[٩٩٣] (٤٤٢) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سَالِمًا، يُحَدَّثُ عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يَمْنَعْهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، أبو عثمان، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الفقيه الثبت، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٦ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابي ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٧٣) أو أول التي بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
إِلَيْهَا"، قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ (^١)، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لنَمْنَعُهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عِمْران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذين الإسنادين:
١ - (منها): أن الأول من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما، والثاني من سُداسيّاته.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني، ما أخرج له الترمذيّ، والثالث تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن السند الثاني نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن سالم.
٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر -﵄- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى، من الصحابة -﵃-، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "إنا لنمنعهنّ".
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: "لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ) أي حضور المساجد للصلاة فيها، وهو جمع مسجد، بفتح الجيم وكسرها، وهو بيت الصلاة، ويُطلق أيضًا على موضع السجود من بدن الإنسان (^١). (إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ) بتشديد النون، وفي الرواية الآتية: "إذا استأذنوكم" بواو الجمع، وسيأتي توجيهه، والاستئذان طلب الإذن (إِلَيْهَا") متعلّق بـ "استأذنّ"، والضمير للمساجد، وفي رواية مجاهد الآتية: "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل".
وكذا وقع عند البخاريّ، من رواية حنظلة، عن سالم، بلفظ: "إذا استأذنَكُم نساؤكم بالليل"، قال في "الفتح": لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: "بالليل"، كذلك أخرجه مسلم وغيره، وقد اختلف فيه على الزهريّ عن سالم أيضًا، فأورده البخاريّ، من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد، وأحمد من رواية عُقيل، والسرّاج من رواية الأوزاعيّ كلهم عن الزهريّ بغير تقييد بالليل، وكذا أخرجه البخاريّ في "النكاح" عن علي ابن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ بغير قيد، ووقع عند أبي عوانة في "صحيحه"، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة مثله، لكن قال في آخره: "يعني بالليل"، وبَيَّن ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء، أن سفيان ابن عيينة هو القائل: يعني، وله عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة، قال: قال نافع: "بالليل"، وله عن يحيى بن حكيم، عن ابن عيينة، قال: جاءنا رجلٌ، فحدّثنا عن نافع، قال: إنما هو بالليل، وسَمَّى عبد الرزاق، عن ابن عيينة الرجل المبهم، فقال بعد روايته عن الزهريّ، قال ابن عيينة: وحدثنا عبد الغفار، يعني ابن القاسم، أنه سمع أبا جعفر، يعني الباقر، يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع، مولى ابن عمر: إنما ذلك بالليل.
وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لكونه أستر، ولا يخفى أن محلّ ذلك إذا
_________________
(١) راجع: "المصباح" ١/ ٢٦٦.
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
أُمِنت المفسدة منهنّ، وعليهنّ. انتهى (^١).
[فائدة]: قال ابن بطال -﵀-: ويخرج من هذا الحديث أن الرجل إذا استأذنته امرأته إلى الحجّ لا يمنعها، فيكون وجه نهيه عن مسجد اللَّه الحرام لأداء فريضة الحج نهي إيجاب، قال: وهو قول مالك، والشافعيّ في أن المرأة ليس لزوجها منعها من الحج. انتهى.
قال العراقيّ -﵀-: وما نقله عن الشافعيّ هو أحد قوليه، والقول الآخر، وهو الأظهر عند أصحابه أن له منعها من حج الفرض، ولا يلزم من الإذن لها في المسجد القريب الإذن في الحج الذي يَحتاج إلى سفر، ونفقة، وأعمال كثيرة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بمنع المرأة عن فرض الحجّ مما لا وجه له، فإذا كان الشارع نهى الرجال عن منع النساء لأداء صلاة الجماعة التي هي مستحبّة في حقّ النساء، فكيف بفريضة الحجّ؟ وما ذكروه من السفر والنفقة وغير ذلك فليس له وجه في المنع؛ لأن اللَّه تعالى حين فرضه فرضه مع هذه المشاقّ كلها، ولم يرخّص لأحد مع الاستطاعة أن يتساهل في أدائه، بل هدّد في ذلك حيث قال بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فترك فرض الحج خطر عظيم على الناس جميعًا، رجالًا ونساءً، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن شهاب (فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر، هكذا في هذه الرواية تسميته بلالًا، وكذا في رواية كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد اللَّه نفسه الآتية، ووقع في رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عمر الآتية تسميته بواقد، ووقع في رواية الأعمش، عن مجاهد بلفظ: "فقال ابن لعبد اللَّه بن عمر"، فأبهمه.
وقد أخرج البخاريّ -﵀- الحديث بدون ذكر القضة، قال الحافظ -﵀-: ولم أر لهذه القصة ذكرًا في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث، وقد أوهم صنيع صاحب "العمدة" خلاف ذلك، ولم يتعرض لبيان
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٠٤.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٧.
[ ١٠ / ٣٠١ ]
ذلك أحدٌ من شُرّاحه، وأظنّ البخاري اختصرها؛ للاختلاف في تسمية ابن عبد اللَّه بن عمر، فقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر، وسَمَّى الابن بلالًا، فأخرجه من طريق كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، بلفظ: "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد، إذا استأذنَّكم، فقال بلال: واللَّه لنمنعهن. . . " الحديث، وللطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن هُبيرة، عن بلال بن عبد اللَّه نحوه، وفيه: "فقلت: أمّا أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فَلْيُسَرِّحْ أهله"، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب الزهريّ، عن سالم في هذا الحديث: "قال: فقال بلال بن عبد اللَّه: واللَّه لنمنعهن"، ومثله في رواية عُقَيل عند أحمد، وعنده في رواية شعبة، عن الأعمش المذكورة: فقال سالم، أو بعض بنيه: "واللَّه لا نَدَعُهُنّ يتخذنه دَغَلًا. . . " الحديث.
والراجح من هذا أن صاحب القصّة بلالٌ؛ لورود ذلك من روايته نفسِهِ، ومن رواية أخيه سالم، ولم يُخْتَلَف عليهما في ذلك، وأما هذه الرواية الأخيرة فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها.
قال الحافظ: ولم أره مع ذلك في شيء من الروايات عن الأعمش مُسَمًّى، ولا عن شيخه مجاهد، فقد أخرجه أحمد، من رواية إبراهيم بن مهاجر، وابن أبي نَجِيح، وليث بن أبي سُليم كلهم عن مجاهد، ولم يسمِّه أحدٌ منهم، فإن كانت رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد محفوظةً في تسميته واقدًا، فَيَحْتَمِلُ أن يكون كلٌّ من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب ابن عمر كلًّا منهما بجواب يليق به.
ويُقَوِّيه اختلاف النَّقَلَة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم: "فأقبل عليه عبد اللَّه، فسَبّه سبًّا سيِّئًا، ما سمعته يسبه مثله قط"، وفسّر عبد اللَّه بن هُبيرة في رواية الطبرانيّ السبَّ المذكور باللعن ثلاث مرّات، وفي رواية زائدة، عن الأعمش: "فانتهره، وقال: أُفّ لك"، وله عن ابن نُمَير، عن الأعمش: "فَعَل اللَّه بك، وفعل"، ومثله للترمذيّ من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من رواية أبي معاوية: "فَزَبَره"، ولأبي داود من رواية جرير: "فسَبَّه، وغَضِبَ"، فيَحْتَمِل أن يكون بلال البادئ فلذلك أجابه بالسبّ المفسر باللعن، وأن يكون واقد بدأه فلذلك أجابه بالسبّ المفسر بالتأفيف، مع الدفع في صدره، وكأن
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
السرّ في ذلك أن بلالًا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر عِلّة المخالفة، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: "يَتَّخِذنه دَغَلًا"، وهو بفتح المهملة، ثم المعجمة، وأصله الشجر الْمُلْتَفّ، ثم استُعْمِل في المخادعة؛ لكون المخادع يَلُفّ في ضميره أمرًا، ويظهر غيره، وكأنه قال ذلك لَمّا رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الْغَيْرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر؛ لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلًا: إن الزمان قد تَغَيَّر، وإن بعضهن ربما ظهر منها قَصْدُ المسجد، وإضمار غيره، لكان يَظْهَر أن لا يُنكر عليه، وإلى ذلك أشارت عائشة -﵂- بما ذُكِر في الحديث الأخير. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ) أي عن الخروج إلى المساجد (قَالَ) ابن شهاب (فَأَقبَلَ عَلَيْهِ) أي بلال (عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر -﵄- (فَسَبَّهُ) من باب نصر، أي شتمه (سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ) قد تقدّم من رواية الطبرانيّ تفسير هذا السبّ، باللعن ثلاث مرّات (وَقَالَ) ابن عمر مبيّنًا سبب سبّه له (أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي عن نهيه الرجال عن منع نسائهم إذا استأذنّهم في الخروج إلى المساجد (وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ)، أي فهذا منكر من القول؛ لأن مقتضى الإيمان أن المسلم إذا سمع أمر رسول اللَّه -ﷺ- أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يعترض برأيه؛ لأنه ينافي الإيمان، قال اللَّه -﷿-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال -﷿-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٩٩٣ و٩٩٤ و٩٩٥ و٩٩٦ و٩٩٧ و٩٩٨ و٩٩٩ و١٠٠] و(٤٤٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٦٥ و٨٧٣ و٩٨٨ و٩٠٠) و"النكاح" (٥٢٣٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٦٧ و٥٦٨)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٠٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥١٠٧ و٥١٢٢)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦١٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧ و٩ و٧٦ و٧٧ و٩٠ و١٥١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٣) و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٧٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٨ و٢٢٠٩ و٢٢١٠ و٢٢١٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٢٥٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣٧ و١٤٣٨ و١٤٣٩ و١٤٤٠ و١٤٤١ و١٤٤٢ و١٤٤٣ و١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦ و١٤٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٨٠ و٩٨١ و٩٨٢ و٩٨٣ و٩٨٤ و٩٨٥ و٩٨٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٦٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد، لكن بشرط أن لا تتطيّب، كما قُيّد في الروايات الآتية.
قال النوويّ -﵀-: أحاديث الباب ظاهرة في أنها لا تُمْنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يُسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يُخاف به مفسدة ونحوها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولا شابّة. . . إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ النصوص عامّة، تعمّ العجائز، والشابّات، وأما كونها ممن يُفتتن بها، فإنا نقول: إن الافتتان بها لا يتحقّق إلا إذا كانت متبرجة، غير متستّرة، أو مظهرة زينتها، وقد بيّن الشارع حين أجاز لهنّ الخروج إلى المساجد أن لا يكنّ بهيئة من يُفتتن بها، فلا تتطيّب، ولا تبرُز، بل تكون مستترة بجلبابها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
قال: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد، ووجدت الشروط المذكورة، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حَرُم المنع إذا وُجدت الشروط. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: التفريق بحمل النهي على الكراهة في ذات الزوج والسيّد، وعلى التحريم في غيرهما، مما لا دليل عليه، بل النهي الوارد في أحاديث الباب إنما جاء في ذات الزوج والسيّد، فما الذي صرفه عن التحريم؟ إن هذا لغريب، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ: استُدِلَّ به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أُخِذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو ضعيف، لكن يَتَقَوَّى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرّرٌ، وإنما عَلَّق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
٣ - (ومنها): ما قال في "الفتح": وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأْذَن مخيرًا في الإجابة أو الردّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لأن ذلك إنما يتحقّق. . . إلخ" فيه نظر؛ إذ لا يلزم ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] فهذا النهي للتحريم قطعًا، فلا قائل بأن الوليّ مخيّر في الإجابة والردّ، فكذا هنا، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ من إنكار عبد اللَّه -﵁- على ولده تأديب المعترِض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه.
٥ - (ومنها): جواز تأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له.
٦ - (ومنها): جواز التأديب بالْهِجْران، فقد وقع في رواية ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد عند أحمد: "فما كلَّمه عبد اللَّه حتى مات"، قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظًا يَحْتَمِل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير. انتهى.
وقال الطيبيّ -﵀- معلّقًا على هذه الرواية-: أقول: عجبتُ ممن يتسمّي
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
بالسنيّ، وإذا سمع سنّةً من سنن رسول اللَّه -ﷺ-، وله رأي رجّح رأيه عليها، وأيُّ فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^١)، وها هو ابن عمر، وهو من أكابر فقهاء الصحابة، والمرجوع إليه بالفتيا والاجتهاد، كيف غضب للَّه تعالى، ولرسوله -ﷺ-، وهَجَرَ فِلْذَة (^٢) كَبده، وشقيق روحه لتلك الْهَنَة؛ عِبرةً لأولي الألباب. انتهى كلام الطيبيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن كلام الطيبيّ -﵀-، وأجمله، كيف يطيب لمسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يخالف السنة لرأيه، أو لرأي أحد من الناس ممن يرى تقليده، وهو يسمع قوله -﷿-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، هذا هو السبيل، وهذا هو الحقّ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان، وقوله في الرواية الأخرى: "لا تمنعوا إماء اللَّه" يشعر أيضًا بطلبهن للخروج، فإن المانع إنما يكون بعد وجود المقتضي، ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهنّ؛ لأنه لو كان ممتنعًا لم ينه الرجال عن منعهن منه.
_________________
(١) حديث ضعيف الإسناد، وصححه النووي في "أربعينه"، فردّ عليه الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)؛ لتفرّد نعيم بن حمّاد به، وقد ضعّفه الأكثرون، وفيه انقطاع أيضًا، فراجع ما كتبه بالرقم المذكور، لكن بمعناه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
(٢) الْفِلْذ بكسر الذال المعجمة، وسكون اللام: القطعة من الشيء، وجمعها فِلَذ بكسر ففتح، كسِدْرَة وسِدَر، أفاده في "المصباح" ٢/ ٤٨١.
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
قال: والحديث عامّ في النساء، ولكن الفقهاء قد خصصوه بشروط وحالات:
منها: أن لا يتطيبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات: "ولْيَخْرُجْن تَفِلات" (^١)، وفي بعضها: "إذا شَهِدت إحداكنّ المسجد، فلا تمس طيبًا"، وفي بعضها: "إذا شَهِدت إحداكنّ العشاء، فلا تطيّب تلك الليلة".
فيُلْحَق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما مُنِع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا، فما أوجب هذا المعنى التَحَقَ به، وقد صحَّ أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما امرأة أصابت بَخُورًا (^٢)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"، ويُلْحَق به أيضًا حُسْن الملابس، ولبس الحليّ الذي يظهر أثره في الزينة، وحَمَل بعضهم قول عائشة -﵂- في "الصحيحين": "لو أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى ما أحدثت النساء بعده، لمنعهن المساجد، كما مُنِعت نساء بني إسرائيل" على هذا، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة.
قال: ومما خَصّ به بعضهم هذا الحديث أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة جائز.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول غير صحيح، فإن النصّ عامّ يتناول الجميلة وغيرها، ومما يردّه ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، عن ابن عباس -﵄- قال: "كانت امرأة تصلّي خلف النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول؛ لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع قال هكذا، ينظر من تحت
_________________
(١) قوله: "تَفِلات" هو بفتح التاء المثناة من فوقُ وكسر الفاء: جمع تَفِلَة، مأخوذ من التَفَل بفتحهما، وهو الريح الكريهة، والمراد به: ليخرجن تاركات للطيب، ومنه الحديث الآخر: "الحاجّ الشَّعث التَّفِلُ". قاله في "طرح التثريب" ٢/ ٣١٦.
(٢) "البَخُور" بفتح الباء الموحدة: ما يُتَبَخَّر به، من عُود، أو لُبَان، أو غيرهما، قاله في "الطرح" ٢/ ٣١٦.
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
إبطه، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ [الحجر: ٢٤] في شأنها" (^١).
فقد ثبت أن هذه المرأة الجميلة كانت تحضر الصلاة مع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ولم تُمنع من ذلك، فتبصّر بالإنصاف.
قال: ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص أن يكون بالليل، وهذا قد جاء في بعض طرق الحديث في "الصحيح": "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل"، فالتقييد بالليل قد يشعر بما قال.
ومما قيل أيضًا في تخصيص هذا الحديث: أن لا يزاحمن الرجال.
وبالجملة فمدار هذا كله النظر إلى المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع، كان خارجًا عن الحديث، وخُصّ العموم به.
وقيل: إن في الحديث دليلًا على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه، وهذا إن أُخِذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد، وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد.
وقد يُعْتَرض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الأصوليين.
ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال للنساء من الخروج مشهور معتاد، وقد قُرِّروا عليه، وإنما عُلّق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا فلا يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذًا من تقييد الحكم بالمسجد فقط.
ويمكن أن يقال فيه وجه آخر، وهو أن في قوله -ﷺ-: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" مناسبةً تقتضي الإباحة، أعني كونهن إماء اللَّه بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد اللَّه، ولهذا كان التعبير بإماء اللَّه، أوقع في النفس من التعبير بالنساء لو قيل، وإذا كان مناسبًا أمكن أن يكون علة للجواز، وإذا انتفى انتفى الحكم؛
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ برقم (٣٠٤٧)، والنسائيّ (٨٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٦).
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
لأن الحكم يزول بزوال علته، والمراد بالانتفاء ها هنا انتفاء الخروج إلى المساجد التي للصلاة. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم خروج النساء إلى المساجد:
قال في "طرح التثريب" عند الكلام على حديث: "وبيوتهنّ خير لهنّ" -وقد تقدّم الكلام عليه- ما حاصله: في هذا حجة لمن لم يستحبّ لهنّ شهود الجماعة، وهو قول أهل الكوفة، وكان إبراهيم النخعيّ يمنع نساءه الجمعة والجماعة، وقال أبو حنيفة: أكره للنساء شهود الجمعة، والصلاة المكتوبة، وقد أرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأما غير ذلك فلا، وقال الثوريّ: ليس للمرأة خير من بيتها، وإن كانت عجوزًا، وقال أبو يوسف: أكرهه للشابّة، ولا بأس أن تخرج العجوز في الصلوات كلها، وقال الشافعيّة: إن أردن حضور المسجد مع الرجال كُرِه للشواب دون العجائز، ورَوَى أشهب عن مالك قال: وللْمُتَجَالَّة -أي الكبيرة السنّ- أن تخرج إلى المسجد، ولا تكثر التردد إليه، وللشابة أن تخرج المرة بعد المرة. انتهى (^٢).
وقال العلامة أبو محمد بن حزم -﵀-: ولا يحلّ لوليّ المرأة، ولا لسيّد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد، إذا عُرف أنهنّ يُردن الصلاة، ولا يحلّ لهنّ أن يخرجن متطيّبات، وفي ثياب حِسَان، فإن فعلت فليمنعها، وصلاتهنّ في الجماعة أفضل من صلاتهنّ منفردات.
قال: وقال أبو حنيفة ومالك: صلاتهنّ في بيوتهنّ أفضل، وكره أبو حنيفة خروجهنّ إلى المساجد لصلاة الجماعة، وللجمعة، وفي العيدين، ورَخص للعجوز خاصّةً في العشاء الآخرة والفجر، وقد روي عنه أنه لم يكره خروجهنّ في العيدين.
وقال مالك: لا نمنعهنّ من الخروج إلى المساجد، وأباح للْمُتَجَالّة -أي
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٢/ ٣١٧.
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
الكبيرة السنّ- شهود العيدين، والاستسقاء، وقال: تخرج الشابّة إلى المسجد المرّة بعد المرّة، قال: والمتجالّة تخرج إلى المسجد، ولا تكثر التردّد.
ثم ردّ أبو محمد -﵀- على هؤلاء بما لا تجده في غير كتابه، فأفاد وأجاد (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حزم -﵀- حسنٌ جدًّا إلا قوله: وصلاتهنّ في الجماعة أفضل، فإنه غير مسلّم له، فإن صلاتهنّ في بيوتهنّ أفضل؛ لصحّة الأحاديث بذلك.
(فمنها): ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ من حديث أم حميد، امرأة أبي حميد الساعديّ -﵁- أنها جاءت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أُحب الصلاة معك، قال: "قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي"، قال: فأمرت فبُنِي لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلّي فيه حتى لقيت اللَّه -﷿-. انتهى. وإسناده حسن، ويشهد له حديث ابن مسعود -﵁- الآتي بعده.
(ومنها): حديث ابن مسعود -﵁- أن النبيّ قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مُخْدَعها أفضل من صلاتها في بيتها"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
و"الْمُخْدَع" بضمّ الميم: بيت صغير، يُحرز فيه الشيء، وتثليث الميم لغة، قاله الفيّوميّ (^٢).
(ومنها): حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ"، أخرجه أبو داود، وأحمد، والحاكم، والبيهقيّ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضًا جماعة آخرون، وأعلّه بعضهم بعنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلّس، لكن ينجبر بالأحاديث المذكورة، فتنبّه.
_________________
(١) انظر: "المحلَّى" ٣/ ١٢٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٦٥.
[ ١٠ / ٣١٠ ]
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة صالحة للاحتجاج بها، فتضعيف ابن حزم لها، وكذا دعواه النسخ لها على تقدير ثبوتها، فمما لا يُلتفت إليه، فتأمّل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
والحاصل أن صلاة المرأة في المسجد جائزة إذا توفّرت الشروط المذكورة، ولكن صلاتها في البيت أفضل؛ للأحاديث المذكورة.
ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقّق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكّد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرّج والزينة، ومن ثَمّ قالت عائشة -﵂-: "لو أدرك رسول اللَّه -ﷺ- ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد، كما مُنعت نساء بني إسرائيل"، متّفق عليه. وقال الشوكانيّ -﵀-: وقد حصل من مجموع الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهنّ ما يدعو إلى الفتنة، من طيب، أو حليّ، أو زينة واجبٌ على الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك، بل لا يجوز، ويحرم عليهنّ الخروج؛ لقوله -ﷺ-: "أيما امرأة أصابت بَخُورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وصلاتهنّ على كلّ حال في بيوتهنّ أفضل من صلاتهن في المساجد. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أنه يجب على الرجال الإذن للنساء بالخروج إلى المسجد، ولا يجوز لهم المنع، إذا طلبن ذلك بشرط أن يلتزمن آداب الخروج، مما هو مذكور في الأحاديث المتقدّمة، من ترك الطيب، وعدم التبخّر بالبخور، وغير ذلك مما ألحقه العلماء بالمنصوص مما يثير الفتنة.
فأما إذا خالفت ذلك فيحرم عليها الخروج، ولا يجوز الإذن لها؛ لأنه يكون إعانة على المعصية؛ لأنها إذا خرجت متعطّرة قاصدة لذلك تكون زانية، فقد أخرج النسائيّ، وأحمد، من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أيما امرأة استَعْطَرت، فمَرّت بقوم؛ ليجدوا ريحها، فهي زانية" (^١)، واللَّه تعالى
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (١٨٨٧٩ و١٨٩١٢)، والنسائيّ في =
[ ١٠ / ٣١١ ]
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمَير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد اللَّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
وقوله: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) التعبير بإماء اللَّه أوقع في النفس من التعبير بالنساء، ففيه مناسبة ظاهرة؛ إذ كونهن إماء اللَّه يقتضي أن لا يُمنعن من مساجد مالكهنّ، ففيه دفع للأزواج إلى الإذن لهنّ؛ لأنهنّ ممن يستحقّ الخروج إليها؛ لكونهنّ إماء للَّه -﷿- كما أن الرجال عبيده.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) = "المجتبى" برقم (٥١٢٦)، والدارميّ في "سننه" برقم (٢٥٣٢).
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٠ / ٣١٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: "إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ (^١) نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَأْذَنُوا لَهُنَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أُميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٣.
والباقون تقدّموا قبله، و"ابن نُمير" هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير.
وقوله: ("إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ) وفي نسخة: "إذا استأذنتكم نساؤكم"، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ"، فَقَالَ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ، فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَقُولُ: لَا نَدَعُهُنَّ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "إذا استأذنتكم".
[ ١٠ / ٣١٣ ]
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (مُجَاهِد) بن جَبْر الْمخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمامٌ مشهورٌ [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
وقوله: ("لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ) قال العراقيّ -﵀-: أطلق في بعض طرق الحديث النهي عن منعهن، كما تقدّم، وقيّده في بعضها بالليل، كهذه الرواية، قال ابن بطال: وفي هذه الرواية دليل على أن النهار بخلاف ذلك؛ لنصه على الليل، قال: وهذا الحديث يَقْضِي على المطلق، ألا ترى إلى قول عائشة -﵂-: "ما يَعْرِفهنّ أحد من الغلس"؟.
قال: إن قيل: ظاهر رواية البيهقي أن التقييد بالليل مدرج من قول سفيان، فإنه رواه من طريقه: "إذا استأذنت أحدَكُم امرأتُهُ إلى المسجد فلا يمنعها"، ثم قال: زاد العلويّ في روايته: قال سفيان: "إذا كان ذلك ليلًا".
والجواب أن رواية سفيان في "الصحيحين" وغيرهما مطلقةٌ، ليس فيها التقييد بالليل، فلا يَضُرُّنا زيادة سفيان فيها اشتراطه ذلك، والرواية التي فيها التقييد بالليل، ليست من طريقه، إنما هي من رواية حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عند البخاريّ، واتَّفَقَ عليها الشيخان أيضًا من رواية مجاهد، عن ابن عمر، وليست من طريق سفيان، وليست على هذا مدرجةً، وإنما هي من أصل الحديث. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) تقدّم أن الراجح أنه بلال بن عبد اللَّه بن عمر، وقيل: واقد.
وقوله: (فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا) بفتح الدال، والغين المعجمة: هو الفساد، والْخِداع، والريبة، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: أصل الدَّغَل: الشجر الْمُلْتفّ الذي يكون فيه أهل الفساد، قال الليث: يقال: أدغلت في الأمر: إذا أدخلت فيه ما يُخالفه، قال: وإذا دخل الرجل مدخلًا مُريبًا قيل: دَغَلَ فيه. انتهى (^٣).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٢.
(٣) "المفهم" ٢/ ٦٨.
[ ١٠ / ٣١٤ ]
وقوله: (فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ) أي انتهره، قال القاضي عياض -﵀-: قال صاحب "الأفعال": يقال: زَبَرتُ الكتاب: إذا كتبته، والشيءَ: قطعته، والرجلَ: انتهرته، والبئرَ: طويتُها بالحجارة، قال القاضي: وانتهار ابن عمر لابنه، وضربه في صدره، وسبّه له، كما جاء الحديث فيه تأديب للمعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وجواز التأديب باليد، وبالسبّ، وتأديب الرجل ولده، وإن كان كبيرًا وتغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلّم عنده، ويتكلّم بما يخالف الشرع بين يديه. انتهى (^١).
وقوله: (لَا نَدَعُهُنَّ) بفتح الدال: أي لا نتركهنّ يخرجن إلى المساجد للفساد، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الأعمش الذي سبق، وهو عن مجاهد، عن ابن عمر -﵄-.
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن حديث عيسى بن يونس عن الأعمش مثل حديث أبي معاوية، عنه.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ١٠ / ٣١٥ ]
[تنبيه]: رواية عيسى هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٥٢٠) حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كنا عند ابن عمر، فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد"، فقال ابنه: واللَّه لا نأذن لهنّ، يتخذنه دَغَلًا، فقال: فَعَلَ اللَّه بك، وفَعَل، أقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-، وتقول: لا نأذن لهنّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي (^٢) وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ"، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَقُولُ: لَا؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين، المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع تقدّم قبل باب.
٣ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه مروان، الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٢٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٤ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر بن كُليب الْيَشْكُريّ، ويقال: الشيبانيّ، أبو بِشر الكوفيّ، نزيل المدائن، يقال: أصله من مرو، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعي، وأبي طُوالة، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن دينار، وعمرو بن دينار، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، ومنصور، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٠ / ٣١٦ ]
ورَوَى عنه شعبة، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وبقية بن الوليد، وشَبَابة بن سَوّار، ويحيى بن أبي زائدة، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسيّ: قال لي شعبة: عليك بورقاء، إنك لا تلقى بعده مثله حتى يرجع، قال محمود بن غيلان: قلت لأبي داود: أيَّ شيء عَنَى بذلك؟ قال: أفضل، وأورع، وخيرًا منه، وقال أبو داود، عن أحمد: ثقةٌ، صاحب سنة، قيل له: كان مرجئًا؟ قال: لا أدري، وقال حنبل، عن أحمد: ورقاء من أهل خراسان، قال: وقال حجاج: كان يقول لي: كيف هذا الحرف عندك؟ فأقول له: كذا وكذا، قال أبو عبد اللَّه: وهو يُصَحِّف في غير حرف، وكأنه ضعّفه في التفسير، وقال حرب: قلت لأحمد: ورقاء أحبّ إليك في تفسير ابن أبي نَجِيح، أو شيبان؟ قال: كلاهما ثقة، وورقاء أوثقهما، إلا أنهم يقولون: لم يسمع التفسير كله، يقولون: بعضه عَرْضٌ، وقال علي ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: قال معاذ: قال ورقاء: كتاب التفسير قرأت نصفه على ابن أبي نَجِيح، وقرأ عليّ نصفه، وقال الدُّوريّ: قلت لابن معين: أيما أحبّ إليك، تفسير ورقاء، أو تفسير شيبان، وسعيد عن قتادة؟ قال: تفسير ورقاء؛ لأنه عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، قلت: فأيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو ابن جريج؟ قال: ورقاء؛ لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا، وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ورقاء ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالحٌ، وقال الغلابيّ، عن ابن معين: ورقاء وشيبان ثقتان، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى القطان: سمعت حديث منصور؟، قال: نعم، فقال: ممن؟ قال: من ورقاء، قال: لا يساوي شيئًا، وقال إبراهيم الحربيّ: لَمّا قرأ وكيع التفسير قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبيّ، ولا عن ورقاء شيءٌ، وقال شبابة: قال لي شعبة: اكتب أحاديث ورقاء عن أبي الزناد، وقال عمرو بن عليّ: سمعت معاذ بن معاذ ذَكَرَ ورقاء، فأحسن عليه الثناء ورضيه، وحدّثنا عنه، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن ورقاء، وشبل في ابن أبي نَجِيح؟، فقال: ورقاء صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء، وشبل قدريّ، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة: ورقاء أحب إليك في أبي الزناد،
[ ١٠ / ٣١٧ ]
أو شعيب، أو مغيرة، أو ابن أبي الزناد؟ فقال: ورقاء أحب إلي منهم، وقال أبو حاتم: كان شعبة يُثني عليه، وكان صالح الحديث، وقال العقيليّ: تكلَّموا في حديثه عن منصور، وقال ابن عديّ: رَوَى أحاديث غَلِطَ في أسانيدها، وباقي حديثه لا بأس به، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال وكيع: ورقاء ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال يحيى بن أبي طالب: أنا أبو المنذر، إسماعيل بن عمر، قال: دخلنا على ورقاء، وهو في الموت، فجعل يُهَلِّل ويكبر، وجعل الناس يسلمون عليه، فقال لابنه: يا بُنَيّ اكفني رد السلام على هؤلاء؛ لئلا يشغلوني عن ربي. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٥ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبت [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ) تقدّم أن الراجح أن اسم صاحب القصّة بلال بن عبد اللَّه، وأما واقد فوقع في هذه الرواية، من طريق مجاهد، وقد اختلفوا عليه، ففي رواية عمرو بن دينار عنه: "يقال له: واقد"، وفي رواية الأعمش، عنه عند أحمد في "مسنده": "فقال سالم، أو بعض بنيه" بالشكّ.
فتبيّن بهذا أن كونه بلالًا هو الصواب؛ لأنه جاء من رواية نفسه، كما في رواية كعب بن علقمة، عنه الآتية بعد هذا، وكذا جاء في رواية ابن شهاب، عن سالم، ولم يَختلف الرواة في هاتين الروايتين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ) أي دفعه بيده في صدره، وفي رواية أحمد: "فَلَطَمَ صدره"، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- حَدَّثَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ
[ ١٠ / ٣١٨ ]
بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ (^١) "، فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَقُولُ أَنْتَ: لنَمْنَعُهُنَّ؟) (^٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) (^٣) أبو عبد الرحمن المكيّ، أصله من البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
_________________
(١) وفي نسخة: "إذا استأذنَّكم".
(٢) قال الجامع الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متمّم الألف الأول لأحاديث الكتاب، من أحاديث "صحيح مسلم" حسب ترقيمي، وبحمد اللَّه -﷾- قد انتهيت من شرحه وقت الضحى يوم الخميس المبارك (١٨/ ٤/ ١٤٢٦ هـ) الموافق ٢٦/ مايو - أيار (٢٠٠٥ م) أسأل اللَّه تعالى الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يمنّ عليّ بإتمام شرح بقيّة أحاديث الكتاب، كما منّ عليّ بإنجاز ما مضى، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله المختار، وآله الأبرار، وصحابته الأخيار آمين آمين آمين.
(٣) [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث هنا غلط، حيث ترجم هنا لعبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان المقرئ المدنيّ، شيخ مالك، والصواب ما هنا، وذلك لأن مولى الأسود متقدّم من الطبقة السادسة، ما أدركه زهير بن حرب، ولا ابن نمير؛ لأنه مات سنة (١٤٨) وزهير ولد سنة (١٦٠) أي بعد موته بنحو اثنتي عشرة سنة، وقد وقع لهم قبل هذا نفس الغلط في المقدّمة رقم (٤/ ١٥) ونبّهت عليه هناك، وسيأتي كذلك أسانيد أخرى وقع فيها نفس الغلط، وجملة ما وقع فيه الغلط (١٨) حديثًا، فتنبّه لهذا الغلط الكثير، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ ١٠ / ٣١٩ ]
٤ - (كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بن كعب التَّنُوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٢٧) وقيل: بعدها (عخ م د س ق) تقدم في "الصلاة" ٧/ ٨٥٥.
٥ - (بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب القرشيّ الْعَدَويّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه حديث الباب فقط، وروى عنه كعب بن علقمة، وعبد اللَّه بن هُبيرة، وعبد الملك بن فارع.
قال أبو زرعة: مدنيّ ثقةٌ، وقال حمزة الكنانيّ: لا أعلم له غير هذا الحديث، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وعدّه يحيى القطان في فقهاء أهل المدينة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"ابن عمر -﵄-" ذُكر قبله.
وقوله: ("لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ) قال في "القاموس": الحظّ: النصيب والْجَدُّ، أو خاصّ بالنصيب من الخير والفضل، جمعه: أَحُظٌّ، وأَحَاظٍ، وحِظَاظٌ، وحِظَاغ بكسرهما، وحُظٌّ، وحُظُوظٌ، وحُظُوظَةٌ بضمّهنّ. انتهى (^١).
والمعنى: لا تمنعوهنّ نصيبهُنّ من الثواب الحاصل لهنّ بحضورهنّ المساجد للصلاة ونحوها.
وقوله: (إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في أكثر الأصول "استأذنوكم"، أي بواو الجمع، وفي بعضها: "استأذنّكم" أي بتشديد النون، وهذا ظاهرٌ، والأول أيضًا صحيح، وعومل معاملة الذكور؛ لطلبهنّ الخروج إلى مجلس الذكور. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: ذكّر ضمير النساء تعظيمًا لهنّ، لما قصدن أن يسلكن في سلك الرجال الرُّكَّع السُّجَّد على نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، وقال الشاعر:
وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(٢) "شرح النووي" ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠١] (٤٤٣) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ، كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ، فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، أبو جعفر السعديّ مولاهم، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٩.
٥ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الْحَضْرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢].
رَوَى عن أبي هريرة، وعثمان، وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد الْجُهَنيّ، وزينب الثقفية، وغيرهم.
ورَوَى عنه سالم أبو النضر، وبكير بن الأشج، ومحمد بن إبراهيم، ويعقوب بن الأشج، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ويزيد بن خُصيفة، وغيرهم.
قال علي ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: بُسْرٌ أحبّ إلي من عطاء بن يسار، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يسأل عن مثله، وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وأهل الزهد في الدنيا، وكان ثقةً، كثير الحديث، وقال مالك: قال الوليد بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: مَن أفضل أهل المدينة؟ قال: مولى لبني الحضرميّ، يقال له: بُسْرٌ، قال مالك:
[ ١٠ / ٣٢١ ]
مات ولم يُخَلِّف كَفَنًا، وقال العجليّ: تابعيّ مدنيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يسكن دار الحضرميّ في جَدِيلة بني قيس، فنُسِب إليهم، وكان سعيدًا متزهِّدًا، لم يُخَلِّف كَفَنًا.
وقال الواقديّ: مات بالمدينة سنة (١٠٠)، وهو ابن (٧٨)، وقيل: مات سنة (١٠١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
٦ - (زَيْنَبُ الثَّقَفِيَّةُ) هي: زينب بنت معاوية، وقيل: بنت أبي معاوية، وقيل: بنت عبد اللَّه بن معاوية بن عَتّاب بن الأسعد بن غاضِرة بن حُطَيط بن قَسيّ، وهو ثقيف، وهي امرأة عبد اللَّه بن مسعود، ولها صحبةٌ، وقيل: اسمها رائطة.
قال الحافظ -﵀-: فَرَّقَ أبو سعيد، وابن حبان، والعسكريّ، وابن منده، وأبو نعيم، وغير واحد بين زينب ورائطة امرأتي ابن مسعود. انتهى (^١).
رَوَت عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وعن زوجها عبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن الخطّاب.
وروى عنها ابنها أبو عُبيدة، وابن أخيها، ولم يُسَمّ، وعمرو بن الحارث بن أبي ضِرَار، وابنه محمد بن عمرو، أو عبد اللَّه بن عمرو، على خلاف فيه، وبسر بن سعيد، وعُبيد بن السَّبّاق.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٤٣) وأعاده بعده، وحديث رقم (١٠٠٠): "تصدّقن يا معشر النساء، ولو من حليّكنّ. . . ".
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، ومخرمة، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح"، وابن ماجه.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٦٧٥.
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن بسر، والابن عن أبيه: مخرمة، عن بُكير، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرِ) بضمّ الموحّدة، وإسكان السين المهملة، آخره راء (ابْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْنَبَ) بنت معاوية الصحابيّة، وهي امرأة عبد اللَّه بن مسعود -﵄- (الثَّقَفِيَّةَ) بفتح الثاء المثلّثة، والقاف: نسبة إلى قبيلة مشهورة، وهو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، قاله في "اللباب" (^١). (كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا شَهِدَتْ) أي أرادت أن تشهد، وتحضر (إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ) أي صلاة العشاء في المسجد، قال النوويّ -﵀-: معناه: أرادت شهودها، أما من شهِدتها، ثم عادت إلى بيتها، فلا تُمنع من الطيب بعد ذلك (^٢). (فَلَا تَطَيَّبْ) بفتح أوله، أصله: فلا تتطيّب، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدِ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(تِلْكَ اللَّيْلَةَ") منصوب على الظرفيّة، أي في الليلة التي تريد حضور صلاة العشاء في المسجد.
والحديث دليلٌ على جواز حضور النساء المساجد للصلاة فيها إذا لم يتطيّبن، وقد سبق البحث في هذا مستوفًى في شرح أول أحاديث الباب، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب الثقفيّة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "اللباب" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، و"الأنساب" ١/ ٥٠٨ - ٥١١.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٣.
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٠٠١ و١٠٠٢] (٤٤٣)، و(النسائيّ) في "الزينة" (٨/ ١٥٤ و١٥٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٦٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢١٢ و٢٢١٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٧١٧ و٧٢١ و٧٢٢ و٧٢٣ و٧٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٤٨ و١٤٤٩)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٨٧).
وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث ابن عمر -﵄- أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنى بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَا تَمَسَّ (^١) طيبًا").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ) بالجرّ صفة لـ "زينب"، يعني أنها زوج عبد اللَّه بن مسعود -﵂-.
_________________
(١) وفي نسخة: "فلا تمسنّ".
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
وقوله: (فَلَا تَمَسَّ طيبًا) وفي نسخة: "فلا تمسّنّ" بنون التوكيد.
[تنبيه]: قوله: "فلا تمسّ" "لا" ناهيةٌ، والفعل مجزوم بها، فيجوز في سينه المشدّدة الكسر، وهو الأصل، والفتح؛ للتخفيف، وذلك أن القاعدة أنه إذا لم يتّصل بآخر الفعل المدغم المجزوم وشبهه شيء من الضمائر جاز فيه ثلاث لغات: الفتح للخفّة مطلقًا، أي سواء كان مضموم الفاء، كَرُدَّ، أو مكسورها، كَفِرَّ، أو مفتوحها، كَعَضَّ، وهو لغة بني أسد وغيرهم، والكسر مطلقًا على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع بحركة الفاء، كَرُدُّ بالضمّ، وَفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم، قاله الخضريّ في "حاشية شرح ابن عقيل على الخلاصة" (^١)، وسيأتي البحث مستوفًى في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-: "ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٣] (٤٤٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت فقية [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ) الأمويّ مولاهم، أبو
_________________
(١) راجع الحاشية المذكورة في: "باب الإدغام" ٢/ ٣٢٩.
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
علقمة الْفَرْويّ المدنيّ، صدوقٌ [٨] (ت ١٩٠) وله (١٠٠) سنة (بخ م د س) تقدم في "المقدمة" ٥٣/ ٣١٩.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن خُصَيفة -بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة، مصغًّرا- ابن عبد اللَّه بن يزيد، نُسِب إلى جدّه الكنديّ المدنيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، والسائب بن يزيد، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وعمرو بن عبد اللَّه بن كعب، وبُسْر بن سعيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجعيد بن عبد الرحمن، ومالك، وأبو علقمة الْفَرْويّ، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، والسفيانان، والدراورديّ، وآخرون.
قال الأثرم، عن أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وزَعَم ابن عبد البر أنه ابن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقةً مأمونًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٤٤)، وحديث زيد بن ثابت -﵁- (٥٧٧): "أنه قرأ على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ".
٥ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبله.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، وعبد اللَّه بن محمد، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، كما أسلفته آنفًا أيضًا.
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن بُسر.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ) "أيّما" شرطيّة، جوابها قوله: "فلا تشهد" (أَصَابَتْ بَخُورًا) بفتح الباء الموحّدة، وضمّ الخاء المعجمة، وزان صَبُور: ما يُتبخّر به، والمراد به هنا ما ظهر ريحه (فَلَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَشْهَدْ) أي لا تحضر (مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ") أي لأن الليل مظنّة الفتنة، فالتخصيص بالعشاء الآخرة بمزيد التأكيد، أو لأن النساء يخرجن في العشاء الآخرة إلى المسجد، فنهاهنّ عن الحضور متطيّبات.
وقال الطيبيّ -﵀-: وخصّها بالذكر لأنها وقت الظَّلام وخلوّ الطرق، والعطر مُهيّج للشهوة، فلا يؤمن من المرأة حينئذ الفتنة، بخلاف الصبح عند إدبار الليل، وإقبال النهار، فحينئذ تنعكس القضية. انتهى (^١).
وقال السنديّ -﵀-: لعلّ التخصيص به؛ لأن الخوف عليهنّ في الليل أكثر، أو لأن عادتهنّ استعمال الْبَخُور في الليل لأزواجهنّ. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: فيه دليل على جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، وأما ما نُقِل عن الأصمعيّ أنه قال: من المحال قول العامّة: العشاء الآخرة؛ لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة، فلا توصف بالآخرة، فهذا القول غلطٌ؛ لهذا الحديث، وقد ثبت في "صحيح مسلم"، عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة، وألفاظهم بهذا مشهورة في هذه الأبواب التي بعد هذا. انتهى (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١١٣٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: هذا الإسناد تكلّم فيه النسائيّ -﵀- في "سننه"، فقال -بعد إخراجه عن محمد بن هشام بن عيسى البغداديّ، عن أبي علقمة عبد اللَّه بن محمد الفرويّ، بسند المصنف- ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع يزيد بن خُصيفة، عن بُسر بن سعيد على قوله: "عن أبي هريرة"، وقد خالفه يعقوب بن عبد اللَّه بن الأشجّ، رواه عن زينب الثقفيّة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفى النسائيّ -﵀- طرقه المختلفة، وتكلّم في تلك الأسانيد المختلفة، فأفاد وأجاد، فراجع ما كتبته في شرحي عليه (^١).
وحاصل ما أعلّ به رواية يزيد هذه أنه تفرّد عن بسر بن سعيد بقوله: "عن أبي هريرة"، وقد خالفه يعقوب بن عبد اللَّه بن الأشجّ، فرواه عن بسر، عن زينب الثقفيّة، ووافقه عليه أخوه بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، كما في الرواية التي قبل هذا.
والظاهر أن إعلال النسائيّ -﵀- قويّ، ووجيه، إلا أن المصنّف -﵀- يرى صحّة الطريقين، كونه من مسند زينب -﵂-، ومن مسند أبي هريرة -﵁-؛ لأن يزيد بن خُصيفة ثقةٌ، فلا تضرٌ مخالفتهما، هذا هو الظاهر من صنيعه، لكن ما قاله النسائيّ، أظهر منه، وأرجح؛ لأن يزيد بن خُصيفة، وإن وثّقه الأكثرون، فقد تقدّم عن الإمام أحمد -﵀- في رواية أبي داود عنه أنه قال: منكر الحديث، فتفرّد مثله مع هذه المخالفة مما يوهن حديثه، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٠٠٣] (٤٤٤)، و(أبو داود) في "الترجّل" (٤١٧٥)، و(النسائيّ) في "الزينة" (٨/ ١٥٤) و"الكبرى" (٥/ ٤٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٩١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٨٩)، و(البغويّ) في "شرح
_________________
(١) "ذخيرة العقبى" ٣٨/ ١٧٧ - ١٨٩.
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
السنّة" (٣/ ٤٣٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٤] (٤٤٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- تَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقة عابد، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (عَمْرَة بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] (ت قبل ١٠٠) وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين، ماتت -﵂- سنة (٥٧) (ع) تقدمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بصريًّا إلا أنه مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً.
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة: يحيى عن عمرة.
٥ - (ومنها): أن عمرة ممن لازم عائشة -﵂-، وأكثرت الرواية عنها.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠).
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) -﵂- (زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) بنصب "زوج" على أنه بدلٌ، أو عطف بيان لـ "عائشة"، والزوج بلا هاء أفصح من الهاء، وهو الذي جاء في التنزيل، قال اللَّه -﷿-: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقد تقدّم تمام البحث فيه. (تَقُولُ: لَوْ) شرطيّة، وجوابها قوله: "لمنعهنّ المساجد" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ) "ما" موصولة، في محلّ نصب على أنها مفعول "رأى"، و"رأى" هنا بصريّة، أي ما أحدثنه من الزينة، وحسن الثياب، والتزاحم والاختلاط بالرجال (لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ) أي حضور المسجد للصلاة فيه (كَمَا مُنِعَتْ) بالبناء للمفعول (نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب -﵇-، قال في "العمدة": يَحْتَمل أن تكون شريعتهم المنع، ويَحْتَمل أن يكون منعهنّ بعد الإباحة، ويَحتمل غير ذلك مما لا طرق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. انتهى (^١).
قال الكرمانيّ -﵀-: [فإن قلت]: من أين علمت عائشة هذه الملازمة، والحكمُ بالمنع وعدمه ليس إلا للَّه تعالى؟.
[قلت]: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم موادّ الفساد، والأَولى في هذا الباب أن يُنظَر إلى ما يُخشَى منه الفساد، فيُجتَنَبَ لإشارته -ﷺ- إلى ذلك بمنع الطيب والتزين، حيث قال: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيبًا"، رواه مسلم، ورَوَى أبو داود من حديث أبي هريرة -﵁- قال: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، ولكن لِيَخْرُجن، وهنّ تَفِلات (^٢) "، وكذلك قَيّد ذلك
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٢٢٨.
(٢) قوله: "تَفِلات": جمع تَفِلَة -بفتح التاء المثناة من فوقُ، وكسر الفاء- من التَّفَل، وهو سوء الرائحة، يقال: امرأة تَفِلَة: إذا لم تتطيب، ويقال: رجل تَفِلٌ، وامرأة =
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
في بعض المواضع بالليل؛ ليتحقق الأمن فيه من الفتنة والفساد، كما تقدّم في بعض روايات ابن عمر -﵄-.
وبهذا يمنع استدلال بعضهم في المنع مطلقًا في قول عائشة -﵂-؛ لأنها علّقته على شرط لم يوجد، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، على أن عائشة -﵂- لم تُصَرِّح بالمنع، وإن كان ظاهرُ كلامها يقتضي أنها ترى المنع.
وأيضًا فالإحداث لم يقع من الكلّ، بل من بعضهم، فإن تعيّن المنع فيكون في حقّ مَن أحدثت، لا في حق الكلّ.
والحاصل أن الإحداث وإن وقع لم يقع في جميع النساء، فلا ينبغي تعميم المنع، بل يُقتصر في اللاتي أحدثن، فيمنعن من الخروج إلى المساجد، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الشوكانيّ -﵀-: وقد تمسك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقًا بقول عائشة هذا، وفيه نظر؛ إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علّقته على شرط لم يوجد في زمانه -ﷺ-، بل قالت ذلك بناءً على ظنّ ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، وظنها ليس بحجة. انتهى (^١).
(قَالَ) يحيى بن سعيد الأنصاريّ الراوي عنها (فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟) بهمزة الاستفهام، وبناء الفعل للمفعول (قَالَتْ) عمرة (نَعَمْ) أي منُعن منه.
قال في "الفتح": قول عمرة "نعم" في جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنها نقلته عن عائشة -﵂-، ويَحْتَمِل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة، عن عائشة -﵂- موقوفًا، أخرجه عبد الرزّاق بإسناد صحيح، ولفظه: "قالت: كان نساء بني إسرائيل يتّخِذن أرجلًا من خشب، يتشرّفن للرجال في المساجد، فحرّم اللَّه عليهنّ المساجد، وسُلّطَت عليهنّ الحيضة".
_________________
(١) = تَفِلة، ومِتْفَال، قاله في "عمدة القاري" ٦/ ٢٢٨.
(٢) "نيل الأوطار" ٣/ ١٦٢.
[ ١٠ / ٣٣١ ]
وأخرج عبد الرزّاق أيضًا بإسناد صحيح، عن ابن مسعود -﵁- قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى اللَّه عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد".
وهذان الأثران، وإن كانا موقوفين، إلا أن لهما حكم الرفع؛ لأنهما مما لا يقال من قبل الرأي (^١).
ولا يقال: إن هذا يعارضه ما أخرجه الشيخان عن عائشة -﵂- أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال لها حين حاضت في حجة الوداع: "إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم. . . " الحديث؛ لإمكان الجمع بأن أصله على أول بنات آدم، والذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبةَّ لَهنّ لا ابتداء وجوده، وقد تقدّم تمام البحث في هذا أول "كتاب الحيض"، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٠٥٤ و١٠٠٥] (٤٤٥)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٦٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٦٩)، و(الترمذيّ) فيها (٢/ ٤٢٠)، (ومالك) في "الموطّأ" (١/ ١٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٩٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٤٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد إذا التزمن بآداب الخروج.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٤٧٧ "كتاب الحيض" رقم (٢٩٤)، و٢/ ٤٠٧ "كتاب الأذان" رقم (٨٦٩).
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
٢ - (ومنها): منعهنّ من الخروج إذا لم يلتزمن بها، بأن خرجن متبرّجات، أو متطيّبات، أو نحو ذلك.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابيّات في عهد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من التزامهنّ بالتعليمات النبويّة، ولذا نهى النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أولياء النساء أن يمنعوهنّ من الخروج إلى المساجد.
٤ - (ومنها): أن عائشة -﵂- أشارت بهذا الكلام إلى أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كان يُرخّص في بعض ما يُرخِّص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد، فلو أدرك ما حدث بعده لَمَا استمرّ على الرخصة، بل نهى عنه، فإنه إنما يأمر بالصلاح، وينهى عن الفساد (^١).
٥ - (ومنها): بيان أن التغير، والانحراف في النساء وُجد في العصر المبكّر، في عصر الصحابة -﵃-، فقد بيّنت ذلك عائشة -﵂- في هذا الحديث أن النساء أحدثن ما لم يكن في عهده -ﷺ-، ولكن الإحداث قليلٌ بالنسبة إلى ما حصل بعد ذلك، فلو شاهدت عائشة -﵂- ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات، لكانت أشدّ إنكارًا، وإلى اللَّه تعالى المشتكى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ -يَعْنِي الثَّقَفِيَّ- قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) (^٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسنادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعنزيّ، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب -﵀- ٨/ ٤١.
(٢) وفي نسخة: " (ح) قال" بتأخير "قال" في المواضع الثلاثة.
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوق يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقون كلهم تقدّموا في هذا الباب، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه، و"يحيى بن سعيد" هو: الأنصاريّ.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) الإشارة إلى إسناد يحيى بن سعيد الماضي، وهو: عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة -﵂-.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه أخرجها أبو عوأنة في "مسنده" (١/ ٣٩٧)، فقال:
(١٤٥٠) حدّثنا يوثس بن عبد الأعلى، وسعدان بن نصر، وشعيب بن عمرو، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: سمعت عائشة -﵂- تقول: لو رأى رسول اللَّه -ﷺ- ما أحدث النساء بعده لمنعهنّ المسجد، كما مُنِعت نساء بني إسرائيل، قال: قلت: يا هذه، ومُنعت نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم. انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فأخرجها الإمام إسحاق ابن راهويه -﵀-، في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، فقال:
(٦٣٩) أخبرنا عيسى بن يونس، نا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة -﵂- قالت: لو أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد، كما مُنعته نساء بني إسرائيل، فقلت لعمرة: وهل كُنّ منعن المساجد؟ فقالت: نعم. انتهى.
وأما رواية عبد المجيد الثقفيّ، فأخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٦٥)، فقال:
(٩٩٠) حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، سمع يحيى بن سعيد يقول (ح) حدثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة (ح) وحدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
إسحاق، أنبا عيسى بن يوسف (^١) ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حامد بن شعيب، ثنا شريح بن يونس (^٢) ثنا سفيان بن عيينة، سمعت يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا محمد بن بدر، ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا مالك (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا حماد بن زيد، وحدّثنا أبو علي الصوّاف، ثنا محمد بن نصر الصايغ، ثنا خالد بن خِدَاش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، قالوا: عن يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لو أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد، كما مُنِع نساء بني إسرائيل، قلت لعمرة: كأن نساء بني إسرائيل مُنِعْنَ المسجد؟ قالت: نعم. لفظ عبد الوهاب. انتهى.
وأما رواية أبي خالد الأحمر، فلم أجد من أخرجها بمفردها، إلا ما سبق عن أبي نعيم، في ضمن الرواية المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.