وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٦] (٤٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
[ ١٠ / ١٨٨ ]
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٣٥٨.
٥ - (أَنَس) بن مالك -﵁-، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، كما سبق قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي أدّاها، وسلّم منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة، أي ومُهمّة الإمام أن يؤتمّ، ويُقتدى به، على وجه المتابعة.
وقال السنديّ -﵀-: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إمامًا، فيعمّ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًّا؛ ليختصّ به. انتهى. (فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْبِقُونِي) أصله تسبقونني، فحُذفت نون الرفع للجازم، والنون الموجودة هي نون الوقاية، كما قال في "الخلاصة":
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ
(بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) المراد بالانصراف هنا هو السلام، وقيل: هو الانصراف بعد السلام، والأول أرجح، بدليل أنه ذكره مع الركوع والسجود والقيام، وأيضًا قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري" يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي المبادرة الواقعة في الصلاة قبل توجّهه إليه.
وأما الانصراف الذي يكون بعد السلام، فيجوز قبل الإمام، إلا إذا كان
[ ١٠ / ١٨٩ ]
هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينصرفن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال.
وقد أخرج الطبرانيّ في "المعجم الكبير" بإسناد رجاله ثقات، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود -﵁- قال: "إذا كنت خلف الإمام، فلا تركع حتى يركع، ولا تسجد حتى يسجد، ولا ترفع رأسك قبله، وإذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعْهُ، فقد تمّت صلاتك". انتهى (^١).
وقد استوفيت هذا البحث في "شرح النسائيّ" في باب "جلسة الإمام بين التسليم والانصراف" (٧٧/ ١٣٣٣) فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقال القرطبيّ -﵀-: وأما نهيه -ﷺ- عن سبقهم إياه بالانصراف، فقد ذهب الحسن والزهريّ إلى أن حقّ المأموم أن لا ينصرف حتى ينصرف الإمام؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تمّ بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبيّ -ﷺ-، وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإنه قد يَحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين، ومراعاة المصالح والآراء، واللَّه أعلم.
ويَحْتَمِل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم، فإنه يقال: انصرف من الصلاة، أي سلَّم منها، واللَّه أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على التسليم هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي) وفي رواية النسائيّ: "من أمامي" (وَمِنْ خَلْفِي") أي رؤية حقيقيّةً، أعطاه اللَّه تعالى إياها آية بيّنة على نبوّته، وقد تقدّم أقوال العلماء في معنى هذه الرؤية في الباب الماضي، فراجعه.
وقال ابن الملك -﵀-: إنما ذكر النبيّ -ﷺ- الأَمَامَ مع الخلف؛ إشارةً إلى
_________________
(١) راجع: "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثميّ ٢/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٨ - ٥٩.
[ ١٠ / ١٩٠ ]
أن رؤيته من خلفه كرؤيته من قُدّامه، ولعلّ هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين تغلب عليه جهة مَلَكيّته دون بشريّته؛ لأنه -﵇- قال: "إنما أنا بشر أَنْسَى كما تنسون". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "جهة ملكيّته" محلّ تأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) -ﷺ- (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه -﷿- على ما يليق بجلاله (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ) "ما" موصولة، وعائد الصلة محذوفٌ، والتقدير: لو رأيتم الذي رأيته، أي من عظيم قدرة اللَّه تعالى، وشدّة انتقامه من أهل الإجرام.
(لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف، أي ضحكًا قليلًا، ويحتمل أن يكون صفة ظرف محذوف: أي زمنًا قليلًا، والأول أظهر.
قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن عليكم (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا") وإعرابه كسابقه، أي بكيتم بكاءً كثيرًا، أو زمنًا كثيرًا؛ خوفًا من عذاب اللَّه تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لو رأيتم من سعة رحمة اللَّه وحلمه، وغير ذلك ما رأيت لتركتم الضحك وبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
(قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) "ما" استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوبًا؛ لكونه اسم استفهام، ويحتمل أن تكون مبتدأ، و"رأيت" خبرها بتقدير الرابط، أي أيُّ شيء رأيته؛ والرؤية هنا بصريّة، ولذا تتعدّى إلى مفعول واحد (قَالَ) -ﷺ- ("رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ") هذه الرؤية أيضًا حقيقيّة، يعني أن الجنّة والنار سبب لكثرة البكاء، وقلّة الضحك، فالجنّة شوقًا إليها، وخوفًا من الحرمان منها، والنار خوفًا من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[ ١٠ / ١٩١ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٦ و٩٦٧] (٤٢٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٣/ ٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢ و١٢٦ و١٥٤ و٢١٧ و٢٤٥ و٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧١٥ و١٧١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥٧ و١٧٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مسابقة الإمام بالركوع، والسجود، والقيام، والسلام.
٢ - (ومنها): بيان حرص النبيّ -ﷺ-، وشدّة عنايته في تحذير أمته مما يكون سببًا لهلاكها، وحثّهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وبالجملة فما من شيء فيه خير لهم إلا دلّهم عليه، وما من شيء فيه شرّ إلا حذّرهم منه، فظهر فيه مصداق قوله -﷿-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - (ومنها): بيان ما خصّ اللَّه -﷿- نبيّه -ﷺ- من إطلاعه على المغيّبات، حتى الجنّة والنار.
٤ - (ومنها): الحثّ على قلّة الضحك، وكثرة البكاء؛ لأن هذا هو اللائق بالعاقل؛ إذ لا يدري ماذا يكون حاله في الآخرة: هل يكون من الفائزين بدخول الجنّة، أو يكون من الخاسرين بدخول النار؟ اللهم إنّا نسألك الجنّة، ونعوذ بك من النار آمين.
٥ - (ومنها): بيان أن الجنّة والنار مخلوقتان، قاله النوويّ -﵀-.
[تنبيه]: من أغرب ما رأيته في هذا المحلّ من بعض شرّاح الكتاب (^١) إنه كتب هنا ردًّا على استنباط النوويّ المذكور كلامًا خطيرًا، حيث قال: إن قلنا: الرؤية بصريّة، يَحْتَمِل أنهما صُوّرتا له -ﷺ-، فرآهما، ومن فيهما من المنعّمين والمعذّبين في عُرْض الحائط كما نرى شاشة التلفزيون بتصوير ما سيكون في
_________________
(١) هو الدكتور موسى شاهين، صاحب كتاب "فتح المنعم".
[ ١٠ / ١٩٢ ]
صورة ما هو كائن، فليس فيه دليلٌ على أن الجنّة والنار موجودتان، كما استدلّ به النوويّ، وإن قلنا: إن الرؤية علميّة سقط الاستدلال من أساسه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر كلامه هذا يدلّ على أنه ممن لا يؤمن بوجود الجنّة والنار، كما يفيده تشبيهه بما يشاهَدُ في التلفزيون مما سيكون. . . إلخ، وهذا خطر عظيم، فإن هذا من عقائد الفرق الضالّة، فكيف يصدر مثل هذا ممن يتولّى شرح "صحيح مسلم"، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإنما نبّهت عليه لعِظَم خطره؛ لأن الناس كثيرًا ما يغترّون بمثل هذا الكلام، ولا سيّما إذا صدر من الدكاترة، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان من سابق إمامه في أفعال الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في صلاة من خالف الإمام في صلاته، فقالت طائفة: لا صلاة له، روي هذا القول عن ابن عمر -﵄-.
وروي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: لا تبادروا أئمتكم الركوع ولا السجود، فإن سبق أحد منكم، فليضع قدر ما سبق به. وممن رأى أن يرجع راكعًا أو ساجدًا إذا رفع رأسه قبل الإمام: مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعيّ: فليُعد رأسه، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده بقدر ما نزل، وكان أبو ثور يقول: إذا ركع قبل الإمام، فأدركه الإمام، وهو راكع، ويسجد قبله، فقد أساء ويجزيه، وحُكي عن الشافعيّ أنه قال: يجزيه، وأكرهه، وقال سفيان الثوريّ فيمن ركع قبل الإمام: ينبغي أن يرفع رأسه، ثم يركع، قيل له: أيُعيد؟ قال: ومن يسلم من هذا؟. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد اختلف العلماء فيمن تعمّد رفع رأسه قبل إمامه في ركوعه أو سجوده، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه وجهان
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ١٩٠ - ١٩٢.
[ ١٠ / ١٩٣ ]
لأصحابنا -يعني الحنبليّة- وأكثرهم على البطلان، ورُوي عن ابن عمر -﵄-. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": الجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر -﵄-: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي "المغني": عن أحمد أنه قال في "رسالته": ليس من سَبَقَ الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لَرَجى له الثوابَ، ولم يَخْشَ عليه العقاب. انتهى (^٢).
وقال أبو محمد بن حزم -﵀-: وفرض على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبّر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهيًا فليرجع، ولا بُدّ حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو.
قال: وبه قال السلف، رَوَينا عن أبي هريرة -﵀- أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان، وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: ما يُؤَمِّن الرجل إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب، وعنه قال: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سَبَق. وعن عمر بن الخطاب -﵁- مثل هذا حرفًا حرفًا.
قال ابن حزم: لا وعيد أشدّ من المسخ في صورة كلب أو حمار -يعني المذكور في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي-، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان، والمعصية المحرِّمة المبعِدة من اللَّه تعالى، لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقرِّبة منه -﷿-. انتهى كلام ابن حزم -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن عمر -﵄-، ونُقل عن الإمام أحمد -﵀-، من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف، هو
_________________
(١) "فتح الباري" ٦/ ١٦٧ لابن رجب.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢١٥.
(٣) "المحلّى" ٤/ ٦١ - ٦٢.
[ ١٠ / ١٩٤ ]
الراجح عندي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَلَا بِالِانْصِرَافِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه ولا حقه، وهو (٤٨).
وقوله: (جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ) يعني أن كلًّا من جرير، وابن فُضيل رويا عن المختار بن فُلْفُل.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث أنس الماضي.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد لم أر من أخرجها، وأما رواية محمد بن فُضيل، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(١١٥٥٩) حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم، وقد انصرف من الصلاة، فأقبل
[ ١٠ / ١٩٥ ]
إلينا، فقال: "يا أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالقعود، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما رأيت؟ قال: "رأيت الجنة والنار". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩٦٨] (٤٢٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلَب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠] (٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن دِرْهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقيه، وهو (٤٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: خلف، وأبي الربيع، كما أسلفته آنفًا.
[ ١٠ / ١٩٦ ]
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر الصحابة روايةً للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ، أنه قال (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ) كذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: "ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام. . . "، وفي رواية البخاريّ: "أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم" بالشكّ.
و"أما" -بتخفيف الميم-: حرف استفتاح، مثل "ألا"، وأصلها "ما" النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام إنكار وتوبيخ، و"يخشى" بمعنى يخاف، لفظه خبرٌ، ومعناه النهي، قاله الصنعانيّ -﵀- (^١).
وزيادة "في صلاته" المذكورة آنفًا تدلّ على أن المسابقة المنهيّ عنها عامّة في جميع أجزاء الصلاة.
ووقع في رواية أبي داود، عن حفص بن عمر: "الذي يرفع رأسه، والإمام ساجد"، فقال في "الفتح": فتبيّن أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقّب على من قال: إن الحديث نصّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نصّ في السجود، ويلتحق به الركوع؛ لكونه في معناه، ويمكن أن يُفَرَّق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خُصّ بالتنصيص عليه.
ويَحْتَمِل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يَلْتَحِق به من بابٍ أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد.
_________________
(١) "العدّة" حاشية "العمدة" ٢/ ٢٣٣.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشدّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مَلِيح بن عبد اللَّه السعديّ، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "الذي يَخفِض ويرفع قبل الإمام، إنما ناصيته بيد شيطان"، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله في "الفتح" من إلحاق الركوع والسجود، وأنه لا يشمله النصّ المذكور غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوّي ذلك زيادة "في صلاته" في الرواية الآتية، ويؤيّده حديث أنس -﵁- المذكور قبله: "فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، وبالقيام، ولا بالانصراف".
ومن الغريب أن يحتجّ على هذا برواية البزّار المختلف في رفعها ووقفها، مع أن حديث أنس -﵁- أصرح في النهي، وهو عند مسلم.
والحاصل أن أحاديث الباب وغيرها تدلّ دلالة صريحة على أن المسابقة في جميع أجزاء الصلاة محرّمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) من التحويل (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ") وفي رواية محمد بن زياد التالية: "أن يحوّل اللَّه صورته صورة حمار"، وفي رواية الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد الآتية أيضًا: "أن يجعل اللَّه وجهه وجه حمار".
ووقع في رواية البخاريّ: "أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل اللَّه صورته صورة حمار" بالشكّ، قال في "الفتح": الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردّد، فأما الحمّادان فقالا: "رأس"، وأما يونس فقال: "صورة"، وأما الربيع فقال: "وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة.
قال القاضي عياض -﵀-: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، قال الحافظ -﵀-: لفظ الصورة يُطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل فهي المعتمدة، وخُصّ وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه، فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيدُ بمسخ الصورة الظاهرة، أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدلّ على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه، وأنه ركن مستقلّ، كالركوع والسجود.
قال: وقوله في الحديث الآخر: "فإنما ناصيته بيد شيطان" (^١) يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يصرفه كيف يشاء، كما تفعل بمن ملكتَ ناصيته. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام ما قاله العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
[تنبيه]: إنما اختصّ الحمار بالذكر دون سائر الحيوان على الرواية الصحيحة المشهورة -واللَّه أعلم- لأن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يُضرب المثل في الجهل والبلادة، ولهذا مثّل اللَّه تعالى العالم السَّوْءَ الذي يَحمِل العلم، ولا ينتفع به في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، فكذلك المتعبّد بالجهل يشبه الحمار، فإن الحمار يُحرّك رأسه، ويرفعه، ويَخفِضه لغير معنى.
والحاصل أن مشابهة من يسابق إمامه بالحمار في البلادة، وعدم الفهم واضحة؛ لأن من يعلم أنه لا يخرج من تلك الصلاة إلا بخروج إمامه منها، ومع ذلك يسابقه، قد بلغ الغاية من البلادة والحماقة، فناسب بذلك أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار؛ لشبهه به (^٣)، وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك -﵀- في "الموطّأ" (١٩٤) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن مَلِيح بن عبد اللَّه السعديّ، عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: "الذي يرفع رأسه، ويخفضه قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد شيطان". انتهى، ومليح بن عبد اللَّه وثّقه ابن حبّان.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٩ - ٦٠.
(٣) راجع: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧.
[ ١٠ / ١٩٩ ]
[تنبيه آخر]: جاء في "صحيح ابن حبّان" في هذا الحديث بلفظ: "أن يحوّل اللَّه رأسه رأس كلب"، وقال ابن الملقّن -﵀-: وروى ابن جُمَيع (^١) في حديث أبي هريرة -﵁- أيضًا: "أنه يحول اللَّه رأسه رأس شيطان". انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ": قال الحافظ أبو موسى المدينيّ -﵀-: اتّفق الأئمة على ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق، رواه عن محمد بن زياد قريبٌ من خمسين نفسًا، وبعضهم يقول: "صورته"، وبعضهم يقول: "وجهه"، ومنهم من قال: "رأس كلب، أو خنزير"، وتابع محمد بن زياد جماعة عن أبي هريرة -﵁-. انتهى (^٣).
وقال ابن الملقّن -﵀-: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن منده في "مستخرجه" (^٤).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٨ و٩٦٩ و٩٧٠] (٤٢٧)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٩١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٢)، و(النسائيّ) فيها (٨٢٨) و"الكبرى" (٩٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٦١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٩٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٠ و٤٥٦ و٤٦٩ و٤٧٢ و٥٠٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)،
_________________
(١) أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، صاحب "المعجم" (٣٠٥ هـ) ومات سنة (٤٠٢ هـ).
(٢) "الإعلام" ٢/ ٥٤٧.
(٣) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب ٦/ ١٦٦.
(٤) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٥٤٥.
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٩ و١٧١٠ و١٧١١ و١٧١٢ و١٧١٣ و١٧١٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧ و٩٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه دليلًا صريحًا على تحريم سبق الإمام بركوع، أو سجود، أو غير ذلك من أجزاء الصلاة عمدًا، فقد توعّد عليه بالمسخ، وهو من أشدّ العقوبات.
ونظر ابن مسعود -﵁- إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صلّيت، ولا بإمامك اقتديت، وعن ابن عمر -﵄- نحوه، وأمره بالإعادة، وفي "مصنّف عبد الرزّاق" عن أبي هريرة -﵁-: "إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان"، وكذا قاله سلمان -﵁-.
وقال في "الفتح": ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه تُوُعِّد عليه بالمسخ، وهو أشدّ العقوبات، وبذلك جزم النوويّ في "شرح المهذب"، ومع القول بالتحريم، فالجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر -﵄-: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي "المغني" عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس من سبق الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثواب، ولم يُخْشَ عليه العقاب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما نُقل عن ابن عمر -﵄-، والإمام أحمد، وأهل الظاهر، كما أسلفت تحقيقه في المسألة الرابعة في شرح حديث أنس -﵁- الماضي، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان الوعيد المذكور من رفع رأسه قبل الإمام، وقد ترجم الإمام البخاريّ -﵀- على هذا الحديث بقوله: "باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام".
٣ - (ومنها): أن فيه التهديد على المخالفة خشية وقوعها.
٤ - (ومنها): وجوب متابعة الإمام، قال القاضي عياضٌ: لا خلاف أن متابعة الإمام من سنن الصلاة.
[ ١٠ / ٢٠١ ]
٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ -ﷺ- بأمته حيث بيّن لهم الأحكام، وما يترتّب على المخالفة من العقاب.
٦ - (ومنها): ما قال أبو بكر ابن العربيّ -﵀- في "الْقَبس": جاء عنه -ﷺ- أن الشيطان مسلّط على الإنسان لإفساد صلاته عليه قولًا بالوسوسة حتى لا يدري كم صلّى؟ وفعلًا بالتقدّم على الإمام حتى يُخلّ بالاقتداء، فأما الوسوسة فدواؤها الذكر، والإقبال على الصلاة، وأما التقدّم فعلّته طلب الاستعجال، ودواؤها أن يَعْلَم أنه لا يُسلّم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن: هذا الحديث دالّ بمنطوقه على عدم المسابقة، وبمفهومه على جواز المقارنة، ولا شكّ فيه، لكن يكره، ويفوت به فضيلة الجماعة، نعم تضرّ مقارنته في تكبيرة الإحرام، هذا في الأفعال، وأما في الأقوال فإنه يتابعه فيها، فيتأخّر ابتداؤه عن ابتداء الإمام إلا في التأمين، فتستحبّ المقارنة؛ للنصّ فيه، وحكى القاضي عن مالك ثلاثة أقوال: أحدها: عقبه، ثانيها: بعد تمامه، ثالثها: معه إلا القيام من اثنتين فبعد تمامه. انتهى كلامه (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله ابن الملقّن من دلالة الحديث على جواز المقارنة نظر لا يخفى، كيف يحتجّ بالمفهوم مع ورود المنطوق على خلافه، وهو قوله -ﷺ- فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وقد سبق: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم"، وقال: "فتلك بتلك"، وقال في السجود كذلك.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ بأسانيد صحيحة، عن معاوية بن أبي سفيان -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تبادروني بركوع، ولا بسجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت، تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت".
فقد نصّ النبيّ -ﷺ-، وصرّح على أن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام،
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الإحكام" ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.
(٢) "الإعلام" ٢/ ٥٥٢.
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
فلا يجوز للمأموم أن يسابقه، ولا أن يقارنه، وهذا معنى الأمر الذي في قوله -ﷺ-: "وإذا ركع فاركعوا. . . " الحديث، فتكون أفعال المأموم كلّها إثر تحقّق أفعال الإمام، فمن خالف ذلك فقد خالف الأمر، فإن تعمّد فلا صلاة له، وإن كان ساهيًا، فليعُد إلى المتابعة.
وبهذا يتبيّن أن ما يفعله كثير من الناس من المقارنة للإمام في الانتقالات، مستندين إلى ما قاله بعض العلماء ممن لم تبلغهم هذه الأحاديث مخالف لهدي رسول اللَّه -ﷺ-، وطاعةٌ للشيطان، فما أقبح ذلك، ولا سيّما إذا صدر ممن يدّعي الانتساب إلى العلم، واللَّه المستعان على من خالف الهدى، وسلك سبيل الردى، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
[تنبيه]: قال ابن بزيزة -﵀-: استَدَلّ بظاهر هذا الحديث قوم لا يعقلون على جواز التناسخ (^١)، قال الحافظ: وهو مذهب رديءٌ، مبنيّ على دعاوى بغير برهان، والذي استَدَلّ بذلك منهم إنما استَدَلّ بأصل المسخ، لا بخصوص هذا الحديث. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الوعيد المذكور في هذا الحديث:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه، من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجازيّ أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلّ على أن ذلك يقع ولا بدّ، وإنما يدل على كون فاعله متعرِّضًا لذلك، وكون فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، قاله ابن دقيق العيد -﵀-.
وقال ابن بزيزة -﵀-: يَحْتَمِل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية، أو المعنوية، أو هما معًا.
_________________
(١) التناسخ: تعلّق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر بغير تخلّل زمن بين التعلّقين، قاله في "التوقيف على مهمّات التعريف" (ص ٢٠٨).
(٢) "الفتح" ٢/ ٢١٦.
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك.
قال الحافظ -﵀-: ويدلّ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة: ما أخرجه البخاريّ في "المغازي" من "صحيحه" من حديث أبي مالك الأشعريّ -﵁-، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: "ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الْحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف (^١)، ولَيَنْزِلَنَّ أقوام إلى جنب عَلَم يَرُوح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُم اللَّه، ويَضَعُ العَلَم، ويَمْسَخ آخرين قِرَدةً وخنازير إلى يوم القيامة".
وأخرج أحمد في "مسنده" بسند صحيح عن عبد الرحمن بن صُحَار (^٢) العبديّ، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تقوم الساعة حتى يُخسَف بقبائل، حتى يقال: من بَقِي من بني فلان؟ "، فعرفت حين قال: قبائل أنها العربُ؛ لأن العجم إنما تُنسَب إلى قراها.
وأخرج الترمذيّ، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يكون في آخر الأمة خسف، ومسخ، وقَذْف". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا ظهر الخبث" (^٣).
وأخرج أيضًا بإسناد صحيح، عن عمران بن حصين -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "في هذه الأمة خسفٌ، ومسخ، وقذف"، فقال رجل من المسلمين: يا رسول اللَّه، ومتى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمور"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة.
قال الحافظ -﵀-: ويقوّي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر، عن محمد بن زياد: "أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس كلب"، فهذا يُبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
_________________
(١) "الْحِرُ" بكسر الحاء، وتخفيف الراء: الفرج، و"المعازف": آلات اللَّهو، كالعود، والطنبور، أفاده في "القاموس".
(٢) بمهملتين أوله مضموم مع التخفيف، قاله في "الفتح" ٨/ ١٤٢.
(٣) في سنده عبد اللَّه بن عمر العمري المكبر ضعّفه بعضهم، لكن الحديث صحيح بشواهده.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار.
قال: وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة.
وقال ابن الجوزي -﵀- في الرواية التي عَبّر فيها بالصورة-: هذه اللفظة تَمنَع تأويل من قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبيِّن وجه المنع، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
والباقون تقدّموا قريبًا، فـ "عمرو الناقد" و"زهير" تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ. . . إلخ) "ما"
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
يَحْتَمل أن تكون نافية، أي لا يأمن تحويل صورته في صورة حمار، ويَحْتَمِلُ أن تكون استفهاميّة، أي أيَّ شيء يامن في تحويل اللَّه -﷿- صورته في صورة حمار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمِ، جَمِيعًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا، غَيْرَ أَنَّ في حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ: "أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ (^١) الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو: عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم الْجُمَحيّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٠).
رَوَى عن أبيه، وجدّه، وسهل بن قُرَين، ومحمد بن حُمْران الْقَيسيّ، وأبي المغيرة النضر بن إسماعيل.
وروى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، وتمتام، ومعاذ أبو المثنى، وأبو خليفة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محلُّه الصدق، يُحَدِّث عن جدِّه أحاديث صحاحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة ثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
_________________
(١) بتشديد اللام.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
٣ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (م د ت س) تقدم في "المقدمة" ١٠٠/ ٥٢٦.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٨ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ) أي كلٌّ من الربيع بن مسلم، وشعبة، وحماد بن سلمة رووا هذا الحديث عن محمد بن زياد.
وقوله: (بِهَذَا) أي بهذا الحديث المتقدّم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِم. . . إلخ) بنصب "غير" على الاستثناء.
[تنبيه]: رواية الربيع بن مسلم، أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٦٢) فقال:
(١٧١٤) حدثني الفضل بن الحباب الْجُمَحيّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، يقول: سمعت الربيع بن مسلم، يقول: سمعت محمد بن زياد، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم -ﷺ- يقول: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس حمار".
وكذا ساقه بهذا اللفظ أيضًا أبو نعيم في "المستخرج" ٢/ ٥٢ رقم (٩٥٧)، وأما اللفظ الذي أحاله المصنّف -﵀-، فلم أجد من ساقه به، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
وأما رواية شعبة، فساقها الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٦٩١) حدّثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: "أما يخشى أحدكم -أو- لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل اللَّه صورته صورة حمار". انتهى.
وأما رواية حماد بن سلمة، فساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٩٧٢٣) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يُحَوِّل رأسه رأس حمار". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.