قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن "السَّهْوَ" -بفتح، فسكون- مصدر "سها" "يسهو"، يقال: سها عن الشيء يسْهُوُ سهَوًا.
وقال في "اللسان": السَّهْو، والسَّهْوَة: نسيان الشيء، والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره، سَهَا يَسْهُو سَهْوًا، وسُهُوًّا، فهو سَاهٍ، وسَهْوَان، وإنه لساه بَيِّن السَّهْو، والسُّهُوّ، والسهو في الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السَّهْوُ في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]. انتهى المقصود من "اللسان" (^١).
وقال أبو البقاء الكَفَويّ في "الكليات": السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. قال بعضهم: النسيان: زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما معا. وقيل: غفلتك عما أنت عليه لتفقده سهو، وغفلتك عما أنت عليه لتفقد غيره نسيان. وقيل: السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لا يعلمه، والنسيان لما غَرُبَ بعد حضوره، والمعتمد أنهما مترادفان. انتهى المقصود من "الكليات" (^٢).
وقال في "المصباح": سَهَا عن الشيء يَسْهُو سَهْوًا: غَفَلَ، وفرَّقُوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكّرته تذكّر، والساهي بخلافه، والسهو: الغفلة. انتهى (^٣).
وقال في "مراقي السعود" مُبَيِّنًا الفرق بينهما:
_________________
(١) "لسان العرب" ١٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٢) "الكليّات" (ص ٥٠٦).
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٣.
[ ١٢ / ٥٢٢ ]
زَوَالُ مَا عُلِمَ قُلْ نِسْيَانُ … وَالْعِلْمُ فِي السَّهْوِ لَهُ اكْتِنَانُ
قال شارحه: يعني أن النسيان هو زوال المعلوم من القوّة الحافظة، والقوّة المدركة، فيُستأنَفُ تحصيله لأنه غير حاصل لزواله، والسهو هو اكتنان المعلوم، أي غيبته عن القوّة الحافظة مع أنه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره. وقيل: هما مترادفان. انتهى (^١).
وقال السيوطيّ -﵀- في "الكوكب الساطع" مشيرًا إلى القول بأن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا:
وَالسَّهْوُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْ مَعْلُومِهِ … وَفَارَقَ النِّسْيَانَ فِي عُمُومِهِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٩] (٣٨٩) (^٢) - (حَدَّثَنَا (^٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
_________________
(١) "شرح الشيخ الشنقيطيّ" ١/ ٧٥.
(٢) هذا الحديث مكرّر في ترقيم محمد فؤاد، تقدّم في "الأذان"، ولذا أعاده بنفس الرقم الذي سبق هناك، فتنبّه.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٥٢٣ ]
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ) ومثل الأحد الإحدى، وإنما خص الذكور بالخطاب لعله لكونهم الحاضرين وقت الخطاب، واللَّه تعالى أعلم.
(إِذَا قَامَ يُصَلِّي) المراد إذا دخل في الصلاة، فلا يقتضي أنه لو صلّى جالسًا لا يحصل له ذلك.
ثمَّ إن قوله: "يُصَلِّي" يَشمَل الفرضَ والنفل.
[فإن قلت]: قوله في الرواية التالية: "إذا نودي بالصلاة" قرينة في كون المراد الفريضة، وكذا قوله: "إذا ثُوِّبَ".
[ ١٢ / ٥٢٤ ]
[وأجيب]: بأن ذلك لا يَمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله -ﷺ-: "بين كلّ أذانين صلاة" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
(جَاءَهُ الشَّيْطَانُ) الظاهر أن "أل" فيه للعهد الذهنيّ، وهو شيطان الصلاة الذي يُسمّى خَنْزَب، فسيأتي للمصنّف في "كتاب السلام" أن عثمان بن أبي العاص -﵁- أتى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ذاك شيطان يقال له: خَنْزَب، فإذا أحسسته، فتعَوَّذ باللَّه منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثًا"، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه اللَّه عني.
(فَلَبَسَ عَلَيْهِ) أي خَلَطَ عليه صلاته، وهو: بفتح الموحّدة المخففة، من الثلاثيّ، يقال: لَبَس عليه يَلْبِسُ، من باب ضرب: إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهًا بغيره، خافيًا حتى لا يعرف جهته، والمعنى هنا: خلط عليه أمر صلاته، وشوّش عليه خاطره.
وقال النوويّ -﵀-: هو بالتخفيف هنا، أي خلط عليه صلاته، وشبّهها عليه، وشكّكه فيها (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: هو بالتخفيف، وربّما شُدّد للتكثير. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: يُرْوَى مخفف الباء ومشدَّدها، وهي مفتوحة في الماضي مكسورة في المستقبل، ومعناه: خَلَطَ، يقال: لَبَستُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ: أي خَلَطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل: فهو من لِبَاس الثوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. انتهى (^٤).
(حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) الإشارة إلى التردّد وعدم العلم، ويَحْتَمِل أن يكون للسهو.
(فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) أي ترغيمًا للشيطان حيث لَبَسَ عليه صلاته، وليس
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٣٩٤.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٥٧.
(٣) "النهاية" ٤/ ٢٢٦.
(٤) "المفهم" ٢/ ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١٢ / ٥٢٥ ]
شيء أثقل عليه من السجود؛ لما لَحِقه ما لحِقه بسبب الامتناع عن السجود لآدم ﵇.
وفيه دلالة على أنه لا زيادة على السجدتين، وإن تكرر السهو.
(وَهُوَ جَالِسٌ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبله؟ لم يَتعرَّض له فيه، وقد رُوي عن مالك والليث أنهما حملا هذا الحديث على المستنكح، وهو الذي يغالبه النعاس (^١)، وليس في الحديث ما يدلّ عليه، وما قالاه ادّعاء تخصيص، ولا بُدّ من دليله، على أنه قد اختَلَفَ قول مالك في المستنكح، هل عليه سجودٌ أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدلّ على نقيض ما قالاه، وهو قوله: "فإذا وَجد أحدكم"، وهذا خطابٌ لعموم المخاطبين، وعمومُهُم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع.
وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كم صلّى؟ ولا يدري هل زاد أو نقص؟ غير سجدتين، وهو جالسٌ.
وذُكر عن الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف أن من لم يدر كم صلّى؟ أعاد أبدًا حتى يتيقّن، والذي ذهب إليه الأكثر أن يُحْمَلَ حديث أبي هريرة -﵁- هذا على مُفَصَّل حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- الآتي بعد، ويُردّ إليه، ولا سيّما وقد زاد أبو داود في حديث أبي هريرة -﵁- من طريق صحيحة: "وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم"، فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد -﵁-، فهو هو. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢)، وسيأتي تمام البحث قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه، وقد تقدّم
_________________
(١) يقال: نكح النعاس عينه: غلبها. انتهى. "القاموس" ١/ ٢٥٤.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.
[ ١٢ / ٥٢٦ ]
تخريجه، وبقيّة مسائله في كتاب "الصلاة" برقم [٨/ ٨٦٥] (٣٨٩)، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المراد بقوله -ﷺ-: "فإذا وَجَد ذلك أحدكم، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ":
قال النوويّ -﵀-: اختَلَفَ العلماء في المراد به، فقال الحسن البصريّ، وطائفة من السلف بظاهر الحديث، وقالوا: إذا شكّ المصلّي، فلم يَدْرِ، زاد أو نقص؟ فليس عليه إلا سجدتان، وهو جالسٌ؛ عملًا بَظاهر هذا الحديث.
وقال الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلّى، لزمه أن يُعِيد الصلاة مرةَّ بَعد أخرى أبدًا حتى يَسْتَيقِن.
وقال بعضهم: يُعيد ثلاث مرّات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور -﵏-: متى شك في صلاته، هل صلى ثلاثًا، أم أربعًا؟ مثلًا، لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتي برابعة، ويسجد للسهو؛ عملًا بحديث أبي سعيد -﵁-، وهو قوله -ﷺ-: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يَدْر كم صلّى، ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلّى خمسًا شَفَعْنَ له صلاته، وإن كان صلّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان".
قالوا: فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين، وهو مُفَسِّرٌ لحديث أبي هريرة -﵁-، فيُحْمَل حديث أبي هريرة -﵁- عليه، وهذا متعينٌ، فوجب المصير إليه، مع ما في حديث أبي سعيد -﵁- من الموافقة لقواعد الشرع في الشكّ في الإحداث، والميراث من المفقود وغير ذلك. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أنه ليس في حديث أبي هريرة -﵁- هذا أكثر من أنّ رسول اللَّه -ﷺ- أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيه بيان ما يصنعه مَنْ وقع له ذلك، والأحاديثُ الأخرى قد اشتَمَلت على زيادةٍ، هي بيانُ ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٥٧ - ٥٨.
[ ١٢ / ٥٢٧ ]
فالمصير إليها واجب (^١).
والحاصل أنّ حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُجْمَل، يجب حمله على الأحاديث الأخرى المبيِّنة للمراد منه، فيكون المعنى: فليسجد سجدتين بعد البناء على غالب الظنّ، إن كان له غلبة ظنّ وميلُ قلب إلى أحد الطرفين، أو البناء على اليقين، إن لم يكن له ذلك، كما هو المذهب الراجح فيما سيأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، هل هو واجب لا بدّ منه، أو سنة؟.
فمذهب الشافعيّ -﵀-، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء.
وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان.
وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا؟ روايتان.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في "الهداية"، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي.
وأما مذهب أحمد -﵀-، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلاثة أنواع:
[أحدها]: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها.
[وثانيها]: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوًا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها.
_________________
(١) راجع: "نيل الأوطار" في هذا ٣/ ١٤١ - ١٤٢.
[ ١٢ / ٥٢٨ ]
[وثالثها]: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا، وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعيّ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في "سننه" من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريّ -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا شكّ أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلةً، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان".
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن؛ لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه.
قال العلائيّ -﵀-: لكن يَرِدُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظرٌ.
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
[الأول]: الأمر بذلك في قوله -ﷺ-: "ثم ليسجد سجدتين"، وهو صحيح ثابتٌ في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما -﵃-.
[والثاني]: التمسك بفعله -ﷺ-، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة.
[ ١٢ / ٥٢٩ ]
قال العلائيّ -﵀-: وهذا إما على القول بأن فعله -ﷺ- يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله -ﷺ- وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة؛ لأنها مُجمَلة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله -ﷺ-، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.
وإما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده -ﷺ- قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
[والمسلك الثالث]: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجْبَر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في "نظم الفرائد" ص ٣٦٤ - ٣٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، مع مداومته -ﷺ- على فعله، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا صارفًا، واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت شيخ الإسلام -﵀- نصر هذا الذي رجّحته من كون سجود السهو واجبًا، ودونك نصّه:
قال -﵀-: وأما وجوبه فقد أمر به النبيّ -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁- لمجرد الشكّ، فقال: "إذا قام أحدكم يصلّي جاءه الشيطان، فلبس عليه صلاته، حتى لا يدري كم صلّى؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس"، متّفقٌ عليه، وأَمَرَ به فيما إذا طرح الشك، فقال في حديث أبي سعيد -﵁-: "فليطرح الشك، ولْيَبْنِ على ما استيَقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان"، رواه مسلم.
وكذلك في حديث عبد الرحمن -﵁-: "ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلّم، ثم يسلّم"، وأَمَر به في حديث ابن مسعود -﵁-، حديثِ التحري قال: "فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسجد سجدتين"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ: "هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص؟، فيتحرى
[ ١٢ / ٥٣٠ ]
الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين"، وفي الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود -﵁-: "فقلنا: يا رسول اللَّه، أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين"، فقد أَمَر -ﷺ- بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده إذا زاد ما نُهِي عنه، أو نقص ما أمر به.
ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يُتْرَك مما أمر به إذا تركه ساهيًا، ولم يكن تَرْكُهُ ساهيًا موجبًا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نُهي عنه ساهيًا، فعلى هذا كلُّ مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهيًا، فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بدّ من أحدهما.
فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وكذلك إذا نسي طهارتها كما أُمر الذي ترك موضع لُمْعَة من قدمه لم يصبها الماء، أن يعيد الوضوء والصلاة، وكذلك إذا نسي ركعةً، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بدّ من فعل ما نسيه، إما مضمومًا إلى ما صَلَّى، وأما أن يبتدئ الصلاة.
فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلِّها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو -ﷺ- لَمَّا سَهَى عن التشهد الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلَّم في الصلاة من ركعتين، أو من ثلاث، صلّى ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولَمّا أذكروه أنه صلّى خمسًا سجدهما بعد السلام والكلام.
وهذا يقتضي مداومته -ﷺ- عليهما، وتوكيدهما، وأنه لم يَدَعْهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بينةٌ واضحةٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حُجَّةٌ تقارب ذلك. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه المازريّ -﵀-: أحاديث الباب خمسة:
١ - حديث أبي هريرة -﵁- فيمن شك فلم يَدْرِ كم صلّى؟، وفيه أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما.
[ ١٢ / ٥٣١ ]
٢ - وحديث أبي سعيد -﵁- فيمن شك، وفيه أن يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم.
٣ - وحديث ابن مسعود -﵁-، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام.
٤ - وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام.
٥ - وحديث ابن بُحَينة -﵁-، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام.
واختَلَف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود -﵀-: لا يقاس عليها، بل تُسْتَعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد -﵀- بقول داود في هذه الصلوات خاصّة، وخالفه في غيرها، وقال: يَسجُد فيما سواها قبل السلام لكل سهو.
وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو مُخَيَّرٌ في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص.
وقال أبو حنيفة -﵀-: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأوّل بعضَ الأحاديث عليه.
وقال الشافعيّ -﵀-: الأصل هو السجود قبل السلام، ورَدَّ بقية الأحاديث إليه.
وقال مالك -﵀-: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا فقبله.
فأما الشافعيّ: فقال في حديث أبي سعيد: "فإن كانت خامسةً شفعها"، ونَصّ على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود، ويتأول حديث ابن مسعود -﵁- في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه -ﷺ- ما عَلِمَ السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاةٌ جرى فيها سهوٌ، فسها عن السجود وقبل السلام، فتداركه بعده. انتهى.
قال النوويّ -﵀- بعد نقل كلام المازريّ هذا: هو كلام حسنٌ نفيسٌ،
[ ١٢ / ٥٣٢ ]
وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك -﵀-، ثم مذهب الشافعيّ، وللشافعيّ -﵀- قول كمذهب مالك: يفعل بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك: لو اجتمع في صلاة سهوان: سهوٌ بزيادة، وسهوٌ بنقص، سجد قبل السلام، قال القاضي عياض -﵀- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام، أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، واللَّه أعلم.
قال الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قال الشافعيّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان، وفيه حديث ضعيف. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح" ما حاصله: ذهب مالك، والمزنيّ، وأبو ثور من الشافعية إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الثاني يسجد بعده، قال: وزعم ابن عبد البرّ أنه أولى من غيره؛ للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر؛ لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح، وادّعاءِ النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً، وكان الحكم على وفقها كانت علّةً، فيعمّ الحكم جميع محالّها، فلا تخصص إلا بنصّ.
وتُعُقِّب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جبرٌ أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادةً فهو نقص في المعنى، وإنما سَمَّى النبيّ -ﷺ- سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم.
وقال الخطابيّ: لم يَرْجِع مَن فَرَّق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح،
_________________
(١) "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ٥/ ٥٦.
[ ١٢ / ٥٣٣ ]
وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان.
وأما قول النوويّ: أقوى المذاهب فيها قولُ مالك، ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى؛ لأنه قال: يُستَعْمَل كلُّ حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما رُوي عن النبيّ -ﷺ- في ذلك لرأيته كلَّه قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام.
وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يُفَرَّق فيه بين الزيادة والنقصان، فحرَّر مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر.
وأما داود فجرى على ظاهريته، فقال: لا يُشرَع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبيّ -ﷺ- فيها فقط، وعند الشافعيّ سجود السهو كلُّه قبل السلام، وعند الحنفية كلُّه بعد السلام.
واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود -﵁-.
وتُعُقِّب بأنه لم يَعْلَم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟، وقد اتَّفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة -﵃- لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ.
وأجاب بعضهم بما وَقَع في حديث ابن مسعود -﵁- من الزيادة، وهي: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين".
وأجيب بأنه معارَضٌ بحديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم"، وبه تمسك الشافعية.
وجَمَع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده.
ونَقَل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ.
وتُعُقِّب بأن إمام الحرمين نَقَل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن
[ ١٢ / ٥٣٤ ]
المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نَقَل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيُجْمَع بأن الخلاف بين أصحابه.
والخلافُ عند الحنفية، قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام رُوي عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أداء قبل وقته، وصَرَّح صاحب "الهداية" بأن الخلاف عندهم في الأولوية.
وقال ابن قدامة في "المقنع": مَن تَرَك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل.
ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة.
وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود -﵁-؛ لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلِّي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسةً، ثم سلَّم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصحّ صلاته، ولم يُنْقَل في حديث ابن مسعود -﵁- إضافة سادسة، ولا إعادةٌ، ولا بُدّ من أحدهما عندهم، قال: ويَحْرُم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح مما سبق من عرض آراء العلماء في مسألة كون سجود السهو قبل السلام، أو بعده، وذكر أدلّتهم أن الأرجح هو القول بالتخيير بين السجود قبل السلام أو بعدها فيما لا نصّ فيه.
والحاصل أن ما جاء النصّ فيه بأن النبيّ -ﷺ- سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما جاء أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام على موافقة النصّ، وما ليس فيه نصّ فالساهي بالخيار، إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء سجد بعد السلام.
قال الشوكانيّ -﵀-: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله -ﷺ- من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ١١٣ - ١١٤ "كتاب السهو" رقم (١٢٢٦).
[ ١٢ / ٥٣٥ ]
السجود مُقيَّدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يَرِد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص؛ لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين". وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى كلامه -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- ترجيح ما رجّحته، أحببت إيراده هنا تكميلًا للفائدة، قال -﵀- بعد إيراده المذاهب، وأدلتها:
وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرِّي، والشكِّ مع البناء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلِّها فيه الفرق المعقول، وذلك أنه إذا كان في نقص، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرُها يكون قبل السلام؛ لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة، وإذا كان من زيادة كركعة، لم يُجمَع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة، جُبِر بها نقص صلاته، فإن النبيّ -ﷺ- جعل السجدتين كركعة.
وكذلك إذا شك وتَحَرَّى، فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، فيكون بعد السلام، ومالك لا يقول بالتحرِّي، ولا بالسجود بعد السلام فيه.
وكذلك إذا سَلَّم، وقد بقي عليه بعض صلاته، ثم أكملها، فقد أتمها، والسلام منها زيادةٌ، والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان.
وأما إذا شك، ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلَّى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلّى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته؛ ليكون كأنه قد
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٣/ ١٣٤.
[ ١٢ / ٥٣٦ ]
صلّى ستّا لا خمسًا، وهذا إنما يكون قبل السلام، ومالك هنا يقول: يسجد بعد السلام.
فهذا القول الذي نصرناه، هو الذي يُستَعْمَل فيه جميع الأحاديث، لا يُترك منها حديثٌ، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يُشبهه من المنصوص.
ومما يُوَضِّح هذا أنه إذا كان مع السلام سهوٌ سجد بعد السلام، فيقال: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة، كركعة ساهيًا، أو ركوع، أو سجود ساهيًا، فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام، فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول، أو شك وبنى على اليقين.
وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، يقال له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يكون كلُّه قبل السلام، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام، عُلِم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام، وهذا معارَضٌ بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة، وهذه الأمور دعاوي لا يقوم عليها في ليل، بل يقال: التحريم أوجب السجود الذي يُجبَر به الصلاة.
ويقال: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان، ومعارَضةٌ له بنقيض قصده، فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة، فأُمر العبد أن يُرغِمه، فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام؛ ليكون زيادة في عبادة اللَّه، والسجود للَّه، والتقرب إلى اللَّه الذي أراد الشيطان أن يَنقُصه على العبد، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته، فأمره اللَّه أن يُتِمَّ صلاته، وأن يُرغم الشيطان، وعفا اللَّه للإنسان عما زاده في الصلاة نسيانًا، من سلام، وركعة زائدة، وغير ذلك، فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقرُّبه ناقصًا لنقصه فيما ينساه، فأمره اللَّه أن يُكَمِّل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، واللَّه أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو:
[ ١٢ / ٥٣٧ ]
رَوَى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ههنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة.
وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما.
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما.
وعن علقمة أنه صلّى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما.
وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائيّ -﵀- في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلِّي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه سجد للسهو بعدما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته، كما ستأتي الأحاديث المبيِّنة لذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو:
(اعلم): أنهم اختَلَفوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام أم لا؟ أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟.
[ ١٢ / ٥٣٨ ]
فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -﵁- أنه يتشهد فيها، ويسلّم، وعن حماد بن أبي سليمان، والْحَكَم كذلك، وعن إبراهيم النخعيّ أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة.
وقال آخرون: لا تشهّد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه.
وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهّد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إليّ أن يتشهّد فيهما. وحكى ابنُ عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلّم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي.
فهذه أقوال المتقدمين.
وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض -﵀-: مذهب مالك: أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهّد لهما، ثم يسلّم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟ واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه، هل يتشهّد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟.
وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لا بدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهّد بعد سجدتي السهو، ثم يسلّم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام؛ لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا.
هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعدما سلّم، ويكون كالمسبوق.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعدما سلّم لم يكن خارجًا
[ ١٢ / ٥٣٩ ]
من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به.
ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه؛ لأن نيته تغيير للمشروع.
وقال أحمد -﵀-: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهّد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلّقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام.
وأما مذهب الشافعيّ -﵀-، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهّد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائى -﵀-، وتركتها اختصارًا (^١).
وقد ذكر العلائي -﵀- أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال:
أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- في حديث ذي اليدين أن النبيّ لمّا أتم الصلاة، وسلّم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسّان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة -أعني قوله: "كبّر، ثم كبّر"-.
وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها.
فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددًا منه، فكانت مردودة.
والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في "الصحيح" من قول أبي هريرة -﵁-: فصلّى ركعتين، ثم كّبر، ثم سجد، ثم كبّر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبّر فرفع.
_________________
(١) راجع: كتابه "نظم الفرائد" (ص ٣٤٧ - ٣٥٠).
[ ١٢ / ٥٤٠ ]
قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ "ثم" التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود.
قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحْتَمِلٌ، أو قريب من الظهور.
وأقوى ما يُستدَل به لذلك ما ثبت عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين -﵄- عند مسلم.
والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام.
ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجودَ السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكبيرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "وتحليلها التسليم"، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل.
وأما التشهّد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين -﵄-، أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك.
ولم يخرّج الشيخان له شيئًا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد
[ ١٢ / ٥٤١ ]
ذكره ابن عديّ في كتابه "الكامل في الضعفاء"، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟.
والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهّد.
ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد سياقه حديث أبي هريرة -﵁-، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلّم، فلم يذكر مع السلام تشهّدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرًّة واحدة.
وفي "صحيح البخاري" عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهّد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهّد.
وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو.
قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به.
ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت".
[ ١٢ / ٥٤٢ ]
ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه.
قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرًّة: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه.
وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا؛ لأنه كان صغيرًا جدًّا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة: هل تذكر من عبد اللَّه شيئًا؟، قال: لا.
وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيئ الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة.
قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، وُيحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهّد حديث، فاللَّه أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه اللَّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة التشهّد في أحاديث السهو لا يثبُت؛ لمخالفة من زادها لجماعة الحفّاظ، مع أنهم قد تُكلّم فيهم، وقد كنت رجّحت في "شرح النسائيّ" ثبوتها، لكن الآن ترجّح لي هذا، كما قاله ابن عبد البرّ، والنوويّ، وأقرهما العلائيّ، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٢٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثناه".
[ ١٢ / ٥٤٣ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) بإسناد الزهريّ السابق، نحو حديثه، وهو: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٢٤٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "يأتي أحدكم الشيطان، وهو في صلاته، فيُلْبِس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليسجد سجدتين، وهو جالس". انتهى.
وأما رواية الليث، فقد ساقها الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٣٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيلبس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي (^٢) أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٢ / ٥٤٤ ]
هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ (^١) بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصري، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ. ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان ذكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد مرّ ذكرهم غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة.
٦ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتَهَر بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
_________________
(١) وفي نسخة: "أقبل حتى يخطر".
[ ١٢ / ٥٤٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث أبا سلمة ومن معه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ) أي بألفاظ الأذان المعهودة (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَر النهار دُبُورًا، من باب قَعَد: إذا وَلَّى، وانصرَمَ (^١)، وأدبر بالألف مثله، والألف واللام في "الشيطان" للعهد، والمراد الشيطان المعهود، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال في "الفتح": الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، ويَحْتَمِل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل مُتَمَرِّد من الجنّ والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجنّ خاصة. انتهى (^٣).
(لَهُ ضُرَاطٌ) جملة في محل نصب على الحال من "الشيطان"، و"الضُّرَاط" -بالضم- اسم من ضَرِطَ يَضْرَطُ، من باب تَعِبَ، ضَرِطًا، مثل كَتِفٍ، فهو ضَرِطٌ، وضَرَطَ، ضَرْطًا، من باب ضَرَب لغةٌ، قاله في "المصباح"، وهو: ريحٌ له صوت، يَخْرُج من دُبُر الإنسان، وغيره. قاله في "المنهل" (^٤).
ثم إن خروج الضُّرَاط من الشيطان حقيقةٌ، كما قاله القاضي عياض -﵀-؛ لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة.
وقال العينيّ -﵀-: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هُرُوبه من سماع الأذان بحال من خَرَقه أمر عظيم، واعتراه خَطْبٌ جسيم، حتى لم يزل يَحْصُل له الضُّراط من شدّة ما هو فيه؛ لأن الواقع في شدّة عظيمة؛ من خوف، وغيره تسترخي مفاصله، ولا يَقْدِر على أن يَمْلِك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط.
ولما كان الشيطان لعنه اللَّه يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرُب حتى لا يسمع الأذان؛ شُبِّه حاله بحال ذلك الرجل، وأُثبت له على وجه الادّعاء الضُّراط الذي يَنشأ من كمال الخوف الشديد، وفي
_________________
(١) راجع: "المصباح" ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١١١.
(٣) "الفتح" ٢/ ١٠٢.
(٤) "المنهل العذب المورود" ٤/ ١٧٥.
[ ١٢ / ٥٤٦ ]
الحقيقة ما ثَمَّ ضُراطٌ، ولكن يجوز أن يكون له ريحٌ؛ لأنه رُوحٌ، ولكن لم تُعْرَف كيفيته.
وقال الطيبيّ -﵀-: شُبِّهَ شَغْل الشيطان نفسَهُ عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمعَ، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطًا تقبيحًا له انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ، ونقله أيضًا عن الطيبيّ، من نفي حقيقة الضراط، وأن الكلام مجازٌ خرج مخرج التمثيل فقط، غير صحيح؛ لأنه من التعسّف، وتأويل النصّ دون حاجة، بل الصواب أن الضراط ثابت حقيقةً، كما أثبته هذا الحديث الصحيح، وأيُّ مانع يَمنع منه؟، حتى يُحرَّف النص الصريح عن ظاهره، فما سبق عن القاضي عياض -﵀- هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، واللَّه الهادي إلى الصواب.
(حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ) علّة للضُّراط، أي إنما يفعل ذلك ليَشْغَل نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يَشْهَد للمؤذن يوم القيامة، لما في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- مرفوعًا: "لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلا شَهِدَ له يوم القيامة"، رواه البخاريّ، وهو داخل فيه، وقيل: حتى غاية لإدباره، قاله في "العمدة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الأول أقرب إلى المعنى؛ إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان، مع أنه لا يَهْرُب عن القرآن، وهو أفضل من الأذان: هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن، كما دلّ عليه حديث أبي سعيد -﵁- المذكور، فيكون خروج الضُّراط منه حين هروبه من أجل خوفه، وُصُولَ صوت المؤذّن إليه خلال هُرُوبه، ودخوله في أذنه، فظهر كون قوله: "حتى لا يسمع" علة للضراط، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "حتى لا يسمع الأذان"، ظاهره أنه يتعَمَّد إخراج ذلك، إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يُخرِجه عن سماع المؤذن، أو يَصْنَع ذلك استخفافًا، كما يفعله السفهاء.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ١١١.
[ ١٢ / ٥٤٧ ]
ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يَحصُل له عند سماع الأذان شدّة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها. ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.
واستُدِلَّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية للمصنّف تقدّمت في "الأذان" من حديث جابر -﵁-، فقال: "حتى يكون مكان الرَّوْحَاء"، وحَكَى الأعمش عن أبي سفيان، راويه عن جابر أن بين المدينة والرَّوْحاء ستة وثلاثين ميلًا.
هذه رواية قتيبة، عن جرير، عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق، عن جرير، ولم يسق لفظه، ولفظ إسحاق في مسنده: "حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة"، فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قتيبة. انتهى (^١).
(فَإذَا قُضِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الْأَذَانُ) أي فُرغ منه، والقضاء يأتي لمعان كثيرة، فهو هنا بمعنى الفراغ، يقال: قضيت حاجتي، أي فرغت منها، وانتهيت من أمرها (أَقْبَلَ) أي توجه إلى المصلِّي حتى يُلَبّس عليه صلاته (فَإاذَا ثُوِّبَ بِهَا) -بضم المثلّثة، وتشديد الواو المكسورة، مبنيًّا للمفعول-: أي أُقيم للصلاة، والتثويب هنا بمعنى الإقامة.
ومعنى التثويب في الأصل: الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وأصله أن يُلَوّح الرجل لصاحبه بثوبه، فيديره عند أمر يُرْهِقه من خوف، أو عدوّ، ثم كَثُر استعماله في كل إعلام يُجهَر به، وإنما سميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه عَوْد إلى النداء، من ثاب إلى كذا: إذا عاد إليه. أفاده في "العمدة" (^٢).
(أَدْبَرَ) أي ولّى الشيطان حتى لا يسمع التثويب (فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ) وفي نسخة: "حتى يَخْطِر"، وهو: -بضم الطاء وكسرها- لغتان، حكاهما القاضي عياض في "المشارق"، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٠٢.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١١٢.
[ ١٢ / ٥٤٨ ]
وقد تقدّم تمام البحث فيه في كتاب "الصلاة" (^١). (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بين المرء، وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها.
قال في "العمدة": وبهذا التفسير -يعني تفسير النفس بالقلب- يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتَصَوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلًا لغاية قربه منه. انتهى (^٢).
(يَقُولُ: اذْكرْ كَذَا، اذْكرْ كَذَا) هو كناية عن أشياء غير متعلّقة بالصلاة، وكرّره للتأكيد (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيء لم يكن يتذكّره المصلّي قبل دخوله في الصلاة، وزاد في رواية عبد ربه، عن الأعرج التالية: "فَهَنَّاه، ومَنَّاهُ، وذَكَّره من حاجته ما لم يَذْكُرْ".
(حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أي كي يصير الرجل لا يعلم كم صلّى، فـ "حتى" غاية لوسوسة الشيطان، و"يظلّ" بالظاء، من باب تَعِب، أي يصير، و"إن" بكسر الهمزة نافية، و"يدري" بمعنى يعلم، أي إنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يعلم كم صلّى من الركعات، أثلاثًا، أم أربعًا؟.
(فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) فيه أنه لا زيادة على السجدتين، وإن سها عن أمور متعدّدة.
(وَهُوَ جَالِسٌ") أي حال كونه جالسًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٣) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، وَلَّى وَلَهُ ضُرَاطٌ"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: "فَهَنَّاهُ، وَمَنَّاهُ، وَذَكَرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ").
_________________
(١) راجع: شرح الحديث رقم [٨/ ٨٦٥] (٣٨٩).
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١١٢.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٢ / ٥٤٩ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن جدّه قيس، وأبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومَخْرَمة بن سليمان، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم.
ورَوَى عنه عطاء، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وعمرو بن الحارث، وما لك، والليث، وشعبة، والسفيانان، والمبارك بن فَضَالة، وحماد بن سلمة، وابن لَهِيعة.
قال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد القطان: كان وقّادًا حَيّ الفُؤاد، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة مدنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يُحْتَجّ بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، دون أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعزّ إخوته حديثًا.
قال عمرو بن عليّ، وغير واحد: مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال خليفة، وابن قانع، وغيرهما: مات سنة (١٤٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٣٨٩) و(٧٦٣) و(١١٠٨) و(١١٠٩) وأعاده بعده، و(٢١٩٤) و(٢٢٠٤) و(٢٢٦١) وكرّره ثلاث مرات.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ [٧] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا قبل باب، و"عمرو": هو ابن الحارث.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبد الرحمن الأعرج، أي ذَكَر عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- نحو حديث أبي سلمة، عنه.
وقوله: (فَهَنَّاهُ، وَمنَّاهُ) الأول من التهنئة، خُفِّف لأجل قرينه، وهو منّاه،
[ ١٢ / ٥٥٠ ]
وهو من التمنية، أي فذكّره الْمَهَانِئ، والأَمَانِيّ، قال ابن الأثير -﵀-: والمراد به ما يَعْرِض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان، يقال: هَنَأَنِي الطَّعَامُ يَهْنَؤُنِي، وَيهْنِئُنِي، وَيهْنَأُنِي، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تَهَنَّأْتُ بِهِ، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبٍ فهو هَنِيءٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِئُ، هذا هو الأصلُ بالهمز، وقد يُخَفَفُ، وهو في هذا الحديث أشبه؛ لأجل "مَنَّاهُ". انتهى كلام ابن الأثير -﵀- (^١).
وقال الفيّوميّ -﵀-: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تَيَسَّرَ، من غير مشقّة، ولا عَنَاءً، فهو هَنِئٌ، ويجوز الإبدال والإدغام، وهَنَأَنِي الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموز، من بابي نَفَعَ وضرَب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ الولد بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميٌّ، ومعناه: سَرَّنِي، فهو هانِئٌ، وبه سُمِّي، وهَنَاتُهُ هَنْئا باللغتين أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي: ساغ، ولَذَّ، وأكلته هَنِيئًا مَرِيئًا: أي بلا مَشَقَّة، وَيهْنُؤُ بضم المضارع في الكلّ لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزًا مما ماضيه بالفتح غيرُ هذا الفعل، وهَنَّأتُهُ بالولد بالتثقيل، وباسم المفعول سُمِّيَ. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- (^٢).
[تنبيه]: رواية الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سلمة، ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٦٦) فقال:
(١٢٤٨) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرة بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن الشيطان إذا ثُوِّب بالصلاة وَلَّى وله ضُرَاطٌ، فإذا فُرخ منها رجع يلتمس الخلاط، فيأتي الإنسانَ (^٣) فَهَنَّاه ومَنّاه، وذَكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلّى؟ ". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٧٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٢.
(٣) وقع في النسخة بلفظ: "الأنساب" بالباء بدل "الإنسان"، وهو تصحيف، فتنبّه.
[ ١٢ / ٥٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٣] (٥٧٠) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: ابن مالك بن الْقِشْب (^٢) الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب المعروف بابن بُحَينة (^٣)، وهي أمه، صحابيّ معروفٌ، مات -﵁- بعد (٥٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٠.
[تنبيه]: بُحَينة -بالتصغير- أم عبد اللَّه، وهي: بنت الحارث بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فينبغي كتابة "ابن بُحينة" بالألف؛ لئلا يلتبس بالأب، وإذا نُسب إليهما، كما في السند الثالث، كتب: عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بُحَينة، بتنوين مالكٍ، وبالألف في "ابن بُحينة"؛ ليندفع الوهم، ويُعرَف أن "ابن بُحينة" نعتٌ لعبد اللَّه، لا لمالك، وهكذا ينبغي أن تُحفظ هذه القاعدة، فيما أشبه هذا، مثل محمد ابن الحنفية، وإسماعيل ابن عُليّة، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم (^٤).
والباقون تقدّموا أول الباب، والأعرج في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة.
(٣) بضمّ الموحّدة، مصغّرًا.
(٤) راجع: "المرعاة" ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.
[ ١٢ / ٥٥٢ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ) وفي رواية البخاري: حدثني عبد الرحمن بن هُرمز مولى بني عبد المطلب، وقال مرة: مولى ربيعة بن الحارث. انتهى.
قال في "الفتح": ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن عبد المطلب، فذكره أوّلًا بجدّ مواليه الأعلى، وثانيًا بمولاه الحقيقي. انتهى.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وفي رواية للبخاري: "أن عبد اللَّه ابن بحينة، وهو من أَزْدَ شَنُوءة، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- (قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي دخل في الصلاة (رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) هي الظهر، لما في الرواية التالية من طريق الليث، عن ابن شهاب: "قام في صلاة الظهر، وعليه جلوسٌ" (ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ) أي في الركعة الثانية، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن الأعرج الآتية: "قام في الشفع الذي يُريد أن يَجلِس في صلاته"، وزاد في رواية ابن خزيمة: "فسبّحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته"، وفي حديث معاوية عند النسائيّ، والبيهقيّ، وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقيّ جميعًا نحو هذه القصّة بهذه الزيادة، وفيه دليلٌ على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له.
(فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) أي إلى الثالثة؛ اتّباعًا لفعله -ﷺ-، وفيه دليلٌ على وجوب متابعة الإمام حيث ترك القعود الأول وتشهُّده (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي فرغ منها وأتمّها، وقد استُدلّ به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يُسلم تمّت صلاته، وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الحنفيّة، كما سيأتي.
وتُعُقّب بأن السلام لَمّا كان للتحلّل من الصلاة كان المصلّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة
[ ١٢ / ٥٥٣ ]
من الثقات عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج: "حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يُسلّم"، فدلّ على أن بعض الرواة حذف الاستثناء؛ لوضوحه، والزيادة من الثقات الحفاظ مقبولة، كذا في "الفتح".
وقيل: معناه: قارب الفراغ من الصلاة، وقال الباجيّ -﵀-: ويَحْتَمِل أن يُراد بالصلاة الدعاء، والصلاة على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فيكون لفظ "قَضى" على حقيقته. انتهى.
(وَنَظَرْنَا) أي انتظرنا (تَسْلِيمَهُ) لظنّهم أنه لا يسجد للسهو؛ لعدم تقدّم علمهم بذلك (كبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي للسهو بعد التشهّد، وفي رواية الليث التالية: "فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، يُكبّر في كلّ سجدة"، وفي رواية لأحمد: "فكبّر فسجد، ثم كبّر فسجد، ثمّ سلّم"، قال في "الفتح": وفي رواية الأوزاعيّ: "فكبّر ثم سجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم كبّر فسجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم سلّم"، أخرجه ابن ماجه، واستُدلّ به على مشروعيّة التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة، وأن بينهمما جلسة فاصلةً. انتهى.
(وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة (قَبْلَ التَّسْلِيمِ) زاد في رواية الليث: "وسجدهما الناس معه مكان ما نَسِيَ من الجلوس" (ثُمَّ سَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم سلّم بعد ذلك"، أي سلّم للانصراف من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه ابن بُحينة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٧٣ و١٢٧٤ و١٢٧٥] (٥٧٠)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٢٩) و"السهو" (١٢٢٤ و١٢٣٠) و"الأيمان والنذور" (٦٦٧٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠٣٤ و١٠٣٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩١)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في "السهو" (١١٧٧ و١١٧٨ و١٢٢٢ و١٢٢٣ و١٢٦١) وفي "الكبرى" (٧٦٥ و٧٦٦
[ ١٢ / ٥٥٤ ]
و١١٤٥ و١١٤٦ و١١٨٤)، و(مالك) في "الموطأ" (٨١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٤٤٩ و٣٤٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٠)، و(الحميدي) في "مسنده" (٩٠٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٩) و(٥/ ٣٤٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٠٧ و١٥٠٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٢٩ و١٠٣٠ و١٠٣١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٣٨ و١٩٣٩ و١٩٤١)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٠٨ و١٩٠٩ و١٩١٠ و١٩١١ و١٩١٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٥٠ و١٢٥١ و١٢٥٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٣٣ و٣٣٤ و٣٤٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة سجود السهو في الصلاة.
٢ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم -﵀-: كان سهوه -ﷺ- في الصلاة من تمام نعمة اللَّه على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في "الموطّأ": "إنما أَنْسَى، أو أُنَسَّى لأَسُنَّ" (^١)، وكان -ﷺ- ينسى، فيترتّب على سهوه أحكام شرعيّةٌ تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة. انتهى.
٣ - (ومنها): بيان أن ترك التشهّد الأول لا يبطل الصلاة، قال الإمام ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: في قيام الناس خلف المصطفى -ﷺ- عند قيامه من موضع جلسته الأولى، وتركه الإنكار عليه ذلك أبينُ البيان على أن القعدة الأولى في الصلاة غير فرض. انتهى (^٢). وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن سجود السهو قبل السلام، قال في "الفتح": ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يُرَدُّ به على من زعم أن
_________________
(١) هذا أحد الأحاديث الأربعة المنقطعة التي لا توجد موصولة لا في "الموطأ"، ولا في غيره، كما قاله الحافظ ابن عبد البرّ -﵀-.
(٢) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٢٦٦.
[ ١٢ / ٥٥٥ ]
جميعه بعد السلام، كالحنفيّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك، فلا تكن من الغافلين.
٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "مَكَان ما نَسِيَ من الجلوس" على أن السجود خاص بالسهو، فلو تَعَمَّد ترك شيء مما يُجْبَر بسجود السهو لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزالي، وناس من الشافعية.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يَسْهُ المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنَى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها، فسجد، وتحقَّقَ المأموم أن الإمام لم يَسْهُ فيما سجد له، وفي تصويرها عُسْرٌ، وما إذا تبين أن الإمام مُحْدِث، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المأموم أيضًا، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه الاستثناءات محل نظر، لمن تأمل، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن سجود السهو لا تشهُّد بعده إذا كان قبل السلام.
٨ - (ومنها): أن من سها عن التشهّد الأول حتى قام إلى الثالثة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سَبَّحُوا به -ﷺ-، فلم يرجع، فلو تعمَّد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي، خلافًا للجمهور.
٩ - (ومنها): أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما طريقه التشريع.
١٠ - (ومنها): أن محلّ سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهّد ساهيًا أعاد عند من يوجب التشهُّد الأخير، وهم الجمهور، وهو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهُّد الأول:
قال الإمام البخاريّ -﵀-: "باب من لم يَرَ التشهُّد الأول واجبًا؛ لأن النبيّ -ﷺ- قام من الركعتين، ولم يرجع". انتهى.
قال الزين ابن المُنَيّر -﵀-: ذَكَرَ في هذه الترجمة الحكم ودليله، ولم يَبُتَّ الحكم مع ذلك، كأن يقول: باب لا يجب التشهُّد الأول، وسببه ما يَطْرُق الدليلَ المذكور من الاحتمال. انتهى.
[ ١٢ / ٥٥٦ ]
وقال الحافظ -﵀-: ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبًا لرجع إليه لَمّا سَبَّحُوا به بعد أن قام.
وقال ابن بطال -﵀-: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نَسِي تكبيرة الإحرام لم تُجْبَر، فكذلك التشهُّد، ولأنه ذِكْرٌ لا يُجْهَر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح.
واحتَجَّ غيره بتقريره -ﷺ- الناس على متابعته بعد أن عَلِمَ أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر.
وممن قال بوجوبه الليث، وإسحاق، وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعيّ، وفي رواية عند الحنفية.
واحتَجَّ الطبري لوجوبه بأن الصلاة فُرِضت أوّلًا ركعتين، وكان التشهّد فيها واجبًا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلةً لذلك الواجب.
وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يَحْتَمِل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدهما، ويؤيِّده استمرار السلام بعد التشهّد الأخير كما كان.
واحتَجَّ أيضًا بأن من تعمَّد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته، وهذا لا يَرِدُ؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه. انتهى ما في "الفتح" ملخصًا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجَّح عندي ما ذهب إليه من قال بوجوب التشهّد الأول؛ للأمر به في حديث رفاعة بن رافع -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال للمسيء صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهّد"، رواه أبو داود، والأمر للوجوب، ولمواظبته -ﷺ- عليه، ؤلحديث ابن مسعود -﵁-: "كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهّد. . . " الحديث، متّفقٌ عليه.
والحاصل أن التشهُّد الأول واجب كالأخير؛ للأدلّة المذكورة، فتبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد للسهو إن تركه سهوًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن نَسِيَ التشهد الأول:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀- في كتابه "الأوسط":
[ ١٢ / ٥٥٧ ]
الذي عليه أكثر أهل العلم اتَّبَاع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلِّي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوي قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود -﵃-.
وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك:
فقالت طائفة: إذا ذَكَرَ، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعيّ، ورُوي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعيّ يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة، والأوزاعيّ: لا يسجد.
وقالت طائفة: إن ذَكَر ساعةَ يقومُ جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة.
وقالت طائفة: إن المصلِّي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، وناء (^١) للقيام مَضَى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك بن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مَضَى.
وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم؛ لصحة حديث عبد اللَّه ابن بحينة -﵁- المذكور في الباب في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
قال ابن المنذر -﵀-: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائما، فجلس:
فرأت طائفة أن يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
_________________
(١) يقال: ناء ينوء، كقال يقول: إذا نهض، قاله من "المصباح" ٢/ ٦٣٢.
[ ١٢ / ٥٥٨ ]
وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية -﵁- مرفوعًا: "من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين"، رواه أحمد في "مسنده" ٤/ ١٠٠ بإسناد حسن.
فقوله: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ، حَلِيفِ بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ (^١) فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ) بسكون السين المهملة، ويقال فيه: الأزديّ، كما ذكره في الرواية الأخرى، والأَزْدُ والأَسْدُ بإسكان السين: قبيلة واحدةٌ، وهما اسمان مترادفان لها، وهم أَزْدَ شَنُوءَةَ، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقوله: (حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قال النوويّ -﵀-: كذا هو في نسخ صحيح البخاريّ ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السِّيَر والتواريخ أنه خَلِيِف بني المطَّلِب، وكان جدّه حالف المطلب بن عبد مناف.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "ويكبر".
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٥٩.
[ ١٢ / ٥٥٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ: في آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ) قال النوويّ -﵀-: الصواب في هذا أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب "ابن بُحينة" بالألف؛ لأن عبد اللَّه هو ابن مالك، وابنُ بُحينة، فمالك أبوه، وبُحينة أمه، وهي زوجة مالك، فمالك أبو عبد اللَّه، وبُحينةُ أم عبد اللَّه، فإذا قُرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب، ولو قرئ بإضافة مالك إلى "ابن" فَسَدَ المعنى، واقتضى أن يكون مالك ابنًا لبحينة، وهذا غلطٌ، وإنما هو زوجها. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو حسنٌ، وقد أسلفت البحث عنه قريبًا، فلا تنس نصيبك، وباللَّه تعالى التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٦] (٥٧١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ،
[ ١٢ / ٥٦٠ ]
فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَح الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد اللَّه الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (مُوسَى بْنُ دَاوُدَ) الضبّيّ، الْخلْقَانيّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف- أبو عبد اللَّه الطّرَسُوسيّ، كوفيّ الأصل، سكن بغداد، صدوقٌ فقيهٌ زاهدٌ، له أوهام، من صغار [٩].
ورَوَى عن جرير بن حازم، ومُبارك بن فَضَالة، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، ويزيد بن إبراهيم التستُريّ، ومالك، والثوريّ، وشعبة، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وعليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن معمر الْبَحْرانيّ، وزيد بن أخرم الطائيّ ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزديّ، وغيرهم.
قال ابن نُمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، صاحب حديث، وَلي قضاء طَرَسوس إلى أن مات بها، وقال ابن عمار الموصليّ: كان قاضي الْمِصِّيصة، وكان زاهدًا، صاحب حديث، ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب، وقال الدارقطنيّ: كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا، وولي قضاء الثُّغُور، فحُمِد فيها، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذَكَر الجاحظ أنه كان فصيحًا خطيبًا فاضلًا.
قال ابن سعد: مات سنة سبع عشرة ومائتين، وقال مطين: مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين.
روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط. قلت: أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، واستَشْهَد به الترمذيّ في حديثٍ في صيام التطوع.
[ ١٢ / ٥٦١ ]
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عُمر، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من سليمان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ) أي في عدد الركعات التي صلّاها (فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى) وقوله: (ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا) منصوب على التمييز رافع إبهام العدد في "كم" (فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ) وفي رواية النسائيّ: "فليُلغ الشكّ"، من الإلغاء، وفي نسخة منه: "فليُلق الشكّ" من الإلقاء، وكلها بمعنى واحد.
والمراد أنه يَطرَح المشكوك فيه، وهو الزائد، فلا يأخذ به في البناء، يعني الركعة الرابعة (وَلْيَبْنِ) بكسر اللام، وسكونها؛ تخفيفًا (عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) بالبناء للفاعل، أي عَلِم يقينًا، وهو: استفعال من يَقِنَ الأمرُ يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستَعمَل مُتعدّيًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتُهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي
[ ١٢ / ٥٦٢ ]
علمته، قاله الفيّوميّ (^١).
والمعنى: أنه يُتمّ صلاته على المستَيقَن، أي المعلوم يقينًا، وهو الأقلّ، فلا يقال: إنه لا يقين مع الشكّ؛ لأن المراد باليقين هنا المتيقّن، فإذا شكّ هل صلّى ثلاثًا، أم أربعًا؟ فالمتيقَّن هو الثلاث، فليطرح الرابعة المشكوك فيها، وليبن على الثلاث المتَيَقَّن.
وهذا فيما إذا لم يترجّح له أحد الطرفين، وإلا فليَبْنِ على ما ترجّح له، ثم ليسجد سجدتي السهو بعد السلام، عملًا بالأحاديث الآتية، وبهذا تجتمع الأدلة من غير إلغاء لبعضها، وسياتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) يَحْتَمل أن يكون "يسجد" بالجزم عطفًا على "يَبْنِ"، ويَحْتَمل أن يكون بالرفع خبرًا، وهو بمعنى الأمر، واللَّه تعالى أعلم.
وفي النسائيّ: "فإن استيقن بالتمام، فليسجد سجدتين، وهو قاعد"، أي إن علم بتمام صلاته بإتيانه بالركعة المشكوك فيها، فليسجد سجدتين جالسًا.
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) فيه أن محل السجدتين إذا لم يترجّح له أحدُ الطرفين يكون قبل السلام.
[فإن قيل]: هذا يعارضه حديث ابن مسعود -﵁- الآتي حيث إنّ فيه أن محلهما بعد السلام.
[أجيب]: بأنه لا تعارُض بينهما؛ لأن هذا فيما إذا لم يكن له ميل إلى أحد الطرفين، وذاك محمول على ما إذا كان له تَحَرّ ومَيْلٌ إلى أحد الطرفين، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) أي أتى بركعة خامسة سهوًا في صلاة رباعيّة، وهو تعليلٌ بالأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلّاه في الواقع أربعًا، فصار خمسًا بإضافته إليه ركعةً أخرى (شَفَعْنَ) بتخفيف الفاء، وتشديدها، قاله في "المرعاة" (^٢)، والتشديد محلّ نظر (لَهُ صَلَاتَهُ) قال القرطبيّ -﵀-: النون في "شَفَعْن" هي نون جماعة المؤنّث، وعادت على معنى فَعَلات السجدتين، مشيرًا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨١.
(٢) "المرعاة" ٣/ ٤٠٠.
[ ١٢ / ٥٦٣ ]
إلى ما فيها من الأحكام المتعدّدة. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ: الضمير في "شفعن" للركعات الخمس، وفي "له" للمصلّي، يعني شفعت الركعات الخمس صلاةَ أحدكم بالسجدتين، يدلّ عليه قوله في الرواية الأخرى: "شفعها بهاتين السجدتين"، أي شفع المصلّي الركعات الخمس إلى السجدتين.
وقال ابن حجر الهيتميّ: "شفعن" أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: "كانت الركعة نافلةً والسجدتان"، أي وصارت صلاته شفعًا باقيًا على حاله. انتهى.
وفي رواية النسائيّ: "شفعتا له صلاته"، أي صيّرت السجدتان صلاته شفعًا بعد أن كان وترًا بالخامسة، فكان كأنه صلّى ستّ ركعات.
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أنه إن أتمّ صلاته، وزاد ركعة خامسةً سهوًا، فالسجدتان تجعلان تلك الركعة الزائدة شفعًا، فكأنه صلّى ركعتين نافلةً بعد الفريضة، والمعنى الأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: يعني أنه لَمّا شكّ هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا؟ وبنى على الثلاث، فقد طرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فَعَلَها، فإن كان قد فَعَلها فهي خمسٌ، وموضوع تلك الصلاة شفعٌ، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعيّة، فلَمّا سَجَدَ سجدتي السهو ارتفعت الوتريّة، وجاءت الشفعيّة المناسبة للأصل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا) قال الطيبيّ -﵀-: إما مفعول له، أو حال من الفاعل، أي صلّى ما شكّ فيه حال كونه متمًّا (لِأَرْبَعِ) فيكون قد أدّى ما عليه من غير زيادة، ولا نقص (كَانَتَا) أي السجدتان (تَرْغَيمًا لِلشَّيْطَانِ") أي إغاظةً وإذلالًا له، مأخوذ من الرُّغام بالضمّ، وهو التُّراب، ومنه أرغم اللَّه أنفه.
والمعنى أن الشيطان لَبَسَ عليه صلاته، وتعرّض لإفسادها ونقصِها، فجعل اللَّه تعالى للمصلِّي طريقًا إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغامِ الشيطان، وردّه خاسئًا مُبعَدًا عن مراده، وكَمُلت صلاة ابن آدم لَمّا امتثل أمر اللَّه
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٨٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٨٢.
[ ١٢ / ٥٦٤ ]
تعالى الذي عَصَى به إبليسُ، من امتناعه من السجود، قاله النوويّ -﵀- (^١).
قال القاضي: القياس أن لا يسجد؛ إذ الأصل أنه لم يزد شيئًا، لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين: إما الزيادة، وإما أداء الرابعة على تردّد، فيسجد جبرًا للخلل، والتردّدُ لَمّا كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سُمّي جبره ترغيمًا له. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "كانتا ترغيمًا للشيطان" معناه: غيظًا للشيطان، ومَذلّةً له؛ لأنه لَمّا فَعَلَ أربع ركعات أتى بما طُلِب منه، ثم لَمّا انفصل زاد سجودًا للَّه تعالى لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردّد، فحصل للشيطان نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطالَ الصلاة، فقد صحَّت، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر. انتهى (^٣).
ولأبي داود: "وكانت السجدتان مُرْغِمتي الشيطان"، أي مُغيظتين، ومُذلّتين له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فحديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٢٧٦ و١٢٧٧] (٥٧١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٢٣٨ و١٢٣٩) وفي "الكبرى" (١١٦١ و١١٦٢)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٧٢ و٨٣ و٨٤ و٨٧)، (والدارميّ) في "سننه" (١٥٠٣)، (وابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٢٣ و١٠٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٦٣ و٢٦٦٩)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٤١)،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٦٠ - ٦١.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٨٠.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٨٢.
[ ١٢ / ٥٦٥ ]
و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٠٤ و١٩٠٥ و١٩٠٦ و١٩٠٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٥٣ و١٢٥٤)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٧٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٣١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٥٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بإتمام المصلِّي صلاته إذا وقع له الشكّ على المستَيْقَن المعلوم، وهو الأقلّ.
٢ - (ومنها): مشروعية سجدتي السهو لمن وقع له الشك في صلاته.
٣ - (ومنها): بيان أن السجدتين تجعلان الصلاة شفعًا لمن زاد، فصلّى خمسًا، ومُرْغِمتان للشيطان لمن صلّى أربعًا، ولم يزد.
٤ - (ومنها): أن الشيطان يَذِلّ بسبب هاتين السجدتين حيث وُفّق لهما ابن آدم، ولم يُوفَّق هو، بل أبى أن يمتثل أمر ربه، واستكبر، وكان من الكافرين.
٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ -﵀-: في هذا الحديث بيان فساد قول من ذهب إلى أن من صلّى خمسًا يُضيف إليها سادسةً، إن كان قد قعد في الرابعة، واعتلّوا بأن النافلة لا تكون ركعةً، وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القائلون بهذا هم الحنفيّة، وقد أجاد الخطابيّ -﵀- في ردّه؛ لأنه رَأْي محضٌ مقابلة النصّ، فيكون فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الوافر]
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاح
لكن الخطابيّ -﵀- وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، فيه نظر لا يخفى، فإن الحديث نصّ على أن السجدتين تشفعان صلاته، فيكون في حكم من صلّى شفعًا، فليست الركعة وحدها نافلة، بل مع السجدتين، خلاف ما يفيده قول الخطابيّ، فتبصّر.
٦ - (ومنها): أن هذا الحديث فيه تفصيل ما أُجمل في حديث أبي
[ ١٢ / ٥٦٦ ]
هريرة -﵁- المتقدِّم، فيكون عليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه، وقد سبق بيان ذلك.
٧ - (ومنها): أن فيه الردّ على من فصّل في الشكّ من كونه أول ما سَهَى، أو ثانيًا؛ لأن الحديث مطلقٌ، وهو أرفق بالناس، والنبيّ -ﷺ- أُرسل رحمة، ورأفة لهم.
٨ - (ومنها): أنه احتجّ به الجمهور مالك، والشافعيّ، ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه، من وجوب طرح الشكّ، والبناء على المتيَقَّن، أي الأقلّ، وعدم إجزاء التحرّي، لكن سيأتي تعقّبه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الرواة في حديث أبي سعيد -﵁- هذا بالوصل والإرسال، وترجيح وصله؛ لكثرة من رواه كذلك:
قال الحافظ ابن رجب في "شرح البخاري" ما حاصله: حديث أبي سعيد -﵁- أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه، وأخرجه أيضًا من رواية داود بن قيس، عن زيد بن أسلم به.
وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، وفُليح بن سليمان، وغيرهم، عن زيد بن أسلم كذلك.
وكذلك رَوَيناه من حديث عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد، والمعروف من رواية ابن عجلان أنه لم يذكر في حديثه: "قبل السلام".
وكذا رواه أبو غسّان، وغيره عن زيد بن أسلم.
ورواه مالك في "الموطأ"، والثوريّ، ويعقوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا.
ووصله الوليد بن مسلم وغيره عن مالك، وليس بمعروف عنه وصله.
ووصله بعضهم عن الثوريّ أيضًا. ولعل البخاريّ ترك تخريجه لإرسال مالك والثوريّ له.
وحكم جماعة بصحة وصله، منهم الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وقال
[ ١٢ / ٥٦٧ ]
أحمد: أذهب إليه، قيل له: يختلفون في إسناده؟ قال: إنما قَصّر به مالك، وقد أسنده عدّة، فذكر منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
ورواه الدراورديّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ذكره الدارقطنيّ، وقال: القول قول من قال: "عطاء، عن أبي سعيد".
وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر من رواية عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدّثني هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد الخدريّ -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلّى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص؟ فليسجد سجدتين، وهو جالس"، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن.
وأخرجه النسائيّ، وزاد في رواية له: "ثم يسلم"، وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله.
ورَوَى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس، عن
عبد الرحمن بن عوف -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يَدْرِ واحدةً صلّى، أو اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلّى، أو ثلاثًا؟ فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم"، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وله علّة ذكرها ابن المدينيّ قال: وكان عندي حسنًا حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلًا، وسمع إسناده من حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن مكحول، قال: يُضَعَّف الحديث من ههنا -يعني من جهة حسين الذي يرجع الإسناد إليه-.
وأخرجه أحمد عن ابن عُليّة، عن ابن إسحاق كما ذكره ابن المدينيّ، وكذلك رواه عبد اللَّه بن نمير، وعبد الرحمن المحاربيّ، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا، وعن حسين، عن مكحول متصلًا.
ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول، مرسلًا، ذكره الدارقطني.
[ ١٢ / ٥٦٨ ]
وأخرجه أحمد أيضًا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-.
وإسماعيل هو المكيّ ضعيف جدًّا، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصحّ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدارقطنيّ.
ورَوَى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عُمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا لم يدر أحدكم كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا؟ فليركع ركعتين، يحسن ركوعهما وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين"، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.
والبخاريّ يخرج من هذه النسخة كثيرًا، لكن هذا رواه مالك في "الموطأ" عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه موقوفًا، قال الدارقطنيّ: رفعه غير ثابت، وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ رفعه.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا، فليبن على أتمّ ذلك في نفسه، وليس عليه سجود، قال: فكان الزهريّ يقول: يسجد سجدتي السهو، وهو جالس. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- ببعض تصرف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- المذكور في الباب صحيحٌ، كما رأي المصنّف، حيث أخرجه في "صحيحه"، ولا يؤثر في صحته رواية من أرسله، كما قال الإمام أحمد، والدارقطنيّ؛ لكثرة من وصله، وأرجحيّتهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسألة الشكّ في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في المصلِّي يشكّ في صلاته، فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، هذا قول
_________________
(١) راجع: "فتح الباري" لابن رجب ٩/ ٤٦١ - ٤٦٧.
[ ١٢ / ٥٦٩ ]
عبد اللَّه بن مسعود، وبه قال سالم بن عبد اللَّه، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور.
وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلّى؟، أعاد حتى يَحْفَظ، رُوي هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وشُريح، والشعبيّ، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون، وبه قال الأوزاعيّ في رجل سها في صلاته، فلم يدر كم صلّى؟.
وقالت طائفة: يُعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي السهو للتطوّع، رُوي هذا القول عن سعيد بن جُبير، خلاف الرواية التي وافق فيها شُريحًا، والشعبي.
وقالت طائفة رابعة بظاهر الحديث الذي رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يأتي الشيطان أحدكم، فيلبس عليه صلاته، فلا يدري أزاد، أو نقص، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس" مُتَّفَقٌ عليه.
وممن قال بهذا القول أبو هريرة -﵁-، فإنه قال: إذا خطر الشيطان بين قلب أحدكم، وبين صلاته، فلم يدر كم صلّى؟ يسجد سجدتي الوهم، وقال أنس بن مالك، والحسن البصريّ: إذا شكّ في ثلاث، أو أربع، فإنه يسجد سجدتي السهو.
وفيه قول خامس: قال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس -﵄-، قال: إن نسيت المكتوبة، فعُدْ لصلاتك، قال عطاء: لم أسمع منه في ذلك غير ذلك، ولكن بلغني عنه، وعن ابن عمر أنهما قالا: فإن نسيت الثانية فلا تعد لها، وصلّ على أحرز ذلك في نفسك، ثم اسجد سجدتين بعدما تسلِّم، وأفت جالس.
وفيه قول سادس: رَوَينا عن سعيد بن جبير، وعطاء، وميمون بن مهران أنهم كانوا إذا شكّوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يُعيدوا.
وفيه قول سابع: في الإمام لا يدري كم صلّى، قال: ينظر ما يصنع مَنْ وراءه، هذا قول النخعيّ، وقال عطاء: يوشك أن يُعَلِّمَهُ مَنْ وراءه.
وفيه قول ثامن: قاله مكحول فيمن شكّ، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا؟
[ ١٢ / ٥٧٠ ]
قال: فليركع ركعة حتى تكون صلاته إلى الزيادة أقرب منها إلى النقصان، ولا يسجد للسهو، فإنه ليس بسهو.
قال ابن المنذر -﵀-: في حديث أبي هريرة -﵁- يعني الآتي في هذا الباب-، وأبي سعيد -يعني المذكور هنا- إثبات سجود السهو على الشاكّ في صلاته، وفي حديث ابن عباس (^١)، وأبي سعيد أَمْرُ النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- الشّاكَّ أن يبني على اليقين، ثم يسجد للسهو، فقبول الزيادة التي زادها أبو سعيد وابن عباس -﵃-؛ لأنهما حفظا ما لم يحفظه أبو هريرة -﵁-، فوجب قبولُ ما حُفظ من الزيادة مما لم يحفظه أبو هريرة، كما يجب قبول خبر لو تفرّد به كلّ واحد منهما عن رسول اللَّه -ﷺ-.
فإذا شكّ المصلي في صلاته، ولم يكن له تحرٍّ، ولم يمل قلبه إلى أحد العددين، فإنه يَنظر إلى ما استيقن أنه صلّى، فيحتسب به، ويُلْقِي الشكّ، وَيبْنِي على اليقين، ويسجد سجدتي السهو قبل التسليم على ما في حديث ابن عباس -﵄-، فإن مال قلبه إلى أحد العددين، فقد اختُلف في ذلك. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-.
وقال عند الكلام على حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا ما ملخّصه:
وقد اختلفوا في تأويله -يعني حديثَ ابن مسعود -﵁- فقالت طائفة من أصحاب الحديث: خبر ابن مسعود هذا، وخبر ابن عباس، وأبي سعيد الخدري ثابتة كلها يجب القول بها في مواضعها، فإذا شكّ المصلّي في صلاته، وله تحرٍّ، والتحرّي أن يميل قلبه إلى أحد العددين، وجب عليه
_________________
(١) حديث ابن عبّاس -﵄- أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"، فقال: حدّثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدّثنا ابن قعنب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا، فليقُم، فليصل ركعةً، ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان". انتهى. والحديث أخرجه مالك في "الموطّأ" ١/ ٩٥ مرسلًا، وأبو داود في "سننه" من طريقه رقم (١٠٢٦).
[ ١٢ / ٥٧١ ]
استعمال حديث عبد اللَّه بن مسعود، ويبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد اللَّه بن مسعود، وإذا لم يكن له تحرٍّ، ولا يميل قلبه إلى أحد العددين بَنَى على اليقين، على ما في حديث ابن عبّاس وأبي سعيد -﵄-، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول هو الراجح عندي، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى، فسها في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلّى أم أربعًا؟ وذلك أول ما سها، فعليه أن يستقبل الصلاة، فإن لقي ذلك غير مرّة تحرّى الصواب، فإن كان أكبر رأيه أنه قد أتمّ مضى على صلاته، وإن كان أكبر رأيه أنه صلَّى ثلاثًا أتمّ الرابعة، ثم يتشهّد، ويسلّم، ويسجد سجدتي السهو.
وكان أحمد بن حنبل يقول: الشكّ على وجهين: اليقين، والتحرّي، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث عبد الرحمن بن عوف (^١)، وأبي سعيد -﵄-، وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر الوهم سجد سجدتي السهو بعد التسليم على حديث ابن مسعود -﵁-.
وقالت طائفة: معنى التحرّي الرجوع إلى اليقين؛ لأنه أُمِرَ أن يتحرّى الصواب، والصواب هو الرجوع إلى اليقين، وأنما أُمرَ أن يرجع من الشك إلى اليقين، ولم يؤمر أن يرجع من شك إلى شك.
ومن حجة من قال بهذا أن يقول: لَمّا كان عليَّ إذا شككت أصليتُ
_________________
(١) حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، ولفظ الترمذيّ (٣٦٤): عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، فَلْيَبْنِ على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا، فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم"، وصحَّحه الترمذيّ، وتبعه الشيخ الألبانيّ في "صحيح الترمذيّ"، لكن الظاهر أنه معلولٌ كما تقدّم بيانه في كلام الإمام عليّ ابن المدينيّ -﵀-، فراجع المسألة الرابعة، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ ١٢ / ٥٧٢ ]
الظهر أم لا؟ أن أصليها بتمامها حتى أكون على يقين من أدائها، فكذلك إذا شككت في ركعة منها عليّ أن آتي بها حتى أكون على يقين من أدائها.
ومن قال بخبر أبي سعيد، وابن عباس -﵄- في موضعهما، وبخبر ابن مسعود -﵁- في موضعه قال: علينا إذا ثبتت الأخبار أن نُمْضيها كلَّها، ونستعمل كلَّ خبر في موضعه، وإذا ثبت الخبر ارتفع النظر، ومعنى خبر ابن مسعود غيرُ خبر أبي سعيد، وإذا كان كذلك لم يجز أن يُترك أحدهما؛ لأن الآخر أشبه بالنظر. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- بتصرف.
وقال الإمام ابن حبّان -﵀-: قد يتوهَّم من لم يُحكم صناعة الأخبار، ولا تفقّه من صحيح الآثار أن التحرّي في الصلاة، والبناء على اليقين واحدٌ، وليس كذلك؛ لأن التحرّي هو أن يشُكّ المرء في صلاته، فلا يدري ما صلّى، فإذا كان كذلك عليه أن يتحرّى الصواب، ولْيَبْنِ على الأغلب عنده، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود -﵁-.
والبناء على اليقين هو أن يشكّ المرء في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع، فإذا كان كذلك عليه أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، وليُتمّ صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد الخدريّ -﵄-، سُنتان غير متضادَّين. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- (^١).
وقال العلامة الشوكانيّ -﵀- بعد ذكر نحو ما تقدم من الأقوال وأدلتها ما نصّه:
والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقلّ، والبناء على اليقين، وتحرّي الصواب، وذلك لأن التحرّي في اللغة هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أَمَرَ به -ﷺ-، وأَمَرَ بالبناء على اليقين، والبناء على الأقلّ عند عروض الشكّ، فإن أمكن الخروج بالتحرّي عن دائرة الشكّ لغةً، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شكّ أنه مقدّم على البناء على الأقلّ؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقلّ عدمَ الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁-، وهذا المتحرّي قد
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
[ ١٢ / ٥٧٣ ]
حصلت له الدراية، وأمر الشاكّ بالبناء على ما استيقن، كما في حديث أبي سعيد -﵁-، ومن بلغ به تحرّيه إلى اليقين قد بَنَى على ما استيقن.
وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحرّي المذكور مقدّم على البناء على الأقلّ، وقد أوقع الناس ظنُّ التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق، ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمُبتلَى، والركن والركعة. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ -﵀- تحقيقٌ حسن جدًّا.
وخلاصته: أن من شكّ في صلاته لا يخلو إما أن يكون له تحرٍّ وميل إلى أحد العددين، فيبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد اللَّه بن مسعود الآتي، وإما أن لا يكون له ميل إلى أحد العددين، فيبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام، على حديث أبي سعيد هذا، وابن عباس -﵄-.
والحاصل أن المذهب الراجح هو الذي فصّل الشكّ على التفصيل المذكور، فإنه يَجمَعُ بين أحاديث الباب من غير تعرّض لإهمال بعضها، وما عداه من الأقوال إما أن يلزم منه حمل بعض الأخبار على بعضها بتكلُّف وتعسُّف، وإما أن يكون رأيًا محضًا لا مُستَنَدَ له، ولا أثارة عليه من العلم، فتبصر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، عَبْدُ اللَّهِ (^٢)، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسنَادِ، وَفِي
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "عمي عبد اللَّه بن وهب".
[ ١٢ / ٥٧٤ ]
مَعْنَاهُ، قَالَ: "يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ (^١) قَبْلَ السَّلَامِ"، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم المصريّ، لقبه بَحْشَل -بفتح الموحَّدة، وسكون الحاء المهملة، بعدها شين معجمة- أبو عبيد اللَّه ابن أخي عبد اللَّه بن وهب، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١].
أكثر عن عمّه، ورَوَى عن الشافعيّ، وإسحاق بن الفُرَات، وبشر بن بكر، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وابن خزيمة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي داود، وابن جرير، والساجيّ، والباغنديّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم عنه؟ فقال: ثقةٌ، ما رأينا إلا خيرًا، قلت: سمع من عمّه؟ قال: إي واللَّه، وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أدركناه، ولم نكتب عنه، قال: وسمعت أبا زرعة، وأتاه بعض رفقائي، فحَكَى عن أبي عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: إن رجوعه مما يُحَسِّن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان من قبلُ، قال: وسمعت أبي يقول: كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خَلَط بعدُ، ثم جاء في خبره أنه رَجَع عن التخليط، وسئل أبي عنه بعد ذلك؟ فقال: كان صدوقًا، وقال ابن الأخرم: سمعت ابن خزيمة، وقيل له: لِمَ رويتَ عن ابن أخي ابن وهب، وتركت سفيان بن وَكِيع؟ فقال: لأن أحمد لَمّا أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها إلى آخرها، إلا حديث مالك، عن الزهريّ، عن أنس: "إذا حضر العشاء. . . "، فإنه ذكر أنه وجده في دُرْجٍ من كتب عمّه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإنّ وَرَّاقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، فكلمناه، فلم يرجع عنها، فاستخرت اللَّه وتركته، وقال ابن عديّ: رأيت شيوخ مصر مُجمعين على
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: سجد سجدتين".
[ ١٢ / ٥٧٥ ]
ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه، وسألت عبدان عنه؟ فقال: كان مستقيم الأمر في أيامنا، ومن لم يَلْقَ حرملة اعتَمَدَ عليه في نسخ حديث ابن وهب، وقال ابن عديّ: ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمّه، وكل ما أنكروه عليه مُحْتَمِلٌ، وإن لم يروه غيره عن عمّه، ولعله خَصَّه به.
وذكر أبو علي الجيّاني أن البخاريّ رَوَى في "الجامع" عن أحمد غير منسوب، عن ابن وهب، وأنه أبو عبيد اللَّه هذا، وقد وَهَّمَ الحاكم أبو عبد اللَّه هذا القول.
وقال ابن الأخرم: نحن لا نشك في اختلاطه بعد الخمسين، وإنما ابتُلِي بعد خروج مسلم من مصر، وقال الدارقطنيّ: تكلموا فيه.
وأنكرت على أحمد أحاديث (^١)، وقد صحّ رجوعه عن هذه الأحاديث التي أُنكرت عليه، ولأجل ذلك اعتمده ابن خزيمة من المتقدمين، وابن القطان من المتأخرين.
وقال أبو سعيد بن يونس: تُوُفّي في شهر ربيع الآخر سنة (٢٦٤)، ولا تقوم بحديثه حجة، وقال هارون بن سعيد الأيليّ: هو الذي كان يَستملي لنا عند عمّه، وهو الذي كان يقرأ لنا.
تفردّ به المصنّف، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٥٧١) و(٧٩٢) و(٨١٣) و(١٠٦٤) و(١٧٠٩) و(١٨٢٩) و(١٩٢٤) و(١٩٧٧) و(٢٣٩٢).
٢ - (عَمُّهُ، عَبْدُ اللَّهِ) بن وهب، ذُكر في الباب.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٤.
و"زيد بن أسلم" تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد زيد بن أسلم المتقدّم، وهو: عن
_________________
(١) ذكر تلك الأحاديث في "تهذيب التهذيب" في ترجمته ١/ ٣٤.
[ ١٢ / ٥٧٦ ]
عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-. وقوله: (وَفِي مَعْنَاهُ) يعني أن معنى حديث داود بن قيس، عن زيد بن أسلم بمعنى حديث سليمان بن بلال، عنه، لا بلفظه.
[تنبيه]: رواية داود بن قيس، عن زيد بن أسلم هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٨] (٥٧٢) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ (^١)، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: زَادَ، أَوْ نَقَصَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ، أَنْبَأْتكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ، فَذَكِّرُونِي، وإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ") (^٢).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) عن (٧١) سنةً تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة".
(٢) وفي نسخة: "ثم يسجد سجدتين".
[ ١٢ / ٥٧٧ ]
٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر السّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ، أبو شِبْل الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٢] (ت بعد ٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات -﵁- (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، فكلّهم كوفيّون إلا إسحاق، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من جعل منصورًا منهم، وإلا فتابعيّان.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ الأسانيد، كما قال في "الفتح" (^١)، وإليه أشار السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَن إِبْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، من السابقين الأولين، ومن فقهائهم، وقرّائهم، قد أثنى على قراءته النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعيّ -﵀-، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٠٠.
[ ١٢ / ٥٧٨ ]
مسعود -﵃- (صلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية الحكم، عن إبراهيم الآتية: "صلّى الظهر خمسًا"، أي خمس ركعات (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعيّ الراوي عن علقمة (زَادَ، أَوْ نَقَصَ) وفي رواية البخاريّ: "لا أدري، زاد أو نقص؟ " أي النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، والمراد أن إبراهيم شكّ في سبب سجود السهو المذكور، هل كان لأجل الزيادة، أو النقصان؟ لكن سيأتي في الباب من رواية الحكم، عن إبراهيم بإسناده هذا أنه صَلّى خَمْسًا، وهو يقتضي الجزم بالزيادة، فلعله شكّ لَمّا حدّث منصورًا، وتيقن لما حدَّث الحكم، وقد تابع الحكم على ذلك حماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهما، وعَيَّنَ في رواية الحكم أيضًا، وحماد أنها الظهر، ووقع للطبراني من رواية طلحة بن مُصرِّف، عن إبراهيم أنها العصر، وما في "الصحيح" أصح، قاله في "الفتح" (^١).
(فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ) أي لرسول اللَّه -ﷺ- (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ) بفتحات، والهمزة للاستفهام الاستخباريّ (فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟) مرادهم السؤال عن حُدُوث شيء من الوحي، يوجب تغيير حكم الصلاة عما عَهِدُوه، ودَلَّ استفهامهم عن ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه.
وفي رواية الحكم الآتية: "فلَمّا سَلَّمَ قيل له: أزيد في الصلاة؟ "، وفي رواية إبراهيم بن سُويد النخعيّ، عن ابن مسعود -﵁-: "فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول اللَّه هل زيد في الصلاة؟ قال: لا".
فتبيّن أن سؤالهم كان بعد استفساره لهم عن مساررتهم، وهو دالّ على عظيم أدبهم معه -ﷺ-، وقولهم: "هل زيد في الصلاة" يفسّر قولهم هنا: "أحدث في الصلاة شيء؟ " (^٢).
(قَالَ) -ﷺ- ("وَمَا ذَاكَ؟ ") أي ما سبب هذا السؤال؟، وفيه إشعار بأنه لم يكن عنده شعور مما وقع منه من الزيادة، وفيه دليلٌ على جواز وقوع السهو من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في الأفعال، قال ابن دقيق العيد -﵀-: وهو قول عامّة العلماء والنُّظَّار، وشَذّت طائفةٌ، فقالوا: لا يجوز على النبي السهو،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٠٠ - ٦٠١.
(٢) "الفتح" ٣/ ١١٤ - ١١٥.
[ ١٢ / ٥٧٩ ]
وهذا الحديث يَرُدّ عليهم؛ لقوله -ﷺ- فيه: "أَنْسَى كما تَنْسَوْن"، ولقوله: "فإذا نَسِيتُ فذَكِّروني"، أي بالتسبيح ونحوه، قاله في "الفتح".
(قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية الحكم الآتية: "قالوا: صلّيت خمسًا" (قَالَ) عبد اللَّه -﵁- (فَثَنَى رِجْلَيْهِ) يقال: ثَنَى الشيءَ يَثْنيه، من باب رمَى: رَدّ بعضه على بعض، فَتَثَنَّى، وانثنَى، واثْنَونَى: انعطف (^١)، أي عَطَف -ﷺ- رجليه؛ تأهّبًا للسجود (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ، أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ) أي أخبرتكم بذلك الشيء، وفيه دليلٌ على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
(وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) وفي الرواية الآتية: "قال: إنما أنا بشرٌ مثلكم"، أي أنا بشر في الأمور البشريّة مثل سائر البشر، إلا أنه يوحى إليّ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] الآية.
قال الشوكانيّ -﵀-: هذا حصرٌ له في البشريّة باعتبار من أنكر ثبوت ذلك، ونازع فيه عنادًا وجُحودًا، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه، ينحصر في وصف البشريّة؛ إذ له صفات أُخَرُ، ككونه جسمًا حيًّا متحرّكًا، نبيًّا رسولًا، بشيرًا نذيرًا، وسراجًا منيرًا، وغير ذلك. انتهى. (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) بفتح السين، مضارع نَسِيَ بكسرها، كرضي يَرْضَى، قال الفيّوميّ: نَسِيتُ الشيءَ أَنْسَاه نِسيانًا، مشتَرَك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغَفْلة، وذلك خلاف الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي لا تقصدوا الترك، والإهمالَ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المراد هنا المعنى الأول، فتنبّه.
(فَإذَا نَسِيتُ) بكسر النون، وفي الرواية الآتية: "أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون".
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط"، وقوله "كسعى" ردّه الشارح بأن الصواب كرمى، فتنبّه.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٤.
[ ١٢ / ٥٨٠ ]
(فَذَكِّرُونِي) بتشديد الكاف، من التذكير، أي من حقّكم أن تذكّروني بالتسبيح عند إرادتي القيام إلى الخامسة.
(وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ) بالحاء المهملة والراء المشدَّدَة، أي فليَقْصِد، قال في "الفتح": المراد البناء على اليقين. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الأرجح كون المراد بالتحرّي هنا هو غلبة الظنّ؛ لظاهر حديث ابن مسعود -﵁-، قال الحافظ -﵀-: كون التحرّي بمعنى الأخذ بغلبة الظنّ هو ظاهر الروايات التي عند مسلم. انتهى.
وقال الطيبيّ -﵀-: التحرّي: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تحصيل الشيء بالفعل. انتهى.
(فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ) الضمير إلى ما دلّ عليه قوله: "فليتحرّ"، والمعنى: فليُتمّ على ذلك ما بقي من صلاته بأن يضمّ إليه ركعةً، وفي الرواية الآتية: "فلينظر أحرى ذلك للصواب"، وفي أخرى: "فليتحرّ أقرب ذلك إلى الصواب"، وفي لفظ: "فليتحرّ الذي يرى أنه الصواب".
واستَدلّ به من قال بالعمل بغالب الظنّ، وتقديمه على اليقين، أي الأقلّ، وهم الحنفيّة، قال القرطبيّ -﵀-: ظاهره يدلّ على ما صار إليه الكوفيّون من عمله على غلبة ظنّه، وقد ذكرنا أن الجمهور ردّوه إلى حديث أبي سعيد -﵁- (^١)، وهذا لم تُضمّ إليه ضرورة تعارض؛ إذ يمكن أن يُحمل كلّ واحد من الحديثين على حالة غير الأخرى، فيُحمل حديث أبي هريرة فيمن شكّ، ويحمل هذا الحديث على من ظنّ، ولا تعارض بينهما، والتحرّي وإن كان هو القصد، كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، فكما يُقْصَد المتيقَّن يُقصد المظنون، واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قيل]: الموجِب لتأويل هذا الحديث، وردّه إلى حديث أبي سعيد -﵁- أن الصلاة في ذمّته بيقين، ولا تبرأ ذمّته إلا بيقين.
[قلنا]: لا نسلِّم، بل تبرأ ذمّته بغلبة الظنّ بدليل أن صحّة الصلاة تتوقّف
_________________
(١) وقع في نسخة "المفهم": "أبو هريرة" بدل أبي سعيد في الموضعين، والظاهر أنه غلط، فليُتنبّه.
[ ١٢ / ٥٨١ ]
على شروط مظنونة باتّفاق، كطهارة النجاسة، وطهارة الحدث باختلاف، والموقوف على المظنون مظنون، فلا يلزم اليقين، وإن كان الأولى هو اليقين، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ بتصرّف (^١).
(ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ") وفي رواية البخاريّ: "ثم ليسلِّم، ثم يسجد سجدتين"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٩/ ١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٨٠ و١٢٨١ و١٢٨٢ و١٢٨٣ و١٢٨٤ و١٢٨٥ و١٢٨٦ و١٢٨٧ و١٢٨٨ و١٢٨٩ و١٢٩٠] (٥٧٢)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٠١ و٤٠٤) و"السهو" (١٢٢٦) و"الأيمان والنذور" (٦٦٧١) و"أخبار الآحاد" (٧٢٤٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠١٩ و١٠٢٠)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩٢)، و(النسائيّ) في "السهو" (٣/ ٣١)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٩ و٤٣٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٥٦ و٢٦٥٧ و٢٦٥٩ و٢٦٦٠ و٢٦٦٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٢٧ و١٩٢٨ و١٩٢٩ و١٩٣٠ و١٩٣١ و١٩٣٢ و١٩٣٣ و١٩٣٤ و١٩٣٥ و١٩٣٦ و١٩٣٧ و١٩٣٨ و١٩٣٩ و١٩٤٠ و١٩٤١ و١٩٤٢ و١٩٤٣ و١٩٤٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٥٥ و١٢٥٦ و١٢٥٧ و١٢٥٨ و١٢٥٩ و١٢٦٠ و١٢٦١ و١٢٦٢ و١٢٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٤ - ١٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٥٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان الاختلاف الواقع في حديث ابن مسعود -﵁- المذكور:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٨٥ - ١٨٦.
[ ١٢ / ٥٨٢ ]
قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح صحيح البخاريّ" ما حاصله: أخرجه -يعني حديث ابن مسعود -﵁- هذا البخاري في "أبواب استقبال القبلة" من رواية جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فذكر الحديث، وقال في آخره: "وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلّم، ثم يسجد سجدتين". وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه من طرُق أخرى، عن منصور، وفي بعضها: "فلينظر أحرى ذلك للصواب"، وفي رواية: "فليتحرّ أقرب ذلك إلى الصواب"، وفي رواية: "فليتحرّ الذي يرى أنه صواب".
وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وزاد فيه: "ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو".
وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور، عنه بهذه الزيادة، وأخرجه ابن ماجه، وعنده: "ويسلم، ويسجد سجدتين" بالواو.
وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: وحديث التحرّي ليس يرويه غير منصور، إلا أن شعبة روَى عن الحكم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، موقوفًا نحوه، قال: "وإذا شك أحدكم فليتحرّ"، وأخرجه النسائي كذلك، وقد رُوي عن الحكم مرفوعًا، قال الدارقطني: الموقوف عن الحكم أصحّ.
وقد رُوي عن ابن مسعود -﵁- التحرّي من وجه آخر مُختلَف فيه، فروَى خُصَيف، عن أبي عُبَيدة، عن عبد اللَّه، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم تسلم"، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وذكر أبو داود أنه اختُلف في رفعه ووقفه، وفي لفظه أيضًا.
وقال أحمد: حديث اليقين أصح في الرواية من التحرّي، وقال في حديث التحرّي: هو صحيح، رُوي من غير وجه.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: ويظهر من تصرف البخاريّ: عكس هذا؛ لأنه أخرج حديث التحرّي دون اليقين، وأخرج مسلم الحديثين جميعًا. انتهى
[ ١٢ / ٥٨٣ ]
ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- ببعض بتصرف (^١)، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة سجود السهو في الصلاة.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن من صلّى خمسًا ساهيًا، ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافًا للكوفيين، وقولهم: يُحْمَل على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يُرشد إلى خلافه.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، خلافًا لبعض المالكية إذا كثرت، وقيَّد بعضهم الزيادة بما يزيد على نصف الصلاة.
٤ - (ومنها): أنه يدلّ أيضًا على أن من لم يَعْلَم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، فإن طال الفصل فالأصح عند الشافعية أنه يَفُوت محلُّه، واحتَجّ له بعضهم من هذا الحديث بتعقيب إعلامهم لذلك بالفاء، وتعقيبه السجود أيضًا بالفاء، قال الحافظ -﵀-: وفيه نظر لا يخفى.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن الكلام العمد فيما مصلحة الصلاة لا يفسدها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك مستوفًى في محلّه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أن من تحول عن القبلة ساهيًا لا إعادة عليه.
٧ - (ومنها): أن فيه إقبالَ الإمام على الجماعة بعد الصلاة.
٨ - (ومنها): أن البيهقيّ: استَدَلّ به على أن عُزُوب النية بعد الإحرام بالصلاة لا يبطلها.
٩ - (ومنها): أن في قبول النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قولَ المخبِر عمّا وقع له دليلٌ على قبول الإمام قول مَن خلفه في إصلاح الصلاة إذا كان الإمام على شكّ بلا خلاف، وهل يُشترط في المخبِرِ عدد؛ لأنه من باب الشهادة، أو لا يُشترط
_________________
(١) راجع: "فتح الباري" لابن رجب ٩/ ٤٦٧ - ٤٦٩.
[ ١٢ / ٥٨٤ ]
ذلك؛ لأنه من باب قبول الخبر؟ قولان، في مذهب مالك -﵀-، ذكره القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عدم اشتراط التعدّد أرجح عندي؛ لإطلاق قوله -ﷺ-: "فإذا نسيتُ فذكّروني"، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: "لو حَدَث في الصلاة شيء لأنبأتكم به" يُفهم منه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما تقرّرت، وإن جُوِّز النسخ.
١١ - (ومنها): أنه يفهم من قوله -ﷺ- المذكور أيضًا أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
١٢ - (ومنها): بيان جواز النسيان على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتَّفقوا على أنه -ﷺ- لا يُقَرُّ عليه، بل يُعْلِمه اللَّه تعالى به، ثم قال الأكثرون: شرطه تَنَبُّهُهُ -ﷺ- على الفور مُتَّصِلًا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير، وجَوَّزت طائفة تأخيره مُدّة حياته -ﷺ-؛ واختاره إمام الحرمين، ومَنَعت طائفة من العلماء السهو عليه -ﷺ- في الأفعال البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه، واستحالته عليه -ﷺ- في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ، والصحيح الأول، فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يُقَرّ عليه لم يَحْصُل منه مفسدة، بل تحصل فيه فائدةٌ، وهو بيان أحكام الناسي، وتقرير الأحكام.
قال القاضي عياض -﵀-: واختَلَفوا في جواز السهو عليه -ﷺ- في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته، وأذكار قلبه، فجوَّزه الجمهور، وأما السهو في الأقوال البلاغية، فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمُّده، وأما السهو في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ، من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام، ولا أخبار القيامة، وما يتعلق بها، ولا يضاف إلى وحي، فجوَّزه قومٌ؛ إذ لا مفسدة فيه، قال القاضي -﵀-: والحقّ الذي لا شك فيه ترجيح قول مَن مَنَع ذلك على الأنبياء في كل خبر من
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٨٤.
[ ١٢ / ٥٨٥ ]
الأخبار، كما لا يجوز عليهم خُلْفٌ في خبر لا عمدًا ولا سهوًا لا في صحة، ولا في مرض، ولا رضًا ولا غضب، وحسبك في ذلك أن سيرة نبينا -ﷺ- وكلامه وأفعاله مجموعةٌ مُعْتَنًى بها على مَرّ الزمان، يتداولها الموافق والمخالف، والمؤمن والمرتاب، فلم يَأتِ في شيء منها استدراكُ غلطٍ في قول، ولا اعترافث بوهم في كلمة، ولو كان لَنُقِل كما نُقِل سهوه في الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مِيَاه بدر، وقوله -ﷺ-: "واللَّه لا أحلف على يمين، فأَرَى غيرها خيرًا منها، إلا فعلت الذي هو خير، وكَفَّرت عن يميني"، وغير ذلك، وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ بعدما ذكر نحو ما تقدّم: وشذّت الباطنيّة، وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما ينسى قصدًا، ويتعمّد صورة النسيان ليَسُنّ، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق، وهو أبو المظفّر الإسفرائينيّ في كتابه "الأوسط"، وهذا مَنْحًى غير سديد، وجمع الضدّ مع الضدّ، مستحيل بعيد.
قال: والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقًا؛ إذ هو واحد من نوع البشر، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا لم يَقدَح في حاله، وعليه نَبَّهَ حيث قال: "إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون"، غير أن ما كان منه فيما طريقه بلاغ الأحكام قولًا أو فعلًا لا يُقرّ على نسيانه، بل يُنَبَّه عليه إذا تعيّنت الحاجة إلى ذلك المبلَّغ، فإن أُقِرّ على نسيانه ذلك فإنما ذلك من باب النسخ، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢)، وهو بحثٌ نفيسق جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (^٣) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، قَالَ: (ح)
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٦١ - ٦٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٨٥.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثناه".
[ ١٢ / ٥٨٦ ]
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ: "فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ"، وَفي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ) الضمير لابن بشر، ووكيع.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني إسناد منصور المتقدّم، وهو: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
وقوله: ("فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ"، وَفي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ").
قال في "الفتح": اختُلف في المراد بالتحرّي، فقال الشافعية: هو البناء على اليقين، لا على الأغلب؛ لأن الصلاة في الذمّة بيقين، فلا تسقط إلا بيقين.
وقال ابن حزم: التحرِّي في حديث ابن مسعود -﵁- يُفَسِّره حديث أبي سعيد -﵁- يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: "وإذا لم يَدْر أصلى ثلاثًا، أو أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استَيْقَن"، ورَوَى سفيان في "جامعه" عن
[ ١٢ / ٥٨٧ ]
عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر -﵄- قال: إذا شك أحدكم في صلاته، فَلْيَتَوَخَّ حتى يَعْلَم أنه قد أتمَّ. انتهى.
وفي كلام الشافعيّ نحوه، ولفظه: قوله: "فليتحرَّ" أي في الذي يَظُنّ أنه نقصه فليتمه، فيكون التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وهو كلام عربيّ مطابق لحديث أبي سعيد -﵁-، إلا أن الألفاظ تَخْتَلف.
وقيل: التحرِّي هو: الأخذ بغالب الظنّ، وهو ظاهر الروايات التي عند مسلم.
وقال ابن حبّان في "صحيحه": البناء غير التحرّي، فالبناء أن يشك في الثلاث أو الأربع مثلًا، فعليه أن يُلغي الشك، والتحرِّي أن يشك في صلاته، فلا يدري ما صلى، فعليه أن يبني على الأغلب عنده.
وقال غيره: التحرِّي لمن اعتراه الشك مرةً بعد أخرى، فيبني على غلبة ظنه، وبه قال مالك، وأحمد، وعن أحمد في المشهور: التحري يتعلق بالإمام، فهو الذي يبني على ما غلب على ظنه، وأما المنفرد فيبني على اليقين دائمًا، وعن أحمد رواية أخرى كالشافعية، وأخرى كالحنفية.
وقال أبو حنيفة: إن طرأ الشك أوّلًا استَأنف، وإن كَثُرَ بَنَى على غالب ظنه، وإلا فعلى اليقين.
ونَقَل النوويّ أن الجمهور مع الشافعيّ، وأن التحري هو القصد، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، وحَكَى الأثرم عن أحمد في معنى قوله -ﷺ-: "لا غِرَار في صلاة"، قال: أن لا يخرج منها إلا على يقين، فهذا يُقَوِّي قول الشافعي.
وأبعد مَن زَعَم أن لفظ التحرّي في الخبر مُدرَج من كلام ابن مسعود -﵁-، أو ممن دونه؛ لتفرد منصور بذلك، عن إبراهيم، دون رُفْقته؛ لأن الإدراج لا يَثْبُت بالاحتمال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم قريبًا أن الراجح في تفسير التحرّي هو الأخذ بغالب الظنّ، كما فسّره به ابن حبّان -﵁- في "صحيحه"، وإنما رجّحته؛
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ١١٥.
[ ١٢ / ٥٨٨ ]
لأن به العمل بكلّ من حديثي أبي سعيد، وابن مسعود -﵄-، دون تأويل مُتكلَّف، بخلاف غيره من الأقوال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن مسعر، لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر.
وأما رواية وكيع، فساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٢١٢) حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيع، عن مِسْعَر، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا شك أحدكم في الصلاة، فليتحرَّ الصواب، ثم يسجد سجدتين". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ مَنْصُورٌ: "فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، الحافظ، صاحب "المسند"، ثقة ثبتٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٣ - (وُهَيْبُ بْنُ خَالِد) الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
وقوله: (وَقَالَ مَنْصُورٌ إلخ) هكذا النسخ التي بين يديّ كلّها: "وقال منصور"، والذي يظهر لي أن قوله: "منصور" لا وجه له، بل الظاهر أن يقول: "وقال: فلينظر إلخ" بحذف لفظ "منصور"، ويكون فاعل "قال" ضميرَ وهيب، فليُتأمَّل، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢ / ٥٨٩ ]
وقوله: ("فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ") أي أقربه إلى الصواب، وهو ما غلب على ظنّه، ومال إليه قلبه على ما رجّحناه قريبًا، أو هو الأقلّ المتيَقَّن على ما تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك.
[تنبيه]: رواية وُهيب، عن منصور هذه، ساقها الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٣٤) فقال:
حدّثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وُهيب، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب، فليتمه، ثم ليسلِّم، ثم ليسجد سجدتي السهو، ويتشهد ويسلم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨١] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (^١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ) هو: عُبَيْدُ بْنُ سَعِيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ.
رَوَى عن الأعمش، والمنهال بن خليفة، ومنصور بن دينار، وشعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثناه إسحاق"، وفي أخرى: "أخبرنا إسحاق".
[ ١٢ / ٥٩٠ ]
ورَوى عنه ابن أخيه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، وإسحاق ابن راهويه، وابنا أبي شيبة، وأبو غريب، وعلي بن محمد الطنافسي، وعُبيد بن أسباط القرشيّ، وآخرون.
قال عبد اللَّه بن أحمد: عن ابن معين: ثقةٌ، ليس به بأس، قد رأيته، كان أصغر من أبي أحمد الزبيري. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أبو زرعة: ثقةٌ. ونقل ابن خلفون توثيقه عن أحمد بن حنبل، وابن وَضّاح. وقال الدارقطني: هم أربعة إخوة: يحيى، ومحمد، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه (^١)، وهم ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مات سنة مائتين.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٥٧٢) و(١٧٣٤) و(٢٠٦٩).
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل باب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد منصور السابق، وهو عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
وقوله: (وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ") فاعل "قال" ضمير سفيان الثوريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور هذه، ساقها ابن حبّان بسند المصنّف، فقال في "صحيحه" (٦/ ٣٨٣):
(٢٦٥٩) أخبرنا عبد اللَّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عُبيد بن سعيد الأمويّ، قال: حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) هكذا في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٦ عبيد اللَّه بالإضافة، والظاهر أنه غلطٌ، فإن المشهور أنه "عبيد" دون إضافة، ولم أره مضافًا إلا في نسخة أبي الأشبال من "التقريب"، فإنه كتب بين قوسين ما نصّه: ويقال له: "عبيد اللَّه"، ولم أجده في التهذيبين، ولا في غيرهما، فليتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢ / ٥٩١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ").
رجال هذه الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩١] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعتكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجةٌ إمامٌ عابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ إلخ") فاعل "قال" ضمير شعبة.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٢٠١)، فقال:
حدّثنا يحيى بن عيّاش البغداديّ، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-، فزاد أو نقص، شكّ علقمة، أو إبراهيم، فسلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لحدثتكم، ولكن إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكِّروني، فإذا شكّ أحدكم، فليتحرّ أقرب ذلك إلى الصواب، فليبن عليه، وليسجد سجدتين، وهو جالس". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثناه".
[ ١٢ / ٥٩٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب.
٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاض) بن مسعود التيميّ، أبو عليّ المكيّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ زاهد إمامٌ مشهورٌ [٨] (ت ١٨٧) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم فىِ "المقدمة" ٥/ ٢٦.
و"منصور" ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ إلخ") فاعل "قال" ضمير فضيل بن عياض.
[تنبيه]: رواية فُضيل هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١٢٤٣) أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان الْمُجَالديّ قال: حدّثنا الفضيل، يعني ابن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- صلاةً، فزاد فيها أو نقص، فلما سَلَّم، قلنا: يا نبيّ اللَّه هل حَدَث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ " فذكرنا له الذي فَعَلَ، فَثَنَى رجله، فاستَقْبَل القبلة، فَسَجَد سجدتي السهو، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "لو حَدَث في الصلاة شيء لأنبأتكم به -ثم قال-: إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فأيُّكم شكّ في صلاته شيئًا، فليتحرَّ الذي يَرَى أنه صوابٌ، ثم يُسَلِّم، ثم يسجد سجدتي السهو". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ").
[ ١٢ / ٥٩٣ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَميّ، أبو عبد الصمد البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
و"منصور" سبق قبلُ.
وقوله: (بِإِسْنَادِ هَؤُلَاءِ) الإشارة إلى كلّ من: جرير، ومِسْعَر، ووُهيب بن خالد، وسفيان الثوريّ، وشعبة، وفُضيل بن عياض، فهم ستة، وعبد العزيز بن عبد الصمد سابعهم، فكلهم يروون هذا الحديث عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة النخعيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، وحديث منصور هذا متّفقٌ عليه، وقد أسلفنا كلام ابن رجب فيما يتعلّق به، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (وَقَالَ: "فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ") فاعل "قال" ضمير عبد العزيز بن عبد الصمد.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرِاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيل لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاك؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
[ ١٢ / ٥٩٤ ]
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، و"إبراهيم": هو النخعي، و"عبد اللَّه" هو ابن مسعود -﵁-.
وقوله: (قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين) قال النوويّ -﵀-: هذا فيه دليلٌ لمذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور من السلف والخلف، أن من زاد في صلاته ركعةً ناسيًا لم تبطل صلاته، بل إن عَلِم بعد السلام، فقد مضت صلاته صحيحةً، ويسجد للسهو إن ذكر بعد السلام بقريب، وإن طال فالأصحّ عندنا أنه لا يسجد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي في تصحيح هذا القول نظرٌ؛ إذ قوله -ﷺ-: "إذا زاد الرجل، أو نقص، فليُسجد سجدتين" مطلقٌ، يعم القريب والبعيد، فالقول بأنه يسجد وإن طال الوقت هو الأصحّ؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وإن ذكر قبل السلام عاد إلى القوم، سواءٌ كان في قيام، أو ركوع، أو سجود، أو غيرها، ويتشهد، ويسجد للسهو، ويسلِّم، وهل يسجد للسهو قبل السلام أم بعده؟ فيه خلافُ العلماء السابق.
هذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة، وأهل الكوفة -رحمهم اللَّه تعالى-: إذا زاد ركعة ساهيًا بطلت صلاته، ولزمه إعادتها، وقال أبو حنيفة -﵀-: إن كان تشهد في الرابعة، ثم زاد خامسةً أضاف إليها سادسةً تشفعها، وكانت نفلًا بناءً على أصله في أن السلام ليس بواجب، ويخرج من الصلاة بكل ما ينافيها، وأن الركعة الفردة لا تكون صلاةً قال: وإن لم يكن تشهد بطلت صلاته؛ لأن الجلوس بقدر التشهد واجب، ولم يأت به حتى أتى بالخامسة، وهذا الحديث يَرُدّ كل ما قالوه؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم يرجع من الخامسة، ولم يشفعها، وإنما تذكر بعد السلام، ففيه ردّ عليهم، وحجة للجمهور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال التي قالها أبو حنيفة كلّها آراء ساقطة، لمخالفتها للنصوص الصحيحة، فزيادة السادسة لم يثبت عنه -ﷺ-، بل
[ ١٢ / ٥٩٥ ]
أمر بسجدتي السهو بدلها، وكذا قوله بعدم وجوب السلام قول باطل مناف لقوله -ﷺ-: "وتحليلها السلام"، وكذا قوله ببطلان الصلاة إن لم يجلس للتشهد في الرابعة قول باطلٌ؛ لأن الظاهر أنه -ﷺ- قام للخامسة دون أن يتشهّد، فقد عرفت كون هذه الأقوال كلها آراء معارضةً للنصوص، فتكون ساقطة، فتبصّر.
قال: ثم مذهب الشافعيّ، ومن وافقه أن الزيادة على وجه السهو لا تُبطل الصلاة، سواءٌ قَلَّت أو كَثُرت، إذا كانت من جنس الصلاة، فسواء زاد ركوعًا، أو سجودًا، أو ركعةً، أو ركعات كثيرة، ساهيًا، فصلاته صحيحة في كل ذلك، ويسجد للسهو استحبابًا لا إيجابًا.
وأما مالك فقال القاضي عياض -﵀-: مذهبه أنه إن زاد دون نصف الصلاة لم تبطل صلاته، بل هي صحيحة، ويسجد للسهو، وإن زاد النصف فأكثر فمن أصحابه من أبطلها، وهو قول مُطَرِّف، وابن القاسم، ومنهم من قال: إن زاد ركعتين بطلت، وإن زاد ركعة فلا، وهو قول عبد الملك وغيره، ومنهم من قال: لا تبطل مطلقًا، وهو مرويّ عن مالك -﵀-. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول الأخير، وهو عدم بطلانها مطلقًا، هو الظاهر؛ لإطلاق قوله -ﷺ-: "إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجُد سجدتين"، وبقيّة الأقوال ليس عليها أثارة من أدلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ خَمْسًا.
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٦٤ - ٦٥.
[ ١٢ / ٥٩٦ ]
(ح) (^١) حَدَّثَنَا (^٢) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا شِبْلٍ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ: كَلَّا، مَا فَعَلْتُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: وَكُنْتُ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ، وَأَنَا غُلَامٌ، فَقُلْتُ: بَلَى قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ لِي: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا أَعْوَرُ تَقُولُ ذَاكَ؟ (^٣) قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفَتَلَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "لَا"، قَالُوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ"، وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ (^٤) فِي حَدِيثِهِ: "فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد اللَّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) أبو عُروة النخعيّ، أبو عُروة الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٩) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٦٣.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن سُوَيد النخعيّ الكوفيّ الأعور ثقة [٦].
رَوَى عن الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس. ورَوَى عنه الحسن بن عبيد اللَّه النخعي، وزيد بن الحارث اليامي، وسلمة بن كهيل.
قال ابن معين: مشهور، وقال النسائي: ثقة، ونقل صاحب "الميزان" تبعًا
_________________
(١) يوجد هنا في بعض النسخ كتابة (ح) وهو الصواب؛ لأن هذا الحديث حديث واحد بإسنادين، وليس مستقلًا بدليل قوله: "واللفظ له"، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "ذلك".
(٤) وفي نسخة: "زاد ابن نمير".
[ ١٢ / ٥٩٧ ]
لابن الجوزيّ أن النسائيّ ضَعّفه، ولكن لم يثبُت هذا عن النسائيّ (^١)، وقال الدارقطنيّ: ليس في حديثه شيءٌ منكرٌ، إنما هو حديث السهو، وحديث الدعاء (^٢)، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٧٢) و(٢١٦٩) و(٢٧٢٣) وكرره ثلاث مرات.
[تنبيه]: قال القاضي عياض -﵀-: إبراهيم بن يزيد النخعيّ الكوفيّ، وإبراهيم بن سُويد النخعيّ الأعور آخر، وزَعَم الداوديّ أنه إبراهيم بن يزيد التيميّ، وهو وَهَمٌ، فإنه ليس بأعور، وثلاثتهم كوفيون، فُضَلاء.
قال البخاريّ: إبراهيم بن يزيد النخعيّ الأعور الكوفيّ سمع علقمة.
وذكر الباجيّ إبراهيم بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، وقال فيه: الأعور، ولم يَصِفه البخاريّ بالأعور، ولا رأيت مَن وَصَفه به.
وذكر ابن قتيبة في الْعُور إبراهيم النخعيّ، فيَحْتَمِل أنه ابنُ سُويد، كما قال البخاريّ، ويَحْتَمِل أنه إبراهيم بن يزيد. انتهى كلام القاضي -﵀- (^٣).
قال النوويّ بعد نقل كلام عياض المذكور: والصواب أن المراد بإبراهيم هنا إبراهيم بن سُوَيد الأعور النخعيّ، وليس بإبراهيم بن يزيد النخعيّ الفقيه المشهور. انتهى، وهو بحثٌ مهمّ جدًّا.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل، كما في بعض النسخ، وهو الأولى، ولذا لم أجعل لهما رقمين؛
_________________
(١) راجع: "تقريب التهذيب" (ص ٢٠).
(٢) وقع في نسخة "تهذيب التهذيب": "حديث الرفا" وهو تصحيف، والصواب: "حديث الدعاء"، وهو ما أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم (٢٧٢٣)، وحديث السهو أخرجه برقم (٥٧٢)، وحديث الإذن أخرجه برقم (٢١٦٩).
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٥١٩.
[ ١٢ / ٥٩٨ ]
لكونهما في حكم إسناد واحد، ومما يؤكّد ذلك قوله في آخر الحديث: "وزاد ابن نُمير إلخ"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُويدٍ) بضمّ السين المهملة، مصغّرًا، أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا) وفي رواية ابن إدريس: "أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ خَمْسًا" والضمير لعلقمة، أي صلّى علمَقة بإبراهيم، ومن معه الظهر خمس ركعات (فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا شِبْلٍ) بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، كنية علقمة (قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا) أيَ خمس ركعات (قَالَ: كَلَّا) بفتح الكاف، وتشديد اللام: حرف رَدْع وزجر، وقد تأتي بمعنى "لا"، يقول الجعديّ [من الطويل]:
فَقُلْنَا لَهُمْ خَلُّوا النِّسَاءَ لأَهْلِهَا … فَقَالُوا لَنَا كَلَّا فَقُلْنَا لَهُمْ بَلَى
فـ "كلّا" هنا بمعنى "لا" بدليل قوله: فقلنا لهم: بلى، و"بلى" لا تأتي إلا بعد نفي.
وقال ابن الأثير: "لا" رَدْعٌ في الكلام وتنبيهٌ، ومعناها انْتَهِ، لا تفعل، إلا أنها آكد في النفي والردع من "لا"؛ لزيادة الكاف، وقد ترد بمعنى حقًّا، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ١٥]. انتهى (^١).
والمناسب هنا معنى النفي، أي: لم أفعل، فيكون قوله: (مَا فَعَلْتُ) تأكيدًا له (قَالُوا: بَلَى) أي فعلت ذلك (قَالَ) إبراهيم بن سُويد (وَكُنْتُ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ) قال الفيّوميّ -﵀- الناحية: الجانب، فاعلةٌ بمعنى مفعولةٍ؛ لأنك نَحَوتها: أي قصدتها. انتهى (^٢). (وَأَنَا غُلَامٌ) جملة حاليّة (فَقُلْتُ: بَلَى قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ) علقمة (لِي: وَأَنْتَ أَيْضًا تَقُولُ ذَاكَ؟) وفي نسخة: "ذاك"، أي وأنت أيضًا تقول مثل قولهم، وهو إنكار عليه في قوله: "قد صلّيت خمسًا" كما أنكر عليهم ذلك، وقوله: (يَا أَعْوَرُ) قال القاضي عياض -﵀-: فيه دليلٌ على أن قول مثل هذا لمن لا يتأذّى به، ومن عُرف به، من قرابته وتلامذته لا
_________________
(١) "لسان العرب" ١١/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٦.
[ ١٢ / ٥٩٩ ]
حرج فيه، وإنما الحرج لمن قاله على سبيل التنقيص والعيب، وإذا كان المقول له يكره ذلك. انتهى (^١).
(قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) إبراهيم أيضًا (فَانْفَتَلَ) قال في "اللسان": يقال: انتفل فلانٌ عن صلاته: أي انصرف، ولَفَتَ فلانًا عن رأيه، وفَتَلَه: أي صرفه ولَوَاهُ، وفَتَلَهُ عن وجهه، فانفَتَلَ: أي صرفه، فانصرف، وهو قَلْبُ لَفَتَ. انتهى (^٢). وفي "القاموس": وقد انفتل، وتَفَتّل، ووجهَهُ عنهم: صرفه. انتهى (^٣).
والمراد هنا انصرف إلى جهة القبلة بعد تحوّله عنها (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا) أي خمس ركعات، وتقدّم في رواية الحكم، عن إبراهيم النخعيّ أن تلك الصلاة هي الظهر (فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي انصرف من الصلاة، وسلّم منها؛ لظنه أنه أتمّها (تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ) قال النوويّ -﵀-: ضبطناه بالشين المعجمة، وقال القاضي عياض -﵀-: رُوِي بالمعجمة، وبالمهملة، وكلاهما صحيح، ومعناه تَحَرّكوا، ومنه وَسْوَاس العلي بالمهملة، وهو تَحَرُّكه، ومنه وسوسةُ الشيطان، وهي همسه بإغوائه في القلوب، قال أهل اللغة: الوشوشة بالمعجمة صوتٌ في اختلاط، قال الأصمعيّ: ويقال: رجلٌ وَشْوَاشٌ: أي خفيف. انتهى (^٤).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "توشوش القوم" رواه أبو بكر بمعجمة، وغيره بمهملة، وكلاهما بمعنى الحركة، قال ابن دُريد: وسوسة الشيء مهملًا: حركته، وتوشوش القوم: تحرّكوا، وهَمَسُوا. انتهى (^٥).
(فَقَالَ) -ﷺ- ("مَا شَأْنُكُمْ؟ ") أي ما حالكم، وما سبب توشوشكم؟ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "لَا") أي لم يُزد فيها (قَالُوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا) أي خمس ركعات (فَانْفَتَلَ) أي انصرف إلى جهة القبلة (ثُمَّ سَجَدَ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥١٩، و"شرح النووي" ٥/ ٦٥.
(٢) "لسان العرب" ١١/ ٥١٤.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٢٨.
(٤) "إكمال المعلم" ٢/ ٥١٧، و"شرح النوويّ" ٥/ ٥٧ - ٦٥.
(٥) "المفهم" ٢/ ١٩٣.
[ ١٢ / ٦٠٠ ]
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ"، وَزَادَ) وفي نسخة: "زاد" بدون عاطف (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، شيخه الأول (فِي حَدِيثِهِ: "فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ")، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (^١) عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ"، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ) أبو جعفر، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٢ - (أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ) الكوفيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه بن قَطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [٧].
رَوَى عن أبي بكر بن أبي موسى، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، وزياد بن عِلاقة، ومحمد بن الزبير، وحبيب بن أبي ثابت، وعاصم بن كُليب، ومرزوق بن بكير التميميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن المبارك، ووكيع، وبهز بن أسد، ويحيى بن آدم، وابن مهديّ، وأبو نعيم، وعون بن سلّام، وعمرو بن مرزوق، وجُبَارة بن الْمُغلِّس، وآخرون.
قال أبو داود: ثقةٌ كوفيّ مرجئٌ، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه،
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٦٠١ ]
وعباسٌ الدّوري عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: أبو بكر بن قَطَاف النَّهْشليّ من أُنفسِهم ثقةٌ، وقال أبو قُدامة، عن ابن مهديّ: كان من ثقات مشيخة الكوفة، وقال أبو حاتم: شيخٌ صالحٌ، يُكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي بكر الْهُذَليّ، وقال عثمان الدارميّ: أبو بكر النَّهْشليّ هو الذي رَوَى عنه وكيع، فقال أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي القِطاف، ولم يَقُل: النَّهشليّ، وقال ابن سعد: وهو نَهْشليّ من أَنْفُسهم، وكان مرجئًا، وكان عابدًا ناسكًا، وله أحاديث، ومنهم من يستضعفه.
قال مُطَيَّن: مات يوم عيد الفطر سنة ست وستين ومائة.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٧٢)، و(١١٠٦) حديث: "يقبّل في رمضان، وهو صائم".
[تنبيه]: قوله: "النَّهْشَليّ" بفتح أوله، وسكون الشين المعجمة: نسبة إلى نَهْشَل بطنٌ من تميم، ومن كلب، أفاده في "اللبّ " (^١).
٣ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٦.
٤ - (أَبُوهُ) الأسود بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ مخضرم [٢] (ت ٤ أو ٥٧) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
[تنبيه]: هذا الإسناد مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
_________________
(١) "لُبّ اللباب" ٢/ ٣٠٨.
[ ١٢ / ٦٠٢ ]
مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَزَادَ، أَوْ نَقَصَ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَالْوَهْمُ مِنِّي، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ"، ثُم تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرِ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أَضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة، وَرعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقون تقدّموا قبله، و"إبراهيم" هو: ابن يزيد النخعيّ.
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو: ابن يزيد النخعيّ الراوي عن علقمة، يعني أن التردّد في كونه زاد أو نقص منّي، لا من علقمة، ولا من عبد اللَّه.
وقوله: (فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ"، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مما يُسْتَشْكَلُ ظاهره؛ لأن ظاهره أن النبيّ -ﷺ- قال لهم هذا الكلام بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص، قبل أن يسجد للسهو، ثم بعد أن قاله سجد للسهو، ومتى ذكر ذلك فالحكم أنه يسجد، ولا يتكلَّم، ولا يأتي بمنافٍ للصلاة.
ويجاب عن هذا الإشكال بثلاثة أجوبة:
[أحدها]: أن "ثُمَّ" هنا ليست لحقيقة الترتيب، وإنما هي لعطف جملة على جملة، وليس معناه أن التحوّل والسجود كانا بعد الكلام، بل إنما كانا قبله، ومما يؤيّد هذا التأويل أنه قد سبق في هذا الباب في أول طرق حديث
[ ١٢ / ٦٠٣ ]
ابن مسعود -﵁- هذا بهذا الإسناد: صلَّى رسول اللَّه -ﷺ-، فزاد أو نقص، فلَمّا سَلَّم قيل له: يا رسول اللَّه أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا، فَثَنَى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سَلَّم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنه لو حَدَث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشرٌ أَنْسَى كما تَنْسَوْن، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فَلْيُتِمَّ عليه، ثم ليسجد سجدتين".
فهذه الرواية صريحة في أن التحوُّل والسجود قبل الكلام، فتحمل الثانية عليها؛ جمعًا بين الروايتين، وحمل الثانية على الأولى أولى من عكسه؛ لأن الأولى على وفق القواعد.
[الجواب الثاني]: أن يكون هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة.
[الثالث]: أنه وإن تكلَّم عامدًا بعد السلام لا يضُرّه ذلك، ويسجد بعده للسهو، وهذا على أحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا سجد لا يكون بالسجود عائدًا إلى الصلاة، حتى لو أحدث فيه لا تبطل صلاته، بل قد مَضَت على الصحة، والوجه الثاني وهو الأصح عند أصحابنا أنه يكون عائدًا، وتبطل صلاته بالحدث والكلام، وسائر المنافيات للصلاة، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأجوبة أولها، وهو حمل هذه الرواية على الرواية السابقة، وهي رواية منصور، عن إبراهيم، وسيأتي عن ابن خزيمة: أنه رجّح هذا التأويل، وقال: إن رواية منصور أرجح.
والحاصل أن هذا الكلام صدر منه -ﷺ- بعد سجدتي السهو، والسلام من الصلاة، لا قبله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٨٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٦٦ - ٦٨.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٢ / ٦٠٤ ]
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (حَفْص) بن غِيَاث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغير قليلًا بآخره [٨] (ت ١٩٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
والباقون تقدّموا في الباب، و"ابن نُمير": هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير.
وقوله: (سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَام وَالْكَلَامِ) قال في "الفتح": رَوَى الأعمش، عن إبراهيم هذا الحديث مُختصرًا، ولفظه أن النبيّ -ﷺ- سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام، أخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن خزيمة، وغيرهم، قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: "وما ذاك؟ " في جواب قولهم: "أزيد في الصلاة؟ "، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين، وسيأتي البحث فيه فيها، وإن كان المراد به قوله: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، فقد اختَلَف الرواة في الموضع الذي قالها فيه، ففي رواية منصور أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو، وفي رواية غيره أن ذلك كان قبلُ، ورواية منصور أرجح، واللَّه أعلم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِمَّا زَادَ، أَوْ نَقَصَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَايْمُ اللَّهِ مَا جَاءَ ذَاكَ
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ١١٥.
[ ١٢ / ٦٠٥ ]
إِلَّا مِنْ قِبَلِي، قَالَ: فَقُلْنَا (^١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟، فَقَالَ: "لَا"، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: "إِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار الْقُرَشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسِب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيّ) الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيٌّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقون تقدّموا قبله، و"سُليمان": هو الأعمش.
وقوله: (وَايْمُ اللَّهِ) مختصرٌ من "أيمُنُ اللَّه" بحذف الهمزة والنون، وهو مبتدأ حُذف خبره، والتقدير: وايمُ اللَّه قسمي، أو خبر لمحذوف، والتقدير: قسمي وايمُ اللَّه، وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْدَ "لَوْلَا" غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ
قال الفيّوميّ -﵀-: "وأيمُنُ" اسمٌ استُعْمِل في القسم، والتُزِم رفعه كما التُزِم رفعُ "لَعَمرُ اللَّه"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من الْيُمْنِ، وهو البركةُ، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمع يَمِين عندهم، ثم اختُصِر ثانيًا، فقيل: "مُ اللَّه" بضمّ الميم وكسرها. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: "لَيْمُنُ"، و"أَيْمُنُ" من ألفاظ القسم، تقول: لَيْمُنُ اللَّه لأفعلنّ، وأيمُنُ اللَّه لأفعلنّ، وايمُ اللَّه لأفعلنّ بحذف النون، وفيها لغاتٌ غير هذا، وأهل الكوفة يقولون: أَيْمُن: جمعُ يمين القَسَمُ، والألف فيها ألف وصل، وتُفتح وتُكسر، انتهى (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: قلنا".
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨٢.
(٣) "النهاية" ٥/ ٣٠٢.
[ ١٢ / ٦٠٦ ]
وقال في "اللسان": و"أَيْمُنُ": اسم وُضِع للقسم هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، قال: وقد تدخل عليه اللام لتأكيد الابتداء، تقول: لَيْمُنُ اللَّه، فتذهب الألف في الوصل، قال نُصَيْبٌ [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيق لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَدْرِي
وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: لَيْمُنُ اللَّه قَسَمِي، ولَيْمُنُ اللَّه ما أُقْسِم به، وإذا خاطبتَ قلتَ: لَيْمُنُكَ، وربما حذفوا منه النون، قالوا: أَيْمُ اللَّه، وإِيمُ اللَّه أيضًا بكسر الهمزة، وربما حذفوا منه الياء، قالوا: أَمُ اللَّه، وربما أَبْقَوْا الميم وحدها مضمومةً، قالوا: مُ اللَّهِ، ثم يكسرونها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فيشبهونها بالباء، فيقولون: مِ اللَّهِ، وربما قالوا: مُنُ اللَّهِ بضم الميم والنون، ومَنَ اللَّهِ بفتحهما، ومِنِ اللَّهِ بكسرهما. انتهى باختصار (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: "أيمن" أحد الأسماء العشر التي لم تُحفَظ همزة الوصل في الأسماء التي ليست مصادر للفعل الزائد على أربعة إلا فيها، وهي التي جمعها ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" حيث قال:
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنُمٍ سُمِعْ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأْنِيثٍ تَبِعْ
وَايْمُنُ هَمْزُ أَلْ كَذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ
وقوله: (مَا جَاءَ ذَاكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِي) إشارة إلى تردّده في الزيادة، أو النقص، وقد تقدّم جزمه بالزيادة في رواية الحكم عنه: "صلّى الظهر خمسًا، فلما سلّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا"، فجزم بالزيادة، فتنبّه.
وقوله: (فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ) أي ذكرنا له الشيء الذي صنعه في الصلاة.
وقوله: (إِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا يقتضي التسوية بين ما كان للنقص وبين ما كان للزيادة، فإما أن يكون هذا الأمر بهما على الوجوب، أو على الندب، والتفرقة التي حكيناها عن أصحابنا -يعني المالكيّة- مخالفة لهذا النصّ، فتُلغى. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
_________________
(١) "لسان العرب" ١٣/ ٤٦٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٨٦.
[ ١٢ / ٦٠٧ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجمل كلام القرطبيّ -﵀-، وأحسنه، وأصدقه، فكلّ قول خالف النصّ يُلْغَى، وإن كان مذهب جلّ الناس، وهكذا ينبغي للمقلّد إذا خالف مذهبه النصوص أن يقول مثل هذا القول، فإن اللَّه تعالى ضمن الهدى والفلاح في اتّباع النصوص، لا في اتّباع آراء الناس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩١] (٥٧٣) - (حَدَّثَنِي (^١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا، وَفي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا (^٢) أَنْ يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- يمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: "مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ، قَالَ: وَأُخْبِرْتُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب أيضًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: "فهاباه".
[ ١٢ / ٦٠٨ ]
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقةٌ حافظ فقيه إمام حجّة رأس [٨] (ت ١٩٨) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (أَيُّوبُ) -﵁-، أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيه [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٦ - (أبو هريرة) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، إذا كان من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، فقد نُقل عن ابن المدينيّ أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
عن محمد بن سيرين أنه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال في "الفتح": ظاهر في أن أبا هريرة -﵁- حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلّى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهريّ: إن صاحب القصة استُشْهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصّة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين (^١).
_________________
(١) والصواب بأكثر من أربع سنين؛ لأن غزوة بدر وقعت في رمضان من السنة الثانية =
[ ١٢ / ٦٠٩ ]
لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البرّ وغيره- على أن الزهريّ وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خُزَاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين، فتأخر بعد النبي -ﷺ- بمدّة؛ لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبيّ -ﷺ-، كما أخرجه الطبرانيّ وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخرْبَاق، على ما سيأتي البحث فيه.
وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-: "فقام رجل من بني سُلَيم"، فلما وقع عند الزهريّ بلفظ: "فقام ذو الشمالين"، وهو يَعرِف أنه قُتِل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر.
وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالين، وذي اليدين، وأن أبا هريرة -﵁- رَوَى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي الشمالين، وشَاهَدَ الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين، وهذا مُحتمل من طريق الجمع.
وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه.
ويَدْفَع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: "بينما أنا أصلي مع رسول اللَّهﷺ-".
وقد اتَّفَقَ معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعيّ -﵀- في "اختلاف الحديث".
وقال صاحب "المرعاة" بعد نقل ما تقدّم ما خلاصته: رواية أحمد، ومسلم، والبيهقيّ بلفظ: "بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- " نصّ صريح في حضور أبي هريرة قصّة ذي اليدين، وليس عند من ادّعى عدم حضوره عن هذه الرواية الصحيحة الصريحة جوابٌ شافٍ، وقد اعترف به صاحب "البحر الرائق"، من الحنفيّة، حيث قال: لم أجد جوابًا شافيًا عن هذه، وكذا اعترف صاحب "العرف الشذيّ" منهم أيضًا، حيث قال: ولكن الطحاويّ لم يُجِب عما في طريق مسلم عن أبي هريرة -﵁-: "بينا أنا أصلي. . . إلخ".
_________________
(١) = من الهجرة، وإسلام أبي هريرة -﵁- وقع في عام خيبر في أول سنة سبع، فتأمّل.
[ ١٢ / ٦١٠ ]
قال: ثم إن الحنفيّة لَمّا عجزوا عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم بعدم وجدان الجواب الشافي، وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوي، فقال النيموريّ، ومن تبعه أخذًا عن العينيّ -﵀- قوله: "بينما أنا أصلي" ليس بمحفوظ، ولعلّ بعض رواة الحديث فهم من قول أبي هريرة -﵀-: "صلّى بنا" أنه كان حاضرًا، فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم من خمس طرُق، فلفظه في طريقين: "صلّى بنا"، وفي طريق: "صلّى لنا"، وفي طريق: "أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى ركعتين"، وفي طريق: "بينما أنا أصلّي مع رسول اللَّهﷺ-"، تفرّد بها يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة، وأبي هريرة، فكيف يُقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: "بينما أنا أصلِّي"؟. انتهى.
قال المباركفوري -﵀- في "شرح الترمذيّ" مجيبًا عن كلام النيموريّ هذا ما لفظه: قلت: يحيى بن أبي كثير ثقةٌ ثبت متقن، قال الحافظ في "مقدّمة الفتح": أحد الأئمة الثقات الإثبات، قال شعبة: حديثه أحسن من حديث الزهريّ، وقال في "تهذيب التهذيب": وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: يحيى بن أبي كثير من أثبت الناس، إنما يُعدّ مع الزهريّ، ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهريّ، فالقول قول يحيى. انتهى.
فكيف لا يُقبل ما تفرّد به مثلُ هذا الثقة الثبت الذي هو من أثبت الناس، وإذا خالفه الزهريّ فالقول قوله؟ فقول النيموريّ: قوله: "بينما أنا أصلي" غير محفوظ مردودٌ عليه.
والحاصل أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: "بينما أنا أصلِّي" صحيحة محفوظة، وهي نصّ صريح في شُهود أبي هريرة -﵁- قصّة ذي اليدين، وليس لمن أنكر ذلك جواب شاف عن هذه الرواية. انتهى كلام المباركفوريّ -﵀- (^١). وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
(إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ) "الْعَشِيُّ" -بفتح العين المهملة، وكسر السين، وتشديد الياء- أصله من العِشَاء، وهي الظلمة، واختُلف في تحديد وقت
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٤٠٩.
[ ١٢ / ٦١١ ]
العشيّ، فالذي اختاره الأزهريّ أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشيّ، وقيل: العشيّ من زوال الشمس إلى الصباح، واختار الحافظ العلائيّ هذا القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال كلها.
(إِمَّا الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ) بالشكّ، وكذا في رواية للبخاري: "الظهر، أو العصر" بالشك أيضًا، ووقع عند البخاري بلفظ: "إحدى صلاتي العشي"، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في أن الناسي هو ابن سيرين، لكن في رواية النسائيّ -﵀- قال: قال أبو هريرة -﵁-: "ولكني نسيت"، وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة -﵁-.
وفي الرواية الآتية [١٢٩٣] من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة -﵁-: "صلّى لنا رسول اللَّه -ﷺ- صلاة العصر"، من غير شك، وفي رواية أبي سلمة، عنه الآتية: "بينا أنا أصلّي مع النبيّ -ﷺ- صلاة الظهر" من غير شك أيضًا، وفي رواية له قال محمد: "وأكثر ظني أنها العصر".
قال الحافظ -﵀-: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعدَ من قال: يُحْمَل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة -﵁- رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غَلَب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشكُّ في تعيينها أيضًا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصّة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الْخِرْباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصّة واحدة، فيترجّح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي هريرة -﵁-. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يمكن اتّحاد قصّة أبي هريرة وعمران -﵄-، بل هما قصّتان؛ لأن في قصّة أبي هريرة -﵁- أنه سلّم من ركعتين، وفي قصّة عمران -﵁- أنه سلّم من ثلاث، فتبصّر.
(فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ) أي في آخر ركعتين من تلك الصلاة (ثُم أتى جِذْعًا) بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة، آخره عين مهملة: ساق النخلة، ويُسمّى
[ ١٢ / ٦١٢ ]
سَهْم السقف جِذْعًا، والجمع جُذُوعٌ وأَجْذاع، قاله في "المصباح" (^١).
وقوله: (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلّق بصفة لـ "جِذْعًا"، وفي رواية للبخاري: "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد"، وفي النسائيّ: "فانطلق إلى خشبة معروضة في المسجد".
قال الحافظ -﵀-: ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنها تُحْمَل على أن الجذع قبل اتّخاذ المنبر كان ممتدّا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان -ﷺ- يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى.
(فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في كل الأصول: "فاستند إليها"، والجذع مذكَّرٌ، ولكن أَنَّثه على إرادة الخشبة، وكذا جاء في رواية البخاريّ وغيره: "خشبة". انتهى.
وقال القرطبيّ: الجِذع مذكّرٌ، لكنه أعاد عليه ضمير المؤنّث؛ لأنه خشبةٌ، كما قالوا: بلغني كتابه، فمزّقتها؛ لأن الكتاب صحيفةٌ. انتهى (^٢).
وقوله (مُغْضَبًا) بفتح الضاد المعجمة، حال من الفاعل، وفي رواية البخاريّ: "فاتّكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفّه اليسرى".
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: والظاهر أن النبيّ -ﷺ- كان في حال الصلاة مشغولَ البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلّى ركعتين، وسلَّم، ولم يشعر بذلك. انتهى.
زاد في رواية البخاريّ: "فقال بيده عليها"، أي اتكأ بيده على تلك الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل.
(وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) -﵄-، أي وكان مع القوم الذين صلَّوا مع النبيّ -ﷺ- أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب -﵄- (فَهَابَا) وفي نسخة: "فهاباه" (أَنْ يَتَكَلَّمَا) وفي رواية البخاريّ: "فهاباه أن يكلّماه"، أي خافا من تكليمه -ﷺ-، و"الهيبة": إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٩٤.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٨٧.
[ ١٢ / ٦١٣ ]
والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه -ﷺ-، وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين، فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: يعني أنهما بما غلبهما من احترام النبيّ -ﷺ- وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه -ﷺ- مع علمهما بأنه سيَبِين أمر ما وقعَ، ولعلّه بعد النهي عن السؤال، كما قرّرناه في "كتاب الإيمان".
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما هيبة أبي بكر وعمر -﵄- أن يُكَلّماه مع قربهما منه، واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوّةُ المعرفة توجب الهيبة، كما أن أشدّ الناس معرفةً باللَّه أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالًا، كما كان النبيّ -ﷺ- كذلك. انتهى.
وقال الحافظ العلائيّ -﵀-: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر -﵄- لَمّا غَلَبَ عليهما من احترام النبيّ -ﷺ-، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه.
هذا مع ما روَى الترمذيّ في "جامعه" بسند جيّد عن أنس -﵁-، قال: كان النبيّ -ﷺ- يَخرُج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر وعمر -﵄-، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما.
ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له -ﷺ- مع علمهما بأنه سيتبيّن أمرُ مَا وقع.
وأما إقدام ذي اليَدِين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه على تعلم العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى.
وقوله: "أن يكلماه" (^١) في موضع نصب بدل من الهاء في "هاباه"، بدل ظاهر من مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير "فهاباه تكليمه"، والمعنى: "هابا تكليمه"؛ لأن البدل هو المقصود بالنسبة، أفاده العلائيّ -﵀-.
(وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتحات: هم أوائل الناس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا.
_________________
(١) هذه رواية البخاريّ.
[ ١٢ / ٦١٤ ]
وقال ابن الأثير -﵀-: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء، ويُقبلون عليه بسرعة.
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وسَرَعَان الناس: هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ على أنه لم يَخْفَ ذلك على عامّة من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى.
قال القاضي عياض -﵀-: رَوَيناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا، وهو قول الكسائيّ، وغيرُهُ يسكن الراء.
وقال الخطابي: ويقال لهم: سِرْعان -بكسر السين، وسكون الراء- وهو جمع سريع، كقولهم: رَعيل ورِعْلان.
وقال عياض: ورَوَيناه في البخاريّ من طريق الأصيلي بضم السين، وإسكان الراء، وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سَرِيع، كقَفِيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثبان.
وقال النوويّ -﵀-: "السَّرَعَان" بفتح السين والراء، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون، والسرعان: المسرعون إلى الخروج. انتهى (^١).
وقال الحافظ العلائيّ -﵀-: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول الأول، بفتح السين والراء معًا، لكن فرّق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح أفصح، ويجوز الإسكان (^٢).
وقوله: (قُصِرَتِ الصَّلَاةُ) فعلٌ ونائب فاعله، وهو مقول لقول مقدّر حالٍ من "سَرَعَان الناس"، أي خرجوا حال كونهم قائلين: قُصرت الصلاةُ، وفي رواية البخاريّ: "وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قُصرت الصلاة".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٦٨.
(٢) "نظم الفرائد" (ص ١٢٧ - ١٢٨).
[ ١٢ / ٦١٥ ]
ويَحْتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام، وهو رواية النسائيّ، ولفظه: "فقالوا: أقُصِرت الصلاةُ".
وقول النوويّ -﵀- قوله: "قصرت الصلاة" بضم القاف وكسر الصاد، على البناء للمفعول، أي إن اللَّه قَصَرَها ورُوي بفتح القاف وضم الصاد، على بناء الفاعل، وكلاهما صحيح، ولكن الأول أشهر وأصحّ. انتهى.
وقال الحافظ العلائي -﵀- وقوله: "أقصرت الصلاة" فيه روايتان، إحداهما بضم القاف، وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله.
والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم الصاد التي هي عين الكلمة؛ لأنه من الأمور الخَلْقيّة، كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على السواء. حكاه الأزهري.
ولا يقال: إن "قَصَرَ" إذا كان مخففًا لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنا نقول: تعدّيه بنفسه ثابتٌ ومنقولٌ، حكاه أيضا الجوهري وغيره.
وأما "من" في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه، تقديره: "شيئًا من الصلاة". انتهى بتصرف.
وفيه دليلٌ على وَرَعِهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبيّ -ﷺ- أن يسألوه، وإنما استفهموا؛ لأن الزمان زمان النسخ.
(فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "فقام رجلٌ من بني سُليم"، وفي حديث عمران -﵁- الآتي: "فقام إليه رجل يقال له: الْخِرْباق، وكان في يديه طُولٌ"، وفي رواية: "فقام رجلٌ بَسِيط اليدين"، هذا كله رجلٌ واحدٌ، اسمه الْخِرباق بن عمرو، بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة.
وفي رواية البخاريّ: "وفي القوم رجل في يديه طولٌ، يقال له: ذو اليدين".
والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوفٌ بطول اليدين، وهو محمول على الحقيقة، ويَحْتَمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل، قاله القرطبي، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا. وحُكي عن بعض شُرّاح
[ ١٢ / ٦١٦ ]
"التنبيه" أنه قال: كان قصير اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه الخلاف.
والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الْخِرْباق -بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وآخره قاف- اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين -﵄- عند مسلم، ولفظه: "فقام رجل، يقال له: الْخِرباق، وكان في يده طول"، وهذا صنيع من يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه -ﷺ- قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلَّم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة.
فأما الأول: فقد حَكَى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلّم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده.
ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبيّ عن ذلك، واستفهم النبيُّ -ﷺ- الصحابةَ عن صحّة قوله.
وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدَّم من مكانه إلى جهة الخشبة ظنّ أنه دخل منزله؛ لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات "المسند"، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغيرهم.
وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: "نُبِّئت أن عمران بن حُصَين قال: ثم سلّم". انتهى كلام الحافظ -﵀- ببعض تصرف.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ -﵀- تعالى من دعوى الاتّحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصَين -﵃- فيه
[ ١٢ / ٦١٧ ]
نظر لا يخفى، والذي ذكره في وجه الجمع ظاهر التكلُّف، فالذي يظهر أن ما رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو الصواب؛ إذ لا تكلّف فيه، فتأمل، وسيأتي تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائيّ -﵀- في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَقَالَ) ذو اليدين (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أقصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) استفهام عن سبب تسليمه على رأس الركعتين (فَنَظَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَمِينًا وَشِمَالًا) وفي رواية أبي سفيان التالية: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: كلُّ ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه، فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على الناس. . . "، وفي رواية البخاريّ: "لم أنس، ولم تُقصر".
قال في "الفتح": قوله: "لم أنسَ، ولم تُقصَر" كذا في أكثر الطرُق، وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان، عن أبي هريرة: "كلُّ ذلك لم يكن"، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظة "كلّ" إذا تقدّمت، وعَقَبَها النفي كان نفيًا لكلّ فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: "قد كان بعض ذلك"، وأجابه في رواية بقوله: "بلى قد نسيتَ"؛ لأنه لَمّا نَفَى الأمرين، وكان مقرّرًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر.
وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقيل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخَصّ الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه.
نعم اتَّفَق من جَوَّز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلًا بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنسَ، ولم تُقصَر"، ثم تبيّن أنه نَسِيَ.
ومعنى قوله: "لم أنس"، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره.
وأمّا من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
[ ١٢ / ٦١٨ ]
فقيل: قوله: "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرّق بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث: "بلى قد نسيتَ"، وأقرّه على ذلك.
وقيل: قوله: "لم أنسَ" على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول.
وتُعُقّب بحديث ابن مسعود -﵁- الماضي: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيَّد الحكم بقوله: "إنما أنا بشر"، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال: "كما تنسون".
وبهذا الحديث يردّ أيضًا قول من قال: معنى قوله: "لم أنسَ" إنكارٌ للّفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: "إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى"، وإنكارٌ للّفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول: نَسِيتُ آية كذا وكذا".
وقد تعقبوا هذا أيضًا بأن حديث: "إني لا أَنْسَى"، لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدًّا.
وقيل: إن قوله: "لم أنسَ" راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صلّيت أربعًا، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم، فقال: "بلى قد نسيت"، وكان هذا القول أوقع شكًّا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين.
وبهذا التقرير يندفع إيراد مَن استشكل كون ذي اليدين عدلًا، ولم يُقبَل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول، مُغَايِرٍ لما في اعتقاده.
وبهذا يجاب مَن قال: إن من أخبر بأمر حسّيّ بحضرة جمع، لا يَخفَى عليهم، ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارَضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به.
[ ١٢ / ٦١٩ ]
(فَقَالَ) -ﷺ- ("مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ") استفهام عما قاله، وفي رواية أبي سفيان: "أصدق ذو اليدين؟ "، وفي رواية للبخاريّ: "أكما يقول ذو اليدين؟ "، والهمزة للاستفهام، أي هل الأمر كما يقول ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه الصلاة؟ (قَالُوا: صَدَقَ) وفي رواية أبي سفيان: "فقالوا: نعم يا رسول اللَّه"، وفي رواية أبي داود: فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومأوا، أي نعم.
قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة جمع بين الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم.
(لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي ما بقي من صلاته، وفي رواية أبي سفيان: "فأتمّ رسول اللَّه -ﷺ- ما بقي من الصلاة"، وفي رواية البخاريّ: "فتقدّم، فصلى ما ترك"، وفي رواية أبي داود: "فرجع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين".
(وَسَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: "ثمّ سلّم"، قال الحافظ العلائيّ -﵀-: جميع رواياته وطرقه لم يَختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام، كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يَهْدِم قاعدةَ المالكية، ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام.
(ثُمَّ كَبَّرَ) أي للسجود بعد السلام، قال في "الفتح": اختُلِف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفَى بتكبيرة السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث.
وحَكَى القرطبيّ أن قول مالك لم يَختَلِف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لا بدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال: "فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو". قال أبو داود: لم يقل أحد: "فكبر، ثم كبر" إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة.
وقال القرطبي أيضًا: قوله -يعني في رواية مالك-: "فصلّى ركعتين، ثم سلّم، ثم كبّر، ثم سجد" يدلّ على التكبيرة للإحرام؛ لأنه أتى بـ "ثمّ" التي تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه.
وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين
[ ١٢ / ٦٢٠ ]
بلفظ: "فصلّى ما ترك، ثم سلّم، ثم كبّر، وسجد"، فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي قول الجمهور هو الصحيح، وهو أنه لا يحتاج لتكبيرة الإحرام، بل التكبير للسجود فقط؛ لظاهر هذه الأحاديث الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ سَجَدَ) أي للسهو، زاد في رواية البخاري: "مثلَ سجوده، أو أطول" (ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَفَعَ) أي رفع رأسه من سجوده للسهو (ثُمَّ كَبَّرَ) أي للسجود الثاني (وَسَجَدَ) ثانيًا، زاد في رواية البخاريّ: "مثل سجوده أو أطول" (ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ) رأسه من السجود الثاني (قَالَ) ابن سيرين: (وَأُخْبِرْتُ) بالبناء للمفعول (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) -﵄- (أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ) أي سلَّم النبيّ -ﷺ- بعد سجدتي السهو.
وأخرج البخاريّ عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهُّد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة.
قال في "الفتح": وقد يُفْهَم من قوله: ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حُصين -﵄-: "أن النبيّ -ﷺ- صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وضعّفه البيهقيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهما، وسيأتي تمام الكلام عليه في كلام الحافظ العلائيّ -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٩١ و١٢٩٢ و١٢٩٣ و١٢٩٤ و١٢٩٥]
[ ١٢ / ٦٢١ ]
(٥٧٣)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٨٢) و"الأذان" (٧١٤) و"السهو" (١٢٢٨ و١٢٢٩) و"الأدب" (٦٥٥١) و"أخبار الآحاد" (٧٢٥٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠١٠ و١٠١١ و١٠١٢ و١٠١٣ و١٠١٤ و١٠١٥ و١٠١٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩٩)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١٤)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٢٢٤ و١٢٢٥ و١٢٢٦ و١٢٢٧) وفي "الكبرى" (١١٤٧ و١١٤٨ و١١٤٩ و١١٥٠)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٩٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٤٤٨)، (والحميدي) في "مسنده" (٩٨٣ و٩٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٧)، (وأحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٤ و٢/ ٢٤٧ و٢/ ٢٧١ و٢/ ٢٨٤ و٢/ ٣٨٦ و٢/ ٤٢٣ و٢/ ٤٤٧ و٢/ ٤٥٩ و٢/ ٤٦٨ و٢/ ٥٣٢)، (والدارمي) في "سننه" (١٥٠٤ و١٥٠٥)، (وابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٦٠ و١٠٣٥ و١٠٣٦ و١٠٣٨ و١٠٤٠ و١٠٤١ و١٠٤٢ و١٠٤٣ و١٠٤٤ و١٠٤٥ و١٠٤٦ و١٠٤٧ و١٠٤٨ و١٠٤٩ و١٠٥١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٤٩ و٢٢٥٣ و٢٢٥٤ و٢٢٥٥ و٢٢٥٦ و٢٦٨٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩١٣ و١٩١٤ و١٩١٥ و١٩١٦ و١٩١٧ و١٩١٨ و١٩١٩ و١٩٢٠ و١٩٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٦٤ و١٢٦٥ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨ و١٢٦٩)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٤٤ و٤٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٥٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٢٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة سجود السهو في الصلاة.
٢ - (ومنها): بيان الفعل الذي يفعله من سلّم من الركعتين، وتكلم ناسيًا، وذلك أن يكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين لسهوه.
٣ - (ومنها): أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس مُتَّحِدًا، ومنعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم يقبل خبر ذي اليدين، بل سأل الصحابة، "أصدق ذو اليدين؟ "، فلما وافقوه رجع إلى قولهم.
٤ - (ومنها): العمل بالاستصحاب؛ لأن ذا اليدين استَصْحَب حكمَ
[ ١٢ / ٦٢٢ ]
الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبيّ -ﷺ- للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقتُ قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب، وتجويز النسخ، فسكتوا، والسَّرَعانُ هم الذين بنوا على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قصرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام.
٥ - (ومنها): جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يَبْنِي من سلّمَ من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين؛ لأن ذلك وقع على غير القياس، فيُقتصر به على مورد النصّ، وأُلزمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ، فيمنعه مثلًا في الصبح، والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيّدوه بما إذا لم يَطُل الفصل، واختلفوا في قدر الطول، فحدّه الشافعيّ -﵀- في "الأمّ" بالعرف، وفي "البويطي" بقدر ركعة، وعن أبي هريرة -﵁- قدر الصلاة التي يقع السهو فيها.
٦ - (ومنها): أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام، ونِيّةَ الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة.
٧ - (ومنها): أن سجود السهو يكون بعد السلام، وقد تقدّم تمام البحث فيه، قريبًا.
٨ - (ومنها): أن سجود السهو سجدتان كسجدتي الصلاة، وبينهما جَلْسة فاصلةٌ، وهذا أمر مُجْمَعٌ عليه.
٩ - (ومنها): أن سجود السهو لا يكون إلا في آخر الصلاة؛ لأنه -ﷺ- لم يسجد إلا في آخرها، وقد قيل: الحكمة في ذلك أنه شُرع جابرًا لما يقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة أو نقص، فاقتضت الحكمة كونَه آخرًا؛ لِيَجْبُر جميع ما تقدمه من الخلل؛ إذ لو فُعل في الوسط ربما تَجَدّد بعده سهو آخر، فيستدعي تكرار سجود السهو، ولم يُشرع إلا سجدتان، ولو تعدد السهو، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): مشروعية التكبير لسجود السهو في الْهُويّ والرفع منه، كما في سجود الصلاة.
١١ - (ومنها): مشروعية الجهر بتكبير سجود السهو؛ ليعلم المأمومون بانتقالات الإمام، فيأتموا به.
[ ١٢ / ٦٢٣ ]
١٢ - (ومنها): أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، خلافًا للحنفية.
قال الحافظ -﵀-: وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف؛ لأنه اعتَمَدَ على قول الزهريّ -﵀- إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما من وَهَمِ الزهريّ في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبيّ -ﷺ-، فقد ثبت شهود أبي هريرة -﵁- للقصة، كما تقدم وهو متأخّر الإسلام، وشَهِدها أيضًا عمران بن حُصين -﵄-، وإسلامه متأخر أيضًا، ورَوَى معاوية بن حُدَيج -بمهملة وجيم مصغّرًا- قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام، ثم البناء، أخرجها أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبيّ -ﷺ- بشهرين.
وقال ابن بطال -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون قول زيد بن أرقم -﵁-: "ونهينا عن الكلام" أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين. انتهى.
١٣ - (ومنها): أنه يُسْتَدَلّ به على أن المقدّر في حديث: "رُفعَ عن أمتي الخطأ والنسيان"، أي إثمهما وحكمهما، خلافًا لمن قصره على الإثم.
١٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها.
وتُعُقِّب بأنه -ﷺ- لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له: "بلى قد نسيتَ"، وقول الصحابة له: "صدق ذو اليدين"، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنًّا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل، وهو فاسد؛ لأنهم كلموه بعد قوله -ﷺ-: "لم تُقصر".
وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا، كما عند أبي داود في رواية، ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابيّ، وقال: حَمْلُ القول على الإشارة مجازًا سائغٌ، بخلاف عكسه، فينبغي ردّ الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه.
قال الحافظ: وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمَلُ على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين: "بلى قد
[ ١٢ / ٦٢٤ ]
نسيت"، ويجاب عنه، وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبيّ -ﷺ-، وجوابه لا يقطع الصلاة، كما تقدم في حديث أبي سعيد بن المعَلَّى -﵁-.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدمُ قطع الصلاة.
وأجيب بأنه ثبت مخاطبته -ﷺ- في التشهد، وهو حيّ بقولهم: "السلام عليك أيها النبي"، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه.
ويَحتَمل أن يقال: ما دام النبيّ -ﷺ- يراجع المصلَّي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين: "بلى قد نسيتَ"، ولم تبطل صلاته.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الأرجح قول من قال: إن الكلام في مصلحة الصلاة، على مثل ما وقع في هذه القصّة مستثنًى من حديث: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، رواه مسلم؛ لأن هذا الذي وقع في هذه القصّة إنما وقع بعد النهي المذكور، كما أسلفنا البحث عنه مستوفى في محلّه.
قال القرطبيّ -﵀-: حصل من مجموع هذا الحديث أن الكلّ تكلّموا في الصلاة بما يُصلحها، ثمّ من بعد كلامهم كمّل الصلاة، وسجد، ولغا كلامهم، ولم يضُرّ، فصار حجةً لمالك على أن من تكلّم في الصلاة لإصلاحها لم تبطل صلاته، وخالفه بعض أصحابه، وأكثر الناس، فجعلوه مفسدًا للصلاة، قال: والصحيح ما ذهب إليه مالك؛ تمسّكًا بالحديث، وحملًا له على الأصل الكليّ من تعدّي الأحكام، وعموم الشريعة، ودفعًا لما يُتوهَّم من الخصوصيّة؛ إذ لا دليل عليها، ولو كان شيء مما ادُّعِي لكان فيه تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز إجماعًا، ولكان بيّنه -ﷺ- كما فَعَل في حديث أبي بُرْدة بن نِيَار -﵁-، حيث قال: "ضَحِّ بها، ولن تَجزي عن أحد بعدك"، متّفقٌ عليه. انتهى ملخّص كلام القرطبيّ -﵀-، وهو تحقيق نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
١٥ - (ومنها): أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا للأوزاعيّ، ورَوَى ابن أبي شيبة عن النخعيّ أن لكلّ سهو سجدتين.
[ ١٢ / ٦٢٥ ]
وَوَرَدَ على وفقه حديثُ ثوبان -﵁- عند أحمد، وإسناده منقطع، وحُمِل على أن معناه أن من سها بأيّ سهو كان شُرع له السجود؛ أي لا يختصّ بما سجد فيه الشارع.
وروى البيهقي من حديث عائشة -﵂-: "سجدتا السهو تُجزئان من كلّ زيادة ونقصان"، وفيه أنه انفرد به حكيم بن نافع الرّقّي، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. قال العلائيّ: هو شاذّ بمرة؛ لتفرد حكيم به من بين أصحاب هشام بن عروة، ولا يُحْتَمَل منه مثل هذا التفرّد. انتهى.
١٦ - (ومنها): أنه لا فرق بين الفرض والنفل في سجود السهو؛ لأن الذي يَحتاج إليه الفرض من الجبر يَحتاج إليه النفل، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن سيرين، وقتادة إلى أن التطوع لا يُسجَد للسهو فيه، واختَلَف القول عن عطاء بن أبي رباح، وقد نَقَل هذا جماعة من الشافعية قولًا قديمًا للشافعيّ.
١٧ - (ومنها): أن المأموم يلزمه السجود مع الإمام بسهو الإمام، وإن لم يسهُ هو؛ لأن النبيّ -ﷺ- سها وسجد، وسجد القوم معه، وهذا مذهب كافّة العلماء، إلا ابن سيرين، فقد حُكي عنه أنه قال: لا يسجد معه، وقيل: المنقول عنه أنه إذا أدرك المأمومُ بعضَ صلاة الإمام، ثم سها الإمام، فسجد للسهو لم يلزم المأموم متابعته؛ لأنه ليس موضع سجود المأموم.
١٨ - (ومنها): أن اليقين لا يُترك إلا باليقين؛ لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم الأربع، فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك، ولم ينكر عليه سؤاله.
١٩ - (ومنها): أن الظنّ قد يصير يقينًا بخبر أهل الصدق، وهذا مبنيّ على أنه -ﷺ- رجع لخبر الجماعة.
وبه قال مالك، وأحمد، وغيرهما، ومنهم من قيّده بما إذا كان الإمام مجوّزًا لوقوع السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه -ﷺ- لذي اليدين، ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود -﵁-: "فإذا نسيتُ فذكّروني".
وقال الشافعيّ -﵀-: معنى قوله: "فذكّروني"، أي لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ.
[ ١٢ / ٦٢٦ ]
وفرّق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم، فيقبل، ويقدم على ظن الإمام أنه قد كمّل الصلاة، بخلاف غيرهم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه تعالى: الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه مالك، وأحمد رحمهما اللَّه من رجوع الإمام إلى قول المأمومين مطلقًا، ولو لم يتذكر؛ لظاهر حديث الباب، ولعدم ورود ما يدلّ على اشتراط التذكُّر بل إطلاق قوله -ﷺ-: "فإذا نسيتُ فذكِّروني"، يدلّ على خلافه، فإنه لم يقيّد بتذكُّره، بل أمر بتذكيره مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الإمام البخاريّ في "صحيحه"، حيث قال: "باب هل يأخذ الإمام إذا شكّ يقول الناس؟ "، ثم أورد حديث قصّة ذي اليدين؛ احتجاجًا على ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
٢٠ - (ومنها): أنه استَنْبَط منه بعض العلماء القائلين بالرجوع إلى قول المأمومين اشتراط العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفرّعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه، وشهد به شاهدان أنه يعتمد عليهما.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا الاستنباط نظرٌ، فتأمل.
٢١ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الحنفية على أن الهلال لا يُقبَل بشهادة الآحاد، إذا كانت السماء مصحيةً، بل لا بدّ فيه من عدد الاستفاضة.
وتُعُقِّب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبيّ -ﷺ- بخلاف رؤية الهلال، فإن الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا.
٢٢ - (ومنها): أن من سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شكّ، هل أتمّ، أو نقص أنه يكتفي باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لمّا أخبر أثار خبره شكًّا، ومع ذلك لم يرجع النبيّ -ﷺ- حتى استثبت.
٢٣ - (ومنها): أن البخاريّ -﵀- استَدلّ به على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وعلى أن الإمام يرجع لقول المأمومين إذا شك، وعلى جواز التعريف باللقب، وعلى الترجيح بكثرة الرواة.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر على خبر.
٢٤ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فيه جواز التلقيب بما لا يراد به الشين والعيب.
[ ١٢ / ٦٢٧ ]
قال الحافظ العلائيّ -﵀-: قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبيّ -ﷺ-: "ما يقول ذو اليدين؟ "، وما لا يُراد به شَيْنُ الرجل، ثم ساق حديث ذي اليدين بسنده، مشيرًا به إلى أن مثل هذه الألقاب والصفات التي لا يُراد بها وصف الرجل بما فيه نقص عليه، ولا يتأذّى منه يجوز، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] عامّ مخصوص بما لا يتأذّى به الملقَّبُ كما في هذا الحديث، وكقوله -ﷺ- لعليّ -﵁-: "قم أبا تراب"، ونحو ذلك، أو هو عامّ أريد به الخصوص بدليل قوله تعالى عَقب ذلك: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ الآية [الحجرات: ١١].
ففي الآية إشارة إلى أن المنهيّ عنه التلقيب بالفسق ونحو ذلك، وهكذا قال قتادة، وعكرمة في تفسير الآية: هو الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر.
وقال الحسن: كان اليهوديّ والنصرانيّ يُسْلِم، فيُقال له بعد إسلامه: يا يهوديّ، يا نصراني، فنُهُوا عن ذلك.
وعن ابن عباس -﵄-: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عملَ بالسيّآت، ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنهى اللَّه تعالى أن يُعيّر بما سلف من عمله.
وكلّ هذه التفاسير راجعة إلى ما دلّت عليه تمام الآية.
وروى الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه" عن أبي جُبَيرة بن الضحاك الأنصاريّ -﵁-، قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيُدعى ببعضها، فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ (^١).
والحاصل: أن الألقاب على ثلاثة أقسام:
قسم منها لا يُشْعِر بذمّ ولا نقص، ولا يَكره صاحبه تسميته به، فلا رَيبَ في جوازه، كما في قول النبيّ -ﷺ-: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقد تقدم أن هذا الصحابيّ -﵁- كانت يداه طويلتين، وأنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك كنايةً عن
_________________
(١) راجع: "الجامع" رقم (٣٢٦٨).
[ ١٢ / ٦٢٨ ]
طولهما بالبذل والعمل، وأيًّا ما كان، فليس ذلك مما يقتضي ذمًّا ولا نقصًا.
وثانيهما: يُشعر بتنقيص المسمّى به وذمّه، وليس ذلك بوصف خَلْقيّ، فلا ريب في تحريم ذلك، لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المُسمى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله.
وثالثها: ما يُشعر بوصف خَلْقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشلّ، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلَم له بحيث إنه يَنفكّ عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا، فليس بمحرّم، ولعلّ إجماع أهل الحديث قديمًا وحديثًا على استعمال مثل ذلك، ولا يضرّ كون المقول فيه يكرهه؛ لأن القائل لذلك لم يقصد تنقّصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة، كما جاز جرح الرواة، وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العَلَميةُ والتعريفُ له، فلا يسمّى لقبًا، ولكنه إذا عُلِم رضى المقول فيه بذلك، ولم يُقصَد تنقّصه بهذا الوصف لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين كان حرامًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام العلائيّ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان ما يتعلق بذي اليدين -﵁-:
لقد أجاد البحثَ في هذا الموضوع الحافظُ أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائيّ -﵀- (٦٦٤ - ٧٦٣ هـ) في مؤلف لا نظير له في بابه، سماه "نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد"، فأتى فيه بالعجب العُجاب، فلذا أحببت إيراد هذا البحث مما كتبه -﵀-، تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة. قال -﵀-:
للناس فيه خلاف في موضعين:
أحدهما: في أنه ذو الشمالين، أو غيره.
والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الْخِرْباق المذكور في حديث عمران بن حصين، أم هما اثنان؟.
أما الأول: فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو
[ ١٢ / ٦٢٩ ]
هذا من رواية أبي هريرة -﵁- غير ذي الشمالين، وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء اللَّه.
والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة -﵁- كان حاضرًا هذه القصة يومئذ خلف رسول اللَّه -ﷺ-.
كذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁-، قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- إحدى صلاتي العشيّ، أخرجه مسلم.
وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب، أخرجه ابن الجارود في "المنتقى".
وكذلك رواه ابن عون عن محمد بن سيرين بهذا اللفظ، أخرجه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه".
وكذلك أيضًا رواه هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، رواه الأثرم في "سننه" عن عبد اللَّه بن بكر السهمي عنه، ورواه ابن خزيمة، وأبو داود أيضًا كذلك من حديث سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين به.
ورواه مالك في "الموطأ" عن داود بن الحُصَين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول اللَّه أقصرت الصلاة، أم نسيت؟. . . وذكر الحديث.
وأخرجه من هذا الوجه مسلم، والنسائي بهذا اللفظ.
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-، قال: بينا أنا أُصلّي مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الظهر سلّم رسول اللَّه -ﷺ- من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم. . . واقتص الحديث.
وأخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-، قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال ذو اليدين -﵁-. . . وذكر الحديث.
وروى عكرمة بن عمّار، ويحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَم بن جَوْس، أنه
[ ١٢ / ٦٣٠ ]
سمع أبا هريرة -﵁- يقول: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- إحدى صلاتي العشيّ، وذكر الحديث، رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد".
ثم قال: وكذا رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، وابنُ أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة -﵁- هذا الحديث: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ-.
قال الحافظ العلائيّ -﵀-: فهذه طُرُق صحيحة ثابتة، يفيد مجموعها العلم النظريّ، أن أبا هريرة -﵁- كان حاضرًا القصّةَ يومئذ.
ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خيبر، ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين استُشهدَ يوم بدر سنة اثنتين -﵁-، كذلك قاله سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عبد عمرو بن نَضْلَة بن عمرو بن غَبشان بن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة، حليف بني زُهرة.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت مسدد بن مسرهد يقول: الذي قُتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية، فيجيء، فيصلّي مع النبيّ -ﷺ-.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول مسدد هذا هو قول أئمة الحديث والسير، وأهل الْحِذْق والفهم من أهل الحديث والفقه.
قال العلائيّ -﵀-: وثبت أيضًا عن أبي هريرة من طُرُق في الحديث: فقام رجل من بني سُليم، يقال له: ذو اليدين. وذو الشمالين خُزَاعيّ، كما قال ابن إسحاق.
وأيضًا فقد جاء ما يدلّ على تأخر وفاة ذي اليدين، وروايته هذه القصةَ نفسها.
قال أبو بكر الأثرم: وأخبرني زُهير (^١)، والحسن بن عليّ بن بحر جميعًا، حدثنا علي بن بحر بن برّيّ، وهو والد الحسن، قال: حدثنا مَعْديّ بن سُليمان السَّعْديّ البصري، حدثني شُعَيث بن مُطير -ومطيرٌ حاضر يصدّقه بمقالته- قال:
_________________
(١) لعله أحمد بن زُهير، انظر ما كتبه محقِّق "نظم الفرائد" (ص ٦٧).
[ ١٢ / ٦٣١ ]
يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خُشُب (^١) فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى بهم إحدى صلاتي العشيّ، وهي العصر، فصلّى ركعتين، ثم سلّم، فقام رسول اللَّه -ﷺ-، وتبعه أبو بكر وعمر، وخرج سَرَعان الناس، فلحقه ذو اليدين، فقال: يا رسول اللَّه أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، قال: "ما قصرت الصلاة، ولا نسيتُ"، ثم أقبل رسول اللَّه -ﷺ- على أبي بكر وعمر، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالا: صدق يا رسول اللَّه، فرجع رسول اللَّه -ﷺ-، وثاب الناس، فصلّى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو.
تابعه محمد بن بشار بُندار، والعباس بن يزيد البصري، عن معدي بن سليمان.
ومعدي هذا هو صاحب الطعام، بصريّ، يكنى أبا سليمان، روى عنه أيضا نصر بن على الجهضميّ، وأبو موسى محمد بن المثنى، وقال فيه سليمان الشاذكونيّ: كان من أفضل الناس، وكان يُعدّ من الأبدال.
وقد ضعّفه أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وأبو حاتم بن حبّان.
ومُطير بن سُلَيم من أهل وادي القرى، قال ابن عبد البرّ: رَوَى عن ذي اليدين، وذي الزوائد، وأبي الشموس البلوي، وغيرهم، ورَوَى عنه ابناه: شُعيث، وسُليم، وهو معروف عند أهل العلم، لم يذكره أحد بجرحة.
قال العلائيّ: وذكره ابن حبّان في كتاب "الثقات". فهذا السند حسن لا بأس به، وهو يقتضي تأخر ذي اليدين صاحب القصّة، وأنه ليس ذا الشمالين المقتول يوم بدر، وفي كلام البيهقيّ ما يقتضي أن الحاكم أبا عبد اللَّه الحافظ صحح هذا الحديث من رواية ذي اليدين، واحتجّ به.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في تحسين هذا الإسناد، أو تصحيح هذا الحديث نظر لا يخفى؛ وإن مُطيرًا هذا قال عنه في "ت": مجهول الحال، وقال الذهبيّ في "الكاشف" ٣/ ١٥١: لم يصح حديثه، وقال ابن التركمانيّ -﵀-: وشعيث لم أقف على حاله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) اسم واد على مسير ليلة من المدينة، قاله في "معجم البلدان" ٢/ ٣٧٢.
[ ١٢ / ٦٣٢ ]
قال العلائيّ: وقد قال الترمذي في "جامعه" بعد سياقه حديث أبي هريرة المتقدّم: وفي الباب عن ابن عمر، ومعاوية بن حُديج، وذي اليدين.
قال ابن عبد البرّ -﵀-: وقد قيل: إن ذا اليدين عُمّر إلى خلافة معاوية، وأنه توفي بذي خُشُب، واللَّه أعلم.
فأما رواية الزهريّ الحديث، وتسميته فيه ذا الشمالين ابن عبد عمرو، فلعلماء في ذلك طريقان:
أحدهما: تغليط الزهريّ في ذلك؛ لأنه اضطرب في هذا الحديث كثيرًا، فقال معمر عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة -﵁-، قال: صلّى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فسها في ركعتين، وانصرف، فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو، وكان حليفًا لبني زهرة: أخُفّفَت الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا نبي اللَّه، فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص.
قال الزهريّ: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور، رواه عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الرزّاق دون قول الزهريّ الذي في آخره.
وروى الأوزاعيّ عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة -﵁-، قال: سلّم رسول اللَّه -ﷺ- من ركعتين، فقال له ذو الشمالين من خُزاعة، حليف لبني زُهْرة: أقصرت الصلاةُ. . .؟ فذكره بنحوه.
وفي آخره: ولم يسجد سجدتي السهو حين يَقَّنَه الناس. أخرجه ابن خزيمة هكذا من حديث محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بالقصة مرسلة، وليس في آخرها نفي سجود السهو.
وكذلك رواه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي أيضًا مرسلًا، ذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد".
ورواه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أن رسول اللَّه -ﷺ- ركع ركعتين من إحدى صلاتي
[ ١٢ / ٦٣٣ ]
النهار، الظهر، أو العصر، فسلّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين رجل من بني زُهرة بن كلاب: أقصرت الصلاة؟. . . فذكر الحديث.
ثم رواه مالك أيضا عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، مثل ذلك مرسلًا.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث شُعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا كرواية مالك.
وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث صالح بن كيسان، وزادا في آخره: قال ابن شهاب: أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -﵁-، قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه لم يزيدا على ذلك، فكأنه مرسل.
قال أبو داود: ورواه الزُّبَيديّ، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبيّ -ﷺ-.
قال العلائيّ: ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن أبا هريرة -﵁-، قال: صلّى رسول اللَّه -ﷺ-. . . فذكره، وفيه: فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نَضْلَة الخُزَاعي، حليف بني زهرة: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث، وفي آخره: قال الزهريّ: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول اللَّه -ﷺ- سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -واللَّه أعلم- من أجل أن الناس يَقَّنُوا رسول اللَّه -ﷺ- حتى استيقن، رواه ابن خزيمة أيضًا.
ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: كلٌّ حدثني بذلك، قالوا: صلّى رسول اللَّه -ﷺ-. . . فذكر الحديث نحو رواية يونس بما في آخره. ذكره ابن عبد البرّ.
وفي "جامع عبد الرزاق" عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب، عن أبي
[ ١٢ / ٦٣٤ ]
بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يَقْتَنعان بحديثه: أن النبيّ -ﷺ-. . . فذكره.
فهذه الروايات كلها تدلّ على اضطراب عظيم من الزهريّ في هذا الحديث، وعلى أنه لم يتقن حفظه.
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه؛ لاضطرابه فيه، وأنه لم يُقِم إسنادًا ولا متنًا، والغلط لا يَسْلَم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلّ أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا قول النبيّ -ﷺ-، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر بحجة؛ لأنه قد تبيّن غلطه في ذلك.
قال العلائيّ: وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن يحيى الذُّهْليّ، حدثنا أبو سعيد الجُعْفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فذكر الحديث.
وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد اللَّه، عن الحسن بن سفيان، عن حرملة، عن ابن وهب.
فكيف يمكن الجمع بين قول الزهريّ: إن هذه القصة كانت قبل بدر، وإن ذا الشمالين الذي أذْكَرَ النبيّ -ﷺ- بالسهو قُتل يوم بدر، وبين حضور أبي هريرة -﵁- لها، كما ذكره هو في هذه الرواية، وإنما كان إسلام أبي هريرة بعد بدر بخمس سنين، أو نحوها؟!!.
فإن قيل: لم ينفرد الزهريّ بتسميته ذا الشمالين، بل قد رواه غيره.
أخرج عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁-، قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف، وخرج سَرَعان الناس، فقالوا: خُففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: يا رسول اللَّه أخففت الصلاة، أم نسيت؟ وذكر بقيته.
ورواه أحمد بن حنبل في "المسند" عن عبد الرزاق هكذا.
وأخرج النسائي في "سننه" من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي
[ ١٢ / ٦٣٥ ]
حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى يومًا، فسلّم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول اللَّه أنقصت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث.
قلت: هذه الروايات وَهَم -واللَّه أعلم- لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرًا اشتبه عليه رواية أيوب برواية الزهريّ؛ لأنه رَوَى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهريّ: ذو الشمالين كما تقدم، فحَمَلَ معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه.
ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبيّ -ﷺ-: "أصدق ذو اليدين؟ "، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. واللَّه ﷾ أعلم.
الطريق الثاني:
الجمع بين هذه الروايات كلِّها بجعلها واقعتين:
إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة -﵁-، بل أرسل روايتها.
والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض في "الإكمال"، واختارها؛ لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهريّ، وفيها نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ-، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: "صلّى بنا" من بعض الرواة.
وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه.
بقي النظر في أنه هل هو الْخِرْباق المتكلم في حديث عمران بن حُصين أو غيره؟.
[ ١٢ / ٦٣٦ ]
الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في "شرح مسند الشافعي"، والنوويّ في غير ما موضع أنهما واحد.
وأما أبو حاتم بن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في "معجم الصحابة" من كتابه "الثقات": الْخِرْباق صلّى مع النبيّ -ﷺ- حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلّى مع النبيّ -ﷺ- حيث سها، لم يزد.
وأما ابن عبد البرّ، فقال في كتابيه: يَحْتَمِل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي ترجّح عندي هو الذي ذهب إليه ابن حبّان -﵀- من كونهما اثنين، وأن الذي في قصّة أبي هريرة غير الذي في قصّة عمران؛ لوضوح الفارق بينهما على ما سيأتي بيانه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
في بيان طُرُق هذا الحديث، وما اشتَمَل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين -﵃- على هذه القصة، وبيان تعدّدها، وأنها ليست واقعة واحدة على الراجح.
لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائيّ -﵀-:
حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصًا رواية أبي هريرة -﵁-.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلًا، وهو كما قال.
ثم ذكر طُرُقه ملخصةً، فقال: رواه مالك في "الموطأ" عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁-، وأخرجه من جهته البخاريّ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
ورواه عن أيوب السختيانيّ أيضًا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، أخرجه مسلم من طريقهما، ورواه أبو داود أيضًا من حديث حماد بن زيد، وهو في "جامع عبد الرزاق" عن معمر، عن أيوب.
[ ١٢ / ٦٣٧ ]
ورواه البزار في "مسنده" من حديث عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا كما سيأتي.
وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري، أخرجه البخاري من جهته، وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق، رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم، وأخرجه البخاريّ من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون.
ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبيّ -ﷺ- كبّر، ثم كبّر، وسجد -يعني للسهو-، ثم قال أبو داود: "وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب بن الشهيد، وحُميد -يعني الطويل- ويونس -يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر". قال: "وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عيّاش هذا الحديث، عن هشام -يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر".
قال العلائي: ورواه أيضًا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في "صحيحه"، ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه.
فهؤلاء عشرة من الحفّاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين.
ورواه البزار أيضًا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضًا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا.
وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، معهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، رواه مالك في "الموطأ" عن داود بن الحُصين، عنه، ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[ ١٢ / ٦٣٨ ]
وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ من طرق عنه.
وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهريّ عنهم.
وسعيد المقبريّ، وضَمْضَم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما.
وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبد البرّ.
فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة -﵁- غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه.
أما طُرُق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين:
أحدهما: في تسميته ذا الشمالين.
والثاني: في أن النبيّ -ﷺ- لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء اللَّه تعالى.
وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلّى لنا رسول اللَّه -ﷺ-، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه، أم نسيت؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "كلّ ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه، فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول اللَّه، فأتمّ رسول اللَّه -ﷺ- ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم، هذا لفظ مسلم.
وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- عند مسلم: أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.
وأخرجه البخاريّ من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول اللَّه أنقصت؟ فقال النبيّ -ﷺ- لأصحابه؟ "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلّى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين.
وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين،
[ ١٢ / ٦٣٩ ]
فقال: يا رسول اللَّه أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فنظر النبيّ -ﷺ- يمينًا وشمالًا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلّى ركعتين، وذكر بقيته.
وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسمّيه "ذا اليدين"، فقال: يا رسول اللَّه! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة"، قال: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه! فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو.
وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال: "بمعناه"، وقال أبو داود: لم يذكر فيه "فأومؤوا" إلا حماد بن زيد.
وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلّم، كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه.
وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال: "لم تقصر، ولم أنس"، قال: إنك سلّمت في الركعتين، وهكذا هو عنده أيضًا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أُسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، واللَّه أعلم.
وقد تابع أبا هريرة -﵁- على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبد اللَّه بن عُمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس -﵃-.
أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في "مسنده"، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قِلابة الْجَرْميّ، عن عمه أبي الْمُهَلَّب، عن عمران -﵁-، وجاء في بعض طرقه في "السنن" زيادة التشهّد بعد سجدتي السهو، وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١٢ / ٦٤٠ ]
وأما حديث ابن عمر -﵄-، فرواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قالا: حدثنا أبو أسامة.
وقال ابن خزيمة في "صحيحه": حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري -وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أن النبيّ -ﷺ- صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقام، فصلّى، ثم سجد سجدتين، وهذا لفظ ابن خزيمة.
ورواه أبو داود في "سننه" عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به.
ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه -ﷺ- سها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول اللَّه! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال: "ما قصرت، وما نسيت"، قال: إنك صلّيت ركعتين، قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فتقدم، فصلّى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو.
قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة.
قال العلائيّ: قلت: وهو من رجال "الصحيحين"، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط "الصحيحين" أيضًا.
وأما حديث معاوية بن حُديج، فرواه أبو داود، والبيهقي في "سننهما"، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج -﵁-، أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةً، فرجع، فدخل المسجد، فأَمَرَ بلالًا، فأقام الصلاة، فصلّى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-.
ورواه الشافعي في كتابه القديم عن بعض أصحابه، عن الليث بن سعد،
[ ١٢ / ٦٤١ ]
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من هذا الوجه، ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صلّيت مع رسول اللَّه -ﷺ- المغرب، فسها، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف. . . فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول اللَّه! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-.
ورواه الحاكم في "المستدرك" مصحِّحًا له أيضًا من هذا الوجه.
وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: رواه عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة -صاحب الجيوش- أن النبيّ -ﷺ- صلّى الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول اللَّه، أم نسيت؟، فقال النبيّ -ﷺ-: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا رسول اللَّه، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعدما سلّم.
ثم قال ابن عبد البرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبد اللَّه، معروف في الصحابة، قد روى عن النبيّ -ﷺ- أنه سمعه يقول: "قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي"، وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين.
قال العلائي: نسبه ابن حبّان، فقال في "معجم الصحابة": عبد اللَّه بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاريّ صاحب الجيوش.
وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضًا الأوزاعي، وعبد الملك بن عمير.
وأما حديث أبي العُرْيَان، فقال ابن عبد البرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلّي، وما أدري أركعتين صلّيت، أم أربعًا؟ فقال: حدثثي أبو العريان أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى يومًا، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يسميه ذا اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول اللَّه؟ وذكر الحديث.
[ ١٢ / ٦٤٢ ]
ثم قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة.
قال العلائي: أبو خَلْدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتجّ به البخاري في "الصحيح"، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة.
وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
وأما حديث ابن عباس، فرواه الأثرم في "سننه": حدثنا عبد اللَّه بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلّى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلّم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبّحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتُ الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان اللَّه، أي لا، فرجع، فصلّى الركعة الباقية، ثمّ سلّم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه -ﷺ-.
ورواه البيهقي في "سننه" من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عِسْل بن سفيان، عن عطاء به.
وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعّفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير.
ورواه البيهقيّ أيضًا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلّى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه -ﷺ-.
وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح، وإن كان غيره فلا أعرفه.
وذكره عبد الرزاق في "مصنفه"، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلّى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان اللَّه، فقام فصلّى الثالثة، فلما سلّم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على
[ ١٢ / ٦٤٣ ]
ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس -﵄-: أصاب، وأصابوا.
وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبيّ -ﷺ-.
[تَتمَّةٌ]:
قال الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم:
هذه القصة غير قصة ذي اليدين؛ لأن المُعْلِم للنبيّ -ﷺ- أنه سها في هذه القصة طلحة بن عبيد اللَّه، ومُخبر النبيّ -ﷺ- في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبيّ -ﷺ- في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر.
وقصة عمران بن حصين، والخرباقِ قصَّةٌ ثالثةٌ؛ لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبيّ -ﷺ- حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبيّ -ﷺ- إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبيّ -ﷺ- مرّة، فسلّم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلّم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلّم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه.
وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ -﵀- في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئًا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضًا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين.
قال العلائيّ: وفي ذلك نظرٌ، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضيّة واحدة، ولكن اختَلَف رواتها، فمنهم من تردّد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر؟ ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند اللَّه ﷿.
[ ١٢ / ٦٤٤ ]
ورأيت فيما علّقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: "سلّم في ثلاث" أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: "فقضى تلك الركعة" على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: "كلمة" للخطبة، والقصيدة.
وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائيّ -﵀-، وهو بحث نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح أن قصّة أبي هريرة غير قصّة عمران بن حصين -﵃- الآتية؛ لوضوح الفرق بينهما، كما مرّ تحقيقه في كلام ابن خزيمة آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة -﵁- تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء.
ففي بعض الطرق أن النبيّ -ﷺ- قال لذي اليدين: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات.
وفي رواية أخرى، فقال النبيّ -ﷺ-: "كلّ ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه.
وفي رواية: أن النبيّ -ﷺ- قال للناس: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق يا رسول اللَّه، لم تُصلِّ إلا ركعتين.
وفي رواية أخرى: فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول اللَّه. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم.
وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبيّ -ﷺ- بقول "نعم" باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء.
وهذا الجمع إنما يَقْوَى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين، فنقول: سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة -﵁-.
[ ١٢ / ٦٤٥ ]
والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات.
فيتعيّن حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرُق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة.
قال العلائيّ -﵀-: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل.
فنقول -وباللَّه التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه.
وأما إذا اتَّحَد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيّما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو.
فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يُحْمَل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ -﵀- في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبيّ -ﷺ-، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر -﵁- كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبيّ -ﷺ- عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح.
فقال الشيخ محيي الدين -﵀-: هما واقعتان، وكان على عمر -﵁- نذران، فسأل النبيّ -ﷺ- عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستَدَلّ بذلك
[ ١٢ / ٦٤٦ ]
على صحة الاعتكاف بغير الصوم؛ لأن عمر -﵁- اعتكف ليلة وحدها.
قال العلائيّ: وفي هذا القول نظرٌ لا يخفى؛ لأنه من البعيد جدًّا أن يستفتي عمر -﵁- النبيّ -ﷺ- في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا يَنْسَى في مثلها؛ لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم.
وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر -﵁- أنه يخفى عليه ذلك.
والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بليلته، وبالعكس.
فكان على عمر -﵁- اعتكاف يوم وليلة، سأل النبيّ -ﷺ- عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها.
وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين -﵀- أيضًا في حديث: "بني الإسلام على خمس"؛ لأنه جاء في "الصحيح" أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، فقال رجل: "وحج البيت، وصوم رمضان"؟، فقال ابن عمر -﵄-: لا، "وصوم رمضان، وحج البيت"، هكذا سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-.
ثم جاء الحديث في "الصحيح" أيضًا من رواية ابن عمر، ولفظه: "وحج البيت، وصوم رمضان".
فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر -﵄- سمع الحديث من النبيّ -ﷺ- على الوجهين.
وهذا بعيد جدًّا؛ لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبيّ -ﷺ- قاله على ذلك الوجه الذي أنكره.
والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرُق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر،
[ ١٢ / ٦٤٧ ]
ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر -﵄-، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبيّ -ﷺ-.
وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول: إذا اتَّحَد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يَتَعَذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعيّن المصير إليه.
ولهذا القسم أمثلة:
أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر -﵁-، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب.
الثاني: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتقييد الأطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه.
فقال فيه بعضهم: "ولا يمسنّ ذكره بيمينه" مطلقًا، وغيره قيّد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه.
ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول؛ لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات.
اللهم إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك.
الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: "صدقةُ الفطر على كلّ
[ ١٢ / ٦٤٨ ]
حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين"، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة.
وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته.
فأما إذا كان سيئ الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددًا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم.
المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-، واختلفوا على الزهري فيه:
فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبيّ -ﷺ- أن يُعْتِق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . . وذكروا الحديث.
وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددًا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ-: وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبيّ -ﷺ-: "تجد ما تُعتقُ رقبةً؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. . . الحديث.
فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبُهِمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير، كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية؛ لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه.
وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح.
[ ١٢ / ٦٤٩ ]
ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد -﵄-، واختلف الرواة فيه على أبي حازم:
فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة: "فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن".
وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "فقد أنكحتكها".
وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "فقد ملّكتكها".
وقال فيه معمر، وسفيان الثوري: "أملكتكها".
وقال أبو غَسّان: "أمكنّاكها بما معك من القرآن".
وأكثر هذه الروايات في "الصحيحين"، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبيّ -ﷺ- في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه -ﷺ- قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى.
فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح.
فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه.
فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره.
ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة؛ لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع.
ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها:
حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين اللذين ذهبا نحو عقد عائشة -﵄-، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر.
لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها يتضمّن.
[ ١٢ / ٦٥٠ ]
ومنه حديث أبي هريرة -﵁- في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه، بعد قوله -ﷺ-: "لم أنس، ولم تُقصَر".
قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبيّ -ﷺ-، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبيّ -ﷺ- بعد قوله: "لم أنسَ، ولم تقصر": صدق يا رسول اللَّه، لم تصلّ إلا ركعتين.
وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ويجيبون عن قول ذي اليدين ثانيًا: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" نحو خمس عشرة مسألة مهمّة، مما يتعلّق بحديث أبي هريرة -﵁- هذا في قصّة ذي اليدين -﵁-، وقد ذكرت أهمّها هنا، فراجع البقيّة هناك تستفد عِلْمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (^٢)، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيَّ، بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا حمّاد بن زيد".
[ ١٢ / ٦٥١ ]
٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب أيضًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ) يعني أن حديث حمّاد بن زيد، عن أيّوب، بمعنى حديث سفيان بن عيينة عنه.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد هذه، ساقها أبو داود، في "سننه" (١٠٠٨)، فقال:
(١٠٠٨) حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- إحدى صلاتي العشيّ: الظهر أو العصر، قال: فصلّى بنا ركعتين، ثم سلّم، ثم قام إلى خشبة في مقدَّم المسجد، فوضع يديه عليهما، إحداهما على الأخرى، يُعْرَف في وجهه الغضب، ثم خرج سَرَعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل كان رسول اللَّه -ﷺ- يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول اللَّه، أنسيت أم قُصِرت الصلاة؟ قال: "لم أَنْسَ، ولم تُقْصَر الصلاة"، قال: بل نسيت يا رسول اللَّه، فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا أي نعم، فرجع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين، ثم سَلَّم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رَفَع وكبر، ثم كبر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر، قال: فقيل لمحمد: سَلَّم في السهو؟ فقال: لم أحفظه عن أبي هريرة، ولكن نُبِّئْتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سلّم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٦٥٢ ]
الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ) الأُمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج [٦].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، وغيرهم.
ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال علي ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. قال: وقال ابن عُيينة: كنا نتقي حديث داود، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أن مالكًا روى عنه لَتُرك حديثه. وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يذهب مذهب الشُّرَاة، وكلُّ مَنْ تَرَكَ حديثَهُ على الإطلاق وَهِمَ؛ لأنه لم يكن بداعية. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وقال الساجي: منكر الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال العُقَيليّ: قال ابن المديني: مرسل الشعبي أحبّ إلي من داود، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: هو من أهل الثقة والصدق. وقال الجوزقاني: لا يَحْمَدُ الناس حديثَه، وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، وكان ثقة. وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم. وذكره ابن المديني في الطبقة الرابعة من أصحاب نافع. قال ابن نُمَير، وغير واحد: مات سنة (١٣٥). زاد الواقدي: وهو ابن (٧٢) سنة.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٧٣)،
[ ١٢ / ٦٥٣ ]
و(١٥٤١) حديث: "رَخَّص في بيع العرايا بخرصها. . . "، و(١٥٤٦): "نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن المزابنة. . . ".
٢ - (أَبُو سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) الأسديّ، هو مولى عبد اللَّه بن أبي أحمد بن جَحْش، وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه، ثقة [٣].
قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قُزْمان -بضم القاف، وسكون الزاي-.
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد اللَّه، وداود بن الحُصين، وخالد بن رباح.
قال إبراهيم بن أبي حببب، عن داود بن الحُصين: كان أبو سفيان يؤم بني عبد الأشهل، وفيهم ناس من الصحابة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: قيل: اسمه قُزْمان، ولا يصحّ له اسم غير كنية.
رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، وهي التي تقدّمت في ترجمة داود بن الحصين الراوي عنه.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) قال النوويّ -﵀-: قال المحققون: هما قضبتان، وفي حديث عمران بن الحصين: "سَلَّم رسول اللَّه -ﷺ- في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل منزله، فقام إليه رجلٌ، يقال له: الْخِرْباق، فقال: يا رسول اللَّه، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه"، وفي رواية له: سلّم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام، فدخل الْحُجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أَقُصِرَتِ الصلاة؟ "، وحديث عمران هذا قضية ثالثة في يوم آخر، انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "هما قضيّتان إلخ" هذا خلاف التحقيق، فقد تقدّم أن الأرجح اتّحاد قصّة أبي هريرة -﵁-، وإنما الاختلاف من الرواة،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٦٩.
[ ١٢ / ٦٥٤ ]
فبعضهم رواه باللفظ، وبعضهم رواه بمعنى ما فهمه، فحصل الاختلاف، وأما قصّة عمران -﵁- فهي واقعة أخرى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله -ﷺ-: ("كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال العلائيّ -﵀-: فيه دليلٌ لقاعدةٍ اتَّفَق عليها أهل "المعاني والبيان"، وهي:
أن النفي إذا تَسَلَّط على "كلّ"، أو كانت في حَيّزه تكون "كل" حينئذ لنفي الشمول عن المجموع، لا لنفي الحكم عن كلّ فرد فرد.
وإن أُخرجت "كل" من حيّز النفي، بأن قُدّمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولةً للفعل المنفي تَوَجَّه النفي إلى أصل الفعل، وعمّ كل ما أضيفت إليه "كل"، فكان السلب عن كل فرد فرد.
قال العلائيّ -﵀-: والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين:
[أحدهما]: أن السؤال بـ "أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين، أو بنفي كل واحد منهما، فلما قال النبيّ -ﷺ-: "كل ذلك لم يكن" كان جوابه لنفي كل واحد منهما بالنسبة إلى ظنه -ﷺ-، فلو كان تقديم "كلّ" على المنفي إنما يفيد نفي الكلية، لا نفي الحكم عن كل فرد فرد لكان قوله -ﷺ-: "كل ذلك لم يكن" غير مطابق للسؤال، ولا ريب في بطلانه.
[والوجه الثاني]: قولُ ذي اليدين في جواب هذا الكلام: "قد كان بعض ذلك"، وهو من العرب الفصحاء، فدلّ على أن المراد بـ "كل ذلك لم يكن" سلب الحكم عن كلّ فرد فرد، لا عن المجموع؛ لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكليّ (^١). انتهى كلام العلائي -﵀-.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "كلُّ ذلك لم يكن لما هذا مشكلٌ بما ثبت من حاله، فإنه يستحيل عليه الخلف والكذب، والاعتذار عنه من وجهين:
[أحدهما]: أنه إنما نفى الكلّيّة، وهو صادقٌ فيها؛ إذ لم يجتمع وقوع الأمرين، وإنما وقع أحدهما، ولا يلزم من نفي الكليّة نفي كلّ جزء من
_________________
(١) هكذا في "نظم الفرائد" بلفظ: "يقتضيه"، ولعلّ الصواب: "نقيضه السلب الكليّ"، فتأمل.
[ ١٢ / ٦٥٥ ]
أجزائها، فإذا قال: لم أَلْقَ كُلَّ العلماء لا يُفهم أنه لم يَلْقَ واحدًا منهم، ولا يلزم ذلك منه، إلا أن هذا الاعتذار يُبطله قوله في الرواية الأخرى: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر" بدل قوله -ﷺ-: "كلُّ ذلك لم يكن"، فقد نَفَى الأمرين نصًّا.
[والثاني]: أنه إنما أخبر عن الذي كان في اعتقاده وظنّه، وهو أنه لم يَفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ؛ إذ خبره موافقٌ لما في نفسه، فليس فيه خلْفٌ، ولا كذبٌ، وعن هذا ما قد صار إليه أكثر الفقهاء إلى أن الحالف باللَّه على شيء يَعتقده، فظهر أنه خلاف ما حلف عليه أن تلك اليمين لاغيةٌ، لا حِنْثَ فيها، وهي التي لم يُضفها اللَّه تعالى إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقد روى أبو داود حديث أبي هريرة -﵁- هذا، وقال مكان "كلُّ ذلك لم يكن": "لم أنسَ ولم تُقصر"، ومحمِله على ما ذكرناه من إخباره -ﷺ- عن اعتقاده.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الوجه هو أولى ما يُعتمد عليه في الجواب عما استُشكل في هذا المحلّ.
وحاصله أنه -ﷺ- أجاب بقوله: "كلُّ ذلك لم يكن"، وفي رواية أخرى: "لم أنس ولم تُقصر" عما في ظنّه، لا عما في نفس الأمر؛ لكونه خلاف ذلك، ولذلك لما تحقّق لديه أنه أخطأ صلّى ما بقي، وسجد للسهو، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وللأصحاب فيه تأويلات أُخَر:
(منها): أن قوله: "لم أنسَ" راجع إلى السلام، أي لم أنس السلام، وإنما سلّمت قصدًا، وهذا فاسدٌ؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه.
(ومنها): الفرق بين النسيان والسهو، فقالوا: كان يسهو ولا ينسى؛ لأن النسيان غفلةٌ، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ إذ لا نُسلِّمُ الفرق، ولو سُلِّمَ فقد أضاف -ﷺ- النسيان إلى نفسه في غير ما موضع، فقال: "إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نَسِيتُ فذكِّرُوني"، وقوله: "إني لا أنسَى، أو أنسى لأَسُنّ" (^١)، وغير ذلك.
_________________
(١) هذا حديث لا يصحّ متّصلًا، بل أخرجه مالك في "الموطّأ" بلاغًا.
[ ١٢ / ٦٥٦ ]
(ومنها): ما اختاره القاضي عياضٌ أنه إنما أنكر -ﷺ- نسبة النسيان إليه؛ إذ ليس من فعله، كما قال في الحديث الآخر: "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكيتَ، بل هو نُسِّي"، متّفقٌ عليه، أي خُلِق فيه النسيان، وهذا يُبطله قوله أيضًا: "أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني"، وأيضًا فلم يصدُر ذلك عنه على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قال السائل عنه، وأيضًا فلا يكون جوابًا لما سُئل عنه.
والصواب حمله على ما ذكرناه، ولا يلزم عليه شيء من الاستبعادات. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (^٢)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزازُ) -بمعجمات- أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٩١ - ١٩٣.
(٢) وفي نسخة: "عليّ بن المبارك".
[ ١٢ / ٦٥٧ ]
رَوَى عن عليّ بن المبارك، وهمام بن يحيى، وقُرّة بن خالد، والصَّعْق بن حَزْن، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو موسى محمد بن المثنى، والفلاس، وحجاج بن الشاعر، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وأبو داود الْحَرّانيّ، وعبد بن حُميد، وأبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، وعباس الدُّوريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محلُّهُ الصدق، كان عنده كتابٌ عن علي بن المبارك، وكان تاجرًا، وقال أبو داود: لا بأس به، سمعت الحسن بن عليّ يقول: الخزاز شيخٌ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٣ - (عَلِيّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماعٌ، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثر [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
وقوله: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) تقدّم أنه ذو اليدين.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير أبي سلمة.
[تنبيه]: رواية أبي سلمة التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سفيان، ساقها أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٥١٣) فقال:
(١٩١٩) حدّثنا عباس الدُّوريّ، وأبو داود الْحَرّانيّ قالا: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا عليّ بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سَلَّم، فأتاه رجلٌ من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه
[ ١٢ / ٦٥٨ ]
أَقُصِرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "لم تُقْصَر ولم أَنْسَ"، قال: يا رسول اللَّه، إنما صلّيت ركعتين، قال: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام، فصلّى ربهم ركعتين أُخْرَاوين، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- (^١) صَلَاةَ الظُّهْرِ، سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) فاعل "اقتَصّ" ضمير شيبان.
[تنبيه]: رواية شيبان هذه التي أحالها المصنّف على رواية علي بن المبارك، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٧٤) فقال:
(١٢٦٨) حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إسحاق بن أحمد، ثنا محمد بن علي بن حمزة، قال: وحدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، قالا: ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي
_________________
(١) وفي نسخة: "مع رسول اللَّه -ﷺ-".
[ ١٢ / ٦٥٩ ]
كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا أنا أصلّي مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الظهر، فسلّم -ﷺ- في الركعتين، فقام رجل من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه، قُصِرت أم نَسِيت؟، فقال: "لم تُقْصَر ولم أَنْسَ"، فقال: يا رسول اللَّه إنما صليت ركعتين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "حقٌّ (^١) ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام فصلّى بهم ركعتين أُخْراوين. انتهى.
وساقها أيضًا الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٩١٨١) حدّثنا حسن بن موسى، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: بينما أنا أصلي صلاة الظهر، سَلَّم رسول اللَّه -ﷺ- من ركعتين، فقام رجل من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه، أَقُصِرت الصلاة أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لم تقصَر ولم أنسهْ"، قال: يا رسول اللَّه إنما صلّيت ركعتين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، قال: فقام، فصلّى بهم ركعتين آخِرتين.
قال يحيى: حدّثني ضَمْضَم بن جَوْس أنه سمع أبا هريرة يقول: ثم سجد رسول اللَّه -ﷺ- سجدتين. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٦] (٥٧٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِيِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْعَصْرَ (^٢)، فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ (^٣)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهٌ، وَخَرَجَ
_________________
(١) هكذا النسخة بحذف همزة الاستفهام.
(٢) وفي نسخة: "صلى الظهر".
(٣) وفي نسخة: "في يده طولٌ".
[ ١٢ / ٦٦٠ ]
غَضْبَانَ (^١)، يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (خَالِد) بن مِهْرَان الْحَذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظ يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصري، عَمّ أبى قِلابة، اسمه معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة [٢].
رَوَى عن عُمر، وعثمان، وأُبَيّ بن كعب، وعمران بن حصين، وأبي مسعود الأنصاري، وتميم الداريّ، وأبي موسى الأشعريّ، وسمرة بن جندب.
ورَوَى عنه ابن أخيه أبو قِلابة، ومحمد بن سيرين، وسعيد الْجُرَيريّ، وعوف الأعرابي.
قال العجليّ: بصري تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان ثقة قليل الحديث، وذكر ابن عبد البرّ الخلاف في اسمه، ثم قال: معاوية بن عمرو أصحّ، وقال ابن حبّان في "صحيحه": اسمه عمرو بن معاوية بن زيد. انتهى.
_________________
(١) ووقع في نسخة: "غضبانًا".
[ ١٢ / ٦٦١ ]
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٧٤) وأعاده بعده، و(٩٥٣) و(١٦٤١) و(١٦٦٨) و(١٦٩٦) و(٢٥٩٥).
٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد البصريّ، صحابيّ أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقَضَى بالكوفة، ومات -﵁- بالبصرة سنة (٥٢)، وأبوه أيضًا صحابيّ على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلب. واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْعَصْرَ) وفي رواية الطحاويّ: "صلّى بهم الظهر"، (فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) أي في آخر ثلاث ركعات من صلاة العصر، وفي رواية البيهقيّ من طريق هُشَيم، قال: أنبأنا خالد، عن أبي قلابة، ثنا أبو المُهلّب، عن عمران بن حُصين: "أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى الظهر، أو العصر ثلاث ركعات. . . " الحديث، فرواه بالشكّ بين الظهر والعصر.
قال في "المرعاة": ورواية العصر أرجح؛ لتوافق أكثر الروايات عليها، ولأنها مخرّجة في "صحيح مسلم"، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، و"مسند أحمد". انتهى (^١).
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٤٢٤.
[ ١٢ / ٦٦٢ ]
(ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) وفي رواية عبد الوهّاب الثقفي، عن خالد التالية: "ثُمّ قام، فدخل الْحُجْرة"، وفيه أن ترك استقبال القبلة، والمشي الكثير سهوًا لا يُبطل الصلاة (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ) -بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء- (وَكَانَ فِي يَدَيْهِ) وفي نسخة: "في يده" بالإفراد (طُولٌ) وفي رواية الثقفيّ التالية: "فقام رجل بَسِيط اليدين"، وهو بمعنى طويل اليدين (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ) أي ذكر الْخِرْباق للنبيّ -ﷺ- الأمر الذي صنعه في تلك الصلاة، وهو تسليمه من ثلاث ركعات، وفي رواية الثقفيّ، "فقال: أَقصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟ "، وفي رواية النسائيّ من طريق يزيد بن زُريع عن خالد: "فقال: يعني نقصت الصلاة يا رسول اللَّه؟ "، وفي رواية له من طريق حماد بن زيد، عن خالد: "فقال له الْخِرْباق: إنك صلّيت ثلاثًا" (وَخَرَجَ غَضْبَانَ) فعلان من الغضب، وهو غير منصرف؛ للوصفيّة، وزيادة الألف والنون، فما وقع في بعض النسخ منصرف غلطٌ، فتنبّه.
وفي رواية الثقفيّ: "فخرج مُغْضَبًا"، قال القرطبيّ -﵀-: وغضبه -ﷺ- يَحْتَمِلُ أن يكون إنكارًا على المتكلّم؛ إذ قد نسبه إلى ما كان يعتقد خلافه، ولذلك أقبل على الناس مستكشفًا عن ذلك، وعلى هذا يدلّ ما في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: "فقام رجلٌ بسيط اليدين، فقال: قُصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟، فخرج مغضبًا".
ويَحْتَمِل أن يكون غضبه لأمر آخر لم يذكره الراوي، وكأن الأول أظهر.
قال: وحديث عمران بن حُصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة -﵁-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق لك أن حمل الحديثين على تعدّد الواقعة هو الأرجح، كما ذهب إليه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهما؛ لأن دعوى اتّحاد القصّتين يؤدّي إلى تكلّف وتعسّف في الجمع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢ / ٦٦٣ ]
قال: وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجّته، والحمد للَّه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق لك أيضًا أن الراجح موافقة ما ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه فعله سواء كان قبل السلام أو بعده، وأما ما لم يَرِد فيه النصّ فالساهي مخيّرٌ، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نَسِي حكمه، فشهد عنده عدلان بحكمه أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعيّ في قولهما: إنه لا يُمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقْبَل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يَتِمّ لمالك إذا سُلِّم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقّنه ما كان قد نسيه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام مالك -﵀- هو الظاهر؛ وكون رجوعه -ﷺ- إلى قول القوم هو الحقّ، وأما كونه تيقّن بنفسه، فخلاف ظاهر أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(يَجُرُّ رِدَاءَهُ) أي لكونه مستعجلًا لم يتمهّل حتى يتمكن من لبسه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا؟ ") يعني الْخِرْباق (قَالُوا: نَعَمْ) صدق فيما قاله (فَصَلَّى رَكْعَةً) وفي رواية الثقفيّ: "فصلّى الركعة التي كان ترك" (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي لسهوه، وفي رواية الثقفيّ: "ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو"، وفي رواية النسائيّ: "ثم سجد سجدتيها"، والمراد سجدتا السهو الذي حصل في تلك الصلاة، فإضافة السجدتين إلى ضمير الصلاة لحصولهما فيها جبرًا لها (ثُمَّ سَلَّمَ) أي تسليم التحلّل من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.
[ ١٢ / ٦٦٤ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٩٦ و١٢٩٧] (٥٧٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠١٨ و١٠٣٩)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩٥)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٣١ و١٢٣٦ و١٢٣٧) وفي "الكبرى" (١١٥٨ و١١٥٩ و١٢٥٤)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٧ و٤/ ٤٣١ و٤/ ٤٤٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٥٤ و١٠٦٠ و١٠٦٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٢٢ و١٩٢٣ و١٩٢٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٦٩ و١٢٧٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٥٩)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح الأحاديث الماضية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ، فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب.
[ ١٢ / ٦٦٥ ]
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى، والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الأحد المبارك ٢٥/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧/ نوفمبر - تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م.
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠/ ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
[ ١٢ / ٦٦٦ ]
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثالث عشر مفتتحًا بـ (٢٠) - (بَابُ سجود التلاوة) رقم الحديث [١٢٩٨] (٥٧٥).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ١٢ / ٦٦٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ٢٦/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الثالث عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.