وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٤] (٥٦٨) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ (^٢)، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدثنا".
(٢) وفي نسخة: "ابن الهادي".
[ ١٢ / ٥٠٥ ]
ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبيّ، أبو زُرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] (ت سنة بضع ١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
٣ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) هو: سالم بن عبد اللَّه النَّصْريّ -بالنون- أبو عبد اللَّه المدنيّ، ويقال له: مولى النصريين، مولى مالك بن أوس، ومولى دوس، ومولى الْمَهْريّ، ومولى شدّاد، والدُّوْسيّ، وسالم سَبَلَان، صدوقٌ [٣] (ت ١١٠) (م د س ق) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ومولى شدّاد، فما أخرج لهما البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) ووقع في نسخة: ابن الهادي بالياء، وهو الأفصح في الاستعمال، قال في "الخلاصة":
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
وقد تقدّم البحث في هذا في ترجمة عمرو بن العاص، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ ١٢ / ٥٠٦ ]
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً) أي يطلبها برفع الصوت، و"يَنْشُد" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: نَشَدَ الضَّالَّةَ يَنْشُدُها، من باب قتل: إذا طلبها، وكذا إذا عرّفها، والاسم نِشْدة، ونِشْدانٌ بكسرهما، وأنشدها: عَرَّفَها، قاله الفيّوميّ (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: يقال: نَشَدتُ الدابّة: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرَّفتها، ورواية هذا الحديث "يَنْشُدُ" بفتح الياء، وضمّ الشين، من نَشَدت: إذا طَلَبتَ. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: يقال: نشَدت الضّالّة، فأنا ناشدٌ: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرّفتها، وهو من النَّشِيد، وهو رفع الصوت. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن نَشَد الثلاثيّ يُستعمل للطلب، وللتعريف، وأما أنشد الرباعيّ فيُستعمل للتعريف فقط، وأن الرواية في هذا الحديث "يَنْشُدُ" الثلاثيّ، كما أفاده النوويّ -﵀-.
و"الضّالّة": الحيَوَان الضائع، قال ابن الأثير -﵀-: الضالة: هي الضائعة من كل ما يُقْتَنَى من الحيوان وغيره، يقال: ضَلَّ الشيءُ: إذا ضاع، وضَلَّ عن الطريق: إذا حار، وهي في الأصل فاعلةٌ، ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتُجْمَع على ضَوَالّ، قال: وقد تُطْلَق الضالة على المعاني، ومنه الحديث: "الكلمة الحكيمة ضالةُ المؤمن"، وفي رواية "ضالةُ كل حكيم" (^٤)، أي لا يزال يَتَطَلَّبُها كما يتطلب الرجل ضالته. انتهى (^٥).
وقال الفيّوميّ -﵀-: الضَّلالُ: الْغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالّةٌ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٥٤.
(٣) "النهاية" ٥/ ٥٣.
(٤) هذا الحديث ضعيف جدًّا، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الكلمةُ الحكمةُ ضالّةُ المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها"، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي متروك الحديث.
(٥) "النهاية" ٣/ ٩٨.
[ ١٢ / ٥٠٧ ]
بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضّوَالّ، مثل دابّة ودوابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ ولُقَطَةٌ، وضَلَّ البعير: غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فَقَدتُهُ، قال الأزهريّ: وأضللتُ الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت كالدار قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلَّني كذا بالألف: إذا عَجَزت عنه، فلم تَقْدِر عليه، وقال في "البارع": ضَلَّني فلان، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حَيَوَانًا، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضللته، وقال الفارابيّ: أضللته بالألف: أضعته.
قال: وقوله: لا يجوز بيع الآبق، والضالِّ، إن كان المراد الإنسان فاللفظ صحيحٌ، وإن كان المراد غيره، فينبغي أن يقال: والضالة بالهاء، فإن الضالّ، هو الإنسان، والضالّة: الحيوان الضائع. انتهى (^١).
(فِي الْمَسْجِدِ) متعلّقٌ بـ "يَنْشُدُ" (فَلْيَقُل) أي السامع، يعني عقوبة له؛ لارتكابه في المسجد ما لا يجوز فيه، وظاهره أنه يقوله جهرًا؛ لأنه -ﷺ- قاله جهرًا، حتى سمع الصحابة منه، ونقلوه إلينا (لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ) هذا دعاء عليه بعدم وجود ضالّته، وفي الرواية الآتية: "لا وجدتَّ"، وفي رواية أبي داود: "لا أدّاها اللَّه إليك".
فكلمة "لا" لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار جائز في الدعاء، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١].
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الصواب في معنى الحديث، وأما ما ذكره بعض الشرّاح كالسنوسيّ، فإنه قد طوّل نفسه بما لا فائدة فيه، واستحسن كون الحديث دعاء له، لا دعاء عليه، وأن "لا" ناهيةً، أي لا تَنْشُدْ، وقوله: "ردّها اللَّه عليك" دعاءً له بردّ ضالّته عليه، فغير صحيح، ويبطله قوله: "فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا"، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
[ ١٢ / ٥٠٨ ]
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "لا ردّها اللَّه عليك" دعاءٌ على الناشد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده، فليُلحق به ما في معناه، فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، دُعي عليه على نقيض مقصوده ذلك بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد، وإليه ذهب مالك في جماعة، حتى كرهوا رفعَ الصوت في المسجد في العلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم، قالوا: لأنه لا بُدّ لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك ممنوعٌ، بل لهم بُدّ من ذلك بوجهين:
أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة بإخطار ذلك بالبال، والتحرّز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرّز منه.
والثاني: أنه إذا لم يتمكّن من ذلك، فليَتَّخِذ لذلك موضعًا يخصّه، كما فعل عمر -﵁-، وقال: من أراد يَلْغَط، أو يُنشد شعرًا، فليُخرج من المسجد. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح قول من قال بجواز رفع الصوت في المسجد بالعلم ونحوه؛ لأن الصحابة -﵃- كانوا يسألون النبيّ -ﷺ- عما يحتاجون إليه في المسجد رافعين أصواتهم، ولم يمنع أحدًا منهم عن رفع صوته بالسؤال، وكذا كان هو يُجيبهم رافعًا صوته، وهذا مما لا يخفى على من له إلمام بدواوين السنّة، فالقول بالكراهة مما لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإنَّ الْمَسَاجِدَ) الفاء للتعليل، أي لأن المساجد (لَمْ تُبْنَ) بالبناء للمفعول (لِهَذَا") أَي لنشد الضالّة، وفي الرواية الآتية: "إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له"، أي وهو الصلاة، وذكر اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، والعلم، ونحوها.
وروى ابن أبي شيبة بسند جيّد عن عاصم بن عُمر بن قتادة، أن عمر -﵁- سمع ناسًا من التجّار يذكرون تجاراتهم والدنيا في المسجد، فقال: "إنما بُنيت
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ١٢ / ٥٠٩ ]
هذه المساجد لذكر اللَّه، فإذا ذَكَرتم تجاراتكم ودنياكم، فاخرجوا إلى البقيع" (^١).
[تنبيه]: قوله: "فإن المساجد لم تُبْن لهذا" يَحْتَمِل أن يكون داخلًا في حيّز القول، فيذكره قائل "لا ردّها اللَّه عليك"؛ تعليلًا لقوله، ويؤيّد هذا قوله -ﷺ- في الرواية التالية: "لا وجدت، إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له".
ويَحْتَمِلُ أنه تعليل لقوله: "فليقل"، فلا حاجة إلى أن يقوله، والاحتمال الأول هو الأرجح، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٤ و١٢٦٥] (٥٦٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٧٣)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٧٦٧)، (وأحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٤٩ و٤٢٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٢ و١٢١٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٩ و١٢٤٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٧ و٦١٩٦ و١٠/ ١٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن نَشْدِ الضالّة في المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه، من البيع والشراء والإجارة، ونحوها، من العقود.
٢ - (ومنها): كراهة رفع الصوت في المسجد، قال القاضي عياض: قال مالكٌ وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمهم اللَّه تعالى رفع الصوت
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ٤/ ٨٨.
[ ١٢ / ٥١٠ ]
فيه بالعلم، والخصومة، وغير ذلك، مما يَحْتاج إليه الناس؛ لأنه مَجمَعُهم، ولا بُدّ لهم منه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول هو الحقّ؛ لأنه المتعارف في زمن النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد -﵄- أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلًا وَجَدَ مع امرأته رجلًا، أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد.
وأخرج البخاريّ عن أنس -﵁- قال: بينما نحن جلوس مع النبيّ -ﷺ- في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟، والنبيّ -ﷺ- متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبيّ -ﷺ-: "قد أجبتك"، فقال الرجل للنبيّ -ﷺ-: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك. . ." الحديث في قصّة ضمام بن ثعلبة -﵁- الطويلة، فقد وقع هذا كلّه في المسجد برفع الصوت.
وأخرج أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر -﵄- أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يُهِلّ أهل المدينة من ذي الحليفة. . . " الحديث، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها التصريح أن الصحابة كانوا يرفعون أصواتهم بالعلم في المسجد، فلم ينه النبيّ -ﷺ- أحدًا منهم عن ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: فيه دليلٌ على منع عمل الصانع في المسجد، كالخياطة، وشبهها، قال: وقد مَنَعَ بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد، قال: قال بعض شيوخنا: إنما يُمنَع في المسجد من عمل الصنائع التي يَختصّ بنفعها آحاد الناس، ويكتسب به، فلا يَتَّخِذ المسجد مَتْجَرًا، فأما الصنائع التي يَشْمَل نفعها المسلمين في دينهم، كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا امتهان للمسجد في عمله، فلا بأس به (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيِّد هذا ما أخرجه المصنّف عن عائشة -﵄-
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٠٣.
[ ١٢ / ٥١١ ]
قالت: "جاء حَبَشٌ يَزْفِنُون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبيّ -ﷺ-، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت انظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم".
قولها: "يَزْفنون" من باب ضرب: أي يَثِبُون، ويلعبون بحرابهم، كهيئة الرَّقْص.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي -﵀-: وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان في المساجد، فإن كان منعهم ذلك لأجل أخذ الأجرة على ذلك التعليم، فيكون ضربًا من البيع في المسجد، ويجري ذلك أيضًا في غير الصبيان إذا كان بأجرة، وإن كان لمضرّة المسجد بالصبيان لم يَشْرَكهم في ذلك إلا من شاركهم في هذه العلة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بمنع تعليم الصبيان في المسجد إذا لم يترتّب عليه ضرر، غير صحيح؛ لأن تعليم النبيّ -ﷺ- للكبار والصغار كان في المسجد، وكذلك في عهد الصحابة -﵃-، ولم تُبْنَ المدارس المعروفة إلا متأخّرة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالة على النهي من رفع الصوت في المسجد بأمر دنيويّ، كالبيع والشراء، فقد أخرج الترمذيّ بإسناد صحيح، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشُد فيه ضالّةً، فقولوا: لا رد اللَّه عليك".
٦ - (ومنها): أن نشد الضالّة في المسجد جريمة يستحقّ صاحبها أن يُدعى عليه بعدم وجدان مطلوبه؛ عقوبةً له على مخالفته، وعصيانه، فينبغي لسامعه أن يقول له: "لا ردّها اللَّه عليه"، أو "لا وجدت، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا"، كما قاله رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن المازريّ استنبط من الحديث منع السؤال في المسجد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: السائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه، وقيل: لا، وقيل: إن كان يتضرّر به أهل المسجد، بأن يرفع صوته، ويُشوّش
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٠٣.
[ ١٢ / ٥١٢ ]
على المصلّين، أو يمرّ بين يدي مصلّ، أو يسأل بإلحاف، حرم إعطاؤه؛ لكونه إعانةً على ممنوع، وإلا جاز إعطاؤه، وهذا التفصيل هو الصواب؛ لثبوت أدلّته في الأحاديث الصحيحة.
فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "هل منكم أحدٌ أطعم اليومَ مسكينًا؟ "، فقال أبو بكر -﵁-: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كِسْرَة خُبْز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه، فدفعتها إليه".
فهذا يدلّ على جواز السؤال في المسجد، حيث أقرّ النبيّ -ﷺ- أبا بكر في إعطائه السائل في المسجد.
والحديث أخرجه مسلم مطوّلًا دون ذكر المسجد، من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ "، قال أبو بكر -﵁-: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟ "، قال أبو بكر -﵁-: أنا قال: "فمن أطعم منكم اليومَ مسكينًا؟ "، قال أبو بكر -﵁-: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليومَ مريضًا؟ "، قال أبو بكر -﵁-: أنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة".
وأخرج مسلم عن المنذر بن جرير، عن أبيه -﵁- قال: كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَار، أو العباء، مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مضر، فَتَمَعَّر وجِه رسول اللَّه -ﷺ- لَمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا، فأَذَّن وأقام، فصلّى، ثم خطب. . . الحديث، وفيه: "تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. . ." الحديث.
وروى البيهقيّ أنه -ﷺ- أمر سُليكًا الغطفانيّ بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة؛ ليراه الناس، فيتصدّقوا عليه، وأمرهم بالصدقة، وهو على المنبر (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ٤/ ٨٨.
[ ١٢ / ٥١٣ ]
(المسألة الرابعة): لا يجوز رفع الصوت في المسجد بقراءة القرآن، أو الذكر؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود، واللفظ له، بإسناد صحيح، عن أبي سعيد -﵁- قال: اعتكف رسول اللَّه -ﷺ- في المسجد، فسمعهم يَجهَرون بالقراءة، فكَشَف السِّترَ، وقال: "ألا إن كلكم مُنَاجٍ ربَّهُ، فلا يُؤذيَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة"، أو قال: "في الصلاة".
وأخرج أحمد بإسناد صحيح، عن البياضيّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج على الناس، وهم يصلّون، وقد عَلَت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلّي يناجي ربه ﷿، فلينظر ما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".
وأخرج أيضًا عن ابن عمر -﵄- قال: اعتكف رسول اللَّه -ﷺ- في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذ له فيه بيتٌ من سَعَفٍ، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال: "إن المصلي يناجي ربه ﷿ فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة"، وفي سنده محمد بن أبي ليلى متكلّم فيه، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح.
وقد نصّ العلماء من أصحاب المذاهب المتبوعة على ذلك، فقال في "الدرّ المختار" من كتب الحنفيّة: يحرم في المسجد رفع الصوت بالذكر، إلا للمتفقّهة. انتهى. وقال في "البحر الرائق" من كتبهم أيضًا: إذا جهر الإمام فوق حاجة الناس فقد أساء.
وقال في "مختصر الخليل" من كتب المالكيّة، وشروحه، وحواشيه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد؛ خشية التشويش على المصلّين والذاكرين، فإن شوّش حرُم اتّفاقًا. انتهى.
وقال ابن العماد: تحرم القراءة جهرًا على وجه يُشَوِّش على نحو مصلٍّ. انتهى. وذكر مثله في كتب الشافعيّة والحنبليّة، نقل هذه الأقوال في "المنهل" (^١).
والحاصل أنه لا يجوز التشويش على المصلّين، والمعتكفين في المسجد
_________________
(١) "المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" ٤/ ٨٨ - ٨٩.
[ ١٢ / ٥١٤ ]
برفع الصوت بالذكر والتلاوة ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا (^١) حَيْوَةُ، قَالَ: سَمِعْت أَبا الْأَسْوَدِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُقْرِئُ) هو: عبد اللَّه بن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
[تنبيه]: وقع لأصحاب برنامج الحديث هنا غلظٌ، حيث ترجموا المقرئ بأنه عبد اللَّه بن يزيد المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، مولى الأسود بن سفيان، وهو من شيوخ مالك، من الطبقة السادسة، وهذا من تلامذته، ومما يوضّح كونه غلطًا أنه لم يلقه زهير بن حرب الراوي عنه هنا؛ لأنه مات سنة (١٤٨) ووُلد زهير -كما في "تهذيب التهذيب" (١/ ٦٣٦) - سنة (١٦٠) أي بعد موت المقرئ المذكور باثنتي عشرة سنة، وقد نبّهت على هذا فيما سبق، فينبغي التنبّه له، فإنه مهمّ جدًّا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والباقون تقدّموا في المسند الماضي، و"أبو الأسود": هو محمد بن عبد الرحمن المذكور هناك.
[تنبيه]: روايهَ المقرئ التي أحالها المصنّف -﵀- هنا على رواية ابن وهب، ساقها الحافظ أبو نعيم -﵀- في "مستخرجه" (٢/ ١٦٤) فقال:
(١٢٣٩) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى،
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٢ / ٥١٥ ]
ثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة، سمعت أبا الأسود، يقول: أخبرني أبو عبد اللَّه، مولى شداد، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "مَن سَمِعَ رجلًا يَنْشُدُ ضالّةً في المسجد، فليقل له: لا أداها اللَّه إليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٦] (٥٦٩) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) (^١) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ القاضي، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٦ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب، أبو عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، الأسلميّ الصحابيّ، أسلم -﵁- قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
_________________
(١) بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلّثة، بعدها دال مهملة.
[ ١٢ / ٥١٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، وسليمان، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه: سليمان بن بُريدة، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب -﵁- (أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ) تقدّم في الحديث الماضي، من باب نصر: إذا طلب (فِي الْمَسْجِدِ) "أل" فيه للجنس (فَقَالَ: مَنْ) استفهاميّة (دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟) أي من وجد الجمل الأحمر، فدعا إليه، ونادى عليه؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا وَجَدْتَ) مفعوله محذوف، والكلام على الدعاء عليه، أي لا وجدت ضالّتك، فهو بمعنى "لا ردّها اللَّه عليك".
[تنبيه]: قال الإمام ابن حبّان البستيّ -﵀- في "صحيحه" بعد إخراجه الحديث، من طريق الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، مفسِّرًا له ما نصّه: قال أبو حاتم: أُضمر فيه: لا وجدتَ إن عُدت لهذا الفعل بعد نهيي إياك عنه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن سياق الروايات يدلّ على عدم التقييد، بل هو على إطلاقه، ولا سيّما رواية الإمام أحمد الآتية، فلا داعي إليه، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(إِنَّمَا بُنِيَتِ) بالبناء للمفعول (الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) أي للغرض الذي بُنيت من أجله.
وقد أخرج الحديث الإمام أحمد -﵀- من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، ولفظه: أن أعرابيًّا قال في المسجد: من دعا للجمل الأحمر؟ بعد الفجر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا وجدته، لا وجدته، لا وجدته، إنما بُنِيت هذه البيوت" -قال مؤمل (^١) -: "هذه المساجد لما بُنِيَت له". انتهى.
_________________
(١) هو مؤمّل بن إسماعيل أحد الراويين لهذا الحديث عن الثوريّ في "مسند أحمد"، والحديث برقم (٢٢٥٣٥).
[ ١٢ / ٥١٧ ]
وقد تقدّم بيان معنى ما بُنيت له في حديث أنس بن مالك -﵁- الذي تقدّم في "كتاب الطهارة" في قصّة الأعرابيّ الذي بال في المسجد، وفيه: ثم إن رسول اللَّه -ﷺ- دعاه، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلَح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن. . ." الحديث.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "إنما بُنِيت المساجدُ لما بُنِيَت له" معناه: لذكر اللَّه تعالى، والصلاة، والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة بن الْحُصَيب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨] (٥٦٩)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٧٤ و١٧٥)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٧٦٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٢١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٠٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٤ و١٢١٥ و١٢١٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٤١ و١٢٤٢ و١٢٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٩٦ و١٠/ ١٠٣ و٤٤٧)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٥١٨ ]
سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- (^١) لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ، فَيقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أَبُو سِنَانٍ) هو: سَعِيد بن سِنَان الْبُرْجميّ -بضم الموحّدة، والجيم بينهما راء ساكنة- الشيبانيّ الأصغر الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦].
رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن مرثد، وحبيب بن أبي ثابت، ووهب بن خالد الْحِمْصِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن سليمان الرازيّ، وأسباط بن محمد القُرَشيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الرّيّ، وكان سيئ الْخُلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة من رُفَعاء الناس. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلًا. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن النبيّ -ﷺ-".
[ ١٢ / ٥١٩ ]
وقال الدارقطني: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهدي حِمْصيّ يَضَعُ الحديث، وأبو سِنَان كوفيّ سكن الرّيّ من الثقات.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: كون أبي سنان في هذا المسند هو الأصغر، واسمه سعيد بن سنان، صرّح به الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، ونصّه:
(٢٢٥٤٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن سِنَان، وهو أبو سِنَان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: صلّى النبيّ -ﷺ-، فقام رجل: فقال: من دعا للجمل الأحمر؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "لا وجدتَ، إنما بُنِيت المساجدُ لما بنيت له". انتهى.
وقوله: (لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية: قال: "جاء أعرابيّ بعدما صلّى النبيّ -ﷺ- صلاة الفجر، فأدخل رأسه من باب المسجد"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَمَا صلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا (^٢).
قَالَ مُسْلِم: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "مثل حديثهما".
[ ١٢ / ٥٢٠ ]
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبَةَ) بن نَعَامة الضبّيّ الكوفيّ، مقبول [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مَرْثَد، وزبيد الياميّ، وثابت بن عُبيد.
ورَوَى عنه مِسْعَرٌ، وهُشيم، وخارجة بن مُصْعب، وأبو معاوية، وفُضيل بن عياض، وجَرِير بن عبد الحميد، ومحمد بن عيينة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطّان: لا يُعْرَف حاله، وقال أبو عوانة في "صحيحه": يقال: إنه يُكْنَى أبا نَعَامة.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وقال عنه: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وفيه سقط، كما سأبيّنه قريبًا.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) فاعل "ذَكَرَ" ضمير محمد بن شيبة، وضمير "حديثهما" لعلقمة بن مَرْثد، وأبي سنان الشيبانيّ الأصغر.
[تنبيه]: رواية محمد بن شيبة هذه، لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يَحْتَمِل أن يكون من كلام المصنّف نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون من الراوي عنه.
وقوله: (هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ) هكذا نسخ الكتاب، والظاهر أن فيه سقطًا، والصواب: "هو محمد بن شيبة بن نَعامة، أبو نعامة؛ لأن أبا نعامة كنية لمحمد، لا لأبيه شيبه، كما سبق في ترجمته، ولم يُنبّه أحد من الشّرّاح على هذا.
وقد وقع أيضًا لأبي عوانة في "مسنده" نحو هذا من الغلط، حيث قال: "يقال: إن محمد بن شيبة هو أبو نعامة بن نعامة، رواه مسعر، وهشام (^١)، وجرير عنه". انتهى.
والصواب تقديم "ابن نعامة" على قوله: "أبو نعامة"، هكذا: يقال: إن
_________________
(١) ووقع عند مسلم بدله: "وهُشيم".
[ ١٢ / ٥٢١ ]
محمد بن شيبة بن نعامة أبو نعامة، روى مسعر، وهشام، وجرير عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.