وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٥] (٣٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَذَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أنسٍ، قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾).
[ ٩ / ٢٩٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلا أنسًا -﵁-، فتقدّم قبل أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وكلاهما بصريّان، وماتا في عام واحد سنة (٢٥٢)، وكانا كفرسي رهان.
٥ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكان من المعمّرين، فقد عاش أكثر من مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأ) وقولُه: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) منصوب على المفعوليّة لـ "يقرأ" محكيّ.
قال النوويّ -﵀-: استَدَلَّ بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة، ومن يراها منها، ويقول: لا يَجهر، ومذهب الشافعي -﵀-، وطوائف من السلف والخلف، أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يُجهَر بها حيث يُجهَر بالفاتحة، واعتمد أصحابنا، ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة، وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل الأعصار إلى يومنا، وأجمعوا أنها ليست في أول براءة، وأنها لا تكتب فيها، وهذا يؤكد ما قلناه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٩ / ٢٩٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٣/ ٨٩٥ و٨٩٦ و٨٩٧ و٨٩٨] (٣٩٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٤٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٨٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٤٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٣٥)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٣)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨١)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٥٩٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٧٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٩٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١١١ و٣/ ١٠١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٨٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٩١ و٤٩٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٩٨ و١٧٩٩ و١٨٠٠ و١٨٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٥٦ و١٦٥٧ و١٦٥٨ و١٦٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٥ و٨٨٦ و٨٨٧)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٠٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥١ - ٥٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٥٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف الرواة في هذا الحديث:
قد حقّق الحافظ: هذا الاختلاف، فأجاد، وأفاد، ودونك عبارته:
وقد اختَلَف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث، فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: "كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، ورواه آخرون عنه بلفظ: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم"، كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسيّ، ومحمد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عُمَر الدُّوريّ (^١)، شيخ البخاري فيه، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة.
ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين.
_________________
(١) هكذا نسخة "الفتح"، ولعلّ الصواب: "الحوضي"؛ لأن البخاريّ رواه عن أبي عمر الحوضي، لا الدُّوريّ؛ فتنبّه.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
فأخرجه البخاريّ في "جزء القراءة"، والنسائيّ، وابن ماجه"، من طريق أيوب، وهؤلاءِ، والترمذيُّ، من طريق أبي عوانة، والبخاريّ في "جزء القراءة"، وأبو داود، من طريق هشام الدستوائيّ، والبخاريّ فيه، وابن حبان من طريق حماد بن سلمة، والبخاري فيه، والسّرّاج من طريق همام، كلهم عن قتادة، باللفظ الأول.
وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعيّ، عن قتادة بلفظ: "لم يكونوا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
وقد قَدَحَ بعضهم في صحته بكون الأوزاعيّ رواه عن قتادة مكاتبةً، وفيه نظرٌ، فإن الأوزاعيّ لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدَّوْرقيّ، والسرّاج عن يعقوب الدَّوْرقيّ، وعبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه السلميّ، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة بلفظ: "فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، قال شعبة: قلت لقتادة: سمعته من أنس، قال: نحن سألناه.
لكن هذا النفي محمول على ما قدَّمناه أن المراد أنه لم يَسمع منهم البسملة، فيَحْتَمِل أن يكونوا يقرءونها سرًّا، ويؤيده رواية مَن رواه عنه بلفظ: "فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عند النسائيّ، وابن حبان، وهمامٌ عند الدارقطنيّ، وشيبانُ عند الطحاويّ وابنِ حبان، وشعبةُ أيضًا من طريق وكيع عنه، عند أحمد، أربعتهم عن قتادة.
ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك.
فرواه البخاريّ في "جزء القراءة"، والسرّاج، وأبو عوانة في "صحيحه" من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسرّاج من طريق ثابت البنانيّ، والبخاريّ فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس، باللفظ الأول.
ورواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق إسحاق أيضًا، وابن خزيمة من طريق ثابت أيضًا، والنسائيّ من طريق منصور بن زاذان، وابن حبان من طريق أبي قِلابة، والطبرانيّ من طريق أبي نَعَامة، كلهم عن أنس، باللفظ النافي للجهر.
[ ٩ / ٢٩٨ ]
فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حملُ نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان: "فلم يُسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن أنس، عند ابن خزيمة بلفظ: "كانوا يُسِرُّون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب؛ كابن عبد البرّ؛ لأن الجمع إذا أمكن تَعَيَّن المصير إليه.
وأما مَن قَدَح في صحته بأن أبا سلمة سعيدَ بن يزيد سأل أنسًا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسًا سئل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي سلمة، هل كان الافتتاح بالبسملة، أو الحمدلة؟ وسؤال قتادة، هل كان يبدأ بالفاتحة، أو غيرها؟، قال: ويدلّ عليه قول قتادة في "صحيح مسلم": "نحن سألناه". انتهى، فليس بجيِّد؛ لأن أحمد روى في "مسنده" بإسناد "الصحيحين" أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلم إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة، ولم يبيّن مسلم صورة المسألة، وقد بيّنها أبو يعلى، والسرّاج، وعبد اللَّه بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها، عن أبي داود، أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر، من طريق أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة، قال: "سألت أنسًا: أيقرأ الرجل في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال: صليت وراء رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فظهر اتّحاد سؤال أبي سلمة وقتادة، وغايته أن أنسًا أجاب قتادة بالحكم، دون أبي سلمة، فلعله تذكّره لما سأله قتادة، بدليل قوله في رواية أبي سلمة: ما سألني عنه أحدٌ قبلك، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة دون أبي سلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع.
وإذا انتهى البحث إلى أن مُحَصَّل حديث أنس نفي الجهر بالبسملة على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وُجِدت رواية فيها إثبات الجهر قُدِّمت على نفيه، لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي؛ لأن أنسًا يبعد جدًّا أن يصحب النبيّ -ﷺ- مُدَّة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر وعمر
[ ٩ / ٢٩٩ ]
وعثمان خمسًا وعشرين سنةً، فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعتَرَف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد جهرًا، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. انتهى كلام الحافظ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التحقيق من الحافظ -﵀- حسنٌ جدًّا، إلا قوله: "فتيعيّن الأخذ بحديث الجهر"، فإن الأولى، بل المتعيّن في مثل هذا سلوك طريق الجمع بالعمل بالحديثين، بحمل حديث الجهر على بعض الأوقات؛ لأن العمل بالحديثين معًا إذا أمكن أولى من إلغاء أحدهما بالترجيح، ولو سلكنا مسلك الترجيح لكان حديث أنس -﵁- أولى به؛ لقوّته، وصراحته.
والحاصل أن طريق الجمع بحمل حديث الجهر على بعض الأحيان أولى وأرجح مما قاله الحافظ، وهو الذي سلكه الحُذّاق من فقهاء المحدّثين، كالنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، فكلّهم بوّبوا لقراءة البسملة، وأوردوا حديث الباب، وبوّبوا لتركها أيضًا، وأوردوا حديث أبي هريرة -﵁- الذي أخرجه النسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأمّ القرآن، حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، فقال ابناس: آمين، ويقول كلما سجد: اللَّه أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: اللَّه أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ (^١)، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجهر بالبسملة:
قال الإمام البغويّ -﵀-: ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم
_________________
(١) حديث صحيح رواه النسائيّ ٢/ ١٣٤، وابن خزيمة في "صحيحه" (٤٩٩)، وابن حبان في "صحيحه" (١٧٩٧)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٢٣٢.
[ ٩ / ٣٠٠ ]
إلى ترك الجهر بالتسمية، بل يُسرّ بها، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم، وهو قول إبراهيم النخعيّ، وبه قال مالك، والثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة، والسورة جميعًا، وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عبّاس، وأبو الزبير، وهو قول سعيد بن جُبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الشافعيّ، واحتجّوا بحديث ابن عبّاس -﵄-: "كان النبيّ -ﷺ- يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، أخرجه الترمذيّ، وقال: وليس إسناده بذاك (^١). انتهى (^٢).
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في هذا البحث، وأنا أنقله، وإن كان فيه طول؛ لكونه تحقيقًا بالغًا، ودونك نصّ "الفتاوى الكبرى":
(مسألة): في حديث نعيم المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، وقال الناس: "آمين"، ويقول كلما سجد: "اللَّه أكبر"، فلما سَلَّم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-، وكان المعتمر بن سليمان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أَبِي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة النبيّ -ﷺ-، فهذا حديث ثابت في الجهر بها، وذكر الحاكم أبو عبد اللَّه أن رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، فهل يُحْمَل ما قاله أنس، وهو: أصليت خلف رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يذكر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " على عدم السماع، وما التحقيق في هذه المسألة، والصواب؟.
(الجواب): الحمد للَّه رب العالمين، أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو صريح، لا يحتمل هذا التأويل، فإنه قد رواه مسلم في "صحيحه"، فقال فيه: "صليت خلف النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون
_________________
(١) وقال العقيليّ: ولا يصحّ في الجهر بالبسملة حديث.
(٢) راجع: "شرح السنّة" ٣/ ٥٤ - ٥٥.
[ ٩ / ٣٠١ ]
بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها"، وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع، واللفظ الآخر الذي في "صحيح مسلم": "صليت خلف النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال: يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فهذا نَفَى فيه السماعَ، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ لم يجز تأويله بأن النبيّ -ﷺ- كان يقرأ جهرًا، ولا يسمع أنس، لوجوه:
[أحدها]: إن أنسًا إنما رَوَى هذا ليبين لهم ما كان النبيّ -ﷺ- يفعله؛ إذ لا غرض للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع، إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع، فلو لم يكن ما ذكره دليلًا على نفي ذلك، لم يكن أنس ليروي شيئًا لا فائدة لهم فيه، ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم.
[الثاني]: أن مثل هذا اللفظ صار دالًّا في العرف على عدم ما لم يدرك، فإذا قال: ما سمعنا، أو ما رأينا، لِمَا شأنه أن يسمعه ويراه، كان مقصوده بذلك نفي وجوده، وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك، ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه، وهذا يظهر بالوجه.
[الثالث]: وهو أن أنسًا كان يخدم النبيّ -ﷺ- من حين قَدِم النبيّ -ﷺ- المدينة إلى أن مات، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويَصحَبه حضرًا وسفرًا، وكان حين حج النبيّ -ﷺ- تحت ناقته، يسيل عليه لعابها، أفيمكن مع هذا القرب الخاصّ، والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبيّ -ﷺ- يجهر بها، مع كونه يجهر بها؟ هذا مما يُعلم بالضرورة بطلانه في العادة، ثم إنه صَحِب أبا بكر وعمر وعثمان، وتولى لأبي بكر وعمر ولايات، ولا كان يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون، وهو لا يسمع ذلك، فتبيّن أن هذا تحريف لا تأويل، لو لم يُرْوَ إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو يُفَصِّل هذه الرواية الأخرى، وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأوّل قوله: "يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " أنه أراد السورة، فإن قوله: "يفتتحون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها" صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة
[ ٩ / ٣٠٢ ]
التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه.
وأيضًا فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة، وهو من العلم الظاهر العامّ الذي يعرفه الخاصّ والعامّ، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود، وجميع الأئمة غير النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس، وهم قد سألوه عن ذلك، وليس هذا مما يُسأل عنه، وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش، وخلفاء بني أمية، وبني الزبير، وغيرهم ممن أدركه أنس، كانوا يفتتحون بالفاتحة، ولم يشتبه هذا على أحد، ولا شكّ، فكيف يُظَنّ أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه؟ وإنما مَثَلُ ذلك أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاتي الظهرين، أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين.
ومثل حديث أنس حديث عائشة الذي في "الصحيح" أيضًا أن النبيّ -ﷺ- كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢). . .﴾ إلى آخره، وقد رُوي يفتتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذا صريح في إرادة الآية.
لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفي لقراءتها سرًا؛ لأنه رَوَى: "فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، وهذا إنما نَفَى هنا الجهر، وأما اللفظ الآخر "لا يذكرون"، فهو إنما يَنفي ما يمكنه العلم بانتفائه، وذلك موجود في الجهر، فإنه إذا لم يُسمَع مع القرب عُلِم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها، فهذا لا يمكن إدراكه، إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة، يمكن فيها القراءة سرًّا، ولهذا استدلّ بحديث أنس على عدم القراءة من لم يَرَ هناك سكوتًا، كمالك وغيره، لكن قد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة -﵁- أنه قال: يا رسول اللَّه، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول؟ قال: "أقول كذا وكذا. . ." إلى آخره.
وفي "السنن" من حديث عمران، وأُبَيّ، وغيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة، وفيها أنه كان يستعيذ، وإذا كان له سكوت لم يمكن أنسًا أن ينفي
[ ٩ / ٣٠٣ ]
قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر، وإخباره بافتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر، وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذكر سرًّا يسمى سكوتًا، كما في حديث أبي هريرة، فيصلح أن يقال: لم يقرأها، ولم يذكرها؛ أي جهرًا، فإن لفظ السكوت، ولفظ نفي الذكر والقراءة مدلولهما هنا واحد.
ويؤيد هذا حديث عبد اللَّه بن مغفل الذي في "السنن" أنه سمع ابنه جهر بها، فأنكر عليه، وقال: يا بُنَيّ إياك والْحَدَثَ، وذكر أنه صلى خلف النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم يكونوا يجهرون بها، فهذا مطابق لحديث أنس، وحديث عائشة اللذين في "الصحيح".
وأيضًا فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان النبيّ -ﷺ- يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة، لم يكن في العادة، ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما؛ إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه، كالتواطؤ على الكذب فيه، ويُمَثَّل هذا بكذب دعوى الرافضة في النصّ على علي في الخلافة، وأمثال ذلك.
وقد اتَّفَق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن المشهورة؛ كأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة، يرويها الثعلبيّ، والماورديّ، وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يُميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء (^١).
وأعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء مَن لم يعز في كتابه حديثًا إلى البخاريّ إلا حديثًا في البسملة، وذلك الحديث ليس في البخاريّ، ومَن هذا
_________________
(١) لعله يشير إلى ما يُروى: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"، يريد عائشة، وهو مما لا يصحّ، قال الحافظ في "الفتح": لم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا الحديث. يعني حديث قصّة لعب الحبشة بحرابهم في المسجد، حيث قال النبيّ -ﷺ- لعائشة -﵄-: "يا حميراء، أتحبّين أن تنظري إليهم؟. . ." الحديث، راجع: "آداب الزفاف" للشيخ الألباني ص ٢٠٠.
[ ٩ / ٣٠٤ ]
مبلغ علمه في الحديث، كيف يكون حالهم في هذا الباب؟ أو يرويها مَن جمع هذا الباب، كالدارقطنيّ، والخطيب، وغيرهما، فإنهم جَمَعُوا ما رُوي، وإذا سئلوا عن صحتها، قالوا بموجب علمهم، كما قال الدارقطنيّ لما دخل مصر، وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها، فجمعها، فقيل له: هل فيها شيء صحيحٌ؟ فقال: أما عن النبيّ -ﷺ- فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف.
وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك، فذكر حديثين: حديث معاوية لَمّا صلى بالمدينة، وقد رواه الشافعي -﵀- قال: حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة، فجهر فيها بأم القرآن، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، ولم يكبّر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين، من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للسورة التي بعد أم القرآن، وكبّر حين يهوي ساجدًا.
وقال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن معاوية قدم المدينة، فصلى بهم، ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يكبر إذا خفض، وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلّم، والأنصار: أي معاوية، سرقت الصلاة. . . وذكره.
وقال الشافعيّ: أنبأنا يحيى بن سُليم، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جدّه، عن معاوية، والمهاجرين والأنصار بمثله، أو مثل معناه، لا يخالفه، وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جدّه، عن معاوية، وذكر الخطيب أنه أقوى ما يُحتجّ به، وليس بحجة كما يأتي بيانه.
فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح، ولا صريح فضلًا أن يكون فيها أخبار مستفيضة، أو متواترة امتنع أن النبيّ -ﷺ- كان يجهر بها، كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ، ثم لا يُنْقَل.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
[فإن قيل]: هذا معارَضٌ بترك الجهر بها، فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، ثم هو مع ذلك ليس منقولًا بالتواتر، بل قد تنازع فيه العلماء، فكما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه، ثم لم ينقل نقلًا قاطعًا، بل وقع فيه النزاع.
[قيل: الجواب عن هذا من وجوه]:
[أحدها]: أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة، ويجب نقله شرعًا، هو الأمور الوجودية، فأما الأمور العدمية فلا خبر لها، ولا ينقل منها إلا ما ظُنّ وجوده، أو احتيج إلى معرفته، فيُنقَل للحاجة، ولهذا لو نَقَل ناقل افتراض صلاة سادسة، أو زيادة على صوم رمضان، أو حجًّا غير حج البيت، أو زيادة في القرآن، أو زيادة في ركعات الصلاة، أو فرائض الزكاة، ونحو ذلك لقطعنا بكذبه، فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلًا قاطعًا عادةً وشرعًا، وإن عَدَم النقل يدلّ على أنه لم يُنقل نقلًا قاطعًا عادةً وشرعًا، بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم والدواعي في العادة والشرع على نقله، أنه لم يكن.
وقد مثّل الناس ذلك بما لو نَقَل ناقل أن الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر، ولم يُصَلّ الجمعة، أو أن قومًا اقتتلوا في المسجد بالسيوف، فإنه إذا نَقَل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة، وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال، ولا غيره من الأمور العدمية.
يُوَضِّح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة، واستدلّت الأمة على عدم جهره بذلك، وإن كان لم ينقل نقلًا عامًّا عدم الجهر بذلك، فبالطريق الذي يُعلَم عدم جهره بذلك يُعلَم عدم جهره بالبسملة.
وبهذا يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل، وهو كون الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها يمتنع ترك نقلها، فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة، فأما الأذان والإقامة فقد نُقِل فعل هذا وهذا، وأما القنوت فإنه قَنَت تارةً، وترك تارةً، وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجوديّ، ولم يُنقَل فيدخل في القاعدة.
[الوجه الثاني]: أن الأمور العدمية لَمّا احتيج إلى نقلها نُقِلت، فلما
[ ٩ / ٣٠٦ ]
انقرض عصر الخلفاء الراشدين، وصار بعض الأئمة يجهر بها؛ كابن الزبير ونحوه، سأل بعض الناس بقايا الصحابة، كأنس، فرَوَى لهم أنس ترك الجهر بها، وأما مع وجود الخلفاء، فكانت السنة ظاهرةً مشهورةً، ولم يكن في الخلفاء مَن يجهر بها، فلم يُحتَج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى يُنقَل.
[الثالث]: أن نفي الجهر قد نُقِل نقلًا صحيحًا صريحًا في حديث أبي هريرة، والجهر بها لم يُنقل نقلًا صحيحًا صريحًا مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور الوجودية أحقّ بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية.
وهذه الوجوه مَن تدبرها، وكان عالِمًا بالأدلة القطعية، قَطَع بأن النبيّ -ﷺ- لم يكن يجهر بها، بل ومن لم يتدرَّب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضًا: إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيحٌ صريحٌ، فكيف يمكن بعد هذا أن النبيّ -ﷺ- كان يجهر بها؟ ولم تنقل الأمة هذه السنة، بل أهملوها وضَيَّعُوها، وهل هذه إلا بمثابة أن يَنقُل ناقل أنه كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة؟ كما كان فيهم مَن يجهر بالبسملة.
ومع هذا فنحن نعلم بالاضطرار أن النبيّ -ﷺ- لم يكن يجهر بالاستفتاح والاستعاذة، كما كان يجهر بالفاتحة، كذلك نعلم بالاضطرار أن النبيّ -ﷺ- لم يكن يجهر بالبسملة، كما كان يجهر بالفاتحة، ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحيانًا، أو أنه كان يجهر بها قديمًا، ثم تَرَك ذلك، كما رَوَى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن جبير، ورواه الطبرانيّ في "معجمه"، عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- كان يجهر بها بمكة، فكان المشركون إذا سمعوها سَبُّوا الرحمن، فترك الجهر فما جهر بها حتى مات، فهذا محتمل.
وأما الجهر العارض فمثل ما في "الصحيح" أنه كان يجهر بالآية أحيانًا، ومثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، ومثل جهر عمر بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك"، ومثل جهر ابن عمر، وأبي هريرة بالاستعاذة، ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة؛ ليعلموا أنها سنة.
ويمكن أن يقال: جَهْرُ مَن جهر بها من الصحابة، كان على هذا الوجه؛ ليعرفوا أن قراءتها سنة، لا لأن الجهر بها سنة، ومن تدبر عامة الآثار الثابتة
[ ٩ / ٣٠٧ ]
في هذا الباب، عَلِم أنها آية من كتاب اللَّه، وأنهم قرأوها لبيان ذلك، لا لبيان كونها من الفاتحة، وأن الجهر بها سنة، مثل ما ذكر ابن وهب في "جامعه"، قال: أخبرني رجال من أهل العلم، عن ابن أسلم، وابن شهاب مثله بغير هذا الحديث، عن ابن عمر -﵄- أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن، فإن اللَّه أنزلها، قال: وكان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان.
وحديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أنه كان إذا صلى جَهَر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهريّ، وهو أعلم أهل زمانه بالسنة، يُبَيِّن حقيقة الحال، فإن العمدة في الآثار في قراءتها، إنما هي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وقد عُرف حقيقة حال أبي هريرة في ذلك، وكذلك غيره -﵃-، ولهذا كان العلماء بالحديث ممن يَروي الجهر بها ليس معه حديث صريح؛ لعلمه بأن تلك أحاديث موضوعة، مكذوبة على رسول اللَّه -ﷺ-، وإنما يتمسك بلفظ محتمل، مثل اعتمادهم على حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة المتقدم، وقد رواه النسائيّ، فإن العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه، فإن في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أظهر دلالة على نفي قراءتها من دلالة هذا على الجهر بها، فإن في "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "يقول اللَّه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال اللَّه: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مَجّدني عبدي، أو قال: فَوَّض إليّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وقد رَوَى عبد اللَّه بن زياد بن سليمان -وهو كذاب- أنه قال في أوله:
[ ٩ / ٣٠٨ ]
"فإذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: ذكرني عبدي"، ولهذا اتَّفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر؛ لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث لَبَّسوا بها على الناس دينهم.
ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين؛ كسفيان الثوريّ أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر، ونحو ذلك؛ لأن هذا كان من شعار الرافضة.
ولهذا ذهب أبو عليّ بن أبي هريرة، أحد الأئمة من أصحاب الشافعيّ إلى ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين، كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعيّ إلى تسنمة القبور؛ لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع، فحديث أبي هريرة دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة المقسومة، وهو على نفي القراءة مطلقًا أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على الجهر، فإن في حديث نعيم المجمر أنه قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ أم القرآن، وهذا دليل على أنها ليست من القرآن عندهم، وحديث أبي هريرة الذي في مسلم يُصَدِّق ذلك، فإنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلى صلاةً، لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، فهي خداج"، فقال له رجل: يا أبا هريرة، أنا أحيانا أكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قال اللَّه -تعالى-: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . ." الحديث.
وهذا صريح في أن أمّ القرآن التي يجب قراءتها في الصلاة عند أبي هريرة هي القراءة المقسومة التي ذكرها، مع دلالة قول النبيّ -ﷺ- على ذلك، وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة، فيكون أبو هريرة، وإن كان قرأ بها قرأ بها استحبابًا لا وجوبًا، والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة، قولٌ لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، وغيرهم من الأئمة المشهورين، ولا أعلم به قائلًا، لكن هي من الفاتحة، وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإذا كان أبو هريرة إنما قرأها استحبابًا لا وجوبًا، وعلى هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها، كان
[ ٩ / ٣٠٩ ]
جهره بها أولى أن يثبت دليلًا على أنه ليعرّفهم استحباب قراءتها، وأن قراءتها مشروعة كما جَهَر عمر بالاستفتاح، وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ونحو ذلك، ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة، وإن لم يُجهر بها، وحينئذ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في "الصحيح"، وحديثِ عائشة الذي في "الصحيح"، وغير ذلك.
هذا إن كان الحديث دالًا على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين:
[أحدهما]: أنه قال: قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ أم القرآن، ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرًّا، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه، فإن قراءة السرّ إذا قويت يسمعها مَن يلي القارئ، ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها، وقد أخبر أبو قتادة بأن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وهي قراءة سرّ، كيف وقد بيّن في الحديث أنها ليست من الفاتحة؛ فأراد بذلك وجوب قراءتها فضلًا عن كون الجهر بها سنةً فإن النزاع في الثاني أضعف.
[الثاني]: أنه لم يُخبر عن النبيّ -ﷺ- أنه قرأها قبل أم الكتاب، وإنما قال في آخر الصلاة: إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-، وفي الحديث أنه أَمّن، وكَبّر في الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول اللَّه -ﷺ- من هذه الوجوه التي فعل فيها ما فعله رسول اللَّه -ﷺ-، وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول اللَّه -ﷺ- أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه، ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة، وكان أولئك لا يقرأونها أصلًا، فيكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وإن كان غيره ينازع في ذلك.
وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، فيُعْلَم أوّلًا أن تصحيح الحاكم وحده، وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم؟ وقد اتَّفق أهل العلم في الصحيح على خلافه، ومن له أدنى خِبْرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه، فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من
[ ٩ / ٣١٠ ]
التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذيّ، والدارقطنيّ، وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح البخاريّ ومسلم؟ بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة، وأبي حاتم بن حبان البستيّ، وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسيّ في "مختاراته" خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب، عند من يعرف الحديث، وتحسين الترمذيّ أحيانًا يكون مثل تصحيحه، أو أرجح، وكثيرًا ما يصحح الحاكم أحاديث يُجْزَم بأنها موضوعة لا أصل لها، فهذا هذا (^١).
والمعروف عن سليمان التيميّ وابنه معتمر، أنهما كانا يجهران بالبسملة، لكن نقلُهُ عن أنس هو المنكر، كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك؛ حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا، قال: أنت سمعت أنسًا يذكر ذلك؟ قال: نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر، ونقْلُ شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله؛ إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم.
وهذا مما يُرَدُّ به قول من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: "يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث، وألفاظ رواياتهم الصريحة التي لا تَقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تَحْتَمِل المجازفة، أو أنه مكابِرٌ صاحب هَوًى يتبع هواه، ويَدَع مُوجَبَ العلم والدليل.
ثم يقال: هَبْ أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه، وأبوه عن أنس، وأنس عن النبيّ -ﷺ-، فهذا مُجْمَل، ومُحْتَمِلٌ؛ إذ ليس يمكن أن يَثْبُت كل حكم جزئيّ من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنه من المعلوم أن مع طول
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه "فكذا هذا"، واللَّه أعلم.
[ ٩ / ٣١١ ]
الزمان، وتعدد الإسناد، لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حقّ الضبط إلابنقل مفصَّل لا مجمل، وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر، وحماد بن أبي سليمان، والأعمش، وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعيّ وذويه، وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود، ونحوهما، وهم أخذوها عن ابن مسعود، وابن مسعود عن النبيّ -ﷺ-، وهذا الإسناد أجلُّ رجالًا من ذلك الإسناد، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وأمثالهم من فقهاء الكوفة، فهل يجوز أن يُجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول اللَّه -ﷺ- بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع؟ فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون، ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح، ويسفرون بالفجر، وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون.
ونظير هذه احتجاجُ بعضهم على الجهر بأن أهل مكة، من أصحاب ابن جريج، كانوا يجهرون، وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج، وهو أخذها عن عطاء، وعطاء، عن ابن الزبير، وابن الزبير، عن أبي بكر الصديق، وأبو بكر عن النبيّ -ﷺ-، ولا ريب أن الشافعيّ -﵀- أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن جريج، كسعيد بن سالم القَدّاح، ومسلم بن خالد الزنجيّ، لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة، تنازع الناس فيها.
ولئن جاز ذلك ليكوننّ مالك أرجح من هؤلاء، فإنه لا يستريب عاقل أن الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجلّ قدرًا، وأعلم بالسنة، وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة، وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمرّ بالمدينة، فقالوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول اللَّه -ﷺ-، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الأئمة، وهَلُمّ جَرًّا، ونقلهم لصلاة رسول اللَّه -ﷺ- نقلٌ متواترٌ كلهم شَهِدوا صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، ثم صلاة خلفائه، وكانوا أشدّ محافظةً على السنة، وأشدّ إنكارًا على من خالفها من غيرهم، فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية، وبني العباس، فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون، وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا، ولا يمكن
[ ٩ / ٣١٢ ]
أن الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة، بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة، لا تتعلق بأمر ملكهم، وما يتعلق بذلك من الأهواء، وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض، وهذه الحجة إذا احتَجّ بها المحتج لم تكن دون تلك، بل نحن نعلم أنها أقوى منها، فإنه لا يشكّ مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها، والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول اللَّه -ﷺ- أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبيّ -ﷺ-، ولهذا لم يذهب ذاهب قطّ إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة، وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم، هل هو حجة أم لا؟ نزاعًا لا يقصر عن عمل غيرهم، وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه.
فتبيّن دفع ذلك العمل عن سليمان التيميّ، وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة، لو لم يكن المنقول نقلًا صحيحًا صريحًا عن أنس يخالف ذلك، فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت، من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت، وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله؟.
ومثل هذا أيضًا يُظْهِر ضعفَ حديث معاوية الذي فيه أنه صلى بالصحابة بالمدينة، فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة، وأول السورة، حتى عاد يعمل ذلك، فإن هذا الحديث وإن كان الدارقطنيّ قال: إسناده ثقات، وقال الخطيب: هو أجود ما يُعتَمد عليه في هذه المسألة، كما نقل ذلك عنه نصر المقدسيّ، فهذا الحديث يُعْلَم ضعفه من وجوه:
[أحدها]: أنه يُروَى عن أنس أيضًا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يردّ هذا.
[الثاني]: أن مدار ذلك الحديث على عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، وقد ضعفه طائفة، وقد اضطربوا في روايته إسنادًا ومتنًا كما تقدم، وذلك يبين أنه غير محفوظ.
[الثالث]: أنه ليس فيه إسناد متصل السماع، بل فيه من الضعف والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع، أو سوء الحفظ.
[ ٩ / ٣١٣ ]
[الرابع]: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة، لم يذكر أحد علمناه أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه.
[الخامس]: أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة، والراوي لها أنس، وكان بالبصرة، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين بصحبته، وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك، بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك، والناقل ليس من هؤلاء، ولا من هؤلاء.
[السادس]: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة، لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، بل الأوزاعيّ مذهبه فيها مذهب مالك، لا يقرأها سرًّا ولا جهرًا.
فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل، لا حقيقة له، وإما مُغَيَّر عن وجهه، وأن الذي حدَّث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده، وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًّا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًّا ولا معللًا، وهذا شاذّ معللٌ إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته.
والعمدة التي اعتمدها المصنفون في الجهر بها، ووجوب قراءتها، إنما هو كتابتها في المصحف بقلم القرآن، وأن الصحابة جَرَّدوا القرآن عما ليس منه، والذين نازعوهم دفعوا هذه الحجة بلا حقّ، كقولهم: القرآن لا يثبت إلا بقاطع، ولو كان هذا قاطعًا لكفر مخالفه، وقد سلك أبو بكر بن الطيب الباقلانيّ وغيره هذا المسلك، وادَّعَوا أنهم يقطعون بخطأ الشافعيّ في كونه جعل البسملة من القرآن، معتمدين على هذه الحجة، وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر، ولا تواتر هنا، فيجب القطع بنفي كونها من القرآن.
والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يُقطَع بكونها من القرآن، حيث كتبت كما قَطَعتم بنفي كونها ليست منه، ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون
[ ٩ / ٣١٤ ]
القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلام اللَّه، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام اللَّه الذي أنزله على نبيه -ﷺ-، ولم يكتبوا فيه ما ليس من كلام اللَّه.
فإن قال المنازع: إن قطعتم بأن البسملة من القرآن حيث كتبت، فكفِّروا النافي.
قيل لهم: وهذا يعارض حكمه إذا قطعتم بنفي كونها من القرآن، فكفِّروا منازعكم، وقد اتَّفقت الأمة على نفي التكفير في هذا الباب، مع دعوى كثير من الطائفتين القطع بمذهبه، وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعيًّا عند شخص يجب أن يكون قطعيًّا عند غيره، وليس كل ما ادَّعت طائفة أنه قطعيّ عندها يجب أن يكون قطعيًّا في نفس الأمر، بل قد يقع الغلط في دعوى المدعي القطع في غير محل القطع، كما يغلط في سمعه وفهمه ونقله وغير ذلك من أحواله، كما قد يغلط الحسّ الظاهر في مواضع.
وحينئذ فيقال: الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط:
الطرف الأول قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، كما قال مالك، وطائفة من الحنفية، وكما قاله بعض أصحاب أحمد، مدعيًا أنه مذهبه، أو ناقلًا لذلك رواية عنه.
والطرف المقابل له قول من يقول: إنها من كل سورة آية، أو بعض آية، كما هو المشهور من مذهب الشافعيّ ومن وافقه، وقد نُقل عن الشافعيّ أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يُستفتح بها في السور تبركًا بها، وأما كونها من الفاتحة فلم يثبت عنه فيه دليل.
والقول الوسط: إنها من القرآن حيث كُتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في أول كل سورة، وكذلك تتلى آية منفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبيّ -ﷺ- حين أنزلت عليه سورة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم" كما في قوله: "إن سورة من القرآن، هي ثلاثون آيةً، شَفَعت لرجل حتى غُفِر له، وهي سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] "، رواه أهل السنن، وحسنه الترمذيّ.
وهذا القول قول عبد اللَّه بن المبارك، وهو المنصوص الصريح عن
[ ٩ / ٣١٥ ]
أحمد بن حنبل، وذكر أبو بكر الرازيّ أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده، وهو قول سائر مَن حَقَّق القول في هذه المسألة، وتوسط فيها جَمْعٌ من مقتضى الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصولًا عن السورة.
ويؤيِّد ذلك قول ابن عباس -﵄-: كان رسول اللَّه -ﷺ- لا يَعْرِف فصل السورة حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رواه أبو داود (^١)، وهؤلاء لهم في الفاتحة قولان، هما روايتان عن أحمد:
[أحدهما]: إنها من الفاتحة دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة.
[والثاني]: وهو الأصح لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وأن قراءتها في أول الفاتحة كقراءتها في أول السور، والأحاديث الصحيحة توافق هذا القول لا تخالفه، وحينئذ الخلاف أيضًا في قراءتها في الصلاة ثلاثة أقوال:
[أحدها]: إنها واجبة وجوب الفاتحة، كمذهب الشافعيّ وأحمد في إحدى الروايتين، وطائفة من أهل الحديث، بناءً على أنها من الفاتحة.
[والثاني]: قول من يقول قراءتها مكروهة سرًّا وجهرًا، كما هو المشهور من مذهب مالك.
[والقول الثالث]: إن قراءتها جائزةٌ بل مستحبةٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وأكثر أهل الحديث، وطائفةٌ من هؤلاء يُسَوِّي بين قراءتها وترك قراءتها، ويخير بين الأمرين، معتقدين أن هذا على إحدى القراءتين، وذلك على القراءة الأخرى، ثم مع قراءتها هل يُسَنّ الجهر أو لا يسن؟ على ثلاثة أقوال:
قيل: يسنّ الجهر بها، كقول الشافعيّ ومن وافقه، وقيل: لا يسنّ الجهر بها، كما هو قول الجمهور من أهل الحديث والرأي، وفقهاء الأمصار، وقيل: يخير بينهما، كما يروى عن إسحاق، وهو قول ابن حزم وغيره، ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به قد يُشْرَع الجهر به لمصلحة راجحة، فيشرع للإمام
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود (١/ ٢٠٩).
[ ٩ / ٣١٦ ]
أحيانًا لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا، ويسوغ أيضًا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة؛ خوفًا من التنفير عما يصلُح، كما ترك النبيّ -ﷺ- بناءَ البيت على قواعد إبراهيم -﵇-؛ لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخَشِي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم -﵇-، وقال ابن مسعود -﵁- لَمّا أكمل الصلاة خلف عثمان، وأَنكر عليه الربيع، فقال له في ذلك، فقال: الخلاف شرّ، ولهذا نصّ الأئمة؛ كأحمد وغيره على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول؛ مُراعاةً ائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، واللَّه أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه شيخ الإسلام -﵀- تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس.
وحاصله ترجيح كون البسملة آيةً من القرآن، أُنزلت للفصل بين السُّوَرِ، وتكرّرت بعددها، وليست آيةً من الفاتحة، ولا من غيرها، وأنها يقرأ بها في الصلاة، وأن الأفضل الإسرار بها، ومع ذلك يجوز في بعض الأحيان الجهر بها، كتعريف الناس بسنّيّتها، أو لنحو ذلك، كقصد ائتلافهم، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة في هذا الباب، فتمسّك به، فإنه منهج سليم، ورأي قويم، واللَّه تعالى الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ (^٢)، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، نَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ).
_________________
(١) "الفتاوى الكبرى" ١/ ٨٨ - ١٠٤.
(٢) وفي نسخة: "بهذا الإسناد".
[ ٩ / ٣١٧ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في المسند الماضي.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) وفي نسخة: "بهذا الإسناد"، فـ "في" هنا بمعنى الباء.
وقوله: (وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ. . . إلخ) فاعل "زاد" ضمير أبي داود، وفائدة قول شعبة لقتادة: أسمعته. . . إلخ أن يصرِّح له بسماعه من أنس؛ فينتفي عنه ما يُخاف من إرساله؛ لتدليسه، وقد سبق البحث عن هذا غير مرّة.
[تنبيه]: رواية أبي داود هذه لم أر من ساقها بتمامها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ (^١)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب، كانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تبَارَكَ اسْمُكَ (^٢)، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
وَعَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وفِي أَوَّلِ قِراءَةٍ (^٣)، وَلَا فِي آخِرِهَا).
_________________
(١) وفي نسخة: "عن عبدة بن أبي لبابة".
(٢) وفي نسخة: "وتبارك اسمك" بالعاطف.
(٣) وفي نسخة: "في أول القراءة".
[ ٩ / ٣١٨ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) -بكسر الميم، وسكون الهاء- الْجَمّال -بالجيم- أبو جعفر، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو أول ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الأوزاعيّ الفقيه، ثقةٌ جليل إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (عَبْدَةُ) بن أبي لبابة الأسدي الغَاضِرِيّ مولاهم، يقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفي الفقيه، نزيل دمشق، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو، وزِرّ بن حُبيش، وأبي وائل، ومجاهد، وهلال بن يساف، وورّاد كاتب المغيرة، وغيرهم، وأرسل عن عمر.
ورَوَى عنه ابن أخته الحسن بن الْحُرّ، وحبيب بن أبي ثابت، ومات قبله، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، والثوريّ، وغيرهم.
قال الميموني عن أحمد: لقي ابن عمر بالشام، وقال ابن سعد: كان من فقهاء أهل الكوفة. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان يُكنى أبا القاسم، كناه مكحول. وقال الأوزاعي: لم يَقْدَم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحرّ، وكانا شريكين. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من ثقات أهل الكوفة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن خِراش: ثقة. وقال علي ابن المديني، عن ابن عيينة: جالست عبدة بن أبي لبابة سنة ثلاث وعشرين ومائة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: جالسه ابن عيينة ثلاثًا وعشرين سنة كذا قال، والصواب ما تقدّم أنه جالسه سنة ثلاث وعشرين ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المسائل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا (٣٩٩)، و(٥٩٣) وأعاده بعده، و(٧٦٢) وكرره أربع مرّات، و(٧٩٠) و(٢٧١٦).
٥ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عبد العزّى القرشيّ العدويّ، أمير
[ ٩ / ٣١٩ ]
المؤمنين -﵁- جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) وولي عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان، والمقصود هنا سند أنس -﵁-، وأما سند عمر بن الخطّاب، فليس مقصودًا؛ لأنه إنما ساقه كما سمعه من شيخه، لا لإدخاله في أصول كتابه؛ لأن فيه انقطاعًا بين عبدة وعمر -﵁-، كما سيأتي البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه محمد بن مهران، فقد تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه أنس بن مالك -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدَةَ) وفي نسخة: "عن عبدة بن أبي لُبابة" (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁-.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ: هكذا أتى عند مسلم: "عن عبدة أن عمر" مرسلًا -يعني أن عبدة، وهو ابن أبي لبابة لم يسمع من عمر- قال: وفي نسخة ابن الْحَذّاء: "عن عبدةَ أن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب"، وهو وَهَمٌ، والصواب: "أن عمر"، وكذلك في نسخة أبي زكريّا الأشعريّ، عن ابن ماهان، قال: وكذلك رُوي عن أبي أحمد الْجُلُوديّ.
قال: ثم ذكر مسلم بعد هذا عن الأوزاعيّ، عن قتادة، عن أنس، قال: صلّيتُ خلف رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ، وهذا هو المقصود في الباب، وهو حديث متصلٌ. انتهى كلام الغسانيّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيس، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "تقييد المهمل" ٣/ ٨٠٩.
[ ٩ / ٣٢٠ ]
قال النوويّ -﵀- بعد كلام الغسّانيّ هذا، ما نضه: والمقصود أنه عَطَف قوله: "وعن قتادة" على قوله: "عن عبدة"، وإنما فعل مسلم هذا؛ لأنه سمعه هكذا، فأدّاه كما سمعه، ومقصوده الثاني المتصل، دون الأول المرسل، ولهذا نظائر كثيرة في "صحيح مسلم" وغيره، ولا إنكار في هذا كلّه. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
وقال القاضي عياض -﵀-: أتقن الحافظ أبو عليّ فيما ذكره هنا، ولفظه: في كتاب مسلم بعد قوله في الحديث من قول عمر: "ولا إله غيرك": "وعن قتادة أنه كتب إليه يُخبره عن أنس أنه حدّثه. . ." الحديث، فعطف قوله: "وعن قتادة" على قوله في المسند الأول: "حدّثنا الأوزاعيّ، عن عبدة"، فلما أكمل ذلك الحديث المرسل، قال: "وعن قتادة" يعني أن الأوزاعيّ الذي قال أوّلًا: "عن عبدة" قال أيضًا: "وعن قتادة"، فجاء به كالحديث الواحد كما سمعه ابن مهران من الوليد، ولم يَفصِله مما قبله، والمراد هذا الآخر، مع ما في الأول من التنبيه على مذهب من رأى ذلك، وإن كان مرسلًا موقوفًا، فليس على مسلم فيه دَرْكٌ؛ إذ هو بعض حديثٍ شرطُهُ في باقيه، فأكمل بعض الفائدة بذكره على نصّه دون تعقّب عليه، ثم جاء بعد ذلك أيضًا بحديث الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس مثله. انتهى كلام القاضي -﵀- (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(كَانَ يَجْهَرُ) أي للتعليم، ففيه أن للإمام أن يجهر بمثل هذا إذا أراد التعليم (بِهَؤُلَاءِ) اسم إشارة للجمع، مطلقًا مذكّرًا أو مؤنّثًا، للعقلاء وغيرهم، ومن غيرهم ما هنا؛ لأنه إشارة إلى "الكلمات"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله [من الكامل]:
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللَّوَا … وَالْعَيْشَ بعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ
وفيه لغاتٌ: المدّ، وهي لغة أهل الحجاز، وبه جاء القرآن الكريم، وهو مبنيّ على الكسر، والقصر، وهي لغة بني تميم (^٣)، وقوله: (الْكَلِمَاتِ) نعتٌ، أو بدل، أو عطف بيان لـ "هؤلاء"، كما قال بعضهم:
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٨٩.
(٣) راجع: "شرح ابن عقيل على الخلاصة" مع "حاشية الخضريّ" ١/ ٩١ - ٩٢.
[ ٩ / ٣٢١ ]
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ "أَلْ" … يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ
ثم بيّن المشار إليه بقوله: (يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ) قال الأزهريّ -﵀-: معناه: أُسبّحك؛ أي أنزّهك عما يقول الظالمون فيك، و"سُبحان" مصدر أريد به الفعل. انتهى.
وقال في "اللسان": "التسبيح": التنزيه، و"سبحان اللَّه": معناه تنزيهًا للَّه من الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه اللَّه تعالى عن كلّ ما لا ينبغي له أن يوسف به، ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحًا له، تقول: سبَّحتُ اللَّه تسبيحًا له؛ أي نَزّهته تنزيهًا.
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] قال: منصوب على المصدر، والمعنى: أُسَبِّح اللَّه تسبيحًا، قال: و"سبحان" في اللغة تنزيه اللَّه ﷿ عن السوء، قال ابن شُمَيل: رأيت في المنام كأنّ إنسانًا فَسّر لي "سبحان اللَّه"، فقال: أما ترى الفرس يَسْبَحُ في سرعته؟ وقال: "سبحان اللَّه": السرعة إليه، والخفة في طاعته، وجماع معناه: بُعْدُهُ ﵎ عن أن يكون له مِثْلٌ، أو شريكٌ، أو نِدٌّ، أو ضِدٌّ، قال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن "سبحان اللَّه" كقولك: براءةَ اللَّه؛ أي أُبَرِّئ اللَّه من السوء براءةً.
وقيل: قوله: "سبحانك" أي أُنَزِّهُك يا رب من كلّ سوء، وأُبَرِّئك.
ورَوى الأزهريّ بإسناده أن ابن الكَوَّاء سأل عليًّا -رضوان اللَّه تعالى عليه- عن "سبحان اللَّه"، فقال: كلمة رضيها اللَّه لنفسه، فأوصى بها، والعرب تقول: سبحان من كذا: إذا تعجبت منه، وزعم أن قول الأعشى في معنى البراءة أيضًا:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
أي براءةً منه، وكذلك تسبيحه تبعيده.
وبهذا استُدِلّ على أن "سبحان" معرفة؛ إذ لو كان نكرةً لانصرف، ومعنى هذا البيت أيضًا: العَجَبُ منه؛ إذ يفخر، قال: وإنما لم يُنَوَّن؛ لأنه معرفة، وفيه شِبْهُ التأنيث، وقال ابن بَرِّيّ: إنما امتنع صرفه؛ للتعريف وزيادة الألف والنون، وتعريفه كونه اسمًا علمًا للبراءة، كما أن "نَزَالِ" اسمٌ عَلَمٌ للنزول،
[ ٩ / ٣٢٢ ]
و"شَتَّانَ" اسم عَلَمٌ للتفرُّق، قال: وقد جاء في الشعر "سبحانٌ" منونةً نكرةً، قال أمية [من البسيط]:
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ … وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ
وقال ابن جني: "سبحان" اسمٌ علَمٌ لمعنى البراءة والتنزيه، بمنزلة "عثمان"، و"عِمران"، اجتمع في "سبحان" التعريف والألف والنون، وكلاهما علة تمنع من الصرف. انتهى المقصود من "اللسان" باختصار (^١).
(اللَّهُمَّ) أصله "يا أللَّه"، حذفت منه حرف النداء، وعُوّض عنها "أل"، ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر، كما قال في "الخلاصة":
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ "يَا" وَ"أَلْ" … إِلَّا مَعَ "اللَّه" وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ "اللَّهُمَّ" بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ "يَا اللَّهُمَّ" فِي قَرِيضِ
(وَبِحَمْدِكَ) قيل: الواو للحال، والتقدير: ونحن متلبسون بحمدك، وقيل: زائدة، والجارّ والمجرور حال؛ أي متلبّسين بحمدك، أفاده السنديّ.
وقال القاري -﵀-: الباء للملابسة، والواو زائدة، وقيل: الواو بمعنى "مع"؛ أي أُسبّحك مع التلبّس بحمدك، وحاصله نفي الصفات السلبيّة، وإثبات النعوت الثبوتيّة، أو بحمدك سبّحتك؛ أي اعتقدت نزاهتك، حال كوني متلبّسًا بالثناء عليك، أو بسبب ثناء الجميل عليك اعتقدت نزاهتك، ويصحّ أن يكون صفةً لمصدر محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]؛ أي أسبّحك تسبيحًا مقيّدًا بشكرك؛ إذ كلُّ حمد من المكلّف يستجلب نعمةً متجدّدة، ويستصحب توفيقًا إلهيًّا.
كما قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ … وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّسَعَ الْعُمْرُ
فَإِنْ مَسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورُهَا … وَإِنْ مَسَّ بالضَّرَّاءِ عَقَّبَهَا الأَجْرُ
وقال الخطّابيّ: أخبرني ابن خلّاد، قال: سأَلت الزجّاج عن الواو في قوله: "وبحمدك"، فقال: معناه: سبحانك اللَّهمّ، وبحمدك سبّحتك.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٢/ ٤٧١.
[ ٩ / ٣٢٣ ]
قال الطيبيّ -﵀-: قول الزجّاج يَحْتَمِلُ وجهين:
[أحدهما]: أن تكون الواو للحال.
[وثانيهما]: أن تكون لعطف جملة فعليّة على مثلها؛ إذ التقدير: أنزّهك تنزيهًا، وأسبّحك تسبيحًا مقيّدًا بَشكرك، وعلى التقديرين "اللهم" معترضةٌ، والباء في "بحمدك" إما سببيّةٌ، والجارّ والمجرور -أعني "بحمدك"- إما متعلّق بفعل مقدّر، أو إلصاقيّة، والجارّ والمجرور حال من فاعله. انتهى (^١) بتصرّف.
(تَبَارَكَ اسْمُكَ) وفي نسخة: "وتبارك اسمك" بالعاطف، قال التوربشتيّ: "تبارك" تفاعل من البركة، وهي الكثرة والاتّساع، ومعناه: تعالى، وتعظّم، وكثرت بركاته في السماوات والأرض؛ إذ به تقوم، وبه تُستنزل الخيرات، وفي كتاب اللَّه ﷿: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وكلّ ذلك تنبيه على اختصاصه ﷿ بالخيرات الإبداعيّة، والبركات المتوالية. انتهى (^٢).
وقال القاري: أي كثُرت بركة اسمك؛ إذ وُجد كلّ خير من ذكر اسمك، وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى، فأولى لذاته، نظير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]. انتهى.
(وَتَعَالَى جَدُّكَ) "تعالى": تفاعل من العلوّ، والجدّ هنا: العظمة؛ أي عَلَت عظمتك على عظمة كلّ أحد، وقال ابن الأثير -﵀-: معنى "تعالى جدُّك": علا جلالك وعظمتك. انتهى (^٣).
(وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ") أي لا معبود بحقّ سواك، واللَّه تعالى أعلم.
(وَعَنْ قَتَادَةَ) عطف على قوله: "عن عبدة"، فهو من رواية الأوزاعيّ أيضًا (أنَّه) أي قتادة (كَتَبَ إِلَيْهِ) أي إلى الأوزاعيّ (يُخْبِرُهُ) جملة حاليّة من فاعل "كتب" (عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أنَّهُ) أي أنسًا -﵁- (حَدَّثَهُ) أي حدّث قتادَةَ، وقوله: (قَالَ) تفسيرٌ لـ "حدّثه" (صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ،
_________________
(١) راجع: "المرقاة" ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨، و"الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٩١ - ٩٩٢.
(٢) "الكاشف" ٣/ ٩٩٢.
(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ١/ ٢٤٤.
[ ٩ / ٣٢٤ ]
وَعُثْمَانَ) وقع ذكر عثمان في هذه الرواية، من طريق الأوزاعيّ، وكذلك في رواية عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عند البخاريّ في "جزء القراءة"، وكذا في رواية حجاج بن محمد، عن شعبة، عند أبي عوانة وهو في رواية شيبان النحويّ، وهشام الدستوائيّ، كما أشار إليه في "الفتح" (^١).
(فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ برفع ﴿الْحَمْدُ﴾ على الحكاية، والمعنى: يبدءون بقراءة هذه الجملة، أي لا يقدّمون البسملة عليها، كما أوضحه بقوله: (لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ) وفي نسخة: "في أول القراءة (وَلَا فِي آخِرِهَا) هذا صريح، في أنهم كانوا لا يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لا في أول سورة الفاتحة، ولا في أول سورة غيرها، وهذا المعنى هو الأوضح.
وقيل: معنى قوله: "فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " أنهم يقدّمون هذه السورة على غيرها في القراءة، قال الترمذيّ -﵀- في "جامعه" بعد إخراج الحديث: قال الشافعيّ -﵀-: إنما معنى الحديث أن النبيّ -ﷺ-، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي أنهم كانوا يبتدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان الشافعيّ يرى أن يُبدأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأن يُجهر بها إذا جهر بالقراءة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح التفسير للحديث هو الأول كما أسلفته آنفًا، وهو أن معناه أنهم يبتدءون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأما تفسير الثاني فينافيه قوله: "لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وفي أول القراءة، ولا في آخرها"؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قَدَحَ بعضهم في صحة هذه الرواية بكون الأوزاعيّ رواها عن قتادة مكاتبةً.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٦٧.
(٢) "جامع الترمذيّ" ٢/ ٥٩ بنسخة "التحفة الأحوذيّ".
[ ٩ / ٣٢٥ ]
وتُعُقِّب بأنّ الأوزاعيّ لم ينفرد بها، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدَّوْرقيّ، والسرّاج عن يعقوب الدَّوْرقيّ، وعبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه السلميّ، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة بلفظ: "فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، قال شعبة: "قلت لقتادة: سمعته من أنس؟، قال: نحن سألناه"، قاله في "الفتح" (^١).
وأيضًا بكون المكاتبة من طرق التحمّل الصحيحة، كما هو موضّح في كتب أهل الاصطلاح، قال السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث":
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ … يَغِيبُ أَوْ يَحْضرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا … فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
والكلام على المسائل المتعلّقة بالحديث تقدّم في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم تقدّموا في المسند الماضي، غير واحد، وهو:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ابن أخي أنس بن مالك لأمه، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن أبي طلحة هذه أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٣) فقال:
(٨٨٧) حدثنا محمد بن الحسن اليقطينيّ، ثنا محمد بن خُزيم، ثنا هشام بن عمّار، ثنا الوليد بن مسلم (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا
_________________
(١) ٢/ ٢٦٦.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
عبدان، ثنا هشام، ودُحَيم، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، قالا: ثنا الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: "كنا نصلي خلف رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فيستفتحون بأم القرآن فيما يُجْهَر به". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.