وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦٨] (٦٠٤) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي"، وَقَالَ (^٣) ابْنُ حَاتِمٍ: "إِذَا أُقِيمَتْ، أَوْ نُودِيَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنيّ [١٠] تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان التيميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٥/ ١٠١.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "قال".
[ ١٣ / ٣٢١ ]
متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم، أبو الصَّلْت الكِنْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أبو نصر الطائيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٨ - (أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيّ، وقيل: غيره، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول انفرد به هو وأبو داود، والثاني انفرد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي عن أبيه: عبد اللَّه، عن أبي قتادة، ورواية تابعي عن تابعيين: يحيى عن أبي سلمة، وعبد اللَّه بن أبي قتادة.
٤ - (ومنها): أن صحابيه من مشاهير الصحابة -﵃-، فارس رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) قال في "الفتح": وصرح أبو نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن هشام -يعني الدّستوائي- أن يحيى كَتَب إليه أن عبد اللَّه بن أبي قتادة حدّثه، فأُمِن بذلك تدليس يحيى. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: هذا الحديث مما رواه هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير مكاتبةً، وقد رواه عن يحيى غير واحد: شيبان، وحجّاج الصوّاف، وأيوب، وأبان العطّار، ومعمر، وغيرهم، خرّجه البخاريّ من رواية شيبان، ومسلم من رواية حجّاج، ومعمر، وفي رواية له من رواية شيبان
[ ١٣ / ٣٢٢ ]
ومعمر: "حتى تروني قد خرجتُ"، وقال أبو داود: لم يذكر "قد خرجت" إلا معمرٌ، وذكر البيهقيّ أنها قد رُويت عن حجّاج أيضًا، وخرّجها ابن حبّان في "صحيحه" من رواية معمر، ولفظه: "حتى تروني قد خرجت إليكم". انتهى (^١).
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة، ونودي بها (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي") أي تُبصروني، وفي الرواية التالية: "حتى تروني قد خرجت"، وفي رواية ابن حبان من طريق عبد الرزاق: "حتى تروني خرجت إليكم"؛ ولا بد فيه من التقدير، أي لا تقوموا حتى تروني خرجت، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذه اللفظة -يعني "قد خرجتُ"- يُستدلّ بها على مراده -ﷺ- برؤيته أن يَخرُج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد يراه كلُّ من كان في المسجد، وهذا كقوله -ﷺ-: "لا تصوموا حتى تروا الهلال"، متّفق عليه، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتُفي برؤيتهما، وصام الناس كلُّهم.
ويدلّ على هذا ما أخرجه مسلم بعد هذا من حديث أبي هريرة -﵁- قال: "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدّلنا الصفوف قبل أن يخرُج إلينا رسول اللَّه -ﷺ-. . . " الحديث.
ويُحمَل ذلك على قيامهم قبل أن يطلع على أهل المسجد من المسجد لما علموا خروجه من بيته وتحقّقوه.
وأخرج أيضًا من حديثه: "إن كانت الصلاة تقام لرسول اللَّه -ﷺ-، فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبيّ -ﷺ- مقامه".
فهذه الرواية تصرّح بأن الصفوف كانت تُعدَّل له قبل أن يبلغ النبيّ -ﷺ- إلى مصلّاه، ولكنّه كان قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.
وقد ذكر الدارقطنيّ وغير واحد من الحفّاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتى به بهذا اللفظ.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤١٣.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١٥٣.
[ ١٣ / ٣٢٣ ]
[فإن قيل]: فقد أخرج مسلم من حديث جابر بن سَمُرة -﵁- قال: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحضت، فلا يُقيم حتى يخرج النبيّ -ﷺ-، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه"، فلو اكتُفي برؤية واحد للنبيّ -ﷺ- لاكتُفي برؤية بلال له، واكتُفي بإقامة بلال في قيام الناس، فإنه كان لا يُقيم حتى يرى النبيّ -ﷺ- قد خَرَجَ.
[أجيب]: بأن هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصّةً، وأما في غيرها من الصلوات، فقد كان بلالٌ يجيء إلى النبيّ -ﷺ- في بيته، فيُؤْذِنه بالصلاة، فكان يفعل في صلاة الفجر، كما في حديث عائشة وابن عبّاس -﵃-، وكان أحيانًا يفعله في السفر في غير الفجر، كما رَوَي أبو جُحيفة أنه رأى بلالًا آذن النبيّ -ﷺ- بصلاة الظهر.
فالظاهر أن بلالًا كان إذا آذن النبيّ -ﷺ- بالصلاة، رجع فأقام قبل خروج النبيّ -ﷺ- من بيته، واكتَفَى بتأهّبه للخروج بإيذانه له، فوقع النهي عن قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١) ببعض تصرّف، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ذكر المصنّف -﵀- الاختلاف بين شيخيه: محمد بن حاتم، وعبيد اللَّه بن أبي سعيد، فأشار بأن اللفظ المذكور لعبيد اللَّه، وأما محمد بن حاتم، فذكر لفظه بقوله: (وَقَالَ) وفي نسخة: "قال" بحذف الواو (ابْنُ حَاتِمٍ) هو: محمد شيخه الأول ("إِذَا أُقِيمَتْ، أَوْ نُودِيَ") "أو" للشكّ من الراوي، يعني أن محمد بن حاتم ذكره بالشكّ.
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" ظاهره: أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبيّ -ﷺ- من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة -﵄- الآتي: "أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبيّ -ﷺ-".
ويُجْمَع بينهما بأن بلالًا -﵁- كان يراقب خروج النبيّ -ﷺ-، فأول ما يراه يَشْرَع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤١٤ - ٤١٥.
[ ١٣ / ٣٢٤ ]
قال في "الفتح": ويَشْهَد له ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: "أن الناس كانوا ساعةَ يقول المؤذن: اللَّه أكبر، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيّ -ﷺ- مقامه حتى تعتدل الصفوف".
وأما حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعَدّلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبيّ -ﷺ-، فأتى، فقام مقامه" الحديث، وفي رواية أبي داود: "إن الصلاة كانت تقام لرسول اللَّه -ﷺ-، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبيّ -ﷺ-".
فيُجْمَع بينه وبين حديث أبي قتادة -﵁- هذا بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة -﵁- كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبيّ -ﷺ-، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره.
ولا يَرُدُّ هذا حديث أنس -﵁-: أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك وقع منه نادرًا، أو فعله لبيان الجواز. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٦٨ و١٣٦٩] (٦٠٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٣٧ و٦٣٨)، و"الجمعة" (٩٠٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٩ و٥٤٠)، و(الترمذيّ) فيها (٥٩٢)، و(النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٦)، و"الكبرى" (٧٩٠ و٨٦٥ و١٦٥١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٠٥ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩)،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ١٤٢.
[ ١٣ / ٣٢٥ ]
و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٥٥ و٢٢٢٢ و٢٢٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٣٥ و١٣٣٦ و١٣٣٧ و١٣٣٨ و١٣٣٩ و١٣٤٠ و١٣٤١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٠ و١٣٤١ و١٣٤٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة، وهو وقت رؤيتهم الإمام خارجًا إلى الصلاة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان حرص الصحابة -﵃- في المبادرة إلى الخير حيث إنهم كانوا يقومون للصلاة قبل خروج النبيّ -ﷺ-؛ مبادرةً إليها.
٣ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ -ﷺ- على أمته حيث نهاهم عن القيام قبل أن يخرج إليهم؛ لئلا يشقّ عليهم، كما قال اللَّه ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها حيث خفّفت في مواطن المشقّة؛ دفعًا للحرج، وقد بيّن اللَّه تعالى ذلك حيث قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال -ﷺ-: "بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة" (^١).
٥ - (ومنها): أنه يفيد أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام قد خرج للصلاة؛ لأن ذلك يؤدي إلى تطويل القيام على الناس؛ انتظارًا له، وربما لا يكون مستعدًّا، أو يَعْرِض له عارضٌ في طريقه، فيتأخر عليهم، وأصرح منه حديث جابر بن سمرة -﵁- الآتي بلفظ: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحَضَت، فلا يُقيم حتى يخرج النبيّ -ﷺ-"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) هو ما أخرجه أحمد في "مسنده" مطوّلًا برقم (٢١٧٨٨)، وفيه: "إني لم أبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بُعِثت بالحنيفية السمحة. . . " الحديث، صححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" ٦/ ١٠٢٢.
[ ١٣ / ٣٢٦ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حين يقام للصلاة:
قال الإمام مالك -﵀- تعالى في "الموطأ": لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحدّ محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف.
وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة.
وعن أنس -﵁- أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، رواه ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد اللَّه -﵁-.
وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: "اللَّه أكبر" وجب القيام، وإذا قال: "حيّ على الصلاة" عُدِّلت الصفوف، وإذا قال: "لا إله إلا اللَّه" كبَّر الإمام.
وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: "حيّ على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبَّر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكر على التفصيل المذكور، قال الحافظ -﵀-: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى.
وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر -﵀- عن أنس بن مالك -﵁- أنه كان إذا قيل: "قد قامت الصلاة" وثب فقام، ونحوه عن حسين بن عليّ -﵄-.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظيّ، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهريّ، وسليمان بن حبيب المحاربيّ يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة. وبه قال عطاء، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يُوَقّت به وقتًا، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف.
وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: "حيّ على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبَّر الإمام، وكبَّر القوم معه،
[ ١٣ / ٣٢٧ ]
وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم.
وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
قال ابن المنذر -﵀-: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى مُلَخَّص كلام ابن المنذر -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر -﵀- وهو أنه إن كان الإمام معهم قاموا إذا قام، وإن لم يكن معهم، فلا يقوموا حتى يروه، هو الحقّ عندي؛ لوضوح حجّته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ، وَشَيْبَانَ: "حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
[ ١٣ / ٣٢٨ ]
٦ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٨ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الدمشقيّ، تقدّم قبل بابين.
٩ - (شَيْبَانُ) بن عبدالرحمن النحويّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني ابن أبي شيبة.
وقوله: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) كقول "قال أبو بكر"، فهو معطوفٌ على "حدّثنا سفيان"، والمعنى أن أبا بكر بن أبي شيبة روى هذا الحديث بسندين، الأول: سفيان بن عيينة، عن معمر، والثاني: إسماعيل ابن عُليّة، عن حجّاج بن أبي عثمان.
وقوله: (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) فاعل "قال" ضمير المصنّف، والظاهر أنه ملحقٌ من الراوي عنه.
وقوله: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ) يقدّر قبل قوله: "عن معمر" لفظ "كلاهما"، أي كلا عيسى، وعبد الرزّاق.
وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ. . . إلخ) هو: ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، والظاهر أن هذا ليس تعليقًا، بل هو مما سمعه المصنّف من إسحاق، كما يظهر من عبارة الحافظ المزّيّ في "تحفته" (^١)، فتنبّه.
وحاصل المعنى أن إسحاق بن إبراهيم، روى هذا الحديث بسندين: أحدهما: عيسى بن يونس، وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر، والثاني: الوليد بن مسلم، عن شيبان بن عبد الرحمن.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. . . إلخ) أي كلُّ هؤلاء الثلاثة: معمر، وحجّاج بن أبي عثمان، وهو حجّاج الصوّاف المذكور في السند الماضي، وشيبان النحويّ، رووا عن يحيى بن أبي كثير. . . إلخ.
وقوله: (وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ، وَشَيْبَانَ: "حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٥٣٩.
[ ١٣ / ٣٢٩ ]
خَرَجْتُ") يعني أن زيادة قوله: "حتى تروني قد خرجت" إنما رواها إسحاق من حديث معمر، وشيبان.
ثم إن الزيادة هي قوله: "قد خرجت"، وأما "حتى تروني"، فمذكور عند الجميع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٠] (٦٠٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ، فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ"، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ذُكر قبل حديث.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[ ١٣ / ٣٣٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد هو به، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني انفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم بغداديّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) المراد من الإقامة ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة الْمُشْعِرة بالشروع في الصلاة، وهي أخت الأذان، كذا قاله الكرمانيّ، وقال العينيّ: معناه إذا نادى المؤذن بالإقامة، فأقيم المسبب مقام السبب. انتهى (^١).
(فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ) أي سوّيناها، وتعديلُ الشيء: تقويمه، يقال: عدّلته، فاعتدل: أي قوّمته، فاستقام (قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) "قبل" ظرف تنازعه "قُمنا"، و"فعدّلنا".
وفي رواية البخاريّ: "أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج، وقد أقيمت الصلاة"، فقال في "الفتح": قوله: "خرج، وقد أقيمت الصلاة" يَحْتَمِل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويَحْتَمِل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر قوله: "فسَوَّى الناس صفوفهم، فخرج. . . " لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه بالفاء.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٣٣٤.
[ ١٣ / ٣٣١ ]
ويحتمل أن يُجْمَع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالًا، أي خرج، والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت.
وقال الكرمانيّ: لفظ "قد" تُقَرِّب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حالة الإقامة، وفي حال التعديل، ويَحْتَمِل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. انتهى (^١).
(فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي إلى مصلّاه؛ ليصلّي بالناس (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) -بضم الميم- أي موضع صلاته (قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ) هذا صريح في أنه -ﷺ- لم يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاريّ: "وانتظرنا تكبيره"، وفي رواية له: "حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف. . . ".
[فإن قيل]: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود، وابن حبان، عن أبي بكرة -﵁-: "أن النبيّ -ﷺ- دخل في صلاة الفجر، فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلّى بهم".
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلًا: "أنه -ﷺ- كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء".
[أجيب]: -كما قال في "الفتح"- بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض، والقرطبيّ احتمالًا، وقال النوويّ: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبّان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ادَّعَى ابن بطال أن الشافعيّ احتَجّ بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام، قال: فناقض أصله، فاحتَجَّ بالمرسل.
وتُعُقِّب بأن الشافعيّ -﵀- لا يرد المراسيل مطلقًا، بل يحتجّ منها بما يَعْتَضِد، والأمر هنا كذلك؛ لحديث أبي بكرة -﵁- المذكور، قاله في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ١٤٣.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١٣ / ٣٣٢ ]
وقوله: (ذَكرَ) حذف مفعوله في هذه الرواية، وقد ذُكر في رواية البخاريّ، ولفظه: "فلما قام في مصلّاه ذكر أنه جُنُبٌ".
[تنبيه]: "ذَكَرَ" من باب نصر، مبنيًّا للفاعل: ضدّ نَسِيَ، قال الفيّوميّ: ذَكَرته بلساني، وبقلبي ذِكْرَى بالتأنيث، وكسر الذال، والاسم: ذُكْرٌ بالضمّ والكسر، نصّ عليه جماعة، منهم أبو عُبيدة، وابن قُتيبة، وأنكر الفرّاء الكسر في القلب، وقال: اجعلني على ذُكر منك بالضمّ لا غير، ولهذا اقتصر جماعة عليه، ويتعدّى بالألف والتضعيف، فيقال: أذكرته، وذَكَّرته ما كان، فتذكّر. انتهى (^١).
(فَانْصَرَفَ) أي رجع إلى حجرته (وَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ") بالنصب: اسم فعل، فسّره النحويون بـ "اثبتوا"، فيتحمل ضميرًا، ومنه قول الشاعر:
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو "تُحْمَدي".
وفسره الزمخشري بـ "الزموا"، واعترض عليه أبو حيان بأنه ليس بجيّد؛ إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامَلُ معاملة مسماه.
وقال الحوفيّ: "مكانكم" نُصِب بإضمار فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا.
وقال السمين الحلبيّ: إن مَن فسر بذلك قصد تفسير المعنى (^٢).
ثم إن الظاهر أنه قال لهم: "مكانكم" نُطْقًا، ويَحْتَمِل أنه أشار إليهم بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة -﵁- المذكور، ففيه إطلاق القول على الإشارة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين القول والإشارة، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا) جمع قائم كتِجَار بكسر التاء، جمع تاجر، ويجوز أن
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) راجع: تفسير السمين الحلبيّ المسمَّى "الدّرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ٤/ ٢٦ - ٢٧.
[ ١٣ / ٣٣٣ ]
يكون مصدرًا جاريًا على حقيقته، وقال الكرمانيّ: فهو تمييزٌ، أو محمول على اسم الفاعل، فهو حال.
وقال في "العمدة": إذا كان لفظ قيامًا مصدرًا يكون منصوبًا على التمييز؛ لأن في قوله: "فَعَدَّلنا الصفوفَ" فيه إبهام، فيفسِّره قوله: "قِيامًا"، أي من حيث القيام، وإذا كان جمعًا لـ "قائم" يكون انتصابه على الحالية، وذو الحال محذوف تقديره: وعدّلنا الصفوفَ حال كوننا قائمين. انتهى بتصرّف (^١).
[فإن قيل]: إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه قيامًا، وحديث أبي قتادة -﵁- المذكور قبل هذا: "إذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت"، يدلّ على النهي عن انتظاره قيامًا، فكيف يوفق بينهما؟.
[قلت]: تقدّم الجواب عن هذا بأن حديث أبي هريرة -﵁- وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان سببًا لنهيه -ﷺ- لهم في حديث أبي قتادة -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
(نَنْتَظِرُهُ) أي ننتظر مجيئه (حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) -بكسر الطاء، وضمها- لغتان مشهورتان: أي يقطُر، وفي رواية للبخاريّ من طريق محمد بن يوسف، عن الأوزاعي: "ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم". وعند الدارقطنيّ من وجه آخر عن أبي هريرة -﵁-، فقال: "إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل".
(فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا) قال النوويّ -﵀-: وظاهر هذه الأحاديث أنه لَمّا اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة الصلاة، وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلا بدّ من إعادة الإقامة، ويدلّ على قرب الزمان في هذا الحديث قوله -ﷺ -: "مكانكم"، وقوله: "خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قوله: "فإن طال، فلا بد من إعادة الإقامة" نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، بل يردّه أنهم انتظروه طويلًا حين كان يناجي رجلًا بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَدِ الإقامة (^٣)، كما تقدم
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٣/ ٣٣٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ٢٠٣.
(٣) هو: ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك -﵁- قال: أقيمت الصلاة، والنبيّ -ﷺ- =
[ ١٣ / ٣٣٤ ]
تحقيقه (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٧٠ و١٣٧١ و١٣٧٢] (٦٠٥)، و(البخاريّ) في "الغسل" (٢٧٥) و"الأذان" (٦٣٩ و٦٤٠)، و(أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٥)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٧٩٢ و٨٠٩)، و"الكبرى" (٨٦٧ و٨٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٥٩، ٢٨٣، ٤٤٨، ٥١٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٣٦)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الإمام إذا تذكر بعد القيام للصلاة أنه على غير طهارة يُنتَظَر حتى يتطهر، ويرجع.
٢ - (ومنها): بيان جواز النسيان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في أمر العبادة؛ لأجل التشريع.
٣ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل.
٤ - (ومنها): جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: "فصلى" ظاهر في أن الإقامة لم تعد.
٥ - (ومنها): أنه لا حياء في أمر الدين.
٦ - (ومنها): جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا عند الضرورة،
_________________
(١) = يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.
(٢) تقدّم الحديث في "كتاب الحيض" برقم (٣٧٦) رقم محمد فؤاد -﵀-.
[ ١٣ / ٣٣٥ ]
وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة -﵁-، كما أسلفنا وجه التوفيق بينهما.
٧ - (ومنها): بيان أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك.
٨ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.
٩ - (ومنها): جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
١٠ - (ومنها): العناية بإقامة الصفوف.
١١ - (ومنها): شدة عناية الصحابة -﵃- بامتثال أمره -ﷺ-، حيث انتظروه قيامًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس، وهو جنب:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: قد اختلفوا في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يُعِد من خلفه صلاتهم.
وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر -﵃-.
أخرج ابن المنذر بسنده عن الشريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب -﵁- صلّى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الْجُرُف، فذهب يَغتسل، فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صلّيت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم أعاد الصلاة.
وأخرج أيضًا عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة، فصلّى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نُعِد صلاتنا.
وأخرج أيضًا عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان -﵁- صلّى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كَبِرت، واللَّه كَبِرت، واللَّه أجنبت، ولا أعلم، فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.
[ ١٣ / ٣٣٦ ]
وأخرج أيضًا عن الحارث الأعور، عن عليّ -﵁-، قال: إذا صلّى الجنب بالقوم، فأتمّ بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا.
وأخرج أيضًا عن سالم بن عبد اللَّه: أن ابن عمر -﵁- صلّى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه.
وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، والمزنيّ، وحُكي ذلك عن عبيد اللَّه بن الحسن.
وقالت طائفة: يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن أبي طالب -﵁- خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعًا مقال (^١)، وهو قول ابن سيرين، والشعبيّ، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: أحب إلينا أن يعيد، ويعيدون، وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون.
وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلّى إمام قوم غير متوضئ، فذكر حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه يعيد هو، ولا يعيدون، قيل له: فصلّى بهم جنبًا، فلم يعلموا، ولم يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة كالوضوء.
واختُلِف على مالك، والشافعيّ في الإمام تعمد أن يصلي بهم، وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة، وكان الشافعيّ يقول: عَمْدُ الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان.
قال ابن المنذر -﵀-: ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلّى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة -﵄-، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول اللَّه -ﷺ- دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليلٌ على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلّى خلف
_________________
(١) أما الرواية الأولى ففي سندها الحارث الأعور، متكلَّم فيه، وفي الثانية عمرو بن خالد الواسطيّ، وهو متروك، رماه الحفّاظ بالكذب، كما قاله البيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢/ ٤٠١.
[ ١٣ / ٣٣٧ ]
جنب، قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبيّ -ﷺ- حديث لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين -﵃- في هذا الباب كفاية، وقد ثبتٌ عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبيّ -ﷺ- خلافَ قولهم.
فأما ما حَدَث عن عليّ -﵁- ففي الإسنادين جميعًا مقال، فكأن عليًا لم ياتنا عنه في هذا الباب شيء؛ لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أن لا يخالف ما رويناه عن عمر، وعثمان، وابن عمر -﵃- في هذا الباب، والنظر مع ذلك دالّ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوا كما أُمِروا، وأدَّوا فرضهم، ثم اختُلِف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادةَ ما صَلَّوا على ظاهر ما أمروا به بغير حجة. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- ببعض تصرف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر -﵀- من ترجيح مذهب من يقول: إنّ من صلى خلف جنب أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي؛ لقوة دليله، كما تقدّم تحقيقه في كلامه -﵀-.
وقد ذكرت البحث بأطول وأتمّ مما هنا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ مَقَامَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ، أَنْ مَكَانَكُمْ، فَخَرَجَ، وَقَدِ اغْتَسَلَ، وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ الْمَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ٢١١ - ٢١٥.
[ ١٣ / ٣٣٨ ]
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قبل حديث.
٣ - (أَبُو عَمْرِو الْأَوْزَّاعِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ إمام جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ) "صَفّ" يُستَعمَل لازمًا، ومتعديًا، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا، وصَفَفتهم، فصَفُّوا هم، والمراد هنا أنهم عَدَّلوا صفوفهم، وفي رواية البخاريّ: "فسوّى الناس صفوفهم".
(وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ مَقَامَهُ) وفي رواية البخاريّ: "فخرج" بالفاء.
وقوله: (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ) أي أشار إليهم.
وقوله: (أَنْ مَكَانَكُمْ) "أن" تفسيريّة، أي الزموا مكانكم.
وقوله: (فَخَرَجَ) عطف على محذوف، كما تبيّنه الروايات الأخرى، أي فرجع إلى بيته، فخرج منه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَامَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يُلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَامَهُ) قال الحافظ ابن رجب -﵀-: هذه الرواية تصرّح بأن الصفوف كانت تُعدّل قبل أن يبلغ
[ ١٣ / ٣٣٩ ]
النبيّ -ﷺ- إلى مصلّاه، ولكنّه قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.
قال: وقد ذكر الدارقطنيّ وغير واحد من الحفّاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتى به بهذا اللفظ. انتهى (^١).
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار -﵀- في "علله"، ودونك نصّه:
(١١) - ووجدت فيه (^٢) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "كانت الصلاة تُقام لرسول اللَّه -ﷺ-، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ -ﷺ- مقامه".
قال أبو الفضل: وهذا اختصار عندنا من الوليد بن مسلم، اختصر الحديث، والحديث حديث الزُّبيديّ، ومعمر، ويونس، والأوزاعيّ، وأصحاب الزهريّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: "أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، ثم خرج رسول اللَّه -ﷺ-، فلما أخذ مقامه، أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر"، فالحديث هو الذي رواه الزهريّ. انتهى كلام أبي الفضل -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه أبو الفضل إلى "صحيح مسلم" من رواية داود بن رُشيد، لم نجده في النسخ الموجودة عندنا، وإنما رواه مسلم عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد، لا عن داود بن رُشيد، ولعلّه وجد نسخة فيها روايته عن داود.
وأما رواية داود، عن الوليد فهي عند أبي داود في "سننه"، ودونك نصّه:
(٥٤١) حدّثنا محمود بن خالد، حدّثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو (ح) وحدّثنا داود بن رُشيد، حدّثنا الوليد، وهذا لفظه، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن الصلاة كانت تقام لرسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤١٤.
(٢) أي "صحيح مسلم" "كتاب المساجد" رقم (٦٠٥).
(٣) راجع: "قرّة عين المحتاج" ١/ ١٤٦.
[ ١٣ / ٣٤٠ ]
فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ -ﷺ- مقامه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٣] (٦٠٦) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ، فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكّة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، أبو عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ بِلَال) بن رَبَاح، أبو عبد اللَّه، مؤذّن النبيّ -ﷺ- الصحابيّ المشهور، مات -﵁- بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ) -بفتح الدال، والحاء، والضاد المعجمة-: أي زالت الشمس، يقال: دَحَضَت الحجة دَحْضًا، من باب نَفَعَ: بطلت، وأدحضها اللَّه في التعدّي، ودَحَضَ الرجلُ: زَلِقَ، قاله في "المصباح" (^١).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٩٠.
[ ١٣ / ٣٤١ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "إذا دَحَضَت" أي زالت عن كَبِد السماء، وأصل الدحض: الزَّلَقُ، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "كان النبيّ -ﷺ- يصلّي الظهر إذا دَحَضَت الشمس"، أي زالت، وقال الهرويّ في الحديث الأول: إذا انحطّت للغروب؛ لأن الشمس حينئذ يتبيّن زَلَقُها بالكلّيّة، والأول أولى انتهى (^١).
[تنبيه]: قوله: "دَحَضَت" هكذا وقع عند المصنّف بحذف الفاعل؛ للعلم به، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ وأي الروح، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس، وقد صُرّح به عند أبي نعيم في "مستخرجه"، ولفظ: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحَضَت الشمس. . . ".
(فَلَا يُقِيمُ) بضم أوله، من الإقامة (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ -ﷺ-) أي من حجرته (فَإِذَا خَرَجَ) -ﷺ- من حجرته ذاهبًا إلى المسجد (أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ) أي وقت رؤية بلال النبيّ -ﷺ-.
وفي رواية لأبي عوانة في "مسنده" من طريق إسرائيل، عن سماك: "كان بلال يؤذِّن، ثم يُمْهِلُ، فإذا رأى النبيّ -ﷺ- قد خرج أقام الصلاة" (^٢).
وفي رواية أحمد في "مسنده": "كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس، لا يَخْرِمُ، ثم لا يقيم حتى يخرج النبيّ -ﷺ-، قال: فإذا خرج أقام حين يراه".
قال القاضي عياض -﵀-: يُجْمَع بين مُختَلِف هذه الأحاديث (^٣) بأن بلالًا -﵀- كان يراقب خروج النبيّ -ﷺ- من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه، ثم لا يقوم مقامه حتى يُعَدِّلوا الصفوف.
وقوله في رواية أبي هريرة -﵁-: "فيأخذ الناس مصافّهم قبل خروجه" لعله كان مرّةً أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز، أو لعذر، ولعل قوله -ﷺ-:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) "مسند أبي عوانة" ١/ ٢٧٢ رقم (١٣٤٩).
(٣) يعني حديث جابر بن سمرة هذا وحديث أبي قتادة، وحديث أبي هريرة -﵃- المتقدّمة.
[ ١٣ / ٣٤٢ ]
"فلا تقوموا حتى تروني" كان بعد ذلك (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٧٣] (٦٠٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٧)، و(الترمذيّ) فيها (٢٠٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١/ ٤٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و٩١ و١٠٥ و١٠٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٤٩ و١٣٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨) و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.