وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٧] (٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: "اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، قَالَ أَبُو مَسْعُود: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ التَّيْمِيُّ) من بني تيم اللَّه بن ثعلبة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤].
رأى عبد اللَّه بن عمر، وروى عن الأسود بن يزيد النخعيّ، والحارث بن سُويد التيميّ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي عطية الوادعيّ، وإبراهيم بن أبي موسى الأشعريّ، وأبي معمر عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزدي، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والحكم بن عتيبة، وزبيد الياميّ، والأعمش، وسعد بن عبيدة، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم.
قال البخاريّ عن علي ابن المدينيّ: له نحو ثمانين حديثًا، وقال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة وزيادة، يُسأل عن مثل هذا؟ وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وكان خيارًا، وقال ابن حبّان في "الثقات": رَوَى عن عبد اللَّه بن عمر، وكذا جزم بروايته عن ابن عمر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل".
قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وخليفة بن خياط، وزاد: سنة (٩٨)، وأما ابن أبي خيثمة فحَكَى عن يحيى بن معين أنه مات سنة ثنتين وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة- الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في ولاية عبيد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٠.
٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بالبدريّ، قيل: إنه لم يشهد بدرًا، وإنما نُسب إليها، لسكناه بها، ولكن عدّه البخاريّ -﵀- في "صحيحه" ممن شهد بدرًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزديّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ -﵁-، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أي يُسَوِّي مناكبنا في الصفوف، ويُعَدِّلنا فيها.
و"المناكب": جمع مَنْكِب -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف- وهو مُجْتَمَع رأس العضد والْكَتِف، قاله في "المصباح"، يعني أنه يضع يده على مناكبنا حتى لا يتقدّم بعضنا على بعض، أو يتأخّر (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "يمسح"، أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا للصفوف عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّد ذلك (وَيَقُولُ) في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري ("اسْتَوُوا) أي اعتدلوا في صفوفكم بأن لا يتقدّم بعضكم على بعض، وهو معنى قوله: (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أي بالتقدّم والتأخّر، و"لا" ناهية، ولهذا جُزم الفعل بها (فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) بنصب "تختلف" على أنه جواب النهي، بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى: لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدّم والتأخّر،
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
فتختلفَ قلوبكم بالأهوية والإرادة؛ لأن اختلاف الظاهر يكون سببًا في اختلاف الباطن.
[فإن قلت]: هذا الحديث يدلّ على أن القلب تابع للأعضاء، ففسادها سببٌ لفساده، ويعارضه حديث النعمان بن بشير -﵄- المتّفق عليه: "ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"؛ لأنه يدلّ على أن الأعضاء تابعة للقلب، فصلاحها بصلاحه، وفسادها بفساده، فكيف يُجمع بينهما؟.
[قلت]: يُجمع بأن الاختلاف في الظاهر ناشئ عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف يدلّ عدم الاعتناء بالسنّة، وعدم الاعتناء بها يدلّ على غفلة القلب وفساده؛ لأن من كان قلبه حيًّا صالحًا منوَّرًا بنور الإيمان يكون متّبعًا للسنّة في جميع أحواله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتّب الاختلاف الظاهريّ على الفساد الباطنيّ، ثم يَنشَأ من هذا الاختلاف الظاهريّ المتسبّب عن فساد القلب الاختلاف الباطنيّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة والبغضاء والتحاسد فيما بينهم.
فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلًا بالإعراض عن السنّة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة والبغضاء والتحاسد ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب، فالفساد الأول هو الغفلة عن اللَّه، والإعراض عن اتّباع السنّة، والفساد الثاني هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول.
وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين، وللَّه الحمد والنعمة، وله الفضل والمنّة.
(لِيَلِنِي مِنْكُمْ) أمر من الوَلْي، وهو القرب، والدنوّ، أي ليقرب منّي، وأصله "يليني" بياء بعد اللام، فلمّا دخلت لام الأمر حُذفت الياء للجزم.
[تنبيه]: تكلّم الشرّاح في حذف الياء الثانية وإثباتها من قوله: "ليلني"، فقال النوويّ -﵀-: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى (^١). وأشار في هامش
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٤ - ١٥٥.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
نسخة محمد ذهني (٢/ ٣٠) أنه وقع في بعض النسخ: "لِيَلِيَنّي" بالياء وتشديد النون، وهو الضبط الثاني مما ذكره النوويّ.
وقال شارح "المصابيح": الرواية "لِيَليني" بإثبات الياء، وهو شاذّ؛ لأنه من الولي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم، قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كُتب بالياء؛ لأنه الأصل، ثم قُرئ كذا.
والأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة كما قيل في قول الشاعر [من البسيط]:
هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا … مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
حيث ثبتت الواو في "تَهْجُو".
وقوله [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
فثبتت الألف في "تَرَى".
قال ابن مالك -﵀- في "شواهد التوضيح" (ص ٢٢ - ٢٤): وإشباع الحركات الثلاث، وتوليد الأحرف الثلاثة -يعني الواو، والياء، والألف- بعدها لغة معروفة، وذكر لذلك شواهد، فراجعه تستفد.
أو هو تنبيه على الأصل، كما قيل في قراءة قُنْبُل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، أو أنه لغة كما قاله في "همع الهوامع" (^١).
وقال العلامة أحمد محمد شاكر -﵀- فيما كتبه على الترمذيّ بعد نقل كلام النوويّ المذكور: وهكذا طُبع في "صحيح مسلم" بحذف الياء في طبعة بولاق (١: ١٢٨)، وفي طبعة الاستانة (٢: ٣٠) في حديثي أبي مسعود وابن مسعود، وكتب بهامشها في حديث أبي مسعود أن في نسخة: "ليليني"، وضبط بتشديد النون، وفتح الياء قبلها، ولكن في نسخة مخطوطة عندي من "صحيح مسلم" يغلب عليها الصحّة بإثبات الياء فيهما من غير ضبط، وكتب بهامشها في الموضعين أن في نسخة "ليلني" بحذف الياء.
وقال الشارح المباركفوريّ (١/ ١٩٣): قد وقع في بعض نسخ الترمذيّ: "ليلني" بحذف الياء قبل النون، وفي بعضها بإثباتها.
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل" ١/ ٥١.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
قال أحمد شاكر: وإني لم أرها في شيء من نسخ الترمذيّ بحذف الياء، وأظنّ أن حذفها فيه وفي غيره من تصرّف الناسخين، وكذلك ضبط الكلمة على إثبات الياء بفتحها، وتشديد النون؛ ذهابًا منه إلى الجادّة في قواعد النحو بجزم الفعل المعتلّ بحذف حرف العلّة، وقد رأيت كثيرًا من الناسخين والعلماء يجيزون لأنفسهم تغيير ما خالف القواعد المعروفة ظنًّا منهم أنه خطأٌ، والدليل على ظنّ التصرّف منهم أن الشارح نقل عن الطيبيّ أنه قال: من حقّ هذا اللفظ أن يُحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدناه بإثبات الياء وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلطٌ.
قال أحمد شاكر: وليس هذا غلطًا كما زعم الطيبيّ، بل إثبات حرف العلّة في مثل هذا ورد في الحديث كثيرًا، وله شواهد من الشعر، وقد بَحَث فيه العلامة ابن مالك في كتاب "شواهد التوضيح" بحثًا طويلًا (١١ - ١٥) وذكر من شواهده في البخاري قول عائشة: "إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس"، وحديث: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يغشانا"، وحديث: "مرُوا أبا بكر فليُصلّي بالناس"، ووجّه ذلك بأوجه متعدّدة، أحسنها عندي الوجه الثالث، أن يكون أجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبت الألف -يعني أو الواو، أو الياء- واكتفى بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع. انتهى كلام أحمد محمد شاكر -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول أحمد شاكر -﵀-: وأظنّ أن حذفها من تصرّفات الناسخين إلى آخر كلامه فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الحقّ أن ما ثبت في النسخ يُعتمد عليه، ولا سيّما إذا كان على وفق القواعد، ولا نتّهم الناسخين بالتصرّف، ومن الغريب استدلاله بما نقله عن الطيبيّ، فإن الطيبيّ ليس من المحدّثين المعتمدين في ضبط الروايات، وإنما هو من أهل اللغة والنحو والبلاغة.
والحاصل أن ما ضبطه به النوويّ من أنه بكسر اللامين، وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، مع تجويز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، هو الوجه الوجيه، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تعليقه على "جامع الترمذيّ" ١/ ٤٤٠ - ٤٤١.
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
(أُولُو الْأَحْلَامِ) أي ذوو العقول الراجحة، واحدها حِلْمٌ بكسر، فسكون، قال في "اللسان": الْحِلْم بالكسر: الأناة، والعقل، جمعه أَحْلامٌ، وحُلُومٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الآية [الطور: ٣٢]، قال جرير [من البسيط]:
هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرُهُمْ … مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي
قال ابن سِيدَهْ: وهذا أحد ما جُمِع من المصادر. انتهى (^١).
وقال في "المرقاة": الْحِلْم بالكسر: الأناة، والتثبّت في الأمور، والسكون، والوقارُ، وضبط النفس عند هَيَجَان الغضب، ويُفسّر بالعقل؛ لأن هذه الأمور من مقتضيات العقل، والعقلُ الراجح يتسبّب لها، وقيل: "أولو الأحلام": البالغون، والْحُلُم بضمّ الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم. انتهى (^٢).
(وَالنُّهَى) بضم النون، وفتح الهاء مقصورًا: جمع نُهْيَة بالضمّ بمعنى العقل؛ سمّي به لأنه ينهى صاحبه عن القبائح.
وقال في "اللسان": "النُّهَى": العقلُ يكون واحدًا وجَمْعًا، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]، والنُّهْيةُ بالضمّ: العقلُ، سُمّيت بذلك؛ لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]:
فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ … إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ
ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْية، وقد صَرَّح اللِّحْيانيّ بأنّ النُّهَى جمع نُهْيَةٍ، فأغنى عن التأويل. انتهى (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: "أولو الأحلام": هم العقلاء، وقيل: البالغون، و"النُّهَى" -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول: "أولو الأحلام": العقلاء يكون اللفظان بمعنًى، فلما اختَلَف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيدًا، وعلى الثاني معناه: البالغون العقلاء، قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجلٌ نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ،
_________________
(١) "لسان العرب" ١٢/ ١٤٦.
(٢) "مرقاة المفاتيح" ٣/ ١٧١ - ١٧٢.
(٣) "لسان العرب" ١٥/ ٣٤٦.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشدّدة- من قوم أَنْهِيَاء، ويقال: نِهٍ -بكسرتين- للإتباع، وسُمِّي العقل نُهْيَةً؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَرَ به، ولا يُتَجاوَز، وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح.
قال أبو عليّ الفارسيّ: يجوز أن يكون النُّهَى مصدرًا، كالْهُدَى، وأن يكون جَمْعًا كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه: الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْيُ، بكسر النون وفتحها، والنُّهْيةُ للمكان الذي يَنتَهِي إليه الماء، فيستنقع، قال الواحديّ: فرجع القولان في اشتقاق النُّهْية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْية هي التي تَنْهَى، وتَحْبِس عن القبائح. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١) بزيادة من "اللسان" (^٢).
والمعنى: لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد فِطْنتهم، وتيقّظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض استخلفهم في الإمامة.
وقال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث تقديمُ الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يَتَفَطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويُعَلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم مَن وَراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنَّة أن يقدم أهل الفضل في كل مَجْمَع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسنّ، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسويةُ الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحثّ عليها. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ -﵀-: المعنى: ليدن منّي العلماء النجباء، أولو الأخطار، وذوو السكينة والوقار، أمرهم به؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيُبلغوا مَن بَعْدهم، وفي ذلك بعد الإفصاح عن جلالة شؤونهم، ونباهة أقدارهم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٥.
(٢) "لسان العرب" ١٥/ ٣٤٦.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
حثٌّ لهم على المسابقة إلى تلك الفضيلة، وفيه إرشاد لمن قصر عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحرّي ما يُزاحمهم فيها. انتهى (^١).
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي الذين يَقْرُبون منهم في هذا الوصف، كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهَى والْحِلْم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ") كالصبيان المميِّزين، أو الذين هم أنزل مرتبةً من المتقدّمين حِلْمًا وعَقْلًا.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمْرو -﵁- (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَّدُّ اخْتِلَافًا) قال الطيبيّ -﵀-: هذا خطاب للقوم الذين هيَّجُوا الفِتَن، وأراد أن سبب الاختلاف والفتن عدم تسوية صفوفكم، وقال أيضًا: لعله أراد الفتن التي وقعت بين الصحابة، و"أشدّ" يَحْتَمِل أن يجري على المبالغة من وضع "أفعل" مقام اسم الفاعل، أي فأنتم اليوم في اختلاف لا مزيد عليه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن كلام أبي مسعود -﵁- يَحْتَمِل معنيين:
[أحدهما]: أنه يقول: إنكم اليوم أشدّ اختلافًا في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، فإنه كان قليلًا، فقد كان أحيانًا يرى النبيّ -ﷺ- عدم تسوية الصفّ من بعض الناس، فيُحذّرهم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير -﵄- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسَوِّي صفوفنا، كأنما يُسوّي الْقِدَاحَ حتى رأى أنا قد عَقَلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد يكبّرُ، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصفّ، فقال: "عباد اللَّه لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم".
[الثاني]: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشدّ اختلافًا حيث وقعتم في الفتن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٢.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤١.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٧٧ و٩٧٨] (٤٣٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٤)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٨٧ - ٨٨)، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٣٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦١٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٢ و٢١٧٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣١٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٨٧ و٥٨٩ و٥٩٠ و٥٩٢ و٥٩٣ و٥٩٥ و٥٩٦ و٥٩٧ و٥٩٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٢ و١٣٨٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٤ و٩٦٥)، و(الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٢١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب تسوية الصفوف، وعدم الاختلاف فيها؛ لأنه جاء به الأمر، وترتّب عليه الوعيد.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الاهتمام بتسوية الصفوف، وتولّي ذلك بنفسه.
٣ - (ومنها): بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتّب عليه الاختلاف القلبيّ، فيستولي بسببه على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا واللَّه هو الدمار والهلاك، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه.
فبهذا يتبيّن ويتّضح تمام الاتّضاح أنه ما حلّ بالمسلمين اليوم من الضعف، والهَوَان، والذلّ، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا وأمثاله من تهاونهم بالسنّة، وعدم مبالاتهم بمخالفتها، فإنك لا تدخل مسجدًا يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة جماعةً، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصفّ، أو أن يتراصّ وجدته معرضًا بعيدًا عن الاستجابة، بل ربما قال بعضهم: صلّ لنفسك، ولا تتدخّل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى العجب العجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة
[ ١٠ / ٢٤١ ]
بعضهم له، بل ربّما قال بعضهم: إن المستحبّ في مذهبنا المقارنة، مستندًا إلى بعض أقوال ساقطة مخالفة للأحاديث الصحيحة، كقوله -ﷺ-: "فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم. . . " الحديث، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم ثبّتنا على السنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات.
٤ - (ومنها): أن أهل الفضل لهم حقّ التقدّم في مجالس الخير والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يُحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه، وقد أشبع الكلام النوويّ -﵀- في هذا كما أسلفناه.
٥ - (ومنها): بيان فضل عهد النبيّ -ﷺ-؛ إذ كان وقت تناصح، وتوافق، واتّحاد كلمة، وقليل التنازع والاختلاف، وإنما جاء الاختلاف، واشتدّ بعده -ﷺ- كما بيّنه أبو مسعود -﵁- في هذا الكلام.
٦ - (ومنها): أن العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- ذكروا في حكمة إقامة الصفوف أمورًا:
[أحدها]: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا، كما هو المطلوب باطنًا.
[ثانيها]: لئلا يتخللَّهم الشيطان، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما جاء في ذلك الحديث.
[ثالثها]: ما في ذلك من حُسْن الهيئة.
[رابعها]: أن في ذلك تمكّنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصُّوا وَسِع جميعهم المسجدُ، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم.
[خامسها]: أن لا يَشْغَل بعضُهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه، إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفُّوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٢٩.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف:
ذهب جمهور العلماء إلى أن تسويتها مستحبّة، وقد استُدِلّ لهم بحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصفّ من حسن الصلاة"، ولمسلم من حديث أنس -﵁-: "سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، وللبخاريّ: "من إقامة الصلاة".
قال ابن بطّال -﵀-: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنّةٌ؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس -﵁-: "من إقامة الصلاة" أن إقامة الصلاة تقع على السنّة كما تقع على الفريضة.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد -﵀-: قد يؤخذ من قوله: "من تمام الصلاة" أنه مستحبّ غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقّق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلا به. انتهى.
واعترضه الصنعانيّ -﵀- في قوله: "ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها" قائلًا: التعبير بالأركان والواجبات ليس من المطّرد، واعتبارات الشارع له مسلّم، بل قال في الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وقال -ﷺ-: "فإنك لم تصلّ"، وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتمّ الصلاة إلا به، وإن جاء فنادرٌ. انتهى.
واعترض الحافظ -﵀- قوله: "في مشهور الاصطلاح"، فقال: وهذا الأخذ بعيدٌ؛ لأن لفظ الشارع لا يُحْمَل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسان العربيّ، وإنما يُحْمَل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى.
وذهب أبو محمد بن حزم: إلى فرضيّة تسوية الصفوف، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفَرْضٌ على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراصّ فيها، والمحاذاة بالمناكب والأرجل، فإن كان نقصٌ كان في آخرها، ومن صلى
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وأمامه في الصف فُرْجة يمكنه سدّها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته. انتهى (^١).
ثم ذكر حديث النعمان بن بشير: "لتسوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم"، قال: وهذا وعيد شديدٌ، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس: كان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، وهو في "صحيح البخاريّ"، ثم قال: هذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيِّب، رَوَينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النَّهديّ قال: كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة، قال ابن حزم: ما كان -﵁- ليضرب أحدًا، ويستبيح بَشَرَةً مُحَرَّمة عليه على غير فرض، ثم حكى ابن حزم بعث عثمان -﵁- رجلًا لذلك، وأنه لا يكبّر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حَكَى عن سُويد بن غَفَلة قال: كان بلال، هو مؤذن رسول اللَّه -ﷺ- يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوِّي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف، قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى (^٢).
وقد استدل الإمام البخاريّ -﵀- بكلام أنس هذا على الوجوب، فبوّب عليه في "صحيحه" (^٣): "باب إثم من لم يتم الصفوف"، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذا الوعيد يعني الذي في حديث النعمان لا يكون إلا في ترك واجب، وهذا كان يقتضي الوجوب إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك" هذا
_________________
(١) "المحلَّى" ٤/ ٥٢.
(٢) "المحلّى" ٤/ ٥٢ - ٥٦.
(٣) نصّ الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "باب إثم من لم يُتمّ الصفوف، (٧٢٤) حدّثنا معاذ بن أسد، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، قال: أخبرنا سعيد بن عبيد الطائيّ، عن بُشَير بن يسار الأنصاريّ، عن أنس بن مالك، أنه قَدِم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ منّا منذ يوم عَهِدتَ رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف". انتهى.
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
عجيبٌ، فمتى سمح فيه؟ فهل سمح بترك تسوية الصفوف، بعد قوله: "لتسوّن صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم"؟، فهيهات هيهات!!!.
وقال في "الفتح": قال ابن رُشيد: أورد فيه حديث أنس: "ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف".
وتُعُقّب بأن الإنكار قد يَقع على ترك السنّة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم.
وأُجيب بأنه لعله حَمَل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣] على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كان عليها -ﷺ- أن يأثم؛ لِمَا يدُلّ عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنس -﵁- ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول اللَّه -ﷺ- من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم. انتهى كلام ابن رُشيد ملخصًا.
قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يُفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب.
وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لَمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يَستحِقّ فاعلها المدح عليها دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو مُتَعقَّب من جهة أنه لا يلزم من ذمّ تارك السنّة أن يكون آثمًا، سَلَّمنا، لكن يَرِدُ عليه التعقب الذي قبله.
ويَحْتَمِل أن يكون البخاريّ أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله -ﷺ-: "سَوُّوا صفوفكم"، ومن عموم قوله -ﷺ-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، ومن ورود الوعيد على تركه، فرَجَح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الصواب، فالحقّ أن البخاريّ -﵀- إنما أخذ الوجوب من هذه الأدلّة، ولا سيّما صيغة الأمر، فقد تقرّر في الأصول أن صيغة الأمر محمولة عند الجمهور على الوجوب، إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتنبّه.
قال: ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف، ولم يُسَوِّ
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
صحيحة؛ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا -﵁- مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع مَن ادَّعَى الإجماع على عدم الوجوب بما صحّ عن عمر أنه ضَرَب قَدَم أبي عثمان النهديّ لإقامة الصف، وبما صحّ عن سُوَيد بن غَفَلة، قال: كان بلال يُسَوِّي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب.
وفيه نظر؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنّة. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي وجوبُ تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع الإمام البخاريّ -﵀- المذكور آنفًا، ومن أوضح الأدلّة على ذلك أمره -ﷺ- به، والأمر للوجوب كما أسلفناه آنفًا، ومنها الوعيد المذكور في أحاديث الباب بقوله: "أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم"، ومنها ما صحّ من ضرب عمر، وبلال -﵄- على تركه.
وخلاصة القول أن الأدلة التي استدلّ بها ابن حزم واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها البطلان فغير واضحة، ولذا قال الصنعانيّ -﵀- بعد ذكر ما تقدّم من كلام الحافظ -﵀- ما نصّه: قلت: الوعيد بقوله -ﷺ-: "لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم " يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في "شرح الترمذيّ" ويؤئده حديث أبي أُمامة -﵁- عند أحمد: "لتسونّ صفوفكم، أو لتُطمسنّ الوجوه" (^٢)، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧].
نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر وبلال أدلّة على الوجوب ناهضةٌ،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٢) حديث ضعيف، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، راجع: "ضعيف الجامع" للشيخ الألبانيّ -﵀- (٤٦٥٣).
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
وأما على بطلان الصلاة، فلا بدّ من الدليل عليه. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
فتلخّص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) قَالَ: (^٢) وَحَدَّثَنَا ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- (ح) قَالَ: وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) (^٣).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خَشْرَم -بالخاء المعجمة، وزان جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الفقيه المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
وإسحاق بن راهويه، وعيسى بن يونس تقدّما في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من جرير، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة رووا هذا الحديث عن الأعمش بإسناده السابق، وهو: عن عمارة بن عُمير التيميّ، عن أبي معمر، عن أبي مسعود -﵁-.
_________________
(١) "العدة حاشية العمدة" ٢/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) وفي نسخة: "قال: (ح) " بتقديم "قال" في الموضعين.
(٣) سقط من بعض النسخ لفظة "نحوه".
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث عبد اللَّه بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام ابن ماجه -﵀- في "سننه"، فقال:
(٩٧٦) حدّثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". انتهى.
وأما رواية جرير، وعيسى، فلم أجد من أفردهما، إلا أن أبا نُعيم ساقهما في جملة رواية ساقها عن جماعة رووا عن الأعمش، فقال في "مستخرجه" (٢/ ٥٥):
(٩٦٤) حدّثنا أبو بكر بن يحيى الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، قال: وحدّث عن أبي بكر بن أبي شيبة في كتابي، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع (ح) وحدّثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ومخلد بن جعفر، قالا: ثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا أبو كريب، ثنا وكيع، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو معاوية، وابن إدريس، وأبو خالد الأحمر، ومحمد بن عُبيد، قالوا: عن الأعمش، وحدّثنا أبو أحمد، ثنا عبد اللَّه بن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا جرير، وعبد اللَّه بن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الْحِمّانيّ، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، ووكيع، وأبو معاوية، ويعلى، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يَمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استَوُوا، لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال أبو مسعود (^١): فأنتم اليوم أشدّ اختلافًا.
_________________
(١) وقع في النسخة: "ابن مسعود"، وهو غلطٌ، فتنبّه.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، وَصَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ) أبو محمد البصريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد، ومعتمر، وعبد الوهاب الثقفيّ.
وروى عنه مسلم، وإبراهيم أبو رِمْثة، وبَقِيّ بن مَخْلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال موسى بن هارون: مات سنة ست وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٢) وحديث (١٨٧٢).
٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمنازل البصريّ، ثقةٌ يُرسل، وتغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
٥ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٩ أو ١٢٠) (م د ت س) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) ٦/ ٥٢.
٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، وأبا معشر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي معشر، والباقون بصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن علقمة.
٥ - (ومنها): أن رواية خالد الحذّاء عن أبي معشر من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن خالدًا من الطبقة الخامسة، وأبا معشر من السادسة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر فقهاء الصحابة -﵃- وقرّائهم، جمّ المناقب، وقد تقدّم غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا") أي كرّر "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرّات (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ") بفتح الهاء، وسكون الياء، وبالشين المعجمة: جمع هَيْشَة بالفتح: أي اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفِتَن التي فيها، قاله النوويّ.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
وقال ابن الأثير -﵀-: قوله: "إياكم وهَوْشَات الأسواق"، ويُروى بالياء: أي فِتَنها وهَيْجها. انتهى (^١).
وقال الخطّابيّ في "المعالم": أصله من الْهَوْش، وهو الاختلاط، يقال: تهاوش القومُ: إذا اختلطوا، ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوشٌ، واختلاف. انتهى.
وقال في "المرقاة": "هيشات الأسواق": جمع هَيْشَة، وهي رفع الأصوات، نهاهم عنها؛ لأن الصلاة حضورٌ بين يدي الحضرة الإلهيّة، فينبغي أن يكونوا على السكوت، وآداب العبوديّة، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يُميّز أصحاب الأحلام والعقول عن غيرهم، ولا يتميّز الصبيان من البالغين، ولا الذكور من الإناث. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ: هي ما يكون من الْجَلَبَة، وارتفاع الأصوات، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميّز الذكور من الإناث، ولا الصبيان من البالغين، ويجوز أن يكون المعنى: قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق، فإنه يمنعكم أن تلوني. انتهى (^٣).
[فائدة]: ذكر القرطبيّ في "المفهم" قال: قال أبو عبيد: الْهَوْشَةُ: الفتنة، والهيج، والاختلاط، يقال: هَوَّش القومُ: إذا اختلطوا، ومنه: "من أصاب مالًا من نَهَاوِش، أذهبه اللَّه في نَهَابِر"، قال أبو عبيد: هو كلّ مال أُخذ من غير حلّه، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات، وقال بعض أهل العلم: الصواب: من تهاوش بالتاء، أي من تخاليط. انتهى (^٤).
وقال ابن الأثير: "من أصاب مالًا من مهاوِش، أذهبه اللَّه في نهابِر" (^٥)، هو كلّ مال أُصيب من غير حلّه، ولا يُدرى ما وجهه، والْهُوَاشُ بالضمّ: ما جُمع من مال حرام وحلال، كأنه جمع مَهْوَاش، من الْهَوْش: الجمع والخلط، والميم زائدة.
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٨٢.
(٢) "المرقاة" ٣/ ١٧٢.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٢.
(٤) "المفهم" ٢/ ٦٣.
(٥) ومعنى نهابر: مهالك.
[ ١٠ / ٢٥١ ]
ويُروى "نهاوِش" بالنون، و"تَهاوِش" بالتاء، وكسر الواو: جمع تَهْواش، وهو بمعناه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول: "من أصاب مالًا. . . إلخ" أخرجه القضاعيّ في "مسنده" (١/ ٢٧١) رقم (٤٤١) وفيه عمرو بن الحصين متروك، وقال السبكيّ في "الفتاوى" (٢/ ٣٦٩): هذا الحديث لم يصحّ، ولا هو وارد في الكتب المذكورة، ومن أورده من العوامّ، فإن كان مع علمه بعدم وروده أثم، وإن اعتقد وروده لم يأثم، وعُذر لجهله، إلى آخر كلامه. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: أورد الحافظ أبو الفضل بن عمّار -﵀- في "علله" حديث ابن مسعود -﵁- هذا من رواية المصنّف، ثم قال: حدّثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمّه أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث منكر، قال أبو الفضل: قلت: إنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاريّ -﵁-، فهو صحيح. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن الإمام أحمد -﵀- إنما أنكر كونه من حديث ابن مسعود -﵁-؛ لكثرة من رواه من حديث أبي مسعود -﵁-، فقد تقدّم بأسانيد كثيرة، فقد رواه عن الأعمش جمع، وهم: وكيع، وأبو معاوية، وعبد اللَّه بن إدريس، وجرير، وشعبة، ومحمد بن عُبيد، ويعلى بن عبيد، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو خالد الأحمر، والثوريّ، وعيسى بن يونس، وابن عيينة (^٤)، ولم ينفرد به الأعمش، بل تابعه حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٨٢.
(٢) أفاده محقّق "مسند الشهاب" ١/ ٢٧١.
(٣) راجع: كتابي "قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج" ١/ ١٤٦.
(٤) راجع: "مستخرج أبي عوانة" ٢/ ٥٥ - ٥٦.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
عُمير، عند الطبرانيّ (١٧/ ٥٩٧) والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢١٩) ولم ينفرد به عمارة، فقد تابعه عمرو بن مُرّة، عن أبي معمر.
وأما هذا الحديث، فليس له إلا هذا الإسناد، لكن المصنّف -﵀- لا يرى هذا علّة في صحّته؛ لثقة رجاله، وضبطهم، فلا يضرّ تفرّدهم، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٧٩] (٤٣٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٧٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٧٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٦ - ٩٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٠٤١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٦).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي مسعود -﵁- السابق، فراجعها هناك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٠] (٤٣٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّم بعينه قبل ثلاثة أبواب، ومن لطائفه أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وفيه قتادة من المدلّسين، وقد عنعنه، لكن الراوي عنه شعبة، ولا يروي عن المدلسين إلا ما صرّحوا بسماعه.
لكن يعكر على هذا ما عند الإسماعيليّ، فقد زاد من طريق أبي داود
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
الطيالسيّ، قال: سمعت شعبة يقول: داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ انتهى. قال الحافظ -﵀-: ولم أره عن قتادة إلا معنعنًا، ولعلّ هذا هو السرّ في إيراد البخاريّ لحديث أبي هريرة معه في الباب؛ تقويةً. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قصّة شعبة المذكورة ساقها أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٣٧٩) فقال:
(١٣٧٢) حدّثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: سمعت شعبة يقول: كان همتي من الدنيا شَفَتَيْ قتادة، فإذا قال: سمعت كتبت، وإذا قال: قال تركت، وأنه حدّثني بهذا عن أنس بن مالك، يعني حديث النبيّ -ﷺ-: "سَوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، فلم أسأله، أسمعته؟ مخافة أن يُفْسِده عليّ. انتهى.
قال الجامع: ولعلّ المصنّف -﵀- أيضًا صنع كصنيع البخاريّ -﵀-؛ للغرض المذكور، فأورد حديث أنس، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة، عكس صنيع البخاريّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) قال ابن دقيق العيد -﵀-: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها (^٢) على سمت واحد، وقد تدلّ تسويتها أيضًا على سدّ الْفُرَج فيها؛ بناء على التسوية المعنويّة، والاتّفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب، وإن كان الأظهر أنّ المراد بالحديث الأولَ. انتهى (^٣).
فقوله: "سوّوا" فيه دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف، وقد تقدّم أن هذا الحقّ.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٤٥.
(٢) قال البرماويّ: كان ينبغي أن يعبّر بالتعديل، فإنه هو التسوية، لا الاعتدال؛ إذ لا يفسّر المتعدّي بالقاصر. اهـ. "العدّة" ٢/ ٢١٦.
(٣) "إحكام الأحكام" ٢/ ٢١٦ بنسخة الحاشية.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
(فَإِنَّ تَسْوِيةَ الصَّفِّ) بالإفراد، والمراد به الجنس، وفي رواية البخاريّ: "الصفوف" بالجمع (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ") هكذا عند المصنّف بلفظ "تمام"، وكذا عند أبي داود، وابن ماجه، والإسماعيليّ، والبيهقيّ وغيرهم، ولفظ البخاريّ: "من إقامة الصلاة" أي من جملة إقامة الصلاة المأمور بها الممدوح فاعلها في الآيات الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وهي تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها، وسننها، وآدابها.
وفي حديث جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من تمام الصلاة إقامةَ الصفّ" (^١)، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط".
قال العينيّ: أي من تمام الصلاة، أو من حسن تمام الصلاة.
وتعقّبه صاحب "المرعاة"، فقال: هذا خلاف الظاهر، والحديث معناه مستقيم من غير تقدير لفظ الكمال، أو الحسن. انتهى (^٢)، وهو تعقّب وجيه.
والحاصل أن الحديث من أدلّة وجوب التسوية، كما أسلفنا تحقيقه في شرح حديث أبي مسعود -﵁- الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٠ و٩٨١] (٤٣٣) و(٤٣٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧١٨ و٧٢٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٦٨)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٩١)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٩٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٦ و٢٤٢٧ و٢٤٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٧ و٢٥٤ و٢٧٤ و٢٧٩ و٢٨٦ و٢٩١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٩)، و(ابن
_________________
(١) حديث صحيح.
(٢) راجع: "المرعاة" ٤/ ٧.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
حبّان) في "صحيحه" (٢١٧١ و٢١٧٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٤٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٩٧ و٣٠٥٥ و٣١٣٧ و٣١٨٨ و٣٢١٢ و٣٢٩١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩ - ١٠٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٨ و٨١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٢ و١٣٧٣)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٦٧ و٩٦٨).
وأما بقيّة مسائل الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨١] (٤٣٤) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥)، وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"أنس" -﵁- تقدّم في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٥٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُليّ -بضمتين، وتشديد اللام- نسبة إلى "أُبُلّة" موضع بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للأمر بإتمام الصفوف، فكأنه يقول لهم: إنما أمرتكم بذلك؛ لأني تحقّقت منكم خلافه، وقد تقدّم قريبًا المعنى المراد من هذه الرؤية، وأن الصواب أنها رؤية
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
حقيقيّة، خلافًا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروريّ له بذلك، ونحو ذلك، قال ابن المنيّر -﵀-: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة، وقال القرطبيّ -﵀-: بل حملها على ظاهرها أولى؛ لأنه زيادة في كرامة النبيّ -ﷺ- (^١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٢] (٤٣٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: "أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّم هذا الإسناد بعينه قبل أربعة أبواب.
وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير همّام، واسم الإشارة إلى كتاب مجموع من أحاديث، وهي الصحيفة المشهورة بصحيفة همّام بن منبّه، رواها عبد الرزاق، عن معمر، عنه، ثم رواها أصحاب الكتب الستّة عن أصحاب عبد الرزاق، وقد تقدّم بيانها غير مرّة.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر أبو هريرة -﵁- أحاديث كثيرة، ويحتمل أن يكون الضمير لهمّام.
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ. . . إلخ) الجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"قال" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ) هكذا بإفراد "الصفّ"، والمراد الجنس، أي سوّوه، وعدّلوه، وتراصّوا فيه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٤٣.
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
وقوله: (فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ) قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه" مترجمًا على هذا الحديث: "بابٌ إقامةُ الصّفّ من تمام الصلاة"، ثم أورده، قال ابن رُشيد: إنما قال البخاريّ في الترجمة: "من تمام الصلاة"، ولفظ الحديث "من حسن الصلاة"؛ لأنه أراد أن يُبيّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يُعْنَى به الظاهر المرئيّ من الترتيب، بل المقصود منه الحسن الحكميّ بدليل حديث أنس، يعني الحديث الذي قبله، حيث عبّر فيه بقوله: "من إقامة الصلاة" (^١). انتهى (^٢)، وتمام شرح الحديث تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٢] (٤٣٥)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٢٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٩).
[تنبيه]: حديث أبي هريرة -﵁- هذا مختصر عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال:
(٧٢٢) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإن إقامة الصفّ من حسن
_________________
(١) هذا لفظه عند البخاريّ، وأما لفظه عند مسلم: "من تمام الصلاة"، كما تقدّم قريبًا.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
الصلاة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٣] (٤٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ (^١) الْغَطَفَانِيُّ) (^٢) واسم أبيه رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٣ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير) بن سَعْد بن ثَعْلَبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ بالمدنيّ، ثم سكن الشام، ثم وَلِي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة (ع) تقدّم في "الإيمان" ٩٧/ ٥٢٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه منَ سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال: حدّثنا غندر، فذكره بلقبه، وقال: "عن شعبة"، وأما ابن المثنّى وابن بشّار فقالا: حدّثنا
_________________
(١) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة.
(٢) بفتح الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة، بعدها فاء: نسبة إلى غَطَفَان، قبيلة كبيرة من قيس عَيْلان، وبطنٌ من جُهَينة، ومن جُذَام، قاله في "اللبّ".
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، فذكراه باسمه، وصرّحا بتحديث شعبة له.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: عمرو، عن سالم، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذُّهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ) -﵄- (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أي يعَدِّلها بيده، أو بأمره (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أي بالصفوف (الْقِدَاحَ) -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْحٍ -بكسر، فسكون- وهو خَشَبُ السهام حين تُنْحَتُ وتُبْرَى، قال الخطّابيّ -﵀- في
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
"المعالم": القِدْحُ: خشب السهم إذا بُري، وأُصلح قبل أن يركّب فيه النَّصْلُ والرِّيش. انتهى (^١). وقيل: هو السهم مطلقًا.
والمعنى: أنه يبالغ في تسوية الصفوف حتى تصير كأنما يُقَوَّم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: "الْقِدْح" بالكسر: السهم قبل أن يُرَاش، ويُرَكَّبَ نَصْلُهُ، وجمعه: قِدَاحٌ، وضَرْبُ المثل به ها هنا من أبلغ الأشياء في المعنى المراد منه؛ لأن الْقِدْح لا يَصلُحُ لما يُراد منه إلا بعد الانتهاء في الاستواء، وإنما جُمع مع الغُنية عنه بالمفرد لمكان الصفوف، أي يسوّي كلّ صفّ على حِدَته كما يُسوّي الصانع كلَّ قِدْحٍ على حِدَتِهِ، ورُوعِيَ في قوله: "يُسوّي بها القداح" نكتةٌ؛ لأن الظاهر أن يقال: كأنما يسوّيها بالقِدَاح، والباء للآلة، كما في قولك كتبتُ بالقلم، فعَكَسَ، وجَعَل الصفوف هي التي يُسوَّى بها القِدَاح؛ مبالغة في استوائها. انتهى (^٣).
وفي رواية لأحمد في "مسنده" (٤/ ٢٧٢): "كان يسوّينا في الصفوف، حتى كأنما يُحاذي بنا الْقِدَاح"، وفي رواية له (٤/ ٢٧١): "يقيم الصفوف كما تقام الرماح، أو الْقِدَاح"، وفي رواية له (٤/ ٢٧٧)، وابن ماجه (٩٩٤): "يُسوّي الصفّ حتى يَجعله مثلَ الرُّمْح، أو الْقِدْحِ".
(حَتَّى رَأَى) أي عَلِم النبيّ -ﷺ- (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ) أي فَهِمنا التسوية التي أرادها منّا، وقال الطيبيّ -﵀-: يعني أنه لم يبرح صفوفنا حتى استوينا استواء أراده منّا، وتعقّلنا عنه فعله. انتهى.
(ثُمَّ خَرَجَ) أي من بيته إلى المسجد ليصلّي بالناس (يَوْمًا، فَقَامَ) أي في محلّ إمامته (حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ) الغالب في خبر "كاد" أن يكون مضارعًا، وأن يُجرّد من "أن"، كما قال في "الخلاصة":
كَـ "كَانَ" "كَادَ" وَ"عَسَى" لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
_________________
(١) "المعالم" ١/ ١٨٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٧.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٠.
[ ١٠ / ٢٦١ ]
والمعنى: حتى قرُب تكبيره -ﷺ- للإحرام.
(فَرَأَى رَجُلًا) لم يُذكر اسمه (بَادِيًا) أي ظاهرًا خارجًا (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أي من صُدُور أهل الصفّ، وفي رواية لأحمد، وأبي داود: "حتى إذا ظَنّ أنا قد أخذنا ذلك عنه، وفهمناه، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنْتَبِذٌ بصدره. . . "، وفي رواية لأحمد: "فلما أراد أن يكبّر رأى رجلًا شاخصًا صدره. . . "، وفي رواية له، وابن ماجه: "فرأى صدر رجل ناتئًا" يعني مرتفعًا بالتقدّم على أصحابه (^١).
(فَقَالَ) -ﷺ- ("عِبَادَ اللَّهِ) منصوب على النداء بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كما قال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مُضْمَرٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وقال الحريريّ -﵀- في "مُلْحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(لَتُسَوُّنَّ) -بفتح اللام، وضم التاء المثناة، وفتح السين، وضم الواو المشددة، وتشديد النون- ووقع في "صحيح البخاريّ" في رواية المستملي: "لَتُسَوُّون" بواوين، قال البيضاويّ: هذه اللام هي التي يُتَلَقَّى بها القسم، والقسم هنا مقدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة. انتهى. وقد صرّح بالقسم في رواية لأبي داود، ولفظه: "واللَّه لتقيمنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ بين قلوبكم" (صُفُوفَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة لـ "تُسوّنّ"، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، أو يراد بها سَدّ الخلل الذي في الصفّ (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) أي إن لم تُسَوُّوا. قال البيضاويّ: "أو" للعطف، رَدّد بين تسويتهم الصفوف، وما هو كاللازم لنقيضها، وقال الطيبيّ: إن مثل هذا التركيب متضمّن للأمر توبيخًا وتهديدًا، أي ليكن أحد الأمرين: إما تسوية الصفوف، أو أن يُخالف اللَّه تعالى بين وجوهكم. انتهى (^٢).
قال النوويّ -﵀-: قيل: معناه: يمسخها، ويُحَوِّلها عن صورها؛
_________________
(١) "المرعاة" ٤/ ٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٠.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
لقوله -ﷺ-: "يَجعل اللَّه تعالى صورته صورة حمار"، وقيل: يُغَيِّرُ صفاتها، والأظهر -واللَّه أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما يقال: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتَغَيَّر قلبه عليّ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. انتهى.
وقال في "الفتح": اختُلِف في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضعَ القفا، أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدَّم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة.
قال: ويؤيد حمله على ظاهره حديثُ أبي أمامة -﵁-: ("لَتُسَوُّنَّ الصفوفَ، أو لَتُطْمَسَنّ الوجوه"، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧].
ومنهم من حمله على المجاز، قال النوويّ: معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما تقول: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهيةٌ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيِّده رواية أبي داود وغيره بلفظ: "أو ليخالفَنّ اللَّه بين قلوبكم". انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا داعي لدعوى المجاز، فالحقّ حمله على ظاهره، من تحويل خلق وجهه إلى خلق آخر، ولا ينافيه ما في أبي داود؛ إذ يمكن الجمع بين العقوبتين، أو بعقوبة بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: معناه: تفترقون فيأخذ كلّ واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدّم الشخص على غيره مَظِنَّةُ الكبر الْمُفْسِد للقلب، الداعي إلى القطيعة.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
والحاصل أن المراد بالوجه: إن حُمِل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جَعْلِ القدام وراء، وإن حُمِل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرمانيّ.
ويَحْتَمِل أن يراد بالمخالفة في الجزاء، فيُجازي الْمُسَوِّي بخير، ومن لا يُسَوّي بشرّ. انتهى.
قال الجامع: هذا احتمال بعيد، فالصواب حمله على الحقيقة، كما سبق، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير -﵄- متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٣ و٩٨٤ و٩٨٥] (٤٣٦)، (والبخاريّ) في "الأذان" (٧١٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٦٣ و٦٦٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٨٩)، و(ابن ماجه) فيها (٩٩٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٩١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٩)، و(أبو بكر بن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٨)، و(عليّ بن الجعد) في "مسنده" (٥٨١) (١/ ٣٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٧٢ و٢٧٦ و٢٧٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢١ و٣/ ١٠٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨١٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٦٥ و٢١٧٥ و٢١٧٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٨ و١٣٧٩ و١٣٨٠ و١٣٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٠ و٩٧١ و٩٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): حرص النبيّ -ﷺ- على تسوية الصفوف، وشدّة اهتمامه بها، حتى يقوم بنفسه حقّ القيام.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على تسويتها.
٣ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
النوويّ -﵀-: وهذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض العلماء، والصواب الجواز، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أنه دليلٌ على أن تسوية الصفُوف واجبة، وأن التفريط فيها حرام؛ لأن هذا الأمر المقرون بالوعيد، وأمثاله لا يكون إلا على ترك واجب، وهذا هو القول الصحيح المختار، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ (ح) وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) بن سليمان الْبَجَليّ الْقَسْريّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ -بضمّ الموحّدة- الْحَصّار، ويقال: الْخَشّاب، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٠) أو (٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٧.
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني أن أبا الأحوص، وأبا عوانة حدّثا بإسناد سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير -﵄- نحو حديث أبي خيثمة عنه.
[تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها الإمام النسائيّ -﵀-، فقال:
(٨١٠) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُقَوِّم الصفوف، كما تُقَوَّم الْقِدَاح، فأبصر رجلًا خارجًا صدره من الصفّ، فلقد رأيت النبيّ -ﷺ- يقول: "لَتُقِيمُنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم". انتهى.
وأما رواية أبي عوانة، فقد ساقها الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٢١٠) حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسَوِّي صفوفنا، فخَرَجَ يومًا، فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم، فقال: "لتسَوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٦] (٤٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديث.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) بضم أوله، بصيغة التصغير (مَوْلَى أَبِى بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بيع السَّمْنَ، أو حمله من محلّ إلى محلّ آخر، ويقال له: الزّيّات؛ لأنه كان يجلُب السمن والزيت إلى الكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) أي لو عَلِمُوا، فَوَضَع المضارع موضع الماضي؛ ليُفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بالٍ (مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان، قال في "الفتح": وهي رواية بِشْر بن عُمَر، عن مالك عند السّرّاج.
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
قال في "العمدة": الفرق بين النداء والأذان أن لفظة الأذان والتأذين أخصّ من لفظ النداء لغةً وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين، أن التأذين يتناول جميع ما يصدُر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقةٌ تُعْقَلُ بدون ذلك. انتهى (^١).
(وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في رواية له، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: "من الخير والبركة"، والتقدير: لو يعلم الناس ما في الصف الأول، وقال الطيبيّ -﵀-: أَطْلَق مفعول "يَعْلَم"، وهو كلمة "ما"، ولم يُبَيِّن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بُيِّنت في الرواية الأخرى: "بالخير والبركة"، قاله في "الفتح" (^٢).
[تنبيه]: اختُلف في المراد بالصفّ الأول، فقيل: ما يلي الإمام مطلقًا، وهو الأصحّ، وقيل: أول صفّ تامّ يلي الإمام، لا ما تخلّله شيء، كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة، ولو صلّى في آخر الصفوف، وهذا ضعيفٌ.
وقال النوويّ -﵀-: الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا، أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون، وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر، وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلًا، وإن صلّى في صف متأخر، وهذان القولان غلطٌ صريحٌ، وإنما أذكره ومثله لأُنَبِّه على بطلانه؛ لئلا يغتر به.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ١٨٢.
(٢) ٢/ ١١٥.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
انتهى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) أي للتمكّن من النداء والصفّ الأول، ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: "ثم لا يجدون"، وحَكَى الكرمانيّ أن في بعض الروايات: "ثم لا يجدوا"، ووجّهَهُ بجواز حذف النون تخفيفًا، قال الحافظ: ولم أقف على هذه الرواية (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي يقترعوا، من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا، فسَهَمَهم فلانٌ سَهْمًا: إذا أقرعهم، وقال صاحب "العين": القُرْعة مثالُ الظُّلْمة: الاقتراع، وقد اقتَرَعوا، وتقارعوا، وقارعته فقرعته: أي أصابتني القُرْعة دونه، وأقرعت بينهم: إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأول أصوب، ذكره ابن التيانيّ في "الموعب"، وفي "التهذيب" لأبي منصور، عن ابن الأعرابيّ: القرع، والسبق، والندب: الخطر الذي يَستِبق عليه.
والمعنى: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية إلا بالاقتراع، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يَصِلُوا دفعةً واحدةً، ويستووا في الفضل، فيُقْرَع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: معناه: أنهم لو عَلِمُوا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله، ولو يعلمون ما في الصفّ الأول من الفضيلة نحو ما سبق، وجاءوا إليه دفعةً واحدةً، وضاق عليهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٠.
(٢) "الفتح" ٢/ ١١٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٧ - ١٥٨.
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
وقال الطيبيّ -﵀-: المعنى: لو عَلِموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه لوجب عليهم ذلك، فوضعَ المضارع موضع ما يستدعيه "لو"؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه ينبغي أن يكون على بال منه، ثم أتى بـ "ثُمَّ" الْمُؤْذِنةِ بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقَدَّم ذكرَ النداء؛ دلالةً على تَهَيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو الْمُثُول بين يدي رب العزة، فيكون من المقرّبين، وأَطْلَقَ مفعول "يَعْلَم" يعني "ما"، ولم يُبيّن أن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة البالغة حَدَّها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يَتنافس فيه المتنافسون، ويَرْغب فيه الراغبون، ولا سيّما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري بماذا يتشبّث، ويَتَمسّك مَن طَرَقَ سمعَه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصًا عن الاستباق إلى الصفّ الأول؟ ولعلّه يعتذر بأنه خارج من زمرة من سَمِع وأطاع. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^١)، وهو بحث مفيدٌ.
قال في "الفتح": واستَدَلَّ به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر؛ لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام؛ لما فيه من المزية.
وزَعَمَ بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أُخْرِج مخرج المبالغة، واستَأْنَسَ بحديث لفظه: "لتجالدوا عليه بالسيوف"، لكن الأول أظهر، وأقرب، كما بيّنته رواية المصنّف من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة الآتية بلفظ: "لكانت قُرْعَةً"، وهذا هو الذي فهمه البخاريّ -﵀- حيث قال: "باب الاستهام في الأذان"، ثم استشهد على ذلك بقصّة سعد بن أبي وقّاص -﵁-، وهو ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ كلاهما من طريق أبي
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٨٩٦ - ٨٩٧.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
عبيد، عن هشيم، عن عبد اللَّه بن شبرمة، قال: تشاحّ الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في "الفتوح"، والطبريّ من طريقه عنه، عن عبد اللَّه بن شُبْرُمة، عن شقيق، وهو أبو وائل، قال: افتتحنا القادسيّة صدر النهار، فتراجعنا، وقد أُصيب المؤذن، فذكره، وزاد: "فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذّن" (^١).
وقوله: (عَلَيْهِ) أي على ما ذُكِرَ؛ لِيَشْمَل الأمرين: الأذان، والصف الأول، وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حقّ الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور، ونازعه القرطبيّ، وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] أي جميع ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله القرطبيّ أولى؛ لأنه تؤيّده رواية عبد الرزاق له، عن مالك، بلفظ: "لاستَهَموا عليهما"، فقد بيّنت المراد بالضمير في هذه الرواية، فتبصّر.
وقوله: (لَاسْتَهَمُوا) جواب "لو"؛ أي لاقترعوا على ما ذُكِرَ، والاستهام: بمعنى الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، قال الخطابيّ، وغيره: قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غَلَب. انتهى.
قال الطيبيّ -﵀-: فلَمّا فرغ من الترغيب في الاستباق إلى الصفّ الأول عقّبه بالترغيب في إدراك أوّل الوقت، ولذا أوجب أن يفسّر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي التبكير إلى الصلاة، قاله الهرويّ، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقّ من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١١٥.
[ ١٠ / ٢٧١ ]
نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاريّ، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعية الإبراد؛ لأنه أريد به الرفق، وأما مَن تَرَك قائلته، وقَصَد إلى المسجد؛ لينتظر الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل، قاله في "الفتح" (^١).
وقال الطيبيّ -﵀-: التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه، يقال: هَجَّرَ تهجيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، وهي لغة حجازيّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: "فالمهجِّر إليها كالمهدي بَدَنَةً".
قال: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك، فإن كثيرًا من أصحابنا حملوا الأمر به على الرخصة، فعلى هذا يكون الإبراد رخصةً، والتهجير سنّةً، ومن حَمَل ذلك على الندب، فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلّ، ولا يخرج بذلك عن حدّ التهجير، فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن يقرُب العصر. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح تفسير الهرويّ بأن التهجير هو التبكير في أول الوقت مطلقًا، والمراد به أول الوقت المستحبّ، فالتهجير في صيف الظهر يكون بعد الإبراد، أي في أول دخول البرودة، فلا منافاة بين التهجير، وبين الأمر بالإبراد، وهذا الذي رجّحته هو الذي قاله المجد في "القاموس"، ونصّه: والتهجير في قوله -ﷺ-: "الْمُهَجِّر إلى الجمعة كالمهدي بَدَنَةً"، وفي قوله: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" بمعنى التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ في أوائل أوقاتها، وليس من الهاجرة.
وقال قبل ذلك: والْهَجِيرُ، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشِدّةُ الحرّ، وهَجَّرْنا تهجيرًا، وأهجرنا، وتهَجَّرنا: سِرْنا في الهاجرة. انتهى (^٣).
_________________
(١) ٢/ ١١٥.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٨٩٧.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ١٥٨.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
وقال في "اللسان" نقلًا عن الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسَمِعتُ الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
فقَرَنَ الهجر بالابتكار، قال: وقوله -ﷺ-: "لو يَعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه" أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها.
قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالْهَجْرِ. انتهى (^١).
فتبيّن بهذا أن إطلاق التهجير على التبكير المطلق، وهو المبادرة إلى الشيء أول وقته لغة ثابتة، فلا داعي أن يقال: إن هذا الحديث يعارض حديث الأمر بالإبراد في الظهر؛ إذ المراد المبادرة إلى الظهر أو غيره أول الوقت المستحبّ، فالتبكير في صيف الظهر يكون مع الإبراد، أي أن يذهب مبكّرًا بعد أن يُبرِد، ويذهب شدّة الحرّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التهجير، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنًى لا حِسًّا بأن يَسْبِق غيره في الحضور إلى الصلاة؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًّا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى.
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ) أي من مزيد الفضل، و"الْعَتَمَةُ" بفتحات: هي صلاة العشاء، يعني لو يعلمون ما في ثواب أدائها، وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا) أي الصلاتين، و"أتى" بالقصر ثلاثيّ، يقال: أتى الرجلُ يأتي أَتْيًا، من باب ضرب: جاء، والاسم الإتيان، وأتيته يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قال الشاعر:
_________________
(١) "لسان العرب" ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَتْي الْعَسْكَرِ
وأتا يأتو أَتْوًا لغةٌ، قاله الفيّوميّ (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا المتعدّي؛ لأنه عَمِلَ في ضمير المثنّى، فتنبّه.
والمراد لأتوا المحلّ الذي يُصلَّيان فيه جماعةً، وهو المسجد، وإنما خُصّتا بهذا؛ لأنهما في وقت النوم والغفلة، والكسل عن العبادة، فحُثَّ عليهما؛ لكونهما مظنّة التفويت، أفاده القاري (^٢).
(وَلَوْ حَبْوًا") أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيّ: إذا مَشَى على أربع، قاله صاحب "المجمل"، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو اسْتِهِ.
أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يَزْحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء -﵁-: "ولو حَبْوًا على المرافق والرُّكَب"، قاله في "الفتح" (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٦] (٤٣٧)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦١٥ و٦٥٤ و٧٢١) و"الشهادات" (٢٦٨٩)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٢٥ و٢٢٦)، و(النسائيّ) فيها (١/ ٢٦٩ و٢/ ٢٣)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٦ و٢٧٨ و٣٠٣ و٣٧٤ و٣٧٥ و٥٣٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٩ و٢١٥٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٢٨ و١٠/ ٢٨٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٠ و١٣٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٣)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣ - ٤.
(٢) "مرقاة المفاتيح" ٢/ ٣٢٣.
(٣) ٢/ ١٦٦.
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة الأذان، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في أبوابه.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة الصفّ الأول، والقرب من الإمام؛ لاستماع القرآن إذا جهر، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقب تكبيره، وأيضًا يَحْتَمِل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحاجة، فيكون هو خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة، وينقلها ويعلمها الناس، وسيأتي في الباب قوله -ﷺ-: "خير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها".
وأخرج الدارميّ بسند صحيح، عن عرباض بن سارية -﵁- "أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يستغفر للصف الأول ثلاثًا، وللصف الثاني مرةً".
وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار".
وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب -﵄- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة".
وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول".
وعند ابن حبان عن البراء عن عازب -﵄-: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول"، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان جواز تسمية العشاء عَتَمَةً، وقد ورد النهي عن تسميتها بها، فقد أخرج المصنّف عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تَغْلِبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل".
وقد جمع العلماء بينهما بوجهين:
(أحدهما): أن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
(والثاني): وهو الأظهر، أن استعمال العتمة هنا لمصلحة، ونفي مفسدة؛
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب، فلو قال: "لو يعلمون ما في العشاء والصبح" لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب، فاستَعْمَل العتمة التي يعرفونها، ولا يَشُكُّون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخفّ المفسدتين لدفع أعظمهما (^١).
وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح الحديث المذكور برقم (٦٤٤) -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة في أول وقتها المستحبّ.
٥ - (ومنها): الحثّ على حضور صلاتي العشاء والصبح في المساجد، وبيان ما في ذلك من الفضل الكثير؛ وذلك لما فيهما من المشقّة على النفس بتنقيص أول النوم وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين، فقد أخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بسند صحيح، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا".
٦ - (ومنها): مشروعيّة الاقتراع في الحقوق التي يُزدَحم عليها، ويُتنازع فيها.
٧ - (ومنها): أن الصف الثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع، وهلُمّ جَرًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٧] (٤٣٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه").
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٨، و"عمدة القاري" ٥/ ١٨٤.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السَّعْديّ الْعُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) عن (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَوَقيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥ وقيل: ٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه أُبُلّيّ نسبة إلى قرية بالبصرة.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى) هي هنا بصريّة، فلذا تعدّت إلى مفعول واحد، وهو قوله: "تأخّرًا"، وقوله: (فِي أَصْحَابِهِ) متعلّق بـ "رأى"، والظاهر أن المراد بعضهم (تَأَخُّرًا) أي عن الصفّ الأول، وفي الرواية التالية: "رأى رسول اللَّه -ﷺ- قومًا في مؤخَّر المسجد. . . "، ولعلّهم إنما تأخّروا لأنهم لما سمعوا قوله -ﷺ-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" رأوا في أنفسهم قُصورًا عن هذه المرتبة، فتأخروا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "رأى تأخّرًا في أصحابه" يَحْتَمِلُ أن يراد به التأخّر في صفوف الصلاة، والتأخّر عن أخذ العلم، فعلى الأول المعنى: ليَقِف العلماء والألبّاء من دونهم في الصفّ الثاني يقتدون بالصفّ الأول ظاهرًا لا حكمًا، وعلى الثاني المعنى: ليتعلّم كلُّكم منّي العلم، وأحكام الشريعة،
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
وليتعلّم التابعون منكم، وكذلك من يلونهم قرنًا بعد قرن إلى انقضاء الدنيا، هذا تلخيص كلام المظهر. انتهى (^١).
(فَقَالَ) النبيّ -ﷺ- (لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا) أي إلى الصفّ الأول (فَأْتَمُّوا بِي) أي اقتدوا بأفعالي في الصلاة (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) بفتح ميم "من"، وهي موصولة مفعول "يأتمّ"، والظرف صلتها، أي ليقتد بكم الصفّ الذي يليكم.
قال القاضي عياضٌ -﵀-: وقد يحتجّ بظاهره الشعبيّ من جواز الائتمام بالمأموم، وأن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءهم حتى لو دخل داخلٌ والإمام قد رفع رأسه من الركعة، والناس معه، فإن كان الصفّ الذي يلي الداخل لم يرفعوا رؤوسهم حتى ركع هذا الداخل أدرك الركعة؛ لأن بعضهم أئمة بعض، وعامّة الفقهاء لا يقولون بها، وهذا الحديث إنما جاء في ذمّ التأخّر، وأنهم إذا تأخّروا لم يعلموا ما حَدَثَ في الصلاة، ولا يتنبّه بعضهم لفعل الإمام بفعل بعض.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكون قوله: "تقدّموا، فائتمّوا بي" يريد أهل وقته، ويأتمّ بكم من بعدكم فيما أخذتم به من سُنّتي، وتعلّمتموه عنّي، فحضّهم على التقدّم ليتحقّقوا الاقتداء به في جميع أفعاله وأقواله، ومشاهدة هيئاته في الصلاة وآدابه، وذلك لا يصحّ مع التأخّر. انتهى كلام القاضي -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: تمسّك بظاهره الشعبيّ على قوله: إن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءه، وعامّة الفقهاء لا يقولون بهذا؛ لأن الكلام مجمل؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لأن يُراد به الاقتداء في فعل الصلاة، ولأن يُراد به في نقل أفعاله وأقواله وسنّته كي يُبلّغوها غيرهم، والشعبيّ دَفَعَ دعوى الإجمال، وتمسّك بالظاهر منه. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": ظاهره يدلّ لمذهب الشعبيّ -﵀-، وأجاب النوويّ: بأن معنى: "وليأتمّ بكم مَنْ بَعْدَكم" أي يقتدوا بي مستدلّين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٢.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٥١.
(٣) "المفهم" ٢/ ٦٦.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
على مُبَلّغٍ عنه، أو صَفٍّ قُدّامه يراه متابعًا للإمام، وقيل: معناه: تعلّموا منّي أحكام الشريعة، وليتعلّم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. انتهى (^١).
(لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ) أي عن الصفوف الأُوَل (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه") ﷿ أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفيع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀- بعد ذكر كلام النوويّ المذكور ما نصّه: جاء في حديث عائشة -﵂-: "حتى يؤخّرهم اللَّه في النار"، ومعناه: لا يزال يؤخّرهم عن رحمته وفضله حتى تكون عاقبة أمرهم إلى النار. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قيل: هذا في المنافقين، ويَحْتَمِلُ أن يراد به أن اللَّه يؤخّرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم، أو عن رتبة السابقين. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى تفسير التأخير المذكور في هذا الحديث بالتأخير في النار، كما فسّره حديث عائشة -﵂- المذكور، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، والحديث أخرجه أبو داود في "سننه" (٦٧٩) بسند صحيح، عنها، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار"، وفي رواية لأحمد في "مسنده": "حتى يؤخّرهم اللَّه ﷿ يوم القيامة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: هذا الحديث علّقه الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٨ - ١٥٩، و"الفتح" ٢/ ٤٤٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٩.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٣.
(٤) "المفهم" ٢/ ٦٦.
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
ويُذكَر عن النبيّ -ﷺ-: "ائتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم"، قال في "الفتح": قيل: إنما ذكره البخاريّ بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه، قال: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحّة، والحقّ أن هذه الصيغة لا تختصّ بالضعيف، بل قد تُستَعمَل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تُستَعْمَل إلا في الصحيح. انتهى (^١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٧ و٩٨٨] (٤٣٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٩ و٦٨٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٨٣) وفي "الكبرى" (١/ ٢٨٤)، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٨)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢/ ٥٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١٠٧١٥ و١٠٨٦٢ و١١٠٨٧)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٢٧٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٣٢٧ و٤٠١) و(٣/ ٢٧ و٥١)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١٤٥٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٥)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٧٤ و٩٧٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ التأخّر عن الصفّ الأول.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة العناية بالحثّ على المسابقة في الاقتداء به.
٣ - (ومنها): أن من تكاسل، وتهاون عن الصفوف الأُوَل يعاقبه اللَّه ﷿ بتأخيره عما ينال به الأجر والثواب من الأعمال الصالحات، ويَحْرِمه من القيام بأنواع الطاعات حتى يكون منتهاه إلى النار، نسأل اللَّه تعالى أن يثبّتنا على طاعته، ويجعلنا من أهل جنّته، إنه بعباده رءوف رحيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٤٠.
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَوْمًا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ الإمام الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضل [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ) -بفتح الراء، وتخفيف القاف، ثم شين معجمة- هو: محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الملك بن مسلم، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن أبيه، ووهيب بن خالد، ومالك، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وبشر بن منصور السّليميّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ورَوَى مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه له بواسطة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن رافع، وعمرو بن منصور، والحسن بن إسحاق، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الذُّهْليّ: كان متقنًا، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ متعبدٌ عاقلٌ، يقال: إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة (^١)، وقال أبو حاتم: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ الثقة الرضيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأس.
_________________
(١) هذا فيه نظر لا يخفى، فإن خير الهدي هدي محمد -ﷺ-، ولم يُنقل عنه -ﷺ- أنه صلى في يوم أربعمائة ركعة، فتفطّن، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وقد نبّهت على هذا غير مرّة.
[ ١٠ / ٢٨١ ]
وقال البخاريّ، وابن حبان: مات قبل سنة (٢٢٢)، وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقال غيره: مات سنة (٢١٧).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (^١).
٣ - (بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلِيميّ -بفتح السين المهملة، كسر اللام، وبعدها تحتانيّة- أبو محمد الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ زاهدٌ [٨].
رَوَى عن أيوب السختيانيّ، وسعيد الْجُريريّ، وعاصم الأحول، وابن جُريج، وابن عجلان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وعبد الرحمن بن مهديّ، وفُضيل بن عياض، وبشر الحافي، وعبد الأعلى بن حماد، وشيبان بن فَرُّوخ، وعُبيد اللَّه القَوَاريريّ، ومحمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: ما رأيت أحدًا أخوف للَّه منه، وكان يصلي كل يوم خمسمائة ركعة (^٢)، وكان ورده ثلث القرآن، وقال القواريريّ: هو من أفضل من رأيت من المشايخ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال نصر بن علي الجهضميّ: ثبت في الحديث، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من خيار أهل البصرة، وعُبّادهم، مات بعدما عَمِي، وقال يعقوب بن شيبة: كان قد سَمِع، ولم يكن له عناية بالحديث.
قال إسماعيل بن بشر: مات أبي سنة (١٨٠)، وكذا قال البخاريّ، عن ابن المدينيّ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بالضمّ مصغّرًا- سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
_________________
(١) ونقل في "تهذيب التهذيب" (٩/ ٢٤٧) عن "الزهرة" أن البخاريّ رَوَى عنه ثلاثة أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) تقدّم الكلام عليه في الترجمة التي قبله، فتنبّه.
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ) بفتح الخاء المشدّدة بصيغة اسم المفعول، قال في "المصباح": ومُؤَخَّرُ كُلِّ شيءٍ بالتثقيل والفتح: خلافُ مقدّمه. انتهى. والمعنى هنا: أي في آخر المسجد.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير الْجُريريّ، أي ذكر سعيد الْجُريريّ عن أبي نضرة، مثل حديث أبي الأشهب، عنه.
[تنبيه]: رواية الْجُريريّ هذه، ساقها الحافظ أبو عوانة -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٣٨٥) حدّثنا أيوب بن إسحاق بن سافري (^١)، قال: ثنا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، قال: ثنا بشر بن منصور، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيد، قال: رأى رسول اللَّه -ﷺ- ناسًا في مُؤَخَّر المسجد، فقال: "لا يزال قوم يتأخرون، حتى يؤخرهم اللَّه، ادْنُوا مِنِّي، فائتَمُّوا بي، وليأتمّ بكم مَنْ بَعْدَكم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٩] (٤٣٩) - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ اَلْمُقَدَّمِ، لَكَانَتْ قُرْعَةً"، وَقَالَ ابْنُ حَرْبٍ: "الصَّفِّ الأَوَّلِ، مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهيمُ بْنُ دِينَارٍ) التّمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
_________________
(١) كذا وقع في النسخة: "سافري"، ويحتاج إلى تحرير.
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ) النشائيّ -بالمعجمة- ويقال: النشاستجيّ، أبو عبد اللَّه الواسطيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠].
رَوَى عن إسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، ومحمد بن يزيد الواسطيّ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي قَطَن عمرو بن الهيثم، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وأبي بَدْر شُجَاع بن الوليد، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن خزيمة، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال القرّاب: مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وقال ابن حبّان: مات بعد الخمسين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند أبي داود حديث عُبَادة: "خمس صلوات افترضهن اللَّه. . . " (^١).
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ) -بفتح القاف، والطاء المهملة- هو: عمرو بن الهيثم بن قَطَن بن كعب الزُّبَيديّ الْقُطَعِيّ -بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة- أبو قَطَن البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن شعبة، ومالك بن مِغْوَل، ومبارك بن فَضالة، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وحمزة الزّيّات، وأبي حنيفة، وسعيد بن أبي عروبة، وأبي حُرّة واصل بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن بِشْر اللَّخْميّ، وأحمد بن مَنِيع، وعمرو الناقد، وسُرَيج بن يونس، وبُندار، وأبو ثور، وإبراهيم بن دينار التمّار، ومحمد بن حرب النشائيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وغيرهم.
قال الربيع بن سليمان، عن الشافعيّ: ثقة، وقال أبو داود، عن أحمد:
_________________
(١) وذكر في "تهذيب التهذيب" (٩/ ٩٥) عن "الزهرة" أن البخاريّ روى عنه ثمانية أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
ما كان به بأسٌ، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، قال: قال أبو قطن، وكان ثبتًا: ما أعرت أحدًا كتابي قطّ، وقال إبراهيم الحربيّ: ثنا عنه أحمد يومًا، فقال له رجل: إن هذا تَكَلَّم بعدكم في القدر، فقال أحمد: إن ثُلُث أهل البصرة قدريّة، وقال عبد اللَّه بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك، أبو قَطَن، أو عبد الوهاب الْخَفّاف في سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: الخفاف أقدم سماعًا، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ من الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة، فذكره بجميل، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالحٌ، وقال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن أبي قطن؟ فقال: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره مسلم بن الحجاج في الطبقة الثانية من ثقات أصحاب شعبة، مع وكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهما.
وقال ابن حبّان: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرَّخه ابن سعد، عن الواقديّ، وزاد: في شعبان، وهو ابن (٧٧) سنةً.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٩)، وحديث في الدعاء برقم (٢٧٢٠).
٤ - (خِلَاس) -بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام- ابن عمرو الْهَجَريّ -بفتحتين- البصريّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عليّ، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأبى هريرة، وابن عباس، وأبي رافع الصائغ، وغيرهم.
وروى عنه قتادة، وعوف الأعرابيّ، وجابر بن صُبْح، وداود بن أبي هند، وجماعة.
قال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ، عن أحمد بن حنبل: روايته عن عليّ من كتاب، قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يحيى بن سعيد يتوقى أن يُحَدِّث عن خِلاس، عن عليّ خاصةً، وأظنه حدّثنا عنه بحديث، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ ثقةٌ، قيل: سَمِع من عليّ؟ قال: لا، قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: لم يسمع خِلاس من
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
أبي هريرة شيئًا، وقال في موضع آخر: خِلاس لم يسمع من حذيفة، وقال أيضًا: كانوا يخشون أن يكون خِلاس يُحَدِّث عن صحيفة الحارث الأعور، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن خِلاس، سمع من عليّ؟ فقال: كان يحيى بن سعيد يقول: هو كتاب، وقد سمع من عمّار وعائشة، وابن عباس، وقال أبو حاتم: يقال: وقعت عنده صُحُف عن عليّ، وليس بقويّ، وقال ابن سعد: كان قديمًا كثير الحديث، له صحيفة يُحَدِّث عنها، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ، ولم أر بعامّة حديثه بأسًا، حديثه في "صحيح البخاري" مقرون بغيره، وقال البخاريّ في "تاريخه": رَوَى عن أبي هريرة، وعليّ -﵄- صحيفةً، وقال أبو طالب: سألت أحمد: سَمِع خِلاس من عُمَر؟ فقال: لا، وقال عبد اللَّه بن أحمد في "العلل": قال يحيى بن سعيد: لم يسمع من عمر، ولا من عليّ، وقال الْجُوزجانيّ، والعقيليّ: كان على شُرْطة عليّ، وقال العجليّ: بصريّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: كان أبوه صحابيًّا، وما كان من حديثه عن أبي رافع، عن أبي هريرة احتُمِل، وأما عن عثمان، وعليّ فلا، وذكر محمد بن نصر في "كتاب الوتر" أنه قال: سألت عمار بن ياسر.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: مات خِلاس قبيل المائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني واسطيّ، والصحابيّ مدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع.
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ) للشكّ من الراوي، شكّ في قوله: "لو تعلمون" بالتاء المثنّاة الفوقانيّة، أو (يَعْلَمُونَ) بالياء التحتانيّة (مَما) موصولة مفعول "تعلمون" (فِي الصَّفَ الْمُقَدَّمِ) بصيغة اسم المفعول، أي الأوّل، يعني لو تعلمون أيها المخاطبون، أو يعلم المسلمون ما في الصفّ الأول من الفضل الجسيم، والأجر العظيم (لَكَانَتْ قُرْعَةً") اسم "كان" ضمير يعود إلى المفهوم، أي لكانت الخصلة الفاصلة للنزاع قُرْعةً، أو لكانت صلاة الجماعة، بالقُرعة (وَقَالَ) محمد (بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني في روايته (الصَّفِّ الْأَوَّلِ) بدل قول إبراهيم بن دينار: "الصفّ اَلمقدَّم"، وقال أيضًا (مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً) بدل قول إبراهيم: لكانت قُرْعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: انتقد الإمام الدارقطنيّ -﵀- هذا الحديث، ودونك نصّ "العلل":
(١٦٤٢) وسئل عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما في الصف الأول، لكانت قرعة"؟ فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه، فرواه أبو قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلَاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وكذلك قال يعلى بن عَبّاد، عن همام، عن قتادة، وغيرهما يرويه عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، موقوفًا، قال ذلك سعيد بن أبي عروبة، وأبانٌ العطار، عن قتادة، هذا أشبه. انتهى (^١).
وكذلك انتقده صالح بن محمد، فقد ذكر في "التهذيب" (^٢) عن عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ، قال: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن حديث أبي قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي
_________________
(١) راجع: "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" للدارقطنيّ ٩/ ٦١.
(٢) راجع: "تهذيب الكمال" ٢٢/ ٢٨٥، و"تهذيب التهذيب" ٨/ ١٠١.
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما في الصفّ المقدم، لكانت قرعة"؟ فقال: هذا خطأ، ثنا به يحيى بن معين، وأبو ثور، عن أبي قطن، ولم يرفعه أحد غيره، والصحيح عن أبي هريرة قوله. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لم يرفعه أحد غيره" فيه نظر، فقد تقدّم عن الدارقطنيّ أن يعلى بن عبّاد، رواه، عن همّام، عن قتادة مرفوعًا، فتنبّه.
والظاهر أن المصنّف: رجَّح الرفع على الوقف؛ لأن شعبة، وهمّام بن يحيى اتّفقا عليه، فمخالفة سعيد بن أبي عروبة وأبان العطّار لهما فيه لا تضرّ.
وأيضًا للرفع شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- نفسِهِ، متّفق عليه، وقد تقدّم قبل حديثين، "لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا".
والحاصل أن الراجح هو الرفع، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٩] (٤٣٩)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٩٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٥٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ١٠٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٦)، و(ابن حزم) في "المحلَّى" (٤/ ٥٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الأحاديث السابقة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٠] (٤٤٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
٢ - (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد، تقدّم
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقون تقدّموا في الباب، وجرير: هو ابن عبد الحميد، وأبو سُهيل، أبو صالح ذكوان السمّان.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا) "خَيْرُ" مبتدأ خبره "أولها"، يعني أن أفضل صفوف الرجال، وأكثرها ثوابًا أولّها، وإنما كان خيرًا؛ لأن اللَّه تعالى وملائكته يُصلّون على الصفّ الأول، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، عن البراء بن عازب -﵄- أن نبيّ اللَّه -ﷺ- قال: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف المقدم. . . " الحديث، ولفظ النسائيّ: "على الصفوف المتقدّمة".
ولأن الرجال اختصّوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء به، والتبليغ عنه، ولما فيه من البعد من صفّ النساء، وقال ابن الملك: المراد بالخير كثرة الثواب، فإن الصفّ الأول أعلم بحال الإمام، فتكون متابعته أكثر، وثوابه أوفر. انتهى.
وقد تقدّم الخلاف في المراد بالصفّ الأول، وأن الراجح أنه الصفّ الذي يلي الإمام مطلقًا، سواء جاء صاحبه متقدّمًا، أم متأخّرًا، وسواء تخلّله مقصورة ونحوها، أم لا.
(وَشَرُّهَا آخِرُهَما) يعني أن أقلّ صفوف الرجال ثوابًا آخرها؛ لبعده عن الإمام، ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدّم إلى الصفّ الأول، ولقربه من صفّ النساء.
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
(وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا) أي لبعدهنّ من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك (وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا") أي لكونه مظنّة المخالطة، وتعلّق القلب بهنّ، المتسبّب عن رؤيتهنّ، وسماع كلامهنّ.
وقال الطيبيّ -﵀-: والخير والشرّ في صفّي الرجال والنساء للتفضيل؛ لئلا يلزم من نسبة الخير إلى أحد الصفّين شركة الآخر فيه، ومن نسبة الشرّ إلى أحدهما شركة الآخر فيه، فيتناقض، ونسبة الشرّ إلى الصفّ الأخير، مع أن صفوف الصلاة كلّها خيرٌ؛ إشارةٌ إلى أن تأخُّر الرجل عن مقام القرب مع تمكّنه منه هَضْمٌ لحقّه، وتسفيهٌ لرأيه، فلا يبعُد أن يسمّى شرًّا، قال أبو الطيّب [من الوافر]:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَاسِ عَيْبًا (^١) … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
وقال المظهر -﵀-: الرجال مأمورون بالتقدّم، فمن هو أكثر تقدّمًا، فهو أشدّ تعظيمًا لأمر الشرع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما النساء، فمأمورات بالحجاب، فمن هي أقرب إلى صفّ الرجال تكون أكثر تركًا للحجاب، فهي لذلك شرّ من اللائي تكنّ في الصفّ الأخير. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: أما صفوف الرجال، فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا، وأما صفوف النساء، فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صَلّين متميزات، لا مع الرجال، فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشرّ الصفوف في الرجال والنساء أقلُّها ثوابًا وفضلًا، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فُضِّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال؛ لبعدهنّ من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلُّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذُمَّ أول صفوفهن؛ لعكس ذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) وقع في النسخة: "شيئًا"، وما هنا من "فيض القدير" (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٤٤.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تفريق النوويّ -﵀- في صفوف النساء بين صلاتهنّ مع الرجال، وصلاتهنّ وحدهنّ محلّ نظر؛ فإن ظاهر النصّ يعمّ النوعين، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٩٠ و٩٩١] (٤٤٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٨)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢٤)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٣ - ٩٤)، و(ابن ماجه) فيها (١٠٠٠)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٠٠ و١٠٠١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣٦ و٢٤٠ و٣٥٤ و٣٦٧ و٤٨٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٦١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦٨ و١٣٦٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٧ و٩٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨١٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ترتيب صفوف الرجال والنساء في الفضل والثواب.
٢ - (ومنها): بيان أن خير صفوف الرجال، أولها، وشرها آخرها، وأما النساء فبالعكس.
٣ - (ومنها): بيان شدة عناية الشرع بالحثّ على الابتعاد عن محلّ الافتتان، فقد أمر ببعد النساء عن الرجال؛ لئلا يقع محظور شرعيّ.
٤ - (ومنها): بيان فضل الرجال على النساء، حيث يتقدّمون عليهنّ في المواطن المهمة، كصفوف الصلاة، وصفوف القتال، وغير ذلك، مما فضّل اللَّه تعالى به الرجال على النساء، فجعلهم متحمّلين عنهنّ من أعباء الدين، وأثقال
[ ١٠ / ٢٩١ ]
المعيشة، ما يشقّ عليهنّ تحمّله، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
و"سهيل" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ هذه ساقها الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٢٠٨) حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها"، وقال: حديث حسن صحيح.
قال: وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأُبَيّ، وعائشة، والعرباض بن سارية، وأنس، -﵃-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٠ / ٢٩٢ ]