وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٢] (٥٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (^١) نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْوةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ" (^٢)، قَالَ زُهَيْرٌ: "فِي غَزْوَةٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القطان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرَن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٢) وفي نسخة: "المسجد".
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْو خَيْبَرَ) هي البلدة المعروفة، في جهة الشام تبعد عن مدينة النبيّ -ﷺ-، نحو ثلاثة أيّام، وغزوتها كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "قال".
وقال في "الفتح": قوله: "قال في غزوة خيبر" قال الداوديّ: أي حين أراد الخروج، أو حين قَدِمَ، وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك، وهو في الغَزَاة نَفْسِها، قال: ولا ضرورة تمنع أن يُخبرهم بذلك في السفر. انتهى.
فكأن الذي حَمَل الداوديّ على ذلك قوله في الحديث: "فلا يقربنّ مسجدنا"؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة، فلهذا حَمَل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر، أو الرجوع إلى المدينة، لكن حديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم (^١) دالّ على أن القول المذكور صدر منه -ﷺ- عقب فتح خيبر، فعلى هذا فقوله: "مسجدنا" يريد به المكان الذي أُعِدّ ليصليَ فيه مُدّة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي فلا يقربنّ مسجد المسلمين، ويؤيِّده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: "فلا يقربنّ المساجد"، ونحوه لمسلم -يعني هذا الحديث-.
وهذا يَدْفَع قولَ من خص النهي بمسجد النبيّ -ﷺ- كما سيأتي، وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم، ووهّاه، وفي "مُصَنَّف عبد الرزاق"، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصّة، أو في المساجد؟ قال: لا، بل في المساجد. انتهى.
("مَنْ) شرطيّة جوابها "فلا يأتينّ" (أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) قيل: فيه إطلاق الشجرة على الثوم، وهو مجازٌ؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فَسَّر ابن عباس وغيره قوله تعالى:
_________________
(١) يعني الحديث الآتي في هذا الباب بعد سبعة أحاديث بلفظ: "لَمْ نَعْدُ أن فُتحت خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول اللَّه -ﷺ- في تلك البقلة الثوم. . . " الحديث.
[ ١٢ / ٤٤١ ]
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾، ومن أهل اللغة من قال: كُلُّ ما ثبتت له أرُومة (^١) أي أصلٌ في الأرض يُخْلِف ما قُطِع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ.
وقال الخطابيّ -﵀-: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثُّوم، والعامة لا تعرف الشجر إلَّا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوصٌ، فكلُّ نجم شجرٌ، من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل نخل شجرٌ، من غير عكس، قاله في "الفتح".
وقال في "المصباح": الشَّجَرُ: ما له ساقٌ صُلْبٌ يقوم به، كالنخل وغيره، الواحدة شجرةٌ، ويُجمع على شجرات، وأشجار. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس": الشَّجَر، والشِّجَرُ، والشَّجْراءُ، كجبَلٍ، وعِنَبٍ، وصَحْراء، والشِّيَرُ بالياء، كعِنَبٍ من النبات: ما قام على ساقٍ، أو ما سما بنفسه، دَقَّ أو جلَّ، قاوم الشتاء، أو عجز عنه، الواحدة بهاء. انتهى (^٣).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وفي عامّة هذه الأحاديث تسمية الثُّوم شجرةً، قال الخطّابيّ: فيه أنه جعل الثُّوم من جملة الشجر، والعامّة إنما تُسمّي الشجر ما كان له ساقٌ يَحْمِل أغصانه دون غيره، وعند العرب أن كلَّ ما بقيت له أُرومة في الأرض تَخْلُف ما قُطع فهو شجرٌ، وما لا أُرومة له، فهو نجمٌ، فالقطن شجر يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجلٌ على شيء من الأشجار، فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذَكرتُ، وفي العرف ما تعارفه الناس. انتهى.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات: ١٤٦] فلا يَرِد على ما ذكره، فإنها شجرة مقيّدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر. انتهى (^٤).
_________________
(١) "الأَرومة" بفتح الهمزة، وتُضمّ: الأصل، أفاده في "القاموس".
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٥.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ٥٦.
(٤) "شرح البخاري" لابن رجب ٨/ ٩.
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فلا يرد إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الآية فيها إطلاق اسم الشجر على اليقطين، فكيف يستقيم قوله: "فأما اليقطين فليس بشجر"، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) قال الحافظ -﵀-: لم أعرف القائل: "يعني"، ويَحْتَمِل أن يكون عبيد اللَّه بن عمر، فقد رواه السَّرّاج من رواية يزيد بن الهادي، عن نافع بدونها، ولفظه: "نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن أكل الثوم يوم خيبر". انتهى.
وزاد في الرواية التالية من طريق ابن نُمَير، عن عبيد اللَّه: "حتى يَذْهَب ريحُها".
[فائدة]: قال في "القاموس المحيط": "الثُّوم" -بالضم- بُسْتَانيّ، وبَرّيّ، ويُعرَف بثوم الحيَّة، وهو أقوي، وكلاهما مُسَخّن، مُخرِجٌ للنفخ والدود، مُدِرٌّ جِدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جَيِّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعَال الْمُزْمِن، والطِّحَال، والخاصرة، والْقَوْلَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجِعِ الْوَرِك، والنِّقْرِسِ، ولَسْعِ الْهَوَامّ والحيّات والعقارب، والكَلْبِ الْكَلِب، والعطشِ البَلْغَميّ، وتقطيرِ البول، وتصفيةِ الحلق، باهِيٌّ، جَذّابٌ، ومَشْويّه لوجع الأسنان المتأكِّلة، حافظٌ صحَّةَ الْمَبْرُودِينَ والمشايخ، رديءٌ للبواسير، والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدِّقِّ، والْحَبَالَي، والمرضعات، والصُّداع، إصلاحه سَلْقُه بماء ومِلْح، وتطجينه بدُهْن لَوْز، وإتباعه بِمَصّ رُمّانة مِزَّةٍ، والثُّومَةُ واحدته. انتهى (^١).
(فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ") فيه بيان أن النهي عامّ في المساجد كلّها، ففيه ردّ على من خصّه بالمسجدّ النبويّ، ووقع في بعض النسخ: "المسجد"، بالإفراد، وهو بمعناه؛ لأن "أل" فيه للاستغراق، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (فِي غَزْوَةٍ) مقول القول (وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ) هذا بيان لاختلاف ألفاظ الشيوخ، وهو من ورع المصنّف -﵀-، واحتياطه، وتحرّيه في أداء الألفاظ، وإن لم يختلف به المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره، حتى قدّموه على البخاريّ في هذا، كما أشار إليه بعضهم بقوله [من الطويل]:
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٨٦.
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ … لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٢ و١٢٥٣] (٥٦١)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٣) و"المغازي" (٤٢١٥)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٥)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ و٨/ ٣٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٨٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٧)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن دخول المسجد لمن أكل الثوم، وكذا كلّ ما له رائحة كريهة، حتى يذهب ريحها.
قال النوويّ -﵀- في "شرحه": قوله -ﷺ-: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن المساجد" هذا تصريح بنهي مَن أَكَل الثوم ونحوه عن دخول كلّ مسجد، وهذا مذهب العلماء كافّة إلَّا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاصّ في مسجد النبيّ -ﷺ-؛ لقوله -ﷺ- في بعض روايات مسلم: "فلا يقرَبَنَّ مسجدنا"، وحجة الجمهور: "فلا يَقرَبَنَّ المساجد". انتهى.
٢ - (ومنها): أنه وقع في حديث أنس -﵁- الآتي بعد حديث بلفظ: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنّا، ولا يُصلّي معنا".
قال في "الفتح": وليس في هذا تقييدُ النهي بالمسجد، فيُستَدَلّ بعمومه
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
على إلحاق المجامع بالمساجد، كمُصَلَّى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسكُ بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: "وليقعد في بيته"، لكن قد عُلِّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كلٌّ منهما جزءَ علة اختَصَّ النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعمَّ النهيُ كلَّ مجمع كالأسواق، ويؤيِّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب: "من أكل من هذه الشجرة شيئًا، فلا يقربنا في المسجد"، قال القاضي ابن العربيّ: ذكر الصفة في الحكم يدلّ على التعليل بها، ومِن ثَمَّ رُدَّ على المازريّ حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يَختَصّ بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنعُ من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث صريح في التخلّف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور؛ لأن اللازم من منعه أحدُ أمرين: إما أن يكون أكلُ هذه الأمور مباحًا، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو حرامًا، فتكون صلاة الجماعة فرضًا، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين.
وتقريرُه أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائزٌ، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تعقّب هذا التقرير العلامة عبد العزيز بن باز -﵀- فيما علّقه على "الفتح"، فقال: ليس هذا التقرير بجيّد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٩٩.
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
كما أن حضور الطعام يُسوّغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك مباحًا.
وخلاصة الكلام أن اللَّه -﷿- يسّر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عُذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعيّة، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلةً لترك الجماعة حرُم عليه ذلك. انتهى كلامه -﵀-، وهو تعقّب حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن ابن دقيق العيد -﵀- قال: ونُقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثُّوم؛ بناءً على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان، ولا تتمّ إلَّا بترك أكل الثُّوم؛ لهذا الحديث، وما لا يتمّ الواجب إلَّا به، فهو واجبٌ، فترك أكل الثوم واجب، فيكون حرامًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا النقل عن أهل الظاهر غير صحيح، فقد صرّح ابن حزم -﵀- بخلافه، قال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصّه: وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صَرّح ابن حزم منهم بأن أكلها حلالٌ، مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفَصَل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مُخْتَصّ بمن عَلِمَ بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يَحْرُم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حزم: هو الصواب؛ لموافقته للنصوص الواردة في هذا الباب.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض، وأن أكل هذه الأشياء مباحٌ، وأنه يُسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة حتى تزول رائحتها.
ومنه يتبيَّن أن قول الخطّابيّ -﵀-: توهَّم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلّف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله؛ إذ حُرِم فضل الجماعة. انتهى. غير سديد، بل الصواب أنه عذرٌ في التخلُّف عنها؛ لظاهر النصّ؛ لأن من فعل ما أُبيح له لا يُعِاقب على فعله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ المهلَّب بقوله -ﷺ-: "فإني أناجي من لا تناجي" على أن الملائكة أفضل من الآدميين.
وتُعُقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس، وهذه المسألة قد تقدّم البحث فيها مستوفًى، وباللَّه تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أنه اختُلِف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبيّ -ﷺ- أم لا؟ والراجح الحلّ؛ لعموم قوله -ﷺ-: "وليس بمحرَّم"، فقد أخرج ابن خزيمة: عن أبي أيوب الأنصاريّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بصل، أو كُرّاث، فلم ير فيه أثر رسول اللَّه -ﷺ-، فأبى أن يأكله، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "ما منعك أن تأكل؟ "، فقال: لم أر أثرك فيه يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بِمُحَرَّم"
٧ - (ومنها): أن ابن التين عن مالك قال: الفُجْل إن كان يَظهَر ريحه فهو كالثوم، وقيَّده عياض بالْجُشَاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير، عن جابر -﵁- التنصيص على ذكر الفُجْل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف.
قال: وألحق بعضهم بذلك مَن بفيه بَخَرٌ، أو به جُرْحٌ له رائحة، وزاد بعضهم، فالحق أصحاب الصنائع، كالسمّاك، والعاهات، كالمجذوم، ومَن يُؤدِّيَ الناس بلسانه.
وأشار ابن دقيق العيد: إلى أن ذلك كلَّهُ توسع غير مرضيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد -﵀- هو الحقّ، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأنَّها كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يَرِد النصّ بنهي أصحابها عن دخول المسجد مع وجود الحاجة إلى بيان حكمها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": حُكم رَحْبة المسجد وما قَرُب منها حكمه، ولذلك كان -ﷺ- إذا وَجَد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وُجدت منه إلى البقيع، كما سيأتي في حديث عمر -﵁-. انتهى.
[تنبيه آخر]: وقع في حديث حذيفة -﵁- عند ابن خزيمة: "من أكل من
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
هذه البقلة الخبيثة، فلا يقْرَبَنَّ مسجدنا ثلاثًا"، وبَوَّب عليه: "توقيتُ النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم".
وتعقّبه الحافظ -﵀-، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون قوله: "ثلاثًا" يتعلَّق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجودُ الرائحة، وهي لا تستمرّ هذه المدة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ -﵀- حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا (^١)، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا"، يَعْنِي الثُّومَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون تقدّموا في الباب الماضي، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير المذكور بعد التحويل، والثلاثة الباقون في السند الماضي.
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ) بفتح الموحدة، وسكون القاف: واحد البَقْل، وهو: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأبقلت الأرض: أنبتت البَقْلَ، فهي مُبْقلةٌ على القياس، وجاء باقلةٌ على غير قياس، أفاده الفيّوميّ (^٢).
وقوله: (فَلَا يَقْرَبَنَّ) بفتح أوله، وثاللَّه، ويُضمّ أيضًا، قال الفيّوميّ: قَرِبتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتِلَ قِرْبَانًا بالكسر: فَعَلته، أو دانيته، من الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ومن الثاني: "لا تقرَبِ الْحِمَى" -﵀-، أي لا تدنُ منه، وقال أيضًا: قَرُب الشيءُ منَّا قُربًا، وقَرَابَةً،
_________________
(١) وفي نسخة: "مسجدنا".
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٨.
[ ١٢ / ٤٤٨ ]
وقُربةً، وقُرْبَى: إذا دنا. انتهى بتصرّف (^١).
وقال في "القاموس": قَرُبَ منه، ككرُمَ، وقَرِبَهُ، كسَمِعَ قُرْبًا، وقُربانًا -بالضمّ- وقِرْبَانًا -بالكسر-: دنا، فهو قريبٌ للواحد والجمع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يُستفاد مما سبق عن "المصباح"، و"القاموس" أن قوله هنا: "فلا يقرُبنّ" يجوز فيه فتح رائه، وضمّها، وهو متعدّ، ولذا نصب قوله: "مساجدنا"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (مَسَاجِدَنَا) وفي نسخة: "مسجدنا" بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعمّ.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: تعلّق بعضهم برواية: "مسجدنا" بالإفراد في أن النهي مخصوص بمسجد الرسول -ﷺ-، وربّما يتأكّد ذلك بأنه مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عامّ؛ لما جاء في الروايات الآخرى: "مساجدنا"، ويكون قوله"مسجدنا " للجنس، أو لضرب المثال، فإن هذا النهي مُعلَّل إما بتأذّي الآدميين، أو بتأذِّي الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلّها. انتهى (^٢).
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) لَمْ يُعرف قائل "يعني" كما تقدّم قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٤] (٥٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلَا يُصَلِّ (^٣) مَعَنَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حديث.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٥.
(٢) راجع: "إحكام الإحكام" ٢/ ٥١٤ بنسخة الحاشية.
(٣) وفي نسخة: "ولا يصلّي" بإثبات الياء.
[ ١٢ / ٤٤٩ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٨١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس، وقد تقدّم الكلام فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ) لَمْ يقل: "عبد العزيز بن صُهيب" بدون لفظة "وهو" إشارةً إلى أن شيخه لم ينسبه إلى أبيه، فلما أراد أن ينسبه أتى بما يفصل بين ما زاده وبين ما سمعه من شيخه، وقد تقدّم هذا غير مرّة (قَالَ) أي عبد العزيز (سُئِلَ أَنَسٌ) -﵁- (عَنِ الثُّوم؟) بالضّمّ، أي عن حكم أكله (فَقَالَ) أنس -﵁- (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا) بشديد النون، أصله "فلا يقرب"، ثم أدخلت عليه نون التوكيد، فصار "يقربنَّ" ثم أدغم في نون "نا"، وهو ضمير المتكلم ومعه غيره، في محلّ نصب مفعول به لـ "يقرب".
(وَلَا يُصَلِّ مَعَنَا") قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه: "ولا يُصَلِّ" على النهي، ووقع في أكثر الأصول: "ولا يصلي" بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهيُ، وكلاهما صحيحٌ.
وفيه نَهْيُ مَن أكل الثُّوم ونحوه عن حضور مَجْمَع المصلين، وإن كانوا في غير مسجد، ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات ونحوها. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٤٩.
[ ١٢ / ٤٥٠ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فلا يقربنا، ولا يصلّي معنا" يدلّ على أن مُجتمَع الناس حيث كان لصلاة، أو غيرها، كمجالس العلم والولائم، وما أشبهها لا يقربها مَن أكل الثوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة، تؤذي الناس، ولذلك جَمَعَ بين الثوم والبصل والكرّاث في حديث جابر -﵁-. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٤] (٥٦٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٦) و"المغازي" (٥٤٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩٧ و١٣١٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٨)، و(الطبرانيّ) في "الصغير" (٢/ ٣٥)، و(الطحاويّ) (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٧)، وفوائده تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٥] (٥٦٣) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا (^٣) بِرِيحِ الثُّومِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٦٦.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "ولا يؤذنا".
[ ١٢ / ٤٥١ ]
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [١٠] (ت ٢١١) عن (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٥٨) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (وَلَا يُؤْذِيَنَّا) قال النوويّ -﵀-: هو بتشديد نون "يُؤْذِيَنَّا"، وإنما نبهت عليه؛ لأني رأيت من خَفّفه، ثم استَشْكَل عليه إثبات الياء، مع أن إثبات الياء المخففة جائز على إرادة الخبر. انتهى (^١). وتمام شرح الحديث سبق قريبًا.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٥] (٥٦٣)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و٢٦٦ و٤٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٥ و١٢٢٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٩)، و(الطحاويّ) (٤/ ٢٣٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٣٨٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٤٩.
[ ١٢ / ٤٥٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٦] (٥٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى (^١) مِنْهُ الإِنْسُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ) الكلابيّ، أبو سهل الرّقّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٧] (ت ٧ أو ٢٠٨) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد اللَّه، واسمه سَنْبَر كجَعْفَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في الإيمان ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وكثير، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن جابرًا صحابيّ ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "مما تأذّى".
[ ١٢ / ٤٥٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) -﵁- هكذا رواية المصنّف بالعنعنة، وأبو الزبير مدلّسٌ، لكن وقع تصريحه بالسماع عن جابر -﵁- عند أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٣٤٢) قال:
(١٢٢٣) حدّثنا يوسف بن مسلم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- أن يأكلوا البصَلَ والكُرّاث، فلم ينتهوا، ولم يجدوا من أكلها بُدًّا، فوجد ريحها، فقال: "ألم يُنْهَوْا عن أكل هذه البَقْلَة الخبيثة، أو المنتنة؟ من أكلها فلا يَغْشَنَا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذي، مما يتأذى به الإنسان"، فقيل لجابر: والثُّوم؟ قال: لَمْ يكن عندنا يومئذ ثومٌ. انتهى.
وقال الحميديّ -﵀- في "مسنده" رقم (١٢٧٨) قال: حدّثنا سفيان (^١)، قال: حدّثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، سُئل عن الثوم؟ فقال: "ما كان بأرضنا يومئذ ثومٌ، إنما الذي نُهي عنه البصل، والكرّاث"، وبهذا ثبت تصريح أبي الزبير بالسماع، فزالت تُهمة التدليس عنه، فتنبّه.
(قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ) بفتحتين، واحده بصَلَة، كقصب وقَصَبة: نبتٌ معروف (وَالْكُرَّاثِ) بضمّ الكاف، كرُمّان، وبفتحها، ككَتَّانٍ، قاله في "القاموس" (^٢)، وفي "المصباح": "الْكُرَّاثُ: بقلة معروفة، والكُرّاثة أخصّ منه، وهي خبيثة الريح". انتهى (^٣). (فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ) أي الاحتياج إلى أكل البصل والكرّاث، ففي رواية الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر -﵁- أن النبيّ -ﷺ- نَهَى زمنَ خيبر عن البصل والكُرّاث، فأكلهما قوم، ثم جاءوا إلى المسجد، فقال النبيّ -ﷺ-: "ألم أَنْهَ عن هاتين الشجرتين الْمُنْتِنَتَيْنِ؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، ولكن أجهدنا الجوع، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أكلهما فلا يحضر مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
_________________
(١) هو: ابن عيينة.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٧٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٠.
[ ١٢ / ٤٥٤ ]
(فَأَكَلْنَا مِنْهَا) هكذا النسخ بالإفراد، وفي روابة أحمد المذكورة: "فأكلهما قوم"، ولما هنا أيضًا وجه، وهو أن يؤوّل بالمذكورة، أو بجنس البَقْلَة (فَقَالَ) -ﷺ- ("مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ) اسم فاعل من أنتن الرباعيّ، قال في "القاموس": "النَّتْنُ": ضِدُّ الْفَوْح، نَتُنَ، كَكَرُمَ، وضَرَبَ نَتَانَةً، وأَنْتَنَ، فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ بكسرتين، وبضمّتين، وكقِنْدِيل. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": نَتُنَ الشيءُ بالضمّ نُتُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِيْنٌ، مثلُ قريبٍ، ونَتَنَ نَتْنًا، من باب ضَرَبَ، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌ، من باب تَعِبَ، وأنتنَ إنتانًا، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكْسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمُّ التاء إتباعًا للميم قليلٌ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر من عبارة "القاموس"، و"المصباح" أن "الْمُنْتِنة" هنا يجوز ضم ميمها، وهو الأشهر، وكسرها؛ إتباعًا لكسر التاء بعدها، وضمّ التاء إتباعًا لضمّ الميم قبلها، وهو قليلٌ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَا) ناهية، أو نافية، فعلى الأول يكون قوله: (يَقْرَبَنَّ) في محلّ جزم؛ لكونه مبنيًّا؛ لأجل نون التوكيد، وعلى الثاني، فهو في محلّ رفع خبر بمعنى النهي المؤكّد، وقد تقدّم أنه من بابي تعب، ونصر، وهو متعدّ، ولذا نصب قوله: (مَسْجِدَنَا) تقدّم أن المراد جنس المسجد، فلا يختصّ بالمسجد النبويّ، كما زعمه بعضهم، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في حديث ابن عمر -﵄- بلفظ: "فلا يأتينّ المساجد"، وفي رواية: "فلا يقربنّ مساجدنا"، ثم علّل النهي بقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي لأن الملائكة (تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى (^٣) مِنْهُ الْإِنْسُ") قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول: "تَأَذَى مِمَّا يَأْذَى منه الإنس" بتخفيف الذال فيهما، وهي لغةٌ، يقال: أَذِيَ يَأَذَى، مثلُ عَمِيَ يَعْمَي، ومعناه: تَأَذَّى. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ -﵀- بإيضاح أنه رُوي بوجهين:
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٢٧٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٢.
(٣) وفي نسخة: "مما تأذّى".
(٤) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٩.
[ ١٢ / ٤٥٥ ]
[أحدهما]: "تَأَذَّى مما يَتَأذّى منه الإنس"، بتشديد الذال فيهما، من التأذِّي، وأصل "تَأَذَّى" تتأذَّى بتاءين، فحُذفت إحداهما تخفيفًا، كما في ﴿تَصَدَّى﴾، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، و﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
[والثاني]: "تَأْذَى مما يَأْذَى منه الإنس"، مضارع أَذِيَ، من باب تَعِبَ، وهو بمعنى الأول، قال في "المصباح": أَذِيَ الشيءُ أَذًى، من باب تَعِبَ: بمعنى قَذِرَ، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: أي مستقذرٌ، وأَذِيَ الرجلُ أَذًى: وَصَلَ إليه المكروه، فهو أَذٍ، مثلُ عَمٍ، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آذيته إيذاءً، والأذيّةُ اسمٌ منه، فتأَذَّى هو. انتهى (^١).
والمعنى المناسب هنا وصول المكروه إلى الملائكة، واللَّه تعالى أعلم.
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليلٌ على منع آكل الثوم ونحوه، من دخول المسجد، وإن كان خاليًا؛ لأنه محلّ الملائكة، ولعموم الأحاديث، قاله النوويّ -﵀- (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٦] (٥٦٤)، (وابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٣٣٦٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٤ و٣٨٧ و٣٩٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٢٢٦)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٢٤٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٢٣ و١٦٤٦ و٢٠٨٦ و٢٠٨٧ و٢٠٩٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٤٩.
[ ١٢ / ٤٥٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (^٢)، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: زَعَمَ (^٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ"، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خُضَرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: "كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قبل حديث.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بذكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرَنَ بينهما؛ لاتّحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وحرملة بن يحيى".
(٣) وفي نسخة: "وزعم" بالواو.
[ ١٢ / ٤٥٧ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، نزل مصر، والثاني بالمدنيين، سوى عطاء، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الراء، وتخفيف الموحدة، واسمه أسلِم، كما مرّ آنفًا (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- (قَالَ) وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: زعَمَ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين شيخيه: أبي الطاهر، وحرملة، فقال أبو الطاهر في روايته: "أن جابر بن عبد اللَّه قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: من أكل. . . إلخ"، وقال حرملة: "أن جابر بن عبد اللَّه زعم أن رسول اللَّه -ﷺ- قال. . . إلخ"، وفي رواية البخاريّ: "عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد اللَّه زعم أن النبيّ -ﷺ- قال. . . " الحديث.
قال الخطابيّ -﵀-: لم يقل: زَعَمَ على وجه التُّهْمَة، لكنه لَمّا كان أمرًا مُختلَفًا فيه، أَتَى بلفظ الزعم؛ لأن هذا اللفظ لا يكاد يُستَعمَل إلَّا في أمر يُرتاب به، أو يُختَلف فيه.
قال الحافظ -﵀-: وقد يُستَعمَل في القول المحقَّق أيضًا، وكلام الخطابيّ لا ينفي ذلك. انتهى (^١).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) شكٌّ من الراوي، وهو الزهريّ، ولم تَختَلف الرواة عنه في ذلك، قاله في "الفتح" (وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ") هكذا رواية المصنّف بالواو، وكذا عند البخاريّ إلَّا في رواية أبي ذرّ، فإنه بلفظ: "أو ليقعد في بيته" بـ "أو" التي للشك أيضًا،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٩٧.
[ ١٢ / ٤٥٨ ]
وهذا أخصّ من الاعتزال؛ لأنه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
وقوله: (وَإِنَّهُ) أي النبيّ -ﷺ-، وهو بكسر "إنّ" معطوف على "إِنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال. . . إلخ"، فهو مقول قال، أو بفتح الهمزة عطفًا "أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال. . . إلخ" مفعول به لـ "زَعَمَ".
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "وأن النبيّ -ﷺ- أُتي بقدر. . . إلخ" فقال في "الفتح": هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتقدير: وحدّثنا سعيد بن عُفير -يعني شيخ البخاريّ هنا- بإسناده "أن النبيّ -ﷺ- أُتِي"، قال: وهذا الحديث الثاني كان مُتَقَدِّمًا على الحديث الأول بستّ سنين؛ لأن الأول تقدَّم في حديث ابن عمر وغيره أنه وقع منه -ﷺ- في غزوة خيبر، وكانت في سنة سبع، وهذا وقع في السنة الأولى عند قدومه -ﷺ- إلى المدينة، ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاريّ -﵁-، كما سأبيّنه. انتهى (^١).
(أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِقِدْرٍ) بكسر القاف، وهو: ما يُطْبَخ فيه، ويجوز فيه التأنيث والتذكير، والتأنيث أشهر، لكن الضمير في قوله: "فيه خَضِرَات" يعود على الطعام الذي في القِدْر، فالتقدير: أُتِي بقدر من طعام، فيه خَضِراتٌ، ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث، حيث قال: "فأُخبِر بما فيها"، وحيث قال: "قرِّبوها"، قاله في "الفتح" (^٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا تصرّف فيه تعسّفٌ، فلا تُحتاج إلى تطويل الكلام، ولَمّا جاز في "القدر"التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارةً بالتذكير، وتارةً بالتأنيث؛ نظرًا إلى جواز الوجهين. انتهى (^٣). وهو تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "بقدر" قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في نسخ "صحيح مسلم" كلِّها: "بقدر"، ووقع في "صحيح البخاريّ"، و"سنن أبي داود" وغيرهما من الكتب المعتمدة: "أُتي ببدر" بباءين موحّدتين، قال العلماء: هذا هو الصواب، وفسّر الرواةُ، وأهلُ اللغة والغريب البدر بالطبق، قالوا: سُمّي بدرًا؛
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٩٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٩٨.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٢.
[ ١٢ / ٤٥٩ ]
لاستدارته كاستدارة البدر، وهو القمر عند كماله. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: وقعت هذه اللفظة "ببدر" بالباء الموحدة، وهو الطَّبَقُ، سُمّي بذلك لاستدارته، وقد وقع لبعض الرواة "بقدر" بالقاف، واستُدلّ به على كراهة ما له ريحٌ من البقول، وإن طُبخ، وهذا ليس بصحيح، قالوا: وهو تصحيف، وصوابه: "ببدر"، وقد ورد في كتاب أبي داود: "أُتِي ببدر"، ولو سُلِّم أنه "بقدر"، فيكون معناه أنَّها لم تَمُتْ بالطبخ تلك الرائحة منها، فبقي المعنى المكروه، فكأنها نيئة. انتهى (^٢).
وقال البخاريّ -﵀- بعد روايته عن سعيد بن عُفير بلفظ: "أُتي بقدر" بالقاف ما نصّه: وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب: "أُتِيَ بِبَدْر".
قال في "الفتح": مراده أن أحمد بن صالح خالف سعيد بن عُفير في هذه اللفظة فقط، وشاركه في سائر الحديث، عن ابن وهب بإسناده المذكور.
وقد أخرجه البخاريّ في "الاعتصام"، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، فذكره بلفظ: "أُتِي ببَدْر"، وفيه قول ابن وهب: "يعني طَبَقًا فيه خضرات".
وكذا أخرجه أبو داود، عن أحمد بن صالح، لكن أَخَّرَ تفسير ابن وهب، فذكره بعد فراغ الحديث.
وأخرجه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب، فقال: "بِقِدر" بالقاف.
ورَجَّح جماعة من الشُّرّاح رواية أحمد بن صالح؛ لكون ابن وهب فَسَّر البَدْر بالطَّبَق، فدَلَّ على أنه حدَّث به كذلك.
وزَعَم بعضهم أن لفظة "بقدر" تصحيفٌ؛ لأنَّها تُشْعِر بالطبخ، وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطَّبَق، فظاهره أن البقول كانت فيه نِيئةً.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن رواية القدر أصحّ؛ لِمَا يأتي من حديث أبي أيوب وأم أيوب -﵄- جميعًا، فإن فيه التصريح بالطعام، ولا تعارُض بين امتناعه -ﷺ- من أكل الثوم وغيره مطبوخًا وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخًا، فقد عَلَّل ذلك بقوله: "إني لست كأحد منكم"، وترجم ابن خزيمة على حديث
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٥٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٦٧.
[ ١٢ / ٤٦٠ ]
أبي أيوب: "ذكرُ ما خَصَّ اللَّه نبيه -ﷺ- به من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخًا".
وقد جَمَع القرطبيّ في "المفهم" بين الروايتين بأن الذي في القِدْر لم يَنضِج حتى تَضْمَحِلّ رائحته، فبقي في حكم النيء. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي رجّحه الحافظ -﵀- من كون رواية "بقِدر" أصحّ هو الظاهر؛ لما ذكره، ولأن فيه السلامة من دعوى التصحيف على الرواة الثقات، ولأن معناه صحيح على التأويل الذي قاله القرطبيّ -﵀-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيهِ) أي في ذلك القدر (خُضَرَاتٌ) قال في "الفتح": ضُبِط في رواية أبي ذرّ بضم الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، وهو جمع خُضْرَة، ولغيره بفتح أوله، وكسر ثانيه، ويجوز مع ضم أوله ضمُّ الضاد، وتسكينها أيضًا. انتهى.
وقال في "العمدة": قال ابن التين: رَوَيناه بفتح الخاء، وكسر الضاد، وقال ابن قرقول: ضبطه الأصيليّ بضمّ الخاء، وفتح الضاد، والمعروف الأول. انتهى (^٢).
(مِنْ بُقُولٍ): "من" بيانيّة، ويجوز كونها للتبعيض، قاله في "العمدة" (فَوَجَدَ) النبيُّ -ﷺ- (لَهَا) أي لتلك الخضرات (رِيحًا) المراد الريح الكريه (فَسَأَلَ) أي عما فيها (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِمَا فِيهَا) أي بما في تلك القدر، وقد تقدّم أنه يؤنّث، وقد يُذكّر (مِنَ الْبُقُولِ) بالضمّ جمع بَقَل، كفلس وفُلُوس، وقد تقدّم أنه كلّ نبت اخضرّت به الأرض (فَقَالَ) -ﷺ- ("قَرِّبُوهَا") أمرٌ من التقريب، والضمير المنصوب يجوز أن يرجع إلى الخضرات، ويجوز أن يرجع إلى القدر، ويجوز أن يرجع إلى البقول، أفاده في "العمدة" (^٣). (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ) -ﷺ-، قال الكرمانيّ -﵀-: فيه النقل بالمعنى؛ إذ الرسول -ﷺ- لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قَرِّبوها إلى فلان مثلًا، أو فيه حذفٌ، أي قال: قَرِّبوها مشيرًا، أو أشار إلى بعض أصحابه. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاريّ، ففي "صحيح
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٢.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٢.
[ ١٢ / ٤٦١ ]
مسلم" من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبيّ -ﷺ- عليه قال: فكان يصنع للنبيّ -ﷺ- طعامًا، فإذا جيء به إليه -أي بعد أن يأكل النبيّ -ﷺ- منه- سأل عن موضع أصابع النبيّ -ﷺ-، فصنع ذلك مرّةً، فقيل له: لم يأكل، وكان الطعام فيه ثُومٌ، فقال: أحرام هو يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولكن أكرهه". انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ -﵀- من أن ذلك البعض هو أبو أيوب -﵁- هو الظاهر؛ لما ذكره، وقد تعقّبه العينيّ في ذلك، فإن أراد الاعتراض على جزمه بأنه أبو أيوب، فله وجه، وإلا فلا، فتأمّل ما كتبه بالإنصاف (^٢)، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَلَمَّا رَآهُ) أي رأى النبيّ -ﷺ- ذلك الرجل (كَرِهَ أَكْلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه كارهًا أكل ما في تلك القدر؛ لكونه -ﷺ- ترك أكلها (قَالَ) -ﷺ- لذلك الرجل ("كُلْ) ثم علّل تركه لها، وأمْرَه بأكلها بقوله: (فَإِنِّي) الفاء فيه للتعليل، أي لأني (أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي") أي أُسارُّ من لا تُسارُّ، وهم الملائكة، قال في "القاموس": وناجاه مناجاةً، ونِجاءً: سارّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته، وناجى القومُ: تسارُّوا، كتَنَاجَوْا، قال: ونَجَاه نَجْوًا، ونَجْوَى: سارّه، ونَكَهَهُ، والنَّجْوَى: السِّرُّ، والْمُسَارُّون، اسمٌ، ومصدرٌ. انتهى بتصرّف (^٣).
قال القرطبيّ -﵀-: هذا يُشعر بأن هذا الحكم خاصّ به -ﷺ-؛ إذ هو المخصوص بمناجاة الملك، ولكن قد عُلِّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم، حيث قال: "فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم"، وقولِهِ: "ولا تؤذينا بريح الثُّوم". انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": قوله: "كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي" أي الملائكة، وفي حديث أبي أيوب زمنه عند ابن خزيمة، وابن حبان من وجه آخر: أن رسول اللَّه -ﷺ- أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بَصَلٌ، أو كُرّاثٌ، فلم يَرَ فيه أثر رسول اللَّه -ﷺ-، فأبى أن يأكل، فقال له: "ما منعك؟ "، قال: لَمْ أَرَ أَثَرَ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٩٨.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٩٣.
(٤) "المفهم" ٢/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ١٢ / ٤٦٢ ]
يدك، قال: "أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بمحرَّم"، ولهما من حديث أم أيوب -﵄- قالت: نزل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، فتكلَّفنا له طعامًا فيه بعض البقول. . . فذكر الحديث نحوه، وقال فيه: "كلوا، فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أُوذي صاحبي"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٧ و١٢٥٨ و١٢٥٩] (٥٦٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٥) و"الأطعمة" (٥٤٥٢) و"كتاب الاعتصام" (٧٣٥٩)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٢)، و(الترمذيّ) في "الأطعمة" (١٨٠٦)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ و٨/ ٣٠٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٠)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٤ و١٦٦٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٤)، و(الطبرانيّ) في "الصغير" (٢/ ١٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٧ و١٢٢٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣١ و١٢٣٢ و١٢٣٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٦ و٧/ ٥٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٦).
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٨] (. . .) - (وحَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٢ / ٤٦٣ ]
"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَنِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وَقَالَ مَرَّةً-: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أول الباب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (الثُّومِ) بالجرّ بدل من "الْبَقْلة".
وقوله: (وَقَالَ مَرَّةً إلخ) فاعل "قال" ضمير ابن جُريج، كما بيّنته رواية أبي نعيم في "مستخرجه"، من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جُريج، ولفظه: "قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكراث".
وقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) قال القاضي عياض -﵀-: قال أبو القاسم بن أبي صفرة: فيه دليلٌ على تفضيل الملائكة على بني آدم، قال: ولا دليل في ذلك، ولا سيّما مع قوله: "فإن الملائكة تتأذى بما يتاذّى به الإنس"، فقد سوّاهم. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: "مَنْ أَكَلَ (^٢) مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ-
_________________
(١) "اكمال المعلم" ٢/ ٤٩٩.
(٢) وفي نسخة: "قال: من أكل".
[ ١٢ / ٤٦٤ ]
فَلَا يَغْشَنَا (^١) فِي مَسْجِدِنَا"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ، وَالْكُرَّاثَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) الضمير لمحمد بن بكر، وعبد الرزّاق.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد ابن جريج الماضي، وهو: عن عطاء، عن جابر -﵁-.
وقوله: (يُرِيدُ الثُّومَ) قال الحافظ -﵀-: لَمْ أعرف الذي فسره، وأظنه ابن جريج، فإن في الرواية التي تلي هذه -يعني عند البخاريّ- عن الزهريّ، عن عطاء الجزم بذكر الثوم، على أنه قد اختُلِف في سياقه عن ابن جريج، فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطان، عن ابن جريج بلفظ: "من أكل من هذه البقلةِ الثُّومِ" -يعني الرواية التي قبل هذه- وقال مرةً: "من أكل البَصَلَ، والثومَ، والكُرّاث"، ورواه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج مثله، وعَيَّن الذي قال: "وقال مرةً"، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم والبصل والكراث"، ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: "نَهَى النبيّ -ﷺ- عن أكل البصل والكراث"، قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم، هكذا أخرجه ابن خزيمة، من رواية يزيد بن إبراهيم، وعبد الرزاق، عن ابن عيينة كلاهما، عن أبي الزبير.
قال الحافظ: وهذا لا ينافي التفسير المتقدم؛ إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يُجْلَب إليهم، حتى لو امتَنَع هذا الحمل لكانت رواية المثبِتِ مقدمة على رواية النافي. انتهى (^٢).
_________________
(١) وفي نسخة: "فلا يغشانا في المسجد".
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٩٧.
[ ١٢ / ٤٦٥ ]
وقوله: (فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا) وفي نسخة: "فلا يغشانا في المسجد"، قال في "الفتح": قوله: "فلا يغشانا" كذا فيه بصيغة النفي التي يراد بها النهي، قال الكرمانيّ: أو على لغة من يُجرِي المعتلَّ مُجرَى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فظُنّ أنَّها ألف، والمراد بالغشيان: الإتيان، أي فلا يأتينا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه في توجيه إثبات ألف "يغشانا"؛ إذ الأصل أن تُحذف للجازم، إما أن نقول: إن "لا" هنا للنفي، لا للنهي، فليست جازمة، ويكون المراد بالنفي النهيَ المؤكّد، وإما أن نقول: هي ناهية، والفعل مجزوم، وإنما ثبتت الألف على لغة من يُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فيحذف الحركة المقدّرة، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
وقوله:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
وذكر السيوطيّ -﵀- في "همع الهوامع" أنه لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ بإثبات ياء ﴿يَتَّقِى﴾، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾.
ويَحْتَمِل أن تكون الألف تولّدت من إشباع الفتحة، والوجه الثاني هو الأولى؛ لأن تخريج القراءة المذكورة على اللغة أولى، فتبصّر.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٠] (٥٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (^١)، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرِّيحَ، فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ
_________________
(١) وفي نسخة: "عن أبي سعيد الخدريّ".
[ ١٢ / ٤٦٦ ]
مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا (^١) فِي الْمَسْجِدِ"، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكَرَهُ رِيحَهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم في الباب.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضم الجيم مصغّرًا- هو: سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ، مشهور بكُنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو نضرة علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، ثم رقّيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ قد اختلط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفًا، إلَّا أن الراوي عنه ابن عُليّة، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، وإلى ذلك أشرت في "عمدة المحتاط" حيث قلتُ:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ
_________________
(١) وفي نسخة: "فلا يَقْرَبَنَا" مخففًا.
[ ١٢ / ٤٦٧ ]
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُريعٍ أَعْلَى (^١)
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الجريريّ، عن أبي نضرة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، زاد في نسخة: "الْخُدريّ"، أَنه (قَالَ: لَمْ نَعْدُ) بفتح النون، وسكون العين المهملة، مضارع عدا، يقال: عدوتُ الشيء أعدوه، من باب "قال": إذا تجاوزته إلى غيره، وعدّيته وتعدّيته بالتشديد فيهما كذلك (^٢)، وقوله: (أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ) "أن" مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ "نَعْدُ"، أي لم نتجاوز فتح خيبر، ولم يطل زمن فتحها حتى وقعنا في أكل الثوم، وفي نسخة: "لَمْ يَعْدُ" بالياء، وعليها يكون المصدر المؤوّل فاعلًا، أي لم يتجاوز فتحُ خيبر، وقوعنا، ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير الوقوع المفهوم من السياق، والمصدر مفعولًا، أي لم يتجاوز وقوعنا في الأكل فتح خيبر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بنصب أصحاب على الاختصاص، أي أخصّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا". . كَـ "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَل" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ"
_________________
(١) وقولي "وإسماعيل": هو ابن عليّة، و"سفيان": هو الثوريّ، و"حماد" الأول: هو ابن سلمة، والثاني: ابن زيد، و"بشر": هو ابن المفضّل، و"الثقفيّ" هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و"ابن زُريع": هو يزيد. راجع الشرح "عدة أولي الاعتباط" (ص ٣٢ - ٣٤).
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٧.
[ ١٢ / ٤٦٨ ]
(فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ) هي كلّ نبات اخضرّت به الأرض، كما تقدّم، وقوله: (الثُّومِ) بضمّ المثلّثة بدل من "الْبَقْلة" (وَالنَّاسُ جِيَاعٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وفيه بيان سبب وقوعهم في أكلها مع خُبث رائحتها (فَأَكَلْنَا مِنْهَا) أي من تلك البقلة (أَكَلًا شَدِيدًا) المراد كثرة أكلهم منها (ثُمَّ رُحْنَا) بضمّ الراء، يقال: راح يروح، كقال يقول رَوَاحًا: إذا سار في وقت الرَّوَاح، وهو الْعَشيّ، أو من الزوال إلى الليل، أفاده في "القاموس" (^١). (إِلَى الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ (فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرِّيحَ) أي ريح البقلة التي أكلوها (فَقَالَ) -ﷺ- ("مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ) أي المستكرَهَة، والْمُنْتِنَ ريحُهَا، قال النوويّ -﵀-: سمّاها خبيثةً؛ لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه، من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى (^٢).
وقوله: (شَيْئًا) نكّره ليعمّ القليل والكثير (فَلَا يَقْرَبَنَّا) بتشديد النون كما تقدّم، وهي نون التوكيد مدغمة في نون "نا" الضمير، ووقع في بعض النسخ بتخفيفها، وعليها يكون الفعل غير مؤكّد بالنون (فِي الْمَسْجِدِ") تقدّم أن "أل" هنا للجنس، فيشمل المسجد النبويّ وغيره، ويؤيّده رواية: "في مساجدنا" بالجمع.
قال القاضي عياض -﵀-: وفي اختصاصه النهي عن دخول المساجد إباحة دخول الأسواق وغيره بها، وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد، ولا هي محلّ الملائكة، ولأنه إن آذى به أحدًا في سوقه تنحّى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ولا يُمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره الصلاة، وإن خرج فاتته الصلاة. انتهى (^٣).
(فَقَالَ النَّاسُ) أي الصحابة الذين سمعوا منه -ﷺ- كلام الكلام (حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول، وكُرّر للتوكيد، والضمير للبقلة، والمعنى أنهم لَمّا سمعوا النبيّ -ﷺ- نهى من أكل منها أن يقرب المسجد، ظنّوا أنه يريد تحريمها، ولا سيّما وقد سمّاها الشجرة الخبيثة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧].
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ١/ ٢٢٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٥٠.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٩٩.
[ ١٢ / ٤٦٩ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: لَمَّا سَمِع الصحابة -﵃- هذا الذّمّ ظنّوا أنَّها قد حُرِّمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فَهِموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها من أنهم قد سَمِعوا من قول اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فبيَّن لهم النبيّ -ﷺ- أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يُراد به ما لا يوافق عادةً واستعمالا، وعند هذا لا يصحّ للشافعيّ الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يُستَخبَثُ عادةً، كالحشَرَات وغيرهما؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادةً، وإلى مستخبث شرعًا، ومراده تعالى في الآية المستخبثات الشرعيّة؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنَّها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير، وإن كان قد يُستطاب، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من هنا يتبيّن أن من يستدلّ على تحريم شرب الدخان (السجارة) بهذه الآية غير مصيب؛ لأن الخبث لا يدلّ على التحريم؛ إذ ليس كلّ خبيث حرامًا، كما بيّن النبيّ -ﷺ- أن خُبْث هذه الشجرة لا يجعلها حرامًا، وإنما يصحّ الاستدلال على النهي عن شرب الدخان من جهة الطبّ؛ إذ هو مناف للصحّة، كما أثبت ذلك الأطبّاء، ففيه إلقاء النفس إلى التهلكة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وأيضًا هو متلف للمال بدون ضرورة.
والحاصل أن كلّ حرام خبيثٌ وليس كلُ خبيث حرامًا، فتنبّه، لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ -ﷺ-) أي قولهم: "حُرّمت حُرّمت" (فَقَالَ) -ﷺ- ("أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي) يعني أنه -ﷺ- لا يجوز له أن يُحَرِّم شيئًا مما أحلّ اللَّه تعالى له دون أن يأتيه الأمر من اللَّه -﷿- بتحريمه، فإن التحريم والتحليل للَّه -﷿-، وإنما النبيّ -ﷺ- مبلّغ عنه (وَلَكِنَّهَا) أي البقلة التي أكلوها (شَجَرَةٌ أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهت الأمرَ أَكْرَهه، من باب تَعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، أكرهه: ضدّ أحببته، فهو مكروه (^٢). (رِيحَهَا) يعني أن سبب
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٦٨.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢.
[ ١٢ / ٤٧٠ ]
نهيي مَن أكلها عن قرب المسجد ليس لكونها حرامًا، وإنما هو لكراهتي ريحها، حيث يتأذَّى بها الناس، والملائكة.
قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على أن الثُّوم ليس بحرام، وهو إجماعُ مَن يُعْتَدُّ به كما سبق، وقد اختَلَفَ أصحابنا في الثوم، هل كان حرامًا على رسول اللَّه -ﷺ-، أم كان يتركه تَنَزُّهًا؟، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرَّم عليه -ﷺ-، ومن قال بالتحريم يقول: المراد ليس لي أن أُحَرّم على أمتي ما أَحَلَّ اللَّه لها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عدم تحريمه على النبيّ -ﷺ- هو الأرجح، كما دلّ عليه ظاهر هذا الحديث، حيث قال -ﷺ-: "ليس بي تحريم ما أحلّ اللَّه لي"، فقد بيّن أنه حلال له، فكيف يُقبل تأويلهم بما أحلّ اللَّه لأمته؟ هذا غير صحيح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦٠] (٥٦٥)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٧ و١٦٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٩ و١٢٣٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٤)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦١] (٥٦٦) - (حَدَّثَنَا (^١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٤٧١ ]
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ (^١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ، وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرَف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلِّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، نُسب لجدّه المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٣ - (ابْنُ خَبَّابٍ) هو: عبد اللَّه بن خَبّاب الأنصاريّ النّجّاريّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو سعيد" في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، وهو مدنيّ، ثم مصريّ، والباقيان مدنيان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) زاد في نسخة: "وهو عبد اللَّه بن خبّاب" (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
_________________
(١) وفي نسخة: "عن ابن خبّاب، وهو عبد اللَّه بن خبّاب".
[ ١٢ / ٤٧٢ ]
الْخُدْرِيِّ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ) بفتح الزاي، وتشديد الراء: هي الأرض المزروعة، قاله النوويّ (^١).
وقال في "اللسان": الْمَزْرَعَةُ، والْمَزْرُعَةُ، والزَّرَّاعَةُ، والْمُزْدَرَعُ: موضع الزَّرْعِ، وقال الشاعر [من البسيط]:
وَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُمُ نَخْلًا وَمُزْدَرَعًا … كَمَا لِجِيرَانِنَا نَخْلٌ وَمُزْدَرَعُ
وهو مُفْتَعَلٌ من الزرع، وقال جرير [من الطويل]:
لَقَلَّ غَنَاءٌ عَنْكَ فِي حَرْبِ جَعْفَرٍ … تُغَنّيكَ زَرَّاعَاتَهَا وَقُصُورُهَا
أي قصيدتك التي تقول فيها: زرّاعاتها وقُصُورها. انتهى (^٢).
والمعنى هنا: أنه -ﷺ- مرّ على أرض مزروعة بصلًا.
(هُوَ) أتي بالضمير المنفصل، ليمكنه عطف الاسم الظاهر، وهو قوله: "وأصحابُهُ" على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأَصْحَابُهُ) -﵃- مرفوع عطفًا على فاعل "مَرَّ".
[تنبيه]: كان مرور النبيّ -ﷺ- وأصحابه على تلك الزرّاعة في غزوة خيبر، كما بيّنته رواية أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما"، ولفظ أبي عوانة: عن أبي سعيد الخدريّ، قال: غزونا مع رسول اللَّه -ﷺ- خيبر، فمررنا بِمَبْقَلَة فيها بصلٌ، فأكل منه طائفة منّا، وطائفة وَقَفُوا ولم يأكلوا، وطائفة لَمْ يَرَوَا المبقلة، وكنا نَرُوح إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فيَمْسَح رؤوسنا، ويَدْعُو لنا، فرُحْنا إليه، فلما اقتربنا إليه، وجد ريح البصل، فقال: "من أكل الشجرة فلا يقربنا"، أو نحو هذا، وقال بعضهم: حتى يذهب ريحها، وقال أصبغ: فدعا الذين لم يأكلوا، وأخَّر الآخرين حتى ذهب ريحها. انتهى (^٣).
(فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ) أي من أصحاب النبيّ -ﷺ- (فَأَكَلُوا مِنْهُ) أي من ذلك البصل الذي في تلك الزّرّاعة، والظاهر أن صاحب الزرّاعة أذن لهم، أو أكلوا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٥١.
(٢) "لسان العرب" ٨/ ١٤١.
(٣) "مسند أبي عوانة" ١/ ٣٤٤.
[ ١٢ / ٤٧٣ ]
بناءً على جوازه للمحتاج، فقد أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن، واللفظ لأحمد، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد اللَّه بن عمرو: سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن الرجل يدخل الحائط؟، قال: "يأكلُ غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً" (^١) وهو حديثٌ حسنٌ.
ورواه أيضًا الترمذيّ، وابن ماجه من حديث عمر -﵁- مرفوعًا، ولفظ الترمذيّ: "من دخل حائطًا فليأكل، ولا يَتَّخِذ خُبْنةً"، ولفظ ابن ماجه: "إذا مَرّ أحدكم بحائط فليأكل، ولا يتخذ خُبْنةً"، وصحّحه الشيخ الألبانيّ -﵀- (^٢).
(وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ) لعلهم سمعوا كراهة النبيّ -ﷺ- له، أو لعدم حاجتهم إليه (فَرُحْنَا) بضمّ الراء، كما سبق قريبًا، أي ذهبنا (إِلَيْهِ) -ﷺ- (فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ) أي طلبهم أن يتقربوا من مجلسه -ﷺ-؛ لعدم ارتكابهم ما يستوجب البعد عنه، فيَمْسَحُ رؤوسهم، ويَدْعُو لهم، كما سبق في رواية أبي عوانة (وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ) أي أبعدهم عن مجلسه؛ لارتكابهم أكل ما له رائحة كريهة (حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا) أي ريح تلك الزرّاعة، والمراد ريح ما زُرع فيها من البصل ونحوه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦١] (٥٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده"
_________________
(١) "الخُبْنة بضمّ الخاء، وسكون النون: مَعْطِف الإزار، وطرفُ الثوب، أي لا يتّخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خَبَأَ شيئًا في خُبْنَة ثوبه، أو سراويله، قاله في "النهاية" ٢/ ٩.
(٢) رواه الترمذيّ برقم (١٢٠٨)، وابن ماجه (٢٣٠١)، وصححه الشيخ الألبانيّ. راجع: "صحيح الترمذيّ" ٣/ ٥٨٣، ولعل تصحيحه لشواهده، وإلا ففي سنده يحيى بن سُليم متكلّم فيه، ولا سيّما في روايته عن عبيد اللَّه بن عمر، وهذا منه، فليُتأمل.
[ ١٢ / ٤٧٤ ]
(١٢٣٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٠٩)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٢] (٥٦٧) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ (^٢): إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لَا أُرَاهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أقوَامًا يَأْمُرُونَنِي (^٣) أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ -ﷺ-، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ، فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ الضُّلَّالُ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَيْءٍ، مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ (^٤): "يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ"، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا (^٥) مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي (^٦) إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ -ﷺ-، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ، لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ،
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وقال".
(٣) وفي نسخة: "يأمروني".
(٤) وفي نسخة: "وقال".
(٥) وفي نسخة: "قضى بها".
(٦) وفي نسخة: "فإني".
[ ١٢ / ٤٧٥ ]
هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ (^١) رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أول الباب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضًا أول الباب.
٣ - (هِشَام) بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ، تقدّم في الباب أيضًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) ويقال: ابن طلحة، الْيَعْمَريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨.
٧ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العُزّى بن رِيَاح بن عبد اللَّه بن قُرط بن رَزَاح بن محمديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى معدان، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى سالم، وهو كوفيّ، ومعدان شاميّ، وعمر -﵁- مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
_________________
(١) وفي نسخة: "هذا البصل، وهذا الثوم، ولقد".
[ ١٢ / ٤٧٦ ]
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن سالم، عن معدان.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان الشيطان يفرّ منه، وكان من المحدَّثين، جمّ المناقب -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) سيأتي أن الدارقطنيّ انتقد على مسلم ذكر معدان بين سالم، وعمر -﵁-؛ لمخالفة قتادة للحفّاظ فيه، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵀- (خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي عوانة الآتية: "خطبنا عمر بن الخطّاب"، فصرّح معدان بأنه حضر تلك الخطبة.
[تنبيه]: كانت خطبة عمر -﵁- هذه بعد رجوعه من الحجة الأخيرة التي حجها بالناس، وقد ذكر البخاريّ -﵀- في "صحيحه" سبب هذه الخطبة مطوّلًا، ودونك نصّه:
(٦٨٣٠) حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه، حدّثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: كنت أُقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمني، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حَجّةٍ حجَّها، إذ رجع إليّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان، يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلانًا، فواللَّه ما كانت بيعة أبي بكر إلَّا فَلْتَةً فتمَّت؟ فغَضِب عمر، ثم قال: إني إن شاء اللَّه لقائمٌ العشيةَ في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يَغصِبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين: لا تفعل، فإن الموسم يَجمَع رَعَاع الناس وغَوْغَاءهم (^١)، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم
_________________
(١) "الرَّعَاع" بالفتح الرذلاء، وقيل: الشباب منهم، و"الْغَوغاء": السفلة المسرعون إلى =
[ ١٢ / ٤٧٧ ]
في الناس، وأنا أخشى أن تقوم، فتقول مقالةً يُطِيرها عنك كلّ مُطِير، وأن لا يَعُوها، وأن لا يَضَعوها على مواضعها، فأَمْهِل حتى تَقْدَم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتَخْلُص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيَعِي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما واللَّه إن شاء اللَّه لأقومنّ بذلك أولَ مَقَامٍ أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدِمنا المدينةَ في عقب ذي الحجة، فلما كان يومُ الجمعة عَجَّلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تَمَسُّ ركبتي ركبته، فلم أَنْشَب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلًا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: ليقولنّ العشيةَ مقالةً لَمْ يقُلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليّ، وقال: ما عسيت أن يقول ما لَمْ يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ فإني قائل لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقَلها ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خَشِي أن لا يَعقِلها فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليّ، إن اللَّه بعث محمدًا -ﷺ- بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول اللَّه -ﷺ-، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللَّه، فيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، والرجم في كتاب اللَّه حقّ على من زني، إذا أُحْصِن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبَلُ، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللَّه: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن أَبائكم، أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، إلا ثم إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد اللَّه ورسوله"، ثم إنه بلغني أن قائلًا منكم يقول: واللَّه لو قد مات عمر، بايعت فلانًا، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، إلا وإنها قد كانت كذلك، ولكن اللَّه وَقَى شَرَّها، وليس منكم من تُقطَع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من
_________________
(١) = الشرّ، وأصله صغار الجراد حين يبدأ في الطيران.
[ ١٢ / ٤٧٨ ]
بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقتَلا (^١)، وإنه قد كان مِن خبرنا حين توفى اللَّه نبيه -ﷺ- أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سَقِيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نُريدهم، فلما دنونا منهم لَقِيَنا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْرَبوهم، اقضوا أمركم، فقلت: واللَّه لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَّمَّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عُبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يُوعَك، فلما جلسنا قليلًا تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار اللَّه، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهطٌ، وقد دَفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحضُنُونا من الأمر (^٢) فلما سكت، أردت أن أتكلم، وكنت قد زَوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أُقَدِّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلَّم، قال أبو بكر: على رسلك، فكَرِهت أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني، وأوقر، واللَّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلَّا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن يُعْرَف هذا الأمر إلَّا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رَضِيتُ لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان واللَّه أن أُقَدَّم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلَّا أن تُسَوِّل إليّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها الْمُحَكَّك (^٣)، وعُذَيقها
_________________
(١) أي حذرًا من القتل.
(٢) أي يُخرجونا منه.
(٣) هو تصغير جِذل، وهو العود الذي يُنصب للإبل الْجَرْبَى لتحتكّ به، وهو تصغير =
[ ١٢ / ٤٧٩ ]
الْمُرَجَّب (^١)، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثُرَ اللَّغَط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونَزَونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللَّه سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا واللَّه ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نَرْضَي، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مَشُورَةٍ من المسلمين، فلا يُتَابَعُ هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقتَلا. انتهى.
(فَذَكَرَ) عمر -﵁- (نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-) قد سبق في حديث البخاريّ قوله: "إن اللَّه بعث محمدًا -ﷺ- بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب. . . "، وقوله: إلا ثم إنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد اللَّه ورسوله. . . " (وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ) -﵁-، أي ذكره بالخير وأثنى عليه.
(قَالَ) عمر -﵁-، وفي نسخة: "وقال" (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ "زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(رَأَيْتُ) أي في المنام (كَأَنَّ دِيكًا) بكسر الدال: ذكرُ الدَّجَاج، والجمع: دُيُولٌ، ودِيَكَةٌ، وزانُ عِنَبَةٍ، قاله في "المصباح" (^٢).
_________________
(١) = تعظيم، أي أنا ممن يُستشفى برأيه، كما تَستشفِي الإبل الجَربَى بالاحتكاك بهذا العود. انتهى. "النهاية" ١/ ٢٥١.
(٢) قال في "النهاية": الرُّجْبة: هو أن تُعْمَد النخلة المكريمة ببناء، من حجارة، أو خشب، إذا خيف عليها؛ لطولها وكثرة حَمْلها أن تقع، ورَجَّبْتُها فهي مُرَجَّبةٌ، والْعُذيق تصغير الْعَذْق بالفتح، وهي النخلة، وهو تصغير تعظيم، وقد يكون ترجيبها بأن يُجعَل حولها شوك؛ لئلا يُرقَى إليها، ومن الترجيب أن تُعْمَد بخشبة ذات شعبتين. انتهى. "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ١٩٧.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٠٥.
[ ١٢ / ٤٨٠ ]
وقال في "القاموس": الدِّيكُ با لكسر معروفٌ، جمعه: دُيُوكٌ، وأَدْيَاكٌ، ودِيَكَةٌ، كَقِرَدَةٍ، وقد يُطلَق على الدَّجَاجة، كقوله [من الرجز]:
وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقَّا (^١)
وقال في "اللسان": الدِّيك: ذكر الدَّجَاج معروفٌ، وقوله [من الرجز]:
وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقَّا
إنما أنّثه على إرادة الدجاجة؛ لأن الديك دَجَاجة أيضًا، والجمع القليل أَدْيَاك، والكثير دُيُوك، ودِيَكَةٌ. انتهى (^٢).
(نَقَرَنِي) يقال: نقر الطائر الحبّ نَقْرًا، من باب نصر: التقطه، والْمِنْقَار له كالفم للإنسان، ونَقَرَ السهمُ الْهَدَفَ نَقْرًا: أصابه، قاله في "المصباح" (^٣). (ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ) بفتحات جمع نَقْرَة، بفتح فسكون، ولا يجوز تسكين العين في الجمع؛ لكونه وسطه حرفًا صحيحًا، إلا في الضرورة الشعريّة، كقوله [من الطويل]:
وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ الْعَشِيِّ يَدَانِ
وقد أشار إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:
وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا أَنِلْ … إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ
إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا
وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدْ رَوَوْا
وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي نعيم: "كأن دِيكًا نقرني نقرةً أو نقرتين"، وفي رواية شعبة، عن قتادة عند ابن أبى عوانة: "كأن ديكًا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين".
قال القرطبيّ -﵀-: هذا الديك الذي أُريه عُمر -﵁- مثال لِلْعِلْج الذي قتله، وهو أبو لُؤْلُؤَة، غلام المغيرة بن شُعبة، وكان مجوسيًّا، وكان نَجّارًا حدّادًا نقّاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاريّ وغيره، وهو أنه وثب على عمر -﵁-، وهو في صلاة الصبح، بعد أن دخل عمر فيها، فطعنه ثلاث طَعَنات، فصاح عمر": قتلني، أو أكلني الكلب ظانًّا منه أنه كلبٌ عضَّه، فتناول
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٠٣.
(٢) "لسان العرب" ١٠/ ٤٣٠.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢١.
[ ١٢ / ٤٨١ ]
عمر عبد الرحمن بن عوف، فكمّل الصلاة بالناس، ثم إن العِلْج وَثَبَ، وفي يده سكِّين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شِمالًا إلَّا طعنه، حتى طَعَن ثلاث عشر رجلًا، مات منهم تسعة، وقيل: سبعة، فطَرَح عليه رجلٌ خميصةً كانت عليه، فلما رأى الْعِلْج أنه مأخوذٌ نَحَرَ نفسه، وحزَّ عبد الرحمن بن عوف (^١) رأسه، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قصّة قتل عمر -﵁- ساقها الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بطولها، وهو من أفراده، وإليك نصّه:
(٣٧٠٠) حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن حُصين (^٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب -﵁- قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وَقَف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنيف، قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حَمَّلتما الأرض ما لا تطيق؟ (^٤) قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سَلّمني اللَّه لأدَعَنّ أرامل أهل العراق لا يَحتَجن إلى رجل بعدي أبدًا، قال: في أتت عليه إلَّا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلَّا عبد اللَّه بن عباس غَداةَ أصيب، وكان إذا مَرّ بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لَمْ يَرَ فيهن خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، في هو إلَّا أن كبَّر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار الْعِلج بسكين ذات طرفين، لا يَمُرّ على أحد يمينًا ولا شمالا إلَّا طعنه، حتى طَعَن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من
_________________
(١) هكذا في "المفهم"، والظاهر أنه غلط، وإنما هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن الزهري، كما ذكره في "الفتح" ٧/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٦٩.
(٣) هو: ابن عبد الرحمن.
(٤) المراد أرض السواد من العراق، وكان عمر -﵁- بعثهما يضربان عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية.
[ ١٢ / ٤٨٢ ]
المسلمين (^١)، طرَحَ عليه بُرْنُسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نَحَر نفسه، وتناول عُمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أري، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فَقَدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفةً، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعةً، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمد للَّه الذي لَمْ يجعل مِيتتي بيد رجل يَدَّعِي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك تحبان أن تَكْثُر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا، فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعدَما تكلموا بلسانكم، وصَلَّوا قبلتكم، وحجُّوا حجكم، فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعَلِموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شابّ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى اللَّه لك، من صحبة رسول اللَّه -ﷺ-، وَقَدَمٍ في الإسلام ما قد علمتَ، ثم وُلِّيتَ فعدلتَ، ثم شهادةٌ، قال: ودِدتُ أن ذلك كفافٌ، لا عليّ، ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يَمَسّ الأرض، قال: رُدُّوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد اللَّه بن عمر انظر ما عليّ من الدين، فحَسَبُوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، أو نحوه، قال: إن وَفَى له مال آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلا فسَلْ في بني عديّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عَنِّي هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقْرأ عليكِ عمر السلامَ، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدْفَن مع صاحبيه، فسَلَّم، واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يَقرَأ عليكِ عمر بن الخطاب السلامَ،
_________________
(١) صحّح في "الفتح" أنه حطّان التميميّ اليربوعيّ، وأما ما جاء أنه غيره، فهو بسند ضعيف منقطع، فتنبّه.
[ ١٢ / ٤٨٣ ]
ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرِنّ به اليومَ على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحِبّ يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد للَّه، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضَيتُ، فاحمِلُوني، ثم سَلِّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن رَدَّتني رُدُّوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فوَلَجَت عليه، فبكت عنده ساعةً، واستأذن الرجال، فولَجَت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أَوْصِ يا أمير المؤمنين، استَخْلِف، قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين تُوُفِّي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو عنهم راضٍ، فسَمَّى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، وقال: يَشْهَدكم عبدُ اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أن يُقْبَل من محسنهم، وأن يُعْفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاةُ المال، وغيظ العدوّ، وأن لا يؤخذ منهم إلَّا فَضْلُهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادّة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرَدَّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللَّه، وذمة رسوله -ﷺ- أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، ولا يُكَلَّفوا إلَّا طاقتهم، فلما قُبِض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسَلَّم عبد اللَّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأُدخل، فوُضِع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تَبَرَّأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّهُ عليه والإسلام، لَيَنْظُرنّ أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان،
[ ١٢ / ٤٨٤ ]
فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، واللَّه عليّ أن لا آلُو عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللَّه -ﷺ-، والقِدَم في الإسلام ما قد علمتَ، فاللَّه عليك لئن أَمَّرتُك لتعدِلَنّ، ولئن أمَّرتُ عثمان لتَسمَعَنّ، ولَتُطيعنّ، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايَعَهُ، فبايع له عليّ، ووَلَجَ أهل الدار، فبايعوه. انتهى.
وروى مالك في "الموطّأ" عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، أنه سمعه يقول: لَمّا صَدَر عمر بن الخطاب من مني، أناخ بالأبطح، ثم كَوَّم كُومة بطحاء، ثم طَرَح عليها رداءه، واستلقى، ثم مَدَّ يديه إلى السماء، فقال: اللهم كَبِرت سني، وضَعُفت قُوّتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضَيِّع، ولا مُفَرِّط، ثم قَدِم المدينة، فخطب الناس، فقال: أيها الناس قد سُنَّت لكم السُّنَنُ، وفُرِضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلَّا أن تَضِلُّوا بالناس يمينًا وشمالًا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تَهْلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حَدَّين في كتاب اللَّه، فقد رَجَم رسول اللَّه -ﷺ-، ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب اللَّه تعالى، لكتبتها: "الشيخُ والشيخةُ فارجموهما البتة"، فإنا قد قرأناها، قال مالك: قال يحيى بن سعيد، قال سعيد بن المسيِّب: في انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر -﵀-. انتهى (^١).
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة عطفًا على "إني" الماضي (لَا أُرَاهُ) بضمّ الهمزة، أي لا أظنّ تفسير ما رأيته من نَقَرات الديك، ويَحْتَمِل أن يكون "أَرَاهُ" بفتح الهمزة، بمعنى أعتقده (إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي) أي إلَّا كونها إشارةً إلى قرب موتي (وِإنَّ) بالكسر أيضًا؛ لما مرّ آنفًا (أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي) بنونين: الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وفي بعض النسخ بنون واحدة، فيحتمل أن يكون بالتخفيف على حذف إحدى النونين، ويَحْتَمِل أن يكون بالتشديد على الإدغام (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أَستَخْلِفَ) أي أجعل خليفة يقوم مقامي في أمر الأمة.
_________________
(١) رواه في "الموطّأ" برقم (١٢٩٧).
[ ١٢ / ٤٨٥ ]
قال القرطبيّ -﵀-: معنى الأمر هنا: الْعَرْضُ، والتحضيض، أو الْفُتيا بأنه يجب عليه أن يستخلف، وأنه مأمورٌ بذلك من جهة اللَّه تعالى، وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لَمّا سَمِعُوا من عمر -﵁- تأوله لمنامه بحضور أجله، وهذا قبل وقوع طعنه.
وَيَحْتَمِلُ أن يكون هذا بعد أن طُعِنَ، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدلّ مساقُ هذا الخبر. انتهى (^١).
(وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ) يَحْتَمِلُ أن يكون مضارع ضَيّع بالتشديد، من التضييع، ويَحْتَمِل أن يكون بالتخفيف، من الإضاعة، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
وقوله: (دِينَهُ) منصوب على المفعوليّة، وكذا قوله: (وَلَا خِلَافَتَهُ) وقوله: (وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ -ﷺ-) من عطف المؤكِّد على المؤكَّد؛ لأن الذي بُعِثَ به -ﷺ- هو دين اللَّه -﷿-.
قال النوويّ -﵀-: معناه: إن أستخلف فحسَنٌ، وإن تركتُ الاستخلاف فحسنٌ، فإن النبيّ -ﷺ- لَمْ يستخلف؛ لأن اللَّه -﷿- لا يضيع دينه، بل يُقيم له من يقوم به. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: إنما قال ذلك عمر -﵁-؛ لأنه عَلِمَ مما قد فَهِمَه من كتاب اللَّه تعالى، وسَمِعه من رسول اللَّه -ﷺ- أن اللَّه تعالى يستخلف المؤمنين في الأرض، ويُمكِّنُ لهم دينهم، ويُظهره على الدين كلّه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي﴾ [النور: ٥٥] الآية، فقال ذلك ثقةً بوعد اللَّه، وتوكّلًا عليه.
والخلافة هنا: القيام بأمر أمة محمد -ﷺ- على نحو ما قام به محمد -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر -﵄-. انتهى (^٣).
(فَإِنْ عَجِلَ) بكسر الجيم، يقال: عَجِلَ عَجَلًا، من باب تَعِبَ وعَجَلَةً:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٦٩.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٥٢.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٧٠.
[ ١٢ / ٤٨٦ ]
أسرع، وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، ومنه العاجلة للساعة الحاضرة، قاله الفيّوميّ (^١). (بِي أَمْرٌ) يعني إن حلّ بي الموت (فَالْخِلَافَةُ شُورَى) بضمّ الشين المعجمة، والقصور: اسم من التشاور، قال الفيّوميّ -﵀-: وشاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شارَ الدابّةَ: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَارِ، ويقال: من شُرْب الْعَسَل، شُبِّهَ حُسْنُ النصيحة بشرب العسَل، وتشاور القوم، واشتوروا، والشُّورَى اسم منه، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مثلُ قولهم: أمرُهُم فَوْضَى بينهم، أي لا يستأثِرُ أحدٌ بشيء دون غيره. انتهى (^٢).
(بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ) "بين" ظرف لـ "شُورَى"، يعني أنهم يتشاورون فيما بينهم بشأن الخلافة، ويتّفقون على واحد منهم، وليس المراد أنهم يحكمون معًا، بدليل قول عمر -﵁- فيما سبق من حديث ابن عبّاس -﵄- عند البخاريّ: "فإن أصابت الإمرة سعدًا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر". (الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليّة، والستّة هم: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد اللَّه، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف -﵃-.
وإنما لم يُدخل سعيد بن زيد معهم، وإنْ كان من العشرة؛ لأنه من أقاربه، فتورّع عن إدخاله، كما تورّع عن إدخال ابنه عبد اللَّه -﵃-، قاله النوويّ -﵀- (^٣).
[تنبيه]: هؤلاء الستّة مع الشيخين، وسعيد بن زيد بن نُفيل هم: العشرة المبشرّون بالجنّة في حديث واحد (^٤).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٢٧.
(٣) "شرح النوويّ" ٥/ ٥٢.
(٤) المراد بالعشرة المبشّرين بالجنّة هم الذين ذُكروا في سياق حديث واحد، وإلا فالمبشّرون أكثر من العشرة.
[ ١٢ / ٤٨٧ ]
أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه كان في المسجد، فذكر رجل عليًّا -﵁-، فقام سعيد بن زيد، فقال: أشهد على رسول اللَّه -ﷺ- أني سمعته، وهو يقول: "عشرة في الجنة: النبيّ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت سميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد" هذا لفظ أبي داود.
وأخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
(١٦٣٢) حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صدقة بن المثنَّي، حدثني جدّي رِيَاح بن الحارث، أن المغيرة بن شعبة، كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة عن يمينه، وعن يساره، فجاءه رجل يُدْعَى سعيد بن زيد، فحيّاه المغيرة، وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، فاستقبل المغيرةَ، فسَبَّ ولسَبّ، فقال: من يَسُبّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسب عليّ بن أبي طالب، قال: يا مغير بن شُعْبَ، يا مغير بن شُعْبَ ثلاثًا، إلا أسمع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يُسَبُّون عندك، لا تنكر، ولا تُغَيّر، فأنا أشهد على رسول اللَّه -ﷺ- بما سمعت أُذناي، ووعاه قلبي، من رسول اللَّه -ﷺ-، فإني لم أكن أَرْوِي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعليّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة"، لو شئت أن أسميه لسميته، قال: فَضَجّ أهل المسجد يناشدونه، يا صاحب رسول اللَّه من التاسع؟ قال: ناشدتموني باللَّه، واللَّهِ العظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول اللَّه -ﷺ- العاشر، ثم أَتْبَع ذلك يمينًا، قال: واللَّه لمشهد شَهِده رجل يُغَبِّر فيه وجهه مع رسول اللَّه -ﷺ- أفضل من عمل أحدكم، ولو عُمِّر عمر نوح -﵇-. انتهى.
وجاء في رواية أخرى أن العاشر هو أبو عبيدة بن الجرّاح -﵁-، فقد أخرج النسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" من طريق عبد الرحمن بن حميد،
[ ١٢ / ٤٨٨ ]
عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدّثه في نفَر أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- قال: "عشرة في الجنة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص"، قال: فعدّ هؤلاء التسعة، ثم سكت عن العاشر، فقال القوم: ننشُدُك اللَّه يا أبا الأعور، أنت العاشر؟ قال: إذ نشدتُموني باللَّه، أبو الأعور في الجنّة.
وأخرجه الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنّة، وأبو عُبيدة بن الجرّاح في الجنّة" (^١). واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة أيضًا عطفًا على "إني" الأول (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أقوَامًا يَطْعَنُونَ) بضمّ العين وفتحها، وهو الأصحّ هنا، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: طَعَنَهُ بالرُّمْح طَعْنًا، من باب قَتَل، وطَعَنَ في الْمَفَازَة طَعْنًا: ذَهَبَ، وطَعَن في السِّنِّ: كَبِرَ، وطَعَنَ الْغُصن في الدار: مال إليها مُعْتَرِضًا فيها، قال الزمخشريّ: طَعَنْتُ في أمر كذا، وكلُّ ما أخذتَ فيه، ودخلتَ فقد طَعَنْتَ فيه، وعلى هذا فقولهم: طَعَنت المرأة في الحيضة، فيه حَذفٌ، والتقدير: طَعَنَتْ في أيام الحيضة، أي دخلت فيها، وطَعَنتُ فيه بالقول، وطَعَنْتُ عليه، من باب قَتَل أيْضًا، ومن باب نَفَعَ لغةٌ: قَدَحْتُ، وعِبْتُ طَعْنًا، وطَعَنَانًا، وهو طاعن، وطَعّان في أعراض الناس، وأجاز الفراء يَطْعَن في الكل بالفتح؛ لمكان حرف الحلق، والْمَطْعَنُ يكون مصدرًا، ويكون موضعَ الطَّعْن. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيَّن بما ذُكر أن "يَطْعُنُ" هنا يجوز فيه ضم العين، وفتحها، وأن المعنى المراد هنا هو القدح والعيب، أي يقدحون ويَعِيبون (فِي هَذَا الْأَمْرِ) أي الأمر الذي أصدره في وصيّته الآن، وهو جعله أمر
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ في "المناقب" رقم (٦١١٨)، وأحمد في "مسنده" رقم (١٦٧٥).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٣.
[ ١٢ / ٤٨٩ ]
الخلافة شُورَى بين هؤلاء الستّة (أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ) أي حاربتهم، وقاتلتهم على أن يدخلوا في الإسلام، والمراد أنهم ليسوا من السابقين الأولين إليه، ولا ممن رسخ قدمه فيه، بل هم قريبو العهد به، فجملة "أنا ضربتهم" صفة لـ "أقوامًا" بعد صفة (فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ) أي الطعن في هذا الأمر، وأرادوا إثارة الفتن (فَاُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ) بفتحات: جمع كافر، كما قال في "الخلاصة":
وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ
وقوله: (الضُّلَّالُ) بضمّ الضاد، وتشديد اللام: جمع ضالّ، كما قال في "الخلاصة":
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
قال النوويّ -﵀-: معناه: إن استحلّوا ذلك فهم كَفَرَةٌ ضُلَّالٌ، وإن لم يستحلّوا ذلك، ففعلهم كفعل الكفرة، أي فُخُذوا على أيديهم. انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فإن فعلوا ذلك" أي إن أفشوا الطعن، وعَمِلوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يَرْضَوا بالذين اخترتهم، فأولئك عند اللَّه الْكَفَرَة الضُّلّال، وظاهر هذا أنه حَكَم بكفرهم، وكأنه عَلِمَ أفهم منافقون، وعلى هذا يدلّ قوله: "أنا ضربتهم بيدي على الإسلام"، يعني أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرح صدورهم للإسلام، إنما تستّروا بالإسلام، وذلك حال المنافقين.
ويَحْتَمِل أنهم لَمّا فَعَلوا فعل الكفّار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومُشاقّة المسلمين، أَطْلَقَ عليهم ما يُطلَق على الكفّار، وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كُفْرِان النِّعَم والحقوق. انتهى (^١).
(ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ) أي لا أترك (بَعْدِي) أي بعد موتي (شَيْئًا أهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ) قال الحافظ ابن كثير -﵀-: الكلالة مُشْتَقَّةٌ من الإكليل، وهو الذي يُحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا مَن يرثه من حواشيه، لا أصوله، ولا فروعه، كما رَوَى الشعبيُّ عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه سئل عن الكلالة؟
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٧٠.
[ ١٢ / ٤٩٠ ]
فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما وُلِّيَ عمر -﵁- قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره": حدَّثنا محمد بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس -﵄- يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر -﵁-، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وهكذا قال عليّ، وابن مسعود، وصَحّ عن غير واحد، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبيّ، والنخعيّ، والحسن، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم، وبه يقول أهل المدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حَكَى الإجماع عليه غيرُ واحد، وورد فيه حديثٌ مرفوعٌ (^١)، قال أبو الحسين بن اللَّبّان: وقد رُوي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^٢).
وقال في موضع آخر بعد ذكره تفسير الصدّيق -﵁- للكلالة الماضي ما نصّه: وهذا الذي قاله الصدِّيق -﵁- عليه جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبةً، وهو الذي يدُلُّ عليه القرآن، كما أرشد اللَّه أنه قد بَيَّنَ ذلك، ووَضَّحَهُ في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -﵀- في "تفسيره": الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ: أي أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛
_________________
(١) الحديث المرفوع ضعيف، ولفظه: "من لم ينرك مالًا ولا والدًا، فورثته كلالةٌ"، راجع: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رقم (٤٦٥٣).
(٢) "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٦١.
(٣) "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٩٦.
[ ١٢ / ٤٩١ ]
لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضًا، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورثته كلالةٌ، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيك، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا، وأجمعوا على أن الكلالة مَن مات ليس له ولد ولا والد، وهكذا قال صاحب "كتاب العين"، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والْقُتَبيّ، وأبو عبيد، وابن الأنباريّ، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلَّله النسب، ومنه قيل: رَوْضَةُ مُكَلَّلةُ: إذا حُفَّت بالنَّوْر، وأنشدوا:
مَسْكَنُهُ رَوْضَةٌ مُكَلَّلَةٌ … عَمَّ بِهَا الأَيْهُقَانُ وَالذُّرَقُ (^١)
يعني نَبْتَيْن، وقال امرؤ القيس [من الطويل]:
أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ … كَلَمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ (^٢)
فَسَمُّوا القرابة كلالةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم يَنْتَسِبون معه، كما قال أعرابيّ: مالي كثير، ويرثني كلالةٌ مُتَرَاخٍ نسبهم، وقال الفرزدق [من الطويل]:
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ … عَنِ ابْنَي مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
وقال آخر [من المتقارب]:
وَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ … وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ
وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ وإعياء، قال الأعشى [من الطويل]:
فَآلَيْتُ لَا أَرْثي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ … وَلَا مِنْ وَجًى (^٣) حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا
وذكر أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة، قال: الكلالة كلُّ من لم يرثه أبٌ، أو ابنٌ، أو أخٌ، فهو عند العرب كلالةٌ.
_________________
(١) "الأَيهُقان": الجرجير البريّ، و"الذُّرَقُ" كصُرَدٍ: بقلة وحشيشة كالقتّ الرطب.
(٢) وَمضَ البرق: لَمَعَ، و"الْحَبيّ": السحاب المعترض، و"المكلَّل": الذي في جوانبه البرق مثل الإكليل.
(٣) الوجَى: الْحَفَى.
[ ١٢ / ٤٩٢ ]
قال أبو عُمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلطٌ، لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره.
ورَوَى عن عمر بن الخطاب -﵁- أن الكلالة من لا وَلَدَ له خاصّةً، ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه، وقال ابن زيد: الكلالة الحيّ والميت جميعًا، وعن عطاء: الكلالةُ المال، قال ابن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له.
قال القرطبيّ: له وجه يتبيّن بالإعراب آنفًا.
ورُوي عن ابن الأعرابيّ: أن الكلالة بنو العم الأباعد، وعن السُّديّ: أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور.
وهذه الأقوال تتبيّن وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: "يُوَرِّث كلالةً" بكسر الراء وتشديدها، وقرأ الحسن، وأيوب: "يُورِثُ" بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما، وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلا الوَرَثَةَ، أو المال، كذلك حَكَى أصحاب المعاني، فالأول مِن وَرَّثَ، والثاني من أَوْرَثَ، و"كلالةً" مفعوله، و"كان" بمعنى وَقَعَ، ومن قرأ "يُورَثُ" بفتح الراء احتَمَلَ أن تكون الكلالة المالَ، والتقدير: يُورَثُ وِراثةَ كلالةٍ، فتكون نعتًا لمصدر محذوف، ويجوز أن تكون الكلالة اسمًا للورثة، وهي خبر "كان"، فالتقدير: ذا وَرَثَةٍ، ويجوز أن تكون تامّة بمعنى وقع، و"يورَثُ" نعت لـ "رجلٌ"، و"رجلٌ" رُفِعَ بـ "كان"، و"كلالةً" نُصِب على التفسير، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، والتقدير: وإن كان رجلٌ يورَث مُتَكَلِّل النسب إلى الميت. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
[تنبيه]: ذكر اللَّه ﷿ في كتابه الكلالة في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر في الموضعين وارثًا غير الإخوة، فأما في الآية الأولى فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عُنِي بها الإخوة للأم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٦ - ٧٧.
[ ١٢ / ٤٩٣ ]
فِي الثُّلُثِ﴾، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: "وله أخ أو أخت من أمه"، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم كهذا، فدلَّ إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة الْمُتَوَفَّى لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم يَختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدَلَّت الآيتان أن الإخوة كُلَّهم جميعًا كلالةٌ.
وقال الشعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد، من الورثة إخوةً أو غيرهم من العصبة، كذلك قال عليّ، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس -﵃-، قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده؛ لصحة خبر جابر -﵁-، فقلت: يا رسول اللَّه إنما يرثني كلالةٌ، أَفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا. . ." الحديث، متّفقٌ عليه (^١).
[فائدة]: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كلالةٌ، وامرأةٌ كلالةٌ، ولا يثنَّى، ولا يُجمَعُ؛ لأنه مصدرٌ، كالوكالة، والدلالة، والسَّمَاحة، والشَّجَاعة، وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾، ولم يقل: لهما، وقد سبق ذكر الرجل والمرأة، على عادة العرب، إذا ذَكَرت اسمين، ثم أَخبَرَت عنهما، وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما جميعًا، تقول: من كان عنده غلام وجارية، فليحسن إليه، وإليها، وإليهما، وإليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية، ويجوز أولى بهم، قاله الفراء وغيره (^٢).
(مَا) نافيةٌ (رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَيْءٍ) أي من أحكام الدين (مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ) أي بيان حكمها، و"ما" مصدريّةٌ، والمصدر المؤّول نعت لمصدر مفعول مطلقٌ لـ "راجعتُ"، أي مثل مراجعتي في الكلالة (وَمَا أَغْلَظَ) -ﷺ-، وهو بالبناء للفاعل (لِي فِي شَيْءٍ) أي مما سأله من الأحكام (مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ) أي مثل إغلاظه في سؤالي عن الكلالة (حَتَّى طَعَنَ) بالبناء للفاعل
_________________
(١) راجع: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٨.
(٢) راجع: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٨.
[ ١٢ / ٤٩٤ ]
أيضًا (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبوع بالضمّ، وزانُ أُسْبُوع، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (فِي صَدْرِي) أي تأديبًا له لتشدّدة في السؤال.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- ما حاصله: مقتضى الآية الأولى أن كلَّ واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أُنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف، وللاثنين الثلثين، ولم يُبيَّن في واحدة من الآتين الإخوة، هل هي لأمّ، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الإخوة في الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقّاءُ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم، وإن كان معهم بعض الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عَسِيرٌ، كما سنبيّن الصحيح من ذلك كلّه في "الفرائض" -إن شاء اللَّه تعالى-.
فلَمّا استُشكلت على عمر -﵁- هذه الوجوه تشوّف إلى معرفتها بطريق يُزيح له الإشكال، فأَلَحّ على النبيّ -ﷺ- بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبيّ -ﷺ- على صدره، وأغلظ عليه في ذلك؛ رَدْعًا له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نُهي عن كثرة السؤال، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يُبيِّنُ بعضه بعضًا.
وقال الخطّابيّ -﵀-: يُشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، ووكل الأمر إلى بيان الآية؛ اعتمادًا على علمه وفهمه؛ ليتوضَلَ إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فَهْمَ له لَبَيَّنَ له البيان الشافي.
قال: وإن اللَّه تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول "سورة النساء"، وفيها إجمالٌ، وإبهامٌ لا يكاد يتبيّن المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر "النساء" في الصيف، وفيها زيادة بيان. انتهى (^١).
(فَقَالَ) -ﷺ-، وفي نسخة: "وقال" ("يَا عُمَرُ أَلَا) أداة تحضيض (يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ) أي الآية التي نزلت في فصل الصيف، وهو أحد الفصول الأربعة
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٧٢.
[ ١٢ / ٤٩٥ ]
المشهورة، قال الفيّوميّ -﵀-: السنة: أربعة أزمنة، وهي الفُصول أيضًا:
[فالأول]: الرَّبِيع، وهو عند الناس الخَرِيف، سَمَّته العرب رَبيعًا؛ لأن أوّل المطر يكون فيه، وبه يَنبُت الربيع، وسمّاه الناس خَرِيفًا؛ لأَن الثمار تُخْتَرَف فيه، أي تُقْطَع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان.
[والثاني]: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الْجَدْي.
[والثالث]: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع.
[والرابع]: الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السَّرَطَان. انتهى (^١).
(الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ") يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦].
(وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيَشًا، كسار يسير سيرًا: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضًا مبالغةٌ (^٢)، وقوله: (أقضِ) مجزوم على أنه جواب الشرط، أي أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي حكمت (^٣). (فِيهَا) أي في الكلالة، أي في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ) أي بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في "القاموس": "القضاءُ"، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضي قَضْيًا، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا. انتهى (^٤). (يَقْضِي بِهَا) أي بتلك القضية (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) يعني أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها.
قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة -﵁-، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٦.
(٢) "المصباح" ٢/ ٤٤٠.
(٣) "المصباح" ٢/ ٥٠٧.
(٤) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٧٨.
[ ١٢ / ٤٩٦ ]
لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) عمر -﵁- (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ) أي الذين ولّاهم على أمصار المسلمين النائية من المدينة (وَإِنِّي) وفي نسخة: "فإني" (إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ) أي على أهل الأمصار (لِيَعْدِلُوا) بكسر الدال، من العَدْل -بفتح، فسكون- وهو خلاف الْجَوْر، قال الفيّومي -﵀-: العَدْلُ: القَصْدُ في الأمور، وهو خلاف الْجَورِ، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلًا، من باب ضَرَبَ، وعدل على القوم عَدْلًا أيضًا، ومَعْدِلَةً بكسر الدال وفتحها، وأما عَدَلَ يَعْدَل بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع، من باب تَعِبَ، فهو بمعنى جار وظَلَم. انتهى بتصرّف (^٢). (عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا) بتشديد اللام، من التعليم (النَّاسَ دِينَهُمْ) وقوله: (وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ -ﷺ-) عطف تفسير وبيان لـ "دينهم"؛ لأن دينهم هو سنّة النبيّ -ﷺ-، وهو الإسلام، قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي أكمله اللَّه تعالى، ورضيه لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ) بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة، وهو: ما أصيب من أموال الكفّار بعد أن تضع الحرب أوزارها، وأما ما أُصيب منهم عَنْوَةً، والحرب قائمةٌ، فهو الغنيمة.
قال ابن الأثير -﵀-: "الْفيءُ": هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار من غير حرب، ولا جهاد، وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فِئَةً، وفُيُوءًا، كأنه كان أصله لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فيءٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قال: والغَنِيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. انتهى كلام ابن الأثير -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد صدق في قوله: "كأنه كان أصله لهم إلخ"؛
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٧٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٦.
(٣) "النهاية" ٣/ ٣٨٩ و٤٨٢.
[ ١٢ / ٤٩٧ ]
لأن منافع الدنيا من المال وغيره خُلقت؛ ليستعين بها المؤمنون على طاعة اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية، فاستولى عليها الكفّار، واغتصبوها منهم، فلما أقام المؤمنون الجهاد، وغلبوا عليهم، وأخذوا أموالهم، فقد رجع إليهم ما اغتصبوه منهم، فلهذا سمّاه اللَّه تعالى فيئًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَيَرْفَعُوا) أي أمراء الأمصار (إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ) أي أمر أهل الأمصار الذي لا يستطيعون حلّه، ولا يقدرون على أن يقيموه على الوجه المطلوب، فيرفعوه إلى وليّ الأمر حتى يقوم بحلّ ما أشكل منه، ويُعينهم على إقامته على الوجه المطلوب.
(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ) تقدّم أن إطلاق الشجر على ما لا ساق له، مثل البصل والثوم جائز لغةً، وهو الراجح؛ لأحاديث هذا الباب الصحيحة، وإن كان أكثر أهل اللغة لا يُطلقونه إلا على ما له ساق، وأما ما لا ساق له، فهو النَّجْم، فتنبّه.
وقوله: (لَا أَرَاهُمَا) بالبناء للفاعل: أي لا أعتقدهما (إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ) جملة في محل نصب على الحال، سُمِّيَا خبيثتين؛ لقبح رائحتهما، وتقدّم أن الخبيث في اللغة: هو المكروه من قول، أو فعل، أو غير ذلك، وقوله: (هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ) يَحْتَمِل النصب على البدليّة من "شجرتين"، ويَحْتَمِل الرفع، على أنه مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيّا، كأنه قيل له: ما هاتان الشجرتان؟، فأجاب بقوله: هذا البصلُ والثُّومُ.
(لَقَدْ) وفي نسخة: "ولقد" بالواو (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا) أي ريح البصل والثوم (مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (أَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه من المسجد (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (إِلَى الْبَقِيعِ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: مقبرة المدينة، وإنما أُخرج إلى ذلك المكان البعيد، ولم يُترك خارج المسجد؛ تشديدًا في تأديبه حتى لا يعود مرّةً أخرى.
(فَمَنْ أَكَلَهُمَا) أي من أراد أكل البصل والثُّوم (فَلْيُمِتْهُمَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإماتة، أي ليُزل رائحتهما الكريهة (طَبْخًا) منصوب بنزع
[ ١٢ / ٤٩٨ ]
الخافض، أي بالطبخ، وإماتة الشيء: كسرُ حِدّته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجتها بالماء، وكسرت حِدّتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦٢ و١٢٦٣] (٥٦٧) وسيأتي في "كتاب الفرائض" (١٦١٧)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣) وفي "الكبرى" (٧٨٧) و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٣٥) و"الأطعمة" منها (٦٦٧٣ و٦٦٨٢ و٦٦٨٤)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٤) و(الأطعمة" (٣٣٦٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (ص ١١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ - ٥١١ و٨/ ٣٠٤)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٥ و٢٦ و٤٨ - ٤٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠ و٢٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٩١)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٧ و١٢١٨ و١٢١٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٦ و١٢٣٧ و١٢٣٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٨٧٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في انتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطنيّ -﵀- على المصنّف هذا الحديث:
قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعَمْرو بن مُرّة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعًا، لم يذكروا فيه معدان، قال الدارقطنيّ: وقتادة وإن كان ثقةً، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مُدَلِّس، ولم يَذكُر فيه سماعَهُ من سالم، فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم، فرواه عنه.
[ ١٢ / ٤٩٩ ]
قال النوويّ: هذا الاستدراك مردودٌ؛ لأن قتادة، وإن كان مُدَلِّسًا، فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاريّ ومسلم عن المدلسين، وعنعنوه، فهو محمولٌ على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلِّس هذا الحديثَ ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يَذكُر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر، متصلًا به، وقد اتفقوا على أن المدلِّس لا يُحتَجُّ بعنعنته، كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلمًا -﵀- يَعْلَم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يَحتَجَّ به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يَذكُر معدانًا، من غير أن يكون له ذكر، والذي يُخاف من المدلِّس أن يَحذِف بعض الرواة، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلِّس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذِكْرُ معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها.
والعجب من الدارقطني: في كونه جعل التدليس موجِبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّهُ من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما ردّ به النوويّ على الدارقطنيّ أمران:
أحدهما: أن ما كان في "الصحيحين" معنعنًا عن طريق المدلّسين محمول على السماع.
والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يُخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها، هذا ملخّص ردّه -﵀-.
وعندي أن قتادة وإن كان معروفًا بالتدليس، فهذا ليس مما دلّسه قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه كما في الرواية التالية، وقد ثبت وعُرف أن شعبة لا يروي عن قتادة إلا ما صرّح فيه بالسماع، نُقل عنه أنه قال: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: "حدّثنا"، و"سمعتُ" حفظته، وإذا قال: حدّث فلان تركته، وقال أيضًا: كَفَيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٥١ - ٥٢.
[ ١٢ / ٥٠٠ ]
والظاهر أن المصنّف: أتبع روايته لهذا الغرض، واللَّه تعالى أعلم.
وقد نظمت القاعدة المذكورة مع زيادة يحيى القطّان، والليث بن سعد إذا روى عن أبي الزبير المكيّ بقولي:
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوَ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا
مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ
كَذَلِكَ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ شَمَاعًا يُؤْتَمَنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ يُخْشَى يَا فَطِنْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِر فَلْتَعْلَمَا
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ … يَصبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ
والحاصل أن الحديث صحيح من الطريق الذي أخرجه المصنّف -﵀-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عمر -﵁-، وعلمه بتعبير الرؤيا، فقد وقع ما فسّر به رؤياه نقر الديك له ثلاث نَقَرات مطابقًا، حيث طعنه العلج ثلاث طعنات، فمات منها، وقد أخبر النبيّ -ﷺ- بأنه من الْمُحَدّثين، فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكُ في أمتي أحد، فإنه عمر"، وفي لفظ: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل، رجال يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر".
وأخرج مسلم عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم"، قال ابن وهب: تفسير مُحَدَّثون: مُلْهَمُون.
٢ - (ومنها): أنه حجة للإلحاح في سؤال العالم، ومباحثته، وجواز تأديب المعلِّم للمتعلّم إذا رآه أسرف في ذلك.
٣ - (ومنها): أن قوله: "إن اللَّه لا يضيع دينه ولا خلافته" فيه حجة لما
[ ١٢ / ٥٠١ ]
وقع عليه إجماع المسلمين من إقامة الخليفة لهم، قاله القاضي عياض -﵀- (^١).
٤ - (ومنها): جواز قول "سورة النساء"، و"سورة البقرة"، و"سورة العنكبوت"، ونحوها، وهذا مذهب مَن يُعْتَدُّ به من العلماء، والإجماع اليوم منعقد عليه، وكان فيه نزاع في العصر الأول، وكان بعضهم يقول: لا يقال: سورة كذا، وإنما يقال: السورة التي يُذْكَر فيها كذا، وهذا باطل مردودٌ بالأحاديث الصحيحة، واستعمالِ النبيّ -ﷺ-، والصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، من علماء المسلمين، ولا مَفْسَدَة فيه؛ لأن المعنى مفهوم، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
٥ - (ومنها): أن فيه إخراج من وُجد منه ريح الثُّوم والبصل، ونحوهما من المسجد.
٦ - (ومنها): أن رحبة المسجد له حكمه؛ لأنه -ﷺ- لم يكتف بإخراجه إليه، بل أبعده إلى البقيع.
٧ - (ومنها): أن من أراد أكل البصل والثوم ونحوهما بينبغي له أن يُميتها بالطبخ.
٨ - (ومنها): إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وهو أول ما جاء الأمر بإزالة المنكر به في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٠١.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٥٣.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٥٠٢ ]
إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم ثقة حافظٌ، ورمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الحافظ الناقد الواسطيّ، ثم البصري [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن سعيد بن أبي عروبة، وشعبة كلاهما حدّثا به عن قتادة.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، فـ "في" بمعنى الباء.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: أما رواية سعيد بن أبي عروبة، فقد ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٦٢) فقال:
(١٢٣٦) حدّثنا ابن (^١) يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا عبد اللَّه بن بكر، ثنا سعيد بن أبي عروبة (ح) وحدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا غُندر بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، عن سعيد بن أبي عروبة، وحدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن سعيد، ثنا عبدان بن أحمد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب، صَعِدَ المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه،
_________________
(١) هو أحمد بن يوسف بن خلاد النصيبي المتوفى سنة (٣٥١ هـ).
[ ١٢ / ٥٠٣ ]
ثم ذكر نبيّ اللَّه -ﷺ- وأبا بكر، ثم قال: يا أيها الناس، إني رأيت أن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، وأن ناسًا يأمروني أني (^١) أستخلف، وأن اللَّه تعالى لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، وما بَعَثَ به رسوله، فإن عَجِل أمرٌ، فالشورى في هؤلاء الستة الذين تُوُفّي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو عنهم راضٍ، فمن بايعهم فاسمعوا له وأطيعوا، فإن رجالًا سيطعنون في ذلك، أنا قاتلتهم بيدي على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء اللَّه الكَفَرة الضُّلال، وإني لا أَدَعُ شيئًا أهم عندي من أمر الكلالة، وما أغلظ لي رسول اللَّه -ﷺ- في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طَعَن بإصبَعه في صدري، أو في جنبي، ثم قال: يا عمر يكفيكها آية الصيف التي أُنزلت في آخر سورة النساء، وإني إن أعتبر (^٢) أقض بقضاء لا يَختلف فيه أحد، يقرأ القرآن ومن لا يقرأ، وإني أشهد اللَّه على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينهم، وسنة نبيهم -ﷺ-، ويَعْدِلوا عليهم، ويَقْسِموا فيهم (^٣)، ويرفعوا إلينا ما أشكل علينا (^٤)، وإنكم يا أيها الناس تأكلون من شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين، قد كنت أرى الرجل على عهد رسول اللَّه -ﷺ- يوجد ريحها منه، فيؤخذ بيده، فيُخْرَج إلى البقيع، فمن كان أكلهما لا بُدّ فليمتهما طبخًا: الثوم، والبصل. انتهى.
زاد في رواية ابن شيبة في "مصنفه" (٧/ ٤٣٧) قال: فخطب بها عمر يوم الجمعة، وأصيب يوم الأربعاء، لأربع بقين لذي الحجة. انتهى.
وأما رواية شَبَابة بن سَوّار، فساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٤١) فقال:
(١٢١٨) حدّثنا أبو عليّ الزعفرانيّ، والدُّوريّ، وابن المنادي، قالوا: ثنا
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب "أن أستخلف"، كما هو في الروايات الأخرى.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من قوله: "إن أُعمّر"، ولفظ مسلم: "إن أَعِشْ"، فتأمل.
(٣) هكذا النسخة، وفي رواية مسلم وغيره: "ويَقسموا فيهم فيأهم"، فتأمل.
(٤) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من "عليهم"، كما هو عند مسلم وغيره، فتأمّل.
[ ١٢ / ٥٠٤ ]
شَبَابة، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمَريّ، قال: خطبنا عمر بن الخطاب -﵁-، فقال: رأيت كأن ديكًا أحمر نَقَرني نقرة أو نقرتين، فلا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، فإن عَجِل بي أمرٌ، فإن الشُّورَى إلى هؤلاء الستة الذين تُوُفِّي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو عنهم راضٍ، وإني أعلم أن أُناسًا سيطعنون في هذا الأمر بعدي، فإن فعلوا فأولئك أعداء اللَّه الكُفّار الضُّلال، أنا جاهدتهم بيدي هذه على الإسلام، إني أشهد اللَّه على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينهم، وسنة نبيهم، وليَقْسِموا فيهم فيأهم، قال: وما أغلظ لي رسول اللَّه -ﷺ-، أو ما نازلت رسول اللَّه -ﷺ- في شيء ما أغلظ لي في آية الكلالة، حتى ضَرَب في صدري، وقال: تكفيك آية الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦]، وسأقضي فيها بقضاء، يعلمه من يقرأ، ومن لا يقرأ، هو مما خلا الأبَ أحسِبُ، ألا أيها الناس إنكم تأكلون من شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: الثوم والبصل، وإن كان رسول اللَّه -ﷺ- لَيَأْمُر بالرجل يوجد منه ريحهما، أن يُخْرَج إلى البقيع، فمن كان منكم آكلهما، فليمتهما طَبْخًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.