وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٣] (٤٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ"، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَرَآنَا حِلَقًا، فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ " قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي تقدّم في الباب الماضي، وتكلّمنا عنه هناك، فلا حاجة إلى إعادته.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية مِسْعر، عن عبيد اللَّه بن القبطيّة عن جابر -﵁- التالية: "قال: كنّا إذا صلّينا مع
[ ١٠ / ٢١٦ ]
رسول اللَّه -ﷺ- قلنا: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه، وأشار بيده إلى الجانبين"، وفي رواية فُرات القزّاز، عن ابن القبطيّة الثالثة: "قال: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ-، فكنّا إذا سلّمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم"، وفي رواية النسائيّ: "خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ-، ونحنُ رافعو أيدينا في الصلاة" (فَقَالَ) عطف على مقدّر، أي فرآنا رافعي أيدينا، فقال منكرًا علينا ذلك الرفع ("مَا لِي) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"لي" جارّ ومجرور خبرها، والاستفهام هنا إنكاريّ، أَيْ أيُّ شيء ثبت لي؟.
وقوله: (أَرَاكُمْ) جملة حاليّة، والرؤية هنا بصريّة تتعدّى إلى مفعول واحد، أي حال كوني رائيًا لكم (رَافِعِي أَيْدِيكُمْ) بنصب "رافعي" على الحال؛ لأن "أرى" بصريّة، كما أسلفته آنفًا، و"رافعي" جمع مذكّر سالم مضاف إلى "أيديكم"، ولذا سقطت نونه للإضافة، كما قال في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ "طُورِ سِينَا"
وفي رواية مِسْعر الآتية: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "علام تومئون بأيديكم؟، كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلّم على أخيه، مَنْ على يمينه وشماله"، وفي رواية فُرات القزّاز الآتية: فنظر إلينا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُس؟ إذا سلّم أحدكم، فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده"، وفي رواية النسائيّ: "فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة؟ ".
والمراد من رفع الأيدي رفعها عن الفخذ، والإشارة بها يمينًا وشمالًا، وجمع الأيدي لجمع أصحابها، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا، كأنه قال: ما لي أراكم رافعًا كلٌّ منكم يده، مشيرًا بالسلام؟.
(كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ) "الأذناب" بالفتح: جمع ذَنَب بفتحتين، قال الفيّوميّ: وذَنَبُ الفرس، والطائر وغيره: جمعه أَذنابٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، والذُّنَابَى وزانُ الْخُزَامَى لغة في الذّنَبِ، ويقال: هو في الطائر أفصح من الذّنَب. انتهى (^١).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢١٠.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
وقال في "القاموس": والذُّنَابَى، والذُّنُبَّى بضمّهما، والذِّنِبَّى بالكسر: الذَّنَبُ. انتهى (^١).
و"الخيل" -بفتح، فسكون-: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائل؛ لأنه يختال، جمعه أخيال، وخُيُول بالضمّ، ويُكسر، أفاده في "القاموس" (^٢).
و"الشُّمْسُ" -بضمّ الشين المعجمة، وسكون الميم، أو بضمّتين-: جمع شَمُوس -بفتح، فضمّ-، وهي النَّفُور من الدوابّ الذي لا يستقرّ لِشَغَبه وحِدَّته، وأذنابُها كثيرة الاضطراب.
وقال في "اللسان": و"الشَّمِسُ" -بكسر الميم- والشَّمُوس من الدوابّ: الذي إذا نُخِسَ لم يستقرّ، وشَمَسَتِ الدابّة والفرس تَشْمِسُ، شِمَاسًا -بالكسر- وشُمُوسًا -بضمّتين- وهي شَمُوسٌ -بفتح، فضمّ-: شَرَدَت، وجَمَحَت، ومَنَعَت ظهرها. انتهى بإيضاح.
وقال في "المصباح": وشَمَسَ الفرسُ يَشْمِسُ، ويَشْمُسُ، من بابي ضرب ونصر شُمُوسًا، وشِمَاسًا بالكسر: استَعْصَى على راكبه، فهو شَمُوسٌ، وخَيْلٌ شُمُسٌ، مثلُ رَسُول ورُسُلٍ، قال الشاعر:
رَكْضُ الشَّمُوسِ نَاجِزًا بِنَاجِزِ
قالوا: ولا يقال: فرسٌ شَمُوصٌ بالصاد، ومنه قيل للرجل الصَّعْبِ الْخُلُق: شَمُوسٌ أيضًا. انتهى (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: "شُمْس" بإسكان الميم، وضمها، وهي: التي لا تستقِرّ، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهيّ عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صُرِّح به في الرواية الثانية. انتهى (^٤).
وقال بعضهم: المقصود من هذا التشبيه التنفير، وقد استخدم فيه ثلاثة مشبَّهات بها منفّرة، تشبيه الأيدي التي في مقدّمة الإنسان، ورمز قوّته بالأذناب
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٦٩.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٧٣.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٢ - ١٥٣.
[ ١٠ / ٢١٨ ]
التي في المؤخّرة، وهي مثلٌ للحقارة والضعف والتبعيّة، وتشبيه الإنسان بالحيوان، وتشبيه الحركة بالشغب والنفور. انتهى (^١).
(اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ") فيه الأمر بالسكون في الصلاة، فيلزم منه النهي عن الحركة فيها، وهو محمول على الحركات لغير حاجة، أو الحركات الكثيرة، كما يدلّ عليه تشبيهه -ﷺ- باضطراب أذناب الخيل الشُّمْس.
وقال القرطبيّ -﵀-: كانوا يشيرون عند السلام من الصلاة بأيديهم يمينًا وشمالًا، وتشبيه أيديهم بأذناب الخيل الشُّمُس تشبيهٌ واقعٌ، فإنها تُحرّك أذنابها يمينًا وشمالًا، فلمّا رآهم على تلك الحالة أمرهم بالسكون في الصلاة، وهذا دليلٌ على أبي حنيفة في أن حكم الصلاة باقٍ على المصلّي إلى أن يُسلِّم، ويلزم منه أنه إن أحدث في تلك الحالة -أعني في حالة الجلوس الأخير للسلام- أعاد الصلاة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) جابر -﵁- (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ -ﷺ- من بيته إلى المسجد، وقيل: معنى الخروج: الطلوع والظهور، والأول أظهر (عَلَيْنَا، فَرَآنَا حِلَقًا) قال النوويّ -﵀-: هو بكسر الحاء وفتحها لغتان، جمع حَلْقة، بإسكان اللام، وحكى الجوهريّ وغيره فتحها في لغة ضعيفة. انتهى.
وقال في "القاموس": وحَلْقَةُ الباب، والقومِ، وقد تُفتَح لامهما، وتُكسر، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ محرَّكةً إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، جمعه: حَلَقٌ محرَّكةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَات محرَّكةً، وتكسر الحاء. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": وحَلْقَةُ الباب، بالسكون من حديث وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مُستديرين، والْحَلْقَةُ: السلاحُ كلّه، والجمع: حَلَقٌ بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بالكسر، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الْحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "فتح المنعم" ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٢٢٢.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٤٦ - ١٤٧.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
(فَقَالَ) -ﷺ- ("مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ ") أي متفرّقين، جماعةً جماعةً، وهو بتخفيف الزاي، الواحدة عِزَةٌ، ومعناه النهي عن التفرّق، والأمر بالاجتماع، قاله النوويّ -﵀- (^١).
ونصبُ "عِزِين" على الحال؛ لأن "أرى" هنا بصريّة تتعدّى لمفعول واحد، كما سبق ذلك قريبًا.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "عِزِين" أي جماعات متفرّقين حلقةً حلقةً، وهو جمع عِزَة، وهي الحلقة المجتمعة من الناس، وأصلها عِزوة، فحُذفت الواو، وجُمِعت جمع السلامة على غير قياس، كثُبِين، وبُرين، جمع ثُبَة وبُرَة.
والمعنى: ما لي أراكم أشتاتًا متفرّقين؟ وفي معناه قوله -﷿-: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ [المعارج: ٣٧].
قال: وهو إنكار على رؤيته -ﷺ- إياهم متفرّقين أشتاتًا، والمقصود الإنكار عليهم كونهم على تلك الحالة، يعني أنه لا ينبغي لكم أن تتفرّقوا، ولا تكونوا مجتمعين مع توصيتي إياكم بذلك، وكيف وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولعلّ العذر من طرفي، وذلك أنكم مجتمعون، وإني أراكم متفرّقين، ولو قال: ومالكم متفرّقين؟ لم يُفد من المبالغة فائدةً، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] حكايةً عن سليمان -﵇-، أنكر على نفسه عدم رؤية الهدهد إنكارًا بليغًا، على معنى أنه لا يراه، وهو حاضرٌ لساتر ستره، أو غير ذلك. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض -﵀-: أمرهم بالائتلاف والاجتماع، وحذرهم من الْفُرْقة، وقد يَحْتَمِلُ أنه نهاهم عن هذا في الصلاة، وأمرهم بوصل الصفوف، ألا تراه كيف قال: ثم خرج، فقال: "ألا تصفّون". انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٣.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٤٤.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، فالنهي عن تحلّقهم ليس في حال الصلاة، بل هو في حال اجتماعهم في المسجد، وهذا هو الذي تدلّ عليه روايات الحديث المختلفة، ولذا ترجم الإمام ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" (٤/ ٥٣٤) بقوله: "ذِكْرُ الزجر عن ترك اجتماع الناس في المسجد في المجلس الواحد، إذا أرادوا تعلُّم العلم، أو دَرْسَه"، ثم أخرجه بسنده، من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: خرج النبيّ -ﷺ- على أصحابه، وهم في المسجد جلوسٌ حِلَقًا، فقال: "ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى.
وترجم البيهقيّ في "الكبرى" (٣/ ٢٣٤)، فقال:
(١٢) "باب من كره التحلُّق في المسجد، إذا كانت الجماعة كثيرة، والمسجد صغيرًا، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة"، ثم أخرج حديث جابر بن سمرة -﵄- المذكور في الباب، بلفظ: "قال: دخل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، ونحن حلق متفرقون، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى.
وأخرجه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٠) بلفظ: "قال: دخل علينا، ونحن جلوس في المسجد، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ".
فكلّ هذه الروايات صريحة في أن ذلك كان في غير الصلاة، فإذا كان هذا في غير الصلاة فيكون النهي عنه فيها أشدّ وأغلظ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) جابر -﵁- (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ -ﷺ- (عَلَيْنَا، فَقَالَ: "ألَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، ويجوز تشديدها-: أداة تحضيض، وهو الطلب بِحَثّ، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] (تَصُفُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر، ويستعمل متعدّيًا، فيقال: صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا، فهو مصفوف، وقد يُستعمل لازمًا، فيقال: صَفَفتُ القومَ، فصفُّوا هم، أفاده في "المصباح" (^١)، وما هنا من اللازم.
(كمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ ") ولفظ أبي داود، والنسائيّ: "عند ربهم"
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٣.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
(فَقُلْنَا) وللنسائيّ: "قالوا" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ) -ﷺ- ("يُتِمُّونَ) بضمّ أوله، من الإتمام (الصُّفُوفَ الْأُوَلَ) بضم الهمزة، وفتح الواو: جمع "الأُولى"، وفي رواية النسائيّ: "يُتمّون الصفّ الأَوّل"، والمعنى: أنهم يتمّمون الصفوف المتقدّمة، وهي ما عدا الصفّ الأخير (وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ") أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج، ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامّهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرَة بهذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٩٧٣ و٩٧٤ و٩٧٥ و٩٧٦] (٤٣٠ و٤٣١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٦١ و٩٩٩)، و(النسائيّ) فيها (٣/ ٤ - ٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٣٥)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و٨٨ و١٠١ و١٠٢ و١٠٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٣٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٢٢ و١٨٢٥ و١٨٢٦ و١٨٢٨ و١٨٢٩ و١٨٣٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥٥ و٢٠٥٦ و٢٠٥٧ و٢٠٥٨ و٢٠٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦١ و٩٦٢ و٩٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٢ و١٧٣ و١٧٨ و١٠٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): الإنكار على من أحدث في الصلاة خلاف السنّة.
٢ - (ومنها): الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها، والإقبال
_________________
(١) المراد فوائد حديث جابر بن سمرة -﵄- المذكور في الباب برواياته الثلاث، لا خصوص اللفظ المتقدّم، فتنبّه.
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
عليها، وهو معنى قوله -﷿-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] قال الإمام ابن كثير -﵀- في "تفسيره" (٣/ ٢٣٩): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄-: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون، ساكنون، وكذا رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهريّ، وعن علي بن أبي طالب -﵁-: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، وقال الحسن البصريّ: كان خشوعهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارهم، وخَفَضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وخَفَضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وقال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلّاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغَمِّض، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية.
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحةً له، وقُرّة عين، كما قال النبيّ -ﷺ- في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٣١٢٨)، والنسائيّ (٧٦١) عن أنس -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "حُبّب إليّ الطيب، والنساء، وجُعِلت قرة عيني في الصلاة"، حديث حسن.
وقال الإمام أحمد (٥٣٦٤): حدّثنا وكيع، حدّثنا مِسْعَر، عن عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يا بلال أَرِحْنا بالصلاة"، حديث صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضًا (٥٣٧١): ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن محمد ابن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صِهْر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتيني بوَضُوء لعلّي أصلي، فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة". انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٣٩.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
٣ - (ومنها): بيان أن الإمام يحثّ المأمومين على رصّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته.
٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الاهتمام في تسوية الصفوف.
٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبّداتهم.
٦ - (ومنها): بيان أن الملائكة يصلّون، وأن صفوفهم كما وُصف في هذا الحديث، فيعتنون بتسوية صفوفهم، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للمسلمين أن يقتفوا بهم في ذلك.
وقد أخرج المصنّف -﵀- عن حذيفة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعِلت تربتها لنا طهورًا. . . " الحديث (^١).
٧ - (ومنها): الأمر بإتمام الصفوف الأُوَل، والتراصّ فيها، قال النوويّ -﵀-: ومعنى إتمام الصفوف الأُوَل أن يُتَمّ الأَوَّل، ولا يُشْرَع في الثاني حتى يَتِمّ الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، ولا في الرابع حتى يتم الثالث، وهكذا إلى آخرها. انتهى (^٢).
٨ - (ومنها): أن السنّة في السلام من الصلاة أن يقول: "السلام عليكم ورحمة اللَّه" عن يمينه، "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، عن شماله.
قال النوويّ: ولا يسن زيادة "وبركاته"، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيفٌ، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعةٌ؛ إذ لم يصحّ فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم صحّة زيادة "وبركاته" غير صحيح، بل الحقّ أن زيادتها صحيح من الجانبين، ولا تخص اليمين فقط، كما ادّعاه بعضهم (^٣)، وسيأتي البحث في هذا مستوفى في
_________________
(١) سيأتي للمصنّف -﵀- برقم (٥٢٢).
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٣.
(٣) فقد كتبت في هذا رسالة سمّيتها: "رفع الغين عمن يُنكر زيادة وبركاته في السلام من الجانبين"، وهي مذكورة بتمامها في "شرح النسائيّ"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
"باب السلام للتحلّل من الصلاة" برقم (٥٨١) -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال النوويّ -﵀-: والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة، ولو قال: السلام عليك بغير ميم لم تصحّ صلاته، وفيه دليل على استحباب تسليمتين، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. انتهى كلام النوويّ (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وقوله: "والواجب مرّة واحدة" محلّ تأمّل؛ لأنه قد ثبت قوله -ﷺ-: "وتحليلها التسليم"، وهو يعمّ التسليمتين، كما ثبت عنه ذلك فعلًا، فكيف يكون الواجب مرّة واحدةً؟ فهذا قول لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): النهي عن التفرّق أحزابًا، بل يجب أن يكون المسلمون صفًّا واحدًا تجمعهم كلمة الحقّ، وتربطهم أخوّة الإيمان، لا يلوون عنقهم إلى القوميّة، ولا إلى الوطن، ولا إلى غير ذلك مما لا صلة له بالدين، وإنما هم يدٌ واحدة على من سواهم، كما وصفهم بذلك النبيّ -ﷺ- حيث قال فيما أخرجه النسائيّ، وغيره، وأصله في "الصحيحين" من حديث عليّ -﵁- مرفوعًا: "المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. . . " الحديث.
وفي "الصحيحين" عن النعمان بن بشير -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والْحُمَّى"، ولفظ البخاريّ: "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم. . . " الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال القاضي عياض -﵀-: قد ذكر ابن القصّار هذا الحديث حجة في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة على رواية المنع من ذلك جملة، وذكر أن في ذلك نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧]، قال: والمفسّرون في سبب نزول الآية على غير هذا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن ابن القصّار إن أراد المنع في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٣.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٤٤.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
غير محلّ المشروع فمسلّم، وإن أراد المنع عن رفع اليدين في المحلّ المشروع كالركوع والرفع منه، ونحو ذلك، مما ثبت في الصحيح، فما أبعده عن الصواب، وأبعدُ منه استدلاله بالآية المذكورة، فإنه لم يقله أحد ممن تكلّم فيها، كما أشار إليه القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استدلّ الحنفيّة بهذا الحديث على عدم مشروعيّة رفع اليدين في غير حالة الإحرام، وهو استدلال باطلٌ؛ إذ لا دليل فيه؛ لأنه مختصر من الحديث التالي كما ساقه المصنّف -﵀- بتمامه، قال الإمام ابن حبّان -﵀- في "صحيحه": "ذكرُ الخبر المتقَصِّي للقصّة المتقدّمة بأن القوم إنما أُمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم، دون الرفع الثابت عند الركوع"، ثم رواه كنحو رواية المصنّف الآتية.
وقال الإمام البخاريّ -﵀- في "جزء رفع اليدين": من احتجّ بحديث جابر بن سَمُرة -﵄- على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظّ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهّد، كذا في "التلخيص الحبير".
وقال الزيلعيّ في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر ما مُلخّصه: واعترضه البخاريّ في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهّد، لا في القيام، ففسّره رواية عُبيد اللَّه بن القِبطيّة، قال: سمعت جابر بن سَمُرة يقول: كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ -ﷺ-، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاريّ: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضًا منهيًّا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، بل أطلق. انتهى.
قال الزيلعيّ: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسَّر أحدهما بالآخر، كما في لفظ الحديث الأول: "اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك من يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، ورَوَى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الزيلعيّ من دعواه كون حديث جابر بن سمرة حديثين غير صحيح، والحقّ ما قاله البخاريّ وابن حبّان من أن الحديث واحد، ولكن اختصره الرواة.
وعلى تقدير تسليمه نقول: إن النهي لا يتناول الرفع المشروع عند الركوع ونحوه، وإنما هو في الرفع الذي ليس مشروعًا، بدليل أن الحنفيّة أنفسهم يستثنون من هذا النهي الرفع في تكبيرات العيدين بدعوى أنها ثابتة بالنصّ، فما أجابوا به هناك فهو جوابنا هنا من غير فرق.
والحاصل أن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ونحو ذلك ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها، فيُقدّم خصوصها على عموم حديث جابر هذا.
ولذا قال السنديّ الحنفيّ -﵀- عند قوله: "فنسلّم بأيدينا. . . إلخ" ما نصّه: وبهذه الرواية تبيّن أن الحديث مسوقٌ للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارةً إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ولذلك قال النوويّ: الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه جهلٌ قبيحٌ.
وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ، ولفظ: "ما بالهم رافعي أيديهم في الصلاة؟ " إلى قوله: "اسكنوا في الصلاة" تمام، فصحّ بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به، إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يُحْمَلُ على خصوص المورد، وها هنا قد صحّ وثبت الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه ثبوتًا لا مردّ له، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص المورد؛ توفيقًا، ودفعًا للتعارض. انتهى المقصود من كلام السنديّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه السنديّ -﵀- أخيرًا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وهذا من إنصافه للحقّ، وعدم تعصّبه لمذهبه الحنفيّ، كما تعصّب له كثير ممن أعماهم التقليد وأصمّهم عن اتّباع الحقّ.
ومن العجيب الغريب أنهم إذا أورد عليهم تناقضهم في المسألة، وقيل
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٣/ ٥.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
لهم: إنكم تقولون: إن الرفع في تكبيرات العيدين مشروعة بالنصّ، فلا يتناولها هذا النهي، فهلّا قلتم مثله في الرفع من الركوع ونحوه: إنه ثابت بالنصّ، فلا يتناوله هذا النهي، فما الفرق بينهما؟ على أن دليلهم الذي تمسّكوا به في الرفع في العيدين لا يصحّ عند أهل الحديث، وأدلّة الرفع في الركوع ونحوه صحيحة ثابتةٌ بلا خلاف بين أهل الحديث، فقد أخرجها الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح، سكتوا، وانقطعوا عن الجواب، إن هذا لهو العجب العجاب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧، أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و"الأعمش" سبق في السند الماضي.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ) يعني أن كلًّا من وكيع، وعيسى قالا: حدّثنا الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد الأعمش الماضي، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَةَ، عن جابر بن سَمُرَة -﵄-.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث جابر الماضي.
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٢٠١١٩) حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، ونحن رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمُس؟ اسكنوا في الصلاة"، قال: ودخل علينا المسجد، ونحن حِلَقٌ متفرقون، فقال: "ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فلم أجد من ساقها مفردة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٥] (٤٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنى عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟، إِنَّمَا (^١) يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ (^٢)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ، مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (^٣) ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٢ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ١٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "وإنما" بالواو.
(٢) وفي نسخة: "يديه على فخذيه".
(٣) وفي نسخة: "من عن يمينه وشماله".
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن جابر بن سَمُرة، وأم سلمة، والحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن صفوان بن أمية، وأبي رجاء الْعُطارديّ.
وروى عنه عبد العزيز بن رُفيع، وبحر بن كَنِيز السّقّاء، وفُرَات القَزّاز، ومسعرٌ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وحَكَى الدارقطنيّ في "العلل" أنه كان يلقّب المهاجر، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله حديثان فقط: أحدهما حديث الباب، عندهم، والثاني عند المصنّف، وأبي داود في الخمس.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أي في نهاية الصلاة، وعند نيّة الخروج منها.
وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ) فاعل "أشار" ضمير جابر -﵁-، وهو من كلام عبيد اللَّه ابن القبطيّة، والمراد بالإشارة إشارة السلام.
وقوله: (عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ) أي على أيّ شيء تشيرون بأيديكم، فـ "علام" هي "على" الجارّة دخلت على "ما" الاستفهاميّة، وأصلها "على ما"، فحُذفت ألفها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، وإليه أشار ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" حيث قال:
وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
و"تومئون" مضارع أومأ، بمعنى أشار، والجارّ والمجرور -أعني "علام"- متعلّق بـ "تومئون"، والاستفهام توبيخيّ، بمعنى أنه لا ينبغي، ولا يصحّ هذا لكم.
وقوله: (إِنَّمَا يَكْفِي) وفي نسخة: "وإنما يكفي" بالواو.
وقوله: (أَنْ يَضَعَ) في تأويل المصدر فاعل "يكفي".
وقوله: (عَلَى فَخِذِهِ) وفي نسخة: "على فخذيه" بالتثنية، أي يُبقي يديه موضوعتين على فخذيه؛ إذ السنّة وضعهما كذلك من أول التشهّد إلى أن يسلّم من الصلاة.
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وقوله: (مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ) بفتح ميم "من"، وهي موصولة بدل من "أخيه"، والجارّ والمجرور صلتها، أي الذي استقرّ على جهة يمينه وشماله، وفي بعض النسخ: "مَنْ عن يمينه" بـ "عن" بدل "على".
قال النوويّ -﵀-: المراد بالأخ الجنس، أي إخوانه الحاضرين عن اليمين والشمال. انتهى (^١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثنَا (^٢) الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ، يَعْنِي الْقَزَّازَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ (^٣) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ، تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
٤ - (فُرَاتٌ الْقَزَّازُ) هو: فُرَات بن أبي عبد الرحمن الْقَزّاز التميمىّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد اللَّه البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٤.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٣) وفي نسخة: "صلّينا".
[ ١٠ / ٢٣١ ]
رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعبيد اللَّه ابن القبطية، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعيّ.
وروى عنه ابنه الحسن بن الفرات، وابن ابنه زياد بن الحسن بن فرات، ومحمد بن جُحَادة، وشعبة، والمسعوديّ، وعمر بن قيس الملائيّ، وعمرو بن أبي قيس الرازيّ، وأبو الأحوص، وشريك، والسفيانان، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال سفيان: كان ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٣١) و(١٨٤٢) و(٢٩٠١) وأعاده بعده.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "صلّينا مع رسول اللَّه -ﷺ- ".
وقوله: (قُلْنَا بأَيْدِينَا) أي أشرنا، ففيه إطلاق القول على الإشارة.
وقوله: (مَا شَأْنُكُمْ) "ما" استفهاميّة، أي ما حالكم؟.
وقوله: (تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.