وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣١٩] (٥٨٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالتَّكْبِيرِ).
[ ١٣ / ١٠١ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحِيّ مولاهم المكي، ثقةٌ ثبت [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (أَبُو مَعْبَدٍ) اسمه: نافذ -بفاء، فمعجمة- مولى ابن عباس - المكيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر -﵄-، مات (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: قوله: (أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ -﵀-: في نسخة أبي العلاء بن ماهان: "سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني جدّي أبو معبد"، هكذا في نسخة الأشعريّ، وابن الحذّاء، عن ابن ماهان.
وقوله: "جدّي" تصحيف، وإنما صوابه: "أخبرني بذا"، يريد بهذا، وليس لعمرو بن دينار جدّ يَروي عنه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي شرح الحديث، وبيان مسائله في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا كنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ).
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨١٥ - ٨١٦.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ١٠٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيّين، سوى شيخه الأول، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن أبي معبد.
٥ - (ومنها): أن فيه ابنَ عباس -﵄- أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم، والموحدة، بينهما عين، فدال مهملتان (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعمرو بن دينار، والثاني لأبي معبد، يعني أن عمرو بن دينار سمع أبا معبد، حال كونه (يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (قَالَ: مَا) نافية (كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ) أي بسماعنا لتكبير المصلّين بعد سلامهم من الصلاة، حيث إنهم يجهرون به.
رواية المصنّف هذه فيها الحصر، ومثلها رواية النسائيّ بلفظ: "إنما كنتُ أعلم انقضاء صلاة رسول اللَّه -ﷺ- بالتكبير".
وفي الرواية التالية من طريق ابن جُريج، عن عمرو: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبيّ -ﷺ-"، قال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته".
والرواية الأولى أخصّ من رواية ابن جريج هذه؛ لأن الذكر أعمّ من التكبير، ويَحْتَمِل أن تكون مفسّرة لها، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي
[ ١٣ / ١٠٣ ]
بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد (^١)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-.
واختُلف في كون ابن عبّاس -﵄- قال ذلك، فقال القاضي عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، ولا يُلزَم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يَعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير.
(قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي الحديث المذكور (لِأَبِي مَعْبَدٍ) ولعله ذكره ليحدّثه مرّةً ثانيةً، أو لأمر آخر (فَأَنْكَرَهُ) أي أنكر أبو معبد كون هذا الحديث من حديثه (وَقَالَ) أبو معبد (لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا) فيه أنه مما نسيه أبو معبد (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ) يعني أنه نسيه بعدما كان سمعه عن ابن عبّاس -﵄-، وحدّث به عمرًا.
وفي رواية الحميديّ في "مسنده": "قال عمرو: فذكرت بعد ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدّثك به، فقلت: بلى قد حدّثتنيه قبل هذا، قال سفيان: كأنه خَشِي على نفسه".
وقال الشافعيّ في "المسند" (١/ ٩٥) بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نَسيه بعدما حدّثه إياه (^٢).
وفي إنكار الشيخ على الراوي تحديثه له اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ١٣٢٠ و١٣٢١] (٥٨٣)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٠.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٨٠.
[ ١٣ / ١٠٤ ]
"الأذان" (٨٤٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠٠٢)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٥) وفي "الكبرى" (١٢٥٨)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٤)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٢٢٥)، و(الحميدي) في "مسنده" (٤٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢ و٣٦٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٠٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٣٢)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٢٢٠٠ و١٢٢١٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال الطبريّ -﵀-: فيه إبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة.
وتعقّبه ابن بطاّل بأنه لم يَقِف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في "الواضحة" أنهم كانوا يستحبّون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاثًا، قال: وهو قديم من شأن الناس.
قال ابن بطاّل: وفي "العتبية" عن مالك أن ذلك مُحدَث.
قال: وفي السياق إشعار بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال.
قال الحافظ: في التقييد بالصحابة نظرٌ، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل.
وقال النوويّ: حَمَلَ الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يَسِيرًا لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يُخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كون الإخفاء هو المختارَ مع صحة أحاديث الجهر بالذكر نظرٌ لا يخفى، بل قول ابن عبّاس -﵄-: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد النبيّ -ﷺ-" ظاهر في كونه مستمرًّا، وسياتي تحقيق هذا في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
[ ١٣ / ١٠٥ ]
٢ - (ومنها): أن قوله: "كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ-" أن مثل هذا عند الشيخين له حكم الرفع، خلافًا لمن شذّ، ومنع ذلك، ومذهب الجمهور على ذلك، كما قاله في "الفتح" (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: يُؤخذ منه أنه لم يكن هناك مُبَلّغ جهير الصوت، يُسمِع مَن بَعُدَ. انتهى.
٤ - (ومنها): أن في قول عمرو بن دينار -﵀-: "فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره. . . إلخ" دليلًا على أن البخاريّ ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث الذي يُروَى على هذا الوجه مع إنكار المحدّث له، إذا حدّث به عنه ثقة.
قال النوويّ -﵀-: وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، قالوا: يُحتجّ به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكُّكه فيه، أو لنسيانه، أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدّثتك به، ونحو ذلك، وخالفهم الكرخيّ من أصحاب أبي حنيفة -﵀-، فقال: لا يُحتجّ به.
فأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدِّثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم؛ لأن جزم كلّ واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يَقْدَحُ ذلك في باقي أحاديث الراوي؛ لأنا لم نتحقق كذبه. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
وقال في "الفتح": "قال الشافعيّ بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به". انتهى.
وهذا يدلّ على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان الناقل عنه عدلًا.
ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إما أن يَجْزِم، أو لَا، وإذا جزم، فإما أن يصرّح بتكذيب الراوي عنه، أو لا، فإن لم يجزم بالرّدّ، كأن قال: لا أذكره، فهو مُتَّفق على قبوله؛ لأن الفرع ثقة، والأصل لم يَطعَن فيه، وإن جزم، وصرّح بالتكذيب، فهو متَّفق عندهم على ردّه؛ لأن جزم الفرع بكون الأصل
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
[ ١٣ / ١٠٦ ]
حدّثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كَذَب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالردّ، ولم يصرّح بالتكذيب، فالراجح عندهم قبوله.
وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، وعن بعض الحنفيّة، ورواية عن أحمد لا يُقبل، قياسًا على الشاهد.
وللإمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدّم، وزاد: فإن كان الفرع متردّدًا في سماعه، والأصل جازمًا بعدمه سقط؛ لوجود التعارض.
ومحصّل كلامه آنفًا أنهما إن تساويا فالرّدّ، وإن رُجِّح أحدُهما عُمل به.
وهذا الحديث من أمثلته.
وأبعَدَ مَن قال: إنما نَفَى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار، وهو الذي وقع من عمرو، ولا مخالفة، وتردّه الرواية التي فيها: "فأنكره"، ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار، ولأن التفرقة بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك، وفي كتب الأصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية. انتهى (^١).
وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطيّ -﵀- في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ
أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الجهر بالذكر:
قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحبّ رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبّه من المتأخرين ابن حزم الظاهريّ، ونقل ابن بطال، وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الاتّفاق المذكور غير صحيحة،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٠.
[ ١٣ / ١٠٧ ]
وسيتبيّن لك بطلانها في كلام الحافظ ابن رجب -﵀-، حيث ينقل عن الإمام أحمد وغيره مشروعيةَ الجهر، فتبصر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، وباللَّه تعالى التوفيق.
قال: وحَمَل الشافعيّ -﵀- هذا الحديث على أنه جَهَر وقتًا يسيرًا حتى يُعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائمًا، فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا اللَّه تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويُخْفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتَعلّم منه، فيجهر حتى يَعلَم أنه قد تُعُلِّم منه، ثمّ يُسرّ، وحَمَلَ الحديث على هذا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ -﵀- من حمله هذا الحديث على وقت يسير، فيه نظرٌ لا يخفى، فإن من تأمّل قول ابن عبّاس -﵄-: "إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان في عهد رسول اللَّه -ﷺ-"، يظهر ضعف هذا التأويل، فإن ابن عبّاس -﵄- من أهل اللغة، فتعبيره بهذا الأسلوب ظاهر في الاستمرار، لا أنه حصل وقتًا يسيرًا، ثم انقطع، فتأمله بالإنصاف.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم -﵀-: [مسألة]: ورفعُ الصوت بالتكبير إثر كلّ صلاة حسن.
ثم استَدَلّ بحديث ابن عباس -﵄- المذكور، ثم قال: فإن قيل: قد نَسِي أبو معبد هذا الحديث، وأنكره.
قلنا: فكان ماذا؟، عمرو أوثق الثقات، والنسيان لا يَعرَى منه آدميّ، والحجّة قد قامت برواية الثقة. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد دلّ حديث ابن عبّاس -﵄- على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة.
وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر، وحُكي عن أكثر العلماء خلافُ ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
_________________
(١) "المحلَّى" ٤/ ٢٦٠.
[ ١٣ / ١٠٨ ]
وَخُفْيَةً﴾ الآية [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبيّ -ﷺ- لمن جهر بالذكر من أصحابه: "إنكم لا تَدْعُون أصمّ، ولا غائبًا. . . " الحديث. متفق عليه.
ثم ذكر كلام الشافعيّ -﵀- المتقدّم، ثم قال: وكذلك ذكر أصحابه، وذكر بعض أصحابنا -يعني الحنابلة- مثل ذلك أيضًا، ولهم وجه آخر أنه يكره الجهر به مطلقًا.
وقال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": ظاهر كلام أحمد أنه يُسنّ للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات، بحيث يُسمِع المأمومَ، ولا يزيد على ذلك، وذَكَرَ عن أحمد نصوصًا تدلّ على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرّ بالدعاء.
وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام، فإن حديث ابن عبّاس هذا ظاهره يدلّ على جهر المأمومين أيضًا.
ويدلّ عليه أيضًا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث ابن الزبير -﵄- أنه كان يقول في دبر كلّ صلاة حين يُسلّم: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون"، وقال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُهلّ بهنّ في دبر كلّ صلاة.
ومعنى يُهلّ: يرفع صوته، ومنه الإهلال في الحجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا وُلد.
وقد كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من يليه.
فأخرج النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" من رواية عون بن عبد اللَّه بن عُتبة، قال: صلّى رجل إلى جنب عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلّم يقول: "أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، ثم صلّى إلى جنب عبد اللَّه بن عُمر، فسمعه حين سلّم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صلّيت إلى جنب عبد اللَّه بن عمرو، فسمعته يقول مثل ما قلت، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول ذلك.
[ ١٣ / ١٠٩ ]
وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته "لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر"، فقال لهم النبيّ -ﷺ-: "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصمّ، ولا غائبًا"، وأشار إليهم بيده يُسكّتهم، ويخفّضهم، وقد أخرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ.
وقال عطية بن قيس: كان الناس يذكرون اللَّه عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن كرروا الذكر، أخرجه جعفر الفريابي في "كتاب الذكر"، وأخرج أيضًا من رواية ابن لهيعة، عن زُهْرَة بن معبد، قال: رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاءين كبّر حتى يبلغ منزله، ويرفع صوته.
وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر -﵁- أن رجلًا كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "دعه، فإنه أوّاه".
وهذا يدلّ على أنه يُحتَمَلُ ذلك ممن عُرف صدقه وإخلاصه دون غيره.
وأخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لرجل يقال له ذو البجادين: "إنه أوّاه"، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر للَّه في القرآن، ويرفع صوته في الدعاء، وفي إسناده ابن لهيعة.
وقال الأوزاعيّ في التكبير في الْحَرس في سبيل اللَّه: أحبّ إليّ أن يذكر اللَّه في نفسه، وإن رفع صوته فلا بأس.
فأما قول ابن سيرين: يكره رفع الصوت إلا في موضعين: الأذان، والتلبية، فالمراد به -واللَّه أعلم- المبالغة في الرفع كرفع المؤذن والملبّي.
وقد رُوي رفع الصوت بالذكر في مواضع، كالخروج إلى العيدين، وأيام العشر، وأيام التشريق بمنى.
وأما الدعاء فالسنة إخفاؤه.
ففي "الصحيحين" عن عائشة -﵂- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية [الإسراء: ١١٠] أنها نزلت في الدعاء.
وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة -﵃-، وعن سعيد بنْ جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم.
[ ١٣ / ١١٠ ]
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يُسرّ دعاءه لهذه الآية، قال: وكان يُكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء.
وقال سعيد بن المسيب: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وكرهه مجاهد وغيره.
ورَوَى وكيع عن الربيع، عن الحسن، والربيعُ عن يزيد بن أبان، عن أنس أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئًا من دعائه.
وورد فيه رخصة من وجه لا يصح.
أخرجه الطبراني من رواية أبي موسى: كان نبي اللَّه -ﷺ- إذا صلّى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري" -ثلاث مرّات- "اللهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي" -ثلاث مرّات- "اللهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي" -ثلاث مرّات-، وذكر دعاء آخر.
وفي إسناده يزيد بن عياض متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة ضعيف.
فأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب -﵄- قال: كنا إذا صلّينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه ليُقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك".
فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك، حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحيانًا جليسه كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانًا في صلاة النهار.
ورَوَى هلال بن يساف، عن زاذان، حدثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في دبر الصلاة: "اللهم اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الغفور" مائة مرّة. أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، وعنه بقيّ بن مخلد في "مسنده". انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر في كلام الحافظ ابن
_________________
(١) "المصنف" ١٣/ ٤٦٢، ورجاله ثقات.
(٢) "شرح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٣٩٨ - ٤٠٤.
[ ١٣ / ١١١ ]
رجب -﵀-، وكذا ما تقدم من كلام ابن حزم: أن الصواب هو الذي ذهب إليه أحمد، وبعض السلف، من أن رفع الذكر بعد الصلاة مستحبّ، وأن القول بكراهة ذلك مع صحة الأدلّة، ولا سيما حديث ابن عباس -﵄- المذكور في الباب مما لا وجه له، وأن دعوى اتّفاق أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم على عدم القول به من الدعاوي الباطلة.
فهذا الإمام أحمد -﵀- قد عرفتَ قولَه بالاستحباب، أليس هو من أصحاب المذاهب المتبوعة؟ إن هذا لشيء عجيب!!.
وأنه لا دليل لمن حَمَل حديث ابن عباس -﵄- على أن الجهر كان وقتًا يسيرًا للتعليم، كما لا دليل لمن ادَّعَى أن الجهر بالتأمين كان لأجل التعليم.
وهذا ابن عباس -﵄- من أعلم الناس بالسنّة يخبرنا إخبارًا مطلقًا، دون أن يقيده بوقت دون وقت، وأيضًا فإن فيه لفظة "كان" المشعرة بالمداومة والمواظبة.
والحاصل أن أكثر عمل النبيّ -ﷺ- وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٣ / ١١٢ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، يدلّ ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.