وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٦] (٥٨٧) - (حَدَّثَنى (^١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^٢) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٣ / ١٢٤ ]
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي بعد حديث، أخّرتها إلى هناك؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٧] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
[تنبيه]: كذا وقع في النسخ الموجودة عندي كلِّها تقديم حديث أبي هريرة هذا على حديث عائشة الآتي بعده، وكان الأولى تأخيره عنه؛ ليتوالى حديثاها، ولعله من تصرّف النسّاخ، واللَّه تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِي) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (ابْنُ نمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذكر في السند الماضي.
٥ - (وَكِيع) بن الجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٧ - (حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) الْمُحاربيّ مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٤].
رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقةٌ. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريًّا. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيدًا باللَّه، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال الجُوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقةٌ. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر اللَّه حتى تغيب الشمس. وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) المدني مولى بني أُميّة، سكن دِمَشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازيّ ليس به بأس [٤].
[ ١٣ / ١٢٦ ]
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلّى مع النبيّ -ﷺ-، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
ورَوَى عنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث. انتهى.
قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمٌ في ذكر الرواة عنه، ؤذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو. انتهى.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة" حديثًا واحدًا، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: "ذهب أصحاب الدُّثُور بالأُجُور، يصلّون كما نصلي. . . " في الذكر عقب الصلاة، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
١٠ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: نصرًا، وأبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة دون واسطة، وقد جمعتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأَصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
[ ١٣ / ١٢٧ ]
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينِ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: حسّان، عن محمد بن أبي عاشة.
٥ - (ومنها): أن للأوزاعيّ فيه سندان: حسّان، عن محمد بن أبي عائشة، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فقوله: "وعن يحيى. . . إلخ" عطف على قوله: "عن حسّان. . . إلخ".
٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم الذين جمعهم الحافظ العراقيّ -﵀- في قوله:
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمٌ
وقد تقدّموا أيضًا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية الوليد، عن الأوزاعيّ الآتية: "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر. . . " ومعناه آخر الصلاة، فيَشْمَل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة -﵂- المذكور بعده: "أن النبيّ -ﷺ- كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. . . "، فَبَيَّن في هذا الحديث أن التعوذ يكون في آخر الصلاة.
وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوّذ أيضًا في التشهّد الأول.
[ ١٣ / ١٢٨ ]
قال النوويّ -﵀-: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يُسْتَحَبُّ في الأول، وهكذا الحكم؛ لأن الأوّل مبنيّ على التخفيف. انتهى (^١).
(فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاووس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، كما سيذكره المصنّف آخر الباب، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادَّعَى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر.
قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته؛ لما عرّفناك في شرحه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ -﵀- هو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْ أَرْبَعٍ) أي من أربع خصال، قال في "المرعاة": ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوّذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة -﵂- الآتي بعد هذا (^٢).
وقوله: (يَقُولُ) تفسير لتلك الخصال الأربع، مع بيان الصيغة التي تقال (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) قال ابن الأثير -﵀-: هي لفظة أعجميّة، اسم لنار الآخرة، وقيل: هي عربيّة، وسُمّيت بها لبعد قعرها، ومنه: ركِيّةٌ جِهِنَّامٌ -بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر، وقيل: تعريب كِهِنَّام بالعِبرانيّ. انتهى (^٣).
وإنما قُدِّم التعوذ من عذاب جهنم؛ لكونه أشدّ وأبقى (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) هو ضرب من لم يُوَفَّق للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، فقد أخرج الشيخان عن أنس -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "العبد إذا وُضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد -ﷺ-؟ فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٨٧ - ٨٨.
(٢) "المرعاة" ٣/ ٢٩٤.
(٣) "النهاية" ١/ ٣٢٣.
[ ١٣ / ١٢٩ ]
فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنة، قال النبيّ -ﷺ-: فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ، ثم يُضْرَب بِمِطرَقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين".
وقال الإمام أحمد في "مسنده" (١٠٦١٧): حدّثنا أبو عامر، حدثنا عَبّاد -يعني ابن راشد- عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: شهدت مع رسول اللَّه -ﷺ- جنازةً، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أيها الناس إن هذه الأُمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفن، فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مِطراق فاقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فهذا منزلك، فَيُفْتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن، ويُفْسَح له في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا، يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ولا اهتديت، ثم يُفْتَح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فان اللَّه ﷿ أبدلك به هذا، ويُفْتَح له باب إلى النار، ثم يَقْمَعه قمعة بالْمِطْرَاق، يسمعها خلق اللَّه كلهم غير الثقلين"، فقال بعض القوم: يا رسول اللَّه ما أحدٌ يقوم عليه ملك في يده مِطْراق إلا هُبِلَ (^١) عند ذلك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى.
وغير ذلك من أنواع العذاب، كشدّة الضغط، فقد ورد أنه يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (^٢).
(وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار،
_________________
(١) أي سقط، ووقع من الرعب والخوف.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة من حديث البراء -﵁- الطويل.
[ ١٣ / ١٣٠ ]
قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يُكره. انتهى. وتُطلَق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك.
و"المحيا" بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالْمَمَات من الموت، والمراد: الحياة والموت، ويَحْتَمِل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك مِحنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ -﵀-.
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: فتنة المحيا ما يَعرِض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ باللَّه- أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ -يعني في حديث أسماء الآتي في "الكسوف": "ولأنه قد أُوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا، أو مثل فتنة المسيح الدجّال"، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّرًا مع قوله: "عذاب القبر"؛ لأن العذاب مترتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الْحَيْرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجّال داخلة تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم الترمذيّ في "نوادر الأصول" عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل "من ربّك" تراءى له الشيطان، فيُشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: "كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في القبر أن يقولوا: اللَّهم أعذه من الشيطان"، قاله في "الفتح".
(وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ") قيل: أَخَّره؛ لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة.
قال القاري -﵀-: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيمانًا، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه. انتهى.
[ ١٣ / ١٣١ ]
و"المسيح" -بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة- يُطْلَق على الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ﵇ ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد به.
وقال أبو داود في "السنن": "الْمِسِّيح" مثقّلًا: الدجّال، ومخففًا: عيسى، والمشهور الأول. وأما ما نقل الفِرَبْرِيّ في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونُسِب قائله إلى التصحيف.
واختُلِف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يَمْسَح الأرض إذا خرج.
وأما عيسى ﵇ فقيل: سُمّي بذلك لأنه خَرَج من بطن أمّه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يَمسح ذا عاهة إلّا برئ، وقيل: لأنه كان يَمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ماشيخا، فَعُرِّب المسيحَ، وقيل: المسيح الصدّيق، وذكر صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولًا، أوردها في "شرح المشارق".
و"الدّجّال": الخَدّاع الكَذّاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذّاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلُّ مفسد مضلّ.
والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يَظْهَر على يديه من الخوارق للعادة التي يُضِلّ بها مَن ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يَظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه آمين.
[ ١٣ / ١٣٢ ]
زاد في رواية النسائيّ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ: "ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له".
وهذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٧ و١٣٢٩ و١٣٣٠ و١٣٣١ و١٣٣٢ و١٣٣٣ و١٣٣٤ و١٣٣٥] (٥٨٨)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٧٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٩٨٣)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٦٠٤)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣١٠) وفي "الكبرى" (١٢٣٣)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٠٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ١٩٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٦٩ و٤٨٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٠ و١٣٥١)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٤٨ و٦٥٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٠٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٢١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٠٢ و١٠١٨ و١٠١٩ و١٩٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤٣ و٢٠٤٤ و٢٠٤٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٠١ و١٣٠٢ و١٣٠٣ و١٣٠٤ و١٣٠٥ و١٣٠٦ و١٣٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٨] (٥٨٩) - (حَدَّثَنِي (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ،
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٣ / ١٣٣ ]
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ"، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤). تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة، اسم أبيه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، والأول حمصيّون، سوى شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه عروةَ أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ١٣٤ ]
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) -﵂-، وقوله: (زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) منصوب على أنه بدل، أو عطف بيان لـ "عائشة"، والزوج بلا هاء يطلق على الرجل والمرأة على اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وقد يقال للمرأة: زوجة بالهاء (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) هذا مطلق لا يخصّ محلًّا من الصلاة، لكن يُعَيِّن أنه بعد التشهّد الأخير ما يأتي للمصنّف في حديث أبي هريرة -﵁-، من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، بلفظ: "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير، فليتعوذ باللَّه من أربع. . . " فذكره، ويُعيّنه أيضًا ما أخرجه أحمد في "مسنده" (^١)، وصححه ابن خزيمة -واللفظ له- من رواية ابن جُريج، أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد التشهد كلماتٍ، يعظّمهنّ جدًّا، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير بعد التشهّد،، قلت: ما هو؟، قال: "أعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من عذاب جهنّم، وأعوذ باللَّه من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من فتنة المحيا والممات"، قال: كان يعظّمهنّ.
قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبيّ -ﷺ-.
ففي هذا تعيين هذه أن محلّ هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد الأخير، فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام (^٢).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال القرطبيّ -﵀-: أي الحياة والموت، ويَحْتَمِل زمان ذلك؛ لأن كلّ ما كان معلَّ العين من الثلاثيّ، فقد يأتي منه المصدر، والزمان، والمكان بلفظ واحد، ويريد بذلك مِحْنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يُريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، فكأنه لَمّا استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبيت
_________________
(١) راجع: "المسند" ٦/ ٢٥٠.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٧١.
[ ١٣ / ١٣٥ ]
فيهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، واللَّه تعالى أعلم (^١).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ) أي مما يَأْثَم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم.
(وَالْمَغْرَمِ) قال ابن الأثير -﵀-: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغُرْم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه اللَّه، أو فيما يجوز، ثمّ عَجَز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ منه. انتهى.
وقال الحافظ -﵀-: المغرم الدين، يقال: غَرِم -بكسر الراء- أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يَعْجِز عن أدائه، ويَحْتَمِل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ -ﷺ- من غلبة الدين.
وقال القرطبيّ -﵀-: المغرم الغُرْم، وقد نَبّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم. انتهى.
وقال السنديّ -﵀- بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسببٍ ما. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله السنديّ -﵀- هو الصواب؛ ويؤيّده آخر الحديث، حيث بيّن النبيّ -ﷺ- أن المغرم يترتّب عليه الكذب، وخُلْف الوعد، وهاتان من أخلاق المنافقين، وأما ما خلا عن ذلك فليس محلّ الاستعاذة؛ إذ الدين ليس مذمومًا على إطلاقه، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى اللَّهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللَّه".
وقد أخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أم المؤمنين ميمونة -﵂- أنها كانت تَدَّانُ وتُكثر، فقال لها أهلها في ذلك، ولاموها، ووجدوا عليها، فقالت: لا أترك الدين، وقد سمعت خليلي وصفيي -ﷺ- يقول:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٠٨.
[ ١٣ / ١٣٦ ]
"ما من أحد يَدَّانُ دَيْنًا، فعلم اللَّه أنه يريد قضاءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا" (^١).
ولفظ ابن ماجه: كانت تَدّان دَينًا، فقال لها بعض أهلها: لا تفعلي، وأنكر ذلك عليها، قالت: بلى، إني سمعت نبيي وخليلي -ﷺ- يقول: "ما من مسلم يَدّان دينًا يعلم اللَّه منه أنه يريد أداءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا".
فتبيّن بهذا أن الدين ليس مذمومًا إلا إذا ساءت نيّة الإنسان، فعند ذلك يُذمّ، ويكون ذنبًا يعاقبه اللَّه تعالى عليه، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الحاكم في "مستدركه" (٢/ ٢٤)، عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الدين راية اللَّه في الأرض، فإذا أراد أن يُذِلّ عبدًا وضعها في عنقه"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. انتهى.
وهذا من تساهلاته، فقد تعقّبه الحافظ الذهبيّ -﵀-، بأن في سنده بشر بن عبيد الدارسيّ، وهو وَاهٍ، وقال الشيخ الألبانيّ: إنه موضوع (^٢).
(قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) هي عائشة -﵂-، كما بينته رواية النسائيّ من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظها: كان رسول اللَّه -ﷺ- أكثر ما يتعوّذ من الْمَغْرَم والْمَأْثَم، قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثر ما تتعَوَّذ من المغرم؟، قال: "إنه مَن غَرِمَ حَدّث، فكَذَب، ووَعَد فأخلَفَ".
(مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) "ما" الأولى تعجبية، و"أَكْثَرَ" -بفتح الراء- فِعْلُ تعجب، و"ما" الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعولُ فِعْلِ التعجّب، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يَحْتَرِز عنه أصحاب الكمال، قاله السنديّ -﵀-.
(فَقَالَ) -ﷺ- جوابًا عن هذا السوال ("إِنَّ الرَّجُلَ) المراد الجنس، وغالب حاله، ومثله المرأة (إِذَا غَرِمَ) -بكسر الراء- من باب تَعِبَ: أي لزمه دين، والمراد استدان، واتَّخَذَ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حَدَّثَ)
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ دون قوله "في الدنيا"، وهو كذلك لأنه يشهد له ما تقدّم من "صحيح البخاريّ".
(٢) راجع: "السلسلة الضعيفة" ١/ ٦٨٦.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
-بتشديد الدّال- أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فَكَذَبَ) بفتح الذال المخفّفة، قال الفيّومي: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِبًا، بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال، فالكذِبُ هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ فيه العمد والخطأُ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبَعُ العمد. انتهى (^١).
والمعنى هنا: أنه يُحدّث ربّ الدين إذا تقاضاه، ولم يُحْضِر ما يُؤدِّي به دينه، فيكذب عليه؛ ليتخلص من يده، ويقول له: لي مال غائبٌ إذا حضر أُؤدِّي دينك منه، وليس له مالٌ، وإنما يريد التخلّص منه.
(وَوَعَدَ) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غدًا، أو في المدّة الفلانية (فَأَخْلَفَ") في وعده.
وبما تقرّر عُلم أن "غرم" فعل شرط، و"حدّث" جزاؤه، و"كذب" عطف على الجزاء مرقب عليه، و"وعد" عطف على "حدّث"، لا على "غَرِم"، و"أخلف" مرتب عليه.
وحاصل الجواب أن الدَّين يُؤدِّي إلى خلل بالدِّين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
واستُشكل دعاؤه -ﷺ- بما ذُكِر مع أنه معصومٌ مغفورٌ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
وأجيب بأجوبة:
(أحدها): أنه قَصَد التعليم لأمته.
(ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
(ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف اللَّه، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقُّق الإجابة؛ لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويَرْفَع الدرجات، وفيه تحريض
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٨.
[ ١٣ / ١٣٨ ]
لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان -ﷺ- مع تحقّق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يُدْرِكه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل تحقُّق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يَخرُج، وأنا فيكم، فانا حجيجه. . . " الحديث، أفاده في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٦] (٥٨٧) و[٢٥/ ١٣٢٨] (٥٨٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٣٢) و"الاستقراض" (٢٣٩٧) و"الدعوات" (٦٣٦٨ و٦٣٧٥ و٦٣٧٦ و٦٣٧٧) و"الفتن" (٧١٢٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٨٠)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٥)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٠٩) و"الاستعاذة" (٥٤٥٤ و٥٤٧٢) وفي "الكبرى" (١٢٣٢)، و(ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ١٨٨ - ١٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٨ - ٨٩ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٥٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، خلافًا لمن نفاه من المعتزلة، والتعوّذ منه.
٣ - (ومنها): إثبات وجود الدجّال، وإثبات خروجه، وفتنته الناس.
٤ - (ومنها): التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه، وسؤال اللَّه تعالى في دفعها.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٧٢.
[ ١٣ / ١٣٩ ]
٥ - (ومنها): تعظيم شأن الدَّينِ، وأنه سبب للوقوع في الإثم، من الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، وهما من صفات المنافقين.
٦ - (ومنها): الاستعاذة من الدين؛ لأنه يَشين في الدنيا والآخرة إذا خلا عن نيّة صالحة في قضائه، كما سبق بيانه قريبًا.
٧ - (ومنها): ما قاله المهلّب -﵀-: يُستفاد منه سدّ الذرائع؛ لأنه -ﷺ- استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين من المقال، ولا تناقض بين الاستعاذة من الدين، وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدين، فمن ادّان وسَلِم منها، فقد أعاذه اللَّه تعالى، وفَعَل جائزًا. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): أن في سماع عائشة -﵂- دعاء النبيّ -ﷺ- في صلاته دليلًا على أنه كان أحيانًا يُسمع من يليه دعاءه، كما كان أحيانًا يُسمع من يليه الآية من القرآن (^٢).
٩ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: ودعاء النبيّ -ﷺ-، واستعاذته من هذه الأمور التي قد عُوفي منها، وعُصِم إنما فعله ليلتزم خوفَ اللَّه تعالى، وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمته، وليبين لهم صفة الدعاء، والمهتم منه. انتهى.
١٠ - (ومنها): ما قاله في "العمدة": [فإن قلت]: قوله: "فتنة المحيا والممات" يَشْمَل جميع ما ذُكِر، فلأيّ شيء خُصِّصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟.
[قلت]: لعظم شأنها، وكثرة شرّها، ولا شك أن تخصيص بعض ما يَشْمَله العامّ من باب الاعتناء بأمره؛ لشدة حكمه، وفيه أيضًا عطف العامّ على الخاصّ، وذلك لفَخَامة أمر المعطوف عليه، وعِظَم شأنه، وفيه اللفّ والنشر الغير المرتَّب؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٦١.
(٢) راجع: "فتح الباري" لابن رجب ٧/ ٣٣٩.
[ ١٣ / ١٤٠ ]
[فإن قلت]: ما فائدة تعوذه -ﷺ- هذه الأمور التي قد عُصِم منها؟.
[قلت]: إنما ذلك ليلتزم خوف اللَّه تعالى، ولتقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء.
[فإن قلت]: سَلّمنا ذلك، ولكن ما فائدة تعوذه من فتنة المسيح الدجال، مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟.
[قلت]: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأشه كذّاب مُبطِل مُفْتَرٍ سَاعٍ على وجه الأرض بالفساد، مُمَوِّه ساحرٌ حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، عليه اللعنة، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلةٌ، كما أخبر به رسول اللَّه -ﷺ-.
ويجوز أن يكون هذا تعليمًا منه -ﷺ- لأمته، أو تعوُّذًا منه لهم.
[فإن قلت]: يعارض التعوّذ باللَّه عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، يرفعه: "إن اللَّه تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكرهه اللَّه تعالى" (^١)، وكان ابن جعفر يقول لخادمه: اذهب فخذ لي بدَين، فإني أكره أن أبيت الليلة إلّا واللَّه معي، قال الطبرانيّ: وكلا الحديثين صحيح.
[قلت]: المغرم الذي استعاذ منه -ﷺ- إما أن يكون في مباح، ولكن لا وجه عنده لقضائه، فهو مُتَعَرِّضٌ لهلاك مال أخيه، أو يستدين، وله إلى القضاء سبيلٌ، غيرَ أنه يَرَى ترك القضاء، وهذا لا يصحّ إلّا أذا نُزِّل كلامه -ﷺ- على التعليم لأمته، أو يستدين من غير حاجة؛ طمعًا في مال أخيه، ونحو ذلك، وحديث جعفر -﵁- فيمن يستدين لاحتياجه احتياجًا شرعيًّا، ونيته القضاء، وإن لم يكن له سبيلٌ إلى القضاء. انتهى ما في "العمدة" (^٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، ومرّ البحث قريبًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، والدارميّ بسند حسن، وصححه الشيخ الألبانيّ -﵀-، انظر: "السلسلة الصحيحة" ٢/ ٧٠١.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ١٦٨.
[ ١٣ / ١٤١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٩] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ (^٢) الدَّجَّالِ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا طريق ثانٍ لحديث أبي هريرة -﵁- الماضي، وقد تقدّم أن الأولى تقديم حديث عائشة -﵂- المذكور قبل هذا إلى حديثها أول الباب، وذكر أحاديث أبي هريرة منسّقةً، كما لا يخفى.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل حديث، سوى:
١ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبي العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
وقوله: ("إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) فيه بيان محلّ التعوّذ من هذه الأربع، وهو بعد التشهّد الآخر، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث أوجبه في التشهّد الأول أيضًا.
وقوله: (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. . . إلخ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ:
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "ومن فتنة المسيح".
[ ١٣ / ١٤٢ ]
(ح) وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ (^١): "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآخِرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير، أبو صالح البغداديّ الْقَطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيادٍ) السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقب، واسمه محمد، أو عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ مُتقنٌ [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٩.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٤ - (عِيسَى بْنَ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من هِقْل بن زياد، وعيسى بن يونس روياه عن الأوزاعيّ، بالإسناد الماضي، وهو عن حسّان بن عطيّة، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية هقل، وعيسى لم أجد من ساقهما بمفردهما، إلا ما ساقه أبو نعيم، في "مستخرجه" (٢/ ١٨٦) فقال:
(١٣٠١) حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن إسحاق ابن راهويه، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يونس (ح) وحدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الْهِقْل بن زياد (ح) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع (ح) وحدّثنا أبو جعفر، محمد بن الحسن اليقطينيّ، ثنا أبو يحيى الخزيميّ، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم (ح) وحدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا
_________________
(١) وفي نسخة: "وقالا".
[ ١٣ / ١٤٣ ]
عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قالوا: ثنا الأوزاعيّ، ثنا حسان بن عطية، حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ باللَّه من الأربع، من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وشر المسيح الدجال"، قال: لفظهم واحد. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال أبو نعيم: إن لفظهم واحد، وهو مخالف لقول المصنّف: "ولم يذكر الآخر"، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، و"يحيى": هو ابن أبي كثير، و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، وكذا مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (طاووسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
وقوله: (عُوذُوا بِاللَّهِ. . . إلخ) أمر من عاذ كقال، أي اطلبوا منه العصمة، يقال: استعذتُ باللَّه، وعُذْتُ به مَعَاذًا، وعِيَاذًا: اعتصمتُ به (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، غير:
١ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٤٣٧.
[ ١٣ / ١٤٥ ]
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث أبي هريرة الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن طاوس هذه ساقها الحميديّ في "مسنده" (٢/ ٤٣٢)، فقال:
(٩٨٠) حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "عُوذوا باللَّه من عذاب اللَّه، عوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عوذوا باللَّه من عذاب القبر، عوذوا باللَّه من فتنة المسيح الدجال". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (ح م د ت س) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٣ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
[تنبيه]: رواية الأعرج هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٥٥١٦) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "عُوذُوا باللَّه من عذاب اللَّه، عُوذوا باللَّه من عذاب القبر، عُوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عُوذوا باللَّه
[ ١٣ / ١٤٦ ]
من فتنة المسيح الدجال". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم قبل بابين.
٣ - (بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ [٥] (ت ١٢٥ أو ١٣٥) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٧/ ١١١٥.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَفِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نصبٌ [٣] (ت ١٠٨) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
والباقيان تقدّما في الباب.
والحديث أخرجه النسائيّ في "كتاب الاستعاذة" (٨/ ١٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٨ و٤٥٤)، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٦] (٥٩٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ١٤٧ ]
نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا (^١) فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام الحجة الفقيه المجتهد المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، تقدّم قبل باب، و"طاوس" ذكر قبل حديثين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي أصحابه، أو أهل بيته (هَذَا الدُّعَاءَ) أي الذي يأتي (كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) هذا بيان
_________________
(١) وفي نسخة "دعوتَ بها؟ ".
[ ١٣ / ١٤٨ ]
لتأكيد اهتمامه -ﷺ- بتعليم هذا الدعاء لأمته، وتأكّد التعوذ به، والحثّ الشديد عليه (يَقُولُ) -ﷺ- ("قُولُوا) هذا أمر بقول هذا الدعاء، وظاهر الأمر للوجوب، واليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع به، وإليه ذهب ابن حزم، وذهب الجمهور إلى استحبابه، والأول هو الظاهر؛ لأنه لا صارف للأمر (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى خالقها (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أي على تقدير لُقيّه (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ") هذا تعميم بعد تخصيص، وكرّر "أعوذ" في كلّ واحدة؛ إظهارًا لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعاذة مستقلّة.
(قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج) صاحب الكتاب: (بَلَغَنِي) قال صاحب "التنبيه": لا أدري من بلّغه (^١). (أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ) يَحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن طاوس، أو غيره (أَدَعَوْتَ بِهَا) وفي بعض النسخ: "دعوت بها؟ " بحذف همزة الاستفهام، أي هل دعوت بهذه الدعوات (فِي صَلَاتِكَ؟، فَقَالَ) ابنه (لَا) أي لم أدع بها (قَالَ) طاوس لابنه (أَعِدْ صَلَاتِكَ) أي لتركك ما أُمرت به، وهي الدعوات المذكورة، ثم سبب أمره بإعادة صلاته، فقال: (لِأَنَّ طَاوُسًا) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: لأنّي رويته (رَوَاهُ) أي نقله (عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ) "أو" للشكّ من الراوي.
قال النوويّ -﵀-: ظاهر كلام طاوس: أنه حَمَل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحبّ، ليس بواجب، ولعلّ طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما قاله القاضي عياض -﵀-: إن طاوسًا يرى الوجوب، وعبارته في "الإكمال": وقولُ طاوس لابنه -إذ لم يتعوّذ كما علّمهم النبيّ -ﷺ- بذلك-: أَعِدْ صلاتك، يدلّ أنه حَمَل أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، وبقوله: "عُوذُوا باللَّه" على الوجوب. انتهى (^٢).
_________________
(١) "تنبيه المعلم" (ص ١٤٢).
(٢) راجع: "الإكمال" ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: وأمر طاوس ابنه بإعادته لَمّا لم يتعوّذ من تلك الأمور دليلٌ على أنه كان يعتقد وجوب التعوّذ منها في الصلاة، وكأنه تمسّك بظاهر الأمر بالتعوّذ منها، وتأكّد ذلك بتعليم النبيّ -ﷺ- إياها الناس كما يُعلِّمهم السورة من القرآن، وبدوام النبيّ -ﷺ- على ذلك.
قال: ويَحْتَمِل أن ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرم فائدتها وثوابها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح؛ لوضوح أدلّته، كما بيّنه القرطبيّ -﵀- نفسه.
والحاصل أن أدلّة القول بوجوب الاستعاذة من هذه الأربع ظاهرة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٣٦] (٥٩٠)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٩٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٥٤٢)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٤)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ١٠٤)، و"الاستعاذة" (٨/ ٢٦٧ - ٢٧٧)، و(ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٤٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١٥)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و٢٥٨ و٢٩٨ و٣١١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٩٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢١٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٠٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣٦٤)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ١٣ / ١٥٠ ]