وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٢] (٤٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ -يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ (^١) صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى، كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ (^٢) وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين، [٣] مات في حدود سنة (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "ألا تُحَسّن" بالتشديد من التحسين.
(٢) وفي نسخة: "مَن" بالفتح في الموضعين.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْوَلِيدِ -يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا رواية المصنّف والنسائيّ من طريق الوليد بن كثير، بزيادة "عن أبيه"، وكذا هو عند ابن خزيمة في "صحيحه" برقم (٤٤٧٤) من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، و(٤٤٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد.
ووقع في "مسند أحمد" (٢/ ٤٤٩) من طريق يزيد -يعني ابن هارون- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة -﵁-. . . بدون ذكر "عن أبيه".
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: "صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر"، وعند ابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر المذكورة: "العصر" (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة، وانتهى منها (فَقَالَ: "يَا فُلَانُ) الظاهر أنه -ﷺ- ناداه باسمه، ولكن الراوي كنى عنه، وأخفاه طلبًا للستر عليه، ولم أر أحدًا ذكر اسمه، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية لأحمد: "صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، وفي مؤخّر الصفوف رجلٌ، فأساء الصلاة، فلما سلّم ناداه رسول اللَّه -ﷺ-: يا فلان، ألا تتقي اللَّه، ألا ترى كيف تصلّي، إنكم ترون أني يخفى عليّ شيء مما تصنعون؟ واللَّه إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ".
[ ١٠ / ١٧٧ ]
وعند ابن خزيمة: "صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، فلما سلّم نادى رجلًا كان في آخر الصفوف، فقال: يا فلان ألا تتّقي اللَّه، ألا تنظر كيف تصلّي؟ إن أحدكم إذا قام يصلّي إنما يقوم يناجي ربّه، فلينظر كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أراكم؟ إني واللَّه أراكم من خلف ظهري كما أرى من بين يديّ".
وفي لفظ: "صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- العصر، فبَصُرَ برجل يصلّي، فقال: يا فلان اتّق اللَّه، أحسن صلاتك، أترون أني لا أراكم؟ إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ، أحسنوا صلاتكم، وأتمّوا ركوعكم وسجودكم".
(أَلا) أداة عَرْض، وهو الطلب برفق، أو تحضيض، وهو الطلب بحثّ، وهو المناسب هنا، كما يدلّ عليه السياق (تُحْسِنُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحسان، وفي بعض النسخ: "ألا تُحَسّن" بالتشديد، من التحسين، يقال: حَسّن الشيءَ: إذا زيّنه، ويقال: أحسنتَ الشيءَ: عرفته، وأتقنته، أفاده في "المصباح"، ونحوه في "مختار الصحاح" (^١)، أي ألا تُزَيِّن (صَلَاَتَكَ؟) وتتقنها بإتمام الركوع والسجود والخشوع.
قال بعضهم: أصل الهمزة التي للاستفهام التوبيخيّ بمعنى لا ينبغي، دخلت على "لا" النافية، فصار الكلام لا ينبغي أن لا تُحسن صلاتك، ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى: ينبغي أن تحسن صلاتك. انتهى.
(أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى، كَيْفَ يُصَلِّي؟) أي ينبغي للمصلّي النظر، والمرافى من النظر التفكّر والتأمّل، أي ليفكّر المصلّي في صلاته، ويقارن بين ما يؤدّي، وبين ما ينبغي (فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ) الفاء للتعليل، وفي الكلام مضافٌ محذوفٌ، أي لنفع نفسه، وفائدة نفسه، فإن اللَّه تعالى غنيّ عن الإنسان، وعن عبادته، وما أوجب الصلاة إلا لمثوبة العبد ومجازاته، ومن عَرَفَ أن الفعل لفائدة نفسه أحسن، وأتقن عمله، فليس هناك من هو أحبّ إلى الإنسان من نفسه غالبًا.
(إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ) بضم أوله، من الإبصار (مِنْ) بكسر الميم في الموضعين، وهي الجارّة، وفي بعض النسخ بفتحها، وعليه فهي موصولة
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٣٦، و"مختار الصحاح" ص ٥٨.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
(وَرَائِي) وفي الرواية التالية: "من بعد ظهري" (كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ) قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: معناه أن اللَّه تعالى خَلَق له -ﷺ- إدراكًا في قفاه يُبْصِر به مِن ورائه، وقد انخرقت العادة له -ﷺ- بأكثر من هذا، وليس يَمنع من هذا عقلٌ ولا شرعٌ، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به.
قال القاضي: قال أحمد بن حنبل -﵀-، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقةً. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وقد اختُلِف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يُلْهَم، وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيِّده بقوله: "من وراء ظهري".
وقيل: المراد أنه يَرَى من عن يمينه، ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب.
والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقيّ خاصّ به -ﷺ- انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عَمِلَ البخاريّ -﵀-، فقد أخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نُقِل عن الإمام أحمد وغيره.
ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السُنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عاديةٌ، يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، خلافًا لأهل البِدَع؛ لوقوفهم مع العادة.
وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من وراءه دائمًا.
وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سمّ الخياط يبصر بهما، لا يحجبهما ثوب ولا غيره.
وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٦٦.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال الثلاثة تحتاج إلى دليل، بل القول الثاني أبشع، لا ينبغي حكايته إلا للتعجّب منه.
فالحقّ أن نكل العلم في كيفيّة إبصاره -ﷺ- إلى العليم الخبير الذي أعطاه تلك المعجزة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: مذهب أهل السنّة من الأشعريّة وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكًا خاصًّا بالنبيّ -ﷺ- محقّقًا، انخرقت له فيه العادة، وخلق له وراءه، أو يكون الإدراك العينيّ انخرقت له العادة، فكان يرى به من غير مقابلة، فإن أهل السنّة لا يشترطون في الرؤية عقلًا بِنْيَةً مخصوصةً، ولا مقابلة، ولا قربًا ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة، وأهل الْبِدَع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عاديّةٌ يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حَكَموا بجواز رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، مع إحالة تلك الأمور كلّها، ولَمّا ذهب أهلُ الْبِدَع إلى أن تلك الشروط عقليّة استحال عندهم رؤية اللَّه تعالى، فأنكروها، وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، ويؤيّد هذا قولُ عائشة -﵂- في هذا: "زيادة زاده اللَّه إياها في حجته" (^١).
وقال بقيّ بن مخلد: كان -ﷺ- يرى في الظلام كما يرى في الضوء، وقال مجاهد: كان -ﷺ- يرى من خلفه كما يرى من بين يديه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله -ﷺ-: "إني لأبصر من ورائي" راجع إلى العلم، وأن معناه: إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حَمْلُ ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادةً في كرامات النبيّ -ﷺ-، وفي فضائله؛ لأن ذلك جار على أصول أهل الحقّ كما قدّمناه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
_________________
(١) قول عائشة -﵂- هذا هكذا ذكره القاضي عياض أيضًا في "الإكمال" (٢/ ٣٣٦)، ونقلها الأبيّ أيضًا، ولم يعزها أحد منهم إلى مصدر، فلا أدري من أخرجها، فلينظر.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٧ - ٥٨.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ -﵀- من حمل الرؤية على الرؤية الحقيقيّة، كما هو ظاهر النصّ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
ومن غريب ما رأيته ما كتبه صاحب "فتح المنعم" في هذا المحلّ مستنكرًا هذا المعنى الظاهر، ومرجحًا كون الرؤية بمعنى الإحساس والشعور، وأعجب منه تشبيهه بإحساس الأعمى التي يعطيه تعويضًا عما فقده من البصر، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فأيّ بصر فقده النبيّ -ﷺ- حتى عوّضه اللَّه إحساسًا كالأعمى؟ إن هذا لهو العجب العجاب.
والحاصل أنه لا ينبغي الالتفات إلى مثل هذا التأويل المزري على منصب النبيّ -ﷺ- في تنظيره بالأعمى، وهو -ﷺ- صرّح تصريحًا لا خفاء فيه ولا لبس بأن اللَّه -﷿- خصّه، وفضّله بأن أعطاه إبصارًا من وراء ظهره، كما يبصر من أمامه من غير فرق، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ظاهر الحديث أن ذلك الإبصار يختص بحالة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نُقِل ذلك عن مجاهد، وحَكَى بَقِيّ بن مَخْلَد أنه -ﷺ- كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كون الإبصار خاصًّا بالصلاة مما يدلّ عليه ظاهر الحديث عندي نظر، بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، فالأولى حمله على العموم، كما نُقل عن مجاهد -﵀-، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٩٦٢ و٩٦٣] (٤٢٣ و٤٢٤)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤١٨) و"الأذان" (٧٤١)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١١٩)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٤ و٣٦٥ و٣٧٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٣٧ و٦٣٣٨)، و(عليّ بن الجعد) في
[ ١٠ / ١٨١ ]
"مسنده" (٢٨٩٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦١٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٠ و٩٥١)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٧٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الأمرَ بإحسان الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها، ومستحبّاتها، والحثَّ على الخشوع فيها.
ورَوَى البيهقيّ بإسناد صحيح عن مجاهد، قال: كان ابن الزبير -﵄- إذا قام في الصلاة كأنه عُود، وحدَّث أن أبا بكر الصديق -﵁- كان كذلك، قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصلاة.
قال في "الفتح": واستُدِلّ بحديث الباب على أنه لا يجب؛ إذ لم يأمرهم -ﷺ- بالإعادة، وفيه نظرٌ.
نعم في حديث أبي هريرة من وجه آخر عند مسلم -يعني هذا الحديث-: "صلى رسول اللَّه -ﷺ- يومًا ثم انصرف، فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك"، وله في رواية أخرى: "أتموا الركوع والسجود"، وفي أخرى: "أقيموا الصفوف"، وفي أخرى: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود"، وعند أحمد: "صلى بنا الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجلٌ، فأساء الصلاة"، وعنده من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- "أن بعض الصحابة تعمّد المسابقة؛ لينظر هل يعلم به رسول اللَّه -ﷺ- أو لا؟ فلما قضى الصلاة نهاه عن ذلك"، واختلاف هذه الأسباب يدل على أن جميع ذلك صدر من جماعة في صلاة واحدة، أو في صلوات.
وقد حَكَى النوويّ الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يَرِد عليه قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حدّ يَذْهَب معه الخشوع أبطلت الصلاة، وقاله أيضًا أبو زيد المروزيّ؛ لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المراد بالإجماع أنه لم يُصَرِّح أحد بوجوبه، وكلاهما في أمر يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع.
وفيه تعقب على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنهما قالا: إن الخشوع شرط في صحة الصلاة، وقد حكاه المحب الطبريّ، وقال: هو محمول على
[ ١٠ / ١٨٢ ]
أن يحصل في الصلاة في الجملة، لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضًا.
وأما قول ابن بطال: فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة.
قيل له: بحسب الإنسان أن يُقْبِل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه اللَّه -﷿-، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر، فحاصل كلامه أن القدر المذكور هو الذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا.
وأنكر ابن الْمُنَيِّر إطلاق الفرضية، وقال: الصواب أن عدم الخشوع تابع لما يظهر عنه من الآثار، وهو أمر متفاوت، فإن أَثَّر نقصًا في الواجبات كان حرامًا، وكان الخشوع واجبًا، وإلا فلا. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): جواز الحلف باللَّه تعالى من غير ضرورة، لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر، وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يُحْمَل ما جاء في الأحاديث من الحلف، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
٣ - (ومنها): إثبات معجزة باهرة للنبيّ -ﷺ-، حيث جعله اللَّه تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه، قال الحافظ العراقيّ -﵀- في "ألفيّة السيرة":
أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
وهذه الرؤية كما أسلفنا على ظاهرها، وأن اللَّه تعالى جعله يُبصر من وراء ظهره، كما يُبصر من أمامه.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يُنَبِّه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأَوْلى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٣] (٤٢٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٠.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
هُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي (^١) ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
وقتيبة تقدّم في الباب الماضي، ومالك قبل باب.
وقوله: ("هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا) الإشارة إلى القبلة، أي هل ترون توجّهي إلى جهة القبلة، فتظنّون أني أرى ما في المواجهة فقط؟، والاستفهام إنكاريّ لما يلزم منه، أي أنتم تظنون أني لا أرى فعلكم؛ لكون قبلتي في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئًا استدبر ما وراءه، فلا ينبغي لكم أن تظنّوا هذا؛ فإن رؤيتي ليست قاصرة في جهة قبلتي، بل أراكم من وراء ظهري، كما أراكم من أمامي.
وقوله: (فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "فَوَاللَّه ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم"، قال في "الفتح": أي في جميع الأركان، ويَحْتَمِل أن يريد به السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع، وقد صَرَّح بالسجود في رواية لمسلم، يعني هذه الرواية.
وقوله: (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة.
وقوله: (وَرَاءَ ظَهْرِي) وفي نسخة: "من وراء ظهري" بزيادة "من".
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "من وراء ظهري".
[ ١٠ / ١٨٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٤] (٤٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي -وَرُبَّمَا قَالَ-: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا رَكعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بُنْدار تقدّم قريبًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ يُدلّس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع.
٥ - (ومنها): أن شيخيه كانا كفرسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة، سنة (٢٥٢) ومن المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
٦ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- ممن لازم النبيّ -ﷺ-، وخدمه عشر سين، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) أي أكملوهما بمراعاة الطمأنينة والاعتدال، وفي رواية النسائيّ: "أتمّوا" بدل "أقيموا"، والإقامة هنا بمعنى الإحسان المتقدّم في قوله: "ألا تُحسن صلاتك" (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي) أي بعد ظهري، كما أشار إليه بقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي) تقدّم الكلام على معنى هذه الجملة في حديث أبي هريرة -﵁-.
قال في "الفتح": وأغرب الداوديّ الشارح، فحَمَل البعدية هنا على ما بعد الوفاة، يعني أن أعمال الأمة تُعْرَض عليه، وكأنه لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة -﵁- حيث بَيَّنَ فيه سبب هذه المقالة، وحديثه وحديث أنس -﵁- في قضية واحدة، وهو مقتضى صنيع الشيخين في إيرادهما الحديثين في هذا الباب.
[فإن قيل]: ما الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم، دون تحذيرهم برؤية اللَّه تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبيّن في سؤال جبريل -﵇-، كما تقدم في "كتاب الإيمان": "اعبُدِ اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؟.
[أجيب]: بأن في التعليل برؤيته -ﷺ- لهم تنبيهًا على رؤية اللَّه تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة؛ لكون النبيّ -ﷺ- يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة اللَّه تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له -ﷺ- بذلك، ولكونه يُبْعَث شهيدًا عليهم يوم القيامة، فإذا عَلِمُوا أنه يراهم، تحفظوا في عبادتهم؛ ليشهد لهم بحسن عبادتهم، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: (إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ") ظرف لـ "أراكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٦٥.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٩٦٤ و٩٦٥] (٤٢٥)، و(البخاريّ) في (٧٤٢)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (١٠٥٤ و١١١٧) و"الكبرى" (٦٤١ و٧٠٤ و١٣٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١١٣ و١٣٠ و١٧٠ و١٧٧ و٢٦٩ و٢٧٤)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١١٧٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧١٥ و١٧١٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٢ و٩٥٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ"، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: "إِذَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ (^١) ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستَوَائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٥ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
_________________
(١) وفي نسخة: "إذا ركعتم، وسجدتم".
[ ١٠ / ١٨٧ ]
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، كسابقه.
وقوله: (إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) "ما" بعد "إذا" زائدة، كما تبيّن من الرواية التالية.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.