وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٢] (٥٥٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: (ح) وحَدَّثَني (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
_________________
(١) وفي نسخة: "أنس بن مالك".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّي فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ، وَقَالَ (^١): "شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، فَاذْهَبُوا بِهَا، إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ (^٢) ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قبل باب، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵄- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة-: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خَزّ، أو صوف، فإن لَمْ يكن معلمًا فليس بخميصة، قاله الفيوميّ -﵀-.
وقال العينيّ -﵀-: كساءٌ أسود مُرَبَّعٌ، له علمان، أو أعلام، ويكون من خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلَّا أن تكون سوداء مُعْلَمَة، سميت بذلك للينها ورقّتها وصِغَر حجمها إذا طُوِيت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور البطن.
وقال ابن حبيب في "شرح الموطأ": الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى معلم الصنعة.
و"الأعلام" -بالفتح-: جمع عَلَم -بفتحتين- مثل سبب وأسباب، يقال: أعلمت الثوب: جعلتُ له علَمًا من طِراز وغيره (لَهَا أَعْلَامٌ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "خَمِيصة"، وهي صفة مؤكّدة؛ لأن الخميصة كما سبق لا تسمّى بها إلَّا إذا كان لها أعلام (وَقَالَ) وفي نسخة: "ثمّ قال" ("شَغَلَتْنِي) يقال: شغله الأمر شَغْلًا، من باب نَفَعَ، فالأمر شاغلٌ، وهو مشغولٌ، والاسم الشُّغْل بضمّ الشين، وتُضمّ الغين، وتسكن للتخفيف، وقد سبق أنه لا يقال: أشغله بالألف، فإنه من لحن العوامّ، وإن ذكر صاحب "القاموس" أنَّها لغة، فقد ردّ عليه الشارح، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(أَعْلَامُ هَذِهِ) أي كادت تَشْغَلني، وتُلْهِيني عن كمال الحضور في الصلاة،
_________________
(١) وفي نسخة: "ثم قال".
(٢) وفي نسخة: "بأنبجانيّته".
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
وليس المراد أنَّها شَغَلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت انظر إلى عَلَمِها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"، وفي رواية مالك في "الموطأ": "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشَّغْل، وعلى تقدير وقوعه له -ﷺ-، فليس فيه نقص في حقّه؛ لأنه بشر يؤثِّر فيه ما يؤثِّر في البشر من الأمور التي لا تُؤَدِّي إلى نقص في مرتبته الشريفة -ﷺ-، أفاده في "المنهل".
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: أثبت في هذه الرواية -يعني رواية الشيخين- إِلْهَاءَ الخميصة له بقوله: "فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي"، وقال في رواية مالك: "نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني"، قال ابن عبد البرّ -﵀-: فيه دليل على أن الفتنة لَمْ تقع، قال: والفتنة هنا الشُّغْل عن خشوع الصلاة. انتهى.
فيَحْتَمِل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يُثْبِت الفتنة، ويَحْتَمِل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: "ألهتني" أي كادت، وقاربت، كما يقول المؤذن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" أي قد قرب إقامتها، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السندي في "شرح النسائيّ": قوله: "شغلتني أعلام هذه" هذا مَبْنِيّ على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء، يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك، فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
(فَاذْهَبُوا بِهَا) أي بهذه الخميصة (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) -بفتح الجيم، وسكون الهاء- ابن حُذيفة بن غانم بن عامر بن عبد اللَّه بن عَبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشي العدويّ، قال البخاريّ وجماعة: اسمه عامر، وقيل: اسمه عبيد -بالضم- قاله الزبير بن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال البغويّ، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحَكَى ابن منده أن أبا عاصم فرَّق بين أبي جهم بن حذيفة، وعُبيد بن
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
حُذيفة، قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمَّرين، حضر بناء الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تَوَلَّوا دفن عثمان.
وأخرج البغويّ من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم: دعوه؛ فقد صلى اللَّه عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في "كتاب الحكماء" من طريق عبد اللَّه بن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد اللَّه بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتُها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد.
مات في آخر خلافة معاوية، قاله ابن سعد، ويقال: إنه وَفَد على معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدلّ على أنه تأخرت وفاته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ملخصًا من "الإصابة".
قال في "الفتح": وإنما خصه -ﷺ- بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها له -ﷺ-، كما رواه مالك في "الموطأ" من طريق أخرى عن عائشة -﵂- قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول اللَّه -ﷺ- خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: "رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهم".
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبيّ -ﷺ- أُتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم"، ولأبي داود من طريق أخرى: "وأخذ كُرديًّا لأبي جهم، فقيل: يا رسول اللَّه، الخميصة كانت خيرًا من الكردي".
وقال ابن بطال -﵀-: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليُعلِمه أنه لَمْ يَرُدّ عليه هديته استخفافًا به، قال: وفيه أن الواهب إذا رُدَّت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ -﵀-: وهذا مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى.
(وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ) قال في "النهاية": المحفوظ بكسر الباء، ويروى
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة، وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه تعسف.
وهو كساء يُتَّخَذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم؛ لأنه هو الذي أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجانيّ لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة زائدة في قول.
وقال القاضي عياض: يُرْوَى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها.
وقال في "العمدة": قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجانيّ -بكسر الباء، وفتحها-: إذا كان مُلْتفًّا كثير الصوف، وكساء أنبجانيّ كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني، أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطئ فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني -بفتح الميم والباء-، قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبج -بالكسر-؟، قال: خرج مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.
وقال القزاز في "الجامع": والنِّبَاج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية. وفي "الجمهرة": ومَنْبج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية. وفي "المحكم": إن منبج موضع.
قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أَوّلًا فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أَوّلًا في الاسم والصفة، وكذلك النِّبَاج، وهما نِبَاجان؛ نباج ثَيْتَل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير قياس.
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
وفي "المغيث": المحفوظ كسر باء الأنبجاني. وقال ابن الحصار في "تقريب المدارك": مَن زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وَهِمَ.
ومَنْبِج -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وفي آخره جيم-: بلدة من كور قِنِّسْرِين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسمّاها منبه، وبنى بها بيت نار، ووَكَّل بها رجلًا، فعُرِّبت، فقيل: منبج، والنسبة إليها مَنْبَجيّ على الأصل، ومَنْبَجانيّ على غير قياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صَدِف -بكسر الدال- صَدَفي -بفتحها- ومَن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنْبج -بفتح الميم، وكسر الباء- ويقال: نسبة إلى موضع، يقال له: أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجانيّ، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.
وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": هي كساء غليظ، يُشْبِه الشَّمْلة، يكون سَدَاه قُطنًا غليظًا، أو كَتّانًا غليظًا، ولُحْمته صُوف، ليس بالْمُبْرَم في فَتْله لَيِّن غليظ، يُلْتَحَف به في الفِرَاش، وقد يُشْتَمَل به في شدة البرد.
وقيل: هي من أدون الثياب الغليظة تُتَخَّذ من الصوف، ويقال: هو كساء غليظ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو أنبجانية. انتهى ما في "العمدة" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ١٢٤٢ و١٢٤٣ و١٢٤٤] (٥٥٦)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٣ و٧٥٢ و٥٨١٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩١٤) و"اللباس" (٤٠٥٢ و٤٠٥٣)، و(النسائيّ) (٧٧١)، وفي "الكبرى" (٨٤٧)، و(ابن ماجه) (٣٥٥٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٩٧ -
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
٩٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٣٨٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٧٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و٤٦ و١٩٩ و٢٠٨ و٣٠٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٢٨ و٩٢٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٣٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧٠ و١٤٧١ و١٤٧٢ و١٤٧٣ و١٤٧٤ و١٤٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢١٧ و١٢١٨ و١٢١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٢٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٢٣ و٧٣٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة لبس ما يشتغل القلب به عن كمال الحضور في الصلاة، وتدبّر أذكارها، وتلاوتها، ومقاصدها، من الانقياد والخضوع.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على حضور القلب في الصلاة، وتدبر ما ذكرناه، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يَشْغَل، وإزالة ما يُخاف اشتغال القلب به.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه كراهية تزويق محراب المسجد، وحائطه، ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأن النبيّ -ﷺ- جَعَل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى.
٤ - (ومنها): أن الصلاة تصحّ، وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه، مما ليس متعلقًا بالصلاة، قال النوويّ -﵀-: وهذا بإجماع الفقهاء، وحُكِي عن بعض السلف والزُّهّاد ما لا يصحّ عمن يُعْتَدّ به في الإجماع.
قال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: يُستَحَبّ له النظر إلى موضع سجوده، ولا يَتَجاوزه، قال بعضهم: يكره تغميض عينيه، وعندي لا يُكره إلَّا أن يخاف ضررًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف يقول النووي: وعندي لا يُكره؟ فمن أين له هذا؟ فهل ثبت في السنّة أنه -ﷺ- كان يصلي مغمّض المعينين؟، بل الأمر بالعكس، فإنه -ﷺ- كان ينظر في الصلاة، وقد قال -ﷺ-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): صحة الصلاة في ثوب له أعلام، وأن غيره أولى؛ وذلك لأن النبيّ -ﷺ- صلى فيها، ولم يُعِد تلك الصلاة، بل أمر بإبعادها عنه خوفَ الافتتان بها؛ فدلّ على صحتها، وأن تركه ذلك هو الأولى، فتنبّه.
وأما بعثه -ﷺ- بالخميصة إلى أبي جَهْم، وطلب أنبجانيِّه، فهو من باب الإدلال
[ ١٢ / ٣٩٩ ]
عليه؛ لعلمه بأنه يُؤثر هذا، وَيفْرَح به، واللَّه تعالى أعلم، قاله النوويّ -﵀- (^١).
٦ - (ومنها): أنه استدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في المساجد؛ لما فيه من شغل المصلي بذلك.
٧ - (ومنها): جواز لبس الثوب الذي له عَلَمٌ، وكذلك الكساء ونحوه.
٨ - (ومنها): أن اشتغال الفكر في الصلاة يسيرًا غير قادح في صحتها.
٩ - (ومنها): ما قال صاحب "المفهم": فيه سدُّ الذرائع، والانتزاع عما يَشْغَل الإنسان عن أمور دينه.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: فيه أن النبيّ -ﷺ- آنس أبا جهم حين ردّها إليه بأن سأله ثوبًا مكانها؛ لِيُعْلِمه أنه لَمْ يَرُدّ عليه هديته استخفافًا به، ولا كراهة للبسه، وقال صاحب "المفهم": وفيه قبول الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه -ﷺ- أنبجانية أبي جهم تطييب لقلبه، ومباسطة معه، وهذا مع من يُعْلَم طيب نفسه، وصفاء ودّه جائز.
١١ - (ومنها): أن الواهب والمهدي إذا رُدّت إليه عطيته، من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها، إذ لا عار عليه في قبولها، قاله ابن بطال، وابن عبد البرّ.
١٢ - (ومنها): أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة، قاله أبو الوليد الباجيّ -﵀-.
١٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: جرت عادة الأنبياء -﵈- والصالحين بإخراج ما شَغَلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأسًا، وكذلك ما أعجبهم من ملكهم، كما قال اللَّه تعالى في حق سليمان -﵇-: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣].
وأخرج النبيُّ -ﷺ- الخميصة عن ملكه، ورَمَى بالخاتم أيضًا لما شغله، كما رواه النسائي من حديث ابن عباس -﵄-: أن رسول اللَّه -ﷺ- اتخذ خاتمًا، ولبسه، قال: "شَغَلني هذا عنكم منذ اليوم، إليه نظرة، وإليكم نظرة، ثم ألقاه".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٣ - ٤٤.
[ ١٢ / ٤٠٠ ]
وأما نزعه خاتم الذهب عند التحريم فهو مُتَّفَقٌ عليه من حديث ابن عمر -﵄-.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس -﵁- أنه كان من فضة، وقال القرطبيّ -﵀-: إنه وَهَمٌ، قال وليّ الدين -﵀-: ولعله كان لما شَغَله عنهم، وإن كان فضة، فيكون لا لحرمته، ولكن لاشتغاله به عنهم، ولا حاجة حينئذ إلى الحكم عليه بالوهم، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ورَوَينا في "الزهد" لابن المبارك عن مالك، عن أبي النضر، قال: انقطع شراك نعل رسول اللَّه -ﷺ-، فوصله بشيء جديد، فجعل ينظر إليه، وهو يصلي، فلما قضى صلاته قال: انزِعُوا هذا، واجعلوا الأول مكانه، فقيل: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: إني كنت انظر إليه وأنا أصلي.
ورَوَى محمد بن خفيف الشيرازي بإسناده إلى عائشة -﵂- أنه -ﷺ- احتَذَى نعلًا، فأعجبه حسنها، ثم خرج بها، فدفعها إلى أول مسكين لقيه، ثم قال: "اشتر لي نعلين مخصوفتين".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، والذي قبله يحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى مالك في "الموطأ" عن عبد اللَّه بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائطه، فطار دُبْسِيّ (^١)، فطَفَق يتردد يلتمس مخرجًا، فأعجبه ذلك، فجعل يُتبعه ببصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلي، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول اللَّه، هو صدقة لك، فضعه حيث شئت. انتهى كلام ولي الدين -﵀- (^٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأسئلة والأجوبة:
_________________
(١) "الدُّبْسيّ" بالضمّ: ضربٌ من الفواخيت، قيل: نسبة إلى طير دُبْس، وهو الذي لونه بين السواد والحمرة، قاله في "المصباح" ١/ ١٨٩، و"الفواخيت": جمع فاختة: طائر معروف، قاله في "القاموس" ١/ ١٥٤.
(٢) راجع: "طرح التثريب في شرح التقريب" ٢/ ٣٧٩.
[ ١٢ / ٤٠١ ]
[فإن قيل]: كيف بعث النبيّ -ﷺ- بالخميصة إلى أبي جهم، وقد أخبر عن نفسه بأنها ألهته في صلاته مع قُوّته -ﷺ-، فكيف لا تَشْغَل أبا جهم عن صلاته؟.
[أجيب]: بأنه لَمْ يَبْعَث بها إليه ليلبسها في الصلاة، بل لينتفع بها في غير، الصلاة، كما قال في حلة عُطارد: "إني لَمْ أبعث بها إليك لتلبسها. . . " الحديث، قاله ولي الدين العراقيّ -﵀-.
وقال في "الفتح": ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كُلْ فإني أُناجي من لا تناجي". انتهى.
[فإن قيل]: كيف يَخاف الافتتان مَن لا يلتفت إلى الأكوان ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]؟.
[أجيب]: بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رُدّ إلى طبعه البشري، فإنه يؤثّر فيه ما يؤثّر في البشر.
[فإن قيل]: إن المراقبة شَغَلت خلقًا من أتباعه حتى وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار، ولم يَعْلَم به.
[أجيب]: بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم، فيَغِيبون عن وجودهم، وكان النبيّ -ﷺ- يَسْلُك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص قال: "لست كأحدكم"، وإذا سلك طريق غيرهم قال: "إنما أنا بشر"؛ فنَزْعُ الخميصة يكون من الثاني (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّيَ فِي خَمِيصَةٍ، ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: "اذْهَبُوا بِهَذِهِ (^٢) الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَأْتُونِي
_________________
(١) راجع: "طرح التثريب في شرح التقريب" ٢/ ٣٧٨.
(٢) وفي نسخة: "اذهبوا بها إلى أبي جهم".
[ ١٢ / ٤٠٢ ]
بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا فِي صَلَاتِي (^١) ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله.
وقوله: (في خَمِيصَةٍ) تقدّم أنَّها كساء مربّع من صوف.
وقوله: (وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ) قال القاضي عياض -﵀-: رَوَيناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها أيضًا في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معًا في غير مسلم؛ اذ هو في رواية لمسلم بأنبجانيه مشدَّدٌ مكسورٌ على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير كما جاء في الرواية الأخرى: "كساءً له أنبجانيًّا".
قال ثعلب: هو كلُّ ما كَثُفَ، وقال غيره: هو كساءٌ غليظٌ، لا عَلَم له، فإذا كان للكساء عَلَمٌ، فهو خميصةٌ، فإن لم يكن فهو أنبجانية.
وقال الداوديّ: هو كساءٌ غليظٌ بين الكساء والعَبَاءة.
وقال القاضي أبو عبد اللَّه: هو كساءٌ سَدَاه قُطنٌ، أو كَتّانٌ، ولُحْمَته صُوفٌ.
وقال ابن قتيبة: إنما هو منبجانيّ، ولا يقال: أنبجانيّ، منسوب إلى مَنْبِج، وفُتِحَ الباء في النسب؛ لأنه خرج مخرج الشذوذ، وهو قول الأصمعيّ، قال الباجيّ: ما قاله ثعلب أظهر، والنسب إلى مَنِبج منبجيّ. انتهى (^٢).
وقوله: (فَإِنَّهَا أَلْهَتْنى) أي شَغَلتني، وهو من الإلهاء، وثلاثيّه: لَهِي الرجل عن الشيء بالكسر يَلْهَي، من باب تَعِب: إذا غَفَلَ، وأما لَهَا يلهو: إذا لَعِبَ، فهو من باب نصر ينصر.
وقوله: (آنِفًا) أي قريبًا، وهو مأخوذ من ائتناف الشيء: أي ابتدائه، وكذا الاستئناف، ومنه أنف كلّ شيءٍ، وهو أوّله، ويقال: قلت آنفًا وسالفًا، وانتصابه على الظرفيّة، قال الأزهريّ: استأنفت الشيءَ: إذا ابتدأته، وفعلت الشيء آنفًا، أي في أول وقت يقرب مني (^٣).
وقوله: (فِي صَلَاتِي) وفي نسخة: "عن صلاتي"، قال في "الفتح": قوله:
_________________
(١) وفي نسخة: "عن صلاتي".
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٣.
(٣) راجع: "النهاية" لابن الأثير ١/ ٧٦، و"عمدة القاري" ٤/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١٢ / ٤٠٣ ]
"عن صلاتي": أي عن كمال الحضور فيها، كذا قيل، والطريق الآتية المعلقة -يعني قوله: "كنت انظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"- تدلّ على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خَشِي أن يقع لقوله: "فأخاف"، وكذا في رواية مالك: "فكاد"، فلتؤوَّل الرواية الأولى.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: فيه مبادرة الرسول إلى مصالح الصلاة، ونفيُ ما لعله يخدُش فيها، وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، ومثله قوله في حُلّة عطارد، حيث بَعَث بها إلى عمر: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها".
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كُلْ، فاني أناجي من لا تناجي".
ويُستنبط منه كراهية كلِّ ما يَشْغَل عن الصلاة، من الأصباغ، والنقوش، ونحوها.
وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم، والطلب منهم.
واستدلّ به الباجي على صحة المعاطاة؛ لعدم ذكر الصيغة.
وقال الطيبيّ: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، يعني فضلًا عمن دونها. انتهى (^١)، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ، لَهَا عَلَمٌ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أُنْبِجَانِيًّا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قريبًا.
٢ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٧٦ - ٥٧٧.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٤٠٤ ]
والباقون ذكروا في الباب، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.