وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٢] (٤٠٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَال الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٢.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
[ ٩ / ٣٥٢ ]
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال إسحاق: أخبرنا. . . إلخ"، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وذلك أن إسحاق أخذه عن جرير سماعًا بقراءة غيره عليه، ولذا قال: "أخبرنا"، وأما زهير وعثمان، فسمعا من لفظه، ولذا قالا: حدثنا.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه: زهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وإسحاق فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من قال: إن منصورًا من صغار التابعين، والأصحّ أنه من تابعي التابعين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة، وقُرّائهم، وقد أثنى عليه النبيّ -ﷺ- في غير ما حديث، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود، أن أبا بكر وعمر بشّراه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية الأعمش الآتية: "كنّا إذا جلسنا مع النبيّ -ﷺ- في الصلاة"، وفي رواية للبخاريّ: "كنا إذا كنا مع النبيّ -ﷺ- في الصلاة" (خَلْفَ رَسُولي اللَّهِ -ﷺ-) "خلف" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "نقول" (السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ) مقول القول لـ "نقول" محكيّ، وفي رواية للبخاريّ: "قلنا: السلام على اللَّه من عباده"، وفي رواية أبي داود: "السلام على اللَّه قبل عباده" (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) وفي رواية البخاريّ: "السلام على فلان وفلان" مكرّرًا، قوله في رواية عند ابن ماجه: "يعنون
[ ٩ / ٣٥٣ ]
الملائكة"، وللسراج: "فنَعُدّ من الملائكة ما شاء اللَّه" (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ: "فالتفت إلينا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال"، وفي لفظ: "فسمعه النبيّ -ﷺ-، فقال: قولوا".
وظاهر هذا أنه -ﷺ- كلّمهم بذلك في أثناء الصلاة، لكن بَيَّنَ حفصُ بن غياث في روايته عن الأعمش عند البخاريّ المحلَّ الذي خاطبهم بذلك فيه، وأنه بعد الفراغ من الصلاة، ولفظه: "فلما انصرف النبيّ -ﷺ- أقبل علينا بوجهه"، وفي رواية أيضًا: "فلما انصرف من الصلاة قال"، فتبيّن بهذا أنه -ﷺ- خاطبهم بذلك بعد فراغه من الصلاة، لا في أثنائها، أفاده في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
(ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام، وتقدّم الكلام على "ذات" قريبًا ("إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ) وفي رواية للبخاريّ: "لا تقولوا: السلام على اللَّه، فإن اللَّه هو السلام".
قال البيضاويّ -﵀- ما حاصله: أنه -ﷺ- أنكر التسليم على اللَّه، وبَيَّن أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها.
وقال التُّورِبشتيّ -﵀-: وجه النهي عن السلام على اللَّه؛ لأنه المرجوع إليه بالمسائل، المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يُدْعَى له، وهو المدعُوّ على الحالات؟.
وقال الخطابيّ -﵀-: المراد أن اللَّه هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على اللَّه؛ فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويَحْتَمِل أن يكون مرجعها إلى حظّ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النوويّ -﵀-: معناه أن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: الْمُسَلِّم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم، قال ابن الأنباريّ -﵀-؛ أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السلامة، وغناه ﷾
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
عنها، ذكره في "الفتح" (^١).
وقال الطيبيّ -﵀-: كانوا يسلّمون على اللَّه تعالى أوّلًا، ثم على أشخاص معيّنين من الملائكة والناس، وأنكر النبيّ -ﷺ- أن يُسلّموا على اللَّه، وبَيَّنَ لهم أن ذلك عكسُ ما يَجِب أن يقال، فإن كلّ سلامة ورحمة له ومنه، فهو مالكها ومُعطيها، فكيف يجوز أن يقال: السلام على اللَّه؛ وأعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، وعلّمهم ما يعمّهم، وأمرهم بإفراد صلوات اللَّه عليه بالذكر؛ لشرفه، ومزيد حقّه عليهم، وتخصيص أنفسهم، فإن الاهتمام بها أهمّ. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^٢).
(فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) هذه الرواية تُبَيّن المراد في روايةٍ للبخاريّ: "فإذا صلى أحدكم فليقل" أي في حال قعوده، وللنسائي من طريق أبي الأحوص، عن عبد اللَّه: "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وأن محمدًا عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا. . ."، وله من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "فقولوا في كل جلسة"، ولابن خزيمة من وجه آخر، عن الأسود، عن عبد اللَّه: "علّمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهد في وسط الصلاة، وفي آخرها"، وزاد الطحاويّ من هذا الوجه في أوله: "وأخذت التشهد من في رسول اللَّه -ﷺ-، ولَقَّننيه كلمة كلمة"، وفي رواية أبي معمر، عن ابن مسعود الآتية بعد ثلاثة أحاديث: "عَلَّمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهد، وكفّي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن".
(فَلْيَقُل) فيه أن التشهّد واجب، وبه يقول أحمد، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(التَّحِيَّاتُ للَّهِ) جملة من مبتدأ وخبره، في محلّ نصب مقول القول.
و"التحيّات": جمع تَحِيّة، ومعناها: السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: المُلك.
وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية المُلك نفسه، لكنها الكلام الذي
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٣٢.
[ ٩ / ٣٥٥ ]
يُحَيّا به الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جُمِعت، فكأنّ المعنى: التحيات التي كانوا يُسَلِّمون بها على الملوك كلُّها مستحقَّة للَّه.
وقال الخطابيّ، ثم البغويّ: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على اللَّه، فلهذا أُبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: "قولوا: التحيات للَّه"، أي أنواع التعظيم له.
وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدَّم ذكرُها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا، ذكره في "الفتح" (^١).
وقال في "العمدة": وقال الخطابيّ: التحيات كلمات مخصوصة، كانت العرب تُحَيِّي بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وقولهم: أنْعَمَ اللَّه صباحًا، وقول العجم: وزى ده هزار سال: أَيْ عِشْ عشرة آلاف سنة، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقاة، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على اللَّه تعالى، فتُرِكت أعيان تلك الألفاظ، واستُعْمِل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات للَّه: أي أنواع التعظيم للَّه كما يستحقه، ورُوي عن أنس -﵁- في أسماء اللَّه تعالى: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات للَّه بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيَّا بها غيره.
واللام في "للَّه" لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. انتهى (^٢).
وقال ابن منظور -﵀-: التحية السلامُ، وقد حياه تحيةً، وحَكَى اللِّحيانيّ: حياك اللَّه تحيةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: الْمُلك، وقول زُهَير بن جَنَاب الكلبيّ [من مجزوّ الكامل]:
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى … قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
قيل: أراد الملك، وقال ابن الأعرابيّ: أراد البقاء؛ لأنه كان ملكًا في قومه.
وقال سيبويه: تَحِيَّةٌ تَفْعِلَةٌ، والهاء لازمة، والمضاعَف من الياء قليلٌ؛ لأن
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ١١١.
[ ٩ / ٣٥٦ ]
الياء قد تُثَقَّلُ وحدها لامًا، فماذا كان قبلها ياءٌ كان أثقل لها، وقال أبو عبيد: والتحية في غير هذا: السلامُ، وقال الأزهريّ: قال الليث في قولهم في الحديث: التحيات للَّه، قال: معناه: البقاء للَّه، ويقال: الملك للَّه، وقيل: أراد بها السلام، يقال: حيّاك اللَّه: أي سَلَّم عليك، والتحية تَفْعِلة من الحياة، وإنما أدغمت؛ لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة لها، والتاء زائدة، وقولهم: حيّاك اللَّه وبَيّاك، اعْتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك، وقال الفراء: حيّاك اللَّه: أبقاك اللَّه، وحيّاك اللَّه: أي مَلَّكك اللَّه، وحيّاك اللَّه: أي سلَّم عليك، قال: وقولنا في التشهد: التحيات للَّه، يُنْوَى بها البقاء للَّه، والسلام من الآفات، والملك للَّه، ونحو ذلك، وقال أبو عمرو: التحية المُلك، وأنشد قول عمرو بن معد يكرب [من الوافر]:
أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى … أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
يعني على ملكه، وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحية الملك لَمَا قيل: التحيات للَّه، والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمَعَها لأنه أراد السلامة من كل آفة، ورُوي عن أبي الهيثم أنه يقول: التحية في كلام العرب ما يُحَيِّي بعضهم بعضًا إذا تلاقَوْا، قال: وتحية اللَّه التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقَوا، ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقملوا: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، قال اللَّه ﷿: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٤]، وقال في تحية الدنيا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وقيل في قوله:
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
يريد إلا السلامة من الْمَنِيَّة والآفات، فإن أحدًا لا يَسْلَم من الموت على طول البقاء، فَجَعَل معنى "التحياتُ للَّه": أي السلام له من جميع الآفات التي تَلْحَق العباد من الْعَنَاء، وسائر أسباب الفناء.
قال الأزهريّ: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسنٌ، ودلائله واضحةٌ، غير أن التحية، وإن كانت في الأصل سلامًا، كما قال خالد، فجائزٌ أن يُسَمَّى الْمُلْك في الدنيا تحيةً، كما قال الفراء وأبو عمرو؛ لأن المَلِك يحيّا بتحية الْمُلْك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك المعجم
[ ٩ / ٣٥٧ ]
نحوًا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زَهْ هَزَارْ سالْ، المعنى: عِشْ سالِمًا ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء: تحيةٌ؛ لأن من سَلِم من الآفات، فهو باق، والباقي في صفة اللَّه ﷿ من هذا؛ لأنه لا يموت أبدًا. انتهى المقصود من كلام ابن منظور باختصار (^١).
(وَالصَّلَوَاتُ) هي الصلوات المعروفة، وهي الخمسة وغيرها، وقال الأزهريّ: الصلوات: العبادات، وقال الشيخ ابن دقيق العيد: يَحْتَمِل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: أنها واجبة للَّه تعالى، ولا يجوز أن يُقْصَد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارًا عن قصد إخلاصنا الصلوات له، أي صلواتنا مُخْلَصَةٌ له لا لغيره، ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى قوله: "للَّه" أي المتفضل بها، والمعطي هو اللَّه؛ لأن الرحمة التامة للَّه لا لغيره (^٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: "الصلوات" فيها أقوال:
[أحدها]: أنها الخمس، قاله ابن المنذر وآخرون، ويكون التقدير: أنها واجبة للَّه تعالى، لا يجوز أن يُقصَد بها غيره، أو تكون كالإخبار عن إخلاصنا الصلوات له، أي صلاتنا مُخْلَصَةٌ للَّه لا لغيره، ومنهم من قال: هي الصلوات كلُّها.
[ثانيها]: أنها الرحمة، أي هو المتفضّل بها، والمعطي لها؛ لأن الرحمة التامّة للَّه لا لغيره، وقرّر بعض المتكلّمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رَحِمَ أحدًا، فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقّة عليه، وهو برحمته دافع لألم الرقّة عن نفسه بخلاف رحمة اللَّه تعالى، فإنها لمجرّد إيصال النفع إلى العبد.
[ثالثها]: أنها الأدعية والتضرّع.
[رابعها]: أنها العبادات، قاله الأزهريّ. انتهى (^٣).
(وَالطَّيِّبَاتُ) أي الكلمات الطيبات، مما طاب من الكلام، وحَسُنَ أن يُثْنَى به على اللَّه تعالى دون ما لا يليق بصفاته.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ١٤/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٦/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) "الأعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
[ ٩ / ٣٥٨ ]
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: وأما الطيبات، فقد فُسِّرت بالأقوال الطيبات، ولعلّ تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيّب الأوصاف كونها صفة الكمال، وخلوصها عن شَوْب النقص.
وقال الشيخ حافظ الدين النسفيّ -﵀-: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية (^١).
وقال ابن الملقّن -﵀-: "الطيّبات" أي الكلمات الطّيّبات، وهي ذكر اللَّه تعالى، قاله الأكثرون، وقيل: الأعمال الصالحات، وهو أعمّ من الأول؛ لاشتماله على الأقوال، والأفعال، والأوصاف، وأطيب الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص.
وقال القرطبيّ -﵀-: هي الأقوال المصالحة، كالأذكار والدعوات، وما شاكل ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] (^٢).
[فائدة]: الطيّب إن وُصف به الكلام فالحسن، أو العمل فالخالص من شوائب النقص، أو المال فالحلال، أو الطعام فاللذيذ، أو الصعيد فالطاهر، أو العباد فالمؤمن، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦]. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قال البيضاويّ: قوله: "والصلوات، والطيبات" بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على "التحيات"، وأن تكون "الصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، يدلّ عليه "عليك"، "والطيبات" معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد، وفي حديث ابن عباس لم يُذكَر العاطف أصلًا. انتهى.
وقال العينيّ: كلُّ واحدة من "الصلوات"، و"الطيبات" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، تقديره: والصلوات للَّه، والطيبات للَّه، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى، وهي "التحيات للَّه". انتهى (^٤).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ١٥٩.
(٢) "المفهم" ٢/ ٧٨٤.
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٤) "عمدة القاري" ٦/ ١٥٩.
[ ٩ / ٣٥٩ ]
(السَّلَامُ عَلَيْكَ) قال النوويّ: يجوز في "السلام" في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- ظاهره أنه في حديث ابن مسعود -﵁-، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، فإن كان مراده من الجواز من جهة العربية فله وجه، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبيّ -ﷺ- فلا وجه له، نعم اختُلِف في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم.
وقال الطيبيّ -﵀-: أصل "سلامٌ عليك": سَلَّمتُ سلامًا عليك، ثم حُذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعُدِل عن النصب إلى الرفع للابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
وقال التوربشتيّ -﵀-: السلام بمعنى السلامة، كالْمَقَام والْمَقامة، والسلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وُضِع المصدر موضع الاسم مبالغةً، ومعناه أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفناء، ومعنى قولنا: "سلامٌ عليك" الدعاءُ، أي سَلِمتَ من المكاره، وقيل: معناه: اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه باسم اللَّه ﷿، والأمثل الدعاء، يدلّ عليه التنكير في قولنا: سلامٌ عليك؛ إذ ليس معناه إلا الدعاء، وعليه ورد التنزيل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥]، ومنه التسليم على الأموات.
قال: ووجه النهي عن السلام على اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه ﷿ هو المرجوع إليه بالمسائل المتوسَّلُ إليه بالدعاء المتعالي عن المعاني التي ذكرناها في التسليم، فأنَّى يُدْعَى له، وهو المدعوّ على الحالات؟ ولأيّ معنى يُطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين، وتقتضيه نقائص المربوبين؟.
قال الطيبيّ -﵀-: تمام تقريره: أن تسمية اللَّه تعالى بالسلام لِمَا أنه منزَّهٌ مقدَّسٌ عن النقائص والعيوب أن لا يَحُلّ بجنابه الأقدس شائبة خوف، وهذا المعنى مختصّ به؛ لِمَا ورد "أنت السلام"، أي أنت المختصّ به، لا غيرك؛ لتعريف الخبر، و"منك السلام" معناه أن غيرك في معرض النقصان بالخوف، مفتقرٌ إلى جنابك بأن تؤمّنه، ولا ملاذ له غيرك، فدلّ على التخصيص تقديمُ الخبر على المبتدأ، "وإليك يعود السلام" يعني إذا شُوهد في الظاهر أن أحدًا
[ ٩ / ٣٦٠ ]
آمنَ غيرَهُ، فهو في الحقيقة راجعٌ إليك، وإلى توفيقك إياه، وأنه غير مستقلّ به، ومن ثَمّ قُدّم المعمول على عامله، ثم إذا قلت: "السلام عليك" ناقضت، حيث توهّمت أنه مفتقرٌ إلى ما هو منزَّهٌ عنه من إزالة الخوف. انتهى (^١).
[فإن قلت]: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "السلام عليك أيها النبيّ" مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبيّ، فينتقل من تحية اللَّه إلى تحية النبيّ، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟.
[قلت]: أجاب الطيبيّ -﵀- بما مُحَصَّله: نحن نَتَّبع لفظ الرسول -ﷺ- بعينه الذي علَّمه للصحابة، قال: ومن ذهب إلى الغيبة توخَّى معنى ما يؤدَّى به اللفظ بحسب مقام الغيبة، وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢] بالياء والتاء، فالياء التحتانيّة هو اللفظ المتوعّد به بعينه، والفوقيّة معنى بحسب مقام الخطاب، وينصر هذا التأويل ما رواه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: "علّمني النبيّ -ﷺ-، وكفّي بين كفّيه التشهّد، كما يعلّمني السورة من القرآن. . ." إلى قوله: "السلام عليك، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام على النبيّ". انتهى (^٢).
[فإن قلت]: ما الألف واللام في "السلام عليك"؟.
[قلت]: قال الطيبي -﵀- أيضًا: إما للعهد التقديريّ، أي ذلك السلام الذي وُجِّه إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدِّمة مُوَجَّهٌ إليك أيها النبيّ، والسلام الذي وُجِّه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا.
وإما للجنس، أي حقيقة السلام الذي يَعْرِفه كلُّ أحد أنه ما هو؟ وعمن يَصْدُر؟ وعلى من يَنْزل؟ عليك وعلينا، ويجوز أن تكون للعهد الخارجيّ، إشارةً إلى قوله ﷾: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، ولا شكّ أن هذه التقادير أولى وأحرى من تقدير النكرة. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٣٣ - ١٠٣٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٣٤.
(٣) "الكاشف" ٣/ ١٠٣٥.
[ ٩ / ٣٦١ ]
وقال في "العمدة": وقال النسفيّ: يعني السلام الذي سلّم اللَّه عليك ليلة المعراج، فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد.
[تنبيه مهمّ]: قد ورد في بعض طُرُق حديث ابن مسعود -﵁- هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه -ﷺ-، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، ففي "كتاب الاستئذان" من "صحيح البخاريّ" من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود -﵁- بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام -يعني على النبي-، كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسَّرّاج، والْجَوْزقيّ، وأبو نعيم الأصبهانيّ، والبيهقيّ، من طرق متعددة إلى أبي نعيم، شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: "فلما قُبض قلنا: السلام على النبيّ" بحذف لفظ "يعني"، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم.
قال السبكيّ في "شرح المنهاج" بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبيّ -ﷺ- غير واجب، فيقال: "السلام على النبي".
قال الحافظ: قد صحّ بلا ريب، وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن الصحابة كانوا يقولون والنبيّ -ﷺ- حيٌّ: "السلام عليك أيها النبيّ"، فلما مات قالوا: "السلام على النبي"، وهذا إسناد صحيح.
وأما ما رَوَى سعيد بن منصور، من طريق أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، أن النبيّ -ﷺ- علمهم التشهد. . . فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: "السلام عليك أيها النبي" إذ كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا عُلِّمنا، وهكذا نُعَلِّم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحّ؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن مسعود -﵁- من أنهم كانوا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٦.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
يقولون بلفظ الخطاب والنبيّ -ﷺ- حيّ، فلما مات قالوه بلفظ الغيبة، إنما هو من اجتهاد ابن مسعود وبعض الصحابة، وليس من تعليم النبيّ -ﷺ- لهم بذلك، فلا يكون دليلًا يُعمل به، ويُترك من أجله ما صحّ نقله من تعليم النبيّ -ﷺ- أمته أن يقولوا في حياته وبعد مماته: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، بلفظ الخطاب، فهو تعليم باق إلى يوم القيامة، لا يتغيّر، ولا يتبدّل، ولا يدخله نسخ.
والدليل على ذلك ما صحّ من تعليم الصحاب -﵃- بعده -ﷺ- للأمة كلّها، فهذا عمر بن الخطّاب -﵁- قد خطب به على منبر النبيّ -ﷺ- في خلافته، وكثير من الصحابة قد سمعوه، وأقرّه عليه، وقد تقدّم أنه حديث صحيح، أخرجه مالك وغيره.
وهذا أبو موسى الأشعريّ -﵁- سيأتي في هذا الباب من "صحيح مسلم" أنه علّم التابعين الحاضرين لديه من أهل البصرة وغيرهم بلفظ الخطاب.
وهذا ابن مسعود -﵁- نفسه قد علّمه التابعين، كأبي وائل، والأسود، وغيرهما كما في هذا الحديث بلفظ الخطاب.
وهذا ابن عبّاس -﵄- كذلك طاوسًا وغيره، كما سيأتي في الباب بلفظ الخطاب.
وغير هؤلاء ممن تقدّم عنهم ذكر ألفاظ التشهّد المختلفة، فكلّهم قد علّموا التابعين بلفظ الخطاب.
ومن أقوى الأدلّة على ذلك أنه -ﷺ- حينما كان حيًّا كان الصحابة متفرّقين في البلدان النائية، كمكة، واليمن، والحبشة، وغيرها من البلدان، فلم يقل لأحد منهم إذا كنت غائبًا عني، فقل: "السلام على النبيّ"، ولو كان ذلك يتغير بتغير الحال، لما أغفله النبيّ -ﷺ-، ولما أقرّه الوحي على ذلك، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ولا يقتضي قول ابن مسعود -﵁-: "قلنا" كونه إجماعًا من الصحابة، بل هو رأي لبعضهم، بدليل ما ذكرناه من تعليم الصحابة، كعمر وغيره -﵃- بعد وفاة النبيّ -ﷺ- بلفظ الخطاب، وكذا الكلام فيما نُقل عن عطاء وغيره.
والحاصل أن التعليم النبويّ لا يُترك لقول بعض الصحابة اجتهادًا،
[ ٩ / ٣٦٣ ]
فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(أَيُّهَا النَّبِيُّ) قال ابن الملقّن -﵀-: بالهمز وتركه، والأصل يا أيها النبيّ، فحُذف حرف النداء، وهو لا يُحذف إلا في أربعة مواضع:
١ - العلم: نحو قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
٢ - المضاف: نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٣ - ومن نحو قولهم: من لا يزال محسنًا أَحْسِنْ.
٤ - و"أيُّ" نحو "أيها النبيّ"، و"أيها الناس"، وما أشبه ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبط ابن الملقّن مواضع حذف النداء بأربعة مواضع المذكورة، ولم أره لغيره، والمشهور في كتب النحاة هو الضابط الذي ذكره ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" بقوله:
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
فذكر مما يمتنع حرف النداء فيه المندوب، نحو: وا زيداه، والمضمر، نحو: يا إياك قد كفيتك، والمستغاث، نحو: يا لَزيد، وزاد غيره عليه لفظ الجلالة؛ لئلا تفوت الدلالة على النداء؛ لكونه بـ "أل"، والمنادى البعيد؛ لاحتياجه لمدّ الصوت المنافي للحذف، والمتعجّب منه؛ لأنه كالمستغاث لفظًا وحكمًا، كـ: يا للماء والْعُشْب؛ تعجّبًا من كثرتهما، فصارت الجملة سبعة، واختُلف في اسم الإشارة، واسم الجنس، كما أشار إليه في البيت الثاني، وتمام البحث في شروح "الخلاصة"، وحواشيها، فارجع إليه (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قلت]: لِمَ لم يقل: أيها الرسول؟.
[أجيب]: بأنه أثبت له الرسالة بعدُ في آخر التشهد، فقصد الجمع بين الصفتين، وإن كانت الرسالة تلازم النبوّة، لكن التصريح بها أبلغ في الكمال، وقدّم ذكر النبوّة على الرسالة؛ لوجودها كذلك في الخارج؛ لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] قبل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢].
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١١٣ - ١١٤.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
وقال الخطابيّ -﵀- في "إعلامه" في حديث: "آمنت بكتابك الذي أنزلت": لو قال: وبرسولك، الذي أرسلت لكان تكرارًا؛ إذ كان نبيًّا قبل أن يكون رسولًا، فجمع له النبأ بالاسمين جمعًا (^١).
(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) قال العينيّ: الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائيّ؛ لأن معناها اللغويّ الْحُنُوّ والعطف، فلا يجوز أن يوسف اللَّه به. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ من أن اللَّه تعالى لا يوسف بالرحمة بمعناها اللغوي غير صحيح؛ فإن تفسير الرحمة بما ذُكر إنما هو إذا وُصف بها المخلوق، وأما إذا وُصف بها الربّ ﷾ فلها المعنى اللائق بجلاله، فالصواب أنه تعالى يوسف بصفة الرحمة اللغويّة بالمعنى اللائق بجلاله ﷾، لا بالمعنى الذي يكون للمخلوق، فلا يلزم عليه تشبيه، ولا تمثيل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال ابن الملقّن: الأظهر أن المراد بالرحمة نفس الإحسان، ويَحْتَمِل أن يريد إرادة الإحسان، بمعنى الإخبار عن سبق علمه في إرادته، لكن المراد الدعاء له بالرحمة، والدعاء إنما يتعلّق بالممكن، وهو نفس الإحسان، لا الإرادة؛ لأنها قديمة. انتهى.
قال الجامع: كلام ابن الملقّن هذا من نوع كلام العينيّ، وجوابه جوابه، فتفطّن، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(وَبَرَكَاتُهُ) جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير، ويقال: البركة جِمَاع كلّ خير.
وقال في "العمدة": البركة: الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقها من الْبَرْك -بفتح، فسكون- وهو صَدْرُ البعير، وبَرَك البعير: ألقى بَرْكَه، واعتُبِر منه معنى اللزوم، وسُمِّي مَحْبس الماء بِرْكة -بكسر، فسكون- للزوم الماء فيها.
وقال الطيبيّ -﵀-: البركة ثبوت الخير الإلهيّ في الشيء، سُمِّي بذلك؛ لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في الْبِرْكَة، والمباركُ ما فيه ذلك الخير، وقال
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٣١ - ٤٣٢.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنبياء: ٥٠]؛ تنبيهًا على ما يَفِيض منه من الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهيّ يَصْدُر من حيث لا يُحَسُّ، وعلى وجه لا يُحْصَى، قيل لكل ما يُشاهَد فيه زيادةٌ غير محسوسة: هو مبارَك، أو فيه بركةٌ. انتهى (^١).
(السَّلَامُ عَلَيْنَا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفةٌ، أريد بها إنشاء الدعاء، وأراد بالضمير الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام.
(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) عطف على الجارّ والمجرور قبله، والصالح هو القائم بما عليه من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق العباد، والصلاحُ: هو استقامةُ الشيء على حالة كماله، كما أن الفساد ضدُّه، ولا يَحصُل الصلاح الحقيقيّ إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة، وإن وُصِفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة خُصُوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة التامّة لا تكون إلا لمن فاز بالْقَدَح الْمُعَلَّى، ونال المقام الأسنى، ومن ثَمّ كانت هذه المرتبة مطلوبةَ الأنبياءِ والمرسلين، قال اللَّه تعالى في حق الخليل ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وحَكَى عن يوسف ﵇ أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (^٢).
(فَإِذَا قَالَهَا) وفي لفظ للبخاريّ: "فإنكم إذا قلتموها"، أي إذا قلتم: "وعلى عباد اللَّه الصالحين".
قال في "العمدة": قوله: "فإنكم إذا قلتموها" إلى قوله: "والأرض" جملة معترضة بين قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وبين قوله: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه"، والضمير المنصوب في "قلتموها" يرجع إلى قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمامُ بها؛ لكونه أنكر عليهم عَدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكق استيعابهم لهم مع ذلك، فعَلَّمهم لفظًا يَشْمَل
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٣٥.
(٢) "الكاشف" ٣/ ١٠٣٥ - ٢٠٣٦.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم، بغير مشقَّة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبيّ -ﷺ-، وقد وردت هذه الجملة في بعض الطُّرُق في آخر الكلام بعد سياق التشهد متواليًا، والظاهر أنه من تصرف الرواة، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
(أَصَابَتْ) أي الدعوة (كُلَّ عَبْدٍ للَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وفي رواية للبخاريّ عن مُسَدَّد، عن يحيى: "أو بين السماء والأرض"، والشك فيه من مسدد، وفي رواية الإسماعيليّ بلفظ: "من أهل السماء والأرض".
قال الترمذيّ الحكيم: من نظر أن يَحْظى بهذا السلام الذي يُسلّمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حُرِم هذا الفضل العظيم. انتهى.
وقال الفاكهانيّ: ينبغي للمصلّي أن يستحضر في هذا المحلّ جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني ليتوافق لفظه مع قصده. انتهى (^٢).
وقال القفّال الشاشيّ: ترك الصلاة يضرّ بجميع المسلمين؛ لأن المصلّي يقول: اللَّهمّ اغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، ولا بدّ من قوله في التشهّد: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، فيكون مقصّرًا في خدمة الخالق، وفي حقّ رسوله -ﷺ- بترك الصلاة عليه، وفي حقّ نفسه بترك مسألة النعمة والمغفرة، وفي حقّ كافّة المسلمين، فيعمّ الفساد، ولذلك عظُمت المعصية بتركها، ذكره ابن الملقّن (^٣).
وزاد في "الفتح": واستنبط منه السبكيّ أن في الصلاة حقًّا للعباد مع حقّ اللَّه، وأن من تركها أخلّ بحقّ جميع المؤمنين، مَن مَضَى ومن يجيء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها: "السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين". انتهى (^٤).
[فائدة]: لَمّا خصّ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- ليلة الإسراء بكلمات أربع، هي: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، أعطى منها سهمًا لإخوانه الأنبياء،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٥٧٩.
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٤) "الفتح" ٢/ ٥٨٢.
[ ٩ / ٣٦٧ ]
وسهمًا لأمته، وسهمًا للملائكة، وسهمًا لصالحي الجنّ بقوله: "السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين"؛ لأنه يعمّهم.
وقال الشيخ عزّ الدين في "مقاصد الصلاة": بدأ أوّلًا بالثناء على اللَّه؛ لأنه الأهمّ المقدّم، ثم بالسلام على النبيّ؛ لأنه الأهمّ بعد الثناء على اللَّه، ثم ثلّث بنفسه؛ لقوله -ﷺ-: "ابدأ بنفسك"، ثم ختم بعباده الصالحين، وهذا قول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، فبدأ بالثناء على اللَّه بالربوبيّة، ثم بالمغفرة لنفسه، ثم لوالديه، ثم للمؤمنين من معارفه، ثم لسائر المؤمنين والمؤمنات، ثم اعترف بأنه لا معبود بحقّ إلا اللَّه؛ تحقيقًا للإيمان، ثم بالرسالة؛ تحقيقًا للإسلام. انتهى (^١).
(أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) زاد ابن أبي شيبة، من رواية أبي عُبيدة، عن أبيه: "وحده لا شريك له"، لكن سنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطأ"، وفي حديث ابن عمر -﵄- عند الدارقطنيّ إلا أن سنده ضعيف، وقد رَوَى أبو داود من وجه آخر صحيح، عن ابن عمر، في التشهد: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه"، قال ابن عمر: زدت فيها: "وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم" هكذا قال، وهو غير صحيح؛ لأن حديث أبي موسى عند مسلم ليست فيه هذه الزيادة، وإنما هي في رواية النسائيّ في "المجتبى" برقم (١١٧٣)، فتنبّه.
وقال ابن الملقّن -﵀-: إنما أتى بلفظ الشهادة دون لفظ العلم واليقين؛ لأنه أفضل وأبلغ في معنى العلم واليقين، وأظهر من حيث إنه شهود، وهو مستعملٌ في ظواهر الأشياء وبواطنها، بخلاف العلم واليقين، فإنهما يُستعملان في البواطن غالبًا دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء: لا يصحّ أداء الشهادة عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، فلو قال: أعلم، أو أُوقِنُ بكذا لم يصحّ. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٣٦.
[ ٩ / ٣٦٨ ]
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قال أهل اللغة: يقال: رجل مُحَمَّدٌ، ومحمودٌ إذا كثرت خصاله المحمودة، وقال ابن الفارس: وبذلك سُمِّي نبينا محمدًا -ﷺ-، يعني لعلم اللَّه تعالى بكثرة خصاله المحمودة.
وقال العينيّ: الفرق بين محمد وأحمد، أن محمدًا مُفَعَّلٌ للتكثير، وأحمد أفعل تفضيل، والمعنى: إذا حَمِدني أحدٌ فأنت أحمدُ منهم، وإذا حَمِدتُّ أحدًا فأنت محمدٌ.
والعبد: الإنسانُ حُرًّا كان أو رقيقًا، يُذْهَب فيه إلى أنه مربوب لباريه ﷿، وجمعه عَبْدُون، وعَبِيدٌ، وأَعْبُدٌ، وعِبَادٌ، وعُبْدَانٌ -بضم، فسكون-، وعِبْدَانٌ -بكسر، فسكون-، وعِبِدّان -بكسرتين، مشدّدة الدال- ومَعْبَدَةٌ، كمَشْيَخَةٍ، ومَعَابِدُ، وعِبِدّاءُ -بكسرتين ممدودًا- وعِبِدّا -بكسرتين مقصورًا- وعُبُدٌ -بضمتين- وعَبُدٌ -بفتح، فضمّ- كنَدُسٍ، ومعبوداء، وجمع جمعه أعابد، هذه هي المجموع التي ذكرها في "القاموس"، وهي خمسة عشر، وزاد عليه الشارح، حتى أوصلها إلى أكثر من خمسة وعشرين وجهًا، فراجعه تستفد (^١).
قال السيوطيّ -﵀- في "عُقُود الْجُمَان": عَبْدٌ في الأصل: وصفٌ غَلَبت عليه الاسميّة، وله عشرون جَمْعًا، نظم ابن مالك منها أحد عشر في بيتين، واستدركتُ عليه الباقي في آخرَيْنِ، قال ابن مالك [من الطويل]:
عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وَأَعْبُدٌ … أَعَابِدُ مَعْبُودَاءُ مَعْبَدَةٌ عُبُدْ
كَذَلِكَ عِبْدَانٌ وَعُبْدَانُ أُثْبِتَا … كَذَاكَ الْعِبِدَّى وَامْدُدِ انْ شِئْتَ أَنْ تَمُدْ
وزاد السيوطيّ:
وَقَدْ زِيدَ أَعْبَادٌ عُبُودٌ عِبِدَّةٌ … وَخَففْ بِفَتْحٍ وَالْعِبِدَّانُ إِنْ تَشُدْ
وَأَعْبِدَةٌ عَبْدُونَ ثُمَّةَ بَعْدَهَا … عَبِيدُونَ مَعْبُودَى بِقَصْرٍ فَخُذْ تَسُدْ
قال ابن الملقّن -﵀-: والعبوديّة أشرف أوصاف العبد، وبها نَعَتَ اللَّه تعالى نبيّه محمدًا -ﷺ- في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في بدايته ونهايته، حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى
_________________
(١) راجع: "تاج العروس من جواهر القاموس" ٢/ ٤١٠.
[ ٩ / ٣٦٩ ]
إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": لم تَختَلف الطرق عن ابن مسعود -﵁- في ذلك -أي قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله"- وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وجابر، وابن الزبير عند الطحاويّ وغيره، ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا النبيّ -ﷺ- يُعَلِّم التشهد، إذ قال رجل: "وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده"، فقال -ﷺ-: "لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا، قل: "عبده ورسوله"، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب "السنن": "وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، ومنهم من حذف "وأشهد"، ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه في "الفتح" إلى ابن ماجه، هو كذلك عند النسائيّ أيضًا، ولفظه (١١٧٤): "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" كلفظ ابن مسعود، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ") وفي رواية البخاريّ: "ثم يتخيّر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو"، وفي رواية له: "ثم ليتخيّر من الدعاء ما أحبّ"، وفي رواية: "ثم ليتخيّر من الثناء ما شاء"، وفي رواية النسائيّ: "وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه"، وفي رواية له: "ثم ليتخيّر بعد ذلك من الكلام ما شاء"، والمراد بالكلام الدعاء بدليل الروايات السابقة.
وفيه مشروعيّة الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا، قال النوويّ -﵀-: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة -﵀-: لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنّة. انتهى (^٣)، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، مع ترجيح مذهب الجمهور -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الإعلام" ٣/ ٤٣٣.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٨٠.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١١٧.
[ ٩ / ٣٧٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٢ و٩٠٣ و٩٠٤ و٩٠٥ و٩٠٦] (٤٠٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٣١ و٨٣٥)، و"الجمعة" (١٢٠٢)، و"الاستئذان" (٦٢٣٠ و٦٢٦٥)، و"الدّعوات" (٦٣٢٨)، و"التوحيد" (٧٣٨١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٦٨)، و(الترمذيّ) فيها (٢٨٩ و١١٠٥١)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ و٣/ ٤٠ - ٤١)، و(ابن ماجه) فيها (٨٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و٤٣١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٤٨ و١٩٤٩ و١٩٥٠ و١٩٥١)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٨٨٥ و٩٩٠٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٣٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٦ و٢٠٢٧ و٢٠٢٨ و٢٠٣٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٠ و٨٩١ و٨٩٢ و٨٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة التشهّد في الصلاة.
٢ - (ومنها): أنه استدل بقوله: "فليقل" على وجوب التشهّد، خلافًا لمن لم يقل به كمالك، وأجاب بعض المالكية بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله -ﷺ- لَمّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]: "اجعلوها في ركوعكم. . ." الحديث، فكذلك التشهد.
وأجاب الكرمانيّ بأن الأمر حقيقته الوجوب، فيُحْمَل عليه إلا إذا دلّ دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود، لحملناه على الوجوب. انتهى.
وفي دعوى هذا الإجماع نظر؛ فإن الإمام أحمد يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهد الأول أيضًا، وهو الحقّ؛ ففي رواية النسائيّ من طريق أبي
[ ٩ / ٣٧١ ]
الأحوص، عن عبد اللَّه -﵁-: "كنا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين، وأن محمدًا علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كلّ ركعتين، فقولوا: التحيّات. . ."، الحديث، وفي رواية له من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "فقولوا في كلّ جلسة. . ." الحديث، وفي رواية ابن خزيمة من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "علَّمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهّد في وسط الصلاة، وفي آخرها"، وقد جاء عن ابن مسعود التصريح بفرضية التشهد، وذلك فيما رواه الدارقطنيّ وغيره بإسناد صحيح، من طريق علقمة، عن ابن مسعود -﵁-: "كنا لا ندري ما نقول قبل أن يُفْرَض علينا التشهدُ".
والحاصل أن القول بوجوب التشهد هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلَّى بالألف واللام يعمّ؛ لقوله أوّلًا: "عباد اللَّه الصالحين"، ثم قال: "أصابت كلّ عبد صالح".
٤ - (ومنها): استُدلّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي "جامع الترمذيّ" مصحّحًا من حديث أُبيّ بن كعب -﵁-: "أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه"، وأصله في "صحيح مسلم"، ومنه قول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، وقول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [إبراهيم: ٤١].
٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: في قوله: "أصابت كلّ عبد صالح" دليلٌ على أن للعموم صيغةً (^١)، وأن هذه الصيغة للعموم، كما هو مذهب الفقهاء، خلافًا لمن توقّف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به من لسان العرب، وتصرّفات ألفاظ الكتاب والسنّة عندنا، ومن تتبّع ذلك وجده،
_________________
(١) قال الصنعانيّ -﵀-: قوله: "على أن للعموم صيغةً" هو هنا الجمع المضاف، والجمع المحلَّى باللام، فإن قوله: "أصابت كلّ عبد" دالٌ على أن "عباد اللَّه"، وهو الأول عامّ، وقوله: "صالح" دالّ على أن "الصالحين"، وهو الثاني عامّ. انتهى. "العدّة حاشية العمدة" ٣/ ١٣.
[ ٩ / ٣٧٢ ]
واستدلالنا بهذا الحديث ذكرٌ لفرد من أفراد لا يُحصَى الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه. انتهى.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن -﵀-: في هذا الحديث من أصول الفقه: أن عطف العامّ على الخاصّ لا يقتضي أن المراد بالعامّ ذلك الخاصّ المتقدّم، بل يُحمَلُ على التشريف والاهتمام به، كما لو تقدّم العامّ، وعُطف عليه الخاصّ، وفيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهّاب، ووجه الاستدلال قوله: "السلام عليك"، "السلام علينا"، وهما خاصّ، ثم عطف عليه "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، ويؤخذ من ذلك أيضًا تفضيله -ﷺ- على جميع الخلق؛ لتخصيصه بالسلام، ثم التعميم له ولغيره، ولا شكّ في ذلك، وهو ما قرّره القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): ما قيل: نَعَتَ عباده بالصالحين؛ ليُخرج غيرهم، وخصّ الأول بذلك؛ لأنه كلام ثناء وتعظيم، فيؤخذ منه أن مفهوم الصفة حجة، قاله ابن الملقّن -﵀- (^٢).
٨ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة تعلّم السنّة والأحكام، وضبطها، وحفظها، كما يُشرع تعليم القرآن، وحفظه، وضبطه؛ لقوله: "كان يعلّمنا التشهّد، كما يعلّمنا السورة من القرآن".
٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مسّ المعلّم بعض أعضاء المتعلّم عند التعليم؛ تأنيسًا له وتنبيهًا، ونقل ابن الحاجّ -﵀- في "مدخله" عن بعض السلف أنهم كانوا لا يبتعدون عن المدرّس، بل يمسّ ثيابُ الطلبة ثوبه؛ لقربهم منه. انتهى (^٣).
١٠ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دلالةً على عدم وجوب الصلاة على النبيّ -ﷺ- في التشهّد الأخير؛ لأنه -ﷺ- لم يُعلّمه ابن مسعود، بل علّمه التشهّد، وأمره عقبه أن يتخيّر من المسألة ما شاء، ولم يُعلّمه الصلاة عليه -ﷺ-، وموضع
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٤٣٠.
(٢) "الإعلام" ٣/ ٤٣٣.
(٣) "الإعلام" ٣/ ٤٤٥.
[ ٩ / ٣٧٣ ]
التعليم لا يؤخّر فيه البيان، لا سيّما الواجب، وهو مذهب أحمد، ومشهور مذهب مالك، ونقله النوويّ في "شرحه" عن الجمهور، وأوجبها الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب مالك، وهو المذهب الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
١١ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ من قوله: "فإنكم إذا فعلتم ذلك، فقد سلّمتم على كلّ عبد للَّه" أن من قال لرجل: فلانٌ يُسلّم عليك، ويريد بالسلام هذا أنه لا يكون كاذبًا، ويلزم عليه أن يحنث بذلك إذا حلف أن لا يُسلّم عليه إلا أن يكون له نيّة خاصّة بالسلام، وأيضًا فإن العرف يخالف ذلك، ويشهد بأن هذا غير مسلّم (^١).
١٢ - (ومنها): مذهب الشافعيّ: أن الواجب من التحيّات خمس كلمات: "التحيّات للَّه، سلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته، سلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، وعلّلوا الاقتصار على ذلك بأنه المتكرّر في جميع الروايات.
وفيه إشكال -كما قال ابن دقيق العيد -﵀- لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل، فوجب قبولها؛ إذ توجّه الأمر بها في قوله -ﷺ-: "فليقل: التحيّات. . . إلخ"، والأمر للوجوب.
قال ابن الملقّن -﵀-: قلت: وكأن الشافعيّ اعتبر في حدّ الأقلّ ما رواه مكرّرًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وما انفردت به الروايات أو كان تابعًا لغيره جوّز حذفه، لكنه يُشكل على هذا لفظة "الصلوات"، فإنها ثابتة في كلّ الروايات، وليست تابعةً في المعنى، وقد ادّعى الرافعيّ ثبوت "الطيّبات" في جميع الروايات واستشكلها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن الشافعيّ -﵀- لعلّه لم يثبت لديه اتفاق في الروايات إلا الذي ذكره حَدًّا للواجب، فلم يوجب غيره، فمن أثبت الزائد يلزمه وجوبه؛ لأنه لا عذر له.
والحاصل أن كلّ ما صحّ من الألفاظ الزائدة يجب أن يقوله المصلّي؛
_________________
(١) "الإعلام" ٣/ ٤٤٧.
[ ٩ / ٣٧٤ ]
لظاهر الأمر، وهو للوجوب، كما تقدّم في كلام ابن دقيق العيد -﵀- آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر اختلاف صيغ التشهّد:
(اعلم): أن التشهّد روي عن جماعة من الصحابة -﵃-، منهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وسلمان الفارسيّ، وأبو حميد الساعديّ، وأبو سعيد الخدريّ -﵃-.
أما حديث ابن مسعود -﵁-، فقد رواه الأئمة الستة عنه، وقد ذكر المصنّف -﵀- بعض ألفاظه المختلفة في هذا الباب.
وأما حديث ابن عباس -﵄-، فأخرجه الجماعة أيضًا إلا البخاريّ، عن سعيد بن جبير، وطاوس، عن ابن عباس -﵄-، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلّمنا التشهد، كما يعلّمنا السورة من القرآن. . . الحديث، وقد ساقه مسلم أيضًا.
وأما حديث عمر بن الخطاب -﵁-، فهو حديث صحيح أخرجه إمام دار الهجرة في "موطئه"، والشافعيّ عنه في "مسنده"، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب -﵁- وهو على المنبر، يُعَلِّم الناس التشهد، يقول: "قولوا: التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الطيّبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وقد أخرجه الحاكم في "مستدركه"، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في "مصنفيهما"، وهو موقوف، ورواه أبو بكر ابن مردويه في كتاب التشهد له مرفوعًا.
قال الدارقطنيّ في "علله": لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر -﵁-، قال: ورواه بعض المتأخّرين عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن ابن عَبْدٍ، عن عمر مرفوعًا، ووَهِمَ في
[ ٩ / ٣٧٥ ]
رفعه، والصواب موقوف. انتهى (^١).
وأما حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄-، فأخرجه أبو داود: حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمعت مجاهدًا يحدّث عن ابن عمر، عن رسول اللَّه -ﷺ- في التشهد: "التحيات للَّه، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه" -قال: قال ابن عمر: زدت فيها: "وبركاته"- "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه" -قال ابن عمر: زدت فيها "وحده لا شريك له"- "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وأخرجه الدارقطني عن ابن أبي داود، عن نصر بن عليّ، وقال: إسناده صحيح.
وأخرجه الطبراني في "الكبير": حدّثنا أبو مسلم الكشيّ، حدثنا سهل بن بكار، حدثنا أبان بن يزيد، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن بابي، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- في التشهد: "التحيات، الطيبات، الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
ورواه الدارقطنيّ من حديث عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يُعلّمنا التشهد: التحيّات الطيبات الزاكيات للَّه. . ." إلى آخره، وفيه "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله"، ثم قال: في إسناده موسى بن عُبيدة، وخارجة بن مصعب، وهما ضعيفان.
ورواه قاسم بن أصبغ أيضًا بإسناد صحيح من حديث مُحارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن عمر: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يُعلّمنا التشهّد كما يُعلّم المكتّب السورة من القرآن".
وأما حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄-، فأخرجه النسائيّ، وابن ماجه، والترمذيّ في "العلل"، والحاكم من حديث أيمن بن نابل، حدّثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم اللَّه وباللَّه، التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها
_________________
(١) راجع: "العلل" ٢/ ١٨٠ - ١٨١ رقم (٢٠٣).
[ ٩ / ٣٧٦ ]
النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أسأل اللَّه الجنة، وأعوذ باللَّه من النار".
وصححه الحاكم، وقال النوويّ في "الخلاصة": وهو مردود، فقد ضعَّفه جماعة من الحفاظ، هم أجلّ من الحاكم وأتقن، وممن ضعَّفه البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، قال الترمذيّ: سألت البخاريّ عنه، فقال: هو خطأ.
وقال النسائيّ: لا نعلم أحدًا تابع لأيمن راويه عن أبي الزبير، عن جابر على هذا الحديث، وخالفه الليث بن سعد في إسناده، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ.
وقال حمزة بن محمد الحافظ: قوله: عن جابر، خطأ، والصواب أبو الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عبّاس، قال: ولا أعلم أحدًا قال في التشهّد: "باسم اللَّه وباللَّه" إلا أيمن بن نابل، عن أبي الزبير. انتهى (^١).
وأما حديث أبي موسى الأشعري -﵁-، فأخرجه مسلم، وسيأتي في هذا الباب.
وأما حديث عائشة -﵂-، فأخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده"، والبيهقيّ في "سننه" بإسناد جيّد، من حديث القاسم بن محمد، قال: علّمتني عائشة، قالت: هذا تشهد رسول اللَّه -ﷺ-: "التحيات للَّه، والصلوات، والطيّبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
قال ابن الملقّن -﵀-: وفي هذه الرواية فائدة حسنة، وهي أن تشهّد رسول اللَّه -ﷺ- بلفظ تشهّدنا.
ورواه مالك في "موطئه" عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ -ﷺ- أنها كانت تقول إذا تشهّدت: "التحيّات الطيّبات الصلوات الزاكيات للَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده
_________________
(١) راجع: "البدر المنير" ٤/ ٢٨ - ٢٩.
[ ٩ / ٣٧٧ ]
ورسوله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، السلام عليكم".
ورواه البيهقيّ، من حديث القاسم أيضًا، عن عائشة -﵂- أنها كانت تقول في التشهد في الصلاة في وسطها، وفي آخرها، قولًا واحدًا: "بسم اللَّه، التحيات للَّه، الصلوات للَّه، الزاكيات للَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وفي إسناده ابن إسحاق، وصرّح بالتحديث، لكن قال البيهقيّ: إن الرواية الصحيحة عن عائشة ليس فيها ذكر التسمية، إلا ما تفرّد به ابن إسحاق.
قال: وروى ثابت بن هُرمز، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، كلاهما عن النبيّ -ﷺ- في التسمية قبل التحيّة، وثابت بن هُرمز منكر الحديث ضعيف.
قال الدارقطنيّ في "علله": وروي هذا الحديث عن عائشة مرفوعًا، والصواب وقفه عليها. انتهى (^١).
وأما حديث سمُرة بن جُندب -﵁-، فأخرجه أبو داود في "سننه"، من طريق سليمان بن موسى أبي داود، عن جعفر بن سعد بن سَمُرة بن جُندب، حدثني خُبيب بن سليمان بن سَمُرة، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب؟ "أما بعدُ، أَمَرَنا رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان في وسط الصلاة، أو حين انقضائها، فابدؤوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك للَّه، ثم سلِّمُوا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم، وعلى أنفسكم".
قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل، كان بدمشق.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لأن رجاله مجاهيل، فجعفر، ومن فوقه مجهولون، واللَّه تعالى أعلم.
وأما حديث عليّ بن أبي طالب -﵁-، فرواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٢٩١٧)، فقال:
_________________
(١) راجع: "البدر المنير" ٤/ ٣٢ - ٣٤.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
حدّثنا إبراهيم (^١) -يعني الوكيعيّ- قال: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح الأزديّ، قال: حدّثنا عمرو بن هاشم، أبو مالك الْجَنْبِيّ، عن عبد اللَّه بن عطاء، قال: حدّثني الْبَهْزيّ، قال: سألت الحسين بن عليّ عن تشهد عليّ؟ فقال: هو تشهد النبيّ -ﷺ-، فقلت: حَدِّثني بتشهد عليّ، عن تشهد رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، والغاديات، والرائحات، والزاكيات، والناعمات السابغات الطاهرات للَّه".
قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عطاء إلا عمرو. انتهى (^٢)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لتفرّد عمرو بن هاشم به، وهو ليّن الحديث.
وأما حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄-، فرواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" من حديث ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، قال: سمعت أبا الورد يقول: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يقول: "إن تشهد النبيّ -ﷺ-: بسم اللَّه، وباللَّه خير الأسماء، التحيات للَّه، الصلوات الطيبات، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، اللهم اغفر لي، واهدني، هذا في الركعتين الأوليين"، قال الطبرانيّ: تفرد به ابن لَهيعة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لتفرّد ابن لَهيعة به، وهو ضعيف.
وأما حديث معاوية بن أبي سفيان -﵄-، فأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١٩/ ٣٧٩)، فقال:
(٨٩١) حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصيّ، ثنا جدّي إبراهيم بن العلاء (ح) وحدثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، حدثني إبراهيم بن
_________________
(١) هو إبراهيم بن هاشم البغويّ.
(٢) "المعجم الأوسط" ٣/ ٢٠٠.
[ ٩ / ٣٧٩ ]
العلاء الحمصيّ، ثنا إسماعيل بن عيّاش، عن حَرِيز بن عثمان، عن راشد بن سعد الْمَقْرائيّ، عن معاوية بن أبي سفيان -﵄- أنه كان يُعَلِّم الناس التشهد، وهو على المنبر، عن النبيّ -ﷺ-: "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث في إسناده إبراهيم بن العلاء، قال أبو داود: ليس بشيء، ووثقه ابن حبّان، وقال ابن عديّ: مستقيم، إلا في حديث واحد، غير هذا (^١).
وأما حديث سلمان الفارسيّ -﵁-، فأخرجه البزار في "مسنده"، والطبرانيّ في "معجمه"، من طريق عُمر بن يزيد الأزديّ، عن أبي راشد، قال: سألت سلمان الفارسيّ عن التشهد؟ فقال: أُعَلِّمكم كما علمنيهن رسول اللَّه -ﷺ- التشهد حرفًا حرفًا: "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا حديث ضعيف؛ لأن في إسناده عُمر بن يزيد الأزديّ، قال ابن عديّ: منكر الحديث (^٢).
وأما تشهّد أبي حميد الساعديّ -﵁-، فرواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" أيضًا، من حديث العبّاس بن سهل، عنه، عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه كان يتشهّد: "التحيّات للَّه، الصلوات الطيّبات الزاكيات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده الواقديّ، واللَّه تعالى أعلم.
وأما حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، فأخرجه الطحاويّ من حديث أبي
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ١/ ٧٩.
(٢) راجع: "البدر المنير" ٤/ ٣٧.
[ ٩ / ٣٨٠ ]
المتوكل، عنه، قال: كنا نتعلم التشهد كما نتعلم السورة من القرآن، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود -﵁-.
وفي الباب عن الحسين بن عليّ، وطلحة بن عبيد اللَّه، وأنس، وأبي هريرة، والفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى -﵃-، قالوا: جملةُ مَن رَوَى في التشهد من الصحابة أربعة وعشرون صحابيًّا، فإن أردت تمام البحث، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهّد:
قال النوويّ -﵀-: اختلفوا في التشهد، هل هو واجب أم سنة؟ فقال الشافعيّ -﵀- وطائفة: التشهد الأول سنةٌ، والأخير واجبٌ، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال أحمد -﵀-: الأول واجب، والثاني فرضٌ، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما اللَّه وجمهور الفقهاء: هما سنتان، وعن مالك -﵀- روايةٌ بوجوب الأخير، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب القعود بقدره في آخر الصلاة. انتهى (^٢).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلف أهل العلم فيمن ترك التشهّد عامدًا أو ساهيًا، فروينا عن عمر بن الخطّاب -﵁- أنه قال: من لم يتشهّد فلا صلاة له، وقال نافع مولى ابن عمر: من لم يتكلّم بالتحيّة، فلا صلاة له، وكان الحسن البصريّ يقول: إذا أحدث الرجل قبل التشهّد أعاد الصلاة، وإذا أحدث بعد التشهّد فقد تمّت صلاته، ورُوي عنه أنه إذا ترك التشهّد ناسيًا مضت صلاته.
وكان مالك يقول فيمن نسي التشهّد: إن كان وحده، وكان قريبًا، ولم ينتقض وضوؤه، وإن تكلّم ما لم يَطُل ذلك، فليُكبّر، ثم يجلس، فيتشهّد، ثم يسجد سجدتي السهو، ثم يتشهّد ويسلّم، وإن كان طال ذلك، أو تباعد، أو انتقض وضوؤه استأنف الصلاة.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ١٤/ ١٣٣ - ١٣٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١١٦.
[ ٩ / ٣٨١ ]
وقال مالك أيضًا: إذا نسي التشهّد خلف الإمام، فإن الإمام يَحمِل ذلك عنه، وكان الشافعيّ يقول: من ترك التشهّد الأول ساهيًا فلا إعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه، ومن ترك التشهّد الآخر ساهيًا أو عامدًا فعليه إعادة الصلاة، إلا أن يكون تركه قريبًا، فيتشهّد ويصلي على النبيّ -ﷺ-، ويسجد سجدتي السهو.
وقال أحمد فيمن نسي التشهّد في الركعتين الأوليين: أَحَبّ إليّ أن يُعيد، وإن ترك الجلوس الثاني يستقبل الصلاة.
وقالت طائفة: لا شيء عليه، هذا قول النخعيّ، قال: إذا أحدث حين فرغ من السجود في الركعة الرابعة قبل التشهّد مضت صلاته، وقال الزهريّ، وقتادة، وحماد فيمن نسي التشهّد في آخر صلاته حتى انصرف: تمّت صلاته.
وفي كتاب محمد بن الحسن: فإن ترك التشهّد ساهيًا، قال: أستحسن أن يكون عليه سجدتا السهو.
وقال أبو ثور: إن ترك التشهّد في الركعة الثانية والرابعة فلا صلاة له، إن كان ترك ذلك عامدًا، وإن كان ساهيًا، فترك تشهّد الركعة الثانية، سجد سجدتي السهو. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التشهّدين جميعًا؛ لظاهر قوله -ﷺ-: "فليقل: التحيّات. . . "، وأمره للوجوب، فأما الأول، فإن تركه ناسيًا جبره بسجدتي السهو؛ لأنه -ﷺ- فعل كذلك، وإن تركه عمدًا أعاد الصلاة؛ للأمر المذكور، وأما التشهّد الأخير، فلا يُجبر بالسجود، بل تجب إعادته مطلقًا؛ لظاهر الأمر المذكور، وهذا هو مذهب الإمام أحمد -﵀-.
قال أبو محمد بن قُدامة -﵀- (^٢) ما ملخّصه: التشهّد الأخير والجلوس له من أركان الصلاة؛ لقوله -ﷺ-: "قولوا: التحيّات. . . "، وأمره يقتضي الوجوب، ولفعله -ﷺ- ودوامه عليه، ولحديث ابن مسعود -﵁- قال: "كنا نقول قبل أن
_________________
(١) "الأوسط" ٣/ ٢١٧ - ٢١٩.
(٢) راجع: "المغني" ١/ ٥٧٨.
[ ٩ / ٣٨٢ ]
يُفرض علينا التشهّد: السلام على اللَّه قبل عباده. . . " الحديث، رواه النسائيّ بإسناد صحيح، فقد دلّ أنه فُرض بعد أن لم يكن مفروضًا.
والحاصل أن التشهّدين واجبان لا تتمّ الصلاة إلا بهما، إلا أن الأول إذا تُرك سهوًا يُجبر بالسجود؛ لثبوت ذلك عنه -ﷺ-، بخلاف الثاني، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اختيار ألفاظ التشهّد:
(اعلم): أنه اختَلَفَ الفقهاءُ في المختار من ألفاظ التشهّد، فذهب أبو حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه تعالى إلى اختيار تشهّد ابن مسعود -﵁- المذكور في الباب؛ لأنه أصحّ ما روي في التشهّد.
قال الإمام الترمذيّ -﵀-: أصح حديث عن النبيّ -ﷺ- في التشهد حديث ابن مسعود -﵁-، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ثم أخرج عن معمر، عن خُصيف، قال: رأيت النبيّ -ﷺ- في المنام، فقلت له: إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال: عليك بتشهد ابن مسعود.
وأخرج الطبرانيّ في "معجمه" عن بشير بن المهاجر، عن ابن بُريدة، عن أبيه، قال: ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود، وذلك أنه رفعه إلى النبيّ -ﷺ-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تُعُقّب هذا بأنه لا يصحّ أن يكون مرجّحًا؛ لأن غيره كذلك رفعه إلى النبيّ -ﷺ-، فلا فرق بينه وبين غيره فيه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطابيّ -﵀-: أصح الروايات وأشهرها رجالًا تشهد ابن مسعود -﵁-.
وقال ابن المنذر، وأبو عليّ الطوسيّ: قد رُوي حديث ابن مسعود من غير وجه، وهو أصح حديث رُوي في التشهد عن النبيّ -ﷺ-.
وقال أبو عمر: بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم؛ لثبوت فعله عن النبيّ -ﷺ-.
وقال عليّ ابن المدينيّ: لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى، وبنحوه قال ابن طاهر.
[ ٩ / ٣٨٣ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا أيضًا فيه نظرٌ، إلا إذا كان المراد: لم يقو قوّته في كونه أكثر طرقًا، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -﵀-: أشدّها صحةً باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس.
وقال البزار: أصحّ حديث في التشهد حديث ابن مسعود، ورُوي عنه عن نيّف وعشرين طريقًا، ثم سَرَد أكثرَها، قال: ولا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا.
والطحاوي لما أخرج حديث ابن مسعود في كتابه "شرح معاني الآثار" من اثني عشر طريقًا، وسَرَد الجميع، قال في آخر الباب: فلهذا الذي ذكرنا استحسَنّا ما رُوي عن عبد اللَّه بتشديده في ذلك، ولإجماعهم عليه؛ إذ كانوا قد اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يتشهد إلا بخاصّ من التشهد، يعني أن كلهم اتفقوا على أن التشهد لا يكون إلا بألفاظ مخصوصة، ولا يكون بأيّ لفظ كان، فإذا كان كذلك فالمتفق عليه أولى من المختلف فيه، فصار كونه متفقًا عليه دون غيره من مرجحاته؛ لأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، بخلاف غيره.
وأنّ ابن مسعود تلقاه عن النبيّ -ﷺ- تلقّيًا، فرَوَى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد، عنه قال: أخذت التشهد من في رسول اللَّه -ﷺ-، ولقننيه كلمة كلمة، وفي رواية أبي معمر، عنه: علَّمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهد، وكفِّي بين كفيه.
ومن المرجحات أيضًا: ثبوت الواو في "الصلوات"، و"الطيبات"، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناءً مستقلًّا، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدُّد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني.
ومنها: أنه ورد بصيغة الأمر، بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية.
ومنها: أن في رواية أحمد أن رسول اللَّه -ﷺ- علّمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته.
وقال الكرمانيّ -﵀-: ذهب الشافعيّ -﵀- إلى أن تشهد ابن عباس -﵄-
[ ٩ / ٣٨٤ ]
أفضل؛ لزيادة لفظة "المباركات" فيه، وهي موافقة لقول اللَّه تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [النور: ٦١].
وقال مالك -﵀-: تشهد عمر بن الخطاب -﵁- أفضل؛ لأنه علّمه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحدٌ، فدَلّ على تفضيله.
وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح، منهم ابن خزيمة (^١).
فال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال باختيار تشهّد ابن مسعود -﵁-، مع جواز غيره مما صحّ من صيغ التشهّد، كتشهّد ابن عبّاس، وتشهّد عمر، وغيرهما مما سبق تصحيحه، وهذا هو الذي رجّحه الإمام ابن المنذر -﵀-، حيث قال ما حاصله: فأيّ تشهّد تشهّد به المصلّي مما ذكرناه، فصلاته مُجزئةٌ، والذي آخذ به التشهّد الذي بدأت به -يعني تشهّد ابن مسعود -﵁- انتهى (^٢).
والحاصل أنه يجوز أن يتشهّد بأي نوع من أنواع التشهّدات مما صحّ عن رسول اللَّه -ﷺ-، إلا أن الأفضل أن يتشهّد بالمتّفق عليه، وهو تشهّد ابن مسعود -﵁-؛ لِما ذكرنا من وجوه الترجيحات له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: السنة في التشهد الإخفاء؛ لما رَوَى أبو داود والترمذيّ، بإسناد جيّد، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: "من السنة أن يُخفي التشهد" (^٣)، وقال: حسن غريب، وصحّحه الحاكم.
وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن عائشة -﵂- قالت: "نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "البدر المنير" ٤/ ٣٧ - ٤١، و"عمدة القاري" ٦/ ١٦٤ - ١٦٥، وقد أشبعت هذا البحث في "ذخيرة العقبى"، فراجعه تستفد ١٤/ ١٠٧ - ١١١.
(٢) راجع: "الأوسط" ٣/ ٢٠٩.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" ١/ ٢٥٩، والترمذيّ في "جامعه" ٢/ ٨٤.
[ ٩ / ٣٨٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. . . مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسأَلَةِ مَا شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قبل ببابين، سوى منصور، فتقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد منصور المذكور في الحديث الماضي.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث منصور الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) الضمير لشعبة، أي لم يذكر شعبة في حديثه عن منصور قوله: "ثم يتخيّر. . . إلخ".
[تنبيه]: رواية شعبة هذه التي أحالها المصنّف على رواية جرير، ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٣٩٦٣) حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدِّث عن عبد اللَّه، قال: كنا نقول: السلام على فلان وفلان، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "قولوا: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فإنكم إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، سَلَّمتم على كل عبد صالح في الأرض وفي السماء". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (^١)، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا عبد الحميد بن حُمَيد".
[ ٩ / ٣٨٦ ]
زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ") (^١).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) وفي نسخة: "عبد الحميد بن حميد" الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ) هو: الحسين بن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثَّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٌّ [٧] (ت ١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
ومنصور تقدّم قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد منصور المتقدّم.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِهِمَا) أي مثل حديث جرير وشعبة.
وقوله: (وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ. . . إلخ) الضمير لزائدة، أي ذكر زائدة في حديثه عن منصور قوله: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ. . . إلخ".
وقوله: (أَوْ مَا أَحَبَّ) وفي نسخة: "وما أحبّ" بالواو بدل "أو".
[تنبيه]: رواية زائدة التي أحالها المصنّف -﵀- على رواية جرير ومنصور، ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٣٧٢٤) حدّثنا أبو سعيد (^٢)، حدثنا زائدة، حدّثنا منصور، عن شقيق، عن عبد اللَّه، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- يقول الرجل منا في صلاته: السلام على اللَّه، السلام على فلان، يَخُصّ، فقال لنا رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم: "إن اللَّه -﷿- هو السلام، فإذا قعد أحدكم في صلاته، فليقل: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه
_________________
(١) وفي نسخة: "ما شاء، وما أحبّ" بالواو بدل "أو".
(٢) الظاهر أنه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُبيد مولى بني هاشم الملقّب جَرْدَقَة، صدوق ربما أخطأ من التاسعة، مات سنة (١٩٧ هـ). "ت" ص ٢٠٥.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، فإذا قلتم ذلك، فقد سَلَّمتم على كل عبد في السماوات والأرض، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير بعد من الدعاء ما شاء، أو ما أحبَّ". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٥] (. . .) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الصَّلَاةِ. . . بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ (^١) بَعْدُ مِنَ الدُّعَاءِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبت إمام [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ قارئ ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ) يعني أن حديث الأعمش مثلُ حديث منصور المتقدّم.
وقوله: (قَالَ: "ثُمَّ يَتَخيَّرُ") وفي نسخة: "ثم ليتخيّر. . . إلخ"، وفاعل "قال" ضمير الأعمش.
[تنبيه]: رواية الأعمش التي أحالها المصنّف على رواية منصور، ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) وفي نسخة: "ثم ليتخيّر".
[ ٩ / ٣٨٨ ]
(٤٠٥٤) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق بن سَلَمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: كنا إذا جلسنا مع النبيّ -ﷺ- في الصلاة قلنا: السلام على اللَّه قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، السلام على فلان، قال: فسمعنا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "إن اللَّه هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير بعدُ من الدعاء ما شاء". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٦] (. . .) - وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اقْتَصُّوا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، وهو لقب أبيه، واسمه عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الكوفيّ الأحول، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١.
٣ - (سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ) ويقال: ابن أبي سليمان (^٢) المخزوميّ مولاهم، أبو سليمان المكيّ، سكن البصرة أخيرًا، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر [٦].
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وهو الذي وقع في "النسخة الهنديّة "سيف بن أبي سليمان"، والأول هو الذي في كتب الرجال، وهو الصواب.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
رَوَى عن مجاهد بن جبر، وقيس بن سعد المكيّ، وأبي أمية البصريّ، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، ويحيى القطان، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، وابن المبارك، وزيد بن الحباب، وعبد اللَّه بن نمير، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان عندنا ثبتًا، ممن يَصْدُق ويَحْفَظ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ثبتٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ يُرْمَى بالقدر، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: كان حيًّا سنة (١٥٠)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٥٦)، وكان يسكن البصرة في آخر عمره، وقال ابن سعد: تُوُفّي بمكة سنة (١٥٥)، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الساجيّ: أجمعوا على أنه صدوق، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: رُمِي بالقدر؟ قال: ما أعلمه، وقال العجليّ وأبو بكر البزار: ثقة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا (٤٠٢)، وحديث (١٢٠١) و(١٧١٢) و(٢٠٦٧) و(٢٨١١).
[تنبيه]: قوله: "حدّثنا سيف بن سليمان"، هكذا هو في بعض النسخ، ووقع في كثير منها "سيف بن أبي سليمان" بزيادة "أبي"، وهو الذي وقع عند أبي عوانة (^١)، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" (^٢).
_________________
(١) لكن وقع عند أبي عوانة بعدما تقدّم، ما نصّه: قال بعضهم: سليمان بن سيف، غير أبي نعيم. انتهى. والظاهر أن هذا تصحيف، وإنما هو: قال بعضهم: سيف بن سليمان؛ أي بدون لفظة "أبي"، فليُتأمل.
(٢) راجع: "مستخرج أبي نعيم" ٢/ ٢٦، و"مسند أبي عوانة" ١/ ٥٤١.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
وقال القاضي عياض -﵀-: وقوله في سند هذا الحديث: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نُعيم، ثنا سيف بن أبي سليمان، سمعت مجاهدًا، كذا قال أبو نُعيم: سيف بن أبي سليمان، وتابعه ابن المبارك، وأبو عاصم، وقال وكيعٌ: سيف أبو سليمان، وقال القطّان وغيره: سيف بن سليمان، وذكر الأقوال الثلاثة البخاريّ في "تاريخه الكبير" (^١)، وهو مكيّ مولى بني مخزوم. انتهى (^٢).
وفي "التهذيبين"، و"التقريب": "سيف بن سليمان"، ويقال: "ابن أبي سليمان، أبو سليمان المكيّ"، فهذا يدل على أنه يقال فيه بالوجهين، وكذلك كنيته أبو سليمان.
والحاصل أنه يقال له: سيف بن سليمان، وسيف بن أبي سليمان، ويُكنى أبا سليمان، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤ - (مُجَاهِد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبت إمام في التفسير وغيره [٣] (ت ١٠١) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة- الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءة، أبو معمر الكوفيّ، ثقة [٢]، توفي في ولاية عبد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٠.
و"ابن مسعود" تقدّم قبله.
وقوله: (كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ) جملة من مبتدأ وخبره، في محلّ نصب على الحال من الفاعل أو من المفعول.
وقوله: (وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اقْتَصُّوا) هذا مشكلٌ؛ لأن الظاهر أن فاعل "اقتصّ" ضمير عبد اللَّه بن سخبرة الراوي عن ابن مسعود -﵁-، فيكون الظاهر أن يقول: "بمثل ما اقتصّ" بالإفراد؛ ليكون الضمير راجعًا لأبي وائل الراوي عن ابن مسعود -﵁- أيضًا؛ لأنه الذي تُحال عليه رواية ابن سَخْبَرة وضمير "اقتصّوا".
_________________
(١) راجع: "التاريخ الكبير" للبخاريّ ٤/ ١٧١.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٥.
[ ٩ / ٣٩١ ]
ويَحْتمل أن يكون ضمير الجماعة للرواة الذين رووا التشهّد عن ابن مسعود -﵁-، فقد رواه عنه: أبو وائل، والأسود بن يزيد، وأبو الأحوص، عوف بن مالك بن نَضْلَة، وعلقمة بن قيس. . . وغيرهم، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن سخبرة التي أحالها المصنّف هنا، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٦٢٦٥) حدّثنا أبو نعيم، حدثنا سيف، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدّثني عبد اللَّه بن سَخْبَرَة، أبو معمر، قال: سمعت ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول اللَّه -ﷺ- وكفّي بين كفيه- التشهدَ، كما يُعَلِّمني السورة من القرآن: "التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام، يعني على النبيّ -ﷺ-. انتهى.
وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بدون "يعني"، فقال:
(٣٩٢٥) حدّثنا أبو نعيم، حدثنا سيفٌ، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدَّثني عبد اللَّه بن سَخْبَرة أبو معمر، قال: سمعت ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهدَ -كفي بين كفيه- كما يُعَلِّمني السورة من القرآن، قال: "التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام على النبيّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٧] (٤٠٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا
[ ٩ / ٣٩٢ ]
يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيبَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: "كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فقد تفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين: أبو الزبير، عن سعيد وطاوس.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ) من إطلاق الجزء، وإرادة الكلّ، سُمّي باسم جزئه الأشرف، كما هي القاعدة عند البلغاء في تسمية الكلّ باسم البعض (^١). (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي مثل تعليمه لنا السورة من سور القرآن في كمال الاهتمام؛ وذلك لتوقّف الصلاة عليه إجزاءً، كتوقّفها على القرآن، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه، وإشارة إلى وجوبه (فَكَانَ) -ﷺ- (يَقُولُ) عند التعليم: قولوا: ("التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ) قال النوويّ -﵀-: تقديره: "والمباركات"، و"الصلوات"، و"الطيّبات"، كما في حديث ابن مسعود -﵁- وغيره، ولكن حُذف اختصارًا، وهو جائز في اللغة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ويَحْتَمل أن لا تُقدّر الواو، فتكون "المباركاتُ" وما بعدها صفات لـ "التحيّات".
"والمباركات": جمع مباركة، من البركة، وهي كثرة الخير، وقيل: النماء.
قال الشوكانيّ -﵀-: وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عبّاس -﵄- كما اشتمل حديث ابن مسعود -﵁- على زيادة الواو، ولولا وقوع الإجماع كما قدّمنا على جواز كلّ تشهّد من التشهّدات الصحيحة، لكان اللازم الأخذ بالزائد، فالزائد من ألفاظها. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٢٣٧.
(٢) "نيل الأوطار" ٣/ ٣٢٥.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
(للَّهِ) جارّ ومجرورٌ خبرٌ عن "التحيّاتُ".
(السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيَّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا) كذا في رواية المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف "السلامُ " في الموضعين، ورواه الترمذيّ، والنسائيّ، والشافعيّ، وأحمد في رواية أخرى بتنكيره فيهما، قال النوويّ -﵀-: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات "الصحيحين"، قال الحافظ -﵀-: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود -﵁- بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عبّاس -﵄-، وهو من أفراد مسلم. انتهى (^١).
(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ") انفرد ابن عبّاس -﵄- بهذا اللفظ؛ إذ في سائر التشهّدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد اللَّه بن الزبير، كلّها بلفظ: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وأما قول الرافعيّ: المنقول أنه -ﷺ- كان يقول في تشهّده: "وأشهد أني رسول اللَّه" فمردود بأنه لا أصل له، قاله القاري.
وروى النسائيّ وابن ماجه حديث ابن عبّاس -﵄- هذا بلفظ: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وقد تقدّم أن الشافعيّ -﵀- اختار تشهّد ابن عبّاس -﵄-، قال في "الفتح": قال الشافعيّ بعد أن أخرج حديث ابن عباس -﵄-: رُويت أحاديث في التشهد مختلفةٌ، وكان هذا أحبّ إليّ؛ لأنه أكملها، وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس -﵄-: لَمَّا رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير مُعَنِّف لمن يأخذ بغيره مما صَحّ، ورجحه بعضهم بكونه مناسبًا للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وأما من رجحه بكون ابن عباس من أَحْداث الصحابة، فيكون أضبط لِمَا روى، أو بأنه أفقه من
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٥.
[ ٩ / ٣٩٥ ]
رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيًّا، وإسناد ابن مسعود كوفيًّا، وهو مما يُرَجَّح به فلا طائل فيه لمن أنصف. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال المجد ابن تيميّة -﵀- في "المنتقى": رواه مسلم، وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذيّ، وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكّرًا، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ورواه الشافعيّ وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه: "وأن محمدًا"، ولم يذكرا "أشهد"، والباقي كمسلم، ورواه أحمد من طريق آخر كذلك، لكن بتعريف السلام، ورواه النسائيّ كمسلم، لكنه نكّر السلام، وقال: "أشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى.
والحديث أخرجه الدارقطنيّ أيضًا في إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما، وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بتعريف السلام الأول، وتنكير الثاني، وأخرجه الطبرانيّ بتنكير الأول، وتعريف الثاني (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أفادت هذه الروايات جواز الأوجه المذكورة، من تعريف السلام وتنكيره، وقوله: "أشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، و"أشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، و"أن محمدًا عبده ورسوله"، فتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
(وَفي رِوَايَةِ) محمد (بْنِ رُمْحٍ) شيخه الثاني (كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ) أي بدل قول قتيبة في روايته: "كما يُعلّمنا السورة من القرآن"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعلية التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٨.
(٢) "المرعاة شرح المشكاة" ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٧ و١٩٠٨] (٤٠٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٤)، و(الترمذيّ) فيها (٢٩٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٤٢ و٣/ ٤١)، و(ابن ماجه) فيها (٩٠٠)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٩ - ٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٥٢ و١٩٥٣ و١٩٥٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٩٩٦ و١٠٩٩٧ و١١٤٠٦)، و(الطحاوي) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٣)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٥٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٧٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٢ و٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٥ و٨٩٦)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود -﵁-، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَم) بن سليمان الأمويّ، مولى آل أبي مُعَيط، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي الزبير، ومغيرة بن مِقْسَم، ومنصور، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن البجليّ، والأسود بن قيس، وغيرهم.
[ ٩ / ٣٩٧ ]
وروى عنه ابنه حميد، ويحيى بن آدم، وعَبّاد بن ثابت، ودُبَيس بن حميد الملائيّ، وسلمة بن عبد الملك الْعَوْضيّ، ومالك بن إسماعيل النَّهْديّ.
وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٠٣)، وحديث (٤١٣): "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم. . . ".
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٩] (٤٠٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبي كَامِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟، قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ (^١) كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) وفي نسخة: "ما تعلمون" دون همزة الاستفهام.
[ ٩ / ٣٩٨ ]
وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (^١)، يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎، قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْل أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل حديث.
٣ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب البصريّ، صدوق، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة تقدّم قبل بابين.
٧ - (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) الباهليّ، أبو غَلّاب (^٢) البصريّ، ثقةٌ [٣].
_________________
(١) وفي نسخة: "اللهم ربنا ولك الحمد".
(٢) بفتح الغين المعجمة، وتشديد اللام.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
رَوَى عن ابن عمر، والبراء بن عازب، وجُندُب البجليّ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وكثير بن الصَّلْت، وحِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وغيرهم.
وروى عنه حميد بن هلال، وابن سيرين، وقتادة، وابن عون، وجماعة.
قال ابن سعد: أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك لَمّا مات، وكان ثقةً، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن عُلَيّة عن أيوب بن محمد: لقيت أبا غَلَّاب، يونس بن جبير، وكان ذا ثَبْتٍ، فحدَّثني، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ: مات بعد التسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و(١٤٧١) وكرّره ثلاث مرات، و(٢٢٥٨).
٨ - (حِطَّانُ (^١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عليّ، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت.
وروى عنه الحسن البصريّ، وإبراهيم بن العلاء الغَنَويّ، وأبو مِجْلَز، ويونس بن جبير.
قال ابن المدينيّ: ثبتٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في ولاية بشر بن مروان على العراق، وقال أبو عمرو الدانيّ: كان مقرئًا قرأ عليه الحسن البصريّ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و(١٦٩٠) وأعاده بعده، و(٢٣٣٤) وأعاده بعده.
٩ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حَضّار الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
_________________
(١) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الطاء المهملة.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي كامل، وحطان، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه: سعيد، وقتيبة، وقد دخلا البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن يونس، عن حطّان.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة المشهورين، أمّره عمر، ثم عثمان -﵃-، وهو أحد الحكمين بصفّين، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حِطَّانَ) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ) بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، امرأة كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في "اللباب" (^١). (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) -﵁- (صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) اسم "كان" ضمير أبي موسى -﵁-، وللنسائيّ: "فلما كان في القعدة" (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وفي رواية النسائيّ: "دخل رجل من القوم"، أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقًا، فلحقهم في القعدة، ولأبي داود: "فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرّت الصلاة. . . " (أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ -﵀-: معناه: قُرِنت بهما، وأُقَرّت معهما، وصار الجميع مأمورًا به. انتهى (^٢).
_________________
(١) "اللباب" ٢/ ٣٣، و"الأنساب" ٣/ ٨١ - ٨٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١١٩.
[ ٩ / ٤٠١ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "أُقِرَّت. . . إلخ" أي قُرِنت، والباء بمعنى "مع"، أي قُرِنت مع البِرّ والزكاة، فصارت معهما مستويةً في أحكامهما وتأكيدهما، ويَحْتَمِل أن يُراد بالبرّ هنا المبرّة، وبالزكاة الطهارة، ويكون المعنى: أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهّر من الآثام، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير -﵀-: معنى: "أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة"، ورُوي "قَرّت": أي استقرّ معهما، وقُرنت بهما، يعني أن الصلاة مقرونة بالبرّ، وهو الصدق، وجِمَاعُ الخير، ومقرونة بالزكاة في القرآن مذكورة معها. انتهى (^٢).
وقال في "المنهل": و"الْبِرّ" بالكسر: الخير، والزكاة: التطهير، والمراد أن الصلاة توجب لصاحبها الخير، والطهارة من الذنوب.
ويَحْتَمِل أن يكون "أُقِرّت" بمعنى أُثبِتت، من الإقرار، أي أُثبتت الصلاة مصاحبةً للخير، والطهارة من الذنوب. انتهى (^٣).
(قَالَ) حطّان -﵀-: (فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى) الأشعريّ -﵁- (الصَّلَاةَ) أي أتمّها، وانتهى منها (وَسَلَّمَ انْصَرَفَ) أي رجع إلى الناس، وأقبل عليهم، وفي رواية النسائيّ: "فلما سلّم أبو موسى أقبل على القوم، فقال: أيّكم القائل هذه الكلمة؟ " (فَقَالَ) أبو موسى للقوم منكرًا عليهم هذا الكلام: (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا) أي قول الرجل: "أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة"، وأطلق عليها الكلمة، مع أنها جملة -والجملة إنما يُطلق عليها الكلام لا الكلمة- مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وأشار إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٣٦.
(٢) "النهاية" ٤/ ٣٧.
(٣) "المنهل العذب المورود" ٦/ ٨٠.
[ ٩ / ٤٠٢ ]
. … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ
(قَالَ) حطّان (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) أي سكتوا، ولم يُجيبوا، يقال: أَرَمّ، فهو مُرِمٌّ، ويُرْوَى "فَأَزَمَ" بالزاي، وتخفيف الميم، وهو بمعناه؛ لأن الأَزْمَ: الإمساك عن الطعام والكلام، قاله في "النهاية" (^١).
وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: "فأرمّ القومُ" كذا رويناه بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، قال المازريّ: أي سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمّ القوم، فهم مُرِمُّون، ويُروى "فأزم"، ومعناه يرجع إلى الأول، وهو الإمساك عن الكلام أيضًا، ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ (^٢) أزمًا. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فأرمّ القومُ" بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، ويُروى: "فَأَزَمَ القومُ" بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحدٌ، وهو السكوت، أي لم ينطقوا بشيء، ولا حرّكوا مَرَمّاتهم، وهي شِفَاهُهُم، والشَّفَةُ: هي الْمَرَمَّةُ، والْمِقَمَّةُ، وبالزاي من الأزم: أي لم يفتحوها بكلمة. انتهى (^٤).
وقال في "اللسان": "الأَزْمُ": تَرْكُ الأكل، وأصله من ذلك، وفي الحديث: أن عمر قال للحارث بن كَلَدَة، وكان طبيب العرب: ما الطبّ؟ فقال: هو الأَزْمُ، وهو أن لا تُدْخِل طعامًا على طعام، وفسّره الناس أنه الْحِمْيَةُ، والإمساكُ عن الاستكثار، قال: والأَزْمةُ: الأَكْلة الواحدة في اليوم مرّة كالْوَجْبَة، وفي حديث الصلاة أنه قال: "أيّكم المتكلّم؟ فأَزَمَ القوم"، أي أمسكوا عن الكلام كما يُمسك الصائم عن الطعام، قال: ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ أَزْمًا، قال: والرواية المشهورة: "فَأَرَمَّ القومُ" بالراء وتشديد الميم. انتهى المقصود من "اللسان" (^٥).
_________________
(١) "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ٢٦٧.
(٢) "الْحِمْية: بكسر، فسكون: أي ترك إدخال الطعام على الطعام.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٧.
(٤) "المفهم" ٢/ ٣٦.
(٥) "لسان العرب" ١٢/ ١٨.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
(ثُمَّ قَالَ) أبو موسى أيضًا تشديدًا لإنكاره عليهم (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ) أبو موسى (لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟) ولعلّ أبو موسى -﵁- خصّ حِطّانًا بهذا الخطاب؛ إدلالًا عليه حيث كان يُلازمه، ولذا قال حطّان: "وقد رَهِبْتُ أن تَبْكعني بها"، حيث إنه توقّع لَمّا قال ذلك الرجل ما لا ينبغي أن يُقال في الصلاة أن أبا موسى سيواجه الناس بالتوبيخ والإنكار عليهم في ذلك، وأنه سيبدأ بمن هو أقرب إليه وألزم له؛ تنبيهًا لغيره ممن جَهِلَ الحكم، وسَتْرًا عليه؛ لئلا يَخْجل، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) حطّان: (مَا) نافية (قُلْتُهَا) أي لستُ أنا المتكلّم بهذه الكلمة (وَلَقَدْ رَهِبْتُ) بفتح الراء، وكسر الهاء، من باب تَعِبَ: أي خِفْتُ، والرَّهْبةُ: الخوفُ (^١). (أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا) هو بفتح المثنّاة في أوّله، وإسكان الموحّدة بعدها: أي تُبَكِّتَنِي، وتُوبِّخني، قاله النوويّ (^٢).
وقال في "اللسان": بَكَّعَه تَبْكِيعًا، وبَكَعَه بَكْعًا: استقبله بما يَكْرَه، وبَكّته. انتهى (^٣).
وقال القاضي عياض -﵀-: قال ابن الأعرابيّ: الْبَكْعُ: التبكيتُ في الوجه، وهكذا رَوَينا هذا الحرف عن جمهور شُيُوخنا، وكذا كان في كتبهم، وعند ابن ماهان: "تنكتني" بنون أولى، وبعدها الكاف المضمومة، وتاء باثنين فوقها مضمومة، بعدها نون ثانية، قال بعضهم: لعلّه تبكتني بها بالباء بمعنى الأول. انتهى (^٤).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أتكلم بها للعب واللهو في الصلاة، وإنما قلتها لإرادة الخير والذكر بها (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) -﵁-: (أَمَا تَعْلَمُونَ) وفي نسخة: "ما تعلمون" بحذف همزة الاستفهام، وهو الذي في مختصر القرطبيّ، فقال في "شرحه": ظاهره النفي، ويَحْتَمِل الاستفتاح، وحُذفت الهمزة تخفيفًا، كما تُحذَف مع الاستفهام. انتهى (^٥).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٤١.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١١٩.
(٣) "لسان العرب" ٨/ ١٩.
(٤) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٧.
(٥) "المفهم" ٢/ ٣٧.
[ ٩ / ٤٠٤ ]
(كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاِتكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) بكسر "إن"؛ لوقوعها في الابتداء، وهو في موضع جواب سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا نقول؟ وما هو السنّة في ذلك؟ فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- (خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لنَا سُنَّتَنَا) أي ما يُسنّ لنا في ديننا من الأقوال والأفعال، (وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا) أي كيفيّتها (فَقَالَ) بالفاء التفسيريّة، فهو تفسيرٌ وبيانٌ لقوله: "علّمنا صلاتنا" ("إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي إذا أردتم أداء الصلاة (فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي عدّلوها بإلزاق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، وقد ترجم الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، بقوله: "باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصفّ"، ثم أخرج عن أنس بن مالك -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري"، وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وفي "فوائد المخلص" بسند صحيح، قال أنس: "فلقد رأيت أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شَمُوس" (^١).
وقال النوويّ -﵀-: فيه الأمر بإقامة الصفوف، وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب، والمراد تسويتها، والاعتدال فيها، وتتميم الأول فالأول منها، والتراصّ فيها، وسيأتي بسط الكلام فيها حيث ذكرها مسلم - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (^٢).
(ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) اللام لام الأمر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وكسرها بعد "ثُمّ" أكثر من سكونها، ورواية الحديث بالسكون، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية [الحجّ: ٢٩] في قراءة الكوفيين، قال ابن هشام: وفي ذلك ردّ على من قال: إنه خاصّ بالشعر.
وقوله: "يؤمّكم" مجزوم باللام، وحُرّك؛ للتخلّص من التقاء الساكنين، وكانت فتحةً للتخفيف.
_________________
(١) راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ -﵀- ١/ ٣٨ - ٣٩ رقم (٣١).
(٢) "شرح النووي" ٤/ ١١٩.
[ ٩ / ٤٠٥ ]
وقال النوويّ -﵀-: فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب:
فالراجح في مذهبنا، وهو نصّ الشافعيّ -﵀-، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله مَن يحصل به إظهار هذا الشِّعَار سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم.
وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة.
وقال ابن خزيمة من أصحابنا: هي فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفردًا بلا عذر أثم، وصحت صلاته.
وقال بعض أهل الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكلّ قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء، وستأتي المسألة في بابها - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الراجح ما ذهب إليه ابن خزيمة -﵀-؛ لوضوح الأدلّة عليه، وستأتي المسألة مفصّلة في محلّها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: "فقال: إنما الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا. . . "، أي إنما جُعل الإمام ليُقتدى به في أفعال الصلاة، فلا تجوز مخالفته بالتقدّم عليه مطلقًا، ولا بالتأخر عنه.
(فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) قال النوويّ -﵀-: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين:
[إحداهما]: أنه لا يكبر قبله ولا معه، بل بعده، فلو شَرَع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويًا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف لم يصحّ إحرام المأموم بلا خلاف؛ لأنه نوى الاقتداء بمن لم يَصِر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٢٠.
[ ٩ / ٤٠٦ ]
[والثانية]: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيلِ التكبير. انتهى (^١).
(وَإِذَا قَالَ) الإمام: (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ) قال القاضي عياض -﵀-: معناه: استجب لنا، وقيل: معناه: كذلك نسأل اللَّه لنا، والمعروف فيها المدّ وتخفيف الميم، وحَكَى ثعلبٌ فيها القصر، وأنكره غيره، وقال: إنما جاء مقصورًا في ضرورة الشعر، وقيل: هي كلمة عبرانيّة، عُرِّبت مبنيّة على الفتح، وقيل: بل هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وقيل: معناه بآمين استجب لنا، والمدّة مدّة النداء عوض الياء، وحكى الداوديّ تشديد الميم مع المدّ، وقال: هو لغة شاذّة، ولم يعرفها غيره، وقد خطّأ ثعلب قائلها. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: فيه دلالة ظاهرةٌ لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام، لا بعده، فإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقال الإمام والمأموم معًا: "آمين"، وتأولوا قوله -ﷺ-: "إذا أَمَّنَ الإمام فأمِّنوا"، قالوا: معناه إذا أراد التأمين؛ ليُجْمَع بينه وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فيَعْقُب إرادتَهُ تأمينُهُ وتأمينُكُم معًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وفي "آمين" لغتان: المدّ والقصر، والمدُّ أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه: استجب، وسيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- البحث في التأمين وما يتعلق به مستوفًى في بابه حيث يذكره الإمام مسلم -﵀-.
(يُجِبْكُمُ اللَّهُ) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
أي يستجب اللَّه تعالى دعاءكم، وهذا فيه حثّ عظيم على التأمين، فيتأكّد الاهتمام به.
(فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا) أي اجعلوا تكبيركم للركوع، وركوعكم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٢٠.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٨.
[ ٩ / ٤٠٧ ]
بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه.
قال القاضي عياض -﵀-: هذا يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام؛ لأنه جاء بفاء التعقيب، وهو مذهب كافّة العلماء، ولا خلاف أنه لا يسبقه المأموم بالتكبير والسلام إلا عند الشافعيّ ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن الصواب فعل المأموم ذلك بعد فعل الإمام، واختلفوا إذا فعله معه، قال: ولأصحابنا -يعني المالكيّة- فيه قولان: الإجزاء وعدمه، وكذلك اتّفقوا على أنه لا يسابقه بأفعاله وسائر أقواله في الصلاة، ولا يفعلها معه، وأن السنّة اتّباعه فيها.
واختلفوا في اتّباع المأموم الإمامَ في أفعاله، هل يكون معه، فإذا شرع الإمام في الركوع ركع بإثره، ولا ينتظر تمام ركوعه، أم يكون بعده، ولا يركع حتى يركع الإمام، ولا يرفع حتى يرفع، وهكذا في سائر الأفعال، كما جاء في هذا الحديث؟ ثم ذكر عن مالك في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بأنه لا يشرع في فعل من الأفعال، إلا بعد تمام فعل الإمام هو الحقّ؛ لأنه -ﷺ- بيّنه وأوضحه تمام الإيضاح بقوله: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم. . . " الحديث، فإنه نصّ واضح في كون المأموم لا يشرع في ركن من الأركان إلا بعد تلبّس الإمام به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الإِمَامَ) الفاء للتعليل؛ لأن الإمام (يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ) يعني أن حقّه أن يتقدّمكم في كلّ ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تستدركونها بتأخّركم في الركوع بعد رفعه لحظةً، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدرُ ركوعكم كقدر ركوعه.
وقال القاضي عياض -﵀-: فيه إشارة إلى تحقيق ما تقدّم من ترجيح أحد الأقوال، وبيان الحكم من أنه لا يركع المأموم ولا يسجد، ولا يرفع حتى يفعل ذلك إمامه، وتنبيهٌ على أن الشيء الذي سبقه به إمامه من الركعة، أو
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٧.
[ ٩ / ٤٠٨ ]
السجدة لم يفته مقدارها؛ لفعله هو أيضًا مدّةَ انتظاره رفعَ الإمام رأسه واعتداله، فقامت مقام ما سبقه به إمامه، وجاءت أفعاله بقدر أفعاله، وسبقه له مطابق لتأنيه هو بعده، "فتلك بتلك".
وقيل: معناه: فتلك الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصحّ بتلك الحالة من اتّباعكم له واقتدائكم به، وقيل: هو راجع إلى قوله: "آمين" بعد قوله: "والضالين"، و"ربّنا ولك الحمد" بعد قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي تلك الكلمة، أو الدعوة التي في السورة متعلّقة بـ "آمين"، أو بـ "ربنا ولك الحمد"؛ لارتباط إحداهما بمعنى الأخرى (^١).
(وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قال القاضي -﵀-: أي أجاب اللَّه دعاء من حمده، وقيل: أراد به الحثّ على التحميد، وسياق هذا الحديث يدلّ على أنه إعلام بذلك. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: "سمع اللَّه لمن حمده" خبرٌ عن اللَّه تعالى باستجابة حمده ودعائه، ويجوز أن يراد به الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجب، كما تقول: صلى اللَّه على محمد. انتهى (^٣).
(فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي نسخة: "اللهمّ ربنا ولك الحمد"، قال في "الفتح": كذا في رواية الكشميهنيّ بإثبات الواو، وفيه ردّ على ابن القيّم حيث جزم بأنه لم يَرِد الجمع بين "اللهمّ" والواو في ذلك. انتهى (^٤).
وقال القرطبيّ -﵀-: اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها، واختَلَفت روايات العلماء فيها، فمرّةً اختار مالك إثبات الواو؛ لأن قوله "ربّنا" إجابة قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي ربّنا استجب دعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هذا، وأيضًا فإن الواو زيادة حرف، ولكلّ حرف حظّ من الثواب، واختار مرّةً حذف الواو؛ إذ الحمد هو المقصود، قال القرطبيّ: والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار. انتهى (^٥).
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٨.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٣) "المفهم" ٢/ ٣٨.
(٤) "الفتح" ٢/ ٥٤٠.
(٥) "المفهم" ٢/ ٣٨.
[ ٩ / ٤٠٩ ]
وقال النوويّ -﵀-: هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع: "ربنا ولك الحمد"، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقل القاضي عياض -﵀- اختلافًا عن مالك -﵀- وغيره في الأرجح منهما، وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع اللَّه لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى (^١).
وعبارة القاضي عياض -﵀-: وقوله: "ربنا ولك الحمد" اختلفت الآثار فيه بإثبات الواو وحذفها، واختَلَف اختيار مالك وغيره من العلماء بين اللفظين، وفي إثبات الواو زيادة؛ لأن قوله: "ربّنا" إجابة قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي ربّنا استجِب دُعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك، وبحذف الواو ليس فيها غير امتثال قول الحمد، ويظهر لي أن اختلاف قول مالك وتردّده في الاختيار بين اللفظين إما لاختلاف الآثار في ذلك، وترجيح أحدهما مرّة على الآخر من جهة الصحّة، أو الشهرة والعمل، أو لمطابقة المعنيين المتقدّمين في "سمع اللَّه لمن حمِدَه"، فإذا جعلنا "سمع اللَّه لمن حمده" بمعنى الحثّ على الحمد كان الوجه في الجواب ربنا لك الحمد دون واو؛ لأنه مطابقٌ لما حُثّ عليه، وامتثالٌ لما نُدِب إليه، وعلى التأويل الآخر الأَولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمّن تأكيد الدعاء الأول، وتكراره لقوله: "ربّنا"، أي استجِبْ لنا، أو اسمع حمدنا، ثم يأتي بالعبادة التي دُعِي بالاستجابة لقائلها، وهو الحمد، فيقول: "ولك الحمد"، ومعنى "سمع اللَّه" هنا: أجاب وتقبّل. انتهى (^٢).
وقوله: (يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ) أي يستجيب لكم، وهو في نسخ الكتاب بالرفع مضبوطًا بالقلم، بخلاف قوله الماضي: "يجبكم اللَّه"، فإنه وقع في النسخ مجزومًا بضبط القلم، ووقع في نسخ سنن النسائيّ بالجزم في الموضعين، وكلا
_________________
(١) "شرح مسلم" ٤/ ١٢١.
(٢) "إكمال العلم" ٢/ ٢٩٩.
[ ٩ / ٤١٠ ]
الأمرين جائزان، ووجه الجزم أن يكون جوابًا للطلب، كما أسلفناه، وأما الرفع فيكون على الاستئناف، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية معمر، عن قتادة الآتية: "فإن اللَّه -﷿- قضى على لسان نبيّه -ﷺ-: "سَمِع اللَّه لمن حمده"، ومعناه: أن اللَّه تعالى حكم في سابق قضائه وحتمه، وأمضاه وأنزله على نبيّه -ﷺ-، فبلّغه إلى أمته أنه يُجيب دعاء من دعاه، ويقبل حمدَ من حمده، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -﵀-: فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إنه يستحب للإمام الجهر بقوله: "سمع اللَّه لمن حَمِده"، وحينئذ يسمعونه، فيقولون، وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: لا يزيد المأموم على قوله: "ربنا لك الحمد"، ولا يقول معه: "سَمِع اللَّه لمن حمده"، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه -ﷺ- جمع بينهما، وثبت أنه -ﷺ- قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وسيأتي بسط الكلام فيه في بابه - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بعدم مشروعيّة التسميع للمأموم هو الراجح؛ لكون هذا الحديث صريحًا فيه، وأما حديث: "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي"، فعامّ خُصّ منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعًا، فليُخصّ منه أيضًا هذا؛ لهذا الحديث الصريح الخاصّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي تلك اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدّمه إلى السجود، تُقابَلُ لكم بتأخّركم فيه بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، فيصير سجودكم بمقدار سجوده.
(وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وسكون العين: المرّة من القعود، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٢٣.
[ ٩ / ٤١١ ]
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَـ "جَلْسَهْ" … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ "جِلْسَهْ"
واسم "كان" ضمير يعود إلى المفهوم، والظرف خبرها، أي إذا كان الحال كائنًا عند القَعْدة (فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ) الظاهر أن "من" زائدة، وزيادتها في الإثبات أجازه الأخفش مطلقًا، وجعل منه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] والكوفيّون بشرط تنكير مجرورها، نحو: "قد كان من مطر".
قال النوويّ -﵀-: استَدَلَّ جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه: "التحيات"، ولا يقول: "بسم اللَّه"، وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال: "فليكن من أول"، ولم يقل: "فليكن أول"، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الاستدلال به واضحٌ، ووجه ذلك هو ما ذكرته من كون "من" زائدة، بدليل أنه وقع عند ابن ماجه وغيره بلفظ: "فإذا كان عند القعدة، فليكن أولُ ذكر أحدكم التشهدَ"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ") تقدّم شرح هذه الجمل قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٩ و٩١٠ و٩١١] (٤٠٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٢ و٩٧٣)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٦ - ٩٧ و١٩٦ - ١٩٧ و٢٤١ و٣/ ٤١ - ٤٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٠١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٠٦٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٥١٧)، و(ابن أبي شيبة) في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٢١.
[ ٩ / ٤١٢ ]
"مصنّفه" (١/ ٢٥٢ و٢٥٣ و٢٩٣ و٣٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣١٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٨٤)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٦٧)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٤ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٦ و١٤٠ و١٤١ و٣٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٠ و٢٠٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٧ و٨٩٨ و٨٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صيغة التشهّد.
٢ - (ومنها): بيان أن أفعال الصلاة وأقوالها لا بدّ أن تكون مما ثبت عن النبيّ -ﷺ-، فلا يجوز لأحد أن يبتدع فيها قولا أو فعلًا لم يثبت في السنّة، فقد قال أبو موسى -﵁-: "أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ ".
٣ - (ومنها): عدم جواز مبادرة الإمام، فقد قال -ﷺ-: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم. . . " الحديث.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الاهتمام في التبليغ، وتعليم أمته أحكام الدين.
٥ - (ومنها): أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة ولا أن يقارنه، بل يكون ابتداء متابعته بعد تأكّده من دخوله في الفعل الذي يريد أن يفعله، وقد أوضح هذا المعنى حديث البراء بن عازب -﵄- كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، لم يَحْنِ أحدٌ منّا ظهره حتى يَقَع النبيّ -ﷺ- ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده"، متّفق عليه، وفي لفظ: "كنا نصلي خلف النبيّ -ﷺ-، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبيّ -ﷺ- جبهته على الأرض".
فقد صرّح أن الصحابة -﵃- كانوا إذا خرّ -ﷺ- للسجود، لا يحنون ظهورهم، فضلًا عن الخرور معه حتى يروه -ﷺ- واضعًا جبهته على الأرض، فقد دلّ على أن ابتداء فعل المأموم يكون بعد تمام انتقال الإمام إلى الركن التالي.
[ ٩ / ٤١٣ ]
ولكن مما يؤسف له أن كثيرًا من المصلّين إما يسابقون الإمام أو يساوونه، وهذا هو موت السنة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.
٦ - (ومنها): بيان أن اللحظة التي سبق الإمام بها المأموم تستدرك بتأخّر المأموم بلحظة مثلها.
٧ - (ومنها): الترغيب في قول "آمين" عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة؛ لأن اللَّه تعالى يُجيب الدعاء بذلك.
٨ - (ومنها): أن اللَّه -﷾- يَسْمع حمد من حمده، ويُثيبه عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ (^١)، بِمِثْلِهِ، وَفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، يَعْنِي: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث.
_________________
(١) وفي نسخة: "بهذا الإسناد".
[ ٩ / ٤١٤ ]
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِم [٩] (٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٦ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه تقدّم أول الباب.
٨ - (جَرِير) بن عبد الحميد تقدّم أول الباب أيضًا.
٩ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخان، نزل في بني تيم، فنُسِب إليهم، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
١٠ - (قَتَادَةُ) بن دعامة تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ) إشارة إلى الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فكلهم رووا هذا الحديث عن قتادة متابعين لأبي عوانة الراوي عنه في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) وفي نسخة: "بهذا الإسناد" بالباء الموحّدة بدل "في"، والإشارة لإسناد قتادة الماضي، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قتادة الماضي في رواية أبي عوانة عنه.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الدارميّ -﵀- في "سننه"، فقال:
(١٣٢٤) أخبرنا سعيد بن عامر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
[ ٩ / ٤١٥ ]
يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيِّ، قال: صلى بنا أبو موسى إحدى صلاتي العشيّ، فقال رجل من القوم: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قضى أبو موسى الصلاة، قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمّ القوم، فقال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ قال: ما أنا قلتها، وقد خِفْتُ أن تَبْكَعَني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أَوَما تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ إن رسول اللَّه -ﷺ- خَطَبنا، فعَلَّمنا صلاتنا، وبَيَّن لنا سنتنا، قال: أحسبه قال: "إذا أقيمت الصلاة فليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم اللَّه، فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه -ﷺ-: فتلك بتلك، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، أو قال: ربنا ولك الحمد، فإن اللَّه قال على لسان نبيه: سمع اللَّه لمن حمده، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه -ﷺ-: فتلك بتلك، فاذا كان عند القَعْدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحياتُ الطيبات الصلوات للَّه، السلام، أو سلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام -أو سلام علينا- وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى.
وأما رواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٨٨٣٤) حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، أن الأشعريَّ صلى بأصحابه صلاةً، فقال رجل من القوم حين جلس في صلاته: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قَضَى الأشعريّ صلاته، أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمَّ القوم، قال أبو عبد الرحمن (^١): قال أبي: أَرَمَّ: السكوت، قال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ لحطان بن عبد اللَّه، قال: واللَّه إن قلتها، ولقد رَهِبْتُ أن تَبْكَعَني بها، قال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن أحمد ولد الإمام أحمد بن حنبل الراوي عنه هنا.
[ ٩ / ٤١٦ ]
بها إلا الخير، فقال الأشعريّ: ألا تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ فإن نبيّ اللَّه -ﷺ- خطبنا، فعلّمنا سنتنا وبيّن لنا صلاتنا، فقال: "أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أقرؤكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم اللَّه، ثم إذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه -ﷺ-: فتلك بتلك، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع اللَّه لكم، فإن اللَّه -﷿- قال على لسان نبيه -ﷺ-: سمع اللَّه لمن حمده، وإذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه -ﷺ-: فتلك بتلك، فإذا كان عند القَعْدَة، فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى.
وأما رواية جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام ابن ماجه -﵀- في "سننه" (١/ ٢٧٦) إلا أنها مختصرة، فقال:
(٨٤٧) حدّثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غلّاب، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القَعْدة فليكن أول ذكر أحدكم التشهد". انتهى.
وأخرجها النسائيّ -﵀- في "سننه" من رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه، فقال:
(١١٧٣) أخبرنا أبو الأشعث، أحمد بن الْمِقْدَام العجليّ البصريّ، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدّثنا أبي، يُحَدِّث عن قتادة، عن أبي غَلّاب، وهو يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه، أنهم صَلَّوا مع أبي موسى، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا كان عند القَعْدَة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات للَّه الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى.
[ ٩ / ٤١٧ ]
وأخرجها الإمام أبو داود أيضًا في "سننه" بعد إخراج رواية هشام، عن قتادة المتقدّم ذكرها، فقال:
حدّثنا عاصم بن النضر، حدّثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، حدَّثنا قتادة، عن أبي غَلّاب، يحدثه عن حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ بهذا الحديث، زاد: "فإذا قرأ فأنصتوا"، وقال في التشهد بعد "أشهد أن لا إله إلا اللَّه" زاد: "وحده لا شريك له"، قال أبو داود: وقوله: "فأنصتوا" ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيميّ في هذا الحديث. انتهى.
وأخرجها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ١٣٣)، فقال:
حدّثنا الصائغ بمكة، قال: ثنا عليّ بن عبد اللَّه، قال: ثنا جريرٌ، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غَلّاب، يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه، أن أبا موسى قال: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ-، فعلّمنا سنتنا، وبَيّن لنا صلاتنا، فقال: إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". انتهى.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَإِذَا قَرَأَ فأَنْصِتُوا") قد ذكرت آنفًا من أخرجه بهذه الزيادة، فتنبّه.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، إِلّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) الظاهر أنه أراد بقوله: "أحد منهم" الذين شاركوا أبا كامل في روايتهم عن أبي عوانة، وهم: سعيد بن منصور، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك الأمويّ، وليس المراد الذين شاركوا أبا عوانة في روايته عن قتادة، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فإن قوله: "فإن اللَّه قال على لسان نبيّه -ﷺ-. . . إلخ" موجود في رواياتهم، كما أسلفت بيانه آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، راوي "صحيحه" عنه، المتوفّى سنة (٣٠٨ هـ) وقد تقدّمت ترجمته في "شرح المقدّمة" (^١).
_________________
(١) راجع: "قرّة عين المحتاج" ١/ ٦٣.
[ ٩ / ٤١٨ ]
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي طعن في صحّة هذا الحديث بزيادة قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
و"أبو بكر هذا" لم أجد ترجمته، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ مُسْلِم) بن الحجّاج صاحب الكتاب ردًّا على طعن أبي بكر المذكور في صحّة هذه الزيادة (تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟) هو بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، أي أتريد أحفظ من سليمان التيميّ الذي زادها؟ يعني أن سليمان كاملُ الحفظ والضبط، فلا تضرُّ مخالفة غيره له بعدم ذكر هذه الزيادة.
وحاصل ما أشار إليه مسلم -﵀- أنه يرى صحّة هذه الزيادة، وإن خالف فيها سليمان جماعة الرواة عن قتادة؛ لأنه حافظ، فتُقبل زيادته، وسيأتي بيان من خالفه في هذا التصحيح، في المسألة الأولى -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أخت أبي النضر (فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أي: ما حاله؟.
وأراد بحديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وقوله: (فَقَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي بكر، فيكون تفسيرًا لقوله: "فحديث أبي هريرة؟ "، فيكون قوله: (هُوَ صَحِيحٌ) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أهو صحيح؟ (يَعْنِي) بقوله: "فحديث أبي هريرة" قوله: ("وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا").
ويَحْتَمِل أن يكون ضمير "قال" لمسلم، أي قال مسلم: هو حديث صحيح، فيكون قوله: (فَقَالَ) أي مسلم (هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ) تأكيدًا لما قبله، والوجه الأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ) أي أبو بكر (لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟) أي إذا كان صحيحًا، فلم لم تُخرجه في هذا الكتاب؟.
وقوله: (قَالَ) أي مسلم (لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا)
[ ٩ / ٤١٩ ]
يعني أنه لم يضع في هذا الكتاب كلّ حديث صحيح لديه (إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ) أي ما أجمع الحفّاظ على صحّته.
قال النوويّ -﵀- بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم قد يُنكَر هذا الكلام، ويقال: قد وضع أحاديث كثيرةً غيرَ مُجْمَعٍ عليها.
وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمَع عليه، ولا يلزم تقليد غيره في ذلك، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ما أجمعوا عليه" يحتمل معنيين:
[أحدهما]: ما أجمع على صحّته الحفّاظ النقّاد، فلم يختلفوا في صحّته.
[والثاني]: ما أجمع عليه الرواة، بأن اتّفقوا على شيخهم، لا ما اختلفوا فيه عليه، كرواية سليمان هنا بزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، مخالفًا للرواة الآخرين.
وعلى كلّ من المعنيين فكلامه فيه نظر لا يخفى؛ لأنه وضع في كتابه أحاديث كثيرة من النوعين، وقد تقدّم أن ابن الصلاح -﵀- أجاب عنه بجوابين:
[أحدهما]: أنه لم يضع في هذا الكتاب إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط الصحيح الْمُجمع عليه، وإن لم يَظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم.
[والثاني]: أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلف الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يُرد ما كان إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، ثم ذكر جوابه على هذا الحديث المذكور هنا، قال: ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحّتها عنده، وفي ذلك ذهول منه -﵀- عن هذا الشرط، أو سبب آخر، وقد استُدركت عليه وعُلّلت. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٢٣.
(٢) راجع: "صيانة صحيح مسلم" للشيخ أبي عمرو بن الصلاح -﵀-، ص ٧٥.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
مسألتان تتعلّقان بهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا":
(المسألة الأولى): في بيان اختلاف الحفّاظ في زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا":
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه الزيادة في حديث أبي موسى وأبي هريرة -﵄-:
فممن ذهب إلى تصحيحه المصنّف -﵀-، كما سبق توضيحه في هذا الباب، ومنهم الإمام أحمد -﵀-، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- في "التمهيد":
فإن قال قائل: إن قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" لم يقله أحدٌ في حديث أبي هريرة غيرُ ابن عجلان، ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير، عن التيميّ.
قيل له: لم يخالفهما من هو أحفظ منهما، فوجب قبول زيادتهما، وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل، وحسبك به إمامةً وعلمًا بهذا الشأن.
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدّثنا عبد الحميد بن أحمد، قال: حدّثنا الخضر بن داود، قال: حدّثنا أبو بكر الأثرم، قال: قلت لأحمد بن حنبل: مَن يقول عن النبيّ -ﷺ- من وجهٍ صحيحٍ: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"؟ فقال: حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد، والحديث الذي رواه جرير عن التيميّ، وقد زعموا أن المعتمر رواه، قلت: نعم قد رواه المعتمر، قال: فأيَّ شيء تريد؟ فقد صحح أحمد الحديثين جميعًا عن النبيّ -ﷺ- حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى، قوله -ﷺ-: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا". انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ -﵀- (^١).
وضعّفها جمهور الحفّاظ، فقد رَوَى البيهقيّ في "السنن الكبرى" عن أبي داود السجستانيّ أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازيّ، والدارقطنيّ، والحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، شيخ الحاكم، أبي عبد اللَّه، قال البيهقيّ: قال أبو عليّ الحافظ: هذه اللفظة غير
_________________
(١) "التمهيد" لابن عبد البرّ ١١/ ٣٣.
[ ٩ / ٤٢١ ]
محفوظة، قد خالف سليمان التيميّ فيها جميع أصحاب قتادة، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مُقَدَّم على تصحيح مسلم، لا سيّما ولم يروها مُسْنَدَةً في "صحيحه"، ذكره النوويّ -﵀-.
وفي "علل" الدارقطنيّ -﵀-:
(١٣٣٣) وسئل عن حديث حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ، عن أبي موسى -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- في صفة الصلاة، فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه، فرواه سعيد بن أبي عروبة، وهشام، وأبان، وأبو عوانة، ومعمر، وعديّ بن أبي عمارة، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان، عن أبى موسى، وألفاظهم متقاربة.
ورواه سليمان التيميّ عن قتادة بهذا الإسناد، فزاد عليهم في الحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" حدّث به عن سليمان كذلك معتمر، وجرير بن عبد الحميد، والثوريّ، وزاد معتمر عليهما، فذكر أنه يقول: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له"، ولم يذكر هذا سواه.
ورواه سالم بن نوح العطّار، عن عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بهذا الإسناد: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، ولم يزد على هذا.
ورواه شعبة عن قتادة بهذا الإسناد، ولم يَشْرَح التشهدَ، وقال فيه: ذَكَرَ حديث التشهد.
ورواه المثنى بن سعيد، عن قتادة، فخالف الجماعة في إسناده، جعله عن أبي العالية، عن أبي موسى، وذكر قصة التشهد خاصةً دون غيره من الصلاة، ووَهِمَ في قوله: عن أبي العالية.
ورواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن حِطّان، عن أبي موسى موقوفًا.
وقال بهز بن أسد، والنضر بن شُميل، عن حماد، بهذا الإسناد: "أن النبيّ -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، وغيرهما يرويه عن حماد موقوفًا.
ورواه مَطَرٌ الورّاق، عن زَهْدم الْجَرْميّ، عن أبي موسى موقوفًا أيضًا.
والصواب من ذلك ما رواه سعيد، وهشام، ومن تابعهما، عن قتادة،
[ ٩ / ٤٢٢ ]
وسليمان التيميّ من الثقات، وقد زاد عليهم قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولعله شُبِّه عليه لكثرة من خالفه من الثقات، وسالم بن نوح ليس بالقويّ، والصواب من حديث الأزرق بن قيس، عن حِطّان قول من وقفه عن حماد بن سلمة، واللَّه أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀- (^١).
وقال في "السنن" بعد أن ساق الحديمث ما نصّه: وكذلك رواه سفيان الثوريّ عن سليمان التيميّ، ورواه هشام الدستوائيّ، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعديّ بن أبي عُمارة، كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه. انتهى (^٢).
وقال البيهقيّ -﵀- في "الكبرى": أخبرنا أبو علي الروذباريّ، أنبأ أبو بكر بن داسة، قال: قال أبو داود السجستانيّ: قوله: "وأنصتوا" ليس بمحفوظ، وليس بشيء.
(٢٧١١) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: خالف جرير عن التيميّ أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائيّ، وهَمّام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبي عوانة، والحجاج بن الحجاج، ومن تابعهم على روايتهم -يعني دون هذه اللفظة- ورواه سالم بن نوح، عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر، عن قتادة، فأخطأ فيه، أخبرنا بذلك أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يذكره.
(٢٧١٢) وأخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ عليّ بن عمر الحافظ، ثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرميّ، ثنا محمد بن يحيى القَطِيعيّ، ثنا سالم بن نوح، ثنا عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير -يعني أبا غلاب- عن حطان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، قال: صلى بنا أبو موسى، فقال أبو موسى: إن رسول اللَّه -ﷺ- كان يعلمنا إذا صلى بنا، فقال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، قال
_________________
(١) "العلل الواردة في الأحاديث النبويّة" ٧/ ٢٥٢ - ٢٥٥.
(٢) "سنن الدارقطنيّ" ١/ ٣٣٠.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
علي بن عمر (^١): سالم بن نوح ليس بالقويّ.
قال البيهقيّ: وقد رواه محمد بن عجلان من وجه آخر، أخبرنا أبو عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبوب الدهان، ثنا أبو حامد، أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزار، ثنا أبو الأزهر، ثنا إسماعيل بن أبان، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، ومصعب بن شُرَحبيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
وكذلك رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، وهو وَهَمٌ من ابن عجلان.
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان: "إذا قرأ فأنصتوا"، قال: ليس بشيء.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه، أنبأ أبو محمد بن حيان، أنبأ ابن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وذكر هذا الحديث، فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان، قال: وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا يعني عن زيد بن أسلم، وخارجة أيضًا ليس بالقوي.
قال البيهقيّ -﵀-: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازيّ كما روياه، ويحيى بن العلاء الرازيّ متروك (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ الناقدين أن أكثرهم على تضعيف زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، سواء كان في حديث أبي هريرة -﵁- من طريق محمد بن عجلان، أو من حديث أبي موسى الأشعريّ، من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، إلا أن مسلمًا وبعض المحدثين صحّحوها
_________________
(١) هو الدارقطنيّ.
(٢) "السنن الكبرى" ٢/ ١٥٥ - ١٥٧.
[ ٩ / ٤٢٤ ]
على أنها زيادة ثقة، والذي يترجّح عندي قول الجمهور؛ لقوّة حجّتهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): أنه ينبغي على قول من قال بصحّة هذه الزيادة -أعني: "وإذا قرأ فأنصتوا"- كالمصنّف ومن قال بقوله، أن يكون هذا الأمر مقيّدًا بما سوى الفاتحة، فلا يجوز للمصلّي إذا سمع قراءة الإمام أن يقرأ سوى الفاتحة، وأما الفاتحة فلا بدّ من قراءتها؛ لصحّة استثنائها عن النبيّ -ﷺ-.
فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: كنا خلف رسول اللَّه -ﷺ- في صلاة الفجر، فقرأ رسول اللَّه -ﷺ-، فثَقُلَت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هَذًّا يا رسول اللَّه، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح أيضًا، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيّ -ﷺ-، قال: قال النبيّ -ﷺ-: "لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟ " مرتين أو ثلاثًا، قالوا: يا رسول اللَّه، إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
فهذا الحديث الصحيح استثنى الفاتحة، فأوجب قراءتها على المأموم، وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء، وقد تقدّم ذكر مذاهبهم، وأدلّتها مستوفًى في "باب وجوب قراءة الفاتحة في كلّ ركعة".
وقد ذكر الإمام البخاريّ -﵀- تحقيق هذه المسألة في الجزء الذي وضعه في القراءة خلف الإمام، قال -﵀- ما مُلخّصه:
واحتج هذا القائل -يعني أبا حنيفة- بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ثم قال: وهذا منقوض بالثناء، مع أنه تطوّع، والقراءة فرض، فأوجب عليه الإنصات بترك فرض، ولم يوجبه بترك سنة، فحينئذ يكون الفرض عنده أهون حالًا من التطوع.
واعترضه أيضًا بفرع، وهو أن المصلي لو جاء والإمام في الركعة الأولى من الفجر، فإنه يصلي عنده ركعتي الفجر، ويترك الاستماع والإنصات، مع أنه -﵇- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
[ ٩ / ٤٢٥ ]
قال: ويقال له: أرأيت إذا لم يجهر الإمام، أيقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، فقد بطل دعواه؛ لأن الاستماع إنما يكون لما يُجْهَر به.
ثم ذكر عن ابن عباس من غير سند: "فاستمعوا له، وأنصتوا"، قال: في الخطبة، ثم قال: ولو أريد به في الصلاة، فنحن نقول: إنما يقرأ خلف الإمام عند سكوته، وقد رَوَى سمرة -﵁- قال: كان للنبيّ -ﷺ- سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته، قال: وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مِهْران، وسعيد بن جبير، وغيرهم يرون القراءة عند سكوت الإمام؛ عملًا بقوله -ﷺ-: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، والإنصات إذا قرأ الإمام؛ عملًا بالآية.
قال: واحتج أيضًا بقوله -﵇-: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، قال: وهذا حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق؛ لإرساله وانقطاعه، أما إرساله، فرواه عبد اللَّه بن شداد، عن النبيّ -ﷺ-، وأما انقطاعه، فرواه الحسن بن صالح، عن جابر الجعفيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يُدْرَى أسمع جابر من أبي الزبير أم لا؟ قال: ولو ثبت، فتكون الفاتحة مستثناةً منه، أي مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة بعد الفاتحة، كما قال -ﷺ-: "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وقال في حديث آخر: "إلا المقبرة"، مع انقطاعه. قال: ونظير هذا قوله -﵇- لسليك الغطفاني حين جاء وهو يخطب: "قم، فاركع"، مع أنه أمر بالإنصات للخطبة، فقال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، ولكنه أخرج الصلاة من هذا الإطلاق.
قال: واحتَجّ أيضًا بخبر رُوي عن داود بن قيس، عن ابن نجاد، رجل من ولد سعد، عن سعد، قال: "وَدِدت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جَمْرة"، قال: وهذا مرسلٌ، فإن ابن نجاد لم يُعْرَف، ولا سُمِّي.
قال: واحتَجّ أيضًا بحديث رواه أبو حُبَاب، عن سلمة بن كُهَيل، عن إبراهيم، قال: قال عبد اللَّه: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئ فُوهُ نَتْنًا"، قال: وهذا مرسلٌ لا يُحْتَجّ به، وخالفه ابن عوان، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: رَضْفًا، وهذا كله ليس من كلام أهل العلم لوجهين:
[ ٩ / ٤٢٦ ]
أحدهما: قول النبيّ -ﷺ-: "لا تلاعنوا بلعنة اللَّه ولا بالنار، ولا تعذبوا عذاب اللَّه"، فكيف يجوز لأحد أن يقول في الذي يقرأ خلف الإمام جمرة، والجمرة من عذاب اللَّه؟.
الثاني: أنه لا يحل لأحد أن يتمنى أن تُملأ أفواه أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، مثل عمر بن الخطاب، وأُبَيّ بن كعب، وحُذيفة، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن عمر، في جماعة آخرين، ممن رُوي عنهم القراءة خلف الإمام رَضْفًا، ولا نَتْنًا، ولا ترابًا. ثم روى أحاديث هؤلاء في مواضع متفرقة من الجزء المذكور.
قال: واحتَجّ أيضًا بخبر رواه عمر بن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت، قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله.
قال: ورَوَى سليمان التيميّ، وعُمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان، عن أبي موسى في حديثه الطويل، عن النبيّ -ﷺ- وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير.
وروى هشام، وسعيد، وأبو عوانة، وهمام، وأبان بن يزيد، وغيرهم، عن قتادة، فلم يقولوا فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولو صحّ لَحُمل على ما سوى الفاتحة.
ورَوَى أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به"، وزاد فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولا يُعْرَف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر، قال أحمد: أراه كان يُدَلِّس.
وقد رواه الليث، وبكير، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه الليث أيضًا عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد، وزيد بن أسلم، والقعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فلم يقولوا فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا".
ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، ولم يُتَابَعْ أبو خالد في زيادته.
[ ٩ / ٤٢٧ ]
قال: ويقال لهذا القائل: قد أجمع أهل العلم وأنت على أن الإمام لا يتحمل عن القوم فرضًا، ثم قلت: إن الإمام يتحمل عن القوم هذا الفرض، مع أنك قلت: إنه لا يتحمل عنهم شيئًا من السنن، كالثناء، والتسبيح، ونحو ذلك، فتثبت أن الفرض عندك أهون حالًا من التطوع. انتهى كلام البخاريّ: مُلَخّصًا محررًا (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في محلّه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: "فَإِنَّ اللَّه (^٢) -﷿- قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ مشهور، عمي في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
_________________
(١) لخّصه، وحرّره الحافظ الزيلعيّ -﵀- في كتابه "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" ٢/ ١٩ - ٢٠.
(٢) وفي نسخة: "وإن اللَّه".
[ ٩ / ٤٢٨ ]
وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) إشارة إلى إسناد قتادة الماضى، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) ضمير "قال" لمعمر، أي قال معمر في روايته هذا الحديث عن قتادة: "فإن اللَّه. . . إلخ".
وقوله: ("فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- قَضَى. . . إلخ") أي حكم بذلك، وأنزله على نبيّه -ﷺ-، فبلّغه -ﷺ- بلسانه إلى الأمة.
[تنبيه]: رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا على رواية من تقدّم ذكرهم من رُواة قتادة، ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٨٦٩٠) حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع اللَّه -﷿-، فإن اللَّه تعالى قضى على لسان نبيه -ﷺ-: سمع اللَّه لمن حمده". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾