وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٢] (٤٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الْأُزرِ، خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ (^١) الرِّجَالُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٥ - (سَهْلُ بْنُ سَعْد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، أبو العبّاس المدنيّ، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) وفي نسخة: "ترفع" بالتاء.
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى سفيان، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أنّ صحابيّه من المعمّرين، قد جاوز عمره مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃-، وقيل: الآخر هو السائب بن يزيد، والأول هو الأصح، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ -﵄-، أنه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ) اللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "كان رجالٌ" بالتنكير وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، قاله في "الفتح" (^١). (عَاقِدِي أُزُرِهِمْ) منصوب على الحال، وأصله "عاقدين أزرَهم" بنصب "أزرهم" على المفعوليّة، فلما أُضيف سقطت النون للإضافة، كما قال في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كـ "طُورِ سِينَا"
و"عاقدي" جمع عاقد، اسم فاعل، من عَقَدَ الشيءَ، يقال: عَقَدَ الحبلَ وغيره، من باب ضرب: إذا شدّه، وربطه (^٢).
و"الأُزُرُ" بضمّتين: جمع كثرة لإِزار، بالكسر: الْمِلْحَفة، يُذكَّر ويؤنّث، وجمع القلّة: آزِرةٌ، مثلُ حمار وحُمُرٍ وأَحْمِرَة (^٣).
(فِي أَعْنَاقِهِمْ) متعلّق بـ "عاقدي"، وفي رواية البخاريّ: "على أعناقهم" (مِثْلَ الصِّبْيَانِ) بكسر الصاد المهملة، وضمّها، جمع صَبِيّ، وهو الصغير، وقوله: (مِنْ ضيقِ الْأُزُرِ) بيان لسبب عقدها على الأعناق، والمعنى: أنهم يَعْقِدون أُزُرهم على أعناقهم من أجل ضيقها، كما يعقد الصبيان على قفاهم (خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ-) متعلّق بـ"عاقدي"، أو بحال مقدّر، أي حال كونهم واقفين
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٦٤.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٢١، و"القاموس المحيط" ١/ ٣١٥.
(٣) راجع: "المصباح" ١/ ١٣.
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
خلفه -ﷺ-، يصلّون وراءه (فَقَالَ قَائِلٌ) يَحْتَمِل أن يكون هذا القائل هو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ويحتمل أن يكون غيره، ويؤيّد الأول ما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، من حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄-، قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من كان منكنّ يؤمنّ باللَّه، واليوم الآخر، فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهةَ أن يَرَيْنَ من عورات الرجال".
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "وقال للنساء"، قال في "الفتح": قال الكرمانيّ: فاعل "قال" هو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، كذا جزم به، وقد وقع في رواية الكشميهنيّ: و"يقال للنساء"، قال: فكأن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أمر من يقول لهنّ ذلك، ويغلب على الظنّ أنه بلال. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأقرب ما قدّمته من أنه -ﷺ- هو الذي باشر القول بنفسه؛ لحديث أسماء -﵂- المذكور، وأما قول الحافظ: "يغلب على الظنّ. . . إلخ" فلم يذكر مستنده على الغلبة، واللَّه تعالى أعلم.
(يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) "المعشر" بالفتح، كالْمَسْكَن: الجماعة، أي جماعة النساء (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ) أي من السجود (حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ) هكذا رواية المصنّف، فيكون المفعول محذوفًا، أي رؤوسهم، وفي رواية البخاريّ: "حتى يستوي الرجال جُلُوسًا"، وهو جمع جالس، كالركوع جمع راكع، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى جالسين، ونصبه على الحال.
وإنما نُهي النساء عن ذلك؛ لئلا يَلْمَحْنَ عند رفع رؤوسهنّ من السجود شيئًا من عورات الرجال عند نهوضهم؛ لضيق الأُزُر، وقد تقدّم آنفًا التصريح بذلك في حديث أسماء -﵂- عند أحمد، وأبى داود.
وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): "كُنّ النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول اللَّه -ﷺ- أن لا يرفعن رؤوسهنّ حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب"، ويؤخذ منه أنه لا يجب التستّر من أسفل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٩٩٢] (٤٤١)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٦٢) و"الأذان" (٨١٤) و"العمل في الصلاة" (١٢١٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٣٠)، و(النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٣ - ٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٣ و٥/ ٣٣١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٠١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٥٣ و١٤٥٤ و١٤٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أمر النساء بعدم رفع رؤوسهنّ حتى لا يرين عورات الرجال.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من ضيق المعيشة، وهم أنصار رسول اللَّه -ﷺ-، ولو شاء لجعل اللَّه تعالى له الجبال ذهبًا، ولكنّ العيش عيش الآخرة.
٣ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن النساء كنّ يصلّين جماعة مع الرجال في المسجد. ٤ - (ومنها): أن صفوفهنّ خلف صفوف الرجال، كما قال -ﷺ-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
٥ - (ومنها): بيان أن الإزار الضيّق يُعقد على القفا إذا أمكن؛ ليحصل به ستر بعض المنكبين مع العورة، ولهذا استدلّ به الإمام أحمد في رواية حنبل عنه (^١).
٦ - (ومنها): بيان عدم وجوب ستر أسفل البدن.
٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: إن من انكشف من عورته يسير في صلاة لم تبطل صلاته، قال: وقد استدلّ بذلك طائفة من الفقهاء، وتوقّف فيه الإمام أحمد، وقال: ليس هو بالبيّن، يشير إلى أنه لم يُذكَر فيه انكشاف العورة حقيقةً، إنما فيه خشية ذلك، وإنما ذكر حديث عمرو بن سَلِمة
_________________
(١) راجع: "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٧٠.
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
الْجَرْميّ أنه كان يُصلّي بقومه في بُرْدة له صغيرة، فكان إذا سجد تقلّصت عنه، فيبدو بعض عورته حتى قالت عجوز من ورائه: ألا تغطّون عنّا است قارئكم؟ أخرجه البخاريّ.
قال: ومذهب أحمد أنه إذا انكشفت العورة كلّها، أو كثيرٌ منها، ثم سترها في زمن يسير لم تبطل الصلاة، وكذلك إن انكشف منها شيء يسير، وهو ما لا يُستفحش في النظر، ولو طال زمنه، وإن كان كثيرًا، وطالت مدّة انكشافه بطلت الصلاة، وكذا قال الثوريّ: لو انكشفت عورته في صلاته لم يُعِد، ومراده إذا أعاد سترها في الحال.
ومذهب الشافعيّ أنه يُعيد الصلاة بانكشافها بكلّ حال، وعن أحمد ما يدلّ عليه.
وعن أبي حنيفة وأصحابه: إن انكشف من العورة المغلّظة دون قدر الدرهم فلا إعادة، ومن المخفّفة إن انكشف دون ربعها فكذلك، ويُعيد فيما زاد على ذلك، ولا فرق بين العمد والسهو في ذلك عند الأكثرين.
وقال إسحاق: إن لم يَعلَم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يُعد، وهو الصحيح عند أصحاب مالك أيضًا، وحُكي عن طائفة من المالكيّة أن من صلَّى عاريًا، فإنه يُعيد في الوقت، ولا يُعيد بعده، وقالوا: ليس ستر العورة من فرائض الصلاة كالوضوء، بل هو سنّة، والمنصوص عن مالك أن الحرّة إذا صلّت بادية الشعر، أو الصدر، أو ظهور القدمين أعادت في الوقت خاصّة، ذكره ابن رجب -﵀- في شرح البخاري (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي أن ستر العورة في الصلاة واجب، مطلقًا، سواء كان المصلّي ذكرًا أم أنثى، لعموم الأدلّة الدالّة على ذلك، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي تفصيل المسألة في "باب الصلاة في ثوب واحد" برقم (٥١٥) -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب -﵀- ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]