وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٢] (٥٨٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ (^١)، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ"، قَالَتْ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا هارون بن سعيد الأيليّ".
[ ١٣ / ١١٣ ]
عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر الأَيْليّ، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه المشهور، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٤.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة -﵂- من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ١١٤ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) -﵂- (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) وفي رواية النسائيّ: "دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة. . . "، وفي رواية المصنّف من طريق مسروق، عن عائشة -﵂- الآتية بعد حديث: "قالت: دخلت عليّ عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. . . ".
ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلّمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحْمَل على المتكلّمة، أفاده الحافظ -﵀-، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما.
(وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ) يَحْتمل أن يكون للمسلمين، ويَحْتمل أن يكون لهم ولسائر الناس، وهذا أولى؛ لأنه يدلّ عليه الحديث الآتي بلفظ: "أن أهل القبور يُعذّبون في قبورهم" (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟) أي تعذّبون فيها، قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال القاضي عياض -﵀-: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. انتهى. وتُطلق أيضًا على القتل، والإحراق، والنميمة، والتعذيب.
وإنما نُسبت الفتنة إلى القبر؛ لكون الغالب على الموتى أن يُقبَروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء اللَّه تعالى تعذيبه بعد موته، ولو لم يُدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق، لا يسمعه إلا البهائم، كما جاء في الحديث.
(قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) من الارتياع: وهو الفَزَع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علمٌ، ويكون شنيعًا منكرًا، ثم ردّه (وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ") أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون، وهذا قاله بناءً على أنه لم يوحَ إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأُوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ ما على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم عليه دليل، وظهر أمارةٌ ما على عدمه، وإن كان حقًّا، ولا إثم بإنكاره،
[ ١٣ / ١١٥ ]
قاله السنديّ -﵀- في "شرح النسائيّ" (^١).
وفي هذه الرواية أنكر النبيّ -ﷺ- على اليهودية، وفي رواية مسروق عن عائشة الآتية: "فقال: صدقتا. . . "، وفي رواية للنسائيّ: "نعم عذاب القبر حقّ"، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف.
وأجاب النوويّ تبعًا للطحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ -ﷺ- قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ -ﷺ- بذلك، ولم يُعلِم عائشةَ، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ -ﷺ- بأن الوحي نزل بإثباته، انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبهذا يجاب أيضًا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه -ﷺ- قال: "صدقتا. . . إلخ".
وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ -ﷺ- على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا، من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللَّه -ﷺ- عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: "لا، وعَمَّ ذاك؟ "، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئًا، إلا قالت: وقاك اللَّه عذاب القبر، قال: "كذبت يهود، وهم على اللَّه ﷿ كذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة"، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء اللَّه أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملًا بثوبه، مُحْمَرّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا، وضحكتم قليلًا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق".
قال الحافظ -﵀-: وفي هذا كله أنه -ﷺإنما عَلِم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما سيأتي تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استُشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٤/ ١٠٤ - ١٠٥.
[ ١٣ / ١١٦ ]
الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ -ﷺ- إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحّدين، ثم عَلِم -ﷺ- أن ذلك قد يقع على من يشاء اللَّه منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض -بحمد اللَّه تعالى- انتهى (^١).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ شَعَرْتِ) أيٍ عَلِمتِ، يقال: "شَعَرتُ بالشيء شُعُورًا، من باب قَعَدَ وشِعْرًا، وشِعْرةً بكسرهما: عَلِمْتُ" (^٢). (أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موقع المصدر؛ لوقوعها مفعولًا به لـ "شعرت"، والهاء ضمير الشأن، وهو ما تفسّره جملة بعده (أُوحِيَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة أيضًا؛ لما ذكرته آنفًا، والخطاب للمسلمين (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ ") أي كما تُفتَن اليهود في قبورها، قال في "النهاية": يريد بالفتنة مسألة منكر ونكير، وهو من الفتنة، وهي الامتحان والاختبار. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: المراد عذاب القبر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [البروج: ١٠]، والفتنة تتصرّف على وجوه، وأصلها الاختبار. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر؛ لثبوت ذلك عن النبيّ -ﷺ-.
فأما تفسيره بسؤال الملكين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄-، مرفوعًا: "ولقد أُوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثلَ أو قريب من فتنة الدجال، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٦٠٤ - ٦٠٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣١٥.
(٣) "النهاية" ٣/ ٤١٠.
(٤) "المفهم" ٢/ ٢٠٧.
[ ١٣ / ١١٧ ]
علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: هو محمد رسول اللَّه، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالِحًا، فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما المنافق أو المرتاب، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته".
وأما تفسيره بعذاب القبر، فقد ثبت أيضًا، حيث أمر النبيّ -ﷺ-: بالتعوّذ من عذاب القبر، وأنه -ﷺ- كان يتعوّذ من عذاب القبر، كما بيّنته أحاديث الباب، وغيرها.
والحاصل أن تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر هو الصواب، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد الواقعة المذكورة، وبعد أن أُوحي إليه (يَسْتَعِيذُ) أي يطلب العصمة، والحماية (مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ) أي يطلُب من اللَّه تعالى أن يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه -ﷺ- تعبّد لربه، وتعليم لأمته؛ لأنه معصوم من جميع أنواع العذاب، حيث إن اللَّه ﷿ غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٣٢٢] (٥٨٤) و[٢٤/ ١٣٢٤ و١٣٢٥] (٥٨٦)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٥٠) و"الجنائز" (١٣٧٢) و"الدعوات" (٦٣٦٦)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١١٥ و١٣٠٨ و٢٠٥٥ و٢٠٦٤ و٢٠٦٦ و٢٠٦٧ و٥٥٠٤) وفي "الكبرى" (١٢٣١ و٢١٩١ و٢١٩٢ و٢١٩٣ و٢١٩٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٣٧٤٧ و٢٤٠٦١ و٢٥٤٧٧ و٢٥٥٧٤ و٢٥٨٠١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٩٥
[ ١٣ / ١١٨ ]
و١٢٩٦ و١٢٩٧ و١٢٩٨)، و(البيهقيّ) في "إثبات عذاب القبر" (١٥٨ و١٦٠ و١٦١)، و(الآجريّ) في "الشريعة" (٣٥٩)، و(هناد) في "الزهد" (١/ ٢١١)، و(ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٨٧٦)، و(ابن أبي داود) في "البعث والنشور" (٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستعاذة من عذاب القبر.
٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث وما في معناه يدلّ على صحّة اعتقاد أهل السنّة في عذاب القبر، وأنه حقّ، ويرُدّ على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الجنائز" -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن عذاب القبر ليس خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم.
٤ - (ومنها): جواز التحديث عن أهل الكتاب إذا وافق قول رسول اللَّه ﵇.
٥ - (ومنها): التوقّف عن خبر أهل الكتاب حتى يُعرف أصدقٌ هو، أم كَذِبٌ؟.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الخوف من اللَّه تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه -ﷺ- غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر.
٧ - (ومنها): بيان أنه -ﷺ- لا يَعلم الغيب، إلا ما أطلعه اللَّه تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر مع أنه حقّ؛ لأنه لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أُوحي إليه به صدّقها.
٨ - (ومنها): جواز دخول اليهوديّة على المسلمات.
٩ - (ومنها): جواز استخدام الذميّة، فقد تقدّم في رواية أحمد في "مسنده" أن هذه اليهوديّة كانت تخدم عائشة -﵂-.
١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: ارتياع النبيّ -ﷺ- عند إخبار اليهوديّة بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعاد ذلك للمؤمن؛ إذ لم يكن أُوحي إليه في
[ ١٣ / ١١٩ ]
ذلك شيء، ولذلك حقّقه على اليهود، فقال: "إنما تُفتن يهود" على ما كان عنده من علم ذلك، ثم أخبر أنه أوحي إليه بوقوع ذلك، وحينئذ تعوّذ منه، ولَمَّا استعظم الأمر، واستهوله أكثر الاستعاذة منه، وأمر به، وبإيقاعه في الصلاة؛ ليكون أنجح في الإجابة، وأسعف في الطَّلِبَة؛ إذ الصلاة من أفضل القرب، وأرجى للإجابة، وخصوصًا بعد فراغها (^١)، فقد أخرج الترمذيّ عن أبي أمامة -﵁- قال: قيل: يا رسول اللَّه، أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات"، قال الترمذيّ: حديث حسن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٣] (٥٨٥) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وشرح الحديث واضح.
وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ) هكذا في رواية المصنّف، والنسائيّ، والظاهر أن مرجع اسم الإشارة ما دلّت عليه أحاديث الباب، أي بعدما أُوحى إليه بعذاب القبر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ١٣ / ١٢٠ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٣٢٣] (٥٨٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٦١) وفي "الكبرى" (٢١٨٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٩٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٤] (٥٨٦) - (حَدَّثَنَا (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ (^٢) عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ"، قَالَتْ (^٣): فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "ليُعذّبون".
(٣) وفي نسخة: "ثمّ قالت".
[ ١٣ / ١٢١ ]
٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد مخضرم [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ) تثنية عَجُوز، ووقع في رواية النسائيّ: "عجوزتان" بتاء التأنيث، والأول هو المشهور عند اللغويين، قال ابن السكّيت: الْعَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء.
والثانية أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، ورُوي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في "المصباح".
وقولها: (مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ) -بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي-: جمع عَجُوز، مثل عَمُود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز (فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ) والظاهر أنهما أخذتا هذا من أحبار اليهود (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَكَذَّبْتُهُمَا) ظنًّا منها أن هذا مما كذبه اليهود (وَلَمْ أُنْعِمْ) بضم الهمزة، وإسكان النون، وكسر العين المهملة، من الإنعام، رباعيًّا، يقال: أنعمتُ له -بالألف-: إذا قلتَ له: نَعَم، قال النوويّ -﵀-: أي لم تَطِبْ نفسي أن أُصدّقهما، ومنه قولهم في التصديق: نَعَم، وقولها: (أَنْ أُصَدِّقَهُمَا) "أن" مصدريّةٌ، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ "أُنْعِم"، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلًا؛ لظهور كذب اليهود، وافتراءاتهم في الدين، وتحريفهم الكتاب، كما أخبر اللَّه تعالى بذلك، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] الآية.
(فَخَرَجَتَا) أي العجوزان من البيت (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا) أي قالتا، وقد تقدّم أن زعم أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، وهو هنا كذلك، بناء على ظنّ عائشة -﵂- (أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ) بالبناء للمفعول (فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ) -ﷺ- ("صَدَقَتَا) ظاهر هذا أن هذه الواقعة غير الواقعة السابقة؛
[ ١٣ / ١٢٢ ]
لأنه فيها أنه -ﷺ- أنكر ذلك، فتكون هذه بعدما أُوحي إليه، فقوله: (إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ) وفي نسخة: "ليُعذّبون" الضمير فيه لأهل القبور.
ويَحْتَمِل أن تتّحد الواقعتان، فيكون قبل أن يوحَى إليه، ويكون الضمير في قوله: "إنهم يعذّبون" لليهود، والوجه الأول أقرب وأظهر، واللَّه تعالى أعلم.
قال الكرمانيّ -﵀-: لعله سَمَّى أحوال العباد في القبر تعذيبًا؛ تغليبًا لفتنة العاصي على فتنة المطيع؛ لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يَهاب منه ابن آدم في العادة. انتهى.
(عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ") جمع بهيمة، قال في "المصباح": البَهيمة: كلُّ ذات أربع، من دوابّ البحر والبرّ، وكلُّ حيوان لا يُميِّز، فهو بهيمة، والجمع بَهَائم. انتهى (^١). (قَالَتْ) وفي نسخة: "ثمّ قالت"، أي عائشة -﵂- (فَمَا) نافية (رَأَيْتُهُ) أي النبيّ -ﷺ- (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ كما مرّ في الحديث الماضي، أي بعد هذه الواقعة، وفي الرواية التالية: "وما صلّى صلاةً بعد ذلك إلا سمعته يتعوّذ من عذاب القبر" (فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي لأنه أوحي إليه به.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله في الحديث الماضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٥.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٣ / ١٢٣ ]
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣.
٤ - (أَبُوهُ) سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ، أبو الشعثاء الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (٨٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٩/ ٦٢٢.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث عائشة -﵂- الماضي.
[تنبيه]: رواية أشعث، عن أبيه، عن مسروق هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.