وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٤] (٤٢١) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ؛ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ،
[ ١٠ / ١٣٤ ]
فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ -﷿- عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ "، قَالَ (^١) أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ (^٢) لِلنِّسَاءِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٨٨)، وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٤٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال".
(٢) وفي نسخة: "وإنما التصفيق" بالقاف.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
آنفًا، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃- على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) -﵄-، وفي رواية النسائيّ من طريق سفيان، عن أبي حازم: "سمعتُ سهلًا" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ) بن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما: الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس، فيه عِدّةُ أَحياء، كانت منازلهم بقباء، منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضُبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف (^١).
(لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) أي إن سبب ذهابه -ﷺ- إليهم لأجل أن يُصلح ما وقع بينهم من العداوة، ففي رواية النسائيّ، "أن رسول اللَّه -ﷺ- بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء"، وفي رواية سفيان، عن أبي حازم: "وقع بين حيين من الأنصار كلام"، وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الصلح" من طريق محمد بن جعفر، عن أبي حازم: "أن أهل قباء اقتتلوا، حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، فقال: اذهبوا بنا نُصلِح بينهم".
وله فيه من رواية أبي غَسّان، عن أبي حازم: "فخرج في أناس من أصحابه"، وسَمَّى الطبرانيّ منهم، من طريق موسى بن محمد، عن أبي حازم: أُبَيَّ بنَ كعب، وسهيلَ بنَ بيضاء، وللبخاريّ في "كتاب الأحكام" من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: أن توجهه كان بعد أَنْ صلّى الظهر، وللطبرانيّ من طريق عُمَر بن عليّ، عن أبي حازم: "أن الخبر جاء بذلك، وقد أَذَّنَ بلال لصلاة الظهر".
(فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي قرب وقت الصلاة، والمراد بها العصر، فقد صُرِّح به عند البخاريّ في "كتاب الأحكام"، ولفظه: "فلما حضرت صلاة العصر أَذَّنَ وأقام، وأمر أبا بكر، فتقدَّم"، ولم يسم فاعل ذلك، وقد أخرجه أحمد، وأبو
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٩٧.
[ ١٠ / ١٣٦ ]
داود، وابن حبان من رواية حماد بن زيد، عن أبي حازم، فبَيَّن الفاعلَ، وأن ذلك كان بأمر النبيّ -ﷺ-، ولفظه: "فقال لبلال: إن حضرت العصر، ولم آتك، فمر أبا بكر، فليصلّ بالناس، فلما حضرت العصر أَذَّن بلال، ثم أقام، ثم أَمَر أبا بكر فتقدم"، ونحوه للطبرانيّ من رواية موسى بن محمد، عن أبي حازم، وعُرِفَ بهذا أن المؤذن بلال -﵁-.
(فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ) أي بلال -﵁-، كما مرّ آنفًا (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَقَالَ: أتصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟) بالنصب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة في جواب الاستفهام، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَب
ويجوز رفعه، على أنه مستأنف بتقدير مبتدأ، أي فأنا أقيم.
ثم إن هذا لا يعارض ما ذكرناه آنفًا من أن ذلك بأمر النبيّ -ﷺ- بلالًا بذلك؛ لأنه يُحمل على أن بلالًا استفهم أبا بكر، هل يبادر أوّلَ الوقت لتنفيذ أمر رسول اللَّه -ﷺ-، أم أنه ينتظر قليلًا مجيئه -ﷺ- حتى يُصلّي بالناس؟ فترجّح لأبي بكر -﵁- المبادرة؛ لأنها فضيلة متحقّقة، فلا تُترك لفضيلة متوهّمة، أفاده في "الفتح" (^١).
(قَالَ) أبو بكر -﵁-: (لعَمْ) زاد في رواية البخاريّ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: "إن شئت"، وإنما فَوَّض ذلك له مع كونه -ﷺ- أمره أن يؤمّ الناس إن تأخّر؛ لاحتمال أن يكون عند بلال -﵁- زيادة علم من النبيّ -ﷺ- في ذلك.
(قَالَ) سهل -﵁- (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي دخل في الصلاة، وفي رواية النسائيّ: "فأقام بلالٌ، وتقدّم أبو بكر، فكبّر بالناس"، وفي رواية للبخاريّ: "وتقدم أبو بكر، فكبّر"، وفي روايةٍ: "فاستفتح أبو بكر الصلاة"، وهي عند الطبرانيّ.
قال في "الفتح": وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يَسْتَمِرّ إمامًا، وحيث استمرّ في مرض موته -ﷺ- حين صلّى خلفه
_________________
(١) ٢/ ١٩٧.
[ ١٠ / ١٣٧ ]
الركعة الثانية من الصبح، كما صَرَّح به موسى بن عقبة في "المغازي"، فكأنه لَمّا أَنْ مَضَى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولَمّا أن لم يَمْضِ منها إلا اليسير لم يستمرّ، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف، حيث صلّى النبيّ -ﷺ- خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمرّ في صلاته إمامًا لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن هي الآتية بعد هذا من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.
(فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية للنسائيّ: "ثم جاء رسول اللَّه -ﷺ- (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَتَخَلَّصَ) قال الكرمانيّ: أي صار خالصًا من الأشغال، فتعقّبه العينيّ -﵀-، فقال: ليس المراد هذا المعنى هنا، بل معناه: فتخلّص من شَقّ الصفوف، حتى وصل إلى الصفّ الأول، وهو معنى قوله (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) أي في الصفّ الأول، والدليل على ما قلنا: رواية عبيد اللَّه العمريّ (^١) عند مسلم -يعني الآتية بعد هذا-: "فجاء رسول اللَّه -ﷺ-، فخَرَقَ الصفوف حتى قام عند الصفّ المقدّم". انتهى (^٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: "فجاء النبيّ -ﷺ- يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا، حتى قام في الصف الأول"، وفي رواية للنسائيّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: "فجعل يشقّ الناس، حتى قام خلف أبي بكر".
(فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء من التصفيق، أي ضربوا كفّ إحدى اليدين على صفحة الكفّ الآخر؛ إعلامًا لأبي بكر -﵁- بحضور النبيّ -ﷺ-، ففي رواية النسائيّ، من طريق عبيد اللَّه العمريّ، عن أبي حازم: "وصَفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول اللَّه -ﷺ-".
وللبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: "فأخذ الناس في التصفيح"، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. انتهى.
_________________
(١) وقع في نسخة "العمدة": "عن عبد العزيز"، وهو غلط؛ لأن هذا عند مسلم ليس في رواية عبد العزيز، وإنما هو في رواية عبيد اللَّه العمريّ، فتنبّه.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٣٠٦.
[ ١٠ / ١٣٨ ]
قال في "الفتح": وهذا يدل على ترادفهما عنده، فلا يُلتَفت إلى ما يخالف ذلك. انتهى.
وقال الكرمانيّ: التصفيق: الضرب الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويت بها. انتهى.
وقال في "العمدة": التصفيق: هو التصفيح بالحاء، سواء صَفَّق بيده، أو صَفَّح، وقيل: هو بالحاء الضرب بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو اللَّهْوُ واللَّعِبُ.
وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء ضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى، وقال الداوديّ في بعض الروايات: "فصَفَّح القوم، وإنما التصفيح للنساء"، فيُحْمَل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. انتهى (^١).
(وَكَانَ أَبُو بَكْرِ) -﵁- (لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ) لمزيد خشوعه، واستغراقه في مناجاة ربّه، ولأَنه ورد ذمُّ الالتفات في الصلاة، فقد أخرج البخاريّ عن عائشة -﵂-، قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يزال اللَّه -﷿- مقبلًا على العبد في صلاته، ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَف وجهه انصرف عنه".
وأخرج أحمد، والترمذيّ عن الحارث الأشعريّ -﵁- نحوه، وزاد: "فإذا صلّيتم، فلا تلتفتوا" (^٢).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٣٠٦.
(٢) حديث الحارث الأشعريّ -﵁- حديث طويل صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، ولفظه:
(٣) حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبان بن يزيد، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أن أبا سلام حدّثه، أن الحارث الأشعريّ حدّثه أن النبيّ -ﷺ- قال: "إن اللَّه أمر يحيى بن زكريا بخمس =
[ ١٠ / ١٣٩ ]
(فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ) وفي رواية البخاريّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: "فلما رأى التصفيح لا يُمْسَك عنه التفت".
يعني أنه لَمّا صفّق أكثر الناس التفت أبو بكر -﵁- لينظر ما أوجب تصفيقَهُمِ.
(فرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) عطف على محذوف، أي فأخذ أبو بكر في التأخّر ليتقدّم رسول اللَّه -ﷺ-، فأشار إليه -ﷺ- بعدم التأخّر (أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) "أن" تصلح أن تكون مصدريّة، والتقدير: فأشار إليه
_________________
(١) = كلمات، أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن اللَّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخْسَف بي، أو أُعَذَّب، فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وتَعَدَّوا على الشَّرَف، فقال: إن اللَّه أمرني بخمس كلمات، أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولهنّ أن تعبدوا اللَّه، ولا تشركوا به شيئًا، وإن مثل من أشرك باللَّه، كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله، بذهب أو ورق، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل، وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟، وإن اللَّه أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن اللَّه يَنْصِب وجهه لوجه عبده في صلاته، ما لم يلتفت، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك، كمثل رجل في عصابة، معه صُرَّةٌ، فيها مسكٌ، فكلهم يعجب، أو يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم، وآمركم أن تذكروا اللَّه، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سِراعًا، حتى إذا أتى على حِصْن حَصِين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحرِز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللَّه" -قال النبيّ -ﷺ-: "وأنا آمركم بخمس، اللَّه أمرني بهنّ: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه مَن فارق الجماعة قِيدَ شِبْر فقد خَلَع رِبْقَة الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن ادَّعَى دعوى الجاهلية، فإنه من جُثَا جهنم"، فقال رجل: يا رسول اللَّه، وإن صلى وصام؟، قال: "وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى اللَّه الذي سماكم المسلمين المؤمنين، عباد اللَّه". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ١٠ / ١٤٠ ]
بالمكث في مكانه، ويَحْتَمل أن تكون تفسيريّة؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، والتقدير: فأشار إليه: أي امكُث مكانك، وقد تقدّم البحث فيها قريبًا.
وفي رواية للبخاريّ: "فأشار إليه يأمره أن يصلّي"، وفي رواية له: "فأومأ إليه رسول اللَّه بيده"، "فدفع في صدره ليتقدّم، فأبى".
(فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) قال السنديّ -﵀-: فيه دليلٌ لمشروعيّة رفع اليدين بالدعاء في الصلاة، حيث لم يُنكر النبيّ -ﷺ- على أبي بكر -﵁- رفع يديه. انتهى.
(فَحَمِدَ اللَّهَ -﷿- عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ) وفي رواية للنسائيّ: "فحمد اللَّه -﷿- على قول رسول اللَّه -ﷺ- له: امْضِهْ"، وإنما حمد اللَّه -﷿-؛ لأجل إكرام النبيّ -ﷺ- إياه بالتقدّم بين يديه، وإنما ترك امتثال الأمر؛ لكونه فَهِمَ أن الأمر بذلك مجرّد إكرام، وليس للإلزام، فاختار التأدّب، وإلا فلا يجوز له مخالفة الأمر.
ثم إن ظاهره أنه تلفظ بالحمد، لكن في رواية الحميديّ، عن سفيان: "فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا للَّه، ورجع القهقرى".
وادَّعَى ابن الْجَوْزيّ أنه أشار بالشكر والحمد بيده، ولم يتكلم، وليس في رواية الحميديّ ما يمنع أن يكون تلفظ، ويُقَوِّي ذلك ما عند أحمد، من رواية عبد العزيز الماجشون، عن أبي حازم: "يا أبا بكر، لم رفعت يديك؟ وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعتُ يدي؛ لأني حمدت اللَّه على ما رأيتُ منك"، قاله في "الفتح" (^١).
(ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ) أي تأخّر عن مقام الإمامة (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ) أي قام فيه، وفي رواية النسائيّ: "ورجع القهقرى وراءه، حتى قام في الصفّ"، وفي رواية له: "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه فتأخّر، فلما رأى ذلك رسول اللَّه -ﷺ- تقدّم" (وَتَقَدَّمَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَصَلَّى) زاد النسائيّ: "بالناس"، وفي رواية المسعوديّ: "فلما تَنَحَّى تقدم النبيّ -ﷺ-"، ونحوه في رواية حماد بن زيد.
_________________
(١) ٢/ ١٩٧.
[ ١٠ / ١٤١ ]
وفيه دليلٌ على أن الإمام الراتب إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخيّر بين أن يأتمّ به، أو يؤمّ هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم النبيّ -ﷺ- من الصلاة بعد أن انتهى منها (فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) بضمّ الموحّدة، يقال: ثبت الشيءُ يثبُتُ ثُبُوتًا، من باب قعد: دام واستقرّ، فهو ثابتٌ (^١)، أي تدوم وتستقرّ إمامًا تصلي بالناس (إِذْ) ظرفيّة متعلّقة بـ "تثبُت" (أَمَرْتُكَ؟ ") أي وقت أمري لك بذلك (قَالَ) وفي نسخة: "فقال (أَبُو بَكْرٍ) -﵁- (مَا) نافية (كَانَ) وفي رواية النسائيّ: "ما كان ينبغي" (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) -بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف فاء- كنية والد الصدّيق، واسمه عثمان بن عامر القرشيّ، أسلم عام الفتح، وعاش إلى خلافة عمر -﵁-، ومات سنة أربع عشرة.
وإنما لم يقل أبو بكر: ما لي، أو ما لأبي بكر؛ تحقيرًا لنفسه، واستصغارًا لمرتبته عند رسول اللَّه -ﷺ-.
(أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية الحمادين، والماجشون: "أن يؤُمّ النبيّ -ﷺ-"، وفي رواية للنسائيّ: "ما كان اللَّه ليرى ابن أبي قُحافة بين يدي نبيّه -ﷺ-".
والمراد من "بين يديه" قُدّامه، وقال الكرمانيّ: أو لفظ "يدي" مقحم، وتعقّبه العينيّ بأنه إذا كان لفظ "يدي" مقحمًا لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى. انتهى (^٢)، وهو تعقّب جيّد، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "المنهل": قوله: "ما كان لابن أبي قُحافة. . . إلخ" يعني ما كان ينبغي لابن أبي قُحافة أن يؤمّ النبيّ -ﷺ-، فكأن النبيّ -ﷺ- قَبِلَ عُذره، حيث لم يُعنّفه على مخالفة أمره.
وفيه: أن من أُكرم بكرامة يُخيَّر فيها بين القبول والترك إذا علم أن الأمر ليس على طريق الإلزام. انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٨٠.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٣) "المنهل العذب المورود" ٦/ ٤٦ - ٤٧.
[ ١٠ / ١٤٢ ]
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا لِي) "ما" استفهاميّةٌ مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، والاستفهام للإنكار، وقوله: (رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من المجرور، وفي رواية النسائيّ: "فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ ".
(مَنْ) شرطيّة، جوابها "فليُسبّح" (نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ) أي أصابه، وعرض له في خلال صلاته شيء مما يقتضي إعلام غيره بشيء، من تنبيه إمامه على خلل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو نحو ذلك (فَلْيُسَبِّحْ) وفي رواية النسائيّ: "فليقل: سبحان اللَّه"، وحمل الجمهور الأمر على الندب، وسيأتي البحث عنه مستوفًى قريبًا (فَإِنَّهُ) الفاء لتعليل أمره بالتسبيح، والضمير للشأن، أي لأن الحال والشأن (إِذَا سَبَّحَ) بالبناء للفاعل (الْتُفِتَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "فإنه لا يسمعه أحدٌ حين يقول: سبحان اللَّه إلا التَفَتَ إليه"، والتفت" هنا مبنيّ للفاعل.
(وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ) بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ: "وإنما التصفيق" بالقاف، وتقدّم أن الأرجح كونهما بمعنى واحد (لِلنِّسَاءِ") يعني أنهنّ إذا نابهنّ أمر في الصلاة فالتصفيح هو المشروع لهنّ، كما تدلّ عليه الروايات الأخرى، ففي رواية للنسائيّ: "إذا نابكم أمرٌ، فليُسبّح الرجال، وليُصفِّح النساء".
أو المعنى: أنه من أفعال النساء ولَعِبهنّ، فلا يليق أن يُفْعَل في الصلاة، والأول هو الأرجح.
وقال القرطبيّ -﵀- بعد ذكر معنى التصفيح والتصفيق-: واختُلف في حكمه في الصلاة، فقيل: لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال، ولا النساء، وإنما هو التسبيح للجميع؛ لقوله -ﷺ-: من نابه شيء في صلاته فليُسبّح، فإنه إذا سَبَّحَ الْتُفِت إليه"، وهذا مشهور مذهب مالك وأصحابه، وتأوّلوا قوله -ﷺ-: "إنما التصفيق للنساء" أن ذلك ذمّ للتصفيق، ومعناه: أنه من شأن النساء، لا الرجال، وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال؛ تمسُّكًا بظاهر الحديث، ولحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا الآتي: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، وهو مذهب الشافعيّ، والأوزاعيّ، وحُكي عن مالك أيضًا، وعَلَّلوا
[ ١٠ / ١٤٣ ]
اختصاص النساء بالتصفيق؛ لأن أصواتهنّ عورةٌ، ولذلك مُنعن من الأذان، ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسبٌ، شَهِد الشرع له بالاعتبار، وهذا القول الثاني هو الصحيح؛ نظرًا وخبرًا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي رجّحه القرطبيّ -﵀- من أن الصحيح مشروعيّة التصفيق للنساء؛ عملًا بظواهر النصوص، هو الحقّ، وهذا يعدّ من إنصافه -﵀-؛ إذ هذا خلاف مذهبه، وهذا هو حقّ كلّ مسلم أن يكون دائرًا مع الأدلّة، وإن خالفها الأجلّة، والخلاف في هذه المسألة سيأتي مستوفى في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-.
وأما قوله: "لأن أصواتهنّ عورة"، فمما لا دليل عليه، فأصوات النساء ليست عورةً على الإطلاق، فقد أباح لها الشرع أن تتكلّم مع الرجال للحاجة، فقد كانت النساء المؤمنات في عهده -ﷺ- يسألن الرجال الأجانب حاجتهنّ، ويستفتينهم، وإنما قال اللَّه تعالى لأمهات المؤمنين خاصّة: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية، ومع ذلك لم يمنعهنّ من الكلام، بل قال: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وأما استدلاله بمنعهنّ من الأذان ونحوه فهذا ليس لما ذكره، بل لأمر يخص تلك الأمور، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الثانية): حديث سهل بن سعد الساعديّ -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦] (٤٢١)، و(البخاريّ) (٦٨٤ و١٢٠١ و١٢٠٤ و١٢٣٤ و٢٦٩٠ و٢٦٩٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٤٠)، و(النسائيّ) (٢/ ٧٧ - ٧٩)، و(ابن ماجه) (١٠٣٥)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١١٧ - ١١٨)،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٦.
[ ١٠ / ١٤٤ ]
و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٧٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٢٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٥ و٣٣٦ و٣٣٧ و٣٣٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣١٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٥٣ و٨٥٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٠)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٤٢ و٥٧٧١ و٥٨٨٢ و٥٩٠٩ و٥٩١٤ و٥٩٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٣٣ و٢٠٣٤ و٢٠٣٥ و٢٠٣٦ و٢٠٣٧ و٢٠٣٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٤١ و٩٤٢ و٩٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٦ و٢٤٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه فضلَ الإصلاح بين الناس، وحَسْم مادة الفتنة بينهم، وجمعهم على كلمة واحدة.
٢ - (ومنها): توجُّه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح، وتقديم ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه؛ لأن في ذلك دفع المفسدة، وهو أولى من الإمامة بنفسه، ويَلْتحق بذلك توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم، إذا علم أن فيه مصلحة.
٣ - (ومنها): بيان جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر.
٤ - (ومنها): أن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به، أو يؤم هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يُبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.
قال الحافظ: وادَّعَى ابن عبد البر أن ذلك من خصائص النبيّ -ﷺ-، وادَّعَى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره -ﷺ-، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز، وعن ابن القاسم في الإمام يُحْدِث فيستخلف، ثم يرجع فيخرج المستخلَف، ويُتِمّ الأول أن الصلاة صحيحة. انتهى.
وتعقّبه العينيّ كعادته نصرًا لمذهبه، تركت ذكره لعدم جدواه، فتبصّر.
٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا، وفي بعضها مأمومًا.
[ ١٠ / ١٤٥ ]
٦ - (ومنها): أن من أحرم منفردًا، ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطع لصلاته، كذا استنبطه الطبريّ من هذه القصّة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم كما ذكرنا، قاله في "الفتح".
٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ فضل أبي بكر -﵁- على جميع الصحابة -﵃-، واستَدَلّ به جمع من الشُّرّاح، ومن الفقهاء، كالرويانيّ على أن أبا بكر -﵁- كان عند الصحابة أفضلهم؛ لكونهم اختاروه دون غيره، وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أُمِنت الفتنة، والإنكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابةً عن الإمام يكون أصلحهم لذلك الأمر، وأقومهم به، وأن المؤذن وغيره يَعْرِض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه بعد أن يَعْلَم أن ذلك برضا الجماعة.
قال الحافظ -﵀-: وكلُّ ذلك مبنيّ على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وقد قدّمنا أنهم إنما فعلوا ذلك بأمر النبيّ -ﷺ-. انتهى.
٨ - (ومنها): أن إقامة الصلاة، واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن، لكنه لا يقيم إلا بإذن الإمام، فقد قال بلال لأبي بكر -﵄-: "أتصلّي بالناس، فأقيم؟ "، فقد استأذنه في الإقامة.
٩ - (ومنها): أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو الأولى، فإن أقام غيره جاز، وأما حديث: "من أذَّن فهو يقيم"، فضعيف، وكذلك حديث عبد اللَّه بن زيد لما أمره النبيّ -ﷺ- أن يلقيه على بلال، فقال عبد اللَّه: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: "فأقم أنت"، ضعيف أيضًا، فلا يصلح للاحتجاج بهما، كما ادّعاه بعضهم.
١٠ - (ومنها): أن فعل الصلاة، لا سيما العصر في أول الوقت مقدّم على انتظار الإمام الأفضل.
١١ - (ومنها): أن فيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة؛ لأنه من ذكر اللَّه، ولو كان مراد المسبِّح إعلام غيره بما صدر منه.
١٢ - (ومنها): جواز رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء؛ لأنه -ﷺ- لم يُنكر على أبي بكر ذلك.
١٣ - (ومنها): استحباب حمد اللَّه تعالى من تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
١٤ - (ومنها): جواز الالتفات في الصلاة للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة.
١٥ - (ومنها): أن الإشارة تقوم مقام النطق؛ لمعاتبة النبيّ -ﷺ- أبا بكر على مخالفة إشارته.
١٦ - (ومنها): جواز شَقّ الصفوف، والمشي بين المصلين؛ لقصد الوصول إلى الصفّ الأول، لكنه مقصور على مَن يليق ذلك به، كالإمام، أو مَن كان بصدد أن يَحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سَدّ فُرْجة في الصف الأول، أو ما يليه، مع ترك من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى.
قال المهلب -﵀-: لا تعارض بين هذا، وبين النهي عن التخطي؛ لأن النبيّ -ﷺ- ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرها؛ لأن له أن يتقدم بسبب ما يَنزل عليه من الأحكام، وأطال في تقرير ذلك.
قال الحافظ -﵀-: وتُعُقّب بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك، فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي يحصل من التخطي، وليس كمن شقّ الصفوف، والناسُ جلوسٌ؛ لما فيه من تخطي رقابهم.
١٧ - (ومنها): كراهية التصفيق في الصلاة، وسيأتي تحقيق الأقوال فيه مستوفى -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٨ - (ومنها): أن فيه الحمدَ والشكرَ على الوجاهة في الدين.
١٩ - (ومنها): أن من أُكْرِم بكرامة يتخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأن القرينة التي بَيَّنَت لأبي بكر -﵁- ذلك هي كونه -ﷺ- شَقّ الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فَهِمَ من ذلك أن مراده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له، والتنويه بقدره، فَسَلَك هو طريقَ الأدب والتواضع، ورَجَّحَ ذلك عنده احتمالُ نزول الوحي في حال الصلاة لتغيير حكم من أحكامها، وكأنه لأجل هذا لم يتعقب -ﷺ- اعتذاره بردِّ عليه.
٢٠ - (ومنها): جواز إمامة المفضول للفاضل.
٢١ - (ومنها): سؤالُ الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك.
[ ١٠ / ١٤٧ ]
٢٢ - (ومنها): إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية، واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يُشْعِر بالتواضع، من جهة استعمال أبي بكر -﵁- خطاب الغيبة مكان الحضور؛ إذ كان حقّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي، فعَدَل عنه إلى قوله: "ما كان لابن أبي قحافة"؛ لأنه أدلّ على التواضع من الأول.
٢٣ - (ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة؛ لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه، وأن من احتاج إلى مثل ذلك يرجع القَهْقَرَى، ولا يَستدبِر القبلةَ، ولا ينحرف عنها.
٢٤ - (ومنها): أن الحافظ ابن عبد البر -﵀- استنبط منه جوازَ الفتح على الإمام؛ لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- (^١) وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عَبْدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "عبد العزيز بن أبي حازم" بدون "يعني".
[ ١٠ / ١٤٨ ]
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٤٦) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث عبد العزيز، ويعقوب عن أبي حازم مثل حديث مالك بن أنس عنه الذي ذكر قبل هذا.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا. . . إلخ) يعني أنه وقع في حديث عبد العزيز ويعقوب لفظ: "فرفع أبو بكر يديه، فحمد اللَّه"، ولم يذكرا قوله: "على ما أمره به رسول اللَّه -ﷺ- من ذلك"، وقالا: "ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصفّ" بدل قول مالك: "ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصفّ".
وقوله: (وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ) قال في "القاموس": و"القَهْقَرَى": الرجوع إلى خلف، وتثنيته الْقَهْقَرَان بحذف الياء، وقَهْقَرَ، وتَقَهْقَر: رجع الْقَهْقَرَى. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فعلى هذا يكون قوله: "وراءه" مؤكّدًا لمعنى القهقرى؛ لأن معناه الرجوع إلى خلف، وهو الوراء.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: حديث عبد العزيز بن أبي حازم، الذي أحاله المصنّف هنا على حديث مالك فقد ساقه الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(١٢١٨) حدثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد -﵁- قال: بلغ رسول اللَّه -ﷺ- أن بني عمرو بن عوف بقباء، كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم، في أناس من أصحابه، فحُبِس رسول اللَّه -ﷺ-، وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر -﵁-، فقال: يا أبا بكر، إن رسول اللَّه -ﷺ- قد حُبِس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر -﵁-، فكبّر للناس، وجاء رسول اللَّه -ﷺ- يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا، حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيح -قال سهل: التصفيح هو التصفيق- قال: وكان أبو
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٢/ ١٢٣.
[ ١٠ / ١٤٩ ]
بكر -﵁- لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه -ﷺ-، فأشار إليه يأمره أن يصلّي، فرفع أبو بكر -﵁- يده، فحمد اللَّه، ثم رجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، وتقدم رسول اللَّه -ﷺ-، فصلّى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة، أخذتم بالتصفيح؟ إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته، فليقل: سبحان اللَّه"، ثم التفت إلى أبي بكر -﵁-، فقال: "يا أبا بكر، ما منعك أن تصلّي للناس حين أشرت إليك؟ " قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى.
وأما حديث يعقوب بن عبد الرحمن فقد ساقه بتمامه أيضًا البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(١٢٣٤) حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- بلغه أن بني عمرو بن عوف، كان بينهم شيء، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- يُصلِح بينهم، في أناس معه، فحُبس رسول اللَّه -ﷺ-، وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر -﵁-، فقال: يا أَبا بكر، إن رسول اللَّه -ﷺ-، قد حُبِس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر -﵁-، فكبّر للناس، وجاء رسول اللَّه -ﷺ- يمشي في الصفوف، حتى قام في الصفّ، فأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر -﵁- لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه -ﷺ-، فأشار إليه رسول اللَّه -ﷺ- يأمره أن يصلّي، فرفع أبو بكر -﵁- يديه، فحمد اللَّه، ورجع القهقرى وراءه، حتى قام في الصفّ، فتقدم رسول اللَّه -ﷺ-، فصلّى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس، ما لكم جن نابكم شيء في الصلاة، أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته، فليقل: سبحان اللَّه، فإنه لا يسمعه أحدٌ حين يقول: سبحان اللَّه إلا التفت، يا أبا بكر، ما منعك أن تصلّي للناس، حين أشرت إليك؟ "، فقال أبو بكر -﵁-: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ١٥٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، أَخْبَرَنَا (^١) عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ (^٢) حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعِ) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (م ت س) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى السّاميّ -بالمهملة- أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) أي بمثل حديث مالك، وعبد العزيز، ويعقوب ثلاثتهم عن أبي حازم.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير عبيد اللَّه.
وقوله: (فَخَرَقَ الصُّفُوفَ) وفي نسخة: "فخرق الصفّ"، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: "يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا".
[تنبيه]: حديث عبيد اللَّه بن عُمَر، عن أبي حازم الذي أحاله المصنّف -﵀- هنا على رواية مالك، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن الماضي، ساقه النسائيّ -﵀- في "سننه"، فقال:
(١١٨٣) أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع، قال: حدّثنا عبد الأعلى بن
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "فخرق الصفّ".
[ ١٠ / ١٥١ ]
عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبيد اللَّه، وهو ابن عمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: انطلق رسول اللَّه -ﷺ- يُصْلِح بين بني عمرو بن عوف، فحضرت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فأمره أن يجمع الناس ويؤمهم، فجاء رسول اللَّه -ﷺ-، فخرق الصفوف، حتى قام في الصف المقدَّم، وصفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول اللَّه -ﷺ-، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثروا عَلِمَ أنه قد نابهم شيء في صلاتهم فالتفت، فإذا هو برسول اللَّه -ﷺ-، فأومأ إليه رسول اللَّه -ﷺ- أي كما أنت، فرفع أبو بكر يديه، فحمد اللَّه، وأثنى عليه؛ لقول رسول اللَّه -ﷺ-، ثم رجع القهقرى، وتقدم رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى، فلما انصرف قال لأبي بكر: "ما منعك إذ أومأت إليك أن تصلّي؟ "، فقال أبو بكر -﵁-: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يؤُمّ رسول اللَّه -ﷺ-، ثم قال للناس: "ما بالكم صفّحتم؟، إنما التصفيح للنساء -ثم قال-: إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبِّحُوا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٧] (٢٧٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ (^١)، أَن عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيَرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَى
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد".
[ ١٠ / ١٥٢ ]
الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُتِمُّ صَلَاتَهُ (^١)، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَكثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: "أَحْسَنْتُمْ" أَوْ قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمْ"، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ زَيادٍ) ابن أبيه، المعروف أبوه بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد اللَّه، يكنى أبا حرب، كان والي سِجِسْتان سنة (٥٥) وثّقه ابن حبّان [٤]. روى عن عروة، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة. وروى عنه الزهريّ ومكحول.
قال ابن المدينيّ: رجل مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة: ولّاه معاوية سجستان سنة ثلاث وخمسين. تفرد به المصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلّا هذا الحديث.
٣ - (عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثقفيّ، أبو يَعْفُور الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٢.
٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل الْحُديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وعبّاد، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له النسائيّ، وعبّاد تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
_________________
(١) وفي نسخة: "ليتمّ صلاته".
[ ١٠ / ١٥٣ ]
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
قال ابن جريج: حدّثني ابن شهاب (عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه مخبرًا عن حديث عبّاد بن زياد، وفي نسخة "عن عبّاد بن زياد" بإسقاط "عن حديث" (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) -﵁- (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَبُوكَ) تقدّم أنه موضع ببادية الشام، قريب من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا (^١). (قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي خرج إلى البَرَاز بالفتح، وقد يُكسر، وهو الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وقيل: البَرَاز: الصحراء البارزة، ثم كُني به عن النَّجْو، كما كُنِي بالغائط، فقيل: تَبَرَّز، وقوله: (قِبَلَ الْغَائِطِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: الْمُطْمَئِنّ من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوي، ثم أُطلق الغائط على الخارج المستَقْذَر من الإنسان؛ تسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقْضُون حوائجهم في المواضع المطمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، فقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قوله: "قِبَل الغائط" مؤكِّد لما قبله؛ لأن معنى تبرّز خرج إلى البَرَاز، وهو الفضاء الخالي، وهو قريب من معنى الغائط.
وحاصل المعنى: أنه -ﷺ- اتّجه إلى المكان الخالي البعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته، واللَّه تعالى أعلم.
(فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً) أي بأمره -ﷺ-، ففي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "كنت مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة. . . ".
و"الإِداوة" بالكسر: الْمِطْهَرَة، وجمعها الأَدَوَى بفتح الواو، وقال النوويّ -﵀-: الإداوة، والرّكْوَةُ، والْمِطهرة بكسر الميم، والميضأة بكسرها أيضًا بمعنى متقارب، وهو إناء الوضوء.
(قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي ليتأهّب بالوضوء لأجل صلاتها (فَلَمَّا رَجَعَ
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٦٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٧.
[ ١٠ / ١٥٤ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيَّ) أي من الخلاء بعد قضاء حاجته (أَخَذْتُ) أي شَرَعتُ، وبدأتُ (أُهَرِيقُ) بضمّ الهمزة، وفتح الهاء، وهي مبدلة من الهمزة، قال الفيّوميّ -﵀-: راق الماءُ والدمُ رَيْقًا، من باب باع: انصَبَّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبُهُ، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هَرَاقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجه، ولهذا تُفْتَحُ الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفتَحُ الدال من يُدَحْرِجُهُ، وتُفْتَح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ
والأمرُ هَرِقْ ماءَك، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجمَعُ بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقهُ يُهْرِيقه ساكنُ الهاء تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيع، كأنّ الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خُماسيًّا. انتهى (^١).
(عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ) فيه جواز الاستعانة في صبّ الماء، واستحباب خدمة الأكابر (وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) أي ثلاثًا (ثُمَّ ذَهَبَ) أي أخذ وشرع (يُخْرِجُ) بضم أوله من الإخراج (جُبَّتَهُ) بضم الجيم، وتشديد الموحّدة: نوع من مقطّعات الثياب تُلبس، وجمعها جُبَبٌ بضم، ففتح، وجِبَابٌ بالكسر (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أي ليتمكّن من استيعاب اليد بالغسل (فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ) تثنيةُ كُمّ -بضمّ الكاف، وتشديد الميم-: هو مدخل اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة -بكسر، ففتح- كعِنبَةٍ (^٢).
والمعنى أنه -ﷺ- لَمّا أراد أن يشمّر الثوب عن ذراعيه؛ ليمكنه استيعابهما بالغسل ضاق عليه الكمّان.
وفي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "ثم ذهب يحسُر عن ذراعيه".
(فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ) زاد في الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ" -بفتح الميم، وكسر
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٨.
(٢) راجع: "المصباح المنير"، و"المعجم الوسيط" في مادّة كم.
[ ١٠ / ١٥٥ ]
الكاف، بوزن مَجْلِس-: مُجْتَمِع رأس الكتف والْعَضُد (^١).
(وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ) فيه حذفٌ، تقديره: ثم توضّأ، ومسح على خفّيه، أي أتمّ وضوءه بمسح الرأس، ثم مسح على خفّيه، وفي الرواية المتقدّمة: "فتوضّأ، ومسح على خفّيه"، وفي رواية: "فصببتُ عليه، فتوضّأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفّيه، ثم صلّى".
(ثُمَّ أَقْبَلَ) أي توجّه -ﷺ- إلى الناس (قَالَ الْمُغِيرَةُ) -﵁- (فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ) كان الظاهر أن يقول: حتى وجدنا الناسَ قد قدّموا. . . إلخ؛ لأن الكلام عن الماضي، ولكنه عبّر بالمضارع؛ استحضارًا للصورة الغريبة في نظر المغيرة -﵁-.
[تنبيه]: قوله: "نَجِدَ" يجوز نصبه ورفعه، أما نصبه فبتقدير كونه مستقبلًا لحالة الإقبال، وأما رفعه فبتقدير حاليّته لحالة الإخبار.
والأصل في مسألة "حتى" أن ما بعدها إن كان مستقبلًا بالنسبة للتكلّم وجب نصبه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] أو حاضرًا وقته وجب رفعه، كقولك: سِرْتُ حتى أدخلُ البلدَ إذا قلته وقت الدخول، أو ماضيًا جاز الأمران باعتبار التأويل، فإن قدّرته حاضرًا وقت التكلّم على حكاية الحال وجب رفعه، أو مستقبلًا بتقدير العزم عليه وقت التكلّم وجب النصب، فقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، قرأ السبعة إلا نافعًا "يقول" بالنصب؛ لاستقباله بالنظر للزلزال، ورفعه نافع على فرض القول واقعًا حال الحكاية؛ استحضارًا لصورته.
وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (^٢)
ووجه الرفع هنا فرضه واقعًا حال تكلّم المغيرة به، ووجه النصب كونه مستقبلًا بالنظر لإقباله -ﷺ- مع المغيرة، واللَّه تعالى أعلم.
(قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١٢٩، و"المصباح" ٢/ ٦٢٤.
(٢) راجع: شروح "الخلاصة" لهذا البيت وحواشيها، كحاشية الخضريّ ٢/ ١٧٦ - ١٧٧.
[ ١٠ / ١٥٦ ]
زُهْرَة بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، أبا محمد الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأمه من بني زُهْرة أيضًا، واسمها الشفاء، ويقال: صَفِيّة، وُلِد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبد عمرو، فَغَيَّره النبيّ -ﷺ-.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر، ورَوى عنه أولاده: إبراهيم، وحميد، وعمر، ومصعب، وأبو سلمة، وابن ابنه المسور بن إبراهيم، وابن أخته المسور بن مخرمة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وجبير بن مطعم، وأنس، وبَجَالة بن عبيدة، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، ونوفل بن إياس الْهُذَليّ، ورداد الليثيّ، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيرهم.
قال الزبير بن بَكّار: صلّى رسول اللَّه -ﷺ- وراءه في غزوة -يعني غزوة تبوك- وهو صاحب الشُّورَى، وقال معمر، عن الزهريّ: تصدَّق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبيّ -ﷺ- بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدّق بأربعين ألف دينار، ثم حَمَل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه، وخمسمائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة.
وقال حميد عن أنس: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا لها، فبلَغَنا أن ذلك ذُكِر للنبيّ -ﷺ-، فقال: "دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أُحُدٍ، ومثل الجبال ذهبًا ما بلغتم أعمالهم"، رواه الإمام أحمد في "مسنده" (^١).
وقال الزهريّ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: مَرِضَ عبد الرحمن، فأُغمي عليه، فصرخت أم كلثوم، فلما أفاق قال: أتاني رجلان، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فلقيهما رجل، فقال: لا تنطلقا به، فإنه ممن سبقت له السعادة في بطن أمه.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: صولحت امرأة عبد الرحمن من نصيبها، ربعِ الثُّمُن على ثمانين ألفًا.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (١٣٣١٠).
[ ١٠ / ١٥٧ ]
وكان عبد الرحمن بن عوف -﵁- ممن يُفتي على عهد رسول اللَّه -ﷺ-.
ومناقبه كثيرة، وقال عمرو بن عليّ وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة (٣)، وقال بعضهم: وله خمس وسبعون سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٧٥٢) و(١٧٥٧) و(٢٢١٩) وأعاده بعده.
(فَصَلَّى لَهُمْ) أي لأجلهم إمامًا بهم، وإلا فالصلاة للَّه تعالى (فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ) هي الركعة الثانية، كما أوضحه بقوله: (فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ) أي الثانية من صلاة الصبح (فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُتِمُّ صَلَاتَهُ) وفي نسخة: "ليُتمّ صلاته" (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ) يعني أنه شقّ عليهم تقدّم صلاتهم على صلاة النبيّ -ﷺ- (فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ) أي حين حضر النبيّ -ﷺ-، لا حين قام لقضاء ما سُبق، ففي رواية ابن سعد: "فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعةً، فسبّح الناس له حين رأوا رسول اللَّه -ﷺ- حتى كادوا يُفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه -ﷺ- أن اثبُت".
وفي رواية المصنّف التالية من طريق إسماعيل بن محمد، عن حمزة بن المغيرة: "قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النبيّ -ﷺ-: دَعْهُ".
وفي رواية النسائيّ: "فجئنا، وقد أمّ الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلّى بهم ركعةً من صلاة الصبح، فذهبتُ لأوذنه، فنهاني".
وفي رواية المصنّف السابقة في "الطهارة": "فلما أحسّ بالنبيّ -ﷺ- ذهب يتأخّر، فأومأ إليه، فصلى بهم".
(فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) أي على الصحابة الذين فزعوا من صنيعهم (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("أَحْسَنْتُمْ"، أَوْ قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمْ") أي فعلتم الصواب، وهو ضدّ الخطأ (يَغْبِطُهُمْ) أي يستحسن حالهم، وبتمنّى مثلها، وهو بكسر الموحّدة، وفتحها، من بابي ضرب، وسَمِع، كما في "القاموس"، واقتصر في "المصباح" على الكسر، قال: غَبَطته غَبْطًا، من باب ضرب: إذا تمنّيتَ مثل ما ناله من غير أن تُريد زواله عنه لما أعجبك منه، وعَظُم عندك. انتهى.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
(أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) "أن" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما تقدّم البحث عنه قريبًا.
[فإن قلت]: كيف بقي عبد الرحمن بن عوف إمامًا في صلاته، وتأخر أبو بكر الصديق -﵁- ليتقدم النبيّ -ﷺ-؟ في القصّة السابقة.
[أجيب]: بوجود الفرق بينهما، وذلك أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبيّ -ﷺ- التقدم؛ لئلا يَخْتَلّ ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر -﵁-، فإنه كان في أول ركعة من صلاته، فلا يحصل بتقدّم النبيّ -ﷺ- على الناس اختلالٌ، أفاده النوويّ -﵀- (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وتخريجه، وبقيّة مسائله قد استوفيتها في أبواب المسح من "كتاب الطهارة" برقم [٢٣/ ٦٣٩] فلا أطيل الكتاب بإعادتها، فراجعها إن شئت تستفد علمًا جمًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: مناسبة إيراد المصنّف -﵀- لحديث المغيرة بن شعبة -﵁- هنا لبيان أن الإمام الراتب إذا تأخّر عن أول الوقت يستَحبّ للجماعة أن يقدّموا أحدهم، فيصلّي بهم، ولكن إذا وَثِقوا لحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذّى من ذلك، ولا يترتّب عليه فتنة، فأما إذا لم يَأمنوا أذاه، فإنهم يصلّون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا الجماعة بعد استُحبّ لهم إعادتها معهم، كما أمر النبيّ -ﷺ- أبا ذرّ -﵁- بذلك، فقد أخرج المصنّف -﵀- عن أبي ذرّ -﵁- قال: قال لي رسول اللَّه لى اللَّه عليه وسلم -: "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صَلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة"، وفي لفظ: "ثم إن أقيمت الصلاة، فصلِّ معهم، فإنها زيادة خير"، وفي لفظ: قال: "صلِّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلِّ".
وفي الحديث أيضًا بيان فضل عبد الرحمن بن عوف -﵁- حيث قدّموه للصلاة بهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٣/ ١٧٣.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "دَعْهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
٢ - (حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) بن شعبة الثقفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعباد بن زياد بن أبي سفيان، والنعمان بن أبي خالد، وروى بَكْر بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ عنه، عن أبيه في المسح على الخفين، وقال مرة: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، وقال الحسن البصريّ: عن ابن المغيرة، عن أبيه، في المسح على الخفين، وقال مرةً: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، ولم يسمِّه، قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في أبواب المسح الكلام في اختلاف الإسناد المذكور مستوفًى، فراجع رقم (٢٣/ ٦٣٨) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"الْحُلوانيّ" هو: حسن بن عليّ.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ) يعني أن حديث إسماعيل بن محمد، عن حمزة، عن المغيرة، نحو حديث عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة.
وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "دَعْهُ") أي اترك عبد الرحمن يصلّي بالناس، ولا تؤخّره.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
[تنبيه]: رواية إسماعيل التي أحالها المصنّف هنا على رواية عبّاد ساقها بتمامها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١٢٥) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدّثنا سفيان، قال: سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة، يحدِّث عن أبيه، قال: كنت مع النبيّ -ﷺ- في سفر، فقال: "تَخَلَّف يا مغيرة، وامضوا أيها الناس"، فتخلفت، ومعي إداوة من ماء، ومضى الناس، فذهب رسول اللَّه -ﷺ- لحاجته، فلما رجع ذهبت أَصُبّ عليه، وعليه جبة رُومِيّة ضَيِّقة الْكُمَّين، فأراد أن يُخرج يده منها، فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على خفيه. انتهى.
[تنبيه آخر]: قوله: (قال المغيرة: فأردت. . . إلخ) لم أجد هذه الزيادة عند غير المصنّف، إلا عند الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٦) قال -بعدما ساقه من رواية ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد- ما نصّه: قال ابن شهاب: فحدّثني إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، بمثل حديث عباد بن زياد، وزاد: قال المغيرة: فبادرت لأُخْبِر عبد الرحمن بن عوف، فقال النبيّ -ﷺ-: "دَعْهُ"، فذكر نحوه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.