وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٠] (٤١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "آمِينَ").
[ ١٠ / ١٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه الحجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبثٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، إلا أنه دخل المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، كما تقدّم غير مرّة.
٦ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة: ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، عنه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) أي ابنَ شهاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) وفي رواية النسائيّ: "إذا أمّن القارئ"، أي الإمام (فَأَمِّنُوا) جواب "إذا"، أي قولوا: آمين، وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحَكَى
[ ١٠ / ١٣ ]
الواحديّ عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذّةٌ: القصرُ، حَكاه ثعلب، وأنشد له شاهدًا، وأنكره ابن درستويه، وطَعَن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحَكَى عياضٌ ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصّة، والتشديد مع المدّ والقصر، وخطّأهما جماعة من أهل اللغة.
و"آمين" من أسماء الأفعال مثل "صَهْ" للسكوت، وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل "كيف"، وإنما لم تُكْسَر؛ لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها: اللهم استَجِبْ عند الجمهور، وقيل غير ذلك مما يَرجع جميعه إلى هذا المعنى، كقول من قال: معناه: اللهم أُمَّنا بخير، وقيل: كذلك يكون، وقيل: درجة في الجنة تَجب لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، رواه عبد الرزاق، عن أبي هريرة -﵁-، بإسناد ضعيف، وعن هلال بن يساف التابعيّ مثله، وأنكره جماعة، وقال مَن مدَّ وشدَّد: معناها قاصدين إليك، ونُقِل ذلك عن جعفر الصادق، وقال مَن قَصَر وشَدَّد: هي كلمة عبرانية، أو سريانية، وعند أبي داود من حديث أبي زُهير النميريّ الصحابي: أن آمين مثل الطابَع على الصحيفة، ثم ذكر قوله -ﷺ-: "إن خَتَم بآمين فقد أوجب". انتهى (^١).
وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنَّهُ) الضمير للشأن كما سبق في الحديث الماضي (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ (وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَاِئكَةِ) قال الحافظ العراقيّ -﵀-: الصحيح أن المراد الموافقة في الزمن، بحيث يقع تأمين ابن آدم وتأمين الملائكة معًا، وهو ظاهر الحديث، وقيل: المراد بذلك الموافقة في صفة التأمين، من كونه بإخلاص وخشوع، قال القرطبيّ: وهذا بعيد، وقيل: من وافق الملائكة في استجابة الدعاء غُفِر له، وقيل: من وافقهم في لفظ الدعاء، قال القرطبيّ، وابنُ دقيق العيد: والأول أظهر. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" ما حاصله: المراد الموافقة في القول والزمان خلافًا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٠٦.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٦.
[ ١٠ / ١٤ ]
لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، كابن حبّان، فإنه لَمّا ذكر الحديث قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب، وكذا جنح إليه غيره، فقال: نحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء، أو في الدعاء بالطاعة خاصّة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
وقال ابن الْمُنَيِّر -﵀-: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا.
ثم إن ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا إنهم غير الحفظة.
قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن المراد بهم مَن يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء، وسيأتي في رواية الأعرج، عن أبي هريرة: "والملائكة في السماء آمين"، وفي رواية سهيل، عن أبيه: "فوافق قوله قول أهل السماء"، ورَوَى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد". انتهى. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، وظاهر الحديث مغفرة ما تقدم من الذنوب، سواء فيه الصغائر والكبائر، وقد خَصَّ العلماء هذا وأشباهه بتكفير الصغائر فقط، وقالوا: إنما يُكَفِّر الكبائرَ التوبةُ، وكأنهم لما رأوا التقييد في بعض ذلك بالصغائر، حملوا ما أُطْلِق في غيرها عليها، كالحديث الصحيح: "الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مُكَفِّراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر"، واللَّه تعالى أعلم (^٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وَقَع في "أمالي الجرجانيّ" عن أبي العباس الأصمّ، عن بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس، في آخر هذا الحديث: "وما تأخر"، وهي زيادة شاذّة، فقد رواه ابن الجارود في "المنتقى" عن بحر بن
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٠٩.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٦.
[ ١٠ / ١٥ ]
نصر بدونها، وكذا رواه مسلم عن حرملة، وابن خزيمة، عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، وكذلك في جميع الطرق عن أبي هريرة؛ إلا أني وجدته في بعض النسخ من ابن ماجه عن هشام بن عمّار، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة بإثباتها، ولا يصحّ؛ لأن أبا بكر قد رواه في "مسنده"، و"مصنفه" بدونها، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميديّ، وابن المدينيّ، وغيرهما، وله طريق أخرى ضعيفة من رواية أبي فَرْوة، محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عثمان، والوليد ابني ساج، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. انتهى (^١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "آمِينَ") قال في "الفتح": هو متصل إليه بروايةً مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه مُعَلَّق، ثم هو من مراسيل ابن شهاب، لكنه قد اعتضد بفعل أبي هريرة -﵁- (^٢)، ورُوي عنه موصولًا، أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب"، و"العلل" من طريق حفص بن عُمر العدنيّ، عن مالك، عنه، وقال الدارقطنيّ: تفرّد به حفص بن عمر، وهو ضعيف (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: قول الزهريّ: "وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: آمين" معناه: أن هذه صفة تأمين النبيّ -ﷺ-، وهو تفسير لقوله -ﷺ-: "إذا أَمَّن الإمام فأمّنوا"، وردٌّ لقول من زَعَمَ أن معناه: إذا دعا الإمام بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إلخ. انتهى (^٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣١٠.
(٢) وذلك أنه جهر بآمين، فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن نعيم المجمر، قال: صلّيت وراء أبي هريرة، فقرأ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، فقال الناس: آمين. . . الحديث.
(٣) راجع: "الفتح" ٢/ ٣١٢.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ١٣٠.
[ ١٠ / ١٦ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٩٢٠ و٩٢١ و٩٢٢ و٩٢٣ و٩٢٤ و٩٢٥] (٤١٠)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٠ و٧٨٢) و"الدعوات" (٦٤٠٢) و"التفسير" (٤٤٧٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٣٥ و٩٣٦)، و(الترمذيّ) فيها (٢٥٠)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٨٥٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٦٤٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣ و٢٣٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٠ و٥٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٠٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٥ و٥٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٨٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٨٥ و١٦٨٦ و١٦٨٧ و١٦٨٨ و١٦٨٩ و١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٨ و٩٠٩ و٩١٠ و٩١١ و٩١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالتأمين، وهو للندب عند الجمهور، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهريّة على كلّ مصلّ، هكذا قال، والذي ذكره ابن حزم في كتابه "المحلَّى" أنه فرض على المأموم، قال: وإن قاله الإمام فحسنٌ وسنةٌ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي وجوبه على المأموم؛ لظاهر الأمر، وهو للوجوب عند الجمهور ما لم يَصرِفه صارف، ولم يذكر الجمهور هنا له صارفًا، وأما الإمام والمنفرد فيُستحبّ لهما التأمين؛ إذ لا دليل على الوجوب عليهما، فتبصّر، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم الجهر به في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن فيه فضيلة الإمام؛ لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا شُرِعت للمأموم موافقته.
قال في "الفتح": وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يُؤَمِّن إذا أَمَّن
[ ١٠ / ١٧ ]
الإمام، لا إذا ترك، وقال به بعض الشافعية، كما صرح به صاحب "الذخائر"، وهو مقتضى إطلاق الرافعيّ الخلاف، وادَّعَى النوويّ في "شرح المهذَّب" الاتفاق على خلافه، ونَصَّ الشافعيّ في "الأم" على أن المأموم يؤمِّن ولو تركه الإمام عمدًا أو سهوًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ -﵀- في "الأمّ" هو الأرجح؛ لظاهر قوله: "وإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين"، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن القرطبيّ استدَلّ به على تعيُّن قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أن المأموم ليس عليه أن يقرأ فيما جَهَر به إمامه.
قال الحافظ: فأما الأول فكأنه أخذه من أن التأمين مختصّ بالفاتحة، فظاهر السياق يقتضي أن قراءة الفاتحة كانت أمرًا معلومًا عندهم، وأما الثاني فقد يدلّ على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإمام لها، لا أنه لا يقرؤها أصلًا. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ -﵀-: وما أدري ما وجه الدلالة من الحديث؟ والأدلّة الصحيحة قائمة على وجوب القراءة على المأموم مطلقًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على أن المأموم لا يقرأ فيما جهر به الإمام عجيبٌ، فأين محلّه؟ ثم القول بعدم وجوب القراءة عليه قول ضعيف، قد تقدّم ردّه بالحديث الصحيح: "لعلكم تقرؤون وراء إمامكم؟ "، وفيه: "فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٤ - (ومنها): أنه يستفاد من رواية الأعرج الآتية: "إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين. . . " استحباب التأمين للمنفرد والمأموم أيضًا، قال صاحب "المفهم": وقد اتّفقوا على أن الفذّ يؤمّن مطلقًا، والإمام والمأموم فيما يُسرّان فيه يؤمّنان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: التقييد بالإسرار مما لا دليل عليه؛ بل الأحاديث الصحاح مطلقة تدلّ على أن التأمين لكلّ مصلّ في كلّ صلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ١٨ ]
٥ - (ومنها): أن اللَّه تعالى جعل للملائكة قوّة الإدراك بالسمع، وهم في السماء لما يَنطِق به بنو آدم في الأرض، أو لبعض ذلك؛ لأنه جعل مكان تأمين الملائكة في السماء، ويَحتَمل أن يراد بالسماء العلو، والأولى حمله على ما تقدّم، قاله العراقيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية التأمين، ولم يقيدها بالصلاة، فمن قال: يُعْمَل بالمطلق، كالحنفية والظاهرية، يقولون: إن هذا الثواب لا يتقيد بالصلاة، بل التأمين في غير الصلاة حكمه هكذا، ويقال لهم: إن الثواب مترتب على موافقة تأمين ابن آدم لتأمين الملائكة، وإنما نُقِل لنا تأمين الملائكة لتأمين المصلي، ففي رواية البخاريّ: "إذا أَمّن القارئ فأمّنوا، فإن الملائكة تؤمّن، فمن وافق تأمينه. . . " الحديث، وأما مَن حَمَل المطلق على المقيد، فإنه يَخُصّه بالصلاة؛ لرواية مسلم الآتية: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين. . . " الحديث (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده بالصلاة هو الأظهر، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ -﵀- أيضًا: قد يُسْتَدَلّ به على أن تأمين المأموم يستحب أن يكون بعد تأمين الإمام؛ لأنه رتّبه عليه بالفاء، وقد جزم أصحاب الشافعيّ باستحباب مقارنة الإمام فيه، فقال الرافعيّ: والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله، ولا بعده، وقال ابن الرفعة: إنه لا يستحب مساواته فيما عداه من الصلاة، قال إمام الحرمين: ويمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه.
قال العراقيّ: ويدِل عليه قوله في الرواية المتفق عليها: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين. . . " الحديث.
وروى أبو داود من حديث بلال -﵁- أنه قال: يا رسول اللَّه لا تسبقني بآمين، وإسناده ثقات؛ إلا أن البيهقيّ صحّح رواية مَن جعله عن أبي عثمان النَّهْديّ مرسلًا، ثم رواه عن بلال -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تسبقني
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٧.
[ ١٠ / ١٩ ]
بآمين"، قال البيهقيّ: فكان بلالًا كان يؤمِّن قبل تأمين النبيّ -ﷺ-، فقال: "لا تسبقني بآمين"، كما قال: "إذا أَمَّن الإمام فأمنوا". انتهى.
٨ - (ومنها): أن الإمام يجهر بالتأمين فيما يَجْهَر به من القراءة، وإلا لَمَا عَلّق تأمينهم على تأمينه، وإنما يُطَّلَع عليه بالسماع، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وذهب أبو حنيفة، ومالك، في رواية عنه إلى أنه يُسِرّ به.
قال ابن دقيق العيد: ودلالة الحديث على الجهر بالتأمين أضعف من دلالته على نفس التأمين قليلًا؛ لأنه قد يدلّ دليل على تأمين الإمام من غير جهر. انتهى. وسيأتي تحقيق هذا الخلاف في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٩ - (ومنها): أن مطلق الأمر بتأمين المأموم لتأمين الإمام، أن المأموم يؤمِّن، وإن كان يقرأ في أثناء فاتحة نفسه، قال العراقيّ: وهو كذلك على المشهور من الوجهين، كما قال الرافعيّ، ولكن اختلف أصحابنا -يعني الشافعيّة- هل تنقطع الموالاة بذلك حتى يجب استئنافها، أم لا تنقطع، ويَبْنِي عليها؟ على وجهين، أصحهما كما قال الرافعيّ: الثاني؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة، بل زاد أبو علي الفارقيّ، صاحب الشيخ أبي إسحاق: الشيرازيّ على هذا بأن المأموم لو قرأ بعض الفاتحة في السكتة الأولى، ثم قرأ الإمام استمع المأموم، فإذأ فرغ الإمام وسكت في الثانية أتمها، ولا تبطل الصلاة؛ لأنه مأمور بهذا السكوت، فكان الفارقيّ لَحَظَ كون الفصل من مصلحة الصلاة، لكن قال المحب الطبري في "شرح التنبيه": وهذا لم أره لغيره من الأصحاب.
وذلك بخلاف المندوب الذي لا يتعلق بالصلاة، كالعاطس يحمد اللَّه في أثناء الفاتحة، فإنه يجب استئنافها، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لي هنا وقفتان:
الأولى: أن ما قاله الفارقيّ: من عدم بطلان الصلاة بتفريق الفاتحة لاستماع قراءة الإمام هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجّته.
الثانية: أن قوله: "بخلاف المندوب إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن حمد العاطس في أثناء الصلاة مما ورد في السنّة تقريره، فقد أخرج الترمذيّ،
[ ١٠ / ٢٠ ]
والنسائيّ عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: صلّيت خلف النبيّ -ﷺ-، فعَطَست، فقلت: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول اللَّه -ﷺ- انصرف، فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يكلمه أحدٌ. . . وفيه: فقال النبيّ -ﷺ-: "والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا، أيُّهم يَصْعَد بها".
فهذا دليل على أنّ الحمد للعطاس في الصلاة مشروع، فكيف يجب بسببه استئناف الفاتحة؟ هذا غريب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة، من غير زيادة عليه اتّباعًا للحديث، وأما ما رواه البيهقيّ، من حديث وائل بن حُجْر -﵁- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- حين قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "رب اغفر لي آمين"، فإن في إسناده أبا بكر النَّهْشليّ، وهو ضعيف، وفي "الأم" للشافعيّ -﵀-: فإن قال: آمين ربَّ العالمين كان حسنًا، ونقله النوويّ في زوائده في "الروضة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ: يحتاج إلى دليل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" ما نصّه: وفي الحديث حجةٌ على الإمامية في قولهم: إن التأمين يُبطل الصلاة؛ لأنه ليس بلفظ قرآن: ولا ذكر، ويمكن أن يكون مستندهم ما نُقِل عن جعفر الصادق أن معنى آمين: أي قاصدين إليك، وبه تمسك من قال: إنه بالمد والتشديد، وصرح المتولي من الشافعية بأن من قاله هكذا بطلت صلاته. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليت صاحب "الفتح" لم يذكر خلاف الإماميّة هنا؛ لأن هذه الفرقة ليست ممن يُعدّ في الإجماع ولا الخلاف، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجهر بـ "آمين":
قال الإمام ابن المنذر -﵀- بعد ذكر أحاديث الجهر بالتأمين، ما نصّه: فقد ثبت الجهر بالتأمين عن رسول اللَّه -ﷺ- من وجوه، وممن كان يؤمّن على إثر القراءة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: عبد اللَّه بن الزبير -﵄-، ويؤمّن من خلفه
[ ١٠ / ٢١ ]
حتى إن للمسجد للَجّةً، ثم قال: إنما "آمين" دعاء، وكان ابن عمر -﵄- إذا ختم "أم القرآن" قال: "آمين"، وروي ذلك عن أبي هريرة -﵁-، وبه قال عطاء، والأوزاعيّ، واختُلف فيه عن الأوزاعيّ، فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه كان يرى الجهر بـ "آمين"، وحَكَى عنه الوليد بن يزيد (^١) أنه قال: خمس يُخْفيهنّ الإمام، فذكر "آمين".
وقال أحمد: يجهر بـ "آمين"، وبه قال إسحاق، ويحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال أبو هريرة، وهلال بن يساف: "آمين" اسم من أسماء اللَّه.
وكان أصحاب الرأي يرون أن يُخفي الإمام "آمين"، وقال سفيان الثوريّ: فإذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب، فقل: "آمين" تُخفيها. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- ملخّصًا (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: باستحباب الجهر بـ "آمين"؛ لثبوته عن النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر -﵁-، قال: صليت خلف النبيّ -ﷺ-، فجهر بـ "آمين"، وفي لفظ له: "ورفع بها صوته"، ورواه الترمذيّ، وحسّنه بلفظ: "ومدّ بها صوته"، وأخرجه الحاكم، وصحّحه.
وأما رواية شعبة في هذا الحديث: "وخَفَض بها صوته"، فهي خطأ خَطّأه فيها البخاريّ، وأبو زرعة، وغيرهما.
ولأبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد جيّد مرفوعًا: "كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجّ بها المسجد".
وقد استوفيت البحث في هذه المسألة فيما كتبته على النسائيّ، فارجع إليه، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من "الوليد بن مَزْيَد"، فليُحرّر.
(٢) "الأوسط" ٣/ ١٣١ - ١٣٢.
[ ١٠ / ٢٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢١] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ إلخ) يعني أن حديث يونس عن الزهريّ مثل حديث مالك عنه، غير أنه لم يذكر مرسل الزهريّ.
[تنبيه]: رواية يونس هذه، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٥٥)، فقال:
(١٦٨٥) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا أمَّن الإمام فأمّنوا، فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا قَالَ
[ ١٠ / ٢٣ ]
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٢ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة -﵁-، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
والباقون تقدّموا في الذي قبله، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (^١)، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الْحِزَاميّ المدنيّ، وقد نزل عسقلان، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "فوافق أحدهما الآخر".
[ ١٠ / ٢٤ ]
وقوله: ("إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَاِئكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ) وفي رواية البخاريّ: "وقالت الملائكة".
[تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ -﵀- بهذا الحديث على فضل التأمين، فترجم عليه، فقال: "باب فضل التأمين"، ووجه ذلك أنّ هذه الرواية مطلقة، غير مقيدة بحال الصلاة، قال ابن الْمُنَيِّر -﵀-: وأَيُّ فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا، لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة؟. انتهى.
وقال الحافظ -﵀-: ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها؛ لقوله: "إذا قال أحدكم"، لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: "إذا قال أحدكم في صلاته"، فيُحْمَل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها: "إذا أَمّن القارئ فأمّنوا"، فهذا يُمكن حمله على الإطلاق، فيستحب التأمين إذا أمّن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مصلٍّ أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحدٌ اختَلَفت ألفاظه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم قريبًا أن التقييد هو الأظهر؛ لاتحاد الحديث، ويوضّح ذلك قوله في رواية سهيل، عن أبيه الآتية بعد حديث بلفظ: "إذا قال القارئ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال من خلفه: آمين. . . " الحديث، فقد بيّن فيه أن المراد الإمام القارئ في الصلاة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وفي بعض النسخ: "فوافق أحدهما الآخر"، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩٢٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣١١.
[ ١٠ / ٢٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عمي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-" ذُكر قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية همّام عن أبي هريرة -﵁- مثل رواية الأعرج، عنه.
[تنبيه]: رواية همّام هذه أخرجها الإمام أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٥٦) فقال:
(١٦٩٢) حدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزّاق، أنبأ معمر، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة: آمين في السماء، فوافق إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- (^١) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا
_________________
(١) وفي نسخة: "يعقوب بن عبد الرحمن".
[ ١٠ / ٢٦ ]
قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
هذا الإسناد هو إسناد الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب، وقد تقدّم الكلام فيه هناك.
وقوله: (إِذَا قَالَ الْقَارِئُ) المراد الإمام القارئ للفاتحة بدليل قوله: "فقال من خلفه: آمين"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.