وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٨] (٥٧٥) - (حَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقطَّانِ (^٢)، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبثٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: "عن يحيى بن سعيد القطّان".
[ ١٣ / ٥ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام النقد [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه -﵂-، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زُهير، وعبيد اللَّه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، وزُهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وعبيد اللَّه بن سعيد سَرَخسيّ، ثم نيسابوريّ، والباقيان بصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
[ ١٣ / ٦ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: "ربّما قرأ رسول اللَّه القرآن" (فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ) وفي الرواية التالية: "فيَمُرّ بالسجدة" (فَيَسْجُدُ) أي سجود التلاوة (وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا) نافية (يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ) أي من كثرة الزحام، وفي الرواية التالية: "فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكانًا ليسجد فيه في غير صلاة".
قال في "الفتح": وقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع في هذا الحديث، أن ذلك كان بمكة، لَمّا قرأ النبيّ -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمُ﴾، وزاد فيه: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل، قال: والذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحدٌ إلا سجد، وسياق حديث الباب مُشْعِرٌ بأن ذلك وقع مرارًا، فَيَحْتَمِل أن تكون رواية الطبرانيّ بيّنت مبدأ ذلك، ويؤيده ما رواه الطبرانيّ -﵀- عن المسور بن مَخْرَمة، عن أبيه قال: أظهر أهل مكة الإسلام -يعني في أول الأمر- حتى إنه كان النبيّ -ﷺ- ليقرأ السجدة، فيسجُدُ، وما يستطيع بعضهم أن يسجُد من الزحام، حتى قَدِمَ رؤساء أهل مكّة، وكانوا بالطائف، فرجّعوهم عن الإسلام، واستدلّ به البخاريّ على السجود لسجود القارئ، وعلى الازدحام على ذلك (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٢٩٨ و١٢٩٩] (٥٧٥)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٦٥٢ "كتاب سجود القرآن" رقم (١٠٧٩).
[ ١٣ / ٧ ]
"سجود القرآن" (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤١٢ و٤١٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٤٧ و١٩٤٨ و١٩٤٩)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٢٧١ و١٢٧٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٥٧ و٥٥٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٦٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة سُجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه، وقد اختُلف فيه هل هو سنّة، كما هو رأي الجمهور، أو واجبٌ، كما هو رأي الحنفيّة؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية السجود للقارئ والمستمع له، قال النوويّ -﵀-: ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يَسْمَع، لكن لا يتأكد في حقّه تأكده في حقّ المستمع المصغي. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): استحباب قراءة القرآن؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-.
٤ - (ومنها): بيان حرص الصحابة -﵃- في الخير ومسابقتهم عليه، حتى إنهم ليزحمون عليه.
٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال النبيّ -ﷺ-، كالاقتداء بأقواله سواءً، فقد قال اللَّه ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، فعمّ جميع ما يصدر منه -ﷺ-، قولًا، أو فعلًا، أو غير ذلك، إلا ما خصّه الدليل على أنه من خُصوصيّته.
٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ -﵀- قال في "صحيحه": "باب من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام من الزحام"، ثم أورد حديث ابن عمر -﵄- هذا، قال ابن بطال -﵀-: لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٧٤.
[ ١٣ / ٨ ]
واختَلَف السلف، فقال عمر -﵁-: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهريّ: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة، فيجري مثله في سجود التلاوة، وظاهر صنيع البخاريّ أنه يذهب إلى أنه يَسْجُد بقدر استطاعته، ولو على ظهر أخيه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود التلاوة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس بواجب، وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران بن حصين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم -﵃-.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن سجود التلاوة واجب على القارئ، والمستمع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة أن النبيّ -ﷺ- سجد للتلاوة، وقياسًا على سجود الصلاة.
واحتجّ الأولون بالأحاديث الصحيحة:
(منها): حديث زيد بن ثابت -﵁-، قال: قرأت على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه.
(ومنها): ما احتج به الشافعيّ -﵀- في هذه المسألة، وهو حديث الأعرابيّ: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطّوّع". متفق عليه.
(ومنها): "أن عمر بن الخطاب -﵁- قرأ يوم الجمعة على المنبر "سورة النحل"، حتى إذا جاء السجدةَ نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدةَ، قال: يا أيها الناس إنما نَمُرّ
[ ١٣ / ٩ ]
بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر". وفي رواية قال: "إن اللَّه لم يَفْرِض السجود إلا أن نشاء"، أخرجهما البخاري -﵀- في "صحيحه".
قال النوويّ -﵀-: وهذا القول من عمر -﵁- في هذا الموطن، والْمَجْمَع العظيم دليلٌ ظاهرٌ في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا يوجد هنا.
وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذمّ الكفار في تركهم السجود استكبارًا، وجحودًا، وأما المراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجّوا بها محمولة على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- من "مجموعه" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو عدم وجوب سجود التلاوة هو الراجح؛ لقوة حجته، كما ذُكِر آنفًا.
ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاويّ: من أن الآيات التي في سجود التلاوة، منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر، هل فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية الحجّ، وخاتمة النجم، واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يُتَّفَقَ على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. انتهى. وهو بحثٌ جيّدٌ.
والحاصل أن القول باستحباب سُجود التلاوة هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد سجود القرآن:
_________________
(١) "المجموع شرح المهذّب" ٤/ ٦١ - ٦٢.
[ ١٣ / ١٠ ]
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في عدد سجود القرآن، فرَوَينا عن ابن عباس، وابن عمر -﵃- أنهما كانا يَعُدّان سجود القرآن، فقالا: "الأعراف"، و"الرعد"، و"النحل"، و"بني إسرائيل"، و"مريم"، و"الحج" أولها، و"الفرقان"، و﴿طسم﴾، و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿ص﴾، و﴿أَلَمْ﴾ السجدة، إحدى عشرة سجدةً.
ورَوَينا عن ابن عباس -﵄- رواية أخرى أنه عَدَّها عشرًا، وأسقط السجود في ﴿ص﴾.
وقد اختُلِف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج.
وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدةً، في الحج منها سجدتان، وفي المفصل ثلاثة، وليس في ﴿ص﴾ منها شيء، هكذا قال الشافعيّ، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في العدد، غير أنه أثبت السجود في ﴿ص﴾، وأسقط السجود من سورة النجم، خالف الشافعيّ في هاتين السجدتين.
وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: "الأعراف"، و"الرعد"، و"النحل"، و"بنو إسرائيل"، و"مريم"، وفي "الحجّ" سجدتان مباركتان، وفي "الفرقان"، و"النمل"، و"ألم" تنزيل السجدة، وفي ﴿ص﴾، وفي ﴿حم (١)﴾ السجدة، وفي ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾.
وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحجّ، فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي ما ذهب إليه إسحاق ابن راهويه من كون عدد السجود خمس عشرة سجدةً أظهر، وأقرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة:
قال النوويّ -﵀-: (واعلم): أنه يشترط لجواز سجود التلاوة، وصحته
[ ١٣ / ١١ ]
شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة فيها خلافٌ، فقد صحّ عن ابن عمر -﵄-، وغيره عدم اشتراط ذلك، وهو ظاهر مذهب البخاريّ -﵀-، فإنه ترجم "باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشركُ نجسٌ ليس له وضوء"، قال: وكان ابن عمر -﵄- يسجد على غير وضوء. انتهى.
ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق عُبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر -﵄- ينزل عن راحلته، فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ.
وأما ما رواه البيهقيّ بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما -كما قال الحافظ- بأنه أراد بقوله: "طاهر" الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة.
ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيُّ، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ أنه كان يقرأ بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء، قاله في "الفتح".
وقال العلامة الشوكانيّ -﵀-: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد معه -ﷺ- مَن حضر تلاوته، ولم يُنقَل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويَبعُد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون، كما تقدم، وهم أنجاس، لا يصح وضوؤهم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى أن لا يسجُد على غير وضوء، وأما إيجاب الوضوء فيَحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ١٣ / ١٢ ]
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في أوقات النهي:
قال النوويّ -﵀-: يجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها؛ لأنها ذات سبب، ولا يكره عندنا ذوات الأسباب، وفي المسألة خلاف مشهور. انتهى (^١).
وقال الشوكانيّ -﵀-: رُوي عن بعض الصحابة أنه يُكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة؛ لأن السجود المذكور ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي خاصة بالصلاة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أن القول بعدم كراهة السجود في أوقات النهي هو الأرجح؛ لما قاله الشوكانيّ، وعلى فرض أنها كالصلاة فتجوز في هذه الأوقات؛ لأنها من ذوات الأسباب، وقد حقّقنا أن جواز الصلاة ذات السبب في أوقات النهي هو الحقّ، كما سيأتي في محلّه (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٤) أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْقُرْآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ، فَيَسْجُدُ بِنَا، حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ (^٥) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٥/ ٧٩.
(٢) "نيل الأوطار" ٣/ ١٢٦.
(٣) "باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها" برقم (٨٢٥).
(٤) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٥) وفي نسخة: "مكانًا يسجد فيه".
[ ١٣ / ١٣ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال ابن هشام في "مغني اللبيب": "رُبّ" حرف جرّ، خلافًا للكوفيين في دعوى اسميّتها، وإذا زيدت "ما" بعدها فالغالب أن تكفّها عن العمل، وتُهيّئها للدخول على الجملة الفعليّة، وليس معناها التقليل دائمًا خلافًا للأكثرين، ولا التكثير دائمًا خلافًا لجماعة. انتهى.
وقوله: (فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ) أي بآية السجدة.
وقوله: (فَيَسْجُدُ بِنَا) أي يسجد هو، ونسجد نحن معه -ﷺ-.
وقوله: (حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ) أي لضيق المكان، وكثرة الساجدين.
وقوله: (حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا) أي بعضنا، كما سبق في الرواية الماضية، وليس المراد منه كلَّ واحد، ولا واحدًا معيّنًا، قاله في "العمدة" (^١).
وقوله: (مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ) وفي نسخة: "مكانًا يسجد عليه"، والجملة في محلّ نصب صفة لـ "مكانًا".
وقوله: (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) يعني أن ذلك السجود ليس من سجود الصلاة، وإنما هو سجود خارج الصلاة لأجل التلاوة.
والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٠] (٥٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ١١٣.
[ ١٣ / ١٤ ]
كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل حديث.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصري المعروف بغُندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الناقد الحافظ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، يُدلّس، واختلط بآخره [٣] (١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٦ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مخضرم، مكثرٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، إلا في شعبة.
٥ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن الأسود، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ١٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعيَّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ) بن يزيد النخعي، فيه تصريح أبي إسحاق بالسماع، وهو مدلّس، فأُمن من التدليس، على أن الراوي عنه هنا شعبة، وهو لا يروي عن المدلّسين إلا ما صرّحوا بسماعه، وقد سبق عنه أنه قال: كَفَيتكم شرّ تدليس ثلاثة: أبي إسحاق، وقتادة، والأعمش (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾) أي سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾، وفي رواية البخاريّ: "قرأ النبيّ -ﷺ- النجم بمكة" (فَسَجَدَ) -ﷺ- أي بعدما قرأ قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ (فِيهَا) أي بسبب قراءته الآية المذكورة، فـ "في" بمعنى الباء السببيّة، كما في حديث: "دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها. . . " الحديث، متّفقٌ عليه (وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) أي مع النبيّ -ﷺ-، وكلمة "من" موصولة بمعنى الذين.
وقال النوويّ -﵀-: معنى قوله: "وسجد من كان معه": من كان حاضرًا قراءته من المسلمين، والمشركين، والجنّ، والإنس، قاله ابن عباس -﵄- وغيره حتى شاع أن أهل مكة أسلموا (^١)، وانصرف من كان هاجر إلى الحبشة لذلك.
قال القاضي عياض -﵀-: وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود -﵁- أنها أوّلُ سجدة نزلت، قال القاضي -﵀-: وأما ما يرويه الأَخباريُّون والمفسَّرون أن سبب ذلك ما جَرَى على لسان رسول اللَّه -ﷺ- من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل، لا يصحّ فيه شيءٌ، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غيرِ اللَّه تعالى كُفْرٌ، ولا يصح أن ينزل على النبيّ -ﷺ- كفرٌ، ولا أن يقول النبيّ -ﷺ- ذلك من قِبَل نفسه مُداراةً لهم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه -ﷺ-؛ إذ لا يصحّ أن يقول على النبيّ -ﷺ- شيئًا خلاف ما هو عليه، فقد قال -ﷺ- لمن رآه في المنام: "فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بصورتي"، فكيف في طريق القرآن، وما هو كفر، ولا يصح تسلُّط الشيطان على ذلك؛ لأنه يدعو إلى الشكّ في المعجزة، وصدق النبيّ -ﷺ-، وكلُّ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ١٥٤.
[ ١٣ / ١٦ ]
هذا لا يصحّ. انتهى كلام القاضي بتصرّف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي القاضي عياض من تفنيده ما اشتهر من قصّة الغرانيق هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقده، وإن حاول بعض العلماء في تصحيح حديث، كما يظهر من كلام الحافظ، فمما لا يُلتفت إليه، وقد ذكرت ما قاله المحقّقون في هذه المسألة في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا (^٢).
ثم رأيت الشيخ الألبانيّ -﵀-، أجاد في هذا الموضوع، وألّف فيه رسالة سمّاها "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، فأحسن وأفاد، فعليك بمراجعتها، فإنها قد استوفت الموضوع، وحقّقته تحقيقًا بليغًا، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(غَيْرَ) وفي رواية البخاريّ: "غيرَ شيخ أخذ كفًّا"، و"غيرَ" منصوب على الاستثناء، كما قال في "الخلاصة":
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِـ "غَيْرٍ" مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِـ "إِلَّا" نُسِبَا
(أَنَّ شَيْخًا) وقع تسميته عند البخاريّ في "تفسير سورة النجم" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق بأنه أمية بن خَلَف، قال في "الفتح": ووقع في "سيرة ابن إسحاق" أنه الوليد بن المغيرة.
وفيه نظر؛ لأنه لم يُقْتَل، وفي "تفسير سُنيد": الوليد بن المغيرة، أو عُتبة بن ربيعة بالشك، وفيه نظرٌ؛ لما أخرجه الطبرانيّ من حديث مَخْرَمة بن نوفل، قال: "لَمّا أظهر النبي -ﷺ- الإسلام، أسلم أهل مكة، حتى إنه كان ليقرأ السجدة فيسجدون، فلا يقدر بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قَدِم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وغيرهما، وكانوا بالطائف، فرجعوا، وقالوا: تَدَعُون دين آبائكم".
لكن في ثبوت هذا نظرٌ؛ لقول أبي سفيان في الحديث الطويل: إنه لم يَرْتَدّ أحدٌ ممن أسلم.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٢٥.
(٢) "ذخيرة العقبى" ١٢/ ٢٠٦ - ٢٠٩.
[ ١٣ / ١٧ ]
ويمكن أن يُجْمَع بأن النفي مُقَيَّد بمن ارتَدّ سُخطًا لا بسبب مراعاة خاطر رؤسائه.
ورَوَى الطبريّ من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أن الذي رفع التراب فسجد عليه، هو سعيد بن العاص بن أمية، أبو أُحيحة، وتبعه النَّحّاس، وذكر أبو حيان شيخ شيوخنا في "تفسيره" أنه أبو لهب، ولم يذكر مُستنده.
وقال في "الفتح" في "كتاب التفسير" عند شرح قوله: "وهو أمية بن خلف" ما خلاصته: لم يقع ذلك في رواية شعبة، وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عند الإسماعيليّ، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، قال: وقيل: سعيد بن العاص بن أمية، قال: وقال بعضهم: كِلاهما جميعًا.
وجزم ابن بطال في "باب سجود القرآن" بأنه الوليد، وهو عجيب منه مع وجود التصريح بأنه أمية بن خلف، ولم يُقْتَل ببدر كافرًا من الذين سُمُّوا عنده غيره.
ووقع في "تفسير أبي حيّان (^١) " أنه أبو لهب، وفي "شرح الأحكام لابن بزيزة" أنه منافق، ورُدّ بأن القصة وقعت بمكة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر بعدُ.
وقد جزم الواقديّ بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة خَرَجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا، فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية.
ويَحْتَمِل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما اطَّلع عليه، كما قلته في المطلب، لكن لا يُفسَّر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأمية؛ لما ذكرته. انتهى ما في "الفتح" (^٢)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
_________________
(١) وقع في النسخة "ابن حبّان"، وهو غلط، والصواب "أبي حيّان" كما بينه في "كتاب الصلاة"، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٨١ - ٤٨٢ "كتاب التفسير" رقم (٤٨٦٣).
[ ١٣ / ١٨ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن ظاهر الحديث، وإن دلّ على أن الذي لم يسجد رجل واحدٌ فقط، وهو الذي رفع كفًّا من حصى، فقال: يكفيني هذا، لكن جاء في الأحاديث ما يدلّ على عدم سجود غيره أيضًا، كما سبق آنفًا.
ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن أبي هريرة -﵁-: "سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشُّهْرة".
ومنه ما أخرجه النسائيّ من حديث المطَّلِب بن أبي وَدَاعة، قال: "قرأ رسول اللَّه -ﷺ- النجم، فسجد، وسجد مَن معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن الْمُطَّلب يومئذ أسلم"، زاد في رواية أحمد: "وكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا قرأها إلا سجد"، وفي رواية: "قال المطّلب: فلا أدع السجود فيها أبدًا".
ويُجاب بأن ابن مسعود -﵁- لعله لم ير غير ذلك الرجل، فاقتصر عليه، أو خَصّه بالذكر؛ لاختصاصه بأخذ الكفّ من التراب دون غيره، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أَخَذَ كَفًّا) جملة في محلّ رفع خبر "أن"، وقوله: (مِنْ حَصًى) بيان لـ "كفًّا"، والمعنى أنه أخذ ملأ كفّ من حصًى (أَوْ) للشكّ من الراوي (تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ) أي الكفّ (إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) أي عن السجود على الأرض، وإنما قال ذلك تكبّرًا وتعاظمًا على اللَّه تعالى، وقيل: قاله ظنًّا منه أن المقصود منه التواضع، والانقياد للَّه تعالى بوضع أشرف الأعضاء على الأرض، وقد حصل بالتراب، والوجه الأول هو الصواب؛ إذ ظاهر السياق يدلّ عليه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ذلك الوقت، وفي رواية البخاريّ: "فرأيته بعد ذلك"، وكان قتله يوم بدر (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (كَافِرًا) منصوب على الحال، وذلك لشؤم تكبّره عن السجود الذي اشترك فيه المسلمون والمشركون، إلا هو، فآل به الأمر أن قُتل كافرًا.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ -﵀- في "التفسير" من "صحيحه" من رواية
[ ١٣ / ١٩ ]
إسرائيل، عن أبي إسحاق: أول سورة أنزلت فيها سجدةٌ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، قال في "الفتح": واستُشكِل هذا بأن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أول السُّوَر نزولًا، وفيها أيضًا سجدةٌ، فهي سابقة على النجم.
وأجيب: بأن السابق من ﴿اقْرَأْ﴾ أوائلها، وأما بقيتها فَنَزَل بعد ذلك بدليل قصّة أبي جهل في نهيه للنبيّ -ﷺ- عن الصلاة.
ويَحْتَمل أن تكون الأولية مُقَيَّدةً بشيء محذوف بيَّنَته رواية زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عند ابن مردوبه، بلفظ: "إن أول سورة استَعْلَن بها رسول اللَّه -ﷺ-: والنجم"، وله من رواية عبد الكبير بن دينار، عن أبي إسحاق: "أول سورة تلاها على المشركين. . . "، فذكره.
فيُجْمَع بين الروايات الثلاث بأن المراد أول سورة فيها سجدةٌ تلاها جهرًا على المشركين. انتهى (^١).
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ -﵀- عن ابن عباس -﵄-: "أن النبيّ -ﷺ- سجد بالنجم (^٢)، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس".
قال في "الفتح": كأن ابن عبّاس -﵄- استَنَد في ذلك إلى إخبار النبيّ -ﷺ- إما مشافهةً له، أو بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصّ؛ لصغره، وأيضًا فهو من الأمور التي لا يَطّلع عليها الإنسان إلا بتوقيف، وتجويز أنه كُشف له عن ذلك بعيدٌ؛ لأنه لم يحضرها قطعًا (^٣).
وإنما أعاد ذكر الجن والإنس مع دخولهم في المسلمين؛ لنفي توهم اختصاص ذلك بالإنس، قال الكرمانيّ: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت فارادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم.
قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٦٤٢.
(٢) زاد الطبراني في "الأوسط": "بمكة"، فأفاد اتّحاد قصّة ابن عبّاس وابن مسعود -﵃-، قاله في "الفتح".
(٣) "الفتح" ٢/ ٦٤٥ "كتاب سجود القرآن" رقم (١٠٧١).
[ ١٣ / ٢٠ ]
والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًّا مِن حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٠/ ١٣٠٠] (٥٧٦)، و(البخاريّ) في "سجود القرآن" (١٠٦٧ و١٠٧٠) و"مناقب الأنصار" (٣٨٥٣) و"التفسير" (٣٨٦٣) و"المغازي" (٣٩٧٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٤٠٦)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٨ و٤٠١ و٤٣٧ و٤٤٣ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٥٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٦٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٧٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة السجود في تلاوة القرآن.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة السجود أيضًا لسامع القرآن، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن المفصّل لا سجود فيه للتلاوة، وعلى من قال: إن "النجم" لا سجود فيها، وردٌّ أيضًا لقول ابن القصّار -﵀- إن الأمر بالسجود في "النجم" ينصرف إلى الصلاة، لا إلى سجود التلاوة؛ لأن هذا الحديث صريحٌ في كونه -ﷺ- سجد هو ومن معه؛ لأجل
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٨١.
[ ١٣ / ٢١ ]
تلاوته، كما يؤيّده سجود المشركين معه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وغيرها من "المفصَّل":
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في السجود في "النجم"، فكان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر -﵃- يسجدون في "النجم"، وسئل علي بن أبي طالب -﵁- عن عزائم السجود، فذكر "النجم".
وممن رأى السجود في "النجم" سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب طائفة إلى أنه ليس في "المفصَّل" سجود، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك: ابن عباس، وأُبيّ بن كعب، والحسن البصري، وسعيد بن المسبِّب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، -﵃-.
قال ابن المنذر -﵀-: ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه سجد في المفصَّل في غير سورة منه، وبذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر -﵀- هو الحقّ عندي؛ للأحاديث الصحيحة التي ثبت أنه -ﷺ- سجد فيها.
وقال النوويّ -﵀-: احتج بهذا الحديث مالك، ومن وافقه، في أنه لا سجود في المفصّل، وأن سجدة "النجم"، و"إذا السماء انشقت"، و"اقرأ باسم ربك" منسوخات بهذا الحديث -يعني زيد بن ثابت -﵁- الآتي بعد هذا- وبحديث ابن عباس -﵁-: "أن النبيّ -ﷺ- لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تحوّل إلى المدينة"، وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة -﵁-، أنه قال: سجدنا مع النبيّ -ﷺ- في "إذا السماء انشقت"، و"اقرأ باسم ربك". رواه مسلم، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة -﵁- كان سنة سبع من الهجرة، فدلّ على السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس -﵄- فضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به، وأما حديث زيد -﵁-
[ ١٣ / ٢٢ ]
فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنَّه سنة ليس بواجب، ويُحتَاج إلى هذا التأويل، للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة -﵁-، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، وهو كلام نفيسٌ.
وقال الحافظ -﵀- عند قول الإمام البخاريّ -﵀-: "باب من قرأ السجدة، ولم يسجد" ما حاصله: يشير بذلك إلى الردّ على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكيّة، أو أن "النجم" بخصوصها لا سجود فيها، كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدلّ على تركه مطلقًا، لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك، إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعيّ؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك.
وأما ما رواه أبو داود وغيره من طريق مَطَرٍ الْوَرَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄- "أن النَّبيّ -ﷺ- لم يسجد في شيء من "المفصل" منذ تحول إلى المدينة"، فقد ضعَّفه أهل العلم بالحديث؛ لضعفٍ في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فرواية من أثبت ذلك أرجح؛ إذ المثبت مقدَّم على النافي، فسيأتي في حديث أبي هريرة -﵁- ثبوت السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١].
ورَوَى البزار، والدارقطني، من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- "أن النَّبيّ -ﷺ- سجد في سورة النجم، وسجدنا معه". والحديث رجاله ثقات.
وروى ابن مردويه في "التفسير" بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه رأى أبا هريرة -﵁- سجد في خاتمة "النجم"، فسأله، فقال: إنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- يسجد فيها، وأبو هريرة -﵁- إنما أسلم بالمدينة.
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٧٦ - ٧٧.
[ ١٣ / ٢٣ ]
ورَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد، عن عمر بأنه سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]. ومن طريق نافع، عن ابن عمر -﵄-، أنه سجد فيها.
وفي هذا ردّ على من زعم أن عمل أهل المدينة استمرّ على ترك السجود في "المفصل".
ويَحْتَمِل أن يكون المنفيّ المواظبة على ذلك؛ لأن "المفصَّل" تكثر قراءته في الصلاة، فتُرِك السجود فيه كثيرًا، لئلا تختلط الصلاة على من لم يفقه، أشار إلى هذه العلة مالك في قوله بترك السجود في "المفصَّل" أصلًا.
وقال ابن القصار: الأمر بالسجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ينصرف إلى الصلاة.
وردّ بفعل النَّبيّ -ﷺ- كما تقدم قبلُ.
وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمرّ بعد النَّبيّ -ﷺ- على ترك السجود فيها.
وفيه نظر؛ لما رواه الطبري بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمر -﵁- أنه قرأ "النجم" في الصلاة، فسجد فيها، ثم قام، فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، ومن طريق إسحاق بن سُويد، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أنه سجد في "النجم". انتهى حاصل كلام الحافظ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيَّن مما سبق من الأدلة الصحيحة أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور، وهو مشروعية السجود في "المفصل"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠١] (٥٧٧) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ:
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ٢٤ ]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، أبو زكريّا، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّقيّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٦ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن خُصَيفة بن عبد اللَّه بن يزيد الكنديّ، نُسِب لجدِّه، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠٣.
٧ - (ابْنُ قُسَيْطٍ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط -بقاف ومهملتين، مصغَّرًا- ابن أُسامة بن عُمَير الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الأعرج، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وداود بن عامر بن سعيد، وأبي الحسن مولى بني نوفل، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعُبيد بن جُريج، ومحمد بن أسامة بن زيد، ومحمد بن شُرَحبيل العبديّ، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبدُ اللَّه والقاسم، ويزيد بن عبد اللَّه بن خُصيفة ومالك،
[ ١٣ / ٢٥ ]
وأبو صخر حميد بن زياد، وعمرو بن الحارث، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، والوليد بن كثير، والليث بن سعد، وآخرون.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: مشهور عندهم، وهو صالح الروايات، وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط، وكان فقيهًا ثقةً، وكان ممن يُستعان به في الأعمال لأمانته وفقهه.
وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صالحٌ، قال أبو حاتم: قال عبد الرزاق: قلت لمالك: ما لَكَ لا تحدّثني بحديث ابن المسيِّب عن عمر وعثمان في المعاطاة؟، قال: العمل عندنا على خلافه، والرجل ليس هناك، يعني يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ؛ لأن مالكًا لم يرضه.
وتَعَقّب ابن عبد البر في "الاستذكار" كلام أبي حاتم بأن قول عبد الرزاق: إن مراد مالك بقوله: والرجل ليس هناك، يعني به يزيد بن قُسيط غلط من عبد الرزاق؛ لظنه أن مالكًا سمعه منه، وإنما سمعه مالك عنه بواسطة رجل لم يُسَمِّه، كما رواه الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عمن حدّثه عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط، قال: فإنما أراد مالك الرجل الذي كتم اسمه.
قال الحافظ: لكن ليس في رواية عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن مالك، أن بينه وبين ابن قسيط آخر، وهذا يستلزم أن يكون مالك، إنما دَلَّس، قال ابن عبد البرّ: ويزيد قد احتَجَّ به مالك في مواضع من "الموطأ"، وهو ثقة من الثقات.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، ربَّما أخطأ.
قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان ثقةً كثير الحديث، وذكر ابن حسان الزياديّ أنه بلغ تسعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٧٧) و(٩٤٥) و(١١٨٧) و(١٩٦٧) و(٢٨١٥) و(٢٨٢٠) و(٢٩٧٤).
٨ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
[ ١٣ / ٢٦ ]
٩ - (زيدُ بْنُ ثَابِت) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن قوله: "قال يحيى بن يحيى: أخبرنا"، وقال الآخرون: "حدّثنا إسماعيل بن جعفر" فيه إشارة إلى اختلاف صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، فلما كان يحيى سمع من إسماعيل بقراءة غيره عليه، قال: "أخبرنا"، ولما كان الآخرون سمعوا من لفظه، قالوا: "حدّثنا"، فقوله: "إسماعيل بن جعفر" تنازعه الفعلان قبله، فتنبّه لهذه الدقائق.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه الأربعة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد بن خُصيفة، عن ابن قُسيط، عن عطاء بن يسار.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، كان كاتب الوحي، وكان من الراسخين في العلم، وأعلم الناس بالفرائض، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم (أنه أَخْبَرَهُ) الضمير المنصوب الأول لعطاء، والثاني لابن قُسيط، أي أن عطاء بن يسار أخبر يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط (أَنَّهُ) أي عطاء، وفيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: "أني سألت إلخ" (سَأَل زيدَ بْنَ ثَابِتٍ) -﵁- (عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ؟) أي عن حكم قراء المأموم خلف إمامه (فَقَالَ) زيد -﵁- (لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ) أي من الصلوات، يعني أنه لا يُشرع للمأموم أن يقرأ خلف إمامه، وهذا مذهب زيد وطائفة، وقد خالفهم كثير من الصحابة فمن بعدهم، فأوجبوا على المأموم قراءة الفاتحة؛ تبعًا للنصوص الصحيحة الصريحة التي توجب قراءتها
[ ١٣ / ٢٧ ]
خلف الإمام، فإنها مقدّمة على رأي هؤلاء الذي لا يَعتَمِد على نصّ صحيح مرفوع، فتفطّن.
قال النوويّ -﵀-: أما قوله: "لا قراءة مع الإمام في شيء"، فيستدل به أبو حنيفة وغيره ممن يقول: لا قراءة على المأموم في الصلاة، سواء كانت سرّية، أو جهرية، ومذهبنا أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية على أصح القولين، والجواب عن قول زيد هذا من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت قول رسول اللَّه -ﷺ-: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وقوله -ﷺ-: "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن"، وغير ذلك من الأحاديث، وهي مقدَّمة على قول زيد وغيره.
والثاني: أن قول زيد محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين؛ لِيُحْمَل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة، ويؤيد هذا أنه يُسْتَحبّ عندنا، وعند جماعة للإمام أن يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وجاء فيه حديث حسن في سنن أبي داود وغيره، فيقرأ المأموم الفاتحة في تلك السكتة، فلا يحصل قراءته مع قراءة الإمام، بل في سكتته. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد قدّمنا البحث في هذه المسألة مُستوفًى في أبواب القراءة، وأن الراجح قول من أوجب الفاتحة على المصلّي مطلقًا إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا؛ لقوله -ﷺ-: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه، وقوله: "لعلّكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وهذا هو مذهب كبار الصحابة -﵃-، وهو مذهب الإمام البخاريّ، فقد قال في "صحيحه": "باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر، والسفر، وما يُجهَر فيها، وما يُخافت". انتهى. فإن أردت الاستفادة والتحقيق، فارجع إلى ما أسلفته هناك، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ ١٣ / ٢٨ ]
(وَزَعَمَ) من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس، قاله في "المصباح".
قال النوويّ -﵀-: المراد بالزَّعم هنا القول المحقَّق، والزعم يُطلَق على القول المحقَّق، والكذب، وعلى المشكوك فيه، ويُنَزَّلُ في كل موضع على ما يليق به. انتهى كلام النووي بتغيير يسير (^١).
وقال ابن منظور -﵀- ما حاصله: الزعم مثلث: الأول: القول، وقيل: هو القول يكون حقًّا، ويكون باطلًا، وقيل: الزعم الظنّ، وقيل: الكذب، وقال ابن بَريّ: الزعم يأتي في كلام العرب على أربعة أوجه:
١ - يكون بمعنى الكفالة والضمان، كقول عمر بن أبي ربيعة [من الرمل]:
قُلْتُ: كَفّي لَكِ رَهْنٌ بِالرّضَا … وَازْعُمِي يَا هِنْدُ قَالَتْ: قَدْ وَجَبْ
٢ - ويكون بمعنى الوعد، كقول عَمْرو بن شَأس [من الطويل]:
تَقُولُ: هَلَكْنا إنْ هَلَكْتَ وإنَّمَا … عَلَى اللَّه أرْزَاقُ الْعِبَادِ كَمَا زَعَمْ
وقال الهرويّ: زَعَمَ هنا بمعنى أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم بمعنى ضَمِنَ، ومنه الحديث: "الزعيم غارم" (^٢) (^٣).
٣ - ويكون بمعنى القول والذِّكْر، كقول أبي زُبَيدٍ الطائي [من البسيط]:
يَا لَهْفَ نَفْسِيَ إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا … حَقًّا وَمَاذَا يَرُدُّ الْقَوْمَ تَلْهِيفِي
٤ - ويكون بمعنى الظن، كقول عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبَة بن مسعود [من الطويل]:
فَذُقْ هَجْرَهَا قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ … رَشَادٌ ألَا يَا رُبَّمَا كَذَبَ الزَّعْمُ
قال: فهذا البيت لا يَحْتَمِل سوى الظن، وبيت عمر بن أبي ربيعة لا يَحْتَمِل سوى الضمان، وبيت أبي زُبَيد لا يحتمل سوى القول، وما سوى ذلك
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٧٦.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن غير النسائيّ، بإسناد صحيح، وفيه إسماعيل بن عيّاش، لكنَّه من روايته عن أهل بلده، وهو صحيح الحديث عنهم، فتنبه.
(٣) ذكر قول الهرويّ في "المفهم" ٢/ ١٩٩.
[ ١٣ / ٢٩ ]
على ما فُسِّرَ. انتهى كلام ابن منظور باختصار، وزيادة (^١).
(أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بفتح همزة "أن"؛ لوقوعها موقع المصدر، لأنها مفعول "زَعَمَ"، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ إنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسرِ
(﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]) مفعول "قرأ" مَحْكيّ، أي قرأت "سورة النجم" (فَلَمْ يَسْجُدْ) أي لم يسجد النَّبيّ -ﷺ- تلك السجدة.
واستنبط بعضهم من هذا الحديث أن القارئ إذا تلا على الشيخ لا يُندَب له سجود التلاوة ما لم يسجُد الشيخ، أدبًا مع الشيخ.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من تركه عدم ندبيّته، وإنما يستفاد منه أنه تركه لبيان الجواز، وقد سبق تحقيق هذا في المسألة الرابعة من الحديث الماضي، فتنبّه.
وقال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلّ على أن قوله تعالى في "سورة النجم": ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢] لا يراد منه سجود التلاوة؛ إذ لو كان له لَمَا تركه النبيّ -ﷺ-، ولذا قال مالك: إنها ليست من العزائم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول القرطبيّ هذا متعقَّبٌ بمثل ما قبله، فيقال: إن ترك النَّبيّ -ﷺ- السجود فيه إنما يدلّ على الجواز، لا على عدم المشروعيّة؛ لأنه قد ثبت أنه -ﷺ- سجد فيه، فتبصّر.
قال: وحديث أبي هريرة -﵁- في سجود النَّبيّ -ﷺ- في "الانشقاق" و"اقرأ" حجة لابن وهب، ومن قال بقوله، وقد قدّمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقرّ على ترك ذلك، ويصحّ الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصَّل بما قد رُوي عن مالك أنه خَيَّر فيها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجواب الأخير هو المعتمد، وأما قوله: "وأن العمل استقرّ على ترك ذلك" فدعوى عاطلة، لا بيّنة عليها.
وَالدَّعَاوِي إِنْ لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا … بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ
وسيأتي أنه قد ثبت العمل منه -ﷺ-، والخلفاء الراشدين كما قاله الحافظ
_________________
(١) "لسان العرب" ١٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥ بزيادة من "المفهم" ٢/ ١٩٩.
[ ١٣ / ٣٠ ]
ابن عبد البرّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت -﵁- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٣٠١] (٥٧٧)، و(البخاريّ) في "سجود القرآن" (١٠٧٢ و١٠٧٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٤٠٤ و١٤٠٥)، و(الترمذيّ) فيها (٥٧٦)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٩٦٠) وفي "الكبرى" (١٠٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٣ و١٨٦)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (٢٥١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٤٨٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٦٦ و٥٦٨)، و(ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٧٦٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٥١ و١٩٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٧٤)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤٠٩ و٤١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٤ و٣/ ٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٦٩)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": اتَّفَق ابن أبي ذئب، ويزيد بن خُصيفة في هذا الإسناد على ابن قُسَيط، وخالفهما أبو صَخْر، فرواه عن ابن قُسيط، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أخرجه أبو داود، والطبرانيّ، فإن كان محفوظًا حُمِل على أنَّ لابنِ قُسَيط فيه شيخين.
وزاد أبو صَخْر في روايته: "وصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، فلم يسجدا فيها". انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٢] (٥٧٨) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٦٤٧.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ٣١ ]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ لَهُمْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَجَدَ فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدَّم في السند الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ) ويقال: مولى الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، أبو عبد الرحمن، ثقة من [٦].
رَوَى عن زيد بن أبي عياش، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك، وإسماعيل بن أميَّة، وصفوان بن سليم، وأسامة بن ليث الرَّبَذِيُّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، فقيل له: حجة؟ قال: إذا روى عنه مالك، ويحيى بن أبي كثير، وأسامة، فهو حجة، وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن الأثير في تاريخه: مات سنة (١٤٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٤ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري، المدني، ثقة مكثر فقيه، من [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٥ - (أبو هريرة) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
[ ١٣ / ٣٢ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن مشهور بكنيته، لا اسم له غيرها، على الصحيح، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَرَأَ لَهُمْ) وفي رواية النسائيّ: "قرأ بهم" (﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾) يعني أنه صلى بهم صلاة قرأ فيها بهذه السورة (فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلم من تلك الصلاة (أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَجَدَ فِيهَا) وفي رواية البخاريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: "رأيت أبا هريرة -﵁- قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أَرَكَ تسجد؟ قال: لو لم أر النَّبيّ -ﷺ- يسجد لم أسجد".
وفي رواية له من طريق بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، عن أبي رافع، قال: "صلّيت خلف أبي هريرة -﵁- العَتَمَةَ، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم -ﷺ-، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".
وقول أبي سلمة: "ألم أرك تسجد؟ "، قيل: هو استفهام إنكار من أبي سلمة يُشْعِر بأن العمل استمَرّ على خلاف ذلك؛ ولذلك أنكره أبو رافع.
قال الحافظ -﵀-: وفيه نظرٌ، وعلى التّنَزُّل، فيمكن أن يَتَمَسَّك به من لا يَرَى السجود في الصلاة، أما تركها مطلقًا، فلا.
ويدل على بطلان المدَّعَى أن أبا سلمة، وأبا رافع لم يُنازعا أبا هريرة -﵁- بعد أن أعلمهما بالسنّة في هذه المسألة، ولا احتجّا عليه بأن العمل على خلاف ذلك.
[ ١٣ / ٣٣ ]
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: وأيُّ عَمَلٍ يُدَّعَى مع مخالفة النبيّ -ﷺ-، والخلفاء الراشدين بعده؟. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجود كلام الحافظ ابن عبد البرّ -﵀-، فقد خالف مذهبه المالكيّ في ثبوت سجود التلاوة في المفصَّل؛ لمعارضته النصوص الصحيحة، وهكذا ينبغي لمقلّدي المذاهب أن يكونوا مثله، فيقولوا إذا خالف مذهبهم النصّ الصحيح: وأيُّ قول يُدَّعى مع ثبوت النصّ الصحيح؟، وهذا هو مقتضى الإيمان الصادق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقال النبيّ -ﷺ-: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والنّاس أجمعين"، متّفقٌ عليه.
وأخرج البخاريّ في "صحيحه" عن عبد اللَّه بن هشام، قال: كنّا مع النبيّ -ﷺ-، وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبيّ -ﷺ-: "لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن، واللَّه لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبيّ -ﷺ-: "الآن يا عمر".
ورُوي عنه -ﷺ- أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، حسّنه النوويّ، وأعلّه ابن رجب، لكن يشهد له ما قبله.
والحاصل أن الواجب على المسلم إذا خالف مذهبه الحديث الصحيح، أن يتركه، ويعمل بما صحّ من النصّ، ويَعتَذِر عن إمامه بأنه لم يَصِل إليه هذا النصّ، أو وصل إليه لكن تأوّله، فتنبّه أيها العاقل؛ فإن هذا الأمر مهمّ جدًّا، وقد وقع في مخالفته كثير ممن يُظنّ فيهم الخير والصلاح، إلا أن الإنسان عُرْضة للخطأ، كما قال الإمام مالك -﵀-: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
[ ١٣ / ٣٤ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٠/ ١٣٠٢ و١٣٠٣ و١٣٠٤ و١٣٠٥ و١٣٠٦ و١٣٠٧ و١٣٠٨ و١٣٠٩) (٥٧٨)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٦٦ و٧٦٨) و"سجود القرآن" (١٠٧٤ و١٠٧٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٤٠٨)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٩٦١ و٩٦٢ و٩٦٣ و٩٦٤ و٩٦٥ و٩٦٦ و٩٦٧ و٩٦٨) وفي "الكبرى" (١٠٣٣ و١٠٣٤ و١٠٣٥ و١٠٣٦ و١٠٣٧ و١٠٣٨ و١٠٣٩ و١٠٤٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٠٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٤٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٥٣ و١٩٥٤ و١٩٥٥ و١٩٥٦ و١٩٥٧ و١٩٥٨ و١٩٥٩ و١٩٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٧٥ و١٢٧٦ و٢١٧٧ و١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٨٠ و١٢٨١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٥٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٦١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٦٧)، واللَّه -﷿- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى (^١)، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت بعد ٢٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١.
٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "عيسى بن يونس".
[ ١٣ / ٣٥ ]
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ إمامٌ [٧] (١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قبل حديثين.
٥ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٦ - (هِشَام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائي مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم الياميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (١٣٢) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ) أي الأوزاعيّ وهشام الدستوائيّ.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث عبد اللَّه بن يزيد، عن أبي سلمة.
[تنبيه]: أما رواية هشام الدستوائيّ، فساقها البخاريّ -﵀-، فقال:
(١٠٧٤) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن فَضَالة قالا: أخبرنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: رأيت أبا هريرة -﵁- قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أَرَكَ تسجد؟ قال: لو لم أر النبي -ﷺ- يَسجُد لم أسجد. انتهى.
ورواية الأوزاعيّ لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٣ / ٣٦ ]
هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمام حجةٌ، رأس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى المكيّ الأمويّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) -بكسر الميم، والمدّ، ويُقصَر- أبو معاذ المدنيّ، أو البصريّ، صدوقٌ [٣] تقدم في "الإيمان" ٧٧/ ٣٩٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مُهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجّة الثبت الفقيه [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
[ ١٣ / ٣٧ ]
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، يُرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) الزهري مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مُفتٍ عابدٌ رُمي بالقدر [٤] (ت ١٣٢) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مَوْلَى بَنى مَخْزُومٍ) هو: عبد الرحمن بن سَعْد، أبو حُميد المدنيّ الْمُقْعَد، مولى بني مخزوم، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي سَرِيحة، حُذيفة بن أسيد الغِفَاريّ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي هريرة.
ورَوَى عنه صفوان بن سُليم، والزهريّ، وابن أبي ذئب، وأبو الأسود يتيم عروة.
قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو داود: روى عنه الزهريّ، وابن أبي ذئب حديثًا غريبًا، وقال النسائيّ: ثقةٌ. رَوَى له مسلم حديثًا واحدًا في السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، ووقع عنده عن الأعرج، مولى بني مخزوم، فذكره أبو مسعود الدمشقيّ في ترجمة عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج؛ فوهم لأن ابن هُرْمز مولى بني هاشم، وفَرَّق بينهما الدارقطنيّ، قال الْمِزّيّ: وقد فرَّق غير واحد بين هذا وبين مولى الأسود بن سفيان المذكور قبله، والأسود بن سفيان مخزوميّ، فَيَحْتَمِل أن يكونا واحدًا. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: قول الْمِزّيّ: إن أبا مسعود ذكر الحديث في ترجمة عبد الرحمن بن هُرْمُز مع كونه ذكر صفوان بن سُليم هنا في الرواية عن عبد الرحمن بن سَعْد مغاير لما جزم به في "الأطراف"، فعقد لعبد الرحمن بن سعد الأعرج مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة ترجمةً، وذكر فيها حديث السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وهو هذا، فقد ذكر على الصواب هنا، لكنه ذكره في ترجمة عبد الرحمن بن هُرمز من وجه آخر، فعقد لعبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة ترجمةً، وأورد هذا الحديث فيها، وأقرَّه المزيّ، وأقرّه أبو عليّ الجيانيّ بأن الأعرج المذكور هو ابن سعد، لا ابن هرمز، والجيانيّ معذور؛ لأن مسلمًا أخرج الحديث من رواية صفوان بن سُليم، فقال: عن عبد الرحمن الأعرج، مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة، ثم
[ ١٣ / ٣٨ ]
ساقه، من طريق عبيد اللَّه بن أبي جعفر، فقال عن عبد الرحمن الأعرج، والظاهر أن الثاني هو الأول.
ويؤيده أن الدارقطنيّ جزم في "العلل" أن ابن هُرْمُز لم يرو هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعًا، إنما رواه عن أبي هريرة، عن عمر موقوفًا، والذي رواه عن أبي هريرة، مرفوعًا هو عبد الرحمن بن سعد، واللَّه أعلم، وقال الأزديّ: عبد الرحمن بن سعد فيه نظر. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
وقال النووي -﵀-: قال الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين" في آخر ترجمة أبي هريرة: الأعرجُ الأَوَّل، مولى بني مخزوم، اسمُهُ عبد الرحمن بن سعد الْمُقْعَد، وكنيته أبو حُميد، وذكره البخاريّ في الكنى المجرّدة، وهو قليل الحديث، وأما عبد الرحمن الأعرج الآخر، فهو ابن هُرْمُز، كنيته أبو داود، مولى ربيعة بن الحارث، وهو كثير الحديث، وروى عنه جماعات من الأئمة، قال: وقد أخرج مسلم عنهما جميعًا في سجود القرآن، قال: فرُبَّما أشكل ذلك، قال: فمولى بني مخزوم يَرْوِي ذلك عنه صفوان بن سُليم، وأما ابن هُرْمُز فيروي ذلك عنه عبيد اللَّه بن أبي جعفر، هذا كلام الحميديّ (^٢)، قال النوويّ: وهو مَلِيحٌ نَفِيسٌ، وكذا قال الدارقطنيّ: إن الأعرج اثنان، يرويان عن أبي هريرة، أحدهما وهو المشهور، عبد الرحمن بن هرمز، والثاني عبد الرحمن بن سعد مولى بني مخزوم، وهذا هو الصواب، وقال أبو مسعود الدمشقيّ: هما واحد، قال أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ: الصواب قول الدارقطنيّ، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول النوويّ: وكذا قال الدارقطنيّ إلخ فيه نظرٌ؛ لأنه يوهم أن رأي الدارقطنيّ مثل رأي الحميديّ في حديث الباب، والصَّواب أن الحميديّ يرى أن الأعرج الأول عند المصنّف هو مولى بني مخزوم، وأما
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٥١١.
(٢) راجع: "الجمع بين الصحيحين" ٣/ ٨٧ وص ٣٢٢.
(٣) "شرح النوويّ" ٥/ ٧٧ - ٧٩ بزيادة من "الجمع بين الصحيحين" للحميديّ ٣/ ٨٧ و٣٢٢.
[ ١٣ / ٣٩ ]
الثاني فهو ابن هُرمُز، فالحديث عند المصنّف عنهما جميعًا، وليس كذلك عند الدارقطنيّ، فإنه وإن كان يرى كون الأعرج اثنين، إلا أن الذي رواه عنه صفوان بن سُلَيم في السند الأول عند المصنّف هو الأعرج الثاني الذي روى عنه عبيد اللَّه بن أبي جعفر، ودونك عبارة الدارقطنيّ في "العلل" (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٦):
(١٥٣٤) وسئل عن حديث عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "سجد رسول اللَّه -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ "، فقال: يرويه الزهري، وصفوان بن سُليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعُمَر بن صُبْح عن صفوان بن سُليم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبَيَّن نسبه قُرّةُ بن عبد الرحمن، رواه عن الزهريّ وصفوانَ بنِ سُليم، عن عبد الرحمن بن سَعْد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حُميد، وليس بعبد الرحمن الأعرج، صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبد الرحمن بن هُرْمز، يكنى أبا داود، وهما أعرجان، وجميعًا يرويان عن أبي هريرة، وأما عبد الرحمن بن هُرْمز، فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة، أن عمر سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، رَوَى ذلك عنه مالك، ومعمر، ويونس، وغيرهم، عن الزهري، حدَّث به عُمَر بن شَبَّة، عن أبي عاصم، عن مالك، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبيّ -ﷺ- سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، ووَهِمَ فيه عُمر بن شَبَّة وَهَمًا قبيحًا، والصَّواب عن مالك ما رواه الثقات عنه، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن عمر سجد. انتهى عبارة الدارقطنيّ -﵀- في "العلل" (^١).
وكتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ -﵀- بعد كلام الدارقطنيّ المذكور ما نصّه: وأمَّا أبو مسعود الدمشقيّ، فجعله من حديث عبد الرحمن بن هُرْمُز، صاحب أبي الزناد، وذكره في كتاب "الأطراف" في موضعين: في حديث صفوان، وفي حديث عبيد اللَّه بن أبي جعفر، كلاهما عن عبد الرحمن بن هُرْمُز، رَكِبَ طريق الْمَجَرَّة (^٢)، وقول أبي الحسن أولى بالصواب -إن شاء اللَّه تعالى-.
_________________
(١) "العلل" ٨/ ٢٢٤ - ٢٢٦.
(٢) كناية عن الطريق المشهور.
[ ١٣ / ٤٠ ]
روى ابن وهب في "موطّئه" عن قُرّة، عن ابن شهاب، وصفوان بن سُليم، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، قال: سجدتُ مع النبيّ -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدتين.
ذكره ابن يحيى الذُّهْليّ في كتاب "علل حديث الزهري" في تسمية من روى عنه الزهري من العرب: عبد الرحمن بن سعد، قال: وهو يقال له: الْمُقْعَدُ، له حديثان: أحدهما في السجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، رواه قُرّة -يعني ابن عبد الرحمن- والآخر عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ في العشر الآيات قبل الساعة، ولكن رواه من لا يُعتدّ به.
هكذا جعله الذُّهليّ في العرب، ولم يجعله في الموالي، وذكره الذّهليّ في موضع آخر من الكتاب، وكناه أبا حُميد، وكذلك كناء أبو الحسن الدارقطنيّ. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الراجح أن عبد الرحمن الأعرج في إسنادي المصنّف هنا، أعني هذا الإسناد، والإسناد التالي هو مولى بني مخزوم، لا عبد الرحمن بن هُرْمُز، كما قاله الدارقطنيّ، وتبعه الجيّانيّ، وأيّده الحافظ كما تقدَّم عن "التهذيب".
وبهذا يتبيّن أن جعل الحميديّ عبد الرحمن الأعرج الثاني هو ابن هُرْمُز، وإن كان محتمِلًا، إلا أن ما قاله الدارقطنيّ أرجح.
والحاصل أن الذي يظهر كون عبد الرحمن الأعرج في هذا السند والسند التالي هو ابنَ سعد مولى بني مخزوم، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا (^٢) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِثْلَهُ).
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٩.
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٣ / ٤١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) المصريّ، أبو بكر الفقيه، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أُمية، واسم أبي جعفر يسار، ثقةٌ عابدٌ [٥].
رَأَى عبد اللَّه بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، ورَوَى عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأبي الأسود، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وبكير بن الأشج، وعبد الرحمن الأعرج، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.
وَرَوَى عنه ابن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، والليث، وحَيْوة بن شُريح، وأبو شُريح عبد الرحمن بن شريح، وخالد بن حُميد المهريّ، وابن لهيعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان يتفقه ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، مثلُ يزيد بن أبي حبيب، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن سعد: ثقةٌ فقيهُ زمانه، وقال ابن يونس: كان عالِمًا عابدًا زاهدًا، وقال العجليّ: عبد اللَّه بن أبي جعفر مصريّ ثقةٌ، وأخوه عبيد اللَّه لا بأس به، ونقل صاحب "الميزان" عن أحمد أنه قال: ليس بقويّ (^١).
وقال أبو شُريح: عبد الرحمن بن شُريح، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر: غزونا القسطنطينية، فكُسِر بنا مركبنا، فألقانا الموج على خشبة في البحر،
_________________
(١) هذا محل نظر، فقد سبق أن أحمد قال: ليس به بأس، إلا أن يكون قولان، فتأمل.
[ ١٣ / ٤٢ ]
وكنا خمسةً أو ستةً، فأنبت اللَّه لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا، فكنا نَمُصّها، فتشبعنا وتُرْوينا، فإذا أفنينا أنبت اللَّه لنا مكانها أخرى، حتى مَرّ بنا مركبٌ، فحملنا.
قال ابن لهيعة وغيره: ولد سنة ستين، وقال يحيى بن بكير: تُوُفِّي بعد دخول المسوِّدة، زاد غيره: في ذي الحجة سنة (١٣٢)، وقال خليفة: مات سنة (٤)، وقال أبو حسان الزياديّ: سنة (٥)، وقال ابن سعد: سنة خمس، أو ست وثلاثين ومائة، وقال ابن يونس وغيره: سنة (٣٦)، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٥٧٨) و(٨٤٧) و(١٠٤٠) و(١١٤٧) و(١٥٩١) و(١٨٢٦) و(١٨٥١) و(٢٢٥٣).
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) تقدَّم أن الأرجح، كما قال الدارقطنيّ، وتبعه الجيّانيّ، وأيّده الحافظ أنه ابن سعد، مولى بني مخزوم المذكور في السند السابق، وليس هو ابن هُرْمُز، أبا داود المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢، وإن كان مُحتملًا، كما هو رأي الحميديّ، وتبعه النوويّ، إلا أن الأول أظهر، كما سبق بيانه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث صفوان بن سُليم، يعني أن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، روى عن عبد الرحمن الأعرج مثل رواية صفوان بن سُليم، عنه في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية صفوان بن سُليم، عنه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٥٢٤) فقال:
(١٩٥٩) حدّثنا الربيع بن سليمان، وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سجدت مع رسول اللَّه -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدتين. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٣ / ٤٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (^١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ (^٢) السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَلَا أَزَالُ أَسْجُدهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سُليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١٠٥.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرخان التيميّ، أبوالمعتمر، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (بَكْر) بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (خت م ٤) تقدَّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٢.
٦ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيعٌ الصَّائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبت مشهورٌ بكنيته [٢] (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد صيغتي أدائهما، وفيه التحديث، والعنعنة.
_________________
(١) زاد في نسخة: "العنبريّ".
(٢) وفي نسخة سقطت لفظة "له".
[ ١٣ / ٤٤ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه، وثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: سليمان التيميّ، عن بكر، عن أبي رافع.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نفيع الصائغ، أنه (قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ) -﵁- (صَلَاةَ الْعَتَمَةِ) بفتحات، قال الفيّوميّ -﵀-: "الْعَتَمَة: من الليل بعد غَيْبُوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول، وعَتَمَة الليل: ظلام أوله عند سُقُوط نور الشفق، وأعتم: دخل في الْعَتَمة، مثلُ أصبح: دخل في الصباح. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد ورد النهي عن تسمية العشاء بالعتمة، فسيأتي للمصنّف من حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تَغْلِبَنَّكم الإعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعْتمون بالإبل".
وأجيب بحمل النهي على التنزيه، وسيأتي تمام البحث في شرح الحديث المذكور-إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَسَجَدَ فِيهَا) أي سجد أبو هريرة -﵁- في هذه السورة لأجل تلاوته آية سجدة (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟) استفهام إنكاريّ، وفي رواية النسائيّ: "فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة هذه -يعني سجدة- ما كنا نسجدها"، أي إن هذه السجدة التي سجدتها في هذه السورة لم نكن نسجدها مع غيرك من الأئمة.
فقوله: "هذه" مبتدأ، خبره جملة قوله: "ما كنا نسجدها" وقوله: "يعني سجدةً" هذه العناية من بعض الرواة بَيَّنَ بها المراد من اسم الإشارة.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٢.
[ ١٣ / ٤٥ ]
(فَقَالَ) أبو هريرة -﵁- (سَجَدْتُ بِهَا) أي بسبب تلاوة آية السجدة منها (خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-) وفي رواية النسائي: سجد بها أبو القاسم -ﷺ-، وأنا خلفه، والمراد أنه سجد بها في الصلاة، وليس في رواية البخاري قوله: "وأنا خلفه"، ولذا اعترض ابن المنيّر، فقال: لا حُجّة فيها على مالك؛ حيث كَرِهَ السجدة في الفريضة -يعني في المشهور عنه- لأنه ليس مرفوعًا.
فتعقَّبه الحافظ، فقال: وغَفَل عن رواية أبي الأشعث، عن معتمر بهذا الإسناد بلفظ: "صليت خلف أبي القاسم، فسجد بها". أخرجه ابن خزيمة، وكذلك أخرجه الْجَوْزقيّ من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمىّ، بلفظ: "صليت مع أبي القاسم، فسجد بها". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للحافظ أن يعزو هذه الرواية إلى المصنّف، أو يذكره معهم؛ لأن المعروف إذا كان الحديث في "الصحيحين" أو أحدهما أن يُعزى إليهما، أو إلى أحدهما، أو يذكرا مع غيرهما، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:
قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ … وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ
إِذَا الْحَدِيثُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" يَرِدْ … أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ
فَعَزْوه لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ … إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ
(فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) وفي رواية النسائيّ: "حتى ألقى أبا القاسم -ﷺ-"، أي حتى أموت؛ لأنه لا يلقاه إلا بعد الموت (وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) أي محمد بن عبد الأعلى شيخه الثاني (فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا) أي بدل قول عبيد اللَّه: "فلا أزال أسجد بها".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا الحديث حجة لمن قال بمشروعية السجود في الصلاة المفروضة، وقد اختلف العلماء في ذلك.
فذهب الجمهور إلى مشروعيته في الصلاة مطلقًا، وهو الراجح؛ لحديث الباب وغيره.
وذهب بعضهم إلى كراهته في الفريضة، وهو المشهور عن مالك، وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول للحنفية، وغيرهم.
[ ١٣ / ٤٦ ]
وذهب بعضهم إلى أنه لا يسجد في الفرض، فإن سجد فسدت الصلاة به، ذكره الشوكاني عن بعض الزيدية.
وكل هذه الأقوال ساقطة محجوجة بما صح عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه سجد في الفريضة، فتبصّر.
وفيه تكنية النبيّ -ﷺ- بأبي القاسم، وقد ورد النهي عن التكنيّ به لغيره -ﷺ-، وسيأتي البحث فيه في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بنُ أَخْضَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حُسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٤ - (سُلَيم بن أخضر) البصري، ثقة ضابط [٨].
روى عن ابن عون، وعكرمة بن عمار، وسليمان التيميّ، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٣ / ٤٧ ]
ورَوَى عنه ابن مهدي، وعفان، والأصمعيّ، وحُميد بن مَسْعدة، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: من أهل الصدق والأمانة، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: أعلم الناس بحديث ابن عون، وقال سليمان بن حرب: ثنا سُلَيم بن أخضر الثقة المأمون الرضيّ، وقال القواريريّ: ثنا سُلَيم بن أخضر، وكان في ابن عون كحماد بن زيد في أيوب، وقال ابن سعد: كان ألزمهم لابن عون، وكان ثقة، وقال أبو القاسم الطبريّ: بصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: يروي عن حميد الطويل، وابن عون، مات سنة (١٨٠) وكذا أرخه خليفة، وزكريا الساجيّ.
أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥٧٨) و(١٢٦٢) و(١٦٣٣) و(١٧٣٠) و(١٨٦٢).
والباقون ذُكروا في الباب، و"التيميّ": هو سليمان والد المعتمر.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) الضمير لعيسى بن يونس، ويزيد بن زريع، وسُليم بن أخضر، يعني أن هؤلاء الثلاثة رووا عن سليمان التيميّ، بسنده الماضي، وهو: عن بكر المزنيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس التي أحالها هنا على رواية المعتمر، ساقها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (١١/ ٣٦٤) فقال:
(٦٤٧٦) حدّثنا عمرو بن محمد الناقد، حدّثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، حدّثنا سليمان التيميّ، عن بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، عن أبي رافع، قال: صلّيت مع أبي هريرة صلاة العشاء، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فقلت له، فقال: سجد بها أبو القاسم -﵇- وأنا معه، فقال التيميّ: أو قال: سجدت بها مع أبي القاسم -ﷺ-، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم -ﷺ-. انتهى.
وأما رواية يزيد بن زريع، فساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٧٦٨) حدّثنا مسدَّد، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: حدّثني التيميّ، عن بكر، عن أبي رافع، قال: صلّيت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ
[ ١٣ / ٤٨ ]
انْشَقَّتْ (١)﴾، فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم -ﷺ-، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. انتهى.
وأما رواية سُليم بن أخضر، فساقها النسائيّ -﵀- في "سننه"، فقال:
(٩٦٨) أخبرنا حميد بن مَسْعدة، عن سُلَيم، وهو ابن أخضر، عن التيميّ، قال: حدَّثني بكر بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ، عن أبي رافع، قال: صلّيت خلف أبي هريرة صلاة العشاء، يعني العتمة، فقرأ سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة، هذه -يعني سجدة- ما كنا نسجدها، قال: سجد بها أبو القاسم -ﷺ-، وأنا خلفه، فلا أزال أسجُد بها حتى ألقى أبا القاسم -ﷺ-. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَسْجُدُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَقُلْتُ: تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ خَلِيلِي -ﷺ- يَسْجُدُ فِيهَا، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: النَّبِيُّ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسمه مَنِيع، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٤] (ت ١٣١) (خ م د س ق) تقدم في "الطهارة" ٢١/ ٦٢٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قُلْتُ: النَّبِيَّ -ﷺ-؟) يعني أن مراد أبي هريرة -﵁- بقوله: "خليلي" هل هو النبيّ -ﷺ-؟، قال عطاء: نعم هو المراد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم شرحه، والمسائل المتعلّقة به قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٣ / ٤٩ ]