي ركعات صلاتك (كُلِّهَا") بالجرّ توكيدٌ لـ "صلاتك"، أي في كلّ صلاتك، فرضها، ونفلها على اختلاف أوقاتها، وأسمائها.
وفي رواية محمد بن عمرو: "ثم اصنَعْ ذلك في كل ركعة وسجدة"، وفي حديث رفاعة بن رافع -﵁- عند النسائيّ: "فإذا صنعتَ ذلك، فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك"، وفي رواية له: "فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمّت، وما انتقصت من هذا، فإنما تنقُصُه من صلاتك".
[تنبيه]: وقع في رواية عبد اللَّه بن نُمَير عند البخاريّ في "الاستئذان" بعد ذكر السجود الثاني: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا"، وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جِلْسة الاستراحة، ولم يقل به أحد، وأشار البخاريّ إلى أن هذه اللفظة وَهَمٌ، فإنه عَقَّبَهُ بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا".
قال الحافظ -﵀-: ويمكن أن يُحْمَل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويُقَوّيه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاريّ ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نُمَير، لكن رواه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نُمير بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة"، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٧.
[ ٩ / ٢٧٥ ]
ابن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبيد اللَّه بن سعيد أبي قُدَامة، ويوسف بن موسي، عن أبي أُسامة، بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا"، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي في تضعيف رواية إسحاق، عن أبي أسامة نظرٌ؛ لأنه لَمْ ينفرد بها، بل تابعه عبد اللَّه بن نُمير عند البخاريّ، فلا وجه لتضعيفها، وأما دلالتها على وجوب جِلْسة الاستراحة، فظاهرٌ، إلَّا أنّ له صارفًا، وهو ما صحّ عنه -ﷺ- من تركه جِلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٩٠ و٨٩١] (٣٩٧)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٧ و٧٩٣)، و"الاستئذان" (٦٢٥١ و٦٢٥٢ و٦٦٦٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٠٣)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٢٤)، و(ابن ماجه) فيها (١٠٦٠)، (وأحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٩٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٠٩ و١٦١٠)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٨ و١١٧ و١٢٢ و١٢٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٥٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذا الحديث حديث جليلٌ، يُعْرَف عند العلماء بحديث المسيء صلاته، يشتمل على فوائد كثيرةٍ، قال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": فيه أربعون مسألةً، ثم سَرَدَها (١/ ٣٤٠ - ٤٣١)، وقد أطال غيره من الشرّاح أيضًا الكلام فيه؛ كابن دقيق العيد في "إحكام الإحكام" (٢/ ٢ - ١٢)، والحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٤)، والعينيّ في "عمدة القاري" (٦/ ١٥ -
[ ٩ / ٢٧٦ ]
٢٠)، والشوكانيّ في "نيل الأوطار" (٢/ ١٥٧ - ١٦١)، وقد لَخّصْتُ في هذا الشرح خلاصة تحقيقاتهم، فاستفد منه، وباللَّه تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان وجوب القراءة في كلّ ركعة من الصلوات مطلقًا، فرضًا كانت أو نَفْلًا.
٣ - (ومنها): بيان وجوب تكبيرة الإحرام، وأنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلَّا به، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في محلّه بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه.
٤ - (ومنها): وجوب الإعادة على من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة.
٥ - (ومنها): بيان أن الشروع في النافلة ملزمٌ، لكن يَحتَمِل أن تكون تلك الصلاة كانت فريضة.
٦ - (ومنها): أن فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٧ - (ومنها): الرفق بالجاهل، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد.
٨ - (ومنها): طلب المتعلِّم من العالم أن يعلِّمه ما يجهله من أمر دينه، ولا سيّما الصلاة.
٩ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن الخلق، ولطف المعاشرة.
١٠ - (ومنها): أن فيه تكرار السلام وردّه، وإن لَمْ يخرج من الموضع، إذا وقعت صورة انفصال.
١١ - (ومنها): ما قيل: إن القيام في الصلاة ليس مقصودًا لذاته، وإنما يُقْصَد للقراءة فيه، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه -ﷺ- قال حينما سأله عمران بن حصين في عن صلاة المريض؟: "صلّ قائمًا، فإن لَمْ تستطع، فقاعدًا، فإن لَمْ تستطع فعلى جنب"، فإنه يدلّ على أن القيام في الصلاة فرض إلَّا للعاجز؛ فتنبّه.
١٢ - (ومنها): جلوسُ الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه.
١٣ - (ومنها): التسليم للعالم، والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الراجح أن آية الوضوء مجملة بيّنتها، وفسّرتها السنة القوليّة والفعليّة، فقد تقدّم وجوب أشياء ليست في الآية؛ كالمضمضة والاستنشاق، وغيرهما، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
١٥ - (ومنها): جواز تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
١٦ - (ومنها): أن فيه حجةً على من أجاز القراءة بالفارسية؛ لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنًا، قاله القاضي عياض -﵀-.
١٧ - (ومنها): أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر، يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كون الرجل قال: علّمني؛ أي الصلاة، فعلّمه الصلاة ومقدماتها.
١٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٩ - (ومنها): أنه استدلّ بقوله: "ثم اقرأ ما تيسّر" من قال بعدم وجوب قراءة الفاتحة، وتُعُقّب بأن معنى ما تيسّر هي الفاتحة؛ لأنه جاء في رواية صحيحة قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن"، فتبيّن أنها هي المرادة بقوله: "ما تيسّر"، فتبصّر بالإنصاف.
٢٠ - (ومنها): أن فيه دلالة على وجوب قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين؛ لقوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها"، وعليه الجمهور، وهو الحقّ؛ لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم.
٢١ - (ومنها): أنه اشتهر الاستدلال به على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر فيه، وفيه تفصيل سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢٢ - (ومنها): جواز الحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
٢٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم عدم وجوب الطمأنينة؛ لأنه زيادة على النصّ؛ لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود، فيصدُق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تُعتبر.
ورُدّ عليه بأنها ليست زيادةً، ولكنها بيان للمراد بالسجود المأمور به شرعًا، وأنه مخالف للسجود اللغويّ؛ إذ هو مجرّد وضع الجبهة، فبيّنت السنّة أن السجود الشرعيّ ما كان بالطمأنينة، ويؤيّد ذلك أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان -ﷺ- ومن معه يصلّون قبل ذلك، ولم يكن النبيّ -ﷺ- يصلّي بغير طمأنينة (^١).
٢٤ - (ومنها): أنه قيل: يُستَدَلّ بهذا الحديث على عدم وجوب الإقامة، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقال، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، والقعود، ونحو ذلك.
قال الحافظ -﵀-: وهو في مَعْرِض المنع؛ لثبوت بعض ما ذُكِر في بعض الطرُق. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الراجح وجوب الأذان والإقامة؛ وكذا تكبيرات الانتقالات؛ لوضوح أدلّتها، وسيأتي حكم باقي المسائل في أماكنها اللائقة بها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الطمأنينة في الصلاة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الطمأنينة في الصلاة، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصَرّح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاويّ كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم "مقدار الركوع والسجود"، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: "سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك أدناه"، قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٢٧.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
لا يجزئ أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعًا، واطمأنّ ساجدًا أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قاله في "الفتح" (^١).
وقال صاحب "المرعاة" -﵀-: استُدلّ بقوله -ﷺ-: "صلّ، فإنك لم تصلّ" للشافعيّ، وأبي يوسف، والجمهور على أن تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض، قالوا: إن قوله هذا صريحٌ في كون التعديل من الأركان، بحيث إن بفوته تفوّت الصلاة، وإلا لم يقل: "لم تصلّ"، فإن من المعلوم أن خلاد بن رافع -﵁- لم يكن ترك ركنًا من الأركان المشهورة، وإنما ترك التعديل والاطمئنان كما تدلّ عليه رواية ابن أبي شيبة، فعُلم أن تركه مبطل للصلاة.
قال: الحديث فيه ردّ صريح على أبي حنيفة ومحمد، فإن المشهور من مذهبهما أن تعديل الأركان ليس بفرض، بل هو واجب، واستُدلّ لهما بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] بأن الركوع والسجود لفظ خاصّ، معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض، فمطلق الْمَيَلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضيّة التعديل الثابتة بقوله -ﷺ-: "لم تُصلّ" لا يجوز إلحاقها بالقرآن، لا على سبيل البيان، ولا على سبيل تقييد إطلاق القرآن.
أما الأول: فلأن البيان لا يكون إلا للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود، وأما الثاني: فلأن تقييد إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بخبر الواحد، ولَمّا لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا الحديث بالثابت بالقرآن في مرتبته، ولم يمكن ترك خبر الواحد بالكليّة أيضًا قلنا: ما ثبت بالكتاب، وهو مطلق الركوع والسجود يكون فرضًا؛ لأنه قطعيّ، وما ثبت بهذا الخبر الظنيّ الثبوت
يكون واجبًا؛ مراعاةً لمنزلة كلّ من الكتاب والسنّة.
ورُدّ هذا الاستدلال بأن النصّ ليس بمطلق، بل مُجملٌ، فإن المراد بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعيّ؛ لأنه قد تقرّر أن أمثال
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٢٧.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعيّة، إلا أن يمنع مانعٌ، ولا مانع هاهنا.
ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة، أو على غير وضوء، فهو ساجدٌ لغةً، وليست هذه السجدة معتبرةً في الشرع، ومعنى الركوع والسجود الشرعيّ غير معلوم، فهو يحتاج إلى البيان، فحديث أبي هريرة -﵁- وما وافقه بيان ذلك النصّ المجمل، وبيان الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد، أي يكون فرضًا في مرتبة المجمل.
قال الشيخ عبد الحليم اللكنويّ الحنفيّ في "حاشية نور الأنوار" -بعد ذكر نحو ما تقدّم من تقرير استدلال الحنفيّة-: ولو سلّمنا أن النصّ مطلق، فنقول: إن هذا الحديث ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقّته الأمة بالقبول، ورواه أئمة الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على الكتاب بالخبر المشهور جائزة. انتهى.
وقال -بعد ذكر حديث أبي هريرة -﵁-: هذا الحديث دالّ على أن تعديل الركوع والسجود فرضٌ، والقومة، والجِلسة ركنان، فإن رسول اللَّه -ﷺ- نفى الصلاة بفواتها.
وإن زللت بما قال بعض السابقين من أن في آخر الحديث المذكور -يعني حديث رفاعة- زيادة تدلّ على توقّف صحّة الصلاة عليها، وهو قوله -ﷺ-: "فإذا فعلت ذلك، فقد تمّت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، انتقَصْتَ من صلاتك"، فسمّاها -ﷺ- صلاةً، والباطلة ليست بصلاة، وأيضًا وصفها بالنقص، والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعُلم أن أمر النبيّ -ﷺ- بالإعادة إنما كان لتقع الصلاة على غير كراهة، لا لفساد صلاة ذلك الرجل، ثَبَّتُّك أن معنى هذه الزيادة: إن فعلت ما بيّنتُ من التعديل على الكمال، فقد صلّيت صلاةً تامّةً، وإن نقصت من التعديل شيئًا من النقصان مع بقاء أصل التعديل -كما يدلّ عليه لفظ "نقصت"- فقد نقصت من صلاتك بقدر نقصان التعديل، فالإخلال بالتعديل رأسًا يوجب الفساد.
فإن غلبك جنود الوهم بأن القومة والجلسة ليستا بمقصودتين، وإنما
[ ٩ / ٢٨١ ]
شُرِعتا للفصل بين الركوع والسجود، فلا يكونان ركنين، بل الركن هو المقصود، وهو الركوع والسجود.
فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأي في مقابلة النصّ المذكور، فلا يُسمع، كذا أفاده بحر العلوم، أنار اللَّه برهانه. انتهى كلام الشيخ عبد الحليم اللكنويّ.
وما نقله عن بعض السابقين قد ردّه أيضًا العينيّ بأن للخصم أن يقول: إنما سمّاها صلاةً بحسب زعم المصلّي، كما تدلّ عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض الروايات: "وما نقصت شيئًا من ذلك"، أي مما ذُكر سابقًا، ومنه الركوع والسجود أيضًا، فيلزم أن تُسمّي ما لا ركوع فيها أو لا سجود فيها أيضًا صلاةً بعين التقرير المذكور، وإذ ليس، فليس. انتهى.
وقال بعض الحنفيّة في الجواب عن حديث أبي هريرة: إن هذا الحديث لا يدلّ على فرضيّة التعديل، بل على عدم فرضيّته؛ لأنه -ﷺ- ترك الأعرابيّ حتى فرغ من صلاته، ولو كان ما تركه ركنًا لفسدت صلاته، فكان المضيّ بعد ذلك من الأعرابيّ عَبَثًا، فلا يحلّ له -ﷺ- أن يتركه، فكان تركه دالًا على أن صلاته جائزة، إلا أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة؛ زجرًا عن هذه العادة.
وردّه العينيّ في "البناية" بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدةً، ولذا أمره بالإعادة، وقال له: "لم تصلّ" وإنما تركه عليه لأنه ربّما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم يُنكر عليه؛ لأنه كان من أهل البادية، كما شَهِدت به رواية الترمذيّ بلفظ: "إذ جاء رجلٌ كالبدويّ"، ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظة، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام التعليم.
وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره -ﷺ- على صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة على ما ادّعوه. انتهى.
قال صاحب "المرعاة" بعد ذكر ما تقدّم: فإذا عرفت هذا كلّه ظهر لك أن ما ذهب إليه الجمهور -أي من فرضيّة الاطمئنان- هو الحقّ، وما ذهب إليه الحنفيّة ليس لهم عليه دليلٌ صحيح، بل حديث أبي هريرة -﵁- حجة صريحة عليهم. انتهى. وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، لا يَحتاج إلى التعليق عليه، والزيادة
[ ٩ / ٢٨٢ ]
عليه لمن سلك سبيل الإنصاف، وجانب تقليد الأعمى، وطريق الاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذُكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يُذكَر.
أما الوجوب فلتعلُّق الأمر به، وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذُكر، ويتقوى ذلك بكونه -ﷺ- ذَكَر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، فدلّ على أنه لم يَقصُر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط.
فإذا تقرّر هذا، فكلُّ موضع اختَلَف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسّك به في عدم وجوبه؛ لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدّم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكلّ موضع اختُلف في تحريمه، فلنا أن نستدلّ بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرّم لوجب التلبّس بضدّه، فإن النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، ولو كان التلبّس بالضدّ واجبًا لذُكر ذلك على ما قرّرناه، فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضدّ، ومن الأمر بالضدّ ذكره في الحديث على ما قرّرناه، فإذا انتفى الأمر بالضدّ انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء.
فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلّقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف:
[أحدها]: أن يَجْمَع طرق هذا الحديث، ويُحصِي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب.
[وثانيها]: إذا قام دليلٌ على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرّز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيَعْمَل به.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
قال: وعندنا أنه إذا استُدلّ على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدّم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليلٌ على عدم الوجوب، وتُحْمَل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقّف على مقدّمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدّمة التي قرّرناها، وهو أن عدم الذكر يدلّ على عدم الوجوب؛ لأن المراد ثَمّة أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول -ﷺ- يدلّ على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكِر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدّمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.
وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيُعمل بها.
قال: وهذا البحث كلّه بناءٌ على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يُخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيَحتاج الناظر المحقّق إلى الموازنة بين الظنّ المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الظنّ المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح.
[وثالثها]: أن يستمرّ على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيَتَثَعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالًا واحدًا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- (^١).
وقد علّق العلامة الشوكانيّ -﵀- على قوله: "فالمقدّم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر"، فقال: وأما قوله: "إنها تقدّم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر"، واختياره لذلك من دون تفصيل، فنحن لا نوافقه، بل نقول: إذا جاءت صيغة أمرٍ قاضيةٌ بوجوب زائد على ما في هذا الحديث، فإن كانت متقدِّمةً على تاريخه كان صارفًا لها إلى الندب؛ لأن اقتصاره في التعليم على
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ٣٥٨ - ٣٦٦ بنسخة الحاشية "العدّة".
[ ٩ / ٢٨٤ ]
غيرها، وتركه لها من أعظم المشعِرات بعدم وجوب ما تضمنته؛ لما تقرّر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإن كانت متأخرةً عنه، فهو غير صالح لصرفها؛ لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتًا فوقتًا، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره، أعني الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، والشهادتين؛ لأن النبيّ -ﷺ- اقتصر عليها في مقام التعليم، والسؤال عن جميع الواجبات، واللازمُ باطلٌ فالملزوم مثله.
وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدّم عليه، ولا التأخر، ولا المقارنة، فهذا محلّ الإشكال، ومقام الاحتمال، والأصل عدم الوجوب، والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره، فلا يَنهَض للاستدلال به على الوجوب.
وهذا التفصيل لا بُدّ منه، وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حدّ الإفراط أو التفريط؛ لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط، وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيُّلًا لصلاحيته لصرف كل دليل يَرِدُ بعده دالًا على الوجوب سدٌّ لباب التشريع، وردّ لما تجدّد من واجبات الصلاة، ومنعٌ للشارع من إيجاب شيء منها، وهو باطل؛ لما عَرَفت من تجدد الواجبات في الأوقات.
والقول بوجوب كلِّ ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدِّي إلى إيجاب كلّ أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه -ﷺ- من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسيء أو بعده؛ لأنها بيان للأمر القرآنيّ، أعني قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولقوله -ﷺ-: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو باطلٌ؛ لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز عليه -ﷺ-.
وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء ليس بصيغة الأمر، كالتوعّد على الترك، أو الذمّ لمن لم يفعل، وهكذا يُفَصَّل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء، مما اشتَمَل عليه حديث المسيء، أو
[ ٩ / ٢٨٥ ]
تحريمه إن فرضنا وجوده. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا.
وقد أشبعت البحث في هذا الحديث فيما كتبته على النسائيّ، فاستفد منه ما تبقّى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَاحِيَةٍ، وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَزَادَا فِيهِ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥، وهو: والد محمد الراوي عنه هنا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ) الضمير في "ساقا" لأبي أسامة، وعبد اللَّه بن نمير.
[تنبيه]: فائدة سوق هذا الإسناد بيان الاختلاف على عبيد اللَّه، فإن يحيى بن سعيد القطّان أدخل في روايته والد سعيد المقبريّ بينه وبين أبي
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٢/ ٢٩٨.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ١١/ ١٠٦ - ١٢٦.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
هريرة، وخالفه أبو أسامة، وعبد اللَّه بن نمير، فروياه عن سعيد، عن أبي هريرة، وقد تقدّم أن كلا الطريقين محفوظان، فإن يحيى إمام حافظ معتمد عليه، كما سبق تحقيق ذلك في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية أبي أسامة، وعبد اللَّه بن نُمير، ساقهما البخاريّ في "صحيحه"، فأما رواية أبي أسامة فأخرجها في "الأيمان والنذور"، فقال:
(٦٦٦٧) حدثني إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن رجلًا دخل المسجد، فصلى ورسول اللَّه -ﷺ- في ناحية المسجد، فجاء، فسلم عليه، فقال له: "ارجع، فصل؛ فإنك لم تصلّ"، فرجع، فصلى، ثم سلّم، فقال: "وعليك، ارجع، فصل؛ فإنك لم تصل"، قال في الثالثة: فأعلمني، قال: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وأما رواية عبد اللَّه بن نُمير، فأخرجها في "الاستئذان"، فقال:
(٦٢٥١) حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبيد اللَّه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁- أن رجلًا دخل المسجد، ورسول اللَّه -ﷺ- جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء، فسلم عليه، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "وعليك السلام، ارجع، فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"، فرجع، فصلى، ثم جاء، فسلّم، فقال: "وعليك السلام، فارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علّمني يا رسول اللَّه، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٩ / ٢٨٧ ]