وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٩] (٤٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا:
[ ١٠ / ١٦١ ]
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ (^١) لِلنِّسَاءِ"، زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ).
رجال الإسناد الأول: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
رجال الإسناد الثاني: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الْخَزّاز الضرير، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ الفقيه، تقدّم قريبًا.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضل، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "والتصفيح".
[ ١٠ / ١٦٢ ]
لطائف هذين الإسنادين:
١ - (منها): أن الإسناد الأول من خماسيّات المصنّف -﵀-، فهو أعلى، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم.
وأما الإسناد الثاني فهو من سُداسيّاته، فهو أنزل مما قبله، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن نصف السند الثاني مسلسلٌ بالمصريين غير هارون، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين.
٤ - (ومنها): أنه إنما لم يختصر التحويل في هذين الإسنادين على عادته، بأن يحوّل عند الزهريّ، بل ساق الأول بتمامه، ثم ساق الثاني تامًّا؛ لمهمّة إسناديّة، وهي بيان الفرق بينهما في صيغ الأداء، فسفيان بن عيينة قال: "عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-"، فعنعنه، وأفرد أبا سلمة، وأما يونس، فقال: "عن ابن شهاب، أخبرنى سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أنهما سمعا أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-"، فبيّن الإخبار بين ابن شهاب، وسعيد، وأبي سلمة، وبسماعهما عن أبي هريرة، وبقوله: قال رسول اللَّه -ﷺ-، فهذا هو السبب في مخالفته عادته في اختصاره الأسانيد بالتحويلات، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا عند المحصّلين؛ لأن كثيرًا ممن لا تحصيل عنده يستغرب مثل هذا السياق، ويظن أن هذا تطويل بلا طائل، مع أنه من أدقّ فنون الأسانيد، فخذه شاكرًا، والحمد للَّه أوّلًا وآخرًا.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأولى كسر يائه المشدّدة؛ لأنه المعروف عند أهل المدينة، وإنما فتح أهل الكوفة، وأيضًا حكي عنه أنه كان يَكْرَه الفتح (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "التَّسْبِيحُ
[ ١٠ / ١٦٣ ]
لِلرِّجَالِ) مبتدأ وخبره، يعني أنه إذا نابهم شيء، وهم في الصلاة، كاستئذان الداخل، وإنذار الأعمى، وتنبيه الساهي، فالمشروع لهم أن يقولوا: سبحان اللَّه (وَالتَّصْفِيقُ) وفي نسخة: "والتصفيح" بالحاء المهملة (لِلنِّسَاءِ") إعرابه كسابقه، يعني أنه إذا نابهنّ شيء في الصلاة، فالمشروع لهنّ أن يُصفّقن، وإنما خصّ النساء بالتصفيق؛ لأنهنّ مأمورات بخفض أصواتهنّ إلا للحاجة؛ دفعًا للفتنة بهنّ، ولم يُجعل التصفيق للرجال؛ لأنه من شأن النساء.
قال الشوكانيّ -﵀-: الحديث يردّ على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه أن المشروع في حقّ الجميع التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من فساد صلاة المرأة إذا صفّقت في صلاتها. انتهى (^١).
وقال في "المنهل": وبظاهر الحديث أخذت الشافعيّة والحنابلة، وقالوا: لا يضرّ التسبيح ولو كثُر؛ لأنه قول من جنس الصلاة، وإن كثُر التصفيق أبطلها؛ لأنه عملٌ من غير جنس الصلاة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بالكثرة الزائد على الحاجة، فمقبول، وإن أراد الكثرة مع الحاجة فلا؛ لأن الشارع أباح لها أن تصفّق بقدر حاجتها، ولم يقيّده بالقلّة، فلا وجه للتقييد، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-.
(زَادَ حَرْمَلَةُ) بن يحيى شيخه الثاني في السند الثاني (فِي رِوَايَتِهِ) أي عن ابن وهب، عن يونس (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ (وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ) أي يَجمعون بين التسبيح والإشارة، يعني أنهم يرون جواز ذلك؛ لأن كلًّا سَنة للنبيّ -ﷺ-، فقد أمر في هذا الحديث بالتسبيح، وفعل الإشارة، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٢/ ٣٧٨.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٩٥٩ و٩٦٠ و٩٦١] (٤٢٢)، و(البخاريّ) في "العمل في الصلاة" (١٢٠٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٣٩)، و(الترمذيّ) فيها (٣٦٩)، و(النسائيّ) فيها (٣١١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٦٩)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١١٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٤٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤١ و٢٦١ و٤٤٠ و٤٣٢ و٤٧٣ و٤٧٩ و٥٠٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٣٧٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٩٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١٠)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٤٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٧٣ و١٩٧٤ و١٩٧٥ و١٩٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٤٦ و٩٤٧ و٩٤٨ و٩٤٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٤٨).
وفوائد الحديث تقدّمت في الباب الماضي، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسبيح للرجل إذا نابه شيء في صلاته:
(اعلم): أنه إذا ناب المصلّي في صلاته ما يقتضي إعلام غيره بشيء، من تنبيه إمامه على خَلَل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو استئذان داخل، أو كون المصلّي يريد إعلام غيره بأمر أنه ينبغي له أن يسبّح، بأن يقول: "سبحان اللَّه"؛ لإفهام ما يريد التنبيه عليه؛ ويدل لذلك حديث سهل بن سعد -﵁- في الباب الماضي، وحديث أبي هريرة -﵁- المذكور.
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، والأوزاعيّ، وأبو ثور، وجمهور العلماء من السلف والخلف.
وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: من أتى بالذكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل، فحملا التسبيح المذكور في هذا الحديث على ما إذا كان القصد به الإعلام بأنه في الصلاة، وهما
[ ١٠ / ١٦٥ ]
محتاجان لدليل على ذلك، وكذلك حَمَلا قوله في حديث سهل: "من نابه شيء في صلاته" على نائبٍ مخصوصٍ، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة، والأصل عدم هذا التخصيص؛ لأنه عامّ؛ لكونه نكرةً في سياق الشرط، فيتناول النائب الذي يحتاج معه إلى الجواب، والنائب الذي يحتاج معه إلى الإعلام بأنه في الصلاة، فالحمل على أحدهما من غير دليل لا يمكن المصير إليه، كيف والواقعة التي هي سبب الحديث لم يكن القصد فيها الإعلام بأنه في الصلاة، وإنما كان القصد تنبيه الصديق -﵁- على حضور النبيّ -ﷺ-، فأرشدهم النبيّ -ﷺ- إلى أنه كان حقهم عند هذا النائب التسبيح، وكذا عند كل نائب، وقد اتفقوا على أن السبب لا يجوز إخراجه.
ومن هنا رد الشافعيّة على الحنفية في قولهم: إن الأَمَة لا تكون فِرَاشًا بأن قوله -ﷺ-: "الولد للفراش" إنما ورد في أمة، والسبب لا يجوز إخراجه بلا خلاف، وعن أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة، أفاده العراقيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ ما ذهب إليه الشافعيّة، والحنابلة أن من نابه شيء مطلقًا في صلاته فليُسبّح؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التصفيق للنساء:
ذهب الشافعيّ، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أنه إذا ناب المرأة في صلاتها شيء ينبغي لها أن تُصَفِّق.
وخالف في ذلك مالك -﵀-، فسَوّى في ذلك بين الرجل والمرأة، وقال: إن المشروع في حقها التسبيح كالرجل، وضَعَّف أمر التصفيق للنساء.
وحَكَى أبو العباس القرطبيّ عن مشهور قول مالك أنه لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال ولا النساء.
وحَكَى القاضي عياض عن أبي حنيفة أنه رأى فساد صلاة المرأة إذا صَفَّقت في صلاتها، قال: وخَطَّأ أصحابه هذا القول، وقال الأبهريّ من المالكية: إن صَفَّقت المرأة لم تبطل صلاتها، غير أن المختار التسبيح.
وذكر ابن عبد البرّ في توجيه قول مالك أنه أخذ بظاهر قوله في حديث سهل بن سعد -﵁-: "من نابه شيء في صلاته فليسبّح"، قال: وهذا على
[ ١٠ / ١٦٦ ]
عمومه في الرجال والنساء، وتأولوا قوله -ﷺ-: "وإنما التصفيق للنساء" على أن التصفيق من أفعال النساء على جهة الذمّ لذلك. انتهى.
وهذا التأويل مردود، وهو إن كان محتملًا في لفظ هذه الرواية، فإنه يتعذّر في رواية أخرى رواها البخاريّ في "صحيحه"، لفظها: "إذا رابكم شيء في الصلاة، فليسبّح الرجال، وليصفِّح النساء".
وعن مالك روايةٌ موافقةٌ للجمهور، وجزم بها عنه ابن المنذر، فقال بعد ذكر حديث: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، قال بظاهر هذا الخبر مالك. انتهى.
واختار جماعة من المالكية موافقة الجمهور في ذلك، فقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ بعد نقله مشهور مذهب مالك في ذلك: وليس بصحيح.
وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره مذهب الجمهور في ذلك: وهذا القول هو الصحيح خبرًا ونظرًا.
وقال ابن حزم: رَوَيْنا عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ أنهما قالا: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ولا يعرف لهما من الصحابة -﵃- مخالف.
وقال وليّ الدين: قد رُوي ذلك أيضًا عن جابر بن عبد اللَّه، رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وقال القاضي عياض: قيل: كان الرجال والنساء يصفِّقون في الصلاة والطواف، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٥] أي صفيرًا وتصفيقًا، فنهوا عن ذلك رجالًا ونساءً، ثم أَعْلَم أنه من عادة النساء في خاصتهنّ ولهوهنّ، لا أنه إباحة لهنّ وسنة فيما يعتريهن في صلاتهن. انتهى.
قال الحافظ العراقيّ -﵀-: ليس في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ الآية أنه نهى النساء عن ذلك، لا في حالة الصلاة ولا غيرها، وإنما ذَكَر غير واحد من المفسرين أنهم كانوا يؤذون النبيّ -ﷺ- بذلك في الصلاة والطواف؛ ليشوّشوا عليه، فنزلت الآية بمكة، ثم أمرهم -ﷺ- بالمدينة أن يصفِّق النساء لما نابهنّ. انتهى (^١).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٣/ ٢١٦.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن النساء يُصفّقن إذا نابهنّ شيء في صلاتهنّ، كما أن الرجال يسبّحون إذا نابهم شيء؛ لصحّة الأدلّة بذلك.
(فمنها): رواية المصنّف -﵀- الآتية من طريق همّام عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة".
(ومنها): رواية البخاريّ في "كتاب الأحكام" من "صحيحه": "إذا رابكم أمرٌ، فليسبح الرجال، وليصفِّح النساء"، ولفظ أبي داود: "إذا نابكم شيء في صلاتكم، فليسبّح الرجال، وليصفّح النساء".
(ومنها): ما أخرجه أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة".
(ومنها): ما أخرجه البيهقيّ من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "إذا استُؤذن على الرجل، وهو يصلي، فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة، وهي تصلّي، فإذنها التصفيق"، وقال في "الخلافيات": رُواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. انتهى.
فهذه النصوص كلها صريحة في جواز التصفيق في الصلاة للنساء، وأن القول بعدم مشروعيّته، أو أنه يبطل الصلاة قولٌ لا يؤيّده دليلٌ صحيح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء:
قال وليّ الدين العراقيّ -﵀-: كون المشروع للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق، هو على سبيل الإيجاب، أو الاستحباب، أو الإباحة الذي ذكره أصحابنا -يعني الشافعيّة- ومنهم الرافعيّ، والنوويّ أنه سنّة، وحكاه الرافعيّ عن الأصحاب.
وحَكَى والدي في "شرح الترمذيّ" عن شيخه الإمام تقيّ الدين السبكيّ أنهما إنما يكونان سُنّتين إذا كان التنبيه قربةً، فإن كان مباحًا كانا مباحين، قاله الشيخ أبو حامد وغيره، قال السبكيّ: وقياس ذلك إذا كان التنبيه واجبًا كإنذار
[ ١٠ / ١٦٨ ]
الأعمى من الوقوع في بئر أن يكونا واجبين إذا تَعَيَّنا طريقًا، وحصل المقصود بهما. انتهى.
وقال ابن قدامة في "المغني": وإذا سها الإمام، فأتى بفعل في غير موضعه لزم المأمومين تنبيهه، فإن كانوا رجالًا سبّحوا، وإن كانوا نساء صفَّقن. انتهى. وهو موافق لما ذكره السبكيّ من الوجوب، إلا أنه في صورة غير الصورة التي ذكرها السبكيّ.
ويوافق ما ذكره الشيخ أبو حامد من الإباحة، ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن ابن عمر -﵄- أنه قال: "رَخّص رسول اللَّه -ﷺ- للنساء في التصفيق، وللرجال في التسبيح".
وفي "العلل" لابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث منكر بهذا الإسناد (^١).
والتعبير بالرخصة يقتضي الاقتصار فيه على الإباحة إن جرينا على مدلول الرخصة اللغويّ، فأما إذا فَسَّرنا الرخصة بما ذكره غير واحد من أهل الأصول أنها الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فلا يدل على الإباحة؛ لأن الرخصة باصطلاحهم قد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة، والحق انقسام التنبيه في حالة الصلاة إلى ما هو واجب، وإلى ما هو مندوب، وإلى ما هو مباح بحسب ما يقتضيه الحال، وأما تعبير الرافعيّ وغيره بالتنبيه، فإنما عَبّروا بذلك لأجل التفريق، والتفصيل في ذلك بين الرجل والمرأة، فيكون تنبيه الرجل بالتسبيح، وتنبيه المرأة بالتصفيق هو السنةَ، وأما أصل التنبيه فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بل قد يكون مكروهًا أيضًا، وقد يكون حرامًا بحسب المنَبَّه عليه، فهما مسألتان:
إحداهما: حكم التنبيه، وهو معروف من حكم المنبَّه عليه، ومنقسم إلى الأحكام الخمسة.
الثانية: الكيفية التي يحصل بها التنبيه، وهذه الثانية هي التي تكلم عنها
_________________
(١) وصححه الشيخ الألبانيّ -﵀-؛ لأنه يشهد له حديثا أبي هريرة وسهل بن سعد -﵃-، انظر: "صحيح ابن ماجه" ١/ ١٧٠.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
الأصحاب، وقالوا: إن السُنّة في حق الرجل التسبيح، وفي حق المرأة التصفيق. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قول الزهريّ -﵀-: "وقد رأيت رجالًا من أهل العلم يُسَبِّحون ويشيرون" أي في الصلاة، وجمعوا بينهما لأن في كل منهما إفهام ما في النفس، وهل المراد أنهم كانوا يجمعونهما في حالة واحدة أو يفعلونهما متفرقين؟ فيه نظر، وأكثر العلماء من السلف والخلف على جواز الإشارة في الصلاة، وأنها لا تَبطُل بها، ولو كانت مُفْهِمة.
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقد ورد في الإشارة في الصلاة أحاديث تكاد أن تبلغ حدّ التواتر، والأصح عند الشافعية أنه لا تُبطل الصلاة بإشارة الأخرس المفهمة كالناطق.
ونقل ابن حزم من "مصنف عبد الرزاق" بأسانيده عن عائشة أنها كانت تأمر خادمها يَقْسِم المرقة، فتمر بها، وهي في الصلاة فتشير إليها أن زيدي، وتأمر بالشيء للمسلمين تومئ به، وهي في الصلاة.
وعن ابن عمر -﵄- أنه أومأ إلى رجل في الصفّ، ورأى خللًا أن تَقَدَّم.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إني لأعدّها للرجل عندي يدًا أن يعدِّلني في الصلاة.
وعن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إنسان يمر بي، فأقول: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه ثلاثًا، فيقبل، فأقول له بيدي أين تذهب؟ فيقول: إني كذا وكذا، وأنا في المكتوبة، هل انقطعت صلاتي؟ فقال: لا، ولكن أكره، قلت: فأسجد للسهو؟ قال: لا.
وعن عائشة -﵂- أنها قامت إلى الصلاة في درع وخمار، فأشارت إلى الْمِلْحَفة، فتناولتها، وكان عندها نسوة، فأومأت إليهن بشيء من طعام بيدها، يعني وهي تصلّي.
وعن أبي رافع: كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢١٦.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في الصلاة، فيشهد أنه على الشهادة، فيُصغِي لها سمعه، فإذا فرغ يومئ برأسه، أي نعم.
وعن ابن عمر -﵄-: إذا كان أحدكم في الصلاة، فسُلِّم عليه، فلا يتكلمنّ، وليشر إشارة، فإن ذلك ردُّه.
وذهب الحنفية إلى بطلان الصلاة بالإشارة المفهمة، ونزّلوها منزلة الكلام، واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود في "سننه" عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه، فليَعُدْ لها"، يعني الصلاة، لكنه حديث ضعيف، قال أبو داود: هذا الحديث وَهْمٌ، وقال أبو بكر بن أبي داود: أبو غطفان مجهول، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يشير في الصلاة، وقال أبو زرعة: ليس في شيء من الأحاديث هذا الكلام، وليس عندي بذاك الصحيح، إنما رواه ابن إسحاق، وقال أحمد بن حنبل: لا يثبت هذا الحديث، إسناده ليس بشيء، ذكر هذا كلّه في "الطرح" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ مذهب الجمهور من جواز الإشارة المفهمة في الصلاة، للأحاديث الصحيحة الكثيرة، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أم سلمة -﵂- لما أرسلت جاريتها تسأله عن الركعتين بعد العصر، وقالت لها: فإن أشار بيده فاستَأْخِري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، الحديث بطوله (^٢).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢١٩.
(٢) أخرج الشيخان عن كريب، أن ابن عباس، والمسور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن أزهر -﵃- أرسلوه إلى عائشة -﵂-، فقالوا: اقرأ -﵈- منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنا أُخبرنا عنك أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي -ﷺ- نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها، فقال كريب: فدخلت على عائشة -﵂-، فبلّغتها ما أرسلوني، فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردّوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة: لسمعت النبيّ -ﷺ- ينهى عنها، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل عليّ، وعندي نسوة من بني حَرَام من الأنصار، فأرسلت =
[ ١٠ / ١٧١ ]
وأخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن أنس بن مالك -﵁-: "أن النبيّ -ﷺ- كان يشير في الصلاة" (^١).
فقد ثبتت الإشارة بفعله -ﷺ-، كما ثبت التسبيح بقوله، فدلّ على مشروعيّة الأمرين، كما نقله ابن شهاب عن رجال من أهل العلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: أما ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة، عن عليّ -﵁-، قال: "كنت إذا استأذنتُ على رسول اللَّه -ﷺ- إن كان في صلاة سبّح، وإن كان في غير ذلك أَذِنَ"، فهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن يزيد الألهانيّ، وهو ضعيف. وكذلك ما أخرجه النسائيّ في "سننه"، عن عبد اللَّه بن نُجَيّ، عن عليّ قال: "كان لي من رسول اللَّه -ﷺ- ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت، إن وجدته يصلي، فتنحنح دخلت، وإن وجدته فارغًا أذن لي"، لا يصحّ؛ لأنه منقطع بين عبد اللَّه بن نُجيّ، وبين عليّ -﵁-، فتنبّه.
وقد أوصلت المسائل المتعلّقة بهذا الحديث في "شرح النسائيّ" إلى ست عشرة مسألة مفيدة فراجعها تستفد (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ -يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
_________________
(١) = إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه، فقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول اللَّه سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف، قال: "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان".
(٢) حديث صحيح، رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٣٨)، وأبو داود في "سننه" (٩٤٣).
(٣) راجع: "ذخيرة العقبى" ٩/ ٣٦٤ - ٣٧٧.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ) بن مسعود التميميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا قريبًا، و"أبو كريب": محمد بن العلاء، و"أبو معاوية": محمد بن خازم، و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي هريرة -﵁- الذي رواه عنه سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة في السند الماضي.
[تنبيه]: أما رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، فساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١٢٠٩) أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا الفضيل بن عياض، عن الأعمش (ح) وأنبأنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد اللَّه، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". انتهى.
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فقد ساقها الترمذيّ في "جامعه"، فقال:
(٣٣٧) حدّثنا هنّاد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها بتمامها،
[ ١٠ / ١٧٣ ]
إلا أن البيهقيّ -﵀-، قال في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٤٧) -بعد سوقه رواية أبي معاوية، عن الأعمش -﵀- ما نصّه:
(٣١٥٤) وأخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو نصر، محمد بن عمر، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، فذكره بمثله، قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: قد كانت أمي تفعله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ (^١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: "فِي الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّام) بن مُنبّه بن كامل الأَبْناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون تقدّموا قبل باب.
وقوله: (بِمِثلِهِ) أي بمثل حديث أبي هريرة -﵁- المذكور قبله.
وقوله: (وَزَادَ: فِي الصَّلَاةِ) فاعل "زاد" ضمير لهمّام، أي زاد همّام في روايته على رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة، وأبي صالح عن أبي هريرة -﵁- قوله: "في الصلاة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر كلام المصنّف -﵀- أن هذه الزيادة في رواية همّام فقط، وهذا يخالف ما قاله النسائيّ، فإنه جعل الزيادة في رواية أبي سلمة، ودونك نصّه:
(١٢٠٧) أخبرنا قتيبة، ومحمد بن المثنى، واللفظ له، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال:
_________________
(١) وفي نسخة: "عن همّام بن منبّه".
[ ١٠ / ١٧٤ ]
"التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، زاد ابن المثنى: "في الصلاة". انتهى.
وقد ثبتت الزيادة أيضًا في رواية ابن سيرين عن أبي هريرة -﵁-، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" قال:
(١٠١٨٦) حدّثنا يزيد (^١)، أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة". انتهى.
فبهذا يتبيّن أن هذه الزيادة ثابتة في رواية أبي سلمة، وهمّام، وابن سيرين كلهم عن أبي هريرة -﵁-، لا كما يوهمه كلام المصنّف -﵀-، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الطرح": هذه الزيادة ليست عند البخاريّ، وإنما هي عند مسلم من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، وهي عند النسائي من هذا الوجه، من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: وهي عند النسائيّ من طريق سعيد بن المسيّب، فيه نظر؛ لأنها عند النسائيّ من طريق أبى سلمة، لا من طريق سعيد، كما أسلفته آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية همّام هذه ساقها أبو نُعيم في "مستخرجه" (٢/ ٤٩) فقال:
(٩٤٩) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق، أنبا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، أنه سمع أبا هريرة، يقول (ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا ابن أبي السّريّ، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "التسبيح للقوم، والتصفيق للنساء في الصلاة"، لفظ ابن أبي السّريّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هو ابن هارون.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢١٩.
[ ١٠ / ١٧٥ ]