وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٥] (٥٥٧) - (أَخْبَرَنِي (^١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ فقيه إمامٌ حجةُ، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٢ / ٤٠٥ ]
عبد اللَّه بن الحارث القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ، متّفقٌ على جلالته وإتقانه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور الخادم، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٠) من رباعيّات الكتاب، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن عمرًا وزهيرًا بغداديّان، وأبو بكر كوفيّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، والزهريّ، مدنيّ، وأنس مدنيّ، ثم بصريّ.
٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو خادم رسول اللَّه -ﷺ-، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ) بالفتح والمدّ: الطعام يُتَعَشَّى به وقت العشاء، قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": هو طعام الْعَشِيّ، وهو ممدود كسَمَاءٍ. انتهى.
قال العراقيّ -﵀-: المراد بحضوره: وَضْعُهُ بين يدي الآكل، لا استواؤه، ولا غَرْفه في الأوعية؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا وُضِعَ عشاءُ أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يَعْجَل حتى
[ ١٢ / ٤٠٦ ]
يَفْرُغ منه"، وكان ابن عمر -﵄- يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتها حتى يَفْرُغ منه، وإنه لَيَسْمَعُ قراءة الإمام. انتهى (^١).
ويؤيِّد ما قاله العراقيّ -﵀- من أن المراد بحضوره: وَضْعُهُ بين يدي الآكل، حديث أنس -﵁-، عند البخاريّ بلفظ: "إذا قُدِّم العشاء"، ولمسلم: "إذا قُرِّب العشاء"، وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يُقَرَّب للآكل، كما لو لَمْ يقرَّب، أفاده في "الفتح" (^٢).
(وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) قال ابن دقيق العيد -﵀-: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تُحْمَل على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب؛ لقوله: "فابدءوا بالعَشَاء"، ويترجح حمله على المغرب، لقوله في الرواية الأخرى: "فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب"، والحديث يفسر بعضه بعضًا، وفي رواية صحيحة: "إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم صائم، فليبدأ بالعَشَاء قبل صلاة المغرب،. . . ولا تُعْجَلُوا عن عشائكم"، رواه ابن حبان. انتهى.
وقال الشوكانيّ -﵀-: وأنت خبير بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة؛ لما تقرر في الأصول من أن مُوَافِقَ العامّ لا يُخَصَّص به، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه، ولو سُلِّم عدنم العموم، لم يُسَلَّم عدم الإطلاق، وقد تقرر أيضًا في الأصول أن مُوَافِق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سَلَّمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب؛ لتأييده بأن لفظ العشاء يُخْرِج صلاة النهار، وذلك مانع من حمل اللام على العموم، لم يتمّ له باعتبار حديث: "لا صلاة بحضرة طعام" عند مسلم وغيره، ولفظ: "صلاة" نكرة في سياق النفي، ولا شكّ أنها من صيغ العموم، ولإطلاق الطعام، وعدم تقييده بالعَشَاء، فذِكْرُ المغرب من التنصيص على بعض أفراد العامّ، وليس بتخصيص، على أن العلة التي ذكرها شُرّاح الحديث للأمر بتقديم العشاء، كالنوويّ وغيره لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال
_________________
(١) راجع: "تحفة الأحوذي" ٢/ ٣٣٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٨٧.
[ ١٢ / ٤٠٧ ]
القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع عند حضوره، والصلوات متساوية الإقدام في هذا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الشوكانيّ -﵀- من حمل الحديث على العموم هو الراجح عندي؛ لقوّة حجّته، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وظاهر الأحاديث أنه يُقَدِّم العَشَاء مطلقًا، سواء كان محتاجًا إليه، أم لا، وسواء كان خفيفًا أم لا، وسواء خَشِي فساد الطعام أم لا، وخالف الغزالي، فزاد قيد خشية فساد الطعام، والشافعية، فزادوا قيدَ الاحتياج، ومالك، فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا.
وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وإسحاق، والعراقيّ عن الثوريّ، فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمت.
وذهب الجمهور إلى الكراهة. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ادَّعَى أبو عمر بن عبد البرّ: الإجماع على صحة صلاة مَن صلّى بحضرة الطعام، ومن صلّى حاقنًا، إذا لم يترك شيئًا من فرائض الصلاة (^٢).
فإن صحّ دعوى الإجماع، فذاك، وإلا في قاله الأولون هو الظاهر؛ لأن حديث مسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" نص في انتفاء الصلاة، وعدم الاعتداد بها مع حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين، واللَّه تعالى أعلم.
(فَابْدَءُوا بالْعَشَاءِ") أي بأكل العَشَاء، وهو بفتح العين المهملة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس بن مالك -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٢/ ٥٧.
(٢) "التمهيد" ٢٢/ ٢٠٦.
[ ١٢ / ٤٠٨ ]
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٥ و١٢٤٦] (٥٥٧)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٧٢) وفي "الأطعمة" (٥٤٦٣)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٣)، و(النسائي) في "الإمامة" (٨٥٣) وفي "الكبرى" (٩٢٦)، و(ابن ماجه) فيها (٩٣٣)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٥)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢١٨٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٨١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٢/ ٤٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠ و١١٠ و١٦٢ و٢٤٩ و٢٨٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٣)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٤٠١ و٤٠٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٤ و١٦٥١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦ و١٢٨٧ و١٢٨٨ و١٢٨٩ و١٢٩٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٠ و١٢٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٢ - ٧٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، قال الترمذيّ -﵀- بعد إخراج الحديث: وعليه العمل عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ -ﷺ-، منهم أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وبه يقول أحمد، وإسحاق يقولان: يبدأ بالعَشَاء، وإن فاتته الصلاة في الجماعة، قال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول في هذا الحديث: يبدأ بالعشاء إذا كان طعامًا يُخاف فساده، قال الترمذيّ: والذي ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ -ﷺ- وغيرهم أشبه بالاتباع، وإنما أرادوا أن لا يقوم الرجل إلى الصلاة، وقلبه مشغول بسبب شيء، وقد رُوي عن ابن عباس بأنه قال: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. انتهى كلام الترمذيّ -﵀-.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: في هذه الأحاديث -يعني أحاديث الباب- كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويَلْتَحِق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صَلَّى على حاله؛ محافظةً على حرمة الوقت، ولا يجوز
[ ١٢ / ٤٠٩ ]
التأخير، وحَكَى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل، وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع، فلا يفوته. انتهى (^١).
قال في "الفتح": وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشدّ من ترك "الخشوع بدليل صلاة الخوف والغَرِيق وغير ذلك، وإذا صلّى لمحافظة الوقت صحّت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور.
وادعى ابن حزم: أن في الحديث دلالةً على امتداد الوقت في حقّ من وُضِع له الطعام، ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: النصوص المذكورة لا تدلّ على ما ادعاه، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن النووي وغيره استَدَلُّوا بحديث أنس -﵁- على امتداد وقت المغرب.
وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة، فمسلَّم، ولكن ليس محلَّ الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مُقَدَّرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سَوْرة الجوع.
وقال ابن رجب -﵀-: وفي أحاديث الباب دليلٌ على أن وقت المغرب متّسع، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فيه عن أول الوقت، ولولا ذلك لَمْ يأمر بتقديم الْعَشَاء على صلاة المغرب من غير بيانٍ لحدّ التأخير، فإن هذا وقت حاجة إلى البيان، فلا يجوز تأخيره عنه، واللَّه أعلم. انتهى (^٢).
٤ - (ومنها): أنه استدلّ به القرطبيّ على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل، وإن فاتته الصلاة في الجماعة.
وتُعُقّب بأن من ذهب إلى وجوب الجماعة -وهو الحقّ- جعل حضور
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٦.
(٢) "شرح البخاري" لابن رجب ٦/ ١٠٥.
[ ١٢ / ٤١٠ ]
الطعام عذرًا يُبيح ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا.
٥ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت.
٦ - (ومنها): أنه استدَلَّ بعض الشافعية والحنابلة بقوله: "فابدؤوا" على تخصيص ذلك بمن لم يَشْرَع في الأكل، وأما مَن شرع، ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادي، بل يقوم إلى الصلاة.
قال النووي -﵀-: وصنيع ابن عمر -﵄- يبطل ذلك، وهو الصواب.
وتُعُقّب بأن صنيع ابن عمر -﵄- اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دَفَعَ شغل البال به، ويؤيِّد ذلك حديث عمرو بن أمية -﵁-، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يأكل ذراعًا يَحْتَزُّ منها، فدُعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلّي، ولم يتوضأ.
لكن قال الزين ابن الْمُنَيِّر -﵀-: لعله -ﷺ- أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدَّم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة؛ لأنه لا يَقْوَى على مدافعة الشهوة قوته، "وأيكم يملك أربه". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي حمل حديث عمرو بن أمية -﵁- على الإمام، وهو رأي الإمام البخاريّ -﵀-، وهو الظاهر؛ لأنه يُنتظر ممن في المسجد، ويتضرّرون بتأخره بخلاف المأموم، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن أبي هريرة، وابن عباس -﵃-: "أنهما كانا يأكلان طعامًا، وفي التنور شواء، فأراد المؤذِّن أن يقيم، فقال له ابن عباس -﵄-: لا تَعْجَل؛ لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء"، وفي رواية ابن أبي شيبة: "لئلا يَعْرِض لنا في صلاتنا"، وله عن الحسن بن عليّ -﵄-، قال: "العَشَاء قبل الصلاة يُذهب النفس اللوامة".
وفي هذا كله إشارةٌ إلى أن العلة في ذلك تشوُّف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، ولا يتقيد بكل، ولا بعض، ويُستثنى من ذلك الصائم، فلا تُكرَه صلاته بحضرة الطعام؛ إذ الممتنع بالشرع لا يَشغَل العاقل نفسه به، لكن إذا غَلَب استُحِبّ له التحول من ذلك المكان،
[ ١٢ / ٤١١ ]
أفاده في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح تعميم الحكم فيمن بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ به، لقوله -ﷺ-: "إذا وُضِع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يُعْجَل حتى يَفْرُغ منه"، متّفقٌ عليه، وقوله: "إذا كان أحدكم على الطعام، فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة"، متّفقٌ عليه أيضًا، فهذا نصّ يشمل من بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدتان]:
(الأولى): قال ابن الجوزيّ -﵀-: ظَنّ قوم أن هذا من باب تقديم حقّ العبد على حق اللَّه تعالى، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحقّ الحقّ؛ ليدخل في عبادته بقلوب مُقبِلة، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لَحاق الجماعة غالبًا.
(الثانية): قال الحافظ العراقيّ -﵀- في "شرح الترمذيّ": ما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حَضَر العَشَاء والعِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء" لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل، وهو ابن عُلَيّة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: "إذا حضر العَشَاء، وحضرت العِشَاء، فابدأوا بالعَشَاء"، فإن كان ضبطه، فذاك، وإلا فقد رواه أحمد في "مسنده" عن إسماعيل بلفظ: "وحَضَرت الصلاة"، قال: ثم راجعت "مصنف ابن أبي شيبة"، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): رأيت للحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ" كلامًا مفيدًا في بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة، وتحقيقها بما لها وما عليها، فأحببت إيراده هنا، وإن كان تقدّم معظمه، إلا أن في كلامه فوائد وزوائد مهمّة، ودونك خلاصة تحقيقه، قال -﵀-:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٩٠.
[ ١٢ / ٤١٢ ]
فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنه إذا أقيمت الصلاة، وحضر العَشاءُ، فإنه يبدأ بالعشاء، سواء كان قد أكل منه شيئًا، أو لا، وأنه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عَشائه، ويفرغ منه.
وممن يروى عنه تقديم العشاء على الصلاة: أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وغيرهم.
ورَوى معمر، عن ثابت، عن أنس قال: إني لمع أُبيّ بن كعب، وأبي طلحة، وغيرهما من أصحاب النبيّ -ﷺ- على طعام إذ نُودي بالصلاة، فذهبت أقوم، فأقعدوني، وعابوا عليّ حين أردت أن أقوم، وأَدَع الطعام، خرّجه عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله".
وإلى هذا القول ذهب الثوريّ، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وابن المنذر، وقال أحمد: لا يقوم حتى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في الوقت، قال: لأنه إذا تناول منه شيئًا، ثم تركه كان في نفسه شغل من تركه الطعام إذا لم يَنَلْ منه حاجته.
وحاصل الأمر أنه إذا حضر الطعام كان عُذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدّم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بدّ أن يكون له ميلٌ إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرّح بذلك أصحابنا وغيرهم، وعلى ذلك دلّ تعليل ابن عبّاس، والحسن، وغيرهما، وكذلك ما ذكره البخاريّ عن أبي الدرداء (^١).
فأما إذا لم يكن له ميلٌ بالكلّيّة إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة.
وقالت طائفةٌ أخرى: يبدأ بالصلاة قبل الأكل، إلَّا أن تكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وهذا مذهب الشافعيّ، وقول ابن حبيب المالكيّ، واستدلّ له ابن حبّان بالحديث الذي فيه التقييد بالصائم، والحق به كلّ من كان شديد التوقان إلى الطعام في الصلاة يَمنع من كمال الخشوع بخلاف اليسير.
_________________
(١) هو قوله في "صحيحه": "وقال أبو الدرداء: من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته، وقلبُهُ فارغ". انتهى.
[ ١٢ / ٤١٣ ]
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة إلَّا أن يكون الطعام خفيفًا، حكاه ابن المنذر عن مالك.
وهذا يَحْتَمِلُ أنه أراد أن الخفيف من الطعام يُطمَع في إدراك الجماعة بخلاف الطعام الكثير، فيَختصّ هذا بالعشاء.
وهذا بناء على أن وقت المغرب وقتٌ واحدٌ، كما هو قول مالك والشافعيّ في أحد قوليه.
ونَقَل حربٌ عن إسحاق أنه يبدأ بالصلاة إلا في حالين: أحدهما أن يكون الطعام خفيفًا، والثاني: أن يكون مع جماعة، فيشقّ عليهم قيامه إلى الصلاة.
وهؤلاء قالوا: إن النبيّ -ﷺ- أمر بتقديم العَشاء على الصلاة حيث كان عَشاؤهم خفيفًا كما كانت عادة الصحابة -﵃- في عهد النبيّ -ﷺ-، فلم يتناول أمره غير ما هو معهود في زمنه.
وروى أبو داود بإسناده عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، قال: كنت مع أبي في زمان ابن الزبير إلى جنب عبد اللَّه بن عمر، فقال عباد بن عبد اللَّه بن الزبير: إنا سمعنا أنه يُبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فقال عبد اللَّه بن عمر: ويحك ما كان عشاؤهم؟، أتُراه كان مثل عشاء أبيك؟ (^١).
وأخرج البيهقيّ من حديث حُميد قال: كنّا عند أنس بن مالك، فأذّن المؤذّن بالمغرب، وقد حضر الْعَشاء، فقال أنس: ابدؤوا بالعشاء، فتعشّينا معه، ثم صلّينا، فكان عشاء خفيفًا.
وقالت طائفة: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام يُخاف فساده؛ لما في تأخيره من إفساد الطعام، وهذا قول وكيع، رواه الترمذيّ في "جامعه" عنه.
قال ابن رجب: وفي هذا القول بُعد، وهو مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة.
قال: وللإمام أحمد -﵀- في المسألة ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه قال في رواية أبي الحارث، وسُئل عن العشاء إذا وُضع،
_________________
(١) رواه أبو داود بإسناد حسن برقم (٣٧٥٩).
[ ١٢ / ٤١٤ ]
وأقيمت الصلاة؛ فقال: قد جاءت أحاديث، وكان القوم في مجاعة، فأما اليوم فلو قام رجوت.
وهذه الرواية تدلّ على أن تقديم الأكل على الصلاة مختصّ بحال مجاعة الناس عمومًا، وشدّة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام، وفي هذا نظر، وقد يُستدلّ له بما رواه أبو داود بسنده عن محمد بن ميمون الزعفرانيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تُؤَخَّر الصلاةُ لطعام ولا لغيره" (^١).
وأخرجه الطبرانيّ، ولفظه: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يؤخّر صلاة المغرب لِعَشَاء ولا غيره (^٢).
وهذا حديث ضعيف لا يثبت، ومحمد بن ميمون هذا وثّقه ابن معين، وغيره، وقال البخاريّ، والنسائيّ: منكر الحديث.
وروى سلام بن سلام المدائنيّ: ثنا ورقاء بن عمر، عن ليث بن أبي سُليم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا حضر العَشاء، والصلاةُ، فابدءوا بالصلاة"، أخرجه تمّام الرازيّ في "فوائده"، وقال: هكذا وقع في كتابي، وهو خطأٌ، وليث بن أبي سُليم ليس بالحافظ، فلا تُقبل مخالفته لثقات أصحاب نافع، فإنهم رووه: "فابدءوا بالعَشاء" كما تقدّم، وسلام المدائنيّ ضعيفٌ جدًّا.
[والقول الثاني]: نَقَل حرث عن أحمد قال: إن كان أخذ من طعامه لقمة، أو نحو ذلك فلا بأس أن يقوم إلى الصلاة فيصلّي، ثم يرجع إلى العَشاء؛ لأن النبيّ -ﷺ- كان يَحتزّ من كتف الشاة، فألقى السكين، وقام، وكذا نَقَل عنه ابنه عبد اللَّه، والأثرم.
وحاصل هذا القول: إن كان أكل شيئًا من الطعام، ثم أقيمت الصلاة قام إليها، وترك الأكل، وإن لم يكن أكل شيئًا أكل ما تسكن به نفسه، ثم قام إلى الصلاة، ثم عاد إلى تتمّة طعامه.
وصرّح بذلك الأثرم في كتاب "الناسخ والمنسوخ"، واستدلّ بحديث
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٧٥٨).
(٢) "الأوسط" للطبرانيّ (٥٨٨٩).
[ ١٢ / ٤١٥ ]
عمرو بن أُميّة الضمريّ -﵁-، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، ورُوي نحوُه من حديث المغيرة بن شُعبة، وجابر بن عبد اللَّه.
وفي هذه الأحاديث أن النبيّ -ﷺ- كان يَحتزّ من كتف شاة، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى السكين، ثم قام إلى الصلاة.
وقد ذهبت طائفة من الفقهاء من الشافعيّة وغيرهم إلى أنه إذا سمع الإقامة لم يشبع من طعامه، بل يأكل ما يَكسر به سَوْرة جوعه، وحديث ابن عمر صريح في ردّ ذلك، وأنه لا يعجل حتى يفرغ من عشائه.
[والقول الثالث]: عكس الثاني، نقله حربٌ عن أحمد، قال: إن كان قد أكل بعض طعامه، فاُقيمت الصلاة، فإنه يُتمّ أكله، وإن لَمْ يأكل شيئًا، فأُحبّ أن يصلي.
وقد يُعلّل هذا بأنه إذا تناول شيئًا من طعامه، فإن نفسه تتوق إلى تمامه، بخلاف من لم يذُق منه شيئًا، فإن تَوَقَان نفسه إليه أيسر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا خلاف النصوص الكثيرة، فإنها عامّة، فلا ينبغي استثناء بعض الأحوال دون بعض، فتبصّر.
قال: وفي المسألة قول آخر، وهو الجمع بين أحاديث هذا الباب، وبين حديث عمرو بن أُميّة، وما في معناه من طرح النبيّ -ﷺ- السكّين من يده، وقيامه إلى الصلاة بالفرق بين الإمام والمأمومين، فإذا دُعي الإمام إلى الصلاة قام، وترك بقيّة طعامه؛ لأنه يُنتظر، وَيشُقّ على الناس عند اجتماعهم تأخّره عنهم بخلاف آحاد المأمومين، وهذا مسلك البخاريّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع حسنٌ جدًّا، وحاصله أن الأمر بالبدء بالعشاء محمول على مَن غير الإمام؛ لعدم من يتضرر بتأخّره، وأما هو فلا يبدأ بالعشاء، بل يذهب إلى الصلاة؛ لئلا يتضرّر بتأخره من ينتظره في المسجد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وبكلّ حال فلا يُرخّص مع حضور الطعام في غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يُرخص بذلك في تفويته عند جمهور العلماء، ونصّ عليه أحمد وغيره.
وشذّت طائفة، فرخّصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام
[ ١٢ / ٤١٦ ]
أيضًا، وهو قول بعض الظاهريّة، ووجه ضعيفٌ للشافعيّة، حكاه المتولّي وغيره.
قال: ومتى خالف وصلّى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، فصلاته مجزئة عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البرّ وغيره.
وإنما خالف فيه شُذوذ من متأخري الظاهريّة، لا يُعبأ بخلافهم الإجماع القديم. انتهى خلاصة ما كتبه ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن صحّ الإجماع المزعوم فذاك، وإلا في ذهب إليه الظاهريّة من بطلان الصلاة بحضرة الطعام هو الظاهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذكر الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" الأعذارَ التي تُسقِط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلِّف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلِّها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء. انتهى. وهاك خلاصة ما قاله -﵀-:
[الأول]: المرض الذي لا يَقدِر المرء معه أن يأتي الجماعات؛ لحديث أنس -﵁- في كونه -ﷺ- كشَفَ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر -﵁-، فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْف. . . الحديث (^٢).
[الثاني]: حضور الطعام، لحديث الباب.
[الثالث]: النسيان الذي يَعْرض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة -﵁- في نومهم عن صلاة الصبح (^٣).
[الرابع]: السِّمَن الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس -﵁- قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضَخْمًا- للنبيّ -ﷺ-: إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك؟،
_________________
(١) "شرح البخاري" لابن رجب ٦/ ٩٨ - ١٠٥.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) متّفقٌ عليه.
[ ١٢ / ٤١٧ ]
فصنع له الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبَسَطَ له طرف حصير لهم، فصلّى عليه ركعتين (^١).
[الخامس]: وجود المرء حاجةَ الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد اللَّه بن الأرقم -﵁- أنه كان يؤمّ أصحابه، فحضرت الصلاة يومًا فذهب لحاجته، ثم رجع، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا وَجَد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة" (^٢).
والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يَشْغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يُصَلِّ أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان" (^٣).
[السادس]: خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك -﵁- (^٤).
[السابع]: وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر -﵄- أنه وَجَد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأَذَّن من معه، فصلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان مثلُ هذا أمر الناس أن يصلُّوا في رحالهم (^٥).
[الثامن]: وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر -﵄- أيضًا، قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ ذاتُ برد ومطر يقول: "ألا صلُّوا في الرحال" (^٦).
[التاسع]: وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه الْعَثْر منها؛ لحديث ابن عمر -﵄- أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فكانت ليلة ظَلْماءُ، أو ليلة مطيرة، أَذَّن مؤذِّن رسول اللَّه -ﷺ-، أو نادى مناديه: أن صَلُّوا في رحالكم (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن حبّان في "صحيحه"، وأخرج البخاريّ نحوه.
(٢) حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن.
(٣) أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بسند قويّ.
(٤) متّفقٌ عليه.
(٥) رواه ابن حبّان في "صحيحه".
(٦) متّفقٌ عليه.
(٧) رواه ابن حبّان في "صحيحه".
[ ١٢ / ٤١٨ ]
[العاشر]: أكل الثُّوم والبصل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديثِ: "مَن أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا حتى يذهب ريحها" (^١).
انتهى ما ذكره ابن حبان من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بالاختصار (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٣) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ) بضمّ القاف، وتشديد الراء المكسورة مبنيًّا للمفعول، من التقريب.
وقوله: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) بالبناء للفاعل، وتقدّم الخلاف في كون "أل"
_________________
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح.
(٢) "صحيح ابن حبّان" ٥/ ٤١٧ - ٤٣٩.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٤١٩ ]
للعهد، والمراد صلاة المغرب، أو لتعريف الماهيّة، وهذا هو الأرجح، والمراد حقيقة الصلاة، قال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم؛ نظرًا إلى العلّة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي الحصر؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم. انتهى (^١).
وقوله: (فَابْدَءُوا بِهِ) أي بأكل العشاء.
وقوله: (وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ) بفتح حرف المضارعة، والجيم، مضارع عَجِلَ، من باب تَعِبَ، ويُروى بضمّ التاء، وكسر الجيم من الإعجال رباعيًّا، وقال في "الفتح": هو: بضمّ المثنّاة وبفتحها، والجيم مفتوحةٌ فيهما، ويُروى بضمّ أوله، وكسر الجيم. انتهى (^٢).
والحديث متَّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧] (٥٥٨) - (حَدَّثَنَا (^٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَحَفْصٌ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (حَفْص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغير قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٣/ ٤٩٠.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٨٨.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٤٢٠ ]
٤ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ إلخ) يعني أن هؤلاء الثلاثة: عبد اللَّه بن نُمير، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجرّاح حدّثوا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- بمثل ما حَدّث به سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن أنس -﵁-.
[تنبيه]: حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٧] (٥٥٨)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٧١) وفي "الأطعمة" (٥٤٦٥).
[تنبيه آخر]: حديث عائشة -﵂- هذا الذي أحاله المصنّف على حديث أنس -﵁- ساقه البخاريّ في "صحيحه" من طريق يحيى القطّان، عن هشام، فقال:
(٦٧١) حدّثنا مسدد، قال: حدّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت عائشة، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "إذا وُضِع العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". انتهى.
وأخرجه أيضًا ابن ماجه: من طريق ابن عيينة، ووكيع، كلاهما عن هشام، فقال:
(٩٣٥) حدّثنا سهل بن أبي سهل، حدّثنا سفيان بن عيينة (ع) وحدّثنا علي بن محمد، حدّثنا وكيع جميعًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاثشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا حَضَر العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
[ ١٢ / ٤٢١ ]
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٨] (٥٥٩) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠١] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في السند الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القُرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف شيخيهما، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
[ ١٢ / ٤٢٢ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقون كلهم كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة، ومن المشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵃-، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، و"العشاء" بفتح العين المهملة، والمدّ في الموضعين: بمعنى طعام آخر النهار.
قال في "الفتح": هذا أخصّ من الرواية الماضية -يعني قوله: "إذا قُدِّم العَشَاءُ"- فيُحمَل"العشاء" في تلك الرواية على عشاء من يُريد الصلاة، فلو وُضع عشاء غيره لَمْ يدخل في ذلك، ويَحْتَمِل أن يقال بالنظر إلى المعنى: لو كان جائعًا، واشتَغَل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان، أو يتناول مأكولًا يزيل شُغل باله؛ ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ، ويؤيّد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من حديث عائشة -﵄-: "لا صلاة بحضرة طعام. . . " الحديث، وقول أبي الدرداء -﵁-: "من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغٌ" (^١). انتهى (^٢).
(وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) تقدّم قريبًا أن الأرجح كون "أل" هنا للاستغراق، فيشمل المغرب وغيرها (فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) بفتح العين المهملة، أي بأكله (وَلَا) ناهية (يَعْجَلَنَّ) من باب تَعِبَ، ويَحْتَمِل أن يكون من الإعجال، والمعنى: لا يُسرِع في الأكل، بل يأكل على تمهّل (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ") بالبناء للفاعل، يقال: فَرَغ من الشُّغْل فُرُوغًا، من باب قَعَد، وفَرخَ يَفْرَغ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم: الْفَرَاغُ، قاله الفيّوميّ.
_________________
(١) أثر أبي الدرداء -﵁- هذا علّقه البخاريّ في "صحيحه" بصيغة الجزم، وأخرجه ابن المبارك في "كتاب الزهد"، وأخرجه محمد بن نصر المروزيّ في "كتاب تعظيم قدر الصلاة" من طريق ابن المبارك، أفاده في "الفتح" ٢/ ١٨٧.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٨٨.
[ ١٢ / ٤٢٣ ]
قال الطيبيّ -﵀-: أفرد قوله: "يَعْجلنّ" نظرًا إلى لفظ "أحد"، وجمع قوله: "فابدءوا" نظرًا إلى لفظ "كُمْ"، قال: والمعنى: إذا وُضع عشاءُ أحدكم، فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجلنّ هو حتى يفرغ معكم منه. انتهى (^١).
وأجاب البرماويّ بأن النكرة في الشرط تعُمّ، فيَحْتَمِل أن الجمع لأجل عموم "أحد". انتهى.
وقال القاري: الظاهر أن الخطاب بالجمع لإفادة عموم الحكم، وأنه غير مختصّ بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلاة جماعةً؛ لينال الفضيلة، والحديث دليلٌ على أن تقريب الطعام، ووضعه بين يدي الآكل من أعذار ترك الجماعة. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "حتى يفرغ منه" دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوّله بعض أصحابنا على أنه يأكل لُقيمات يَكسِر بها شدّة الجوع، فليس بصحيح، وهذا الحديث صريحٌ في إبطاله. انتهى (^٣). وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ -﵀- ما نصّه: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "وكان ابن عمر" هو موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السَّرّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، فذكر المرفوع، ثم قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه، وسمع الإقامة، وقراءةَ الإمام لم يَقُم حتى يَفرُغ، ورواه ابن حبان من طريق ابن جريج، عن نافع، أن ابن عمر كان يصلِّي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانًا يَلْقاه وهو صائم، فَيُقَدَّم له عَشاؤه، وقد نودي للصلاة، ثم تقام، وهو يسمع، فلا يترك عَشاءه، ولا يَعْجَل حتى يَقضِيَ عشاءه، ثم يخرج فيصلِّي.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٢٩.
(٢) "المرعاة" ٣/ ٤٩١.
(٣) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٦.
[ ١٢ / ٤٢٤ ]
انتهى. وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٨ و١٢٤٩] (٥٥٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٧٣) وعلّقه فيه (٦٧٤) وأخرجه في "الأطعمة" (٥٤٦٣)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٥٧)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٤)، و(ابن ماجه) فيها (٩٣٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٨٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٥ و٩٣٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩١ و١٢٩٢ و١٢٩٣ و١٢٩٤ و١٢٩٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٣ و١٢٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٣)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٩] (. . .) - (وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِي، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ع) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيّ) من ولد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.
[ ١٢ / ٤٢٥ ]
٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاض) بن ضَمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ، مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٦ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاوز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٧ - (الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُود) بن طَرِيف الْجَحْدريّ، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ القاضي، وَلِيَ قضاء سُرَّ مَن رَأَي، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن سفيان بن موسى البصريّ، وسُليم بن أخضر، وعباد بن عباد المهلبيّ، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهشيم، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاويّ، وخلق.
ورَوَى عنه مسلم حديث الباب فقط، وإبراهيم بن الجنيد، وبَقِيّ بن مخلد، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، والحسن بن عليّ بن شَبِيب المعمريّ، وزكرياء بن يحيى الساجيّ، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: سمعت عَبدان يقول: نظر عباس بن عبد العظيم العنبريّ في جزء لي، فقال: عن الصَّلْت بن مسعود؟ فقال: يا بنيّ اتّقِهِ، قال ابن عديّ: لَمْ يبلغني عن أحد في الصلت كلامٌ إلَّا هذا، وقد اعتبرتُ حديثه، فلم أجد فيه ما يجوز أن أُنكره عليه، وهو عندي لا بأس به، وقال العُقيليّ: له أحاديث وَهِمَ فيها، إلا أنه ثقةٌ، وكذا قال مسلمة في "تاريخه"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل الأربعين، وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
[ ١٢ / ٤٢٦ ]
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٨ - (سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى) البصريّ، صدوقٌ [٨].
رَوَى عن أيوب، وسَيّار أبي الحكم، وعنه الصلت بن مسعود الجحدريّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، ومحمد بن عُبيد بن خَشّاب، ومحمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وعبد الرحمن بن المبارك العيشيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: مجهولٌ، ووثّقه الدارقطنيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال النوويّ في "شرحه": سفيان هذا بصريّ ثقةٌ معروفٌ، قال الدارقطنيّ: هو ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو عليّ الغسّانيّ: هو ثقةٌ، وأنكروا على من زعم أنه مجهول. انتهى (^١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط متابعةً.
٩ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني الغسّانيّ -﵀-: هكذا في نسخة أبي العلاء بن ماهان: "سفيان، عن أيّوب" غير منسوبين، وفي روايتنا عن أبي أحمد الْجُلُوديّ من طريق السِّجْزيّ عنه: "نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر".
قال أبو عليّ -﵀-: وسفيان بن موسى هذا رجلٌ من أهل البصرة، يروي عن أيوب، وهو ثقةٌ، وكذلك نَسَبَهُ أبو مسعود الدمشقيّ في "كتاب الأطراف" عن مسلم، عن الصَّلْت بن مسعود، عن سفيان بن موسي، عن أيوب.
ومن حديثه ما أخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، نا خَلَف بن القاسم، نا أبو على بن السكن، نا عبد اللَّه بن محمد البغويّ، نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٦.
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمُت، فإنه من مات بها شَفَعتُ له يوم القيامة".
قال ابن السكن: نا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد الجمال، نا محمد بن إسماعيل، أبو إسماعيل، نا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، نا سفيان بن موسى، عن أيوب بإسناده مثله.
وذكر أبو عبد اللَّه الحاكم النيسابوريّ قال: انفرد مسلم بن الحجاج بالرواية لسفيان بن موسى، عن أيوب، قال: وسمعت عليّ بن عمر الدارقطنيّ يقول: ذُكر لبعض أصحابنا ممن يدّعي الحفظ -ونحن بمصر- حديثٌ لسفيان بن موسى، عن أيوب، فقال: هذا خطأ، إنما هو عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، قال: ولم يعرف سفيان بن موسى البصريّ، وهو ثقة مأمونٌ.
قال أبو عليّ -﵀-: ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، وَرُدّ: "سفيان، عن أيوب بن موسى"، وهو خطأٌ. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀- (^١).
قال القاضي عياض: أرى أن الناقل عن بعفالرواة غَلِطَ في تخريج نسب سفيان المذكور بعد اسمه حين إلحاقه، فخرّجه بعد أيّوب، فوقع الوهم فيه. انتهى (^٢).
وقوله: (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ) فاعل "قال" ضمير المصنّف، وهو ملحق من الراوي عنه.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) الضمير لموسى بن عُقبة، وابن جريج، وأيوب.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث عبيد اللَّه بن عمر المتقدّم.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة التي أحالها هنا على رواية عبيد اللَّه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٥٩) فقال:
(١٢٩٢) حدَّثنا حمدون بن عباد البغداديّ، قال: ثنا أبو بَدْر شُجَاع بن الوليد، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨١٣ - ٨١٥.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٩٣.
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
قال: "إذا كان أحدكم عند الطعام، فلا يَعْجَلنّ عنه حتى يَقضِيَ حاجته، وإن أقيمت الصلاة". انتهى.
وأما رواية ابن جُريج، فساقها أبو عوانة في "مسنده" أيضًا (١/ ٣٥٩)، فقال:
(١٢٩٤) حدّثنا يزيد بن سِنَان، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا قُرِّب إلى أحدكم العشاء، فلا يَعْجَل عنه". انتهى.
وقال أيضًا (١/ ٣٦٠):
(١٢٩٥) حدّثنا أبو حميد المصيصيّ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يُقَدَّم إليه الطعام، وقد نودي لصلاة المغرب، ثم تقام، وهو يَسْمَع، فلا يترك عَشاءه، ولا يعجل حتى يقضيَ عَشاءه، ثم يخرج فيصلِّي، وقد كان يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدِّم إليكم". انتهى.
وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٥٧٧٢) حدّثنا عَفّان، حدّثنا وُهيبٌ، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ -ﷺ- قال: "إذا وُضع العَشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، قال: ولقد تعشى ابن عمر مرّة، وهو يسمع قراءة الإمام. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٠] (٥٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، هُوَ (^١) ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقِ، قَالَ: تَحَدثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ -﵂- حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً (^٢)، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ
_________________
(١) وفي نسخة: "وهو".
(٢) وفي نسخة: "لُحْنَةً".
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
أُتِيتَ؟ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ (^١)، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَعْقُوب بْنُ مُجَاهِدٍ) القُرشيّ أبو حَزْرَة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي- المدني القاصّ، مولى بني مخزوم، يقال كنيته أبو يوسف، وأبو حَزْرة لقبٌ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمه الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعبد اللَّه بن أبي عَتِيق بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو أكبر منه، وحنظلة بن عمرو الرَّقِّيّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد القطان، وصفوان بن عيسي، وغيرهم.
قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بالإسكندرية سنة خمسين ومائة، أو سنة تسع وأربعين ومائة، وكان يَقُصّ، وفي سنة تسع أرّخه ابن سعد، وقال: كان قليل الحديث، وقال العُقيليّ: ثنا محمد بن عيسي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن ابن معين، قال: أبو حَزْرة صويلح الحديث، سمع القاسم بن محمد.
_________________
(١) وفي نسخة: "بحضرة طعام".
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٦٠)، وحديث (٣٠١٤): "من انظر معسرًا، أو وضع عنه أظلّه اللَّه. . . " الحديث الطويل الآتي في "كتاب الزهد والرقائق".
٤ - (ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق المعروف بابن أبي عَتِيق، أبو بكر المدنيّ، صدوق فيه مِزَاحٌ [٣].
رَوَى عن عمة أبيه عائشة، وعن ابن عمر، وعامر بن سعد.
وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، ومحمد، وخالد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إسحاق، وأبو جَزْرة يعقوب بن مجاهد المدنيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال مصعب الزبيريّ: كان امرءًا صالحًا، وكان فيه دُعابةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزبير بن بكار: قد سمع من عائشة، ودخل عليها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال: كيف أصبحتِ؛؟ جعلني اللَّه فداك، فقالت: أصبحت ذاهبةً، قال: فلا إذًا، قال الزبير: وأخبرني عبد اللَّه بن كثير بن جعفر أن عائشة رَكِبت بغلةً، وخرجت تُصلح بين غلمان لها ولابن عباس، فأدركها ابن أبي عتيق، فقال: يُعتَقُ ما تَمْلِك إن لم ترجعي، فقالت: ما حملك على هذا؟ قال: ما انقضى عنا يومُ الجمل حتى يأتينا يومُ البغلة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه.
٥ - (عَائِشَةُ) -﵂- تقدّمت قبل حديثين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فمكيّ، ثمّ بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) بفتح العين المهملة، وكسر المثنّاة التحتانيّة: هو
[ ١٢ / ٤٣١ ]
عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا) أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكن عطف الظاهر على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَالْقَاسِمُ) هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ الثقة المثبت، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الطبقة الثالثة، مات سنة (١٠٦) على الصحيح، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٣/ ٦٩٥٠ (عِنْدَ عَائِشَةَ -﵂- حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً) بفتح اللام، وتشديد الحاء المهملة: أي كثير اللحن، قال القاضي عياض -﵀-: قوله: "رَجُلَا لَحّانةً" كذا للسمرقنديّ، وهذا اللفظ استعملته العرب للمبالغة، قالوا: لَحّانةٌ لكثير اللحن، وعلّامةٌ لكثير العلم، ووقع للعذريّ، وابن أبي جعفر: "لُحْنَةً"، بضمّ اللام، وسكون الحاء، وهو بمعناه، أي يَلْحَن في كلامه، ويُلَحِّنه الناس، وباب فُعْلَةٍ -بضمّ الفاء، وسكون العين- للذي يَرَى الناس منه ذلك، كخُدْعَةٍ للذي يُخْدَعُ، وهُزْأَةٍ للذي يُهْزَأ به، وباب فُعَلَةٍ بفتح العين بضدّه، فهو الذي يَفْعَل ذلك بغيره، كما يقال: صُرَعَةٌ للذي يَصْرَعُ الناس، وهُزَأَةٌ للذي يَهْزَأُ بهم، وخُدَعَةٌ للذي يَخْدَعُهُم. انتهى (^١).
(وَكَانَ) أي القاسم (لِأُمِّ وَلَدٍ) قال ابن سعد في "الطبقات": أمه أم ولد يقال لها: سَوْدَةُ. انتهى (^٢).
وجملة "وكان لأم ولد" بيان لسبب كثرة لحنه في كلامه، فكأنه قال: وإنما كان لحّانةً؛ لكون أمه أعجميّة لا تُحسن العربيّة، فتعلّم منها، كما بيّنته عائشة -﵄- في كلامها الآتي.
(فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ) -﵂- (مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة، أي أيُّ شيء ثبت لك؟
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٢/ ٤٩٥، و"المفهم" ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٢٠.
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
(لَا) نافية (تَحَدَّثُ) بفتح التاء، أصله تتحدّث بتاءين حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا) تعني ابنَ أبي عتيق، جعلته ابن أخيها مجازًا؛ لأنه ولد محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، فهو حفيد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه مثل "ألا" (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟) أي من أيّ شيء أصابك اللحن وعدم الفصاحة مثله (هَذَا) أي ابن أبي عتيق (أَدَّبَتْهُ) بتشديد الدال؛ للمبالغة، قال الفيّوميّ -﵀-: أَدَبْتُهُ أَدْبًا، من باب ضَرَبَ: علّمتُهُ رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأدَبُ يقع على كلّ رياضة محمودة، يَتَخَرَّج بها الإنسان في فَضِيلة من الفضائل، وقال الأزهريّ نحوه، فالأدب اسم لذلك، والجمع أَداب، مثلُ سَبَبٍ وأَسباب، وأدّبته تأديبًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، ومنه قيل: أدّبته تأديبًا: إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سببٌ يدعو إلى حقيقة الأدب. انتهى (^١). (أُمُّهُ) هي رُمَيثةُ بنت الحارث بن حُذيفة بن مالك بن ربيعة، من بني فِرَاس بن غَنْم بن مالك بن كنانة (^٢)، والمعنى: أن كثرة لحنك إنما أتاك من قبل تعليم أمك لك؛ لأنَّها أعجميّة (وَأَنْتَ) تعني القاسم (أَدَّبَتْكَ أمّكَ) أي وهي فصيحة، فأتته الفصاحة منها.
وحاصل ما أشارت إليه عائشة -﵂- في كلامها هذا أن القاسم لَمّا لم تكن أمه عربيّة فصيحةَ، وتربّى عندها لم يكن فصيحًا، بل كان لحّانةً، وأما ابن أبي عتيق فلَمّا كانت أمه عربيّة فصيحة؛ لأنَّها من بني فِرَاس بن غنم كما أسلفناه آنفًا، وربّته على فصاحتها كان فصيحًا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن أبي عَتيق (فَغَضِبَ) بكسر الضاد المعجمة (الْقَاسِمُ) بن محمد (وَأَضَبَّ عَلَيْهَا) بفتح الهمزة، والضاد المعجمة، وتشديد الباء الموحّدة: أي حَقَد، قال الفيّوميّ: الضبّ: الْحِقْدُ (^٣)، وقال في "القاموس": و"الضَّبّ":
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٩.
(٢) "تهذيب الكمال" ١٦/ ٦٥.
(٣) "المصباح" ٢/ ٣٥٧.
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
الغيظ، والحِقْد، ويُكسر. انتهى (^١). فأفاد أن ضاده مفتوحة، ويجوز كسرها، فافهمه (فَلَمَّا رَأَى) أي القاسم (مَائِدَةَ عَائِشَةَ) -﵂-، قال الفيّوميّ -﵀-: "المائدة": مشتقّة من ماد يَمِيد: إذا أعطي، وهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن المالك مادها للناس: أي أعطاهم إيّاها، وقيل: مشتقّةٌ من ماد يَمِيد: إذا تحرّك، فهي اسم فاعل على الباب. انتهى. (قَدْ أُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي جيء (بِهَا) أي بالمائدة (قَامَ) أي لئلا يأكل طعامها؛ غضبًا عليها (قَالَتْ) عائشة -﵂- (أَيْنَ؟) أي إلى أي مكان تقوم من مكان المائدة؟ (قَالَ) القاسم (أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي) كرّره؛ لاشتداد غضبه عليها (قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة، وهو بحذف حرف النداء، أي يا غادر، قال أهل اللغة: الغَدْر: ترك الوفاء، ويقال لمن غَدَر: غادرٌ، وغُدَرٌ، وأكثر ما بُسْتَعْمَل في النداء بالشتم، كما قال في "الْخُلاصة":
وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ … وَلَا تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ
قال النوويّ -﵀-: وإنما قالت له: غُدَرُ؛ لأنَّه مأمور باحترامها؛ لأنَّها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحةٌ له، ومؤدِّبةٌ، فكان حقُّهُ أن يَحْتَمِلَها، ولا يَغْضَبَ عليها. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: "غُدَرُ" معناه: يا غادر، وعُدِل به عنه؛ لزيادة معنى التكثير، ونسبتُهُ للغدر؛ لما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة -﵂- للقاسم إنما كان منها لإنهاض همّته، وليحرص على التعلّم، وعلى تثقيف لسانه. انتهى (^٣).
ثم علّلت نهيها له عن الصلاة في ذلك المكان، بقولها:
(إِني) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا) نافية للجنس تعمل عمل "إنَّ"، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٩٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٧.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٦٥.
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
عَمَلَ "إِنَّ" اجْعَلْ لِـ "لَا" فِي النَّكِرَهْ … مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
واسمها قوله: (صَلَاةَ) فهو مبنيّ؛ لتركّبه معها، وهذا مذهب البصريين، وعند الكوفيين منصوبٌ، سقط تنوينه للتخفيف، وقوله: (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) متعلّق بـ "لا"، وفي نسخة: "بحضرة طعام" بالتنكير.
وفي رواية أبي داود: "لا يُصَلَّى بحضرة الطعام"، وقال في "المنهل": أي لا صلاة بحضرة طعام تتعلّق به النفس إلَّا بعد الأكل، وأخذ النفس حاجتها من الطعام، والنفي هنا بمعنى النهي للتنزيه عند الجمهور، وللتحريم عند الظاهريّة، وابن حزم، وأبي ثور، وجماعة، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمت، والطعام المتيسّر عن قريبٍ كالحاضر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "والطعام المتيسّر كالحاضر" فيه نظر لا يخفى؛ إذ قوله: "إذا قُرّب"، وكذا "إذا قُدّم" والألفاظ الأخرى تردّه، فالصواب تقييده بما حضر؛ عملًا بظواهر الألفاظ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهذا ما لم يَضِق الوقتُ بحيث يُخاف خروج وقت الصلاة، وإلا صلّى وجوبًا، ولا يؤخّرها؛ محافظةً على حرمة الوقت، هذا ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء عن جابر -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "لا تؤخّروا الصلاة لطعام ولا لغيره"، رواه البغويّ في "شرح السنّة".
قال ابن الملك: يُحمَلُ هذا الحديث على ما إذا كان متماسكًا في نفسه، لا يُزعجه الجوع، أو كان الوقت ضيّقًا، يُخاف فوته؛ توفيقًا بين الأحاديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث جابر -﵁- المذكور أخرجه أيضًا أبو داود في "سننه"، وهو ضعيفٌ، فلا يُحتجّ به (^٢)، فتنبّه.
(وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) أي ولا صلاةَ في حالة مدافعة الأخبثين، تثنية الأخبث، أي البول والغائط.
قال الطيبيّ -﵀-: قوله: "ولا هو يُدافعه الأخبثان" قال الأشرف: هذا
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ١/ ٢٩٦.
(٢) راجع: "ضعيف الجامع الصغير" رقم (١٠٧١).
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
التركيب لا أُحقّقه، وأقول: يمكن أن يقال: إن "لا" الأولى لنفي الجنس، و"بحضرة الطعام" خبرها، و"لا" الثانية زائدة للتأكيد، وعُطِفت الجملةُ على الجملة، وقوله: "هو" مبتدأ، و"يُدافعه" خبره، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، ويجوز أن تُحمَلَ المدافعة على الدفع مبالغةً، ويجوز أن يُحذف اسم "لا" الثانية وخبرها، وقوله: "هو يدافعه" حالٌ، أي ولا صلاةَ للمصلّي، وهو يُدافعه الأخبثان، ويؤيّده رواية: "لا يُصلّي الرجل، وهو يُدافع الأخبثين" (^١)، ويجوز مثل هذا الحذف. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^٢).
وقال في "المرعاة": والمدافعة إما على حقيقتها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى الدفع مبالغةً، وهذا مع المدافعة، وأما إذا لم يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه، ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهًا؛ لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدّم التبرّز، وإخراج الأخبثين قدّم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، وُششحبّ إعادتها، ولا تجب عند الجمهور، كمال قال النوويّ، وعن الظاهريّة أنَّها باطلة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الظاهريّة لا يخفى رُجحانه؛ لظواهر النصوص، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "المنهل": وما قيل: إن في هذا تقديم حقّ العبد على حقّ اللَّه تعالى مردود بأنه ليس كذلك، وإنما فيه صيانة حقّ اللَّه تعالى؛ ليدخل العبد في العبادة بقلب خاشع غير مشغول (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" (٥/ ٤٢٨) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يصل أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان".
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٢٩.
(٣) "المرعاة" ٣/ ٤٩٣.
(٤) "المنهل العذب المورود" ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "لا صلاة بحضرة الطعام إلخ" ظاهر هذا النصِّ نفي الصحّة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأوّل بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شَغَلَهُ حتى لا يدري كيف صلّى؟ فهو الذي يُعيد قبلُ وبعدُ (^١)، وأما إن شغَلَه شُغْلًا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضامًّا بين وركيه، فهذا يُعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا، وذهب الشافعيّ والحنفيّ في مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه.
قال القاضي أبو الفضل: وكلّهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يَعقِل به صلاته، ولا يضبط حُدودها أنَّها لا تجزئه، ولا يَحلّ له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٥٠ و١٢٥١] (٥٦٠)، و(أبو داود) في "الطهارة" (٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣ و٥٤ و٧٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٧٣ و٢٠٧٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٦٨)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٥ و١٢٢٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧١ و٧٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠١ و٨٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، قال الخطّابيّ -﵀-: إنما أمر النبيّ -ﷺ- أن يبدأ بالطعام؛ لتأخذ النفس حاجتها منه، فيدخل في صلاته،
_________________
(١) أي قبل خروج الوقت، وبعد خروجه.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٦٥.
[ ١٢ / ٤٣٧ ]
وهو ساكن الجأش، لا تنازعه نفسه شهوة الطعام، فيُعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها، وإيفاء حقوقها، وكذلك إذا دافعه البول والغائط، فإنه يضيع به نحوُ من هذا، وهذا إذا كان في الوقت متّسعٌ، فإن لم يكن بدأ بالصلاة. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حمل الصلاة في قوله -ﷺ-: "إذا وُضح عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعَشاء" على العموم أولى؛ لأن لفظ "صلاة" في هذا الحديث نكرة في سياق النفي، ولا شكّ أنها من صيغ العموم؛ ولأن لفظ الطعام مطلقٌ غير مقيّد بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس -﵁- الماضي من التنصيص على بعض أفراد العامّ، وليس بتخصيص، واللَّه تعالى أعلم (^٢).
٣ - (ومنها): النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين: البول والغائط، وكذا يُلحق ما في معناه مما يَشغَل القلب، ويُذهب كمال الخشوع في الصلاة، قال الإمام ابن حبّان -﵀-: المرء مزجور عن الصلاة عند وجود البول والغائط، والعلّة المضمرة في هذا الزجرِ هي أن يستعجله أحدهما حتى لا يتهيّأ له أداء الصلاة على حسب ما يجب من أجله، والدليل على هذا تصريح الخطاب: "ولا هو يدافعه الأخبثان"، ولم يقل: ولا هو يَجِد الأخبثين، والجمع بين الأخبثين قصد به وجودهما معًا، وانفراد كلّ واحد منهما، لا اجتماعهما دون الانفراد. انتهى كلامه -﵀- (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٤) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) راجع: "المرعاة" ٣/ ٤٩٢.
(٣) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١.
(٤) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٤٣٨ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرِ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو حَزْرَة القاصّ" هو يعقوب بن مجاهد المذكور هناك، ويقال: أبو حَزْرة لقبه، وكنيته أبو يوسف.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث حاتم بن إسماعيل، يعني أن إسماعيل بن جعفر حدّث عن أبي حَزْرَة، يعقوب بن مجاهد بمثل ما حدثّ حاتم بن إسماعيل عنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ) ببناء "يَذْكُر" للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن جعفر.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر التي أحالها المصنّف على رواية حاتم بن إسماعيل ساقها الحافظ أبو نعيم -﵀- في "مستخرجه" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) فقال:
(١٢٢٦) حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا عليّ بن حجر (ع) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن العباس، ثنا عبد الرحمن بن واقد، قالا: ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا أبو حَزْرَة القاصّ، عن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا يُصَلِّيَنّ أحدكم، وهو بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٢ / ٤٣٩ ]