وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٧] (٥٩١) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (^١)، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٍ"، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ (^٢): أَستَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) -بالتصغير- الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ) بن مسلم الدمشقيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَبُو عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) القرشيّ الدمشقيّ، مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يُرسل [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم.
قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شدّاد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصَحِبَ أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا، وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد اللَّه، وكان مرضيًّا، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به
_________________
(١) وفي نسخة: "الوليد بن مسلم".
(٢) وفي نسخة: "يقول".
[ ١٣ / ١٥١ ]
بأس، وكذلك قال النسائيّ، وقال صالح بن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٩١) و(٨٣٢) و(١٠٣٦) و(٢٠٧٤) و(٢٢٧٦) و(٢٢٧٨) و(٢٧٦٥).
٥ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد، ويقال: اسمه عبد اللَّه الدمشقيّ، ثقة [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٦ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ -ﷺ-، صَحِبَهُ ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارَزميّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) قال النوويّ -﵀-: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها (اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) هذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعْرِض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركًا لذلك.
وقال السنديّ -﵀-: استغفر -ﷺ- تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلّما يزداد عملًا، وقد مدح اللَّه عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
وقال ابن سيّد الناس -﵀-: هو وفاء بحقّ العبوديّة، وقيام بوظائف
[ ١٣ / ١٥٢ ]
الشكر، كما قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، وليبيّن للمؤمنين سنته فعلًا، كما بيّنها قولًا في الدعاء والضراعة ليُقتَدَى به. انتهى.
(وَقَالَ) -ﷺ- بعد الاستغفار ("اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، أي أنت السليم من المعايب والآفات، ومن كل نقص.
وقال الصنعانيّ -﵀-: المراد ذو السلامة من كلّ نقص وآفة، مصدر وُصف به للمبالغة. انتهى.
وفي تعريف الجزأين إفادة الحصر، أي أنت المختصّ بالتنزّه عن النقائص والعيوب، لا غيرك.
(وَمِنْكَ السَّلَامُ) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تُعطي السلامة وتمنحها لمن أردتها له، لا من غيرك، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يُرجَى السلام، ويُستوهَب، ويُستفاد، أو السلامة من المعايب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلّمته.
قال الشيخ الْجَزَريّ -﵀-: وأما ما يُزاد بعد قوله: "ومنك السلام" من نحو: "وإليك يرجع السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام"، فلا أصل له، بل هو مُخْتَلَقٌ من بعض القُصّاص. انتهى.
(تَبَارَكْتَ) تَفَاعَلْتَ من البركة، وهى الكثرة والنماء، رُوي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: "تبارك " بمعنى تعالى، وقال أبو العباس: ارتفع، والمبارك المرتفع، وقال ابن الأنباريّ: تقدّس، وقال الحسن: تبارك تجيء البركة مِن قِبَلِه، وقال الضّحّاك: تَعَظّم، وقال الخليل: تمجّد.
وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه.
قال العلّامة ابن القيّم -﵀-: هذا أحسن الأقوال، فتبارُكُهُ سبحانه وصفُ ذاتٍ له، وصفةُ فعلٍ.
وقال ابن عطيّة: معناه عظُم، وكثُرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللفظة إلا اللَّه تعالى، ولا تتصرف في لغة العرب، لا يُستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلّة ذلك أن "تبارك" لَمّا لم يوصف به غير اللَّه لم يَقتض مستقبلًا، إذ اللَّه ﷿ قد تبارك في الأزل.
(ذَا الْجَلَالِ) بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كقوله
[ ١٣ / ١٥٣ ]
تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية، قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
أي العظمة (وَالْإِكْرَامِ") أي الإحسان إلى أوليائه (قَالَ الْوَليدُ) بن مسلم (فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟) أي الذي نُقل عن النبيّ -ﷺ- (قَالَ) الأوزاعيّ: (تَقُولُ) بالتاء خطابًا للمتكلّم، وفي بعض النسخ: "يقول" بالياء، أي المصلّي (أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه الصفح، قال الفيّوميّ -﵀-: غَفَر اللَّه له غَفْرًا: صفَحَ عنه، والمغفرة: اسم منه، واستغفرتُ اللَّهَ: سألته المغفرة. انتهى (^١).
وقال في "اللسان": أصل الغَفْر: التغطية والستر، يقال: غَفَرَ اللَّهُ ذنوبَهُ: أي سترها، قال: وكلُّ شيء سترته، فقد غفرته، وقال أيضًا: الغَفْرُ والمغفرة: التغطية على الذنوب، والعفوُ عنها، ويقال: استغفر اللَّهَ من ذنبه، ولذنبه بمعنًى، واستغفر اللَّه ذنبَهُ على حذف الحرف: طَلَبَ منه غَفْرَه، أنشد سيبويه [من البسيط]:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ
انتهى باختصار، وتصرّف (^٢).
ومعنى كلام الأوزاعيّ -﵀- أن صيغة الاستغفار التي كان النبيّ -ﷺ- يقولها بعد الصلاة هي هذه، والظاهر أنه قاله روايةً، ويَحْتَمِل أن يكون قاله استنباطًا من النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمّل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، [آل عمران: ١٣٥]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٩.
(٢) راجع: "لسان العرب" ٥/ ٢٥ - ٢٦.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٧] (٥٩١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٥١٣)، و(الترمذيّ) فيها (٣٠٠)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٧) وفي "الكبرى" (١٢٦٠) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٣٩)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٥ و٢٧٩)، و(الدارمي) في "سننه" (١٣٥٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٣٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٣٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث على الأوزاعيّ -﵀-:
رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ عند المصنّف، بلفظ: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا. . . "، ونحوه عند النسائيّ، ووافقه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعيّ، عند أبي نعيم في "المستخرج".
وخالفهما في ذلك جماعة فرووه عن الأوزاعيّ بلفظ: "كان إذا أراد أن ينصرف".
فرواه أحمد من طريق عبد القدوس بن الحجّاج -وهو، والترمذي من طريق عبد اللَّه بن المبارك- وأبو داود من طريق عيسى بن يونس -وابن خزيمة، وأبو عوانة، وأبو العبّاس السرّاج ثلاثتهم من طريق بشر بن بكر- وابن خزيمة أيضًا من طريق عمرو بن أبي سلمة -وابن حبّان من طريق عُمَر بن عبد الواحد- خمستهم عن الأوزاعيّ اتفقوا على لفظ: "إذا أراد أن ينصرف".
وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من رواية عمرو بن هاشم البيروتيّ، عن الأوزاعيّ بلفظ: "كان يقول قبل السلام".
قال ابن خزيمة -﵀-: إن كان عمرو بن هاشم حفظه، فمحلّ هذا الذكر قبل السلام.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه لم يحفظه، فقد خالف هؤلاء الحفّاظ، وقد قال عنه أبو حاتم -كما في "التهذيب"-: ليس بذاك، كان
[ ١٣ / ١٥٥ ]
صغيرًا حين كتب عن الأوزاعيّ، وقال العُقيليّ: لا يُتابع على حديثه (^١).
والحاصل أن روايته بلفظ: "قبل السلام" شاذّة غير محفوظة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ في "نتائج الأفكار": ورواية: "إذا أراد أن ينصرف" موافقة لهذه، ويمكن ردّ رواية: "إذا انصرف" إليها، لكن المعروف أن هذا الذكر بعد السلام، ويؤيّده حديث عائشة -﵂- يعني الآتي بعد هذا، ثم قال: ويمكن الجمع بأنه كان يقول ذلك في الموضعين. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الجمع لا يُحتاج إليه (^٢)؛ لما عرفت من أن الرواية بلفظ: "قبل السلام" غير محفوظة، فلا حاجة إلى الجمع المذكور.
والأحسن عندي أن يُفَسّر الانصراف هنا بالانصراف إلى جهة الحاجة، لا بالانصراف الذي هو السلام، بدليل حديث عائشة -﵂- الآتي، فيكون معنى: "إذا أراد أن ينصرف" أي إذا أراد القيام إلى حاجته بعد السلام، فيتفق مع حديث عائشة -﵂-، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الاستغفار ثلاث مرّات بعد التسليم من الصلاة.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع وإظهار العبودية للَّه تعالى، فيستغفر ربه، وإن كان قد غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر.
٣ - (ومنها): بيان أن العبد لا ينبغي له الاتّكال على الطاعة، بل يعتقد فيها النقص، وعدم أدائه حقّ اللَّه فيها، فيَجْبُر ذلك بالاستغفار، فالاستغفار ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل الطاعة تحتاج إليه أيضًا، لما يقع فيها من
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٠٩.
(٢) كنت استحسنته في شرح النسائيّ، لكن الآن يظهر لي عدم استحسانه، بل وجه الجمع هو ما ذكرته أخيرًا، فتنبّه.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
السهو والغفلة، وعدم القيام بها حقّ القيام، وقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن عائشة -﵂- أنها قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويَسْرِقون؟ قال: لا، يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقْبَل منهم، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] (^١).
٤ - (ومنها): بيان وصف اللَّه تعالى بأنه السالم من كلّ نقص، وعيب، وبأن السلامة لعباده منه ﷿، لا من غيره، وأنه متصف بالعظمة ذاتًا وصفةً، وبإكرام أوليائه، الذين قال في حقهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٨] (٥٩٢) - (حَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أثبت الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في "جامعه" برقم (٣٠٩٩)، وابن ماجه في "سننه" (٤١٩٨).
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ١٥٧ ]
٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب ابن سيرين وخَتَنُهُ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه يوسف، وعاصم الأحول، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال سليمان بن حرب: كان ابن عمّ ابن سيرين ثقةٌ، وتَعَقّب ذلك الدمياطيّ، قال: بل هو ختنه.
قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ما المانع أن يكون ابن عمّه من الأمّ، أو من الرضاع، فلا يتخالف القولان.
ورَوَى يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن نسيب، عن عائشة حديثًا، فقال ابن حبّان في "صحيحه": وَهِمَ فيه يحيى، وإنما هو عبد اللَّه بن الحارث نَسِيب ابن سيرين، سقط عليه "الحارث"، فبقيت عبد اللَّه بن نسيب. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٥٩٢) و(٦٩٩) و(١٦١٣) و(٢٧١٢) و(٢٧٢٢).
٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّلهما، حيث رويا عن أبي معاوية بالسماع منه.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سليمان، عن عبد اللَّه بن الحارث، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵁- أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ) أي من صلاته (لَمْ يَقْعُدْ) أي في مكان صلاته (إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) اسم من أسماء اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ الآية [الحشر: ٢٣] (وَمِنْكَ السَّلَامُ) أي السلامة من الآفات، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩١]، ومعنى ذلك أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصل لمن سلمه اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، قاله القرطبيّ -﵀- (^١).
(تَبَارَكْتَ) هو: تفاعلتَ، من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمتَ؛ إذ كثُرت صفات جلالك وكمالك (ذَا الْجَلَالِ) أي ذا العظمة والسلطان، وهو بحذف حرف النداء، كما سبق بيانه في الحديث الماضي (وَالْإِكْرَامِ") أي الإحسان، وإفاضة النِّعَم على المطيعين.
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ") يعني بإثبات حرف النداء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٨ و١٣٣٩ و١٣٤٠] (٥٩٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٥١٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٩٨ و٢٩٩)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٨) وفي "الكبرى" (١٢٦١) وفي "عمل اليوم والليلة" (٩٥ و٩٦ و٩٧)، و(ابن ماجه) (٩٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٢ و٣٠٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٥٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٢
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢١١.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
و٦/ ١٨٤ و٦/ ٢٣٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٣٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦١ و٢٠٦٢ و٢٠٦٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٠ و١٣١١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٠ و٢٠٠١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٣)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" (٥/ ٣٤٢) هذا الحديث أيضًا من حديث ابن مسعود -﵁-، فقال:
(٢٠٠٢) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا محمد بن الصباح الدُّولابيّ منذ ثمانين سنة، قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح (^١)، عن عبد اللَّه بن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
قال أبو حاتم -﵀-: سَمِعَ هذا الخبر عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة، وسمعه عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح، عن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، الطريقان جميعًا محفوظان. انتهى (^٢).
وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المكث في مكان الصلاة بعد السلام من الصلاة:
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: المنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء.
رَوَى عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود -﵁- قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمرًا.
_________________
(١) وثقه ابن معين، وابن حبّان، انظر: "تهذيب التهذيب"، فقوله في "التقريب": مقبول غير مقبول، فتنبّه.
(٢) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
وروى أيضًا بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال -لمّا سمع مصعبًا يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة-: ما له؟ قاتله اللَّه نَعَّار بالبِدَعِ.
ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنًا.
ففي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة -﵁- "أن النبيّ -ﷺ- كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام".
ورَوَى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة.
قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ-: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس.
فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهرن جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يُحدِث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه". فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصق الشافعيّ في "المختصر" على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له
[ ١٣ / ١٦١ ]
الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر اللَّه، خصوصًا بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يُحِدِث.
ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه.
ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهًا، أو غير مكروه.
قال ابن مسعود -﵁-: إذا فرغ الإمام، ولم يَقُم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعه، فقد تمّت صلاتك، أخرجه عبد الرزّاق.
وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء.
وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم الماموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم.
وقال الزهريّ ة إنما جُعل الإمام ليؤتم به - يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه.
وفي "صحيح مسلم"، عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف".
وحديث أم سلمة -﵂-: "كان رسول اللَّه إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومَكَث يسيرًا قبل أن يقوم"، قال ابن شهاب: فأرى -واللَّه أعلم- أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم، رواه البخاريّ.
فهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النبيّ -ﷺ- لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاءً عامّا للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: "يشهدن الخير ودعوة المسلمين". فلو كان عقب الصلاة دعاء عامّ لشهده النساء مع الرجال أيضًا.
[ ١٣ / ١٦٢ ]
وقال الشافعي في "الأمّ": فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ.
وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم.
وفي "تهذيب المدوّنة" للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- ببعض تصرّف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ في "الأم" هو الراجح عندي.
وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلّاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن.
وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلًّا بالحديث المتقدّم، وهو قوله: "ولا بالانصراف" فهو غير صحيح عندي؛ لأن معنى الانصراف هنا -واللَّه أعلم- هو السلام، بدليل أنه -ﷺ- قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنَهَى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ -﵁- المشهورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها:
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق.
فكَرِهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته.
_________________
(١) راجع: "فتح الباري شرح صحيح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤٣٧ - ٤٤١.
[ ١٣ / ١٦٣ ]
وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن عليّ -﵁- أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه.
ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاريّ، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد.
فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأمومًا، كذلك قال الإمام أحمد.
وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد.
وقد أخرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة -﵁- قال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي اللَّه -ﷺ-، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يَهْلِك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبيّ -ﷺ- بصره، فقال: "أصاب اللَّه بك يا ابن الخطّاب" (^١).
وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم.
ويدلّ عليه أيضًا ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلّم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج، أخرجه مسلم.
وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر.
وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه،
_________________
(١) هذا الحديث ضعيف يأتي الكلام عليه قريبًا.
[ ١٣ / ١٦٤ ]
قيل له: فما يُجزئ من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه.
ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلّم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد.
قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم، وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاريّ.
وقد ذكر قتادة، عن ابن عمر أنه رأى رجلًا صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة.
وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق.
ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأمومًا، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال.
وقد قال الشافعي في "سنن حرملة": حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة: "أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام.
وقد روي أن النبيّ -ﷺ- اضطجع بعد ركعتي الفجر.
ورَوَى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄- أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم.
قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس -﵃- في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟.
[ ١٣ / ١٦٥ ]
وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية -﵁- يدلّ على الكراهة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ببعض تصرّف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية -﵁- المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب -﵀-، فليُتَنَبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وكتب الحافظ -﵀- على قول الإمام البخاريّ -﵀-: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوّع الإمام في مكانه"، ولم يصحّ. انتهى.
ما نصه: قوله: "ولم يصحّ" هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في "تاريخه"، وقال: لم يثبت هذا الحديث.
وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: "لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل". رواه أبو داود، وإسناده منقطع، وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي -﵁- قال: "من السنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه".
وحَكَى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة.
وفي مسلم: "عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبيّ -ﷺ- أمرنا بذلك".
ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة.
ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالًا؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع
_________________
(١) "شرح صحيح البخاري" لابن رجب ٧/ ٤٣٠ - ٤٣٤.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع.
وحجة الجمهور حديث معاوية -﵁-.
ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى.
فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي.
قلنا: قد ثبت في حديث معاوية -﵁-: "أو تخرج".
ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة.
وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتُعُقّب بحديث: "ذهب أهل الدثور"، فإن فيه: "تسبّحون دبر كلّ صلاة"، وهو بعد السلام جزْمًا، فكذا ما شابهه.
وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة.
ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلًا للقبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء. انتهى كلام الحافظ -﵀-.
قال بعض المحققين ردًّا على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: "اللهم أنت السلام. . . إلخ" مطلقًا؛ لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله هذا المحقِّق حسنٌ جدًّا، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
[ ١٣ / ١٦٧ ]
وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة؛ لعموم حديث معاوية -﵁- المتقدّم.
وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف؛ لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه.
وكذا حديث أبي هريرة -﵁- عند أبي داود مرفوعًا: "أَيَعْجَز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة" -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضًا (^١)؛ لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر أحاديث وردت باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبيّ -ﷺ-:
(منها): حديث سمرة بن جندب -﵁-: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه". أخرجه البخاريّ.
(ومنها): حديث البراء بن عازب -﵁- قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه"، رواه مسلم، وأبو داود.
(ومنها): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ -﵁-: "صلى لنا رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس. . . " الحديث، أخرجه البخاريّ.
(ومنها): حديث أنس -﵁- قال: "أخّر رسول اللَّه -ﷺ- الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه. . . " الحديث. أخرجه البخاريّ أيضًا.
(ومنها): حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه -﵁-: "أنه صلى مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الصبح، فلما صلى انحرف". حديث صحيح رواه النسائيّ.
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- في "صحيح أبي داود"، وقد عرفت ما فيه، وراجع ما قاله في "تهذيب التهذيب" في ترجمة الحجاج بن عبيد.
[ ١٣ / ١٦٨ ]
فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك؛ لما يشعر به لفظ "كان"، كما هو القول الراجح فيها، فقد حقّقته في "التحفة المرضيّة"، وشرحها.
[تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله -ﷺ- من الصلاحية للتعليم والموعظة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر لا يخفى.
وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلًا.
وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومين.
وحديث سمرة -﵁- يدلّ على أنه -ﷺ- كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدلّ على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه.
ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل يمينه.
أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّرًا لحديث سمرة -﵁-، فيكون المراد بقوله: "أقبل علينا" أي على بعضنا.
أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، أفاده في "النيل" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعًا؛ لأن هذا هو هدي النبيّ -ﷺ-، وغالب أحواله.
هذا إن إذا لم تكن له حاجة، فأما إن كانت له حاجة، فله أن يذهب إليها، ويترك الإقبال عليهم؛ لما أخرجه البخاريّ عن عقبة بن الحارث
_________________
(١) راجع: "نيل الأوطار" ٢/ ٣٦١.
[ ١٣ / ١٦٩ ]
النوفليّ -﵁-، قال: صليت وراء النبيّ -ﷺ- بالمدينة العصر، فسلَّم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففَزِعَ الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عَجِبوا من سرعته، فقال: "ذَكَرتُ شيئًا من تِبْر عندنا، فكرهت أن يَحْبِسني، فأمرت بقسمته".
فهذا الحديث يدلّ أيضًا على أن هديه -ﷺ- كان المكث في مصلاه؛ إذ لو لم يكن كذلك لَمَا تعجّبوا من سرعة انصرافه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقيان ذُكرا قبله، و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂-.
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (^١)، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ").
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني شعبة".
[ ١٣ / ١٧٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: اتّفقت النسخ التي بين يديّ في هذا الإسناد على قوله: "حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، وخالدٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، كلاهما عن عائشة"، وهو غلطٌ، والصواب: "حدّثنا شعبة، عن عاصم، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . . إلخ"، فشعبة يروي عن كلّ من عاصم، وخالدٍ، وكلاهما يرويان عن عبد اللَّه بن الحارث، وهو عن عائشة -﵂-، فقوله: "عن عبد اللَّه بن الحارث" يُحذف، ويكون قوله: "وخالدٍ" مجرورًا بالعطف على "عاصم"، ولفظ "كلاهما" يكتب بعد قوله: "وخالدٍ".
وقد وقع عند أبي داود في "سننه" على الصواب، وسأسوق لفظه في التنبيه الآتي، وكذا وقع على الصواب عند أبي نعيم في "مستخرجه"، ولفظه بعد أن ساقه بسنده: "حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ الأحول، وخالدٍ الحذّاء، جميعًا عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . . " الحديث.
وكذلك وقع في "تحفة الأشراف" (^١)، ولفظه: "وعن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن شعبة، عن عاصمٍ، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث. . . "، فتنبّه لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (خَالِد) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ١١/ ٢٤٣.
[ ١٣ / ١٧١ ]
والباقون تقدّموا قبله.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(١٥١٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، عن عاصم الأحول، وخالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- كان إذا سلّم قال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤١] (٥٩٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْمُسَيَّبُ (^١) بْنُ رَافِعٍ) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (وَرَّاد مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) هو: "ورّاد" -بفتح الواو، وتشديد الراء- الثقفيّ، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد الكوفيّ كاتب المغيرة، ومولاه، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاه المغيرة، ووَفَدَ على معاوية.
ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، والشعبيّ، وعبدة بن أبي لبابة، والْمُسَيَّب بن رافع، ورجاء بن حَيْوَة، والقاسم بن مُخَيمِرة، وأبو سعيد الشاميّ، وأبو عون الثقفيّ، وزياد بن عِلاقة، وعطاء السائب، وغيرهم.
_________________
(١) بضم الميم، وفتح السين المهملة، والياء المشدّدة المفتوحة.
[ ١٣ / ١٧٢ ]
ذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٥٩٣) وكرّره خمس مرّات، و(١٤٩٩): "أتَعْجَبون من غيرة سَعْد، فواللَّه لأنا أغير منه. . . " الحديث.
٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور -﵁-، أسلم قبل الحديبية، وولي إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا قبل باب، و"إسحاق بن إبراهيم"، هو: ابن راهويه، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، و"منصور" هو: ابن المعتمر.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف -﵀-، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه أيضًا، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وعلى قول من عدّ منصورًا من صغار التابعين، ففيه ثلاثة منهم روى بعضهم عن بعض، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الراء، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن سفيان عند الإسماعيليّ: "حدّثني ورّاد"، وفي رواية ابن عيينة -الآتية للمصنّف- عن عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير، سمعا ورّادًا كاتب المغيرة. . . (مَوْلَى الْمُغِيرَةِ) بضمّ الميم، وحُكي كسرها إتباعًا للغين (ابْنِ شُعْبَةَ) المراد بالمولى هنا: الْمُعْتَقُ، قال في "ألفيّة الحديث":
وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي … وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ
وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ … وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي
وقد تقدّم في "شرح المقدّمة" أن المولى يُطلَق على عدّة معان، أوصلها
[ ١٣ / ١٧٣ ]
في "القاموس" إلى واحد وعشرين معنى، ونظمتها، ومنها الْمُعتَق -بفتح التاء- وهو المراد هنا.
(قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَلَ معاوية -﵁-، وسيأتي سبب كتابه، من طريق ابن عيينة قال: حدّثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عُمير سمعا ورّادًا كاتب المغيرة بن شعبة، يقول: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بشيء سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه سمعت رسول اللَّه -ﷺ-. . .، وعند البخاريّ في "القدر" من رواية عبد بن أبي لبابة، عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ -ﷺ- يقول خلف الصلاة. . . (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي المكتوبة، ففي رواية للبخاريّ من طريق سفيان (^١)، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرةُ بن شعبة في كتاب إلى معاوية، أن النبيّ -ﷺ- كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . " الحديث.
(وَسَلَّمَ) أي خرج من صلاته بالسلام (قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه تعالى (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقديره نكرةً، كما قال في "الخلاصة":
وَالْحَالُ إِنْ عُرّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ "وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"
ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ
أي أرسل الإبل، أو الخيل حال كونها معتركة، أي مزدحمةً.
والمعنى هنا: منفردًا في ذاته.
(لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته، وهو تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد، وقال في "العمدة": "لا شريك له" تأكيد لقوله: "وحده"؛ لأن المتّصف بالوحدانيّة لا شريك له. انتهى (^٢).
_________________
(١) هو الثوريّ، قاله في "الفتح" ٢/ ٣٨٦.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ١٩٢.
[ ١٣ / ١٧٤ ]
وقال ابن الملقّن -﵀-: قوله: "وحده لا شريك له" هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلا فالحصر الذي قبله يُفيده.
قال ابن العربيّ -﵀-: وهو إشارة إلى نفي الإعانة لما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. انتهى (^١).
(لَهُ الْمُلْكُ) بضمّ الميم، قال في "اللسان": الْمُلْكُ: معروف، وهو يُذكّر ويُؤنّث كالسلطان، وملك اللَّه تعالى، ومَلكوته: سلطانه وعظمته، وقال أيضًا: قال ابن سِيدهْ: "الْمَلْكُ -بالفتح- والْمُلْك -بالضمّ- والْمِلْك -بالكسر-: احتواء الشيء، والقدرة على الاستبداد به. انتهى (^٢).
وقدّم الخبر لإفادة الاختصاص، أي لا لغيره، ومثله قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ) أي جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع أصناف المحامد في الأولى والآخرة للَّه -﷿-؛ لأنه المستحق لها دون غيره.
وزاد الطبرانيّ من طريق أخرى عن المغيرة: "يُحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير -إلى- قدير"، ورواته مُوَثَّقون، وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف، لكن في القول إذا أصبح، وإذا أمسى، قاله في "الفتح".
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد رُوي في الحديث زيادة: "بيده الخير" خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد.
وروي فيه أيضًا زيادة: "يحيي ويميت". ذكرها الترمذي في كتابه تعليقًا، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقيل، عن جابر -﵁- عن النبيّ -ﷺ-، بمثل حديث المغيرة -﵁- بهذه الزيادة، وفي إسنادها ضعف.
وخرّجه أيضًا من حديث ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، وفيه زيادة: "بيده الخير"، وفي إسناده ضعف.
وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: "يحيي ويميت"، وقال: هو غير محفوظ.
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٠.
(٢) "لسان العرب" ١٠/ ٤٩٢.
[ ١٣ / ١٧٥ ]
وخرّجه أبو مسلم البلخيّ في "سننه" من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ-، وفيه: "يحيي ويميت، بيده الخير"، وأبان متروك. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- (^١).
(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال في "العمدة": هو من باب التتميم والتكميل؛ لأن اللَّه تعالى لَمّا كانت الوحدانيّة له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كلّ شيء، وذكره للتتميم والتكميل، والقدير: اسم من أسماء اللَّه تعالى، كالقادر، والمقتدر، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض. انتهى (^٢).
[تنبيه]: لم يُقيّد هذا الذكر بثلاث مرّات في رواية المصنّف، وكذا عند البخاريّ هنا، لكن أخرج البخاريّ -﵀-: الحديث في "كتاب الرقاق" من "صحيحه" (^٣) مقيّدًا بالثلاث، ونصه:
حدّثنا عليّ بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضًا، عن الشعبي، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير - ثلاث مرّات. . . " الحديث.
وكذلك أخرجه النسائيّ في "المجتبى" (٨٦/ ١٣٤٣) عن الحسن بن إسماعيل المجالديّ، ويعقوب الدورقيّ، كلاهما عن هُشيم به.
غير أن الشيخ الألبانيّ -﵀- ضعّف قوله: "ثلاث مرّات"؛ لأجل الشذوذ.
_________________
(١) "شرح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ١٩٢.
(٣) راجع: "صحيح البخاريّ" بالنسخة اليونينية ٨/ ١٢٤، وقد ذكر الحافظ في "الفتح" أيضًا أنها موجودة في نسخة الصغانيّ، فدلّ على أن نسخ البخاريّ مختلفة، وأصح نسخه هي النسخة اليونينية، كما هو معروف لدى كل من له عناية بـ "صحيح البخاريّ".
[ ١٣ / ١٧٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، بل هي زيادة صحيحة، وقد أخرجها البخاريّ، والنسائيّ، فالذي يظهر أن تقييد هذا الذكر بثلاث مرّات هو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي أعطيته، فالعائد محذوف، وكذا ما بعده، قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِل إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والمعنى: أن من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي من قضيت عليه بحرمان شيء، فلا أحد يقدر على إعطائه ذلك (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظّ منك غناه، وضبطه جماعة بكسر الجيم، ومعناه: الاجتهاد، وقد تقدّم في "باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع".
وقال الخطابيّ -﵀-: "الجَدّ": الغنى، ويقال: الحظّ، قال: و"مِنْ" في قوله "منك" بمعنى البدل، قال الشاعر [من الطويل]:
فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ (^١)
يريد: لنا بدل ماء زمزم. انتهى.
وفي "الصحاح": معنى "منك" هنا: "عندك"، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح.
وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى "البدل"، ولا بمعنى "عند"، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء، إن أنا أردتك بسوء.
قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى "عندك"، أو فيه حذف، تقديره: "من قضائي"، أو "سطوتي"، أو "عذابي".
واختار الشيخ جمالُ الدين في "المغني" الأولَ.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: "منك" يتعلّق بـ "ينفع"، وينبغي أن يكون
_________________
(١) "الطَّهَيَان" بفتح الطاء، والهاء المهملتين: خشبة يُبَرّد عليها الماء.
[ ١٣ / ١٧٧ ]
"ينفع" قد ضُمّن معنى "يمنع"، أو ما قاربه، ولا يعود "منك" إلى "الجدّ" على الوجه الذي يقال فيه: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافع. انتهى.
و"الجدّ" مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغنى، كما نقله البخاريّ عن الحسن، أو الحظّ.
وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب، أي لا ينفع أحدًا نسبه.
وقال القرطبي -﵀ -: حُكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. وقال القزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن اللَّه قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة.
وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرّده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل اللَّه ورحمته، كما ثبت في حديث: "لا يُدخلُ أحدًا منكم الجنةَ عمَلُهُ"، وقيل: المراد على رواية الكسر السعي التامّ في الحرص، أو الإسراع في الهرب.
وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان.
والمعنى لا يُنجيه حظه منك، وإنما يُنجيه فضلك ورحمتك.
[تنبيه]: اشتَهَرَ على الألسنة في الذكر المذكور زيادة: "ولا رادّ لما قضيت"، وهي في مسند عبد بن حُميد من رواية معمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد به، لكن حذف قوله: "ولا معطي لما منعت"، ووقع عند الطبراني تامًّا من وجه آخر، قاله في "الفتح" (^١).
وعبارة ابن الملقّن في "إعلامه": مِنَ الناس من يزيد في هذا الدعاء: "ولا رادّ لما قضيت"، ورأيت من يُنكر هذه اللفظة، وهو عجيبٌ، فقد أخرجها عبد بن حُميد في "مسنده" (^٢)، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ورّاد، قال:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٧.
(٢) رقم (٣٩١).
[ ١٣ / ١٧٨ ]
كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتُب لي بشيء من حديث رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه: إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يتعوّذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وسمعته يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا رادّ لما قضيت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". انتهى (^١).
وقال الحافظ في "نتائج الأفكار" بعد أن ساق هذه الرواية بسنده إلى الطبرانيّ (^٢) قال: قال شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ-: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. انتهى (^٣).
[تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاري في "كتاب القدر" في آخر هذا الحديث أن ورّادًا قال: "ثم وَفَدت على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك".
وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في "الموطأ" من وجه آخر عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: "أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- على هذه الأعواد".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي احتجاجه بما ذُكِر نظرٌ لا يخفى؛ إذ الذي ذَكَر أنه سمعه منه -ﷺ- هو الذي قاله على المنبر في خطبته، لا ما كتب إليه المغيرة أنه كان يقوله في دبر كل صلاة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤١ و١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥]
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ١٩.
(٢) رواه الطبرانيّ هكذا في "الدعاء" رقم (١١١٠).
(٣) راجع: "نتائج الأفكار" ٢/ ٢٤٤.
[ ١٣ / ١٧٩ ]
(٥٩٣)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٤٤ و١٤٧٧ و٢٤٠٨ و٥٩٧٥) و"الدعوات" (٦٣٣٠) و"الرقاق" (٦٤٧٣) و"القدر" (٦٦١٥) و"الاعتصام" (٧٢٩٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٥٠٥)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٤١ و١٣٤٢ و١٣٤٣) وفي "الكبرى" (١٢٦٣ و١٢٦٤ و١٢٦٦) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٢٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٢٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٣١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٥ و٤/ ٢٤٧ و٤/ ٢٥٠ و٤/ ٢٥١ و٤/ ٢٥٤ و٤/ ٢٥٥)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (٣٩٠ و٣٩١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٥ و٢٠٠٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٩٢٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦٩ و٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢ و٢٠٧٣ و٢٠٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٢ و١٣١٣ و١٣١٤ و١٣١٥ و١٣١٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عقب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة.
قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: والثواب المرتّب على الأذكار يَرِدُ كثيرًا مع خفّة الأذكار على اللسان وقلّتها، وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء. انتهى.
٢ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى امتثال السنن، وإشاعتها.
٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجراؤها مُجرَى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا أمن تغييره.
واعْتَلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب، وأن يبلغ ما فيه مشافهةً.
وتعُقّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن
[ ١٣ / ١٨٠ ]
مجهول، ولو فُرض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أُرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجّح عدم الاعتداد بها، قاله في "الفتح".
٤ - (ومنها): أن فيه الاعتمادَ على خبر الشخص الواحد، وله نظائر كثيرة.
٥ - (ومنها): أن فيه استحباب الذكر عقب الصلوات المكتوبات، قال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد كلامه على حديث الباب ما نصّه: وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أُخَر، وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روى عليّ، وابن عبّاس -﵄-، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. قال: وعن عَبِيدة السلمانيّ أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من الْبِدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر، كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق.
قال: وإذا صحّت السنّة بشيء، وعَمِلَ بها الصحابة، فلا نَعْدِل عنها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ رجب -﵀- أصل مهمّ جدًّا، وقاعدة ثابتة لا تتزعزع، ولا تتحرّك، وهو أن المعيار للعمل الشرعيّ صحّة السنّة، وثبوتها، واستمرارها، وذلك يكون عن طريق عمل الصحابة -﵃-، أو بعضهم بها، فإن ذلك مما يدلّ على عدم نسخها، أو كونها من خصوصيّات النبيّ -ﷺ-.
فإذا صحّت السنّة، وثبت العمل بها، فلا سبيل إلى العدول عنها، وترك العمل بها لمخالفة من خالفها، وإنكار من أنكرها؛ لعدم علمه بها، أو لتأويل تأوّلها به.
والحاصل أن الواجب على المسلم إذا صحّت السنة أن يتمسّك بها، وإن خالفها أهل مذهبه، أو غيرهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حكم الدعاء بعد الصلوات المكتوبات:
قال الإمام ابن رجب -﵀-: استَحبّ أيضًا أصحابنا -يعني الحنبليّة-
[ ١٣ / ١٨١ ]
وأصحاب الشافعيّ الدعاء عقب الصلوات، وذَكَره بعض الشافعيّة اتّفاقًا، واستدلّوا بحديث أبي أُمامة -﵁- قال: قيل لرسول اللَّه -ﷺ-: أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوفُ الليل الآخرُ، ودبر الصلوات المكتوبات"، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن الصُّنَابحيّ، عن معاذ بن جبل -﵁-، أن النبيّ -ﷺ- أخذ بيده يومًا، ثم قال: "يا معاذ إني لأحبك"، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، وأنا أحبك، قال: "أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة، أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، قال: وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيّ، وأوصى الصُّنابِحيّ، أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن عُقبةَ بن مسلم (^١).
وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعيّة: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لا يُتنفّل بعدهما، وظاهر كلامهم أنه يجهر، ويُؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا حديث دعاء النبيّ -ﷺ- عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف، والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يُسرّ بالباقي، ويَعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرًّا، ويدعو سرًّا.
ومن الفقهاء من يَستحبّ للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثرٌ يُتَّبَع. انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن رجب -﵀- تحقيق نفيسٌ جدًّا.
وحاصله أنه يُستحبّ الذكر والدعاء عقب الصلوات المكتوبات، وأن ذلك من هدي النبيّ -ﷺ- وهدي السلف، وإن كرهه بعضهم، ولكن لا وجه له، فقد ثبتت فيه أحاديث كثيرة:
_________________
(١) حديث صحيح.
(٢) "شرح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤٢٠ - ٤٢١.
[ ١٣ / ١٨٢ ]
(فمنها): حديث معاذ بن جبل -﵁- المذكور.
(ومنها): ما أخرجه المصنّف -﵀- عن البراء -﵁- قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "رَبِّ قني عذابك يوم تبعث، أو تجمع عبادك".
(ومنها): ما أخرجه النسائيّ في "سننه" عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعبًا حَلَف له باللَّه الذي فَلَق البحر لموسى، إنا لنجد في التوراة أن داود نبي اللَّه -ﷺ- كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، قال: وحدثني كعب أن صُهيبًا حدّثه أن محمدًا -ﷺ- كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته".
وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في "شرح النسائيّ" (^١).
(ومنها): ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات، عن هلال بن يساف، عن زاذان، حدّثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في دبر الصلاة: "اللهم اغفر لي، وتُب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم" (^٢).
والحاصل أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات مستحبّ؛ للأدلّة الكثيرة.
وقال الإمام البخاريّ -﵀- في "كتاب الدعوات" من "صحيحه": "باب الدعاء بعد الصلاة".
قال في "الفتح": وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يُشْرَع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂-: كان النبيّ -ﷺ- إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
والجواب أن المراد بالنفي المذكور نَفْيُ استمراره جالسًا على هيئته قبل
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٢) راجع: "مصنّف ابن أبي شيبة" ١٣/ ٤٦٢.
[ ١٣ / ١٨٣ ]
السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه، فَيُحْمَل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يُقْبِل على أصحابه.
قال ابن القيّم في "الهدي النبويّ": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبيّ -ﷺ- أصلًا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخَصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبيّ -ﷺ-، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عِوَضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال -﵀-: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يُسْتَحبّ من أتى بها أن يصلي على النبيّ -ﷺ- بعد أن يَفْرُغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة. انتهى كلام ابن القيّم -﵀-.
قال الحافظ -﵀-: وما ادّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال له: "يا معاذ إني واللَّه لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"، أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم.
وحديث أبي بكرة -﵁- في قول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، كان النبيّ -ﷺ- يدعو بهن دبر كلّ صلاة"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم.
وحديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-: كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمانَ، ويقول: إنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: "اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر". أخرجه البخاريّ، والنسائيّ.
وحديث زيد بن أرقم -﵁-: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يدعو في دبر كلّ
[ ١٣ / ١٨٤ ]
صلاة: "اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء. . . " الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (^١).
وحديث صهيب -﵁- رفعه: "كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني. . . " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه.
وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة -﵁-: قيل: يا رسول اللَّه أيّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات"، وقال: حسن.
وأخرج الطبريّ من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
وفَهِمَ كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشروعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيق نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبيّ -ﷺ- قولًا، وفعلًا، فلا يسع أحدًا إنكاره.
وأمّا تأويل قوله: "دبر كلّ صلاة" بأنه قبل السلام؛ لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم؛ لأنه -ﷺ- علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة آية الكرسيّ؛ إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام.
_________________
(١) حديث ضعيف الإسناد.
[ ١٣ / ١٨٥ ]
فقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٧٤٣) عن عليّ -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ-، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: "اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت".
والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب -﵀-، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبّوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا. انتهى.
فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار.
وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب -﵀-، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف.
فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم رفع اليدين عند الدعاء:
(اعلم): أنه قد عقد الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بابًا لرفع اليدين في الدعاء، فقال في "كتاب الدعوات":
"باب رفع الأيدي في الدعاء": وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيّ -ﷺ-، ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه.
وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ -ﷺ- يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
قال أبو عبد اللَّه: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبيّ -ﷺ- رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
[ ١٣ / ١٨٦ ]
قال في "الفتح": وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس -﵁-: "لم يكن النبيّ -ﷺ- يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفةٌ خاصّة، لا أصل الرفع.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يُجمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره.
وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ -﵀-: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النوويّ في "الأذكار"، وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد لها البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة -﵁-: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبيّ -ﷺ-، فقال: إن دَوْسًا عَصَت، فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللهم اهد دوسًا"، وهو في "الصحيحين"، دون قوله: "ورفع يديه".
وحديث جابر: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ -ﷺ-: "اللهم وليديه فاغفر، ورفع يديه". وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة -﵂- أنها "رأت النبيّ -ﷺ- يدعو رافعًا يديه، يقول: اللهم إنما أنا بشر. . . " الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ -ﷺ- رافعًا يديه، يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة -﵁- في قصّة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ -ﷺ-، وهو رافع يديه يدعو".
وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو".
[ ١٣ / ١٨٧ ]
وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرّات. . . " الحديث.
ومن حديث أبي هريرة -﵁- الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد -﵁- في قصة ابن اللُّتَبِيَّة: "ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت".
ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-: "أن النبيّ -ﷺ- ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي".
وفي حديث عمر -﵁-: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا. . . " الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائيّ، والحاكم.
وفي حديث أسامة -﵁-: "كنت رِدْفَ النبيّ -ﷺ- بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائيّ بسند جيّد.
وفي حديث قيس بن سعد -﵁- عند أبي داود: "ثم رفع رسول اللَّه -ﷺ- يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. . . " الحديث، وسنده جيّد.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة -براء، وموحدة، مصغرًا- أنه رأى بِشْرَ بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: "لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ-، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة".
فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -الصحيحة- بمشروعيتها.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث
[ ١٣ / ١٨٨ ]
سلمان -﵁- رفعه: "إن ربكم حيّي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا" -بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية - وسنده جيّد.
قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبريّ ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد اللَّه بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدوّنة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر -﵄-، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا.
وعن ابن عباس -﵄- أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا".
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
وقد صحّ عن ابن عمر -﵄- خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر -﵄- يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه".
انتهى كلام الحافظ -﵀- في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأحاديث والآثار أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان -﵁-: "إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرًا". فلا ينبغي للداعي أن يُهْمِل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول.
وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل
[ ١٣ / ١٨٩ ]
إليهم هذه الأحاديث الصحاح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فليس فيه حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة في ذلك كلّها ضعاف، وأما تحسين الحافظ -﵀- في "بلوغ المرام" بعضها، فليس بحسن، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (^١)، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعِ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ (^٢)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا (^٣) إِلَى مُعَاوِيَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ) بن أسد بن حِبّان -بكسر المهملة، بعدها موحّدة- أبو جعفر القطّان الواسطيّ، ثقة حافظ [١١].
رَوَى عن يحيى سعيد القطان، وأبي أحمد الزبيري، وأبي أسامة، ويزيد بن هارون، والشافعي، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ في حديث مالك، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو موسى، وهو من أقرانه، وابنه جعفر بن أحمد بن سنان، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو حاتم.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة".
(٢) وفي نسخة: "بمثله".
(٣) وفي نسخة: "فكتبت بها".
[ ١٣ / ١٩٠ ]
قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال إبراهيم بن أُورمة: أَعَدْنا عليه ما سمعناه منه من بُندار وأبي موسى، يعني لإتقانه وحفظه، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان من الثقات الأثبات، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقدَّمه على بُندار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حدثنا عنه ابنه جعفر.
قيل: مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٨)، وقيل: سنة (٢٥٩)؛ وقال ابن حبّان: مات (٢٥) أو قبلها، أو بعدها بقليل.
وليس له عند البخاريّ سوى حديث واحد، وقد روى عنه النسائيّ في "السنن الكبرى" عدّة أحاديث في "الحدود"، و"الطلاق"، وغير ذلك.
وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٩٣)، و(٢٣٢٠): "أشدّ حياءً من العذراء في خدرها. . . ".
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم في هذا الباب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، ورعٌ لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: "بمثله"، أي بمثل الحديث الماضي، يعني أن الأعمش حدّث عن الْمُسيَّب بن رافع بمثل حديث منصور عنه.
وقوله: (قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ) فاعل "قال" ضمير ورّاد.
وقوله: (وَكَتَبْتُ بِهَا) وفي نسخة: "فكتبتُ بها".
[تنبيه]: رواية الأعمش هذه ساقها الإمام أبو داود -﵀- في "سننه"، فقال:
(١٥٠٥) حدّثنا مسدَّد، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن وَرّاد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: كَتَب معاوية إلى المغيرة بن شعبة، أيُّ شيء كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول إذا سلّم من الصلاة؟ فأملاها المغيرة عليه، وكتبْ إلى معاوية، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على
[ ١٣ / ١٩١ ]
كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّ وَرَّادًا مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ حِينَ سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) (^١).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) البرسانيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لمنصور، والأعمش.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، والضمير لعبدة بن أبي لبابة، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للمفعول، أي لم يُذكر قوله: "وهو على كلّ شيء قدير" في حديث عبدة، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبدة بن أبي لبابة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) وفي نسخة: "لم يذكره".
[ ١٣ / ١٩٢ ]
(١٧٦٧٣) حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر قالا: أنا ابن جريج، وحدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابن جريج، أخبرني عبدة بن أبي لبابة، أن ورّادًا مولى المغيرة بن شعبة أخبره، أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له وَرّاد: إني سمعت النبيّ -ﷺ- يقول حين يسلِّم: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ"، قال ورّاد: ثم وَفَدتُ بعد ذلك على معاوية، فسمعته على المنبر يأمر الناس بذلك القول، ويعلمهموه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمر بن حفص بن عمر بن عُبيد اللَّه بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقة [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبيد.
ورَوَى عنه ابن المبارك، وهو أكبر منه، وعليّ ابن المدينيّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، والحسن بن علي الحلوانيّ، وبندار، وأبو موسى، والذُّهْليّ، وأبو مسعود الرازيُ الْكُدَيْمِيّ.
[ ١٣ / ١٩٣ ]
قال ابن سعد: ثقة أوصى إليه عبد اللَّه بن عون، وقال ابن قانع في "الْوَفَيَات": ثقةٌ مأمونٌ، وفي "تاريخ البخاريّ" الكبير: حكاية عن ابن عون قال: أزهر أزهر، وقال ابن معين: أروى عن ابن عون، وأعرفهم به أزهر، وقال في رواية الغلابيّ: لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سُليم بن أخضر، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: ثقةٌ، وحَكَى ابن شاهين في "الثقات" عن حماد بن زيد، أنه كان يأمر بالكتابة عن أزهر، وقال العقيليّ في "الضعفاء": له حديث منكر، عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحَكَى العقيليّ وأبو العرب الصَّقْليّ في "الضعفاء" أن الإمام أحمد قال: ابن أبي عديّ أحب إليّ من أزهر.
وتعقّب الحافظ هذا، وقال: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء، ولكن ذَكَر العقيليّ، عن عليّ ابن المدينيّ: قال: رأيت في أصل أزهر في حديث عليّ في قصة فاطمة في التسببح عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، مرسلًا، فكلمت أزهر فيه، وشكَّكته فأبى، وعن عمرو بن عليّ الفلاس قال: قلت ليحيى القطان: أزهر عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد اللَّه، حديث: "خيرُ الناس قرني. . . "؟ قال: ليس فيه عبد اللَّه، قلت: سمعته من ابن عون؟ فقال: لا، ولكن رأيت أزهر يحدِّث به من كتابه، لا يزيد على عُبيدة، قال عمرو بن عليّ: فاختلفت إلى أزهر أيامًا، فأخرج إليّ كتابه، فإذا فيه كما قال يحيى -﵀-.
تُوُفّي وهو ابن أربع وتسعين سنةً، قال غيره: مات سنة (٢٠٣)، وذكر ابن حبان في "الثقات" أن مولده سنة (١١١).
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٩٣) و(١٦٢٣) و(١٦٣٣) و(١٦٧١) و(١٨٢١) و(٢٥٣٣).
٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد اللَّه بن عون بن أَرْطبان، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) الشاميّ، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وعنه ابن
[ ١٣ / ١٩٤ ]
عون، قال أبو عوانة الإسفرايينيّ: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وقال الحاكم أبو أحمد: هو عمرو بن سعيد الثقفيّ، وقال غيره: اسمه عبد ربه، وقيل: لا يعرف اسمه، [٦].
قال الحافظ: القول الأخير قول أبي مسعود، والذي قبله قول الدارقطنيّ، ولم يَجزم، واستَشْهَد لذلك بأن حماد بن سلمة، رَوَى ذلك الحديث عن الْجُريريّ، وابن عون، وداود بن أبي هند، ثلاثتهم عن أبي سعيد، عن وَرّاد، ورواه خالد الواسطيّ، عن الْجُريريّ، عن عبد ربه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: فلعل اسم أبي سعيد عبدُ ربه، وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": أبو سعيد هذا أظنه الحسن البصريّ، قال هذا في ترجمة يزيد بن زياد من "التمهيد"، فهذه خمسة أقوال. انتهى (^١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقال النوويّ -﵀- في "شرحه": اختَلَفوا في أبي سعيد هذا، فالصواب الذي قاله البخاريّ في "تاريخه" وغيره من الأئمة أنه عبد ربه بن سعيد، وقال ابن السكن: هو ابن أخي عائشة -﵂- من الرضاعة، وغَلَّطوه في ذلك، وقال ابن عبد الْبَرّ: هو الحسن البصريّ -﵀-، وغَلَّطوه أيضًا. انتهى (^٢).
وعبارة القاضي عياض -﵀- في "الإكمال": قال الإمام -يعني المازريّ-: كذا وقع أبو سعيد غير مسمّى، وسمّاه البخاريّ في "التاريخ الكبير" (^٣): عبد ربّه، وتابعه على ذلك ابن الجارود، وقد ذكر البخاريّ عن إسحاق، عن خالد، عن الْجُريريّ، عن عبد ربّه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: لعله اسم أبي سعيد، قال البخاريّ: قال عثمان بن عُمر، عن ابن عون، عن أبي سعيد الشاميّ، عن وَرّاد.
وقال ابن السكن في "مصنّفه": أبو سعيد عن ورّاد هو ابن أخي عائشة من الرضاعة، ووَهِمَ في هذا؛ لأن أبا سعيد رضيع عائشة، واسمه كثير بن عُبيد
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ١٢/ ١٢١.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٩١.
(٣) "التاريخ" ٦/ ٨٠.
[ ١٣ / ١٩٥ ]
مشهور بذلك يُعَدّ في الكوفيين، وذلك رجل شاميّ، وأَرَى دخول الوهم على ابن السكن من قِبَل أن عبد اللَّه بن عون يروي عنهما جميعًا.
وقد حَكَى ابن عبد البرّ أن أبا سعيد في هذا الإسناد هو الحسن البصريّ، وليس هذا بشيء، وقول البخاريّ، ومن تابعه أولى. انتهى كلام عياض -﵀- (^١).
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ) يعني أن حديث ابن عون، عن أبي سعيد، عن ورّاد مثل حديث منصور، والأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن ورّاد.
[تنبيه]: رواية ابن عون هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٥٥٤) فقال:
(٢٠٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم الطرسوسيّ، قال: ثنا رَوْح (ح) وحدّثنا العباس بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عُمر (ح) وحدّثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، كلهم قالوا: ثنا ابن عون، أنبأني أبو سعيد، وقال بعضهم: عن أبي سعيد، قال: أنبأني وَرّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء حفظته من رسول اللَّه -ﷺ-. قال: كان إذا صلّى ففرغ، قال: "لا إله إلا اللَّه -قال: وأظنه قال-: وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". انتهى.
قال أبو عوانة: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وبعض هؤلاء قال: أبو سعيد الشاميّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللْه عنه: قد عرفت ما في كلام أبي عوانة هذا آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
[ ١٣ / ١٩٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّادًا، كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قُدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسيّ، ثقة فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
وقوله: (إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) أي فرغ منها، وخرج منها بالسلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٦] (٥٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ
[ ١٣ / ١٩٧ ]
الْكَافِرُونَ"، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) (^١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في ثاني أحاديث الباب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (ابْنُ الزُّبَيْرِ) هو: عبد اللَّه بن الزبير بن الْعَوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر أو أبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، قُتِل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم، وفي رواية الحجاج بن أبي عثمان الآتية: حدّثني أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يخطب على هذا المنبر. . . (قَالَ: كَانَ) عبد اللَّه (ابْنُ الزُّبَيْرِ) -﵄- (يَقُولُ) زاد الشافعيّ: في روايته: "بصوته الأعلى"، ونَصّه في "الأمّ": أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال:
_________________
(١) وفي نسخة: "في دبر كلّ صلاة".
[ ١٣ / ١٩٨ ]
حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير، يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ" (^١).
إلا أنه ليس عنده كلمة "لا إله إلا اللَّه" بين قوله: "لا حول ولا قوّة إلا باللَّه"، وقولِهِ: "ولا نعبد إلّا إيّاه". وإبراهيم شيخه متكلّم فيه، وكان هو يوثّقه، والجمهور على تضعيفه، بل كذّبه بعضهم.
(فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي مكتوبة، كما تقدّم تقييده في حديث المغيرة -﵁- (حِينَ يُسَلِّمُ) قيل: فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تاليًا للسلام، مقدّمًا على غيره، لتقييد القول به بوقت التسليم.
ولا يعارض هذا ما تقدّم من حديث ثوبان، وعائشة -﵄-؛ لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فتارةً يقول بعد السلام ما وقع في حديث ثوبان، وعائشة -﵂-، وتارة يقول ما وقع في حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄- هذا، وتارةً يقول ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.
وعلى هذا فالسنّة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل، لا الجمع، وقيل: يجوز الجمع بينها؛ لأنه يحتمل أنه -ﷺ- كان يجمع بينها، ورَوَى كلُّ واحد ما سمعه منه -ﷺ-، ولا يخفى بُعده (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا بُعْدَ في الجمع المذكور، بل هو الظاهر؛ لأنه -ﷺ- كان يجلس لانتظار انصراف النساء من المسجد ودخولهنّ بيوتهن، وذلك الوقت يسع أكثر من الذكر المذكور بكثير، فالظاهر أنه كان يقول أكثر من ذكر واحد، فينبغي من طال جلوسه أن يجمع بين هذه الأذكار، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
("لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) "لا" نافية للجنس، وخبرها محذوف، أي لا معبود بحقّ سواه، فلا بدّ من كلمة "بحقّ"، فلا يقدّر: لا معبود إلا اللَّه، كما يقدّره بعضهم؛ لأن المعبودات كثيرة، وإنما المراد المعبود بحقّ، وكذا لا يقدّر بـ "لا
_________________
(١) راجع: "الأم" ١/ ١١٠.
(٢) راجع: "المرعاة" ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.
[ ١٣ / ١٩٩ ]
موجود إلا اللَّه"؛ فإن هذا مذهب الحلوليّة، وكذا ما قدّره بعض الشرّاح هنا: أي لا إله موجود غير اللَّه تقدير فاسدٌ؛ لأن وجود الآلهة مما لا شكّ ولا ارتياب فيه، فقد قال المشركين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية، وقال فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ الآية، فليس المراد نفي وجود الآلهة، وإنما المراد نفي كونها معبودة بحقّ، وأنها لا تستحقّ العبادة، وإنما المعبود بحقّ هو اللَّه -﷿-، وهو المستحقّ للعبادة، دون غيره (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله مشتقًّا نكرةً، أي حال كونه منفردًا في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته. وقيل: تأكيد بعد تأكيد، لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد (لَهُ) أي لا لغيره، فتقديم الخبر يفيد الحصر (الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) في الأولى والآخرة، لا لغيره، فلا منعم سواه حتى يستحقّ الحمد (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) قال الأزهريّ: سمعت المنذريّ، يقول: سمعت أبا الهيثم يقول عن تفسير قوله: "لا حول ولا قوّة إلا باللَّه"، قال: الحولُ: الحَرَكَةُ، تقول: حالَ الشخصُ: إذا تحرّك، وكذلك كلّ متحوّل عن حاله، فكأن القائل إذا قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة اللَّه، وقال الكسائي: يقال: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، ولا حَيْلَ ولا قوّة إلا باللَّه، وورد ذلك في الحديث: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، وفُسّر بذلك المعنى: لا حركة، ولا قوّة إلا بمشيئة اللَّه تعالى، وقيل: الحول الحيلةُ، قال ابن الأثير، والأول أشبه. انتهى.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ) إذ لا يستحقّ العبادة سواه (لَهُ النِّعْمَةُ) المراد جنس النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، أو له نعمة التوفيق (وَلَهُ الْفَضْلُ) أي له ﷿ الفضلُ بالقبول، أو له التفضّل على عباده (وَلَهُ) ﷿ (الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) أي الوصف الحسن على ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي كرهوا كوننا مخلصين ديننَا للَّه، وكوننا عابدين وموحّدين له -﷿-.
قال الطيبيّ -﵀-: قوله: "مخلصين" حالٌ عاملُهُ محذوفٌ، وهو الدّالّ على مفعول "كره"، أي نقول: "لا إله إلا اللَّه" حال كوننا مخلصين، ولو كره
[ ١٣ / ٢٠٠ ]
الكافرون قولنا، و"الدين" مفعول به لـ "مخلصين"، و"له" ظرف قدّم على المفعول به للاهتمام به. انتهى.
وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تكلّف، والأولى جَعْلُهُ حالًا من فاعل "نعبد" المذكور. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: التكلّف فيما قاله موجود أيضًا، حيث إن فيه الفصل بين الحال وصاحبه بقوله: "له النعمة إلخ"، فما قاله الطيبيّ -﵀- أقرب، فتأمّل.
(وَقَالَ) ابن الزبير -﵄- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ) أي يرفع صوته بهؤلاء الكلمات، يقال: أهلّ الرجل: إذا رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يُعجبه (^١). (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفي نسخة: "في دبر كلّ صلاة"، المراد المكتوبة، كما تقدّم قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الزبير بهذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨ و١٣٤٩] (٥٩٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٥٠٦ و١٥٠٧)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٩ و١٣٤٠) وفي "الكبرى" (١٢٦٢ و١٢٦٣) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤ و٤/ ٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٨ و٢٠٠٩ و٢٠١٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٧٥ و٢٠٧٦ و٢٠٧٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٧ و١٣١٨ و١٣١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٧)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣٩.
[ ١٣ / ٢٠١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، مَوْلًى لَهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَوْلًى لَهُمْ) يعني أن أبا الزبير مولى لهشام بن عروة وأسرته، ولذا تقدّم في ترجمته أنه أسديّ، وهو قبيلة هشام بن عروة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن حديث عبدة بن سليمان، عن هشام، مثل حديث عبد اللَّه بن نمير عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل "قال" ضمير عبدة، أي قال عبدة في روايته في آخر هذا الحديث: "ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ".
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان هذه ساقها النسائيّ -﵀- في "سننه"، فقال:
(١٣٤٠) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبدة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبي الزبير، قال: كان عبد اللَّه بن الزبير، يُهَلل في دبر الصلاة، يقول: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون"، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُهَلِّل بهنّ في دبر الصلاة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٣ / ٢٠٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) عن (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ) الظاهر أنه منبر مكة؛ لأن مكة كانت مقرّ خلافة عبد اللَّه بن الزبير -﵄-، وأبو الزبير مكيّ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أَوِ الصَّلَوَاتِ) "أو" للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الحجّاج بن أبي عثمان.
[تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" (٥/ ٣٥٢) فقال:
(٢٠١٠) أخبرنا ابن خزيمة، قال: حدّثنا يعقوب الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير، يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم في دبر الصلاة، يقول: "لا إله إلا اللَّه، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل، والثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين،
[ ١٣ / ٢٠٣ ]
ولو كره الكافرون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّي حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي إِثْرِ الصَّلَاةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٣) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨٢.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لهشام بن عروة، والحجّاج بن أبي عثمان، يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن أبي الزبير بمثل حديث هشام، والحجاج كلاهما عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل "قال" ضمير موسى بن عقبة، أي قال موسى بن عقبة في آخر الحديث: "وكان يذكر. . . إلخ"، فقوله: "وكان يذكر. . . إلخ" مقول "قال".
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ٢٠٤ ]
وقوله: (وَكَانَ يَذْكُرُ. . . إلخ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير لعبد اللَّه بن الزبير -﵁-.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الإمام الشافعيّ في كتابه "الأمّ " (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، ونصّه:
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعيّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٠] (٥٩٥) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ، أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ (^١) أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ (^٢)، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً"، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ
_________________
(١) وفي نسخة: "قد ذهب".
(٢) وفي نسخة: "وتُحَمِّدُون" بالتشديد من التحميد.
[ ١٣ / ٢٠٥ ]
الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ"، وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ إِنَّمَا قَالَ (^١): "تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ (^٢)، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ"، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، قَالَ (^٣) ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَيِ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن محمد بن جعفر الطرسوسيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وجعفر بن محمد الفريابيّ، والحسن بن أحمد بن الليث الرازيّ، والحسن بن علي المعمريّ، والفضل بن العباس فَضْلَك الرازيّ، وموسى بن هارون الحمال، ويعقوب بن سفيان، وعليّ بن سعيد بن بشير الرازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو معلى، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "إنما قال لك".
(٢) وفي نسخة: "تسبّح اللَّه ثلاثًا وثلاثين مرّةً".
(٣) وفي نسخة: "وقال".
[ ١٣ / ٢٠٦ ]
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدجنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت هـ ١٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٧ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٨ - (أَبُو صَالِح) ذَكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وملتقى الإسنادين هو سُميّ، فكلّ من عبيد اللَّه، وابن عجلان يرويان عن سُميّ، فمرجع في قوله: "كلاهما" عبيد اللَّه وابن عجلان.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عاصم، كما أسلفته آنفًا، وابن عجلان علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه وابن عجلان، والباقون بصريّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن رواية عبيد اللَّه وابن عجلان عن سُميّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وهو من السادسة.
[ ١٣ / ٢٠٧ ]
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، بصيغة التصغير- مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، قال الحافظ -﵀-: لم أقف لِسُمَيّ على رواية عن أحد من الصحابة، فتكون رواية عبيد اللَّه عنه من رواية الكبير عن الصغير. انتهى (^١). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، وقوله: (وَهَذَا حَدِيث قُتَيْبَةَ) يعني سياق المتن لشيخه قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وأما رواية عاصم، عن المعتمر، عن عبيد اللَّه، فهي رواية بالمعنى.
[تنبيه]: رواية عاصم، عن المعتمر، أخرجها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:
(٢٠١٤) أخبرنا عُمر بن محمد الهمدانيّ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، قالا: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت عبيد اللَّه بن عمر، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء الفقراء إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: "أفلا أدلكم على أمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهريه، إلا أحد عمل بمثل أعمالكم؟، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". انتهى (^٢).
(أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرينَ) قال ابن الملقّن -﵀-: هو من باب "مسجد الجامع"، و"صلاة الأولى"، مما أُضيف فيه الموصوف إلى صفته، وكان الأصل: الفقراءَ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٠.
(٢) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" ٥/ ٥٣٦ - ٣٥٧.
[ ١٣ / ٢٠٨ ]
المهاجرين، كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، أبو ذرّ الغفاريّ، أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب الذكر" له من حديث أبي ذرّ نفسِهِ، وسُمِّي منهم أبو الدرداء عند النسائيّ وغيره، من طُرُق عنه، ولمسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنهم قالوا: يا رسول اللَّه. . . فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم.
وفي رواية النسائيّ عن زيد بن ثابت، قال: أَمَرنا أن نُسَبِّح. . . الحديث كما سيأتي لفظه، وهذا يمكن أن يقال فيه: إن زيد بن ثابت كان منهم.
ولا يعارضه قوله في رواية مسلم هنا: "جاء فقراء المهاجرين"؛ لكون زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال التغليب. انتهى (^٢).
(أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ) وفي نسخة: "قد ذهب" (أَهْلُ الدُّثُورِ) -بضم الدال المهملة، والثاء المثلّثة-: جمع دَثْرٍ -بفتح، فسكون- هو المال الكثير، وكذا الكثير من كلّ شيء.
وقال القرطبيّ -﵀ -: "الدُّثُور": واحد الدّثْر، وهو المال الكثير، وكذا الدِّبْرُ، بكسر الدال، وبالباء الموحّدة، قال ابن السّكّيت: الدِّبر: المال الكثير، ووقع في السير في خبر النجاشيّ: "دَبْر من ذهب" بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال: دَبْرَى، وهو الجبل بلغة الحبشة، وقال الهرويّ: يقال: مالٌ دَثْرٌ، ومالان دَثْرٌ، وأموالٌ دَثْرٌ، وحكى أبو عمر المطرّز أن الدَّثْر بالثاء يثنّى ويُجمع. انتهى (^٣).
ولفظ البخاريّ: "ذَهَب أهلُ الدثور من الأموال"، فمِن في قوله: "من الأموال" للبيان.
ووقع عند الخطابيّ: "ذهب أهل الدُّور من الأموال"، وقال: كذا وقع
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤٥.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢١٣.
[ ١٣ / ٢٠٩ ]
"الدُّور"، جمع دار، والصواب: "الدُّثُور". انتهى. وذكر صاحب "المطالع" عن رواية أبي زيد المروزيّ أيضًا: "الدور".
(بِالدَّرَجَاتِ) الباء للتعدية، وقال الطيبيّ -﵀-: الباء بمعنى المصاحبة، وهو أولى وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمّنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومَضَوا بها، ولم يتركوا لنا شيئًا منها، فما حالنا يا رسول اللَّه؟، ولو قيل: أذهب أهل الدثور الدرجات العلى، أي أزالوها لم يكن بذاك، هذا مذهب المبرّد، وصاحبُ "الكشّاف"، نصّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] على هذا المعنى، ومن لم يقف على سرّ المعاني من النحاة تكلّم عليه، وقد أجبنا عن ذلك في "فتوح الغيب" مستقصًى، وهذا الحديث من أقوى الدليل على ما قصدناه. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^١).
(الْعُلَى) -بضم العين-: جمع الْعَلْياء، وهي تأنيث الأعلى.
قال ابن الملقّن -﵀-: "الدرجات" يجوز أن تكون حسيّةً على ظاهرها من دَرَج الجنّات، ويجوز أن تكون معنويّةً: أي علا قدرهم عند اللَّه تعالى، وارتفعت درجاتهم عنده، من قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك، ونحو ذلك. انتهى (^٢).
(وَالنَّعِيمِ) هو: ما يُتنعّم به، من ملبس ومطعم، أو منكح، أو منظر، أو من علوم، ومعارف، أو غير ذلك (الْمُقِيمِ) هو الذي لا ينقطع أبدًا، أي وبالعيش الدائم الْمُستَحَقّ بالصدقة، قال الطيبيّ -﵀-: وَصَفه بـ "المقيم" تعريضًا بالنعيم العاجل، فإنه قلّما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسُرعة الانتقال. انتهى (^٣).
وفي رواية محمد بن أبي عائشة عند أبي داود التي سبق الإشارة إليها: "ذهب أصحاب الدُّثور بالأُجور"، وكذا هو عند مسلم في "كتاب الزكاة"، من حديث أبي ذرّ -﵁-.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٥٩.
(٢) "الإعلام" ٤/ ٤٦.
(٣) "الكاشف" ٣/ ١٠٥٩.
[ ١٣ / ٢١٠ ]
(فَقَالَ) -ﷺ- ("وَمَا ذَاكَ؟ ") وفي البخاريّ في "الدعوات"، من رواية ورقاء، عن سُمَيّ: "قال: كيف ذلك؟ "، والمعنى: ما سببُ قولكم هذا؟، أو ما سبب فوزهم، وحِيازهم دونكم؟.
(قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء المذكور: "ويذكرون كما نَذْكُر"، وللبزار من حديث ابن عمر -﵄-: "صَدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا" (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّق) وفي رواية البخاريّ: "ولهم فضل أموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون" (وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإعتاق، لا من العتق.
وفي رواية البخاريّ: "ولهم فَضْلٌ من الأموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون".
قال في "الفتح": قوله: "يَحُجّون بها"، أي ولا نَحُجّ، يُشْكِل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابيّ من حديث أبي الدرداء -﵀-: "ويَحُجُّون كما نحج"، ونظيره ما وقع هنا: "ويجاهدون"، ووقع في "الدعوات" من رواية وَرْقاء، عن سُمَيّ: "وجاهدوا كما جاهدنا"، لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقَّع، فهو الذي تقدِرُ عليه أصحاب الأموال غالبًا، ويمكن أن يقال مثله في الحجّ، ويَحْتَمِل أن يقرأ: "يُحِجُّون بها" بضم أوله من الرباعيّ، أي يعينون غيرهم على الحجّ بالمال. انتهى (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أفَلَا أُعَلِّمُكُمْ) -بضم حرف المضارعة، وتشديد اللام- من التعليم، وقُدّمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أُسلِّيكم، فأعلّمكم؟ (شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ) أي بذلك الشيء (مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة، والإعتاق، و"من" موصولة مفعول به لـ "تُدرِكون".
والسبقية هنا يَحْتَمِل أن تكون معنوية، وأن تكون حسية، قال الشيخ تقيّ الدين: والأول أقرب، قاله في "الفتح".
وقال في "المرعاة": والمراد بالسبق السبقُ رُتبةً، أي من حيث كثرة
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨١.
[ ١٣ / ٢١١ ]
الأعمالِ بسبب المال، ورجّحه الشيخ تقيّ الدين على السبق زمانًا، وعلى هذا ينبغي حملُ البعديّة في قوله: "وتسبقون به من بعدكم" على البعديّة رتبةً أيضًا، أي تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعديّة معنويّةً، أي بحسب الرتبة، لا حسّيّةً. انتهى (^١).
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: السبقيّة هنا يَحْتَمِل أن تكون في الغنى، وهو السبق في الفضيلة، وقوله: "مَن بعدكم" أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل، ويَحْتَمل أن يُراد القبليّة الزمانيّة، والبعديّة الزمانيّة، ولعلّ الأول أقربُ إلى السياق، فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة، وتقدّم الأغنياء. انتهى (^٢).
قال ابن الملقّن بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد هذا: لعلّ مراده بالقبليّة والبعديّة من كان في زمنهم، وإلا ففضيلة هذه الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن لم يقولوا هذا الذكر. انتهى (^٣).
(وَتَسْبِقُونَ) -بفتح أوله- من السَّبْق (بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ) -بفتح ميم "من"، وهي موصولة مفعولُ "تَسبقون" (وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ") قيل: الاستثناء متعلّق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصحّ جعله متعلّقًا بالجمل الثلاث كلّها على معنى: يحصل لكم الأحوال الثلاثة بالنظر إلى الطوائف إلا من عَمِل من الطوائف الثلاثَ مثله.
وقال الطيبيّ -﵀-:
[فإن قلت]: ما معنى الأفضليّة في قوله: "لا يكون أحدٌ أفضل منكم" مع قوله: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فان الأفضليّة تقتضي الزيادة، والمثليّة تقتضي المساواة؟.
[قلت]: هو من باب قوله [من الرجز]:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ … إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
_________________
(١) "المرعاة" ٣/ ٣٢١.
(٢) "إحكام الأحكام" ٢/ ٩٨ بنسخة الحاشية.
(٣) "الإعلام" ٤/ ٤٧.
[ ١٣ / ٢١٢ ]
يعني إن قُدِّرَ أن المثليّة تقتضي الأفضليّة، فتحصُل الأفضليّة، وقد عُلِمَ أنها لا تقتضيها، فإذًا لا يكون أحدٌ أفضل منكم، وهذا على مذهبٍ تميميّ (^١).
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليس أحدٌ أفضل منكم إلا هؤلاء، فإنهم يساوونكم، ويَحْتَمل أن يكون المعني بـ "أحدٌ" الأغنياءُ، أي ليس أحدٌ منهم أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. انتهى كلام الطيبيّ -﵀-.
وقال في "الفتح" عند شرح رواية البخاريّ بلفظ: "وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم" ما نصّه: قيل: ظاهره يخالف ما سبق؛ لأن الإدراك ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضلية.
وأجاب بعضهم بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يُدرِك ثم يفوق، وعلى هذا فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال.
ويَحْتَمِل أن يقال: الضمير في "كنتم" للمجموع من السابق والمدرك، وكذا قوله: "إلا مَن صنع مثل صنيعكم" أي من الفقراء، فقال الذكرَ، أو من الأغنياء، فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصّةً، لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة، فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر، ولا صدقة، ويَشهد له قوله في حديث ابن عمر -﵄- عند البزار: "أدركتم مثل فضلهم"، ولمسلم في حديث أبي ذرّ -﵁-: "أوَليس قد جعل لكم ما تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً، وبكل تكبيرة صدقة. . . " الحديث.
واستُشكِل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال، مع شدّة المشقة فيه.
وأجاب الكرمانيّ بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل
_________________
(١) يعني أن هذا جار على مذهب بني تميم، فإنه يجيزون إتباع الاستثناء المنقطع، وأما جمهور العرب فيوجبون نصبه، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: مَاسْتَثْنَتِ "الَّا" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفِيٍ انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبدَالٌ وَقَعْ
[ ١٣ / ٢١٣ ]
حالة، واستَدَلّ لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة. انتهى (^١).
(قَالُوا: بَلَى) أي علّمنا ذلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ) -بفتح أوله وثالثه- من الحمد ثلاثيًّا، وفي بعض النسخ: "وتُحَمِّدون" -بضم أوله، وتشديد الميم- من التحميد.
قال في "المرعاة": قوله: "تسبّحون. . . إلخ" إخبار بمعنى الأوامر، أو هي من قبيل: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه". انتهى.
وفي رواية البخاريّ: "تُسَبِّحون، وتَحمدون، وتكبرون"، قال في "الفتح": كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان -يعني في رواية مسلم هنا- تقديم التكبير على التحميد خاصّة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: يقول: "اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه"، ومثله لأبي داود، من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: "تكبر، وتحمد، وتسبح"، وكذا في حديث ابن عمر -﵄-.
وهذا الاختلاف دالّ على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: "لا يَضُرُّك بأيهن بدأت".
لكن يُمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري -﷿-، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص، وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدالّ على انفراده -﷿- بجميع ذلك. انتهى.
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) -بضمتين- قال الأزهريّ: دُبُر الأمر -يعني بضمتين- ودَبْره -يعني بفتح، ثم سكون-: آخره، وادَّعَى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة.
ورُدّ عليه بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دُبُر.
وقال ابن الملقّن -﵀-: "دُبُر" بضمّ الدال والباء على المعروف المشهور
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢.
[ ١٣ / ٢١٤ ]
في الروايات واللغة، ويجوز التخفيف، كعُنْق، وقال ابن الأعرابيّ: دُبُر الشيء، ودَبْره بالضمّ والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ وآخرون غيره، وقال أبو عمر المطرّز في كتابه "اليواقيت": دَبر كلّ شيء بفتح الدال: آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضمّ.
والمراد به في الحديث عقب السلام منها، سواءٌ كان آخر أوقاتها، أو أوسطه، أو أوّله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغ منه، فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث. انتهى (^١).
ولفظ البخاريّ هنا: "خلف كل صلاة"، قال في "الفتح": هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في "الدعوات"، وهي قوله: "دبر كلّ صلاة"، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ: "إثر كلّ صلاة".
قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعَدّ معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة، كآية الكرسيّ، فلا يَضُرّ.
وظاهر قوله: "كل صلاة" يَشْمَل الفرض والنفل، لكن حَمَله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة -﵁- الآتي عند المصنّف التقييد بالمكتوبة، ولفظه: "مُعقّباتٌ لا يَخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة. . . "، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة والذكر، أو لا؟ محل نظر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن تأخيره عن الرواتب لا يُعدّ فاصلًا؛ لأنها توابع للمكتوبات، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً") أي يقول كلّ فرد منها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وُزِّع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سُهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق رَوْح بن
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ١٨.
[ ١٣ / ٢١٥ ]
القاسم عنه، لكن لم يُتابَع سهيلٌ على ذلك، قال الحافظ: بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلِّها التصريحَ بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد.
فعلى هذا، ففيه تنازُعُ ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. انتهى (^١).
وقال في "المرعاة": ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعًا، ورجّحه بعضهم؛ للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى؛ لتميّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلّ حركة لذلك، سواءٌ كان بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأحاديث الآتية من غير طريق أبي صالح واضحة في كونه يسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّة، ويكبّر كذلك، ويَحمد كذلك، فإن قوله -ﷺ-: "من سبّح اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين. . . " الحديث واضح في استقلال كلّ جملة بالعدد المذكور، فينبغي أن يقول كلّ جملة بمفردها؛ حرصًا على ما اقتضاه ظاهر النصّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان، وقول أبي صالح هذا مرسل سيأتي الكلام عليه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) بالرفع على البدليّة، ويَحْتَمل النصب على الاختصاص، أو بتقدير "نعني".
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "أهل الأموال" بدلٌ من "إخوانُنَا"، وفائدة البدل الإشعار بأنهم فعلوا ذلك منهم غبطةً لا حسدًا.
وقوله: (بِمَا فَعَلْنَا) متعلّق بـ "سَمِعَ"، ضمّن "سَمِعَ" معنى "أخبر"، فعدّي بالباء، قاله الطيبيّ -﵀- (^٣).
(فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) أي مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع ذائعٌ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٢.
(٢) "المرعاة" ٣/ ٣٢٢.
(٣) "الكاشف" ٣/ ١٠٦٠.
[ ١٣ / ٢١٦ ]
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَلِكَ) أي الزائد من الثواب الذي حصل لهم على الجود بأموالهم منضمّا إلى فعلهم مثل ما فعله الفقراء، فـ "ذلك" مبتدأ خبره قوله: (فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ") قال الطيبيّ -﵀-: فيه إشارة إلى أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، نعم لا يخلو الغنيّ عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن. انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا.
(وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ) بن سعيد، قيل: يَحْتَمِل أن يكون هذا الغير شعيبَ بن الليث، فإن أبا عوانة أخرجه في "مستخرجه" عن الربيع بن سليمان، عن شعيب، ويَحْتَمِلُ أن يكون سعيد بن أبي مريم، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق سعيد، ويَحتَمِل أن يكون غيرهما، قاله في "العمدة" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد (عَن) محمد (ابْنِ عَجْلَانَ) أنه قال: (قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي) قال ابن الملقّن -﵀-: لم أر تعيين هذا البعض في رواية بعد الكشف عنه. انتهى (^٢). (هَذَا الْحَدِيثَ) أي الذي حدّثه به أبو صالح عن أبي هريرة -﵁- (فَقَالَ) ذلك البعض (وَهِمْتَ) بفتح، فكسر، كغَلِطْتَ وزنًا ومعنًى، قال الفيّوميّ -﵀-: وَهَمْتُ إلى الشيء وَهْمًا، من باب وَعَدَ: سبق القلب إليه مع إرادة غيره، وَوَهَمْتُ وَهْمًا: وقع في خَلَدي، والجمعُ أوهام، وشيء موهومٌ، وتوهَّمْتُ: أي ظننتُ، وَوَهِمَ في الحساب يَوْهَمُ وَهَمًا، مثلُ غَلِطَ يَغْلَطُ غَلَطًا وزنًا ومعنًى، ويَتَعدَّى بالهمزة والتضعيف، وقد يُستعمَلُ المهموز لازمًا، وأوهم من الحساب مائةً، مثلُ أسقط وزنًا ومعنًى، وأوهم من صلاته ركعةً: تركها. انتهى (^٣).
وفي رواية البخاريّ: "فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونُكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه فقال. . . ".
قال في "الفتح": قوله: "فاختلفنا بيننا" ظاهره أن أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: "فرجعت إليه"، وأن الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبيّ -ﷺ-، وعلى
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٥٠.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧٤.
[ ١٣ / ٢١٧ ]
هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بَيَّن مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ أن القائل: "فاختلفنا" هو سُمَيّ، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله. انتهى.
وقوله: "وتكبر أربعًا وثلاثين" هو قول بعض أهل سُميّ كما تقدم التنبيه عليه، من رواية مسلم، وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاء مثله في حديث أبي الدرداء، عند النسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر بسند قويّ، ومثله لمسلم من حديث كعب بن عُجرة، ونحوه لابن ماجه، من حديث أبي ذَرّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عند أبي داود، ففيه: "ويختم المائة بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الْحَكَم، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ.
قال النوويّ -﵀-: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: "لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ".
وقال غيره: بل يَجمع بأن يَختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرةً بـ "لا إله إلا اللَّه"، على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الأخير هو المتعيّن في وجه الجمع، وأما ما قاله النوويّ ففيه خروج عن التعليم النبويّ.
والحاصل أن الصواب أنه يكبّر. تارةً أربعًا وثلاثين، فتكون التكبيرة تمام المائة، ويكبّر أحيانًا ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بـ "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، كما ورد التعليم النبويّ بكلّ منهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(إِنَّمَا قَالَ) أي أبو صالح، وفي نسخة: "إنما قال لك" ("تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وفي نسخة: "ثلاثًا وثلاثين مرّةً" (وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ") هذا في رواية المصنّف، والذي عند البخاريّ: "وتكبّر أربعًا وثلاثين"، كما سبق آنفًا.
(فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ذكرت له اختلافنا فيه (فَأَخَذَ
[ ١٣ / ٢١٨ ]
بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: "فقال: تقول: "سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر" حتى يكون منهنّ كلِّهِنّ ثلاث وثلاثون".
قال ابن الملقّن -﵀-: ظاهره أنه يقول: اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، ثلاثًا وثلاثين مرّة، وظاهر الحديث أنه يُسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّةً، ثم يَحْمَد كذلك، ثم يُكبّر كذلك، وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. انتهى (^١).
(قَالَ) وفي نسخة: "وقال" بالواو (ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل (بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو- ابن جَرْوَل (^٢)، ويقال: جَنْدَل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن عمرو الكِنْديّ، أبو المِقْدام، ويقال: أبو نَصْر الْفِلَسطينيّ، يقال: إن لجده صحبةً، ثقةٌ فقيهٌ، من الطبقة الثالثة.
أرسل عن معاذ بن جبل، ورَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعديّ بن عَمِيرة، وعبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن غَنْم، ومعاوية، والنوّاس بن سَمْعان، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة، والْمِسْوَر بن مَخْرمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأبي صالح السمان، وورّاد كاتب المغيرة، وخلق.
ورَوَى عنه عديّ بن عديّ بن عَمِيرة الكِنديّ، وابن عجلان، وثور بن يزيد، وابن عون، ومَطَر الورّاق، والزهريّ، ومحمد بن جُحادة، وابنه عاصم بن رجاء، وحميد الطويل، وغيرهم.
قال أبو مسهر: كان من مدينةٍ يقال لها: بيسان، ثم انتقل إلى فلسطين، وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا كثير العلم، وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٥١.
(٢) قال الحافظ في "التهذيب": رأيت اسم جدّه مضبوطًا بخط الرضيّ الشاطبيّ: خَنْزَل بخاء معجمة، بعدها نون، ثم زاي، ثم لام. انتهى.
[ ١٣ / ٢١٩ ]
ثقةٌ، وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن عديّ، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا مسألة، فقال مكحولٌ: سَلُوا شيخنا وسيدنا، رجاء بن حيوة، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن مَطَر الورّاق: ما لقيت شاميًّا أفضل -وفي رواية: أفقه- من رجاء بن حيوة، إلا أنه إذا حركته وجدته شاميًّا، وقال الأصمعيّ عن ابن عون: رأيت ثلاثةً ما رأيت مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهادهم، وقال أحمد بن حنبل: لم يَلْقَ رجاء وَرّادًا كاتب المغيرة، وكذا حَكَى الترمذيّ عن السخاويّ وأبي زرعة. قال الحافظ: وروايته عن أبي الدرداء مرسلة.
قال خليفة بن خياط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة (١١٢).
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، في هذا الموضع فقط، والأربعة.
(فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ) أي بمثل ما حدّثه سميّ، ولفظ أبي عوانة: "فقال محمد بن عجلان: فذكرت ذلك لرجاء بن حيوة، فحدّثني بمثلها، عن أبي صالح، وقال: صدق سُميّ". انتهى (^١). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة هذه ساقها الطبرانيّ -﵀- في "المعجم الأوسط"، فقال:
(٥٣١٠) حدّثنا محمد بن عليّ بن الصبّاح البغداديّ، قال: حدّثنا هانئ بن المتوكل الإسكندرانيّ، حدّثنا حيوة بن شُرَيح، عن محمد بن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة، وسُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أتى فقراء المسلمين رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذَهَب ذوو الأموال بالدرجات، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويَحُجُّون كما نَحُجّ، ولهم فضول أموال يتصدقون منها، وليس لنا ما نتصدق، فقال: "ألا أدلكم
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ٥٥٨.
[ ١٣ / ٢٢٠ ]
على أمر إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، ولم يَلْحَقكم مَن خَلَفَكم، إلا مَن عَمِل بمثل ما عملتم؟ تسبحون اللَّه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثًا وثلاثين، وتكبروه (^١) أربعًا وثلاثين"، فبلغ ذلك الأغنياءَ، فقالوا مثل ما قالوا، فأتوا رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبروه، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". انتهى (^٢).
وساقها أيضًا في "المعجم الصغير"، وقال في آخرها: لم يروه عن رجاء إلا ابنُ عجلان. انتهى (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه.
[تنبيه]: تكلّم الرشيد العطّار -﵀- في رواية المصنّف هذه، فقال في كتابه "غرر الفوائد" (١/ ٣٠١) بعد أن ساق رواية المصنّف هذه بنصّها:
هكذا أورده مسلم، وهو حديثٌ بعضه مسندٌ، وبعضه مرسلٌ، والمرسل منه قول أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . " إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يُسنِده.
وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلمًا -﵀- قد أخرجه من وجه آخر، عن أبي صالح -يعني الرواية التالية- وفيه هذه الزيادة متصلةً مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوْح بن عُبَادة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ-، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين. . . إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم -﵀-.
_________________
(١) هكذا نسخة "الأوسط" بحذف نون الرفع في "تحمدوه"، و"تكبروه"، وفي "المعجم الصغير" بإثباتها في المواضع الثلاثة، وحذفها دون ناصب وجازم لغة قليلة، فتنبّه.
(٢) "المعجم الأوسط" ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) "المعجم الصغير" ٢/ ٧٢ رقم (٨٠٢).
[ ١٣ / ٢٢١ ]
قال الرشيد -﵀-: فقد اتّصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد للَّه.
قال: ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادة أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان، قال سُمَيّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى. انتهى كلام الرشيد العطّار -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فقد اتّصل. . . إلخ" هذا الذي اعتبره الرشيد العطّار -﵀- متّصلًا من رواية سهيل، عن أبيه لا يراه الحافظ متّصلًا؛ لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجًا، ونصّه في "الفتح": زاد مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُميّ: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه. . . إلخ"، ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذَكَرَ طَرَفًا منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قولَ أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ".
قال الحافظ: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مُدرجًا، أخرجه جعفر الفريابيّ، وتبين بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلةٌ.
وقد رَوَى الحديث البزار من حديث ابن عمر -﵄-، وفيه: "فرَجَع الفقراء. . . "، فذكره موصولًا، لكن إسناده ضعيفٌ، ورواه جعفر الفريابيّ من رواية حَرَام بن حكيم -وهو بحاء، وراء مهملتين- عن أبي ذرّ -﵁-، وقال فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
ونَقَلَ الخطيب أن حرام بن حكيم يُرسل الرواية عن أبي ذرّ -﵁-، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يَقْوَى بهما مُرسل أبي صالح. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^٢).
_________________
(١) راجع: "قرة عين المحتاج في شرح المقدّمة" ١/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
[ ١٣ / ٢٢٢ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ" مرسل، وليس متّصلًا كما زعمه الرشيد العطّار، مستدلًّا برواية سهيل التالية، بل فيها إدراج قول أبي صالح كما أرشد إليه المصنّف في كلامه الآتي، لكن هذا المرسل يتقوّى بالطريقين اللذين ذكرهما الحافظ، كما بيّنه في كلامه المذكور آنفًا، فتبصّر.
وأما قوله: "وزاد غير قتيبة. . . إلخ" فلم أجد من وصله، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في "تخريجه":
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٠ و١٣٥١] (٥٩٥)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٤٣) و"الدعوات" (٦٣٢٩)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٤٥ و١٤٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٨٥ و٢٠٨٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٢٠ و١٣٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٧ و٧٢٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الذكر عقب الصلوات، واستدلّ به البخاريّ -﵀- على فضل الدعاء عقب الصلاة؛ لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتَجَى فيها إجابة الدعاء.
٢ - (ومنها): بيان جواز الغِبْطَة، وهي تمنّي مِثْلِ ما للغير من النعمة دون زوالها عنه، بخلاف الْحَسَد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، سواء تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم.
٣ - (ومنها): استحباب المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات العالية؛ لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بَلَغَهم، ولم ينكر عليهم النبيّ -ﷺ-.
٤ - (ومنها): بيان أن العمل اليسير في الصورة قد يُدْرِك به صاحبه فضل العمل الشاقّ الذي يلحقه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به.
٥ - (ومنها): بيان أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافًا لمن
[ ١٣ / ٢٢٣ ]
قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا، نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام -﵀-.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال -﵀-: في هذه الأحاديث الحضّ على الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة اللَّه تعالى؛ لقوله -ﷺ-: "تُدركون من سبقكم"، وسُئل الأوزاعيّ -﵀-: هل الذكر بعد الصلاة أفضل، أم تلاوة القرآن؟، فقال: ليس شيء يَعدِل القرآن، ولكن كان هدي السلف الذكر.
٧ - (ومنها): بيان أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخَّر عنها إلى أن تصلَّى الراتبة؛ لقوله: "دُبُر كلّ صلاة".
٨ - (ومنها): بيان أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يُرجى فيها إجابة الدعوات، وقبول الطاعات، ويَصِل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية، والمنازل الغالية.
٩ - (ومنها): بيان أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يُجيب بما يَلْحَق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه -ﷺ- أجاب بقوله: "ألا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه"، وعَدَل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: في الحديث دليلٌ على قوّة رغبة الصحابة -﵃- في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى، والنعيم المقيم، فكانوا يَحْزنون على العجز عن شيء مما يَقدِر عليه غيرهم من ذلك، وقد وصفهم اللَّه ﷿ في كتابه بذلك بقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
ولهذا قال النبيّ -ﷺ-: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين. . . " الحديث، فذكر منهما: "رجلٌ آتاه اللَّه مالًا، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجلٌ: لو أن لي مالًا لفعلت فيه كما فعل ذلك" (^١)، فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: =
[ ١٣ / ٢٢٤ ]
يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون، ويُنفقون حزِنُوا على عجزهم عن ذلك، وتأسّفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشَكَوا ذلك إلى النبيّ -ﷺ-، فدلّهم النبيّ -ﷺ- على عمل إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولم يُدركهم أحدٌ بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عَمِل مثله، وهو التسبيح، والتحميد، والتكبير خلف كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ": هذا الحديث يدلّ على أن الذكر أفضل الأعمال، وأنه أفضل من الجهاد، والصدقة، والعتق، وغير ذلك، وقد رُوي هذا المعنى صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم أبو الدرداء، ومعاذٌ، وغيرهما -﵃-، ورُوي مرفوعًا من وجوه متعدّدة أيضًا.
وقال -﵀- في "جامع العلوم والحكم": وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "ذكر اللَّه ﷿"، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ (^٢)، وذكره مالك في "الموطأ" موقوفًا على أبي الدرداء -﵁-.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "من قال لا إله
_________________
(١) = (٥٠٢٦) حدّثنا عليّ بن إبراهيم، حدثنا رَوْح، حدّثنا شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علّمه اللَّه القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يَعمَل، ورجل آتاه اللَّه مالًا، فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعَمِلت مثل ما يَعْمَل. انتهى.
(٢) "شرح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٣) حديث صحيح، صحّحه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٩٦، ووافقه الذهبيّ.
[ ١٣ / ٢٢٥ ]
إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عَدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك".
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب -﵁- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "من قالها عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث أبي سعيد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- سئل أيُّ العباد أفضل درجةً عند اللَّه يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون اللَّه كثيرًا"، قلت: يا رسول اللَّه: ومن الغازي في سبيل اللَّه؟ قال: "لو ضَرَب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دمًا، لكان الذاكرون اللَّه أفضل منه درجةً" (^١)، ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله.
وخرّج الطبرانيّ من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ -ﷺ- قال: "لو أن رجلًا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر اللَّه، كان الذاكر أفضل".
قلت: الصحيح عن أبي الوازع، عن أبي برزة الأسلميّ من قوله، خرّجه جعفر الفريابيّ.
وخرّج أيضًا من حديث أنس، عن النبيّ -ﷺ- قال: "من كبر مائة، وسبح مائة، وهلَّل مائة، كانت خيرًا له من عشر رقبات يُعتقها، ومن سبع بدنات ينحرها".
وخرّج ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أبي الدرداء، أنه قيل له: إن رجلًا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمانٌ ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر اللَّه ﷿.
وعن أبي الدرداء أيضًا قال: لأن أقول اللَّه أكبر مائة مرة، أحب إلي من
_________________
(١) حديث ضعيف؛ لأن في سنده درّاجًا وهو ضعيف عن أبي الهيثم، وهذا منه، والراوي عنه ابن لهيعة، وهو أيضًا متكلّم فيه.
[ ١٣ / ٢٢٦ ]
أن أتصدق بمائة دينار، وكذلك قال سلمان الفارسيّ وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال.
وخرّج الإمام أحمد، والنسائيّ من حديث أم هانئ -﵂- أن النبيّ -ﷺ- قال لها: "سبّحي اللَّه مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي اللَّه مائة تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس مُلْجَمة مُسْرَجة تَحملين عليهن في سبيل اللَّه، وكبّري اللَّه مائة تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مُقَلّدة متقبلة، وهلّلي اللَّه مائة تهليلة، لا أحسبه إلا قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد مثل عملك، إلا أن يأتي بمثل ما أتيت" (^١).
وخرّجه أحمد أيضًا، وابن ماجه، وعندهما: "وقولي: لا إله إلا اللَّه، مائة مرة لا تَذَرُ ذنبًا، ولا يسبقها العمل".
وخرّجه الترمذيّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ -ﷺ- بنحوه، وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.
وخرّج الطبرانيّ من حديث ابن عباس مرفوعًا قال: "ما من صدقة أفضل من ذكر اللَّه ﷿" (^٢).
وخرّج الفريابيّ بإسناد فيه نظرٌ، عن أبي أمامة مرفوعًا: "ومن فاته الليل أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجَبُن عن العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان اللَّه وبحمده، فإنها أحبّ إلى اللَّه ﷿ من جبل ذهب، أو جبل فضة، ينفقه في سبيل اللَّه ﷿".
وخرّج البزار بإسناد مقارب، من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال في حديثه: "فليكثر ذكر اللَّه"، ولم يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. انتهى كلام ابن رجب -﵀- في "جامع العلوم والحكم" (^٣).
وقال في "شرح البخاريّ": ولا يعارض هذا -يعني ما سبق من تفضيل
_________________
(١) حديث حسنٌ، انظر: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ ٣/ ٣٠٢.
(٢) أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، قال الهيثميّ: ورجاله وُثّقوا. انتهى. "مجمع الزوائد" ١٠/ ٧٧.
(٣) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ٤٩ - ٥٢.
[ ١٣ / ٢٢٧ ]
الذكر على الجهاد وغيره- حديث الذي سأل النبيّ -ﷺ- عما يعادل الجهاد؟ فقال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تُفطر، وتقوم فلا تفتر. . . " الحديث المشهور؛ لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدّة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قُدومه، فليس يُعْدَل ذلك بشيء غير ما ذُكر، والفقراء دلّهم النبيّ -ﷺ- على عمل يستصحبونه في مدّة عمرهم، وهو ذكر اللَّه الكثير في أدبار الصلوت، وهذا أفضل من جهاد يَقع في بعض الأحيان يُنفق صاحبه فيه ماله.
فالناس منقسمون ثلاثة أقسام:
أهل الذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم.
وأهل جهاد يُجاهدون، وليس لهم مثل ذلك الذكر، فالأولون أفضل من هؤلاء.
وقوم يَجمعون بين الذكر والجهاد، فهؤلاء أفضل الناس.
ولهذا لَمّا سمع الأغنياء الذين كانوا يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون بما عَلَّم النبيّ -ﷺ- الفقراء من ذلك عَمِلوا به، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ، ولهذا لَمّا سألوا النبيّ -ﷺ- عن ذلك؟ قال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
ومن زعم من الصوفيّة أنه أراد أن الفقر فضل اللَّه، فقد أخطأ، وقال ما لا يعلم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في التفضيل بين الغنى والفقر:
قال ابن بطاّل، عن المهلّب رحمهما اللَّه: في هذا الحديث فضل الغنى نصًّا لا تأويلًا، إذا استوت أعمال الغني والفقير، فيما افترض اللَّه عليهما، فللغنيّ حينئذ فضل عمل البرّ من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه. قال: ورأيت بعض المتكلّمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخصّ الفقراء دون
_________________
(١) "شرح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤٠٥ - ٤٠٧.
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
غيرهم، أي الفضل المرتّب على الذكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس الحديث: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان.
وقال القرطبيّ -﵀-: استدلّ بهذا الحديث من يُفضّل الغنى على الفقر، وهي مسألة اختُلِف فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكَفَاف، ومن قائل رابع بردّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس توقّف، ولم يفضّل واحدًا منهما على الآخر، والمسألة لها غَوْرٌ، وفيها أحاديث متعارضة.
قال: والذي يظهر لي أن الأفضل من ذلك ما اختاره اللَّه تعالى لنبيّه -ﷺ-، ولجمهور أصحابه -﵃-، وهو الفقر غير المدقع.
قال: وتأوّل بعضهم قوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه" بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثواب المرتّب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند اللَّه، فكأنه قال: ذاك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل اللَّه (^١).
قال: وهذا التأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه إليه ما يعارضه (^٢).
وتُعقب بأن الجمع بينه وبين ما يُعارضه ممكن من غير احتياج إلى التعسف.
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: ظاهر الحديث القريبُ من النصّ أنه فَضَّلَ الأغنياء بزيادة القربات المالية، وبعض الناس تأول قولَه: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" بتأويل مُستكرَه، يخرجه عما ذكرناه، كأنه يشير إلى ما تقدّم.
قال: والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا، وفضّلت العبادات المالية أنه يكون الغنيّ أفضل، ولا شكّ في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلّ منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسّر بزيادة الثواب،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) قوله "وهذا التأويل إلخ" هكذا عزاه في "الفتح" إلى القرطبيّ، ولم أره في "المفهم"، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ٢٢٩ ]
فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل لها من التطهير بسبب الفقر أشرف، فيترجّح الفقراء.
ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصوفيّة إلى ترجيح الفقير الصابر.
وقال الكرمانيّ -﵀-: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العُلَى، والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. اهـ.
قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، وطهر أن الجواب وقع قبل أن يَعلَم النبيّ -ﷺ- أن متمنّي الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما ثبت في حديث الترمذيّ -﵀- (^١) بأن المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله -ﷺ-: "من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيئًا"، فإن الفقراء في هذه القصّة كانوا السبب في تعلّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب، مضافًا إلى التمنّي، فلعل ذلك يقاوم التقرّب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَف العيش، وشكر الغنيّ على
_________________
(١) هو ما أخرجه الترمذيّ في "جامعه" عن أبي كبشة الأنماري -﵁- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ثلاثة أُقسم عليهنّ، وأحدِّثكم حديثًا فاحفظوه -قال-: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها، إلا زاده اللَّه عزًّا، ولا فتح عبد باب مسألة، إلا فتح اللَّه عليه باب فقر -أو كلمة نحوها- وأحدثكم حديثًا فاحفظوه -قال-: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويَصِلُ فيه رحمه، ويَعْلَم للَّه فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواءٌ، وعبد رزقه اللَّه مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يَخْبِط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يَصِل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
[ ١٣ / ٢٣٠ ]
التنعّم بالمال، ومن ثمّ وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلاله بحديث من "سنّ سنّة حسنة إلخ" على هذه المسألة فيه نظر؛ لأن الذين تسببوا هم فقراء الصحابة، فالاشتراك مع الأغنياء في الأجر قاصر عليهم، لا يتعدّاهم إلى غيرهم من الفقراء؛ لأن غيرهم لم يشاركهم في التسبب، فكيف يستدلّ به على تفضيل الفقير على الغني على الإطلاقّ؟، واللَّه أعلم.
وقال في "كتاب الأطعمة" عند قول البخاريّ -﵀-: "بابٌ الطاعمُ الشاكرُ مثل الصائم الصابر" فيه عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، ما نصه: وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل، ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل أن المشبَّه به أعلى درجة من المشبَّه.
والتحقيق عند أهل الْحِذْق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّيّ، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نعم عند الاستواء من كل جهة، وفَرْضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعدل بالسلامة شيء. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ -﵀-: وقع في رواية وَرْقاء عن سُمَيّ عند البخاريّ في "الدعوات" في هذا الحديث: "تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا"، ولم أقف في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سُميّ، ولا عن غيره، ويَحْتَمِل أن يكون تأوّل ما تأوّل سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر، ويَعْكُر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبيّ -ﷺ-.
قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد، منها عن عليّ عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائيّ، وعن عبد اللَّه بن عمرو عنده، وعند أبي
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٥.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٧٣٠ - ٧٣١.
[ ١٣ / ٢٣١ ]
داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبرانيّ.
وجَمَع البغويّ في "شرح السنة" بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة، أوّلها عشرًا عشرًا، ثم إحدى عشرة إحدى عشرة، ثم ثلاثًا وثلاثين ثلاثًا وثلاثين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال.
وقد جاء من حديث زيد بن ثابت، وابن عمر -﵃- أنه -ﷺ- أمرهم أن يقولوا كلّ ذكر منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: "لا إله إلا اللَّه" خمسًا وعشرين.
ولفظ زيد بن ثابت -﵁-: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأُتِيَ رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا. . . فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبيّ -ﷺ- وأخبره، فقال: "فافعلوه"، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان.
ولفظ ابن عمر -﵄-: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه، وفيه: فقيل له: سبح خمسًا وعشرين، واحْمَدْ خمسًا وعشرين، وكَبِّر خمسًا وعشرين، وهَلِّل خمسًا وعشرين، فتلك مائة، فأمرهم النبيّ -ﷺ- أن يفعلوا كما قال. أخرجه النسائيّ، وجعفر الفريابي.
واستُنْبِط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرةٌ، وإلا لكان يُمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثًا وثلاثين.
وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات، إذا رُتِّب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمةٌ وخاصيّةٌ تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ -﵀- في "شرح الترمذيّ": وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رُتِّب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله. انتهى.
[ ١٣ / ٢٣٢ ]
قال الحافظ -﵀-: ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال العراقيّ لا محالةَ، وإن زاد بغير نية، بأن يكون الثواب رُتِّب على عشرة مثلًا، فرتّبه هو على مائة، فيتجه القول الماضي.
وقد بالغ القرافيّ في "القواعد"، فقال: من الْبِدَع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يُوقَفَ عنده، ويُعَدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن كلام القرافيّ -﵀- في هذا، فالحقّ أنه لا ينبغي الزيادة على الأعداد والتقديرات الشرعيّة، وإن كانت مندوبات؛ لأن للشارع الحكيم حكمة لا يعلمها غيره، فإذا وجّه إلى شيء من العبادة، أذكارًا، أو غيرها، وعيّن لها عددًا، أو صفة معيّنة، فلا ينبغي العدول عنها إلا بتوقيف منه، فالأذكار التي خلف الصلوات، وغيرها لا ينبغي أن يُتجاوز العدد المأثور فيها، إلا أن يقطعها، ثم يستأنف.
وبالجملة فالذي ينبغي للعاقل أن يقف عند تعليم النبيّ -ﷺ- للأذكار، أو غيرها مع تعيينه لها عددًا، أو صفةً، أو وقتًا، أو غير ذلك، ولا يتجاوز ذلك التوجيه؛ لأنه توجيه ربّانيّ يلزم التأدّب معه، فليُتنبّه لمثل هذا، فإن كثيرًا من الناس عنه لغافلون، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقد مثّله بعض العلماء بالدواء يكون مثلًا فيه أوقية سُكّر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم استَعْمَل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجمل هذا التمثيل، وما أحقّه أن يُنظر إليه بعين الاعتبار، والبصيرة النافذة، فإن الأذكار النبويّة أدوية للأمراض الحسيّة والمعنويّة، والقلبيّة والبدنيّة، فكما ينبغي المحافظة على ما يصفه الأطبّاء للأدوية البدنيّة، فكذلك ينبغي المحافظة على ما وصفه النبيّ -ﷺ- للأدوية الروحيّة، فإنه -ﷺ- مبلّغ عن ربّه ﷿، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
قال: ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص
[ ١٣ / ٢٣٣ ]
مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص؛ لما في ذلك من قطع الموالاة؛ لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمةٌ خاصّةٌ تفوت بفواتها. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة السابعة): في اختلاف ألفاظ هذا الحديث:
قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ": وأما ألفاظ الحديث، فهي مختلفة، ففي رواية عُبيد اللَّه بن عمر التي أخرجها البخاريّ ها هنا: "تسبّحون، وتحمدون، وتكبّرون ثلاثًا وثلاثين"، وفسّره بأنه يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلِّهنّ ثلاثًا وثلاثين، وقد تبيّن أن المفسِّر لذلك هو أبو صالح، وهذا يَحْتَمل أمرين:
أحدهما: أنه يَجمع بين هذه الكلمات الثلاث، فيقولها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، فيكون مجموع ذلك تسعًا وتسعين.
والثاني: أنه يقولها إحدى عشرة مرّةً، فيكون مجموع ذلك ثلاثًا وثلاثين، وهذا هو الذي فهمه سُهيل، وفسَّر الحديث به، وهو ظاهر رواية سُميّ، عن أبي صالح أيضًا، ولكن قد رُوي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحًا بالمعنى الأول، فخرّجه مسلم من حديث سُهيل، عن أبي عُبيد الْمَذْحِجيّ، وهو مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة. . . " الحديث سيأتي في هذا الباب.
قال: وقد روي عن سُهيل بهذا الإسناد موقوفًا على أبي هريرة، وكذا رواه مالك في "الموطّأ"، عن أبي عُبيد موقوفًا، وخرّجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق مالك مرفوعًا، والموقوف عن مالك أصحّ.
وخرّجه النسائيّ في "اليوم والليلة" بنحو هذا اللفظ من رواية ابن عَجلان، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان في "صحيحه" عن الأوزاعيّ، حدّثني حسان بن عطيّة، قال: حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال:
[ ١٣ / ٢٣٤ ]
حدّثني أبو هريرة، قال: قال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها، وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا أبا ذرّ ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يَلحقك من خلفك، إلا من أخذ بمثل عملك؟ " قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تكبر اللَّه ﷿ دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر" (^١).
قال: فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف.
وقد رُوي عنه نوع آخر، وهو التسبيح مائة مرّة، والتكبير مائة مرّة، والتهليل مائة مرّة، والتحميد مائة مرّة، خرّجه النسائيّ في كتاب "عمل اليوم والليلة" بإسناد فيه ضعف، ورُوي موقوفًا على أبي هريرة.
وخرّجه النسائيّ في "السنن" بإسناد آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: "من سبّح اللَّه في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلّل مائة تهليلة، غُفر له ذنوبه، ولو كانت مثل زَبَد البحر" (^٢).
ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا عبيه: "التسبيح عشرٌ، والتحميد عشرٌ، والتكبير عشرٌ"، وقد أخرجه البخاريّ في "الدعوات" من "صحيحه" من طريق ورقاء، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم. . . الحديث، وفيه: "تُسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا".
وقد رُوي عن النبيّ -ﷺ- من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواعٌ أُخر من الذكر:
(فمنها): التسبيح، والتحميد، والتكبير مائة، فالتسبيح والتحميد كلّ منهما
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٣٨، وأبو داود في "سننه" رقم (١٥٠٤)، وابن حبّان في "صحيحه" ٥/ ٣٥٨.
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ ٣/ ٧٩ و"عمل اليوم والليلة" رقم (١٤٠).
[ ١٣ / ٢٣٥ ]
ثلاثٌ وثلاثون، والتكبير وحده أربع وثلاثون، خرّجه مسلم من حديث كعب بن عُجرة (^١)، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ -﵁-، لكن عنده أن التحميد هو الأربع، وخرّجه ابن ماجه، وعنده أن ابن عيينة قال: لا أدري أيتهنّ أربع.
(ومنها): التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل مائة مرّة، من كلّ واحد خمس وعشرون، خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وخرّجه النسائيّ من حديث ابن عمر -﵄-.
(ومنها): التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد مثله، والتكبير أربعًا وثلاثين، فذلك مائة، ويزيد عليهنّ التهليل عشرًا، خرّجه النسائيّ، والترمذيّ من حديث ابن عبّاس -﵄-.
(ومنها): التسبيح عشر مرّات، والتحميد مثله، والتكبير مثله، فذلك ثلاثون، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ما جه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، وخرّجه النسائيّ في "اليوم والليلة" من حديث سعد -﵁-.
(ومنها): التكبير إحدى عشرة مرّةً، والتحميد مثله، والتهليل مثله، والتسبيح مثله، فذلك أربعٌ وأربعون، خرّجه البزّار من حديث ابن عمر -﵄-، وإسناده ضعيف، فيه موسى بن عُبيدة.
قال ابن رجب -﵀-: ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة؛ لأن أحاديثها أصحّ أحاديث الباب.
واختُلف في تفضيل بعضها على بعض، فقال أحمد في رواية الفضل بن زياد، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثةً وثلاثين أحبّ إليك، أم خمسةً وعشرين؟ قال: كيف شئتَ.
قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا التخيير بينهما من غير ترجيح، وقال
_________________
(١) هو الحديث الآتي بعد هذا.
[ ١٣ / ٢٣٦ ]
في رواية عليّ بن سعيد: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين، وظاهر هذا تفضيل هذا النوع على غيره، ولذلك قال إسحاق: الأفضل أن يُسبّح ثلاثًا وثلاثين، ويَحمَد ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّر ثلاثًا وثلاثين، ويَختِم المائة بالتهليل، قال: وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس، نَقَل ذلك عنه حرب الكرمانيّ.
وهل الأفضل أن يَجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كلّ مرّة، فيقولهنّ ثلاثًا وثلاثين مرّة، ثم يَختم بالتهليل؟ أم الأفضل أن يُفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حِدَةٍ؟ قال أحمد في رواية محمد بن ماهان، وسأله: هل يَجمع بينهما أو يُفرد؟ قال: لا يُضيَّق، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنه مخيَّرٌ بين الإفراد والجمع، وقال أحمد في رواية أبي داود: يقول هكذا: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا يقطعه، وهذا ترجيح منه للجمع كما قاله أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة.
وقد روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة مرسلًا أن النبيّ -ﷺ- أمرهم أن يقولوا دبر كلّ صلاة: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه عشرًا.
وقال إسحاق: الأفضل أن يُفرد كلّ واحد منها، وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا، قال: وهو ظاهر الأحاديث لوجهين:
أحدهما: أنه قال: يُسبّحون، ويحمدون، ويكبّرون، والواو قد قيل: إنها للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه.
والثاني: أن هذا مثل نقل الصحابة -﵃- لوضوء النبيّ -ﷺ-، وأنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ولا خلاف في المراد أنه غسل كلّ عُضو من ذلك بانفراده ثلاثًا ثلاثًا قبل شروعه في الذي بعده، ولم يَغسِل المجموع مرّة، ثم أعاد مرّةً ثانيةً وثالثةً.
قال ابن رجب: هذا على رواية من رَوَى التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثًا وثلاثين ظاهرٌ، وأما من روى يسبحون، ويحمدون، ويكبّرون ثلاثًا وثلاثين، فمحتملةٌ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم
[ ١٣ / ٢٣٧ ]
المراد منها. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفنا أن الإفراد هو الأولى؛ عملًا بظاهر أكثر الأحاديث، كقوله -ﷺ-: "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة. . . " الحديث صريح في إفراد كلّ منها، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) -بالياء، والشين المعجمة- أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غِيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (ح م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٤ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح السمّان، تقدّم قبله، وكذا أبو هريرة -﵁-.
_________________
(١) "شرح صحيح البخاريّ" لابن رجب ٧/ ٤٠٩ - ٤١٦.
[ ١٣ / ٢٣٨ ]
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ) يعني سهيل بن أبي صالح حدّث عن أبيه أبي صالح، بمثل حديث سُميّ عن أبي صالح الذي رواه قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عنه، وإنما خصّ رواية قتيبة؛ لأن المصنّف روى الحديث من طريقين: طريق عاصم بن النضر، عن المعتمر بن سليمان، عن عُبيد اللَّه العمريّ، عن سُميّ، وطريق قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وبين سياقيهما اختلاف، فبيّن أن رواية سهيل توافق السياق الذي رواه قتيبة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ. . . إلخ) يعني أن سُهيلًا أدرج في الحديث قول أبي صالح: "ثم رجع. . . إلخ" وهذا فيه إشارة إلى أن رواية سُميّ الماضية بفصل قول أبي صالح هو المحفوظ.
وقوله: (إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ) تقدّم أن هذا مما فهمه سُهيل من تفسير قوله: "ثلاثًا وثلاثين"، فظنّ توزيعه على الأذكار الثلاثة، والصواب أن ثلاثًا وثلاثين لكلّ فرد من أفراد الأذكار الثلاثة، فيكون كلّ من التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا وثلاثين، والمجموع تسعة وتسعون، لا ثلاثة وثلاثون، وأوضح دليل على ذلك ما يأتي عن أبي هريرة -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ-: "مَن سَبّح اللَّه في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،. . . " الحديث.
وقوله: (فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ) بجرّ "كلّه" توكيد لاسم الإشارة.
[تنبيه]: رواية سهيل، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٩٤) فقال:
(١٣٢٣) حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، في مجموع حديثه لرَوْح، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أمية، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْحٌ، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، صَحِبُوك كما صحبناك، ويجدون أموالًا ينفقونها، ولا نجدها، فقال: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به مَن قبلكم، إلا من
[ ١٣ / ٢٣٩ ]
قال مثل ما قلتم؟ تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين"، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فذلك كله ثلاث وثلاثون، قال: فلما فعلوا ذلك فعل الآخرون، فذكروا ذلك للنبيّ -ﷺ-، فقال: "ذلك الفضل يؤتيه اللَّه من يشاء". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٢] (٥٩٦) - (وَحَدَّثَنَا (^١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجس -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسَرْجِسي، أبو علي النيسابوريّ، مولى ابن المبارك، ثقة [١٠] تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) -بكسر الميم- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٤ - (الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ) الْكِنديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
٦ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، أبو محمد المدنيّ، مات بعد الخمسين، عن نيّف وسبعين سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ) -بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة-: اسم فاعل من التعقيب، أي أذكارٌ يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعَقِّب لصاحبها عاقبةً محمودةً.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفْعَل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سُمِّيت معقّبات؛ لأنها تُفْعَل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي ملائكة يَعْقُب بعضهم بعضًا. انتهى.
وقال في "النهاية": سميت مُعَقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله. انتهى.
وقال البغويّ -﵀- في "شرح السنّة": قوله: "مُعَقِّباتٌ": يريد هذه التسبيحات، سُمِّيت معقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد مرّة، والتعقيبات تَعْمَل عملًا، ثم تعود إليه، وقوله ﷿: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أي لم يرجع، قال: شَمِر: كلُّ راجع معقِّبٌ، وقوله ﷿: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١] أي للإنسان ملائكة يَعْقُبُ بعضهم ببعض، يقال: ملك معقِّبٌ، وملائكةٌ معقّبة، ثم معقّباتٌ جمع الجمع، وقيل: ملائكة الليل تُعَقِّب ملائكة النهار. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح السنّة" ٣/ ٢٣٢.
[ ١٣ / ٢٤١ ]
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "معقّبات": أي الكلمات التي يأتي بعضها بعقب بعض، و"المعقّبات": اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض، فإذا انصرفت ناقةٌ دخلت مكانها أخرى، وهي الناظرات للعقب، فكذلك هذه التسبيحات كلّما مرّت كلمةٌ نابت مكانها أخرى.
و"هي" إما صفة مبتدأ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلماتٌ، أو أذكارٌ معقباتٌ، وجملة قوله: (لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) خبره، و"دُبر" ظرف متعلّقٌ بـ "قائلهنّ"، ويَحْتَمِل أن يكون "معقِّباتٌ" مبتدأ، وقوله: "لا يخيب" صفته، والخبر قوله: "ثلاثٌ وثلاثون".
(لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان والخسران، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة، وفيه نظر لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
(أَوْ فَاعِلُهُنَّ) "أو" للشكّ من الراوي، قال البيضاويّ: قد يقال للقائل: فاعلٌ؛ لأن القول فعلٌ من الأفعال، قال الطيبيّ: لا يُستعمل الفعل مكان القول إلا إذا صار القول مستمرًا ثابتًا راسخًا رسوخ الفعل، كما قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الآية [الزمر: ٣٣]، أي تكلّم بالصدق، وصدّقه بتحرّي العمل به. انتهى (^١).
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) "دُبر" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "قائلهنّ"، وقوله: (ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ) خبر لمحذوف، أي هنّ ثلاث وثلاثون، وهو تفسير لـ "معقّبات"، أو خبر لـ "معقّبات"، كما أسلفته آنفًا، وقوله: (تَسْبِيحَةً) منصوب على التمييز (وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً") ولفظ النسائيّ: "يُسبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّره أربعًا وثلاثين"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٦.
[ ١٣ / ٢٤٢ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٢ و١٣٥٣ و١٣٥٤] (٥٩٦)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤١٢)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٤٩)، وفي "الكبرى" (١٢٧٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٥٥ و١٥٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٩٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٢٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٣ و٢٦٤ و٢٦٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٧٩ و٢٠٨٠ و٢٠٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٢٢ و١٣٢٣ و١٣٢٤ و١٣٢٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٢١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث ذكره الدارقطنيّ -﵀- في "استدراكاته على مسلم"، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب؛ لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ.
قال النوويّ -﵀-: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ مردود؛ لأن مسلمًا رواه من طُرُق كلُّها مرفوعة، وذكره الدارقطنى أيضًا من طُرُق أخرى مرفوعة، وإنما رُوي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحقّقون من المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض تصرّف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة الدارقطنيّ -﵀-: وأخرج مسلم من حديث
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٩٥.
[ ١٣ / ٢٤٣ ]
الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة مرفوعًا: "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " من حديث مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس، وحمزة الزيّات، قال: وقد تابعهم زيد بن أبي أُنيسة، وليث بن أبي سُليم، وابنُ أبي ليلى، وقبيصة، عن الثوريّ، عن منصور، وخالفهم منصورٌ من رواية أبي الأحوص، وجرير، عن منصور، عن الحكم، فروياه موقوفًا، وكذلك رواه شعبة، عن الحكم، إلا من رواية جعفر الصائغ، عن عبدان، عنه.
والصواب -واللَّه أعلم- الموقوف؛ لأن الذين رفعوه شيوخ لا يقاومون منصورًا، وشعبة. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ترجيح الرفع هنا أظهر؛ لأمور:
(أحدها): أن الذين رفعوه جماعة، وفيهم الثقات الأثبات، وهم: مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس الملائيّ، وحمزة الزّيّات، وقد تابعهم زيد بن أبي أُنيسة، وليث بن أبي سُليم، ومحمد بن أبي ليلى.
فالظاهر أن هؤلاء الجماعة قد حَفِظوا الرفع، فلا يضرّهم مخالفة شعبة ومنصور لهم في وقفه؛ لأن الرفع زيادة، فيجب قبولها.
(الثاني): أنه اختَلَف الرواة على شعبة ومنصور في الرفع والوقف، فيكون هذا الاختلاف مرجّحًا لرفع من خالفهما.
فأما الاختلاف على شعبة، فقد رواه سليمان بن حرب، ومالك بن سليمان، عنه مرفوعًا.
فأما رواية سليمان بن حرب، فقد أخرجها أبو نعيم في "المستخرج" بسنده عنه، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "معقّبات. . . " الحديث (^١).
وأما رواية مالك بن سليمان، فقد أخرجها البغويّ في "شرح السنّة" بسنده، عنه، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " الحديث (^٢).
_________________
(١) "المستخرج" ٢/ ١٩٥.
(٢) "شرح السنّة" ٣/ ٢٣١.
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
وخالفهما وكيع، فرواه موقوفًا، قال ابن أبي شيبة في "مصنّفه": ثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة -﵁- قال: "ثلاث لا يخيب قائلهن. . . " الحديث.
وأما الاختلاف على منصور، فقد رواه عنه الثوريّ مرفوعًا.
فقد أخرجه أبو عوانة في "مسنده" قال: حدّثنا أبو العبّاس الغزّيّ، قال: ثنا قَبِيصة، ثنا سفيان (^١)، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " الحديث (^٢).
وخالف سفيان أبو الأحوص، فرواه عن منصور موقوفًا، قال ابن أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب، قال: "معقّبات. . . " الحديث.
فتبيّن بهذا أن مخالفة شعبة، ومنصور بالوقف غير سليمة؛ لوقوع اختلاف الرواة عليهما، فيكون هذا الاختلاف مرجّحًا لرفع غيرهما.
(والثالث): أن الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يُنال بالاجتهاد والرأي، وإنما سبيله التلقّي من الوحي.
(والرابع): أن للحديث شواهد وهي الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم -﵀- في هذا الباب.
وخلاصة المسألة أن ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ؛ لما سبق من الحجج (^٣).
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، كما هو غرض المصنّف في إيراده هنا، لا كما ادّعاه الدارقطنيّ من ترجيح الوقف على الرفع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) هو الثوريّ.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٢/ ٢٧٠.
(٣) راجع ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في كتابه "بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ" ١٤٠ - ١٤٤.
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا (^١) أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ) هو: حمزة بن حبيب القارئ التيميّ مولاهم، أبو عمارة الكوفيّ، صدوقٌ زاهدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ٦ أو ١٥٨) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في هذا الباب.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
٢ - (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
رَوَى عن الأعمش، ومُطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم.
قال محمد بن عبد اللَّه بن عمّار الموصليّ: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطئ عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت أنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠).
وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدّثني أنه وُلد سنة (١٠٥)، ومات في أيّام أبي السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٩٦) و(٩٣٦) و(١٨٨٧) و(٢٤٤٧).
٣ - (عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ) -بضمّ الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٦] مات سنة بضع وأربعين ومائة (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٤/ ٦٤٥.
وقوله: (بهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الحكم الماضي، وهو: عن عبد الرحمن بن أَبي ليلى، عن كعب بن عُجرة -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ-.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن قيس، عن الحكم هذه ساقها الترمذيّ، والنسائيّ، فقالا:
حدّثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة الأحمسيّ الكوفيّ، حدّثنا أسباط بن
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
محمد، حدّثنا عمرو بن قَيس الْمُلائيّ، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "مُعَقِّباتٌ لا يَخِيب قائلهنّ، يُسَبِّح اللَّه في دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٥] (٥٩٧) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ -قَالَ مُسْلِم: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (^١): "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ (^٢) فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ (^٣) تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) أبو الحسن العسكريّ، صدوقٌ [١٠] (م د ق) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحّان الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح ذُكر في هذا الباب.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيُّ) (^٤) صاحب سليمان بن عبد الملك، قيل: اسمه
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-".
(٢) وفي نسخة: "قال: من سبّح اللَّه".
(٣) وفي نسخة: "ثمّ قال".
(٤) بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وكسر الحاء المهملة، ثم جيم: نسبة إلى مَذْحِج قبيلة معروفة. انتهى. "شرح النوويّ" ٥/ ٩٥.
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
عبد الملك، وقيل: حَيّ، وقيل: حُيَيّ، وقيل: حُوَيّ بن أبي عمر، ثقة [٥].
رَوَى عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، ورَجَاء بن حَيْوة، وعُبادة بن نُسَيّ، وعطاء بن يزيد، وعقبة بن وَسّاج، وقيس بن الحارث الْمَذْحِجيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، ومالك، وسهيل بن أبي صالح، وميسرة بن معبد، وعَمْرو بن الحارث، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وأبو فَرْوة يزيد بن سِنَان الرُّهَاويّ، وآخرون.
قال الميمونيّ -﵀- عن أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وثقه عليّ ابن المدينيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال بَقِيّة، عن بِشْر بن عبد اللَّه بن يسار: لم أَرَ أحدًا قط أعمل بالعلم من أبي عبيد، وقال الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان: كان أبو عبيد يَحْجُب سليمان بن عبد الملك، فلما وُلِّي عمر بن عبد العزيز، قال: أين أبو عبيد؟ فدنا منه، فقال: هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالْحَقْ بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين لو رأيت أبا عبيد وتشميره للخير، فقال: ذاك أحقّ أن لا نفتنه، كانت فيه أُبَّهَةٌ للعامة.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٦ - (أَبو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وأبي عُبيد، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-" ("مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ) وفي نسخة: "قال: من سبّح اللَّه"، أي قال: سبحان اللَّه، و"من" شرطيّة جوابها قوله: "غُفِرت خطاياه" (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم أن المشهور ضمّ دال "دُبُر"، وحُكي بفتح، فسكون، والمراد بالصلاة الفريضة، كما تقدّم في حديث كعب بن عُجرة -﵁- قوله: "دبر كلّ صلاة مكتوبة" (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ) بكسر الميم المخفّفة، أي قال: الحمد للَّه في دبر كلّ صلاة، وحذفه هنا وفيما بعده؛ للعلم به من الأول (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ) أي التسبيحات، والتحميدات، والتكبيرات (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) بيّن جملة العدد بعد ذكره بالتفصيل، ويُسمَّى فَذْلَكَةً (^١)؛ نظير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] بعد ذكر "ثلاثة"، و"سبعة"، قال في "الكاشف": فائدة الفَذْلكة في كلّ حساب أن يُعلم العدد جملةً، كما عُلِم تفصيلًا؛ ليُحاط به من جهتين، فيتأكّد العلم، وفي أمثال العرب: علمان خير من علم (^٢).
(وَقَالَ) وفي نسخة: "ثمّ قال"، والفاعل ضمير "من سبّح. . . إلخ"، وقيل: ضمير النبيّ -ﷺ-، والأول أظهر (تَمَامَ الْمِائَةِ) بالنصب على المفعوليّة، وقيل: مرفوع على أنه مبتدأ خبره قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) حاصل الكلام في هذا المقام أن لفظ "تمام" إما منصوب على أنه مفعول به لـ "قال"؛ لأنه في المعنى جملةٌ؛ إذ ما بعده عطف بيان، أو بدلٌ، أو خبرٌ لمحذوف، فصحّ كونه مقول القول، والمراد من تمام المائة ما تَتِمّ به المائة.
وإما منصوب على الظرفيّة، أي في وقت تمام المائة، أي عند إرادة تمامها، والعامل فيه لفظ "قال"، وعلى هذين الوجهين ففاعل "قال" ضمير من "سبّح اللَّه. . . إلخ".
_________________
(١) يقال: فَذْلكَ حسابه: أنهاه، وفَرَغَ منه، مُخْتَرَعَةٌ من قوله إذا أجمل حسابه: فذلك كذا وكذا، قاله في "القاموس" ٣/ ٣١٥.
(٢) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٦١.
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
وإما مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: "لا إله إلا اللَّه. . . إلخ"، ويجوز العكس، وعلى هذا ففاعل "قال" ضمير الرسول -ﷺ-، فتنبّه.
(وَحْدَهُ) منصوب على الحال، فقد جوّز بعض النحاة كون الحال معرفةً، وأما الجمهور، فيؤوّلونه بالنكرة، أي منفردًا في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) في أفعاله، وصفاته (لَهُ الْمُلْكُ) أي السلطان على جميع مخلوقاته له ﷿، لا لغيره (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقوله: (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) ببناء الفعل للمفعول جواب الشرط، قيل: المراد بالخطايا الذنوب الصغائر، وقال القاري -﵀-: ويَحْتَمِل الكبائر (وَإِنْ كَانَتْ) أي في الكثرة (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ") -بفتح الزاي، والموحّدة-: هو ما يعلو على وجه الماء عند هَيَجانه وتموّجه.
لا يقال: هذا يعارض ما تقدّم أن تمام المائة في هذه الأذكار هو التكبير؛ إذ هو أربع وثلاثون مرّة؛ لما قدّمناه أن هذا يكون في أوقات مختلفة، فتارة يختم المائة بالتكبير، وتارةً يختمها بـ "لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٥ و١٣٥٦] (٥٩٧)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧١ و٤٨٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٣ و٢٠١٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٨)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الحديث ابن حبّان من طريق يحيى بن صالح الوحاظيّ، مالك مرفوعًا، ثم قال: رفعه يحيى بن صالح، عن مالك وحده. انتهى (^١).
قال الحافظ ابن عبد البرّ -﵀- بعد أن أورد الحديث: هكذا الحديث
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٣٥٦.
[ ١٣ / ٢٥١ ]
موقوف في "الموطّأ" على أبي هريرة، ومثله لا يُدرك بالرأي، وهو مرفوعٌ صحيحٌ عن النبيّ -ﷺ- من وجوه كثيرة ثابتة، من حديث أبي هريرة، ومن حديث عليّ بن أبي طالب، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو العاص، ومن حديث كعب بن عُجرة، وغيرهم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ (^٣)، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا (^٤)، صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن إسماعيل بن زكريا حدّث عن سهيل بمثل حديث خالد بن عبد اللَّه الطحّان عنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ -﵀-: حديث سُهيل بن أبي
_________________
(١) راجع: "تجريد التمهيد" لابن عبد البرّ (ص ٢٤١).
(٢) وفي نسخة: "وحدّثناه".
(٣) بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف.
(٤) بفتح الشين المعجمة، وضم القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة.
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
صالح، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه. . . " الحديث.
ثم خَرَّجه بعد ذلك عن محمد بن الصبّاح، قال: نا إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل، عن أبي عُبيد، عن عطاء -غير منسوب- عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- مثله.
قال أبو مسعود الدمشقيّ: يُذكَر أن محمد بن الصبّاح نسبه، فقال: عطاء بن يسار، وأخطأ فيه، فإن كان هذا، فإن مسلم بن الحجّاج أسقط الخطأ من الإسناد؛ ليقرب من الصواب.
وقد رَوى مالك هذا الحديث عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة موقوفًا. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.