وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤١] (٤١٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، وَهُمْ (^٢) يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ
_________________
(١) نصّ ترجمة النوويّ -﵀-: "باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، من مرض وسفر، وغيرهما، من يصلي بالناس، وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حقّ من قدر على القيام". انتهى. والغريب من النوويّ وتبعه بعض الشّرّاح أنه زاد في هذه الترجمة على ما يدلّ عليه أحاديث الباب قوله: "وأن من صلّى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حقّ من قدر على القيام". انتهى. وهذا الذي زاده ليس في أحاديث الباب ما يدلّ عليه صريحًا، وإنما سرى له من تأثّره بمذهبه الشافعيّ، حيث تأول الشافعي ومن تبعه، كالحميديّ أحاديث الباب بأنها ناسخة لأحاديث الباب الماضي، وقد عرفت أن المحقّقين من فقهاء المحدثين، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن حبّان، وابن المنذر، وابن حجر العسقلانيّ ردّوا دعوى النسخ، وقالوا: لا دليل على النسخ، بل يُجمع بين أحاديث البابين بالوجه الذي سبق بيانه في شرح أحاديث الباب السابق، وهذا الذي قالوه هو الأرجح؛ عملًا بالأحاديث كلها دون تعارض، ودعوى النسخ، أو الترجيح يؤدي إلى ترك العمل ببعضها دون حاجة، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) وفي نسخة: "هم" بدون واو.
[ ١٠ / ٨٧ ]
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، قَالَتْ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ (^١)، وَقَالَ لَهُمَا: "أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ"، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي، وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ (^٢) -ﷺ-؟ فَقَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ، وقد يُنْسَب إلى جدّه، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "أن لا تتأخَّرْ".
(٢) وفي نسخة: "النبيّ -ﷺ-".
[ ١٠ / ٨٨ ]
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ صاحب سُنّة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْمَخْزوميّ الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، مولى آل جَعْدة بن هُبَيرة، ثقةٌ عابدٌ [٥].
رَوَى عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وعمرو بن الحارث، يقال: مرسل، وسليمان بن صُرَد، يقال: مرسل، وسعيد بن جبير، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، ويحيى بن الجزار، وعبد اللَّه بن أبي رَزِين الأسديّ، وعمرو بن شعيب، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، وإسرائيل، وأبو إسحاق الفزاريّ، وزائدة، والسفيانان، وأبو عوانة، وعَبِيدة بن حُميد، وجرير بن عبد الحميد، وآخرون.
قال عليّ ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان الثوريّ يحسن الثناء عليه، وقال الحميديّ، عن ابن عيينة: حدّثنا موسى بن أبي عائشة، وكان من الثقات، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال محمد بن حُميد عن جرير: كنت إذا رأيت موسى ذكرت اللَّه تعالى لرؤيته، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تُرِيبني رواية موسى بن أبي عائشة حديثَ عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه في مرض النبيّ -ﷺ-.
قال الحافظ: عَنَى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ، وقال البخاريّ، وابن حبان: رأى عَمْرَو بن حُرَيث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٨) و(٤٤٨) وأعاده بعده، و(٢٢١٣).
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
[ ١٠ / ٨٩ ]
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير عبيد اللَّه وعائشة، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه، وموسى هذا أول محل ذكرهما في الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلّ منهما من الحديث فيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن عبيد اللَّه أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عُتبة أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) -﵂- (فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة عرض وتحضيض، ومعناهما طلبُ الشيء، لكن الْعَرضُ طلبٌ برفق، والتحضيض طلب بحَثّ، فمعنى قوله: (أَلَا تُحَدِّثِينِي) أي حدّثيني (عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟) قال في "القاموس": "الْمَرَضُ": إظلامُ الطبيعة، واضطرابها بعد صفائها واعتدالِهَا، مَرِضَ، كفَرِحَ مَرَضًا -بالتحريك- ومَرْضًا -بسكون الراء-، فهو مَرِضٌ، ومَرِيضٌ، ومارضٌ، وجمعه مِرَاضٌ، ومَرْضَى، ومَرَاضَى، أو الْمَرْضُ -بفتح، فسكون-: للقلب خاصّةً، وبالتحريك، أو كلاهما الشكّ، والنفاق، والفُتُور، والظلمة، والنُّقْصَانُ. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": مَرِضَ الحيوانُ مَرَضًا، من باب تَحِبَ، و"الْمَرَضُ": حالةٌ خارجة عن الطبع، ضَارّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام والأَوْرَامَ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٤٤.
[ ١٠ / ٩٠ ]
أعراضٌ عن المرض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرَجَ به الإنسان عن حدّ الصِّحّة، من عِلّةٍ، أو نِفاقٍ، أو تقصير في أمرٍ، ومَرِضَ مَرْضًا لغةٌ قليلةُ الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عَمْرو بن العلاء: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فقال لي: مَرْضٌ يا غلام، أي بالسكون، والفاعل من الأولى: مريضٌ، وجمعه مَرْضى، ومن الثانية: مارضٌ، قال:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلَا بِمَارِضٍ (^١)
والمراد بالمرض هنا مرض النبيّ -ﷺ- الذي تُوفّي فيه.
(قَالَتْ: بَلَى) هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، كالمثال المذكور، أو في أثنائه، كقوله -﷿-: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٢).
(ثَقُلَ النَّبِيُّ -ﷺ-) أي اشتدّ به مرضه، يقال: ثَقُل في مرضه -بفتح الثاء المثلّثة، وضمّ القاف، من باب صَغُرَ-: إذا تناهى في الضعف، ورَكَدت أعضاؤه عن خفّة الحركة، حتى لا تكاد رجلاه تحمله، وقال في "اللسان": وثَقُل الرجل ثِقَلًا، فهو ثَقِيلٌ، وثاقل: اشتدّ مرضه، يقال: أصبح فلانٌ ثاقلًا: أي أثقله المرض، قال لبيد [من الطويل]:
رَأَيْتُ التُّقَى وَالْحَمْدَ يَخْرَ تِجَارَةٍ … رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
أي ثقيلًا من المرض، قد أدنفه، وأشرف على الموت، ويُروَى: ناقلًا، أي منقولًا من الدنيا إلى الأخرى، وقد أثقله المرض والنوم. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
(٣) "لسان العرب" ١١/ ٨٨.
[ ١٠ / ٩١ ]
(فَقَالَ) -ﷺ- ("أَصَلَّى النَّاسُ؟ ") الهمزة للاستفهام والاستخبار (قُلْنَا) القائل عائشة -﵂-، ومن كان حاضرًا في البيت (لَا) أي لم يصلّوا (وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة: "هم" بدون واو، والجملة في محلّ نصب على الحال من الضمير الواقع في مضمون "لا"؛ إذ أصلها لم يُصلّوا، حال كونهم منتظرين لك؛ لتصلّي بهم (قَالَ) -ﷺ- ("ضَعُوا لِي) أمر من الوضع (مَاءً فِي الْمِخْضَبِ") -بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، آخره باء موحّدة-: هو الْمِرْكَن، وهو الإِجّانَةُ (^١).
(فَفَعَلْنَا) أي ما أمرنا به من الماء في الْمِخْضب (فَاغْتَسَلَ) حمله بعضهم على الوضوء، وبعضهم على الغسل الكامل، وهو الأصحّ، كما سيأتي بيانه (ثُمَّ ذَهَبَ) أي أخذ وشرع (لِيَنُوءَ) أي لينهض بجُهد، قال الكرمانيّ: ينوء، كيقوم وزنًا ومعنًى. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس": نَاءَ نَوْءًا، وتَنْوَاءً: نَهَضَ بِجَهْد ومشقّةٍ، وبالحمل: نَهَضَ مُثْقَلًا، وبه الحملُ: أثقله، وأماله، كأناءه، وفلانٌ: أُثْقِلَ فسَقَطَ، ضِدٌّ. انتهى (^٣).
(فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، من الإغماء رباعيّا، ويقال أيضًا: غُمِي عليه ثلاثيًّا، قال في "المصباح": وغُمي على المريض ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول، فهو مَغْمِيٌّ عليه، على مفعول، قاله ابن السِّكِّيت وجماعة، وأُغْمِي عليه إغماءً بالبناء للمفعول أيضًا، والإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سَهْوٌ يَلْحَقُ الإنسان مع فُتُور الأعضاء لِعِلّة. انتهى (^٤).
_________________
(١) "الْمِرْكنُ" بكسر، فسكون: الإِجّانة، وهو بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناءٌ تُغسل فيه الثياب، جمعه أَجَاجين، والإِنْجانة -بالنون- لغة تمتنع الفصحاء من استعمالها، قاله في "المصباح المنير" ١/ ٦.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٣١٥.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٣١.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٨ و٤٥٤ في مادتي "غُمي" و"غُشي".
[ ١٠ / ٩٢ ]
وفيه جواز الإغماء على الأنبياء -﵈- لأنه شَبيه بالنوم، وقال النوويّ -﵀-: لأنه مرضٌ من الأمراض، بخلاف الجنون، فإنه لم يجُز عليهم؛ لأنه نقصٌ، وقال العينيّ -﵀-: العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوبًا. انتهى (^١).
(ثُمَّ أَفَاقَ) أي رجع إليه -ﷺ- عقله بعد الغيبوبة (فَقَالَ) -ﷺ- ("أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ) أي يقوم (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ) بضم العين: جمع عاكف، يقال: عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من بابي قَعَدَ، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه، وقُرئ بهما في السبعة قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٨]، وعَكَفْتُ الشيءَ أَعْكُفُه بالضمّ، وأعْكِفه بالكسر: حبسته، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرّفات العاديّة، وعَكَفته عن حاجته: منعتُهُ، قاله في "المصباح" (^٢).
والمعنى: أنهم ملازمون المسجد لأداء الصلاة معه -ﷺ-، وهذه الجملة قالتها عائشة -﵂- عند روايتها لعُبيد اللَّه، لا أنها قالتها للنبيّ -ﷺ-، ولهذا أتى عبيد اللَّه بلفظة: "قالت".
(يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال مما قبلها، فتكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
(قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) "أن" مصدريّة، واللام مقدّرة، أي لأن يصلّي بهم، أو مفعول لـ "أرسل" على تضمينه
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٣١٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٤.
[ ١٠ / ٩٣ ]
معنى "طلب"، أي طلب منه الصلاة بالناس (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أي بلال -﵁-، كما بُيّن في الرواية الأخرى (فَقَالَ) لأبي بكر -﵁- (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) -﵁-، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا) جملة معترضة بين القول ومقوله، بيّن بها سبب صرفه أمر النبيّ -ﷺ- عنه إلى عمر -﵁-.
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "رقيقًا" أي رقيق القلب، كثير الخشية، سريع الدَّمعة، وهو الأسيف أيضًا في الحديث الآخر، وحالة الحزين غالبًا الرقّة، والأسيف في غير هذا: العبد، والأسيف أيضًا: الغضبان. انتهى (^١).
(يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ) قال السنديّ -﵀-: وكأن أبا بكر -﵁- رأى أن أمره -ﷺ- بذلك كان تكرّمًا منه له، والمقصود أداء الصلاة بإمام، لا تعيينُ أنه الإمام، ولم يَدْرِ ما جرى بينه -ﷺ-، وبين أزواجه (^٢) في ذلك، وإلا لما كان له تفويض الإمامة إلى عمر. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح" ما معناه: لم يُرِدْ أبو بكر -﵁- بهذا القول ما أرادت عائشة -﵂- يعني ما يأتي أنها أرادت أن يصرف -ﷺ- الإمامة عن أبي بكر؛ لئلا يتشاءم الناس به لو مات النبيّ -ﷺ-، كما يأتي بعد حديثين -وقال النوويّ -﵀-: تأوله بعضهم على أن أبا بكر قاله تواضعًا، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيق القلب، كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس. انتهى.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون -﵁- فَهِمَ من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعَلِم ما في تحمُّلها من الخطر، وعَلِم قُوّة عمر على ذلك، فاختاره، ويؤيِّده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه، أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجرّاح.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٠.
(٢) يعني ما جرى بين عائشة وحفصة -﵄-.
(٣) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٢/ ١٠١ - ١٠٢.
[ ١٠ / ٩٤ ]
والظاهر أنه لم يَطَّلِع على المراجعة المتقدمة، وفَهِم من الأمر له بذلك تفويضَ الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه، أو استَخْلَف (^١).
وقال القرطبيّ: ويستفاد منه أن للمستَخلَف في الصلاة أن يَستَخْلِف، ولا يتوقفُ على إذن خاصّ له بذلك. انتهى (^٢).
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبيد اللَّه أي ناقلًا عن عائشة (فَقَالَ عُمَرُ) -﵁- (أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ) أي بأن تصلّي بالناس؛ لأمر رسول اللَّه -ﷺ- إياك به (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ) أي أيام مرض النبيّ -ﷺ-، وانقطاعه عن المسجد.
واستُدلّ به على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بهم قاعدًا؛ لأنه -ﷺ- استَخْلَف أبا بكر -﵁-، ولم يُصلّ بهم قاعدًا غير مرّة واحدة، قاله في "الفتح" (^٣).
(ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) أي خفّة المرض عنه (فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ) وسيأتي في رواية الأسود، عن عائشة: "فقام يُهادَى بين رجلين" (أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب عم النبيّ -ﷺ- المتوفّى سنة (٣٢)، أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنة، وقد تقدّمت ترجمته في "كتاب الإيمان" ١٣/ ١٥٩، والرجل الآخر هو علي بن أبي طالب -﵁-، كما يأتي قريبًا.
وقال في "الفتح" ما حاصله: وقع في رواية عاصم، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة: "فخَرَج بين بريرة ونُوبة"، قال: ويُجمَع -كما قال النوويّ- بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعليّ، أو يُحْمَل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية الدارقطنيّ أنه خرج بين أُسامة بن زيد والفضل بن العباس، وأما ما في
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٨١.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٠.
(٣) ٢/ ٤٠٢.
[ ١٠ / ٩٥ ]
مسلم (^١) أنه خرج بين الفضل بن العباس وعليّ، فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة -﵂-.
[تنبيه]: "نُوبة" -بضم النون، وبالموحدة- ذكره بعضهم في النساء الصحابيّات، فوَهِمَ، وإنما هو عبد أسود، كما وقع عند سيف في "كتاب الردّة"، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في "صحيح ابن خزيمة" بلفظ: "خرج بين بريرة ورجل آخر". انتهى (^٢).
وقوله: (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) قال في "الفتح": هو صريحٌ في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدلّ بقوله في رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عبّاس: "وأخذ رسول اللَّه -ﷺ- القراءة من حيث بلغ أبو بكر. . . "، هذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسنٌ، لكن في الاستدلال به نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون سمع من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصّةً، وقد كان -ﷺ- يُسمِع الآية أحيانًا في الصلاة السرّيّة، كما سيأتي من حديث أبي قتادة -﵁-.
ثم لو سُلِّم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يَحْتَمِلُ أن تكون المغرب، فقد ثبت في "الصحيحين" عن أمّ الفضل بنت الحارث -﵂- قالت: "سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾، ثم ما صلّى لنا بعدها حتى قبضه اللَّه"، وهذا لفظ البخاريّ، قال الحافظ: لكن وجدت بعدُ في النسائيّ أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل، كانت في بيته، وقد صَرَّح الشافعيّ بأنه -ﷺ- لم يُصَلِّ بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرةً واحدةً، وهي هذه التي صلّى فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أوّلًا إمامًا، ثم صار مأمومًا، يُسمِع الناسَ التكبيرَ. انتهى (^٣).
_________________
(١) أراد به ما في الحديث التالي لهذا الحديث، فإن فيه: "فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد له على رجل آخر".
(٢) "الفتح" ٢/ ١٨١.
(٣) "الفتح" ٢/ ٢٠٥.
[ ١٠ / ٩٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب كون تلك الصلاة هي الظهر لا الصبح؛ لتصريح هذه الرواية بذلك، واللَّه تعالى أعلم.
(وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ) أي علم بحضوره -ﷺ-، ففي رواية الأسود، عن عائشة الآتية: "فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسّه، ذهب يتأخّر"، وفي رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عبّاس في هذا الحديث: "فلمّا أحسّ الناس به سَبَّحُوا"، أخرجه ابن ماجه وغيره بإسناد حسن (^١). (ذَهَبَ) أي شرع أبو بكر -﵁- (لِيَتَأَخَّرَ) حتى يتقدّم النبيّ -ﷺ-، فيُصلّي إمامًا (فَأَوْمَأَ) أي أشار (إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ) وفي نسخة: "أن لا تتأخّر"، فتكون "أن" مفسّرةً، و"لا" ناهية، والفعل مجزوم، وفي رواية الأسود: "فأومأ إليه رسول اللَّه -ﷺ- قم مكانك" (وَقَالَ) -ﷺ- (لَهُمَا) أي للرجلين اللذين خرج يُهَادَى بينهما ("أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ"، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ) -﵁- (وَكَانَ أَبُو بَكْرِ) -﵁- (يُصَلِّي، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-) متعلّق بـ "يصلّي" (وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أي بتسميعه لهم التكبير (وَالنَّبِيُّ -ﷺ- قَاعِدٌ) ولفظ النسائيّ: "ورسول اللَّه -ﷺ- يصلّي قاعدًا"، ولفظ البخاريّ: "فجعل أبو بكر يصلّي، وهو يأتمّ بصلاة النبيّ -ﷺ-، والناس بصلاة أبي بكر، والنبيّ -ﷺ- قاعدٌ".
(قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عبد اللَّه بن عتبة الراوي عن عائشة -﵂- (فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا"، كما تقدّم قريبًا (أَعْرِضُ عَلَيْكَ) بكسر الراء، يقال: عَرَض عليه الشيءَ، من باب ضرب: إذا أراه إيّاه (^٢). (مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) -﵂- (عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ؟) وفي نسخة: "النبيّ -ﷺ-" (فَقَالَ) ابن عبّاس -﵄- (هَاتِ) بكسر التاء، قال في "اللسان": يقال: هاتِ يا رجلُ -بكسر التاء-: أي أعطني، وللاثنين: هاتيا، مثلُ آتيا، وللجمع: هاتوا، وللمرأة: هاتي بالياء، وللمرأتين: هاتيا، وللنساء: هاتين. انتهى (^٣).
(فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ) أي ما حدّثته عائشة -﵂- من قصّة مرض النبيّ -ﷺ-،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ١٨١.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ٣٣٤.
(٣) "لسان العرب" ٢/ ١٠٧.
[ ١٠ / ٩٧ ]
كما طلب منها أن تحدّثه به (فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) منصوب على الاستثناء، أي أنّ ابن عبّاس -﵄- قال زيادة لتوضيح ما أبهمته من تسمية الرجل الثاني (أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟) قال عبيد اللَّه (قُلْتُ: لَا) أي لم تسمّه لي (قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (هُوَ عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالب -﵁-.
قال في "الفتح": زاد الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق، عن معمر: "ولكن عائشة لا تطيب نفسًا له بخير"، ولابن إسحاق في "المغازي" عن الزهريّ: "ولكنها لا تَقْدِرُ على أن تذكره بخير".
ولم يَقِف الكرماني على هذه الزيادة، فعَبَّر عنها بعبارة شنيعة (^١)، وفي هذا رَدّ على من تنطع، فقال: لا يجوز أن يُظَنَّ ذلك بعائشة، ورَدٌّ على مَن زعم أنها أبهمت الثاني؛ لكونه لم يتعين في جميع المسافة؛ إذ كان تارةً يتوكأ على الفضل، وتارةً على أسامة، وتارةً على عليّ، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختصّ بذلك إكرامًا له، وهذا توهُّم ممن قاله، والواقع خلافه؛ لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهم عليٌّ، فهو المعتمدُ، واللَّه أعلم.
ودعوى وجود العباس في كل مرّة، والذي يتبدل غيره مردودٌ بدليل رواية عاصم التي تقدمت الإشارة إليها وغيرها صريحٌ في أن العباس لم يكن في مرة، ولا في مرتين منها، واللَّه أعلم. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) حيث قال: لم ما سمّته؟ ثم قال: ما سمّته تحقيرًا، أو عداوةً، هكذا نقل العينيّ عن الكرمانيّ، وأشار إلى مثله في "الفتح"، وهذا سوء أدب، فلا ينبغي الإصغاء إليه، ولكن نسخة الكرمانيّ التي عندي خلاف هذا، ولعلها من إصلاح بعض الناس، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٨٣.
[ ١٠ / ٩٨ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٩٤١ و٩٤٢ و٩٤٣ و٩٤٤ و٩٤٥ و٩٤٦ و٩٤٧ و٩٤٨] (٤١٨)، و(البخاريّ) في "الوضوء" (١٩٨) و"الأذان" (٦٦٤ و٦٦٥ و٦٧٩ و٦٨٣ و٦٨٧ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٦) و"الهبة" (٢٥٨٨) و"المغازي" (٤٤٤٢) و"الطبّ" (٥٧١٤) و"الاعتصام" (٧٣٠٣)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٢/ ١٠١ - ١٠٢)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٦١٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٧٥٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٢٨ و٢٣١ و٢٥١)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٥٠٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١١١ و١١٣ و١١٤ و١١٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٢٨ و٩٢٩ و٩٣٠ و٩٣١ و٩٣٢ و٩٣٣ و٩٣٤ و٩٣٥)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٨٠) و"دلائل النبوّة" (٧/ ١٩٠)، و(ابن المنذر) في "الأسط" (١/ ٣١٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١/ ١٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١١٦ و٢١١٧ و٢١١٨ و٢١١٩ و٢١٢٠ و٢١٢١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز استخلاف الإمام من يصلّي بالناس إذا عرض له عذر يمنعه عن حضور صلاة الجماعة، من مرض أو غيره، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم.
٢ - (ومنها): جواز الإغماء على الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم- ولا شك في جوازه؛ فإنه مرض، والمرض يجوز عليهم، بخلاف الجنون، فإنه لا يجوز عليهم؛ لأنه نقصٌ، والحكمة في جواز المرض عليهم، ومصائبِ الدنيا تكثير أجرهم، وتسلية الناس بهم، ولئلا يُفْتَتَن الناس بهم، ويعبدوهم؛ لما يَظْهَر عليهم من المعجزات والآيات البينات، واللَّه تعالى أعلم، قاله النوويّ -﵀- (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٣٦.
[ ١٠ / ٩٩ ]
٣ - (ومنها): بيان استحباب الغسل من الإغماء، وإذا تكرّر الإغماء استُحِبّ تكرار الغسل لكل مرّة، فإن لم يَغتَسل إلا بعد الإغماء مراتٍ كفى غسل واحد.
وقد حَمَل القاضي عياض -﵀- الغسل هنا على الوضوء، من حيث إن الإغماء ينقض الوضوء.
قال النوويّ -﵀-: ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه ظاهر اللفظ، ولا مانع يَمنع منه، فإن الغسل مستحبّ من الإغماء، بل قال بعض أصحابنا: إنه واجبٌ، وهذا شاذّ ضعيفٌ. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): بيان جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، وقد أنكره الأصمعيّ، والصواب جوازه؛ فقد صحّ عن النبيّ -ﷺ-، وعائشة، وأنس، والبراء، -﵃-، وجماعة آخرين إطلاق العشاء الآخرة، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): بيان فضيلة أبي بكر الصديق -﵁-، وترجيحه على جميع الصحابة -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- وتفضيله، وتنبيهٌ على أنه أحقّ بخلافة رسول اللَّه -ﷺ- من غيره.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة عمر بعد أبي بكر -﵄-؛ لأن أبا بكر -﵁- لم يَعْدِل إلى غيره.
٧ - (ومنها): بيان أن المفضول إذا عَرَض عليه الفاضل مرتبةً لا يقبلها، بل يَدَعُها للفاضل إذا لم يمنع مانعٌ.
٨ - (ومنها): جواز الثناء في الوجه من أُمِن عليه الإعجاب والفتنة؛ لقول عمر -﵁-: "أنت أحق بذلك".
٩ - (ومنها): جواز مراجعة الصغير الكبير، والمشاورة في الأمر العامّ، والأدب مع الكبير؛ لِهَمّ أبي بكر بالتأخر عن الصفّ، وإكرام الفاضل؛ لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصفّ، فلم يتركه النبيّ -ﷺ- يتزحزح عن مقامه.
١٠ - (ومنها): أن البكاء، ولو كثر لا يُبطل الصلاة؛ لأنه -ﷺ- بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب، وكثرة البكاء لم يَعْدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٣٦.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
١١ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من ملاطفة أزواجه، ولا سيّما عائشة ﵅ جميعًا.
١٢ - (ومنها): أن الإيماء يقوم مقام النطق، حيث اقتصر النبيّ -ﷺ- على الإشارة ببقاء أبي بكر -﵁- في مكانه.
قال في "الفتح": واقتصاره -ﷺ- على الإشارة يَحْتَمِل أن يكون لضعف صوته، ويَحْتَمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق. انتهى (^١).
١٣ - (ومنها): أن فيه تأكيدَ أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشدّ، وإن كان المريض يُرَخَّص له في تركها؛ لأنه -ﷺ- تكلّف الحضور مع مشقّته عليه.
قال في "الفتح": ويَحْتَمِل أن يكون فَعَلَ ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشدّ، وإن كانت الرخصة أولى، وقال الطبريّ: إنما فَعَل ذلك؛ لئلا يَعْذُر أحدٌ من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلَّفَ عن الإمامة، ويَحْتَمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر -﵁- كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلّى خلفه.
١٤ - (ومنها): أنه استدل به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة؛ لصنيع أبي بكر -﵁- في عرضه على عمر -﵁-.
١٥ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قَصَد أن يبلِّغ عنه، ويَلْتَحِق به مَن زُحِم عن الصفّ.
١٦ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو قول الشعبيّ، واختيار الطبريّ، وأومأ إليه البخاريّ.
وتُعُقِّب بأن أبا بكر إنما كان مبلِّغًا كما سيأتي من رواية الأعمش: "وأبو بكر يُسمع الناس"، فعلى هذا فمعنى قوله: "ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه -ﷺ- كان جالسًا، وكان أبو بكر قائمًا، فكان بعض أفعاله يَخْفَى على بعض المأمومين، فمن ثَمّ كان أبو بكر كالإمام في حقهم، واللَّه تعالى أعلم (^٢).
١٧ - (ومنها): أن فيه اتِّباعَ صوت المكبر، وصحة صلاة الْمُسْمِع
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٠٦.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ١٨٣.
[ ١٠ / ١٠١ ]
والسامع، ومنهم من شَرَط في صحته تقدم إذن الإمام، والأول أصحّ، قال النوويّ -﵀- في "شرحه": فيه جواز رفع الصوت بالتكبير؛ ليسمعه الناس ويتبعوه، وأنه يجوز للمقتدي اتّباعُ صوت المكبر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، وما أراه يصحّ الإجماع فيه، فقد نَقَل القاضي عياض عن مذهبهم أنّ منهم من أبطل صلاة المقتدي، ومنهم من لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن له الإمام في الإسماع صح الاقتداء به، وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة الْمُسْمِع، ومنهم من صححها، ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكَلَّف صوتًا بطلت صلاته، وصلاة من ارتبط بصلاته، وكلُّ هذا ضعيف، والصحيح جوازُ كل ذلك، وصحة صلاة الْمُسْمِع والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
١٨ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به الطبريّ -﵀- على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة، وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة، وعلى جواز تقدّم إحرام المأموم على الإمام؛ بناءً على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتمّ برسول اللَّه -ﷺ-، قال الحافظ -﵀-: وهو ظاهر الرواية، ويؤيِّده أيضًا أن في رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عباس -﵄-: "فابتدأ النبيّ -ﷺ- القراءة من حيث انتهى أبو بكر". انتهى (^٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
١٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة صلاة القادر على القيام قائمًا خلف القاعد، خلافًا للمالكية مطلقًا، ولأحمد حيث أوجب القعود على مَن يصلي خلف القاعد، وقد سبق تحقيق القول في ذلك، وأن الأرجح جواز الاقتداء للقادر قائمًا وقاعدًا، كما هو أحد القولين عن الإمام أحمد -﵀-، واللَّه تعالى أعلم.
٢٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتَكَى أولى من صلاته بهم قاعدًا؛ لأنه -ﷺ- استَخْلَف أبا بكر -﵁-، ولم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٤٤.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
يُصَلِّ بهم قاعدًا غير مرة واحدة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (^١) مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا، فَأَذِنَّ لَهُ (^٢)، قَالَتْ: فَخَرَجَ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ هُوَ عَلِيٌّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فمن شيخيه إلى الزهريّ، تقدّموا قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي. . . إلخ) معنى هذا الكلام أن الزهريّ أخبره عبيد اللَّه حديثًا أو أكثر غير هذا الحديث، فعطف عليه هذا، فقال: وأخبرني. . . إلخ.
وقولها: (أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ) برفع "أولُ" على الابتداء، وخبره "في بيت ميمونة"، و"ما" مصدريّة، أي أوّلُ اشتكاء رسول اللَّه -ﷺ- كان في بيت ميمونة -﵂-.
وَ"مَيْمُونَةُ" هي: بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين، قيل: كان اسمها برّة، فسمّاها النبيّ -ﷺ- ميمونة، وتزوّجها بسَرِف، موضع قريب من مكّة، سنة سبع من الهجرة، وماتت -﵂- سنة (٥١) على الصحيح، وكان موتها بِسرِف في الظلّة التي كان بنى بها النبيّ -ﷺ-، وتقدّمت ترجمتها مستوفاةً في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
وقولها: (فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ) أي يُخدَم في مرضه، يقال: مرّضته
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وَأذنّ له" بالواو.
[ ١٠ / ١٠٣ ]
تمريضًا: إذا تكفّلت بمداواته، قاله في "المصباح" (^١).
وقال في "القاموس"، و"شرحه": "التَّمْريضُ": حُسنُ القيام على المريض، قال سيبويه: مرّضه تمريضًا: قام عليه، ووَلِيَهُ في مَرَضه، وداواه؛ ليزول مرَضُهُ، جاءت فَعَّلْتُ هنا للسلب، وإن كانت في أكثر الأمر إنما تكون للإثبات. انتهى (^٢).
وقولها: (فِي بَيْتِهَا) أي بيت عائشة -﵂-، قال النوويّ -﵀-: هذا يَسْتَدِلّ به مَن يقول: كان القسم واجبًا على النبيّ -ﷺ- بين أزواجه في الدوام، كما يَجب في حقّنا، ولأصحابنا وجهان: أحدهما هذا، والثاني: سُنّة، ويَحملون هذا، وقوله -ﷺ-: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك. . . "، على الاستحباب، ومكارم الأخلاق، وجميل العشرة (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الصحيح أن القسم ليس واجبًا على النبيّ -ﷺ-، وإنما يفعله؛ لكريم أخلاقه، وحسن معاملته، والدليل قوله -﷿-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وفيه فضيلة عائشة -﵂-، ورجحانها على جميع أزواجه -ﷺ- الموجودات ذلك الوقت، وكُنّ تسعًا، إحداهن عائشة ﵅، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما اختلفوا في عائشة وخديجة -﵄-، والأرجح ترجيح عائشة -﵂-، وسيأتي هذا أيضًا في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقولها: (فَأَذِنَّ لَهُ) وفي بعض النسخ: "وَأذنّ له"، وهو بفتح الهمزة، وكسر الذال المعجمة، وتشديد النون: أي أذن أزواجه -ﷺ-، وحَكَى الكرمانيّ أنه رُوي بضم الهمزة، وكسر الذال، وتخفيف النون، على البناء للمجهول.
وقولها: (وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) تقدّم قولها: "فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس. . . "، قال النوويّ -﵀-: وجاء في غير "صحيح مسلم": "بين
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس" ٥/ ٨٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
رجلين: أحدهما: أسامة بن زيد"، وطريق الجمع بين هذا كلِّه أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة -ﷺ- تارةً هذا، وتارةً ذاك وذاك، ويتنافسون في ذلك، وهؤلاء هم خواصّ أهل بيته الرجال الكبار، وكان العباس -﵁- أكثرهم ملازمة للأخذ بيده الكريمة المباركة -ﷺ-، أو أنه أدام الأخذ بيده، وإنما يتناوب الباقون في اليد الأخرى، وأكرموا العباس باختصاصه بيد، واستمرارها له؛ لما له من السنّ والعمومة وغيرهما، ولهذا ذكرته عائشة لمُسَمًّى، وأبهمت الرجل الآخر؛ إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازمًا في جميع الطريق، ولا مُعْظَمِهِ، بخلاف العباس، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقولها: (وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ) أي لا يستطيع أن يرفعهما، ويضعهما، ويَعتَمِدَ عليهما، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٢) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَاشْتَدَّ (^٣) بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيٌّ).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٣٨.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٣) وفي نسخة: "فاشتدّ".
[ ١٠ / ١٠٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأَيْليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت.
[تنبيه]: قوله: (بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ) قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ -﵀-: هكذا في روايتنا عن أَبي أحمد الجُلُوديّ والكسائيّ، ووقع في النسخة عن ابن ماهان: "بين الفضل بن عبّاس، وبين رجل آخر"، جَعَل الفضل مكان ابن عبّاس، وهكذا قال عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة: "فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ على رجل آخر". انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم الجمع بين الروايات المختلفة في هذا في كلام النوويّ -﵀-، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨١٠.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ أَحَدٌ، إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَبِي بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: هم الذين تقدّموا في السند الماضي.
وقولها: (لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ) أي شأن إمامة أبي بكر -﵁-، لَمّا أمر النبيّ -ﷺ- بأن يؤمّ الناس.
قال النوويّ -﵀-: وفي مراجعة عائشة -﵂- جواز مراجعة وليّ الأمر على سببيل العَرْض والمشاورة، والإشارة بما يَظهَر أنه مصلحةٌ، وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة، ومثل هذه المراجعة مراجعةُ عمر -﵁- في قوله: "لا تبَشّرهم، فَيَتَّكِلوا"، وأشباهه كثيرةٌ مشهورةٌ. انتهى (^١).
وقولها: (وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ) "ما" نافيةٌ، و"حملني" مبنيّ للفاعل، وفاعله قولها: "إِلا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ. . . إلخ"، و"إلا" أداة استثناء مُلغاة، و"أنه" بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
فهنا وقعت فاعلًا، أي ما حملني إلا عدم وقوع محبة الناس.
وقولها: (أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا) "أن" مصدريّةٌ، والفعل مبنيّ للفاعل، وهو في تأويل المصدر فاعل "يقع".
وقولها: (وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ. . . إلخ) بفتح همزة "أن"، وهو عطفٌ على "إلا أنه. . . إلخ".
وقولها: (أَرَى) بفتح أوله، أي أعتقد، ويَحتَمل أن يكون بضمّ أوله بصيغة المبنيّ للمفعول، بمعنى أَظُنُّ.
وقولها: (مَقَامَهُ) أي مقام النبيّ -ﷺ-.
وقولها: (إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ) أي يتطيّروا به، والتشاؤم: ضدّ التيامن.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٤٠.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
وقولها: (أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ. . . إلخ) بكسر الدال، من باب ضرب؛ أي يصرفه عن أبي بكر -﵁- إلى غيره، وبقية مباحث الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتِي، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ (^٢) أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلّهم تقدّموا قبل حديثين، غير:
(حَمْزَةُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب، أبو عُمَارة المدنيّ، شقيق سالم بن عبد اللَّه، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمته حفصة، وعائشة. وروى عنه أخوه عبد اللَّه، وابن ابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، والزهريّ، وأخوه عبد اللَّه بن مسلم بن شهاب، والحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي ذئب، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر المصريّ، وموسى بن عقبة، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن المديني عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا بالمكرّر.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "فليُصلّ بالناس".
[ ١٠ / ١٠٨ ]
وقوله: (لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي نسخة: "فلْيُصَلِّ بالناس".
وقوله: (فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) أي في التظاهر على ما تُرِدْنَ، وكثرةِ إِلْحَاحِكُنّ في طلب ما تُرِدنه، وتَمِلْنَ إليه، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرِ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَتْ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قَالَتْ: فَأَمَرُوا أَبَا بَكْرٍ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، فَذَهَبَ (^١) يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ (^٢) مَكَانَكَ"، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "ذهب" بحذف الفاء.
(٢) وفي نسخة: "أقم".
[ ١٠ / ١٠٩ ]
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لأحاديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو أوّل ١٩٧) عن (٧٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عِمْران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ ثبت [٥] (ت ٩٦) عن (٥٠) سنةً أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٧ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عَمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، خال إبراهيم، ثقة مُكثرٌ فقيهٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أوّل الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلّ رواته كوفيّون، إلا عائشة -﵂-، ويحيى بن يحيى، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خالٌ لإبراهيم، فإن أمه مليكة بنت يزيد أخت الأسود.
٥ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في غير موضع.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"؛ إشارة إلى أن شيخيه اختلفا في
[ ١٠ / ١١٠ ]
لفظ هذا الحديث، وهذا الذي ساقه لفظ شيخه يحيى، وأما أبو بكر، فرواه بمعناه.
٧ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂-، وقد تقدّم الكلام عنها قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي اشتدّ به المرض، وقد تقدّم ضبط "ثَقُل" ومعناه قريبًا (جَاءَ بِلَالٌ) بن رَبَاح، مؤذّن رسول اللَّه -ﷺ-، مولى أبي بكر الصدّيق -﵁-، المتوفّى سنة (١١٧) أو بعدها بالشام، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإيذان، وهو الإعلام؛ أي يُعلمه بحضورها، وفي رواية البخاريّ، عن الأسود قال: كنا عند عائشة -﵂-، فذكرنا المواظبة على الصلاة، والتعظيمَ لها، قالت: لَمّا مَرِض رسول اللَّه -ﷺ- مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأُذِّن، فقال: "مُرُوا أبا بكر. . ".
والصلاة المذكورة هي العشاء الآخرة، كما تقدّم في رواية موسى بن أبي عائشة، وقد تقدّم بيان الخلاف في ذلك، وتقدّم أيضاَّ أنه -ﷺ- هو الذي بدأ بالسؤال عن حضور وقت الصلاة، فقال: "أصلّى الناس؟ "، وذلك ليتهيّأ للخروج إليها، ولكنه أغمي عليه إلى آخر ما تقدّم.
(فَقَالَ) -ﷺ- ("مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) -﵁- (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ") استُدِلَّ به على أن الآمر بالأمر بالشيء يكون آمرًا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى بَلِّغُوا أبا بكر أني أمرته، وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقةً، فمسلَّم؛ لأنه ليس فيه صيغةُ أمرٍ للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي القول الثاني، وإليه أشرت في "التحفة المرضيّة" حيث قلت:
_________________
(١) ٢/ ١٧٩ رقم (٦٦٥).
[ ١٠ / ١١١ ]
وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ بِشَيْءٍ لَا يُرَى … أَمْرًا بِهِ نَحْوُ "مُرُوا" كَمَا جَرَى
"أَوْلَادَكُمْ" لَيْسَ خِطَابًا لِلصَّبِي … بَلِ الْوُجُوبَ لِلْوَلِيِّ نَجْتَبِي
وَإِنْ يَكُنْ حَصَلَ مَا دَلَّ عَلَيْه … كَـ "فَلْيُرَاجِعْهَا" فَيُصْرَفُ إِلَيْه
وأشرت بقولي: "مرُوا. . . إلخ" إلى ما أخرجه أبو داود بسند حسن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع".
وبقولي: "فليُراجعها" إلى ما أخرجه الشيخان عن عبد اللَّه بن عمر، أنه طلَّق امرأته، وهي حائض، على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "مُرْه فليراجعها. . . " الحديث.
(قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، بوزن فَعِيل، وهو بمعنى فاعل، من الأَسَف، وهو شدّة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب، ولابن حبّان من رواية عاصم، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة -﵂- في هذا الحديث: قال عاصم: والأَسِيف: الرقيق الرحيم، وتقدّم في حديث حمزة بن عبد اللَّه بن عمر عنها في هذه القصة، قالت: فقلت: "يا رسول اللَّه: إن أبا بكر رجل رقيقٌ، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر"، وفي حديث أبي موسى -﵁- نحوه، ومن رواية مالك، عن هشام، عن أبيه، عنها، بلفظ: "قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس، من البكاء، فمُرْ عمرَ".
(وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ) "متى" اسم شرط يجزم فعلين، الأول فعل الشرط، وهو "يقم"، والثاني جوابه، وهو قوله: (لَا يُسْمِعِ النَّاسَ) وكسرت العين؛ لالتقاء الساكنين (فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ) "لو" يحتمل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، وجوابها محذوف، أي لكان خيرًا (فَقَالَ) -ﷺ-: ("مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ") وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش: "إن أبا بكر رجل أسيفٌ إذا قام في مقامك لم يستطع أن يُصلّي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة" (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين، تزوّجها
[ ١٠ / ١١٢ ]
النبيّ -ﷺ- بعد خُنَيس بن حُذَافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) وستأتي ترجمتها مستوفاةً في "كتاب صلاة المسافرين" برقم (٧٢٣) (^١). (قُولِي لَهُ) -ﷺ-: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَتْ) حفصة -﵂- ذلك (لَهُ) -ﷺ- (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) وفي رواية مالك، عن هشام بن عروة: فقال: "مَهْ، إنكنّ لأنتن صواحب يوسف"، أي في التظاهر على ما تُردن، وكثرة إلحاحكنّ في طلب ما تردنه، وتَمِلن إليه، وفيه جواز تشبيه أحد الشيئين بآخر في وصف مشهور بين الناس.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "لأنتنّ صواحب يوسف": يعني في تردادهنّ، وتظاهرهنّ بالإغواء والإلحاح، حتى يَصِلْنَ إلى أغراضهنّ، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف -﵇-؛ ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام، و"صواحبات": جمع صواحب، وهو جمع شاذّ. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": "صواحب": جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحد، وهي عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمع، والمراد زَلِيخَا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زَلِيخا استَدْعَت النسوة، وأظهرت لهنّ الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادةً على ذلك، هو أن ينظرن إلى حسن يوسف -﵇-، ويعذرنها في محبته، وأنّ عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرفَ الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادةً على ذلك، هو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صَرَّحت هي بذلك، فقالت: "لقد راجحت رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته، إلا أنه لم يقع في قلبي أن يُحِبّ الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا. . . " الحديث، قد سبق قبل حديث.
قال الحافظ: وبهذا التقرير يندفع إشكال مَن قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهنّ إظهار يخالف ما في الباطن.
_________________
(١) هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥١ - ٥٢.
[ ١٠ / ١١٣ ]
ووقع في مرسل الحسن، عند ابن أبي خيثمة: أن أبا بكر أمر عائشة أن تُكَلِّم النبيّ -ﷺ- أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يَتِمّ.
ووقع في أمالي ابن عبد السلام: أن النسوة أَتَيْنَ امرأة العزيز يُظهِرن تعنيفها، ومقصودهنّ في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله ابن عبد السلام هو الصواب؛ لأنه الذي يدلّ عليه سياق الآية؛ إذ قوله تعالى حكاية عن يوسف -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، ثم قال تعالى: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٣٤]، وقال أيضًا: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآية [يوسف: ٥١]، ظاهرٌ في كونهنّ راودنه كما راودته امرأة العزيز، فقول الحافظ: وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال غريبٌ جدًّا.
والحاصل أن سياق الآيات المذكورة واضح في الدلالة على ما ذُكر، فقوله -ﷺ-: "إنكنّ صواحب يوسف" بالجمع على ظاهره، وذلك أنه أراد عائشة وحفصة، وقد سبق أن الأرجح أن أقلّ الجمع اثنان، كما هو مذهب الإمام مالك -﵀-، وأما في قصّة يوسف -﵇-، فالجمع واضح؛ إذ المراد امرأة العزيز، والنسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[فائدة]: قال الحافظ -﵀-: زاد حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم في هذا الحديث: أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول اللَّه -ﷺ- بأن يأمر عمر بالصلاة، أخرجه الدَّوْرَقيّ في "مسنده"، وزاد مالك في روايته: فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا، ومثله للإسماعيليّ، وإنما قالت حفصة ذلك؛ لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة، وكان النبيّ -ﷺ- لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذُكِر من كونهنّ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ١٠ / ١١٤ ]
صواحب يوسف، وَجَدَت حفصة في نفسها من ذلك؛ لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير، كما سيأتي في موضعه. انتهى (^١).
(مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ") وفي رواية الكشميهنيّ للبخاريّ: "للناس" باللام (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَأَمَرُوا أَبا بَكْرٍ) أي بلّغوه أمره -ﷺ-، والمبلّغ هو رسول رسول اللَّه -ﷺ-، وهو بلالٌ -﵁-، وإنما جمع الضمير؛ لأن الحاضرين موافقون له في ذلك، وقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) بتقدير حرف مصدريّ، أي أن يصليّ، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف، والتقدير: فأمروا أبا بكر بالصلاة بالناس.
وفي رواية البخاريّ: "فخرج أبو بكر، فصلّى"، قال في "الفتح": فيه حذفٌ دَلَّ عليه سياق الكلام، وقد بيّنه في رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة، ولفظه: "فأتاه الرسول" أي بلال؛ لأنه هو الذي أَعْلَم بحضور الصلاة، فأجيب بذلك، وفي روايته أيضًا: فقال له: "إن رسول اللَّه -ﷺ- يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك". انتهى.
وقولُ أبي بكر هذا لم يُرِد به ما أرادت عائشة، قال النوويّ: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعًا، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيقَ القلب، كثيرَ البكاء، فخشي أن لا يُسْمِع الناس. انتهى. وقد تقدّم تمام البحث في هذا عند شرح رواية موسى بن أبي عائشة المذكورة.
(قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا دَخَلَ) أبو بكر (فِي الصَّلَاةِ) هذا ظاهر في كونه شرع في الصلاة، ولا داعي للاحتمال الذي ذكره في "الفتح" بأنه محتمل لأن يكون المراد دخل في مكان الصلاة، فإنه احتمال بعيد، فتأمله، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهره أنه -ﷺ- وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذفٌ، كما
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٨٠.
[ ١٠ / ١١٥ ]
تقدم مثله في قوله: "فخَرَجَ أبو بكر"، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة بلفظ: "فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه -ﷺ- وَجَدَ من نفسه خِفّةً"، وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء، قاله في "الفتح"، وهو بحثٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَامَ يُهَادَى) -بضم أوله، وفتح الدال- مبنيًّا للمفعول: أي يمشي مُعْتَمِدًا عَلى الرجلين متمايلًا في مشيه، من شدّة الضعف، والتهادي: التمايل في المشي البطيء.
(بَيْنَ رَجُلَيْنِ) هما العبّاس وعليّ بن أبي طالب -﵄-، وتقدّم اختلاف الروايات في ذلك، والجمع بينها عند شرح رواية موسى المذكورة.
(وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ) أي تجعلان فيها خطًّا؛ لكونه -ﷺ- يجرّهما، ولا يعتمد عليهما؛ لعدم قدرته على تمكينهما من الأرض بسبب شدّة ضعفه، وفي رواية عند ابن حبان: "إني لأنظر إلى بطون قدميه".
(قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ -ﷺ- (الْمَسْجِدَ) النبويّ (سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ) قال في "القاموس": "الْحَسُّ" بفتح الحاء: الْجَلَبَةُ، وبكسرها: الحركة، وأن يمرّ بك قريبًا، فتسمعه، ولا تراه، كالْحَسِيس. انتهى باختصار (^١).
والظاهر أن الرواية هنا بالكسر، فيكون المعنى: أنه سمع حركته -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم.
(فَذَهَبَ) عطف على "سمع"، وفي بعض النسخ: "ذَهَبَ" بحذف العاطف، وعليه فيكون جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، كأنه قيل لها: فماذا فعل أبو بكر -﵁- حين سمع حسّه؟ فأجابت بقولها: ذَهَبَ (يَتَأَخَّرُ) أي إلى الصفّ؛ ليكون مأمومًا بعد أن كان إمامًا (فَأَوْمَأَ) أي أشار إِلَيْهِ (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ) وفي نسخة: "أقم" بهمزة القطع، من الإقامة (مَكَانَكَ") منصوب على الظرفية، أي اثبُت في مكانك الذي أنت فيه، وفي رواية البخاريّ: "أن مكانك"، وفي رواية عاصم المذكورة: "أن اثْبُتْ مكانك"، وكلمة "أن" بفتح الهمزة، وسكون النون، و"مكانك" منصوب على
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
[ ١٠ / ١١٦ ]
معنى الزَمْ مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة: "فأومأ إليه النبيّ -ﷺ- أن لا يتأخر" (^١).
(فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة أن ذلك كان بأمره -ﷺ-، ولفظه: "فقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر".
وقوله: (عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) هذا هو مقام الإمام، وسيأتي القول فيه، وأغرب القرطبيّ حيث قال -لَمّا حَكَى الخلاف، هل كان أبو بكر إمامًا، أو مأمومًا؟ -: لم يقع في "الصحيح" بيان جلوسه -ﷺ-، هل كان عن يمين أبي بكر، أو عن يساره؟. انتهى (^٢).
والغريب أن هذه الرواية كما ترى في "صحيح مسلم"، بل هي متّفقٌ عليها، والقرطبيّ نفسه ساقها في "مختصره"، فالعجب منه كيف يَغْفُل عن ذلك في حال شرحه له، فسبحان مَن ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
(قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ) حال كونه (جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا) هذا من عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المقرّر في محلّه، فقوله: "أبو بكر" عطف على "رسول اللَّه -ﷺ-"، وقوله: "قائمًا" عطف على "جالسًا"، وهو حال من فاعل "يُصلّي".
وقوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-) حال من أبي بكر (وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) -﵁-.
وهذا صريح في كون النبيّ -ﷺ- هو الإمام، وأبو بكر مأموم به -ﷺ-، فيكون معنى قوله: "ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" اقتداؤهم به في الانتقالات، حيث كان يُسمعهم تكبيرات النبيّ -ﷺ-.
واستدلّ به الجمهور على نسخ حديث: "وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جُلُوسًا"، والحقّ أنه لا نسخ، كما سبق تحقيقه، قريبًا.
واستدلّ به أيضًا ابن المسيّب: على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام؛ لأنه -ﷺ- جلس عن يسار أبي بكر -﵁-، وهذا إنما يتمشّى على قول من
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢٧٨.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥١.
[ ١٠ / ١١٧ ]
قال: إن أبا بكر كان هو الإمامَ، والجمهور على أنه يقوم عن يمينه، وهو الحقّ؛ فقد ثبت في "الصحيحين" أنه -ﷺ- حوّل ابن عبّاس -﵄- إلى يمينه لَمّا قام عن يساره، وغير ذلك من الأدلة الصحيحة، وتخريج الحديث، وبيان فوائده تقدّمت في شرح أول أحاديث الباب، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (^٢)، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: "لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ"، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: "فَأُتِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أُجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ"، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: "فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي (^٣)، وَأَبُو بَكْرِ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الْحنظليّ المروزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا عيسى يعني ابن يونس".
(٣) وفي نسخة: "يصلي بالناس".
[ ١٠ / ١١٨ ]
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لابن مُسْهِر وعيسى.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة -﵂-.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث السابق.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) أي ابن مسهر، وعيسى.
وقوله: (فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي) وفي نسخة: "يصلّي بالناس".
[تنبيه]: رواية أبي مسهر هذه ساقها الحافظ أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٤٤٣)، فقال:
(١٦٤١) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: أنبأ إسماعيل بن الخليل، قال: أنبأ عليّ بن مُسْهِرٍ، قال: أنبأ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مَرِضَ النبيّ -ﷺ- مرضه الذي تُوُفِّي فيه أتاه بلالٌ، فآذنه للصلاة، فقال: "مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالناس"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيفٌ، ومتى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فمر عمر، فليصلّ بالناس، فقال: "مُرُوا أبا بكر، فليصلّ بالناس"، فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيف، ومتى يقوم مقامك يبك، فلا يستطيع، فمُرْ عمر، فليصلّ بالناس، فقال: "مَهْ إنكن لأنتن صواحب يوسف، مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس"، فأُتِي أبو بكر، فأُوذِن، قالت: فلما دخل الصلاة، وَجَدَ رسول اللَّه -ﷺ- من نفسه خِفَّةً، فخرج يهادى بين رجلين، وقدماه تَخُطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأَومى إليه رسول اللَّه -ﷺ- بيده، فأُتي برسول اللَّه -ﷺ- حتى أُجلس إلى جنبه، فكان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير. انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فساقها الإمام إسحاق ابن راهويه في "مسنده" (٣/ ٨٣١) فقال:
(١٤٨١) أخبرنا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مرض رسول اللَّه -ﷺ- المرض الذي مات فيه، أُذِّن بالصلاة، فقال: "مُرُوا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقلت: إن أبا بكر رجل
[ ١٠ / ١١٩ ]
أسيفٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فسكت، ثم قال: "مروا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقلت: إن أبا بكر رجل رقيقٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: "مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فإنكنّ صواحب يوسف"، فأقيمت الصلاة، فصلّى أبو بكر بالناس، فوجد رسول اللَّه -ﷺ- من نفسه خِفّةً، فخرج إلى الصلاة، وقدماه تخطان في الأرض، فلما رآه أبو بكر ذَهَبَ يتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه -ﷺ- أن مكانك، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- حتى جلس إلى جنب أبي بكر، وأبو بكر يقتدي به، وأبو بكر -﵁- يُسْمِع الناس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، وَإِذَا (^١) أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيْ كَمَا أَنْتَ"، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نمير والد محمد الراوي عنه، تقدّم قبل باب أيضًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "فإذا".
[ ١٠ / ١٢٠ ]
٥ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضًا.
٦ - (أبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل باب أيضًا.
و"عائشة -﵂-" ذُكرت قبل حديث.
وقوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو عبد اللَّه والد ابن نمير المذكور بعد التحويل.
وقوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) يعني أن ألفاظ كلٍّ من شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وأبي كُريب، وابن نمير متقاربة.
وقوله: (وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الثاني هو محمد بن عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (حَدَّثَنَا أَبِي) أي عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (قَالَ عُرْوَةُ. . . إلخ) قال في "الفتح": هو بالإسناد المذكور، ووَهِمَ من جعله مُعَلَّقًا، ثم إن ظاهره الإرسال من قوله: "فوجد. . . إلخ"، لكن رواه ابن أبي شيبة، عن ابن نمير بهذا الإسناد متصلًا بما قبله، وأخرجه ابن ماجه عنه، وكذا وصله الشافعيّ، عن يحيى بن حَبَّان، عن حماد بن سلمة، عن هشام، وكذا وصله عن عروة عنها، كما تقدم.
ويَحْتَمِل أن يكون عروة أخذه عن عائشة وعن غيرها، فلذلك قطعه عن القدر الأول الذي أخذه عنها وحدها. انتهى (^١).
وقوله: (فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) هذا مقابل ما تقدّم من قوله: "لَمّا ثَقُل رسول اللَّه -ﷺ- يعني أنه خفّ عنه المرض- فوجد من نفسه خفّة الحركة".
وقوله: (أَيْ كَمَا أَنْتَ) "أي" تفسيريّة؛ و"ما" موصولة، و"أنت" مبتدأ، حُذف خبره، أي عليه، والجملة صلة "ما"، والجارّ والمجرور، أعني "كما أنت" متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، أي كن كما أنت، والكاف بمعنى "على"، أي كُنْ على الحال الذي أنت عليه من كونك إمامًا.
وفي رواية البخاريّ: "أن كما أنت"، و"أن" تفسيريّة كـ "أي".
وقوله: (وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أي بتسميعهم التكبير، لا أنهم صلّوا تلك الصلاة بإمامين، فتنبّه.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٩٦.
[ ١٠ / ١٢١ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٩] (٤١٩) - (حَدَّثَنِي (^١) عَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنِي (^٢) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُم (^٣) فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَاحِكًا، قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ فَرَحِ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ (^٤) -ﷺ-، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَارجٌ لِلصَّلَاةِ (^٥)، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرْخَى السِّتْرَ، قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الْخَلّالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "بهم".
(٤) وفي نسخة: "النبيّ -ﷺ-".
(٥) وفي نسخة: "إلى الصلاة".
[ ١٠ / ١٢٢ ]
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أبو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيوخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صالح عن ابن شهاب، وهو من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن صالحًا أكبر من ابن شهاب، على ما قيل.
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، وهو المشهور بالخادم، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: "أخبرني أنس بن مالك الأنصاريّ، وكان تَبعَ النبيّ -ﷺ-، وخَدَمَه، وصَحِبَه"، فقوله: "تَبعَ النبيّ -ﷺ-" لم يذكر المتبوع فيه ليُشعر بالعموم، أي تبعه في العقائد والأقوال والأفعال، وقوله: "وخَدَمه" أي خدم النبيّ -ﷺ-، إنما ذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادمًا له عشر سنين ليلًا ونهارًا، وقوله: "وصَحِبه" إنما ذكر صحبته له؛
[ ١٠ / ١٢٣ ]
لأن صحبته -ﷺ- أفضل أحوال المؤمنين، وأعلى مقاماتهم (^١).
(أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ) أي لأجل الصحابة، إمامًا لهم، وفي نسخة: "بهم" (فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بفتحتين: أي في أيّام مرضه، وتقدّم تصريف الوجع، وتفسيره في "الإيمان" برقم [٤٦/ ٢٩٤] (١٠٤). (الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) بالبناء للمفعول: أي مات بسببه (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) رُوي برفع "يومُ" على جعل "كان" تامّةً، وبالنصب على أنه خبرها، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، أي حتى كان الزمن يومَ الاثنين، والوجه الأول أوضح (وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (كَشَفَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سِتْرَ الْحُجْرَةِ) بكسر السين المهملة، وسكون التاء بمعنى الساتر، و"الْحُجْرة" بضم، فسكون: البيت (فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) عبارة عن الجمال البارع، وحُسن الْبَشَرَة، وصفاء الوجه، واستنارته، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: هذه عبارة عمّا راعهم من جماله، وحسن بشرته، ومائيّة وجهه، كما قال في الحديث الآخر: "كأن وجهه مُذْهَبَةٌ" (^٣)، و"الورقة" بفتح الواو والراء، واحد الوَرَق، قال في "القاموس": "الْوَرَقُ" مُحَرَّكَةً من الكتاب والشجرِ معروفٌ. انتهى (^٤). وقال في "المصباح": الْوَرَق: الكاغَدُ (^٥)، قال الأخطل [من الكامل]:
فَكَأَنَّمَا هِيَ مِنْ تَقَادُمِ عَهْدِهَا … وَرَقٌ نُشِرْنَ مِنَ الْكِتَاب بَوَالِي
وقال الأزهريّ أيضًا: الْوَرَقُ ورَقُ الشجر، والْمُصْحَفِ، وقالَ بعضهم: الْوَرَقُ: الْكَاغَدُ، لم يوجد في الكلام القديم، بل الْوَرَق اسم لجلودٍ رِقَاقٍ يُكْتَبُ فيها، وهي مُستعارة من ورق الشجر. انتهى (^٦).
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢٩٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٤٢.
(٣) رواه مسلم برقم (١٠١٧)، والنسائيّ ٥/ ٧٦ من حديث جرير -﵁-.
(٤) "القاموس المحيط" ٣/ ٢٨٨.
(٥) "الكاغَد" بفتح الغين، وبالدال المهملة، وربّما قيل بالذال المعجمة: الْقِرْطاس، معرَّبٌ، أفاده في "المصباح" ٢/ ٥٣٥، و"القاموس" ١/ ٣٣٣.
(٦) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٦.
[ ١٠ / ١٢٤ ]
و"المصحف" مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ: أي جُعِلت فيه الصُّحُف، قاله في "القاموس" (^١).
وذكر الأبيّ أن المصحف من لفظ الراوي؛ لأنه لم يكن حينئذ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله الأبيّ نظر لا يخفى؛ لأن المصحف كان موجودًا حينما حدّث أنسٌ -﵁- بهذا الحديث؛ إذ هو موجود من عهد الخلفاء -﵃-، فتشبيهه بالمصحف للذين يروي لهم الحديث واضحٌ، ولم يُرد تشبيهه بمصحف كان حين رؤية وجهه -ﷺ-، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَاحِكًا) حال مؤكّد لتبسّم، كما قال في "الخلاصة":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نِحْوِ لَا تَعْثَ فِي الأرْضِ مُفْسِدَا
قال في "المصباح": بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلًا من غير صَوْتٍ، وابْتَسَمَ وَتبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك. انتهى (^٣).
وفي "اللسان": التبسُّمُ: أقلّ الضحك وأحسنه، وفي التنزيل: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] قال الزجّاج: التبسّم أكثر ضحِك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وقال الليث: بَسَمَ يَبْسِمُ بَسْمًا: إذا فَتَح شفتيه كالمكاشر. انتهى (^٤).
قال النوويّ -﵀-: سبب تبسمه -ﷺ- فَرَحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتّباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته، واتفاق كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه -ﷺ- على عادته إذا رأى أو سمع ما يَسُرُّه يَستنير وجهه، وفيه معنى آخر، وهو تأنيسهم، وإعلامهم بتماثل حاله في مرضه، وقيل: يَحْتَمِل أنه -ﷺ- خرج ليصلّي بهم، فرأى من نفسه ضعفًا فرجع. انتهى (^٥).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ١٦١.
(٢) "شرح الأبيّ" ٢/ ١٧٦.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٤٩.
(٤) "لسان العرب" ١٢/ ٥٠.
(٥) "شرح النوويّ" ٤/ ١٤٢.
[ ١٠ / ١٢٥ ]
(قَالَ: فَبُهِتْنَا) بضمّ الموحّدة مبنيًّا للمفعول: أي أُخِذنا بَغْتَةً، وانتابتنا الْحَيْرةُ، قال في "القاموس": و"الْبَهْتُ" بالضمّ والفتح: الأخذ بَغْتةً، والْحَيْرةُ، والفعل كعَلِمَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، وزُهِي، وهو مَبْهُوتٌ، لا باهتٌ، ولا بَهِيتٌ. انتهى (^١).
وفي "المصباح": بَهِتَ، وبَهُتَ: من بابي قَرُبَ، وتَعِبَ: دَهِشَ، وتَحَيَّرَ، ويُعدَّى بالحركة، فيقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بفتحتين، فَبُهِتَ بالبناء للمجهول. انتهى (^٢).
وفي رواية البخاريّ: "فَهَممنا أن نَفْتَتِنَ من الفَرَح برؤية النبيّ -ﷺ-".
(وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل، وقوله: (مِنْ فَرَحٍ) أي من أجل فرحنا، وهو متعلّق بـ "بُهتنا" وقوله: (بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ) النبيَّ (-ﷺ-) متعلّق بـ "فَرَح" (وَنَكَصَ) أي رجع إلى ورائه قهقرى (أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ) يقال: نَكَصَ على عِقَبيه نُكُوصًا، من باب قعد: رجع، قال ابن فارس: والنُّكُوصُ: الإحجام عن الشيء (^٣)، وقوله: (لِيَصِلَ) من الوصول، لا من الوصل، وقوله: (الصَّفَّ) منصوب على أنه مفعول به لـ "يَصِل"؛ لأنه يتعدّى بنفسه، فلا حاجة إلى ما قاله العينيّ: إنه منصوب بنزع الخافض: أي إلى الصفّ (^٤)؛ لما ذكرناه.
قال في "القاموس": وَصَلَ الشيءَ، وإليه وُصُولًا، وَوُصْلَةً، وَصِلَةً: بَلَغَهُ، وانتهى إليه. انتهى (^٥). فأفاد أن وَصَلَ هنا متعدّ بنفسه إلى الصفّ، فتنبّه، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَظَنَّ) أي أبو بكر -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَارجٌ لِلصَّلَاةِ) وفي نسخة: "إلى الصلاة" (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ) "أن" هنا تفسيريّة، بمعنى "أي"، فقد توفّر فيها شروط وقوعها تفسيريّة، وهي: أن تُسبق بجملة، وتتأخّر عنها جملة، فيها معنى القول، دون حروفه، ولم يدخل عليها جارّ (^٦)، فجملة "أتمّوا صلاتكم" تفسير لإشارته -ﷺ-.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ١٤٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٦٣.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٥.
(٤) "عمدة القاري" ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٥) "القاموس المحيط" ٤/ ٦٤.
(٦) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ص ٤٣ - ٤٥.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
(قَالَ) أنس -﵁- (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي حجرته (فَأَرْخَى السِّتْرَ) أي أرسل الساتر الذي كشفه (قَالَ) أنس -﵁- (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ) أي في يومه، و"من" بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٩٤٩ و٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢] (٤١٩) و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٨٠ و٦٨١ و٧٥٤) و"العمل في الصلاة" (١٢٠٥) و"المغازي" (٤٤٤٨)، و(الترمذيّ) في "الشمائل" (٣٦٧)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٧)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (١٦٢٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٠ و١٦٣ و١٩٦ و١٩٧ و٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٤٧ و١٦٤٨ و١٦٤٩ و١٦٥٠ و١٦٥١ و١٦٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٣٦ و٩٣٧ و٩٣٨ و٩٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٥)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٢١٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٢٤).
وأما فوائد الحديث، وبقيّة مباحثه، فتقدّمت في شرح حديث عائشة -﵂- الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَحَدِيثُ صَالِحٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ).
[ ١٠ / ١٢٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة حافظ إمام، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَشَفَ السِّتَارَةَ) "آخر" مبتدأ خبره قوله: "كشَفَ السِّتارة"، بتقدير حرف مصدريّ، أي أن كشف، و"السِّتَارة" بالكسر: ما يُسْتر به، كالسُّترة، والْمِسْتَر، والإستار، جمعه: سَتَائر، قاله في "القاموس" (^١).
وقوله: (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) متعلّق بـ "كشف".
وقوله: (بِهَذ الْقِصَّةِ) أي يعني أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بهذه القصّة التي سبقت في رواية صالح بن كيسان، عنه.
وقوله: (وَحَدِيثُ صَالِحٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ) أراد به أن حديث سفيان مختصر.
[تنبيه]: حديث سفيان بن عيينة التي أحالها هنا، ساقها بتمامها الإمام النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١٨٣١) أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أنس، قال: "آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه -ﷺ- كَشَفَ السِّتَارة، والناس صفوف خلف أبي بكر -﵁-، فأراد أبو بكر أن يرتدَّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْفَ، وتُوُفّي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الاثنين". انتهى.
وأخرجها أيضًا الإمام ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٦٢٤) حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٢/ ٤٤.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
سمع أنس بن مالك يقول: "آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه -ﷺ- كَشَفَ السِّتَارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقَةُ مُصْحف، والناس خلف أبي بكر في الصلاة، فأراد أن يتحرك، فأشار إليه أَنِ اثْبُتْ، وألقى السِّجْفَ، ومات من آخر ذلك اليوم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخْبَرَنِي (^١) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وابن عيينة، يعني أن معنى حديث معمر، عن الزهريّ كمعنى حديث صالح، وسفيان عنه.
[تنبيه]: رواية معمر هذه ساقها بتمامها الحافظ أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٤٤٥) فقال:
(١٦٤٩) حدّثنا الدَّبَريّ (^٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: وأخبرني أنس بن مالك، قال: "لَمّا كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول اللَّه -ﷺ- سِتْرَ الحجرة، فرأى أبا بكر يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ في وجهه كأنه ورقةُ مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَن في صلاتنا فرحًا برؤية رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فأراد أبو بكر أن ينكُص، فأشار إليه النبيّ -ﷺ- أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فمات من يومه". انتهى.
وأخرجها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده" مطوّلةً، فقال:
(١٢٥٥٧) حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال الزهريّ: وأخبرني أنس بن مالك، قال: لما كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول اللَّه -ﷺ- سِتْرَ الْحُجْرة، فرأى أبا بكر، وهو يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَنَ في صلاتنا فرحًا لرؤية
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٢) هو إسحاق بن إبراهيم.
[ ١٠ / ١٢٩ ]
رسول اللَّه -ﷺ-، فأراد أبو بكر، أن ينكُصَ، فأشار إليه أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فقُبض من يومه ذلك، فقام عمر، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يمت، ولكنّ ربه أَرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلةً، واللَّه إني لأرجو أن يعيش رسول اللَّه -ﷺ- حتى يَقْطَع أيدي رجال من المنافقين، وألسنتهم، يزعمون، أو قال: يقولون: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد مات". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ -ﷺ-، حِينَ وَضَحَ لَنَا، قَالَ: فَأَوْمَأَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- الْحِجَابَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ الْبَزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) سنة (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنْبَريّ مولاهم، التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"أنس" -﵁- تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى هارون، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه هارون، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وأن شيخه الأول أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك -﵁- أنه (قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال، وقد تقدّم غير مرّة، أن تمييز العدد إذا لم يُذْكَر بعده جاز في العدد التأنيث، والتذكير، وكان ابتداؤها من حين خَرَج النبيّ -ﷺ-، فصلَّى بهم قاعدًا، كما تقدّم (^١). (فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ) أي شَرَع وأخذ (أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ) أي يكون إمامًا يصلّي بالناس، وذلك بأمره -ﷺ-، كما تقدّم قوله -ﷺ-: "مُرُوا أبا بكر أن يصلّي بالناس" (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحِجَابِ) أي أخذه، وإجراء القول مجرى فَعَلَ كثير في استعمال العرب، وقد قدّمنا تحقيقه (فَرَفَعَهُ) أي ليرى ما عليه الصحابة -﵃- من اجتماعهم للصلاة خلف من أمره أن يصلّي بهم، وهو أبو بكر -﵁- (فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا) أي بأن وظهر للصحابة الحاضرين تلك الصلاة، وقال ابن التين: أي ظهر لنا بياضه وحسنه؛ لأن الوضاح عند العرب هو الأبيض اللون لحسنه. انتهى (^٢). (وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، مَا) نافية (نَظَرْنَا مَنْظَرًا)
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ١٩٤، و"عمدة القاري" ٥/ ٣٠٠.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٣٠٠.
[ ١٠ / ١٣١ ]
وفي رواية البخاريّ: "ما رأينا منظرًا (قَطُّ) أي في الزمان الماضي، وهي بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً في أفصح اللغات، ظرف زمان لاستغراق ما مضى وتختصّ بالنفي، يقال: ما فعلته قطّ، والعامّة يقولون: لا أفعله قطُّ، وهو لحنٌ، واشتقاقه من قَطَطْتُهُ: أي قطعته، فمعنى ما فعلته قطّ: ما فعلته فيما انقطع عن عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبُنِيتْ؛ لتضمّنها معنى "مُذْ، وإلى"؛ إذ المعنى: مُذْ أن خُلِقتُ إلى الآن، وعلى حركة؛ لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمّةً؛ تشبيهًا لها بالغايات، وقد تُكْسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تُتْبَع قافه طاءه في الضمّ، وقد تُخَفّف طاؤه مع ضمّها، أو إسكانها، ذكره ابن هشام الأنصاريّ -﵀- في "مغنيه" (^١).
(كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ -ﷺ-، حِينَ وَضَحَ) أي ظهر (لَنَا، قَالَ) أنس -﵁-: (فَأَوْمَأَ) أي أشار، يقال: أومأتُ إليه إيماءً: أشرتُ إليه بحاجب، أو يدٍ، وفي لغة: وَمَأْتُ وَمْئًا، من باب نَفَعَ، قاله الفيّوميّ (^٢). (نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل، مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بالتقدّم، وهذا التقدير قياسٌ، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
ويَحْتَمِلُ أن يكون مفعولًا لـ "أومأ"، بتضمينه معنى "طَلَبَ" أي طلب إليه التقدّم.
ثم إن قوله: "فأومأ. . . إلخ" ليس مخالفًا لقوله في أوله: "فتقدّم أبو بكر"؛ إذ في السياق حذف يظهر من رواية الزهريّ التي قبله، حيث قال فيها: "فنكص أبو بكر".
وحاصل ذلك أن أبا بكر -﵁- تقدّم لأمر النبيّ -ﷺ- له بذلك، فلما كشف -ﷺ- الحجاب ظنّ أنه خارجٌ إليهم ليصلّي بهم، فتأخّر، فأشار إليه -ﷺ- حينئذ أن يرجع إلى مكانه، ويستمرّ على إمامته (^٣)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ص ١٨١.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧٣.
(٣) راجع: "الفتح" ٢/ ١٩٤.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
(وَأَرْخَى) بالبناء للفاعل، أي أرسل (نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- الْحِجَابَ) أي الساتر الذي رفعه بيده؛ ليرى الصحابة -﵃- (فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ) بفتح النون، وكسر الدال، مبنيًّا للفاعل، أي لم نستطع على رؤيته -ﷺ- بعد ذلك (حَتَّى مَاتَ) أي إلى أن مات النبيّ -ﷺ-، وفي رواية للبخاريّ: "فلم يُقدَر" بالياء بدل النون، وعليه فالفعل مبنيّ للمجهول.
قال في "العمدة": ومما يُستفاد منه أن أبا بكر -﵁- كان خليفته -ﷺ- في الصلاة إلى موته، ولم يَعزِله عنها، كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبيّ -ﷺ-، وتخلّفه، وتقدّم النبيّ -ﷺ-، وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان فوائده قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٣] (٤٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُل رَقِيقٌ، مَتَى يَقُمْ (^١) مَقَامَكَ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: "مُرِي أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ"، قَالَ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في هذا الباب.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن الوليد الْجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "متى يقوم".
[ ١٠ / ١٣٣ ]
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْن عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الفرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقد جاوز (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وشرح الحديث يعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى -﵁- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٢/ ٩٥٣] (٤٢٠)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٣٨٥)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (١/ ٣٩٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٤٤٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٤٥)، و(النسائي) في "الكبرى" (٥/ ٤٠١)، و(البيهقي) في "الكبرى" (٨/ ١٥٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.