وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٩] (٤٤٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ -﷿-: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بالْوَحْي، كَانَ مِمَّا يُحَرَّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ بُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، أَخْذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، إِن عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنهُ فَتَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
قُرْآنَهُ (١٨)﴾، قَالَ: أَنْزَلْنَاهُ، فَاسْتَمِعْ لَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كمَا وَعَدَهُ اللَّهُ) (^١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن قُرْط الضّبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْهَمْدَانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، كان يُرسل [٥] (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٢/ ٩٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال أبو بكر. . . إلخ"، وذلك لبيان اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، فقد صرّح أبو بكر بن أبي شيبة، بتحديث شيخه له، وذكر شيخه باسمه، واسم أبيه، بخلاف الآخرين، فلم يفعلا ذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا قتيبة، فبغلانيّ، وإسحاق، فمروزيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: موسى، عن سعيد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، وهم: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵃-، وقول الجوهريّ في "الصحاح" بدل ابن العاص: ابن مسعود
_________________
(١) وفي نسخة: "كما وعده اللَّه ﵎".
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين، كالإمام أحمد وغيره (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) قال في "الفتح": لا يُعرف اسم أبيه، وقد تابعه على بعضه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير. انتهى. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (فِي قَوْلِهِ -﷿-) أي في توضيح معانيه، وبيان سبب نزوله (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾).
قال الإمام ابن كثير -﵀- في "تفسيره": هذا تعليم من اللَّه -﷿- لرسوله -ﷺ- في كيفية تَلَقِّيه الوحيَ من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره اللَّه -﷿- إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتَكَفَّل اللَّه له أن يَجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يُبَيِّنه له، ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعُه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي أن تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي إذا تلاه عليك الملك عن اللَّه تعالى، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي بعد حفظه وتلاوته نُبَيِّنه لك، ونوضِّحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. انتهى (^٢).
(قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ-) لفظة "كان" في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار (إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ) -﵇-، هو ملك الوحي إلى الرسل -عليهم الصلاة والسلام- الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدَّمَادِم، ومعناه: عبد اللَّه بالسريانية؛ لأن "جبر" عبد بالسريانية، و"إيل" اسم من أسماء اللَّه تعالى.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٧٠.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٤/ ٤٥٠).
[ ١٠ / ٣٥١ ]
ورَوَى عبد بن حميد في "تفسيره" عن عكرمة أن اسم جبريل: عبد اللَّه، واسم ميكائيل: عبيد اللَّه.
وقال السهيليّ: جبريل سريانيّ، ومعناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز، كما جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصحّ.
وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فـ "إيل" هو العبد، وأوله اسم من أسماء اللَّه تعالى، والجبر عند العجم هو إصلاح ما فسد، وهي توافق معناه من جهة العربية، فإن في الوحي إصلاحَ ما فسد، وجَبْرَ ما وَهَى من الدين.
ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة، ولا بأرض العرب، ولهذا لما ذكره النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- لخديجة -﵂- انطلقت لتسأل مَن عنده علم من الكتاب، كعَدّاس، ونَسطُور الراهب، فقالا: قدوس قدوس، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟ (^١).
(بِالْوَحْي) أي بالقرآن الذي أوحاه اللَّه -﷿- إليه (كَانَ) قال النوويّ -﵀-: إنما كرّر "كان" لطول الكلام، وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة اللفظ ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد "أنكم" لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقد سبق بيان هذه المسألة مبسوطًا في أوائل "كتاب الإيمان". انتهى (^٢).
(مِمَّا يُحَرِّكُ بهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره، فقال القاضي عياض -﵀-: معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك، قال: وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبِهِ، فجعل "ما" كنايةً عن ذلك، وأدغمت نون "من" في ميم "ما".
ومنه قوله في حديث سمرة -﵁-: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلّى الصبح مما يقول لأصحابه: "مَن رأى منكم رؤيا" أي هذا من شأنه.
وحديث البراء -﵁-: "كُنّا إذا صلّينا خلف النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- مما نُحبّ أن نكون عن يمينه"، أي هذا شأننا.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ١٢٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٦.
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
وقال بعضهم: معناه: "رُبَّما"؛ لأن "من" إذا وقع بعدها "ما" كانت بمعنى "ربما"، قاله الشّيرازيّ، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وخَرّجوا عليه قول سيبويه: "واعلم أنهم مما يحذفون كذا"، وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]:
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً … عَلَى رَأْسِهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
وقال الكرمانيّ: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ العلاج منه، أو بمعنى "مَنْ"؛ إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا، أي وكان ممن يحرك شفتيه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون "ما" هنا بمعنى "مَن" هو التوجيه الوجيه، وأما قوله -﵀-: "كان العلاج. . . إلخ"، فلا يخفى بُعده، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
زاد في الرواية التالية: "فقال لي ابن عباس: أنا أُحَرِّكهما كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يُحَرِّكهما، فقال سعيد: أنا أُحَرِّكهما كما كان ابن عباس يُحَرّكهما، فحَرَّك شفتيه"، وسيأتي شرحه هنا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير التحريك المفهوم، أي يشقّ عليه -ﷺ- تحريكه شفتيه (فَكَانَ ذَلِكَ) أي كونه يشتدّ عليه التحريك (يُعْرَفُ مِنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، يعني أنه يعرفه من رآه؛ لِما يظهر على وجهه وبدنه من آثاره، كما قالت عائشة -﵂-: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عَرَقًا" (^١).
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾) الضمير عائد على القرآن، وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، لكن القرآن يُرشد إليه، بل دلّ عليه سياق الآية، أي لا تعجل بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه.
(﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أَخْذَهُ) أي لتأخذه على عَجَلة، يقال: عَجِلَ عَجَلًا، من باب تَعِبَ، وعَجَلَةً: إذا أسرع، وحَضَر، فيكون قوله: "أخذه" منصوبًا بنزع الخافض، أي في أخذه، ويَحْتَمِل أن يكون من عَجِلَ إلى الشيء، من باب
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٦.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
تَعِبَ أيضًا: إذا سبق إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، فيكون التقدير: إلى أخذه، واللَّه تعالى أعلم.
ثم عَلَّلَ النهي عن الْعَجَلَة بقوله: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾) ثم فسّره بقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ) بالنصب عطفًا على "أن نجمعه؛ لأنه في تأويل المصدر، أي إن علينا جمعه في صدرك، وقرآنه، والمراد بالقرآن هنا معناه المصدريّ، أي القراءة، ولذا فسّره بقوله: (فَتَقْرَؤُهُ) أي إن علينا قراءته.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ) ابن عبّاس -﵄-، موضّحًا معناه: (أَنْزَلْنَاهُ) يعني أن معنى ﴿قُرْآنَهُ﴾ أنزلناه على لسان جبريل -﵇-، فقرأه عليك (فَاسْتَمِعْ لَهُ) أي ومعنى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ استمع إلى قراءة جبريل -﵇-، فالقرآن هنا أيضًا بمعنى القراءة.
قال ابن كثير -﵀-: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي إذا تلاه جبريل -﵇-، ففيه إضافة ما يكون عن أمر اللَّه تعالى إليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. انتهى.
(﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾) أي ثمّ إن علينا (أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) وقيل: معناه: إن علينا تفسير ما فيه من الحدود، والحلال والحرام، قاله قتادة، وقيل: إن علينا بيان ما فيه من الوعد، والوعيد، وتحقيقهما، ذكره القرطبيّ (^١).
والأَولى تفسير البيان بما يعمّ هذا كلّه، وقد ذكرت في "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة" توضيح ذلك، وحاصله أن البيان يُطلق على التبيين الذي هو مصدر بَيّن، وهو فعل المبيِّن، ويُطلق أيضًا على ما حصل به التبيين، وهو الدليل، والمراد به كلُّ ما يُزيل الإشكال، فيدخل فيه التقييد، والتخصيص، والنسخ، والتأويل، ويُطلق أيضًا على متعلَّق التبيين، وهو المدلول، أي المبَيَّنُ -بالفتح- وعلى محلّه أيضًا، ويُطلق البيان على كلّ إيضاح، سواء تقدّمه خفاء وإجمالٌ أم لا، فالبيان تارةً يكون ابتداءً، وتارةً يكون بعد إجمال. انتهى.
وكلّ هذه المعاني تشملها هذه الآية، وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٠٦.
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
إِخْرَاجُهُ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ … إِلَى تَجَلِّيهِ الْبَيَانُ الْغَالِي
وَهْوَ الْمُبَيِّنُ وَيُطْلَقُ عَلَى … مَا حَصَّلَ الْبَيَانَ عِنْدَ النُّبَلَا
فَهُوَ كُلُّ مَا أَزَالَ مُشْكِلَا … تَقْيِيدًا أَوْ تَخْصِيصًا أَوْ نَسْخًا جَلَا
كَذَلِكَ التَّأْوِيلُ وَالْبَيَانُ قَدْ … يُطْلَقُ لِلإِيضَاحِ مُطْلَقًا وَرَدْ
سَبَقَهُ الإِجْمَالُ أَمْ لَا فَالْبَيَانْ … يَأْتِي ابْتِدًا أَوْ بَعْدَ إِجْمَالٍ يُبَانْ
(فَكَانَ) -ﷺ- (إِذَا أتَاهُ جِبْرِيلُ) -﵇- بعد نزول هذه الآية (أَطْرَقَ) أي سكت -ﷺ-، أو نظر إلى الأرض ساكتًا، من الإطراق، وهو السكوت، أو النظر إلى الأرض، قال في "اللسان": الإطراق: السكوت عامّةً، وقيل: السكوت من فَرَق، أي خَوْف، ورجلٌ مُطْرِقٌ، ومِطْرَاقٌ، وطِرِّيقٌ: كثير السكوت، وأطرق الرجلُ: إذا سكت، فلم يتكلّم، وأطرق أيضًا: أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض، وفي حديث نظر الفَجْأة: "أَطْرِق بصرك" (^١)، والإطراق: أن يُقْبِل ببصره إلى صدره، ويسكُت ساكنًا. انتهى (^٢).
(فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل -﵇- من عنده بعد القراءة عليه، وفي الرواية التالية: "فإذا انطلق جبريل" (قَرَأَهُ) -ﷺ- (كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ) زاد في نسخة: "﵎"، وفي الرواية التالية: "قرأه النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، كما قرأه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٠٠٩ و١٠١٠] (٤٤٨)، و(البخاريّ) في "بدء الوحي" (٥)، و"التفسير" (٤٩٢٧ و٤٩٢٨ و٤٩٢٩)، و"الفضائل" (٥٠٤٤)، و"التوحيد" (٧٥٢٤)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٢٩)،
_________________
(١) هكذا في "اللسان"، والمعروف في الحديث: "اصرف بصرك"، والحديث أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن جرير بن عبد اللَّه -﵁- قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن نظرة الفَجْأة؟ فقال: "اصرف بصرك".
(٢) راجع: "لسان العرب" ١٠/ ٢١٩.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٤٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٢٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٢٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٤٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (١/ ١٩٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢٢٩٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩٣ و٩٩٤)، و"دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان استحباب الاستماع لقراءة القارئ، والتأدّب معه بالإطراق، والإنصات.
٢ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يلقاه من معالجة الشدّة عند نزول الوحي عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
٣ - (ومنها): معاناته -ﷺ- من تلقّي الوحي عن الملك، بحيث إنه كان يُحرّك شفتيه؛ لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل ذلك من حبّه له، وحلاوته في لسانه، والأول أظهر، فنُهي عن ذلك حتى يَجتمع له كلّه؛ لأن بعضه مرتبط ببعضه.
٤ - (ومنها): أن فيه النوع المسمّى في فنّ "مصطلح الحديث" بـ "المسلسل بتحريك الشفتين" (^٢)، فقد تسلسل بتحريك النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- لابن عبّاس -﵄-، ففي رواية أبي داود الطيالسيّ: أنه رآه يُحرّك شفتيه، ثم بتحريك ابن عبّاس -﵄- لسعيد بن جبير، ثم بتحريك سعيد، لموسى بن أبي عائشة، وهلُمّ جرّا، حتى وصل إلينا من بعض شيوخنا (^٣).
وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتّصال السماع، والأمن من التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصحّ تسلسلها، كحديث الرحمة المسلسل بالأوليّة، فإن تسلسله انقطع على سفيان بن عيينة، فمن رواه مسلسلًا إلى آخره فقد وَهِمَ.
_________________
(١) المراد فوائد الروايتين، هذه والتي بعدها، لا خصوص هذا، فتنبّه.
(٢) هذا من فوائد الرواية التالية؛ لأن التحريك ليس في هذه الرواية، فتنبّه.
(٣) هو الشيخ إسماعيل بن عثمان زين اليمنيّ المتوفى (١٢/ ١٢/ ١٤١٤ هـ).
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
وقد بيّن السيوطيّ -﵀- النوع المسلسل مع بيان أنواعه، وفائدته في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
وَخَيْرُهُ الدَّالُ (^١) عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ … مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
كَأَوَّليَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
٥ - (ومنها): بيان أن اللَّه تعالى تكفّل لرسوله -ﷺ- أن لا ينسى القرآن، وأنه كان بعد نزول هذه الآية يستمع ويُنصت لقراءة جبريل -﵇-، فإذا انتهى جبريل من قراءته، وذهب من عنده قرأه النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- على أصحابه كما قرأه جبريل -﵇- من غير زيادة، ولا نقص، كما قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أنّ أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون اللَّه تعالى وفضله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾ [القمر: ٣٢].
٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: اختلف السلف والخلف في الْهَذّ -أي الإسراع في القراءة- أو الترتيل، فمن رأى الْهَذّ أراد استكثار الأجر، وحَوْز الحسنات بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل -وهم الأكثرون- ذهبوا إلى تفهّم معانيه، والوقوف عند حدوده، وتدبّر آياته، وتحسين تلاوته، كما أمر اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ-، حيث قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ولا خلاف أن الْهَذّ المفضي إلى لفّ كلماته، وترك إقامة حروفه غير جائز، وقال مالك -﵀-: مِن الناس مَنْ إذا هَذّ كان أخفّ عليه، وإذا رتّل أخطأ، ومنهم من لا يُحسن الْهَذّ، والناس في ذلك على قدر حالاتهم، وما يَخفّ عليهم، وكلّ واسع. قال: وما قاله مالكٌ -﵀- وغيره ممن أجاز الهذّ، فإنما هو لمن لم يكن حظّه غير مجرّد التلاوة، وفضل القراءة، فأما من فتح اللَّه عليه بعلمه، وتلاه
_________________
(١) بتخفيف اللام؛ للوزن.
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
بالتفكّر والاعتبار، وتفهّم معانيه، واستثارة أحكامه، فلا مرية أن تلاوة هذا على مكث وإن قلّ ما يتلوه أفضل من ختمات غيره، وقد جاء للعلماء في ذلك أخبار، واختيار معلوم. انتهى كلام القاضي -﵀- ببعض تصرّف (^١).
٨ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا من جوّز اجتهاد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، حيث إنه كان يعجل بالقراءة، وجوّز الفخر الرازيّ أن يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما جوّزه الرازيّ لا يخفى بُعده، والحقّ أن اجتهاد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- جائز، وواقع، وقد أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة" حيث قلت:
اخْتَلفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ
وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ
وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ
وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وَقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا
فَاللَّه لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ
ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا
أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ
فإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فارجع إلى الشرح (^٣)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٩ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور من أهل السنّة، وهو الصحيح في كتب الأصول، ونصّ عليه الشافعيّ -﵀- لما تقتضيه "ثمّ" من التراخي.
قال في "الفتح": أولُ من استدلّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الخطيب وتبعوه، وهذا لا يتمّ إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حُمِل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسانه فلا.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٥١.
(٣) "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة" ٣/ ٤٩٥.
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمل البيان على معنى استمرار حفظه فقط بعيد، فالأولى حمله على ما يعمّه، وجميع أنواع البيان، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الآمديّ: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل، يقال: بيان الكوكب: إذا ظهر. قال: ويؤيّد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعض بالأمر المذكور دون بعض.
وقال أبو الحسين البصريّ: يجوز أن يراد البيان التفصيليّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجماليّ، فلا يتمّ الاستدلال.
وتُعُقّب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهار، والتفصيل، وغير ذلك؛ لأن قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعُمّ جميع أصناف البيان، من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلّق بها، من تخصيص، وتقييد، ونسخ، وغير ذلك. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حققه في "الفتح" أخيرًا هو الحقّ.
وحاصله أن المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ جميع أنواع البيان، من جهة لفظه، ومن جهة معناه، وحمل الآية على بعض أنواع البيان دون بعض تحكّم، لا دليل عليه، فيكون لفظه محفوظًا لديه لا يغيب عنه شيء حتى يبلّغه، فمتى أراد تبليغه استطاع أداءه كما سمعه من جبريل -﵇-، كما يكون معناه ظاهرًا لديه ظهورًا لا خفاء فيه، وإذا أراد بيان أحكامه أراه اللَّه تعالى ما أراد منه، وتكون دلالاته كلها ظاهرة لديه متى أراد بيانها للناس استطاع، فهو يعلم تفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، وناسخه من منسوخه، وغير ذلك من أنواع الدلالات.
وأما مسألة تأخير البيان، فقد وقع فيها اختلاف بين العلماء، والصحيح ما عليه الجمهور، من أن تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة جائز، وواقع، وهذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فقد عبّر بـ "ثم" المقتضية للتأخير، وإلى هذا قد أشرت في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٥١.
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخَّرَ الْبَيَانْ … عَنْ وَقْتِ حَاجَةِ الْمُكَلَّفِ الْمُعَانْ
لأَنَّهُ يُوقِعُ فِي التَّكْلِيفِ مَا … لَيْسَ يُطَاقُ وَهْوَ مَمْنُوعًا سَمَا
جَوَّزَهُ بَعْضٌ وَلَكِنْ قَالَ لَا … يَقَعُ فَالإِجْمَاعُ حَتْمًا حَصَلَا
وَجَوَّزَ الْجُمْهُورُ تَأَخِيرَهُ عَنْ … وَقْتِ الْخِطَابِ لاحْتِيَاجٍ فَانْصُرَنْ
وَرُبَّمَا الْحَاجَةُ تَدْعُوكَ إِلَى … تَعْجِيلِهِ أَوْ ضِدِّهِ فَلتَعْقِلَا
فَوَاجِبٌ تَعْجِيلُهُ إِذَا يُخَافْ … فَوَاتُهُ بِلَا تَمَكُّنِ التَّلَافْ
وَجَازَ تَدْرِيجُ الْبَيَانِ وَكَذَا … تَأْخِيرُ إِسْمَاعِ مُخَصِّصٍ خُذَا
وَوَجَبَ اعْتِقَادُ عَامٍ وَالْعَمَلْ … كُلُّ الأَدِلَّةِ كَذَا عِنْدَ النَّبَلْ
وإن أردت تحقيق معنى الأبيات، فارجع إلى شرحي "المنحة الرّضيّة" (^١) تنل بغيتك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحَرِّكُهُمَا (^٢)، فَقَالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُمَا (^٣) كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾، قَالَ: فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- كَمَا أَقْرَأَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا واحدًا، وهو:
_________________
(١) ٣/ ١٢٧ - ١٣٨.
(٢) زاد في نسخة: "فحرّك شفتيه".
(٣) زاد في نسخة: "لك".
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (فِي قَوْله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (كَانَ النَّبِيُّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) المعالجة: محاولة الشيء بمشقّة، وقوله: "شدّةً" منصوب على المفعوليّة لـ "يُعالج"، وقال في "العمدة": أي يحاول من تنزيل القرآن عليه شِدّةً، ومنه ما جاء في حديث آخر: "وَلي حرَّه، وعِلاجه": أي عَمَله وتَعَبَهُ، ومنه قوله: "من كسبه وعلاجه": أي من محاولته وملاطفته في اكتسابه، ومنه معالجة المريض، وهي ملاطفته بالدواء حتى يُقْبِل عليه، والمعالجة: الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ويقال: محاولةُ الشيء بمشقة. انتهى.
وجملة: "يعالج" في محلّ نصب خبر "كان".
وقوله: (شِدَّةً) بالنصب مفعول "يعالج"، وقال الكرمانيّ: يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا له، أي يعالج معالجةً شديدةً، فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما تقدير المفعول به لـ "يعالج"، والثاني تأويل الشّدّة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها، فافهم، قاله في "العمدة" (^١).
وقال النوويّ -﵀-: سبب الشدّة هيبة الملك، وما جاء به، وثقل الوحي، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، والمعالجة: المحاولة للشيء، والمشقّة في تحصيله. انتهى (^٢).
(كَانَ) -ﷺ- (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفي الرواية السابقة: "وكان مما يُحرّك شفتيه"، وقد تقدّم الكلام عليها، قال سعيد: (فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَا أُحَرِّكهُمَا) أي الشفتين، وفي رواية البخاريّ: "فقال ابن عبّاس: فأنا أحرّكهما"، قال في "العمدة": تقديم فاعل الفعل يُشعر بتقوية الفعل، ووقوعه لا محالة، قال: وقوله: فقال لي ابن عبّاس -﵄- إلى قوله:
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ١٢٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٦.
[ ١٠ / ٣٦١ ]
"فأنزل اللَّه" جملة معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ … أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِّرَا
وفائدة الاعتراض زيادة البيان بالوصف على القول.
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحَرِّكُهُمَا) زاد في نسخة: "فحرّك شفتيه" (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا (^١) كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا) ووقع عند البخاريّ: "وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما"، فقال الكرمانيّ: فإن قلت: كيف قال في الأول: "كان يحركهما"، وفي الثاني بلفظ: "رأيت"؟ قلت: العبارة الأولى أعمّ من أنه رأى بنفسه تحريك رسول اللَّه -ﷺ- أم سمع أنه حركهما.
وتعقّبه في "العمدة"، فقال: ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ابن عباس -﵄- لم ير النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلد؛ لأنه وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، والظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، ولكن يجوز أن يكون النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أخبره بذلك بعدُ أو أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي -ﷺ-.
قال في "الفتح": والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحًا عن أبي داود الطيالسيّ في "مسنده" عن أبي عوانة بلفظ: "قال ابن عبّاس: فأنا أحرّك لك شفتي كما رأيت رسول اللَّه -ﷺ-" (^٢).
وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع.
(فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ) لا تنافي بين هذا حيث ذكر الشفتين، وبين قوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾) حيث ذكر اللسان؛ لأن تحريك الشفتين بالكلام
_________________
(١) زاد في نسخة: "لك".
(٢) هكذا نقل في "الفتح" في "تفسير سورة القيامة" عن "مسند أبي داود الطيالسيّ" عن أبي عوانة، ولكن الذي وجدته في "مسنده" عن أبي عوانة رقم (٢٦٢٨) نصّه: "قال ابن عبّاس: إنما أحرك شفتي كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يحرّك. . . " الحديث، ولكن الحافظ ثبتٌ في نقله، فلا أدري من أي موضع نقله، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتَفَى بالشفتين، وحذَفَ اللسان؛ لوضوحه؛ لأنه الأصل في النطق؛ إذ الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئ عن ذلك، وتدلّ عليه رواية البخاريّ من طريق جرير في "التفسير": "يحرّك به لسانه وشفتيه"، فجَمَع بينهما.
وكان النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في ابتداء الأمر إذا لُقِّن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم يَصْبِر حتى يتمها؛ مسارعة إلى الحفظ؛ لئلا ينفلت منه شيء، قاله الحسن وغيره.
ووقع في رواية للترمذيّ: "يحرّك به لسانه" يريد أن يحفظه، وللنسائيّ: "يَعْجَلُ بقراءته ليحفظه"، ولابن أبي حاتم: "يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه؛ خشيةَ أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره".
وفي رواية الطبريّ، عن الشعبيّ: "عَجِلَ يتكلم به من حبه إياه"، وكلا الأمرين مراد.
ولا تنافي بين محبته إياه، والشدّة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنْصِت حتى يُقْضَى إليه وحيه، ووَعَدَ بأنه آمن من تفلّته منه بالنسيان أو غيره.
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، أي بالقراءة، قاله في "الفتح" (^١).
(لِتَعْجَلَ بِهِ) أي لتأخذه على عجلة ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ) بالنصب بـ "أن" مضمرة؛ لكونه معطوفًا على اسم خالص، وهو "جمعه"، كما في قول الشاعر [من البسيط]:
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ … كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
فـ "أعقله" منصوب لعطفه على "قتلي"، وهو اسم صريح، وإلى هذه القاعدة أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ … تَنْصِبُهُ "أَنْ" ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
والتقدير هنا: "ثم قراءتَكَ".
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٠.
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
ووقع في بعض النسخ: "ثُمّ تَقْرَؤُهُ" بالرفع، وعليه فيكون مستأنفًا، أي ثم أنت تقرؤه.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾، قَالَ) ابن عبّاس -﵄- مفسّرًا هذه الجملة (فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته، ووصلها، يقال: أنصت إنصاتًا: استمع، يتعدّى بالحرف، فيقال: أنصت الرجل للقارئ، وقد يُحذف الحرف، فينصبُ المفعولُ، فيقال: أنصت الرجل القارئَ، ضُمِّن سَمِعَهُ، ونَصَتَ له يَنْصِتُ، من باب ضرب لغة: أي سَكَت مستمعًا، وهذا يتعدَّى بالهمزة، فيقال: أنصته: أي أسكته، قاله في "المصباح" (^١).
وقال النوويّ في "شرحه": الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، فقد يَستمع، ولا يُنصتُ، فلهذا جمع بينهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الأزهريّ: يقال: أَنْصَتَ، ونَصَتَ، وانتصتَ، ثلاث لغات، أفصحهنّ: أنصت، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى (^٢).
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) هكذا رواية المصنّف، وهو بيان لمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: " ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ ثم إن علينا أن تقرأه"، وفي رواية له: "علينا أن نبيّنه بلسانك"، وفي رواية: "على لسانك".
والمعنى: أن اللَّه -﷿- ضمِنَ له -ﷺ- أن يُيسّر له قراءة القرآن متى شاء، سواء كان لنفسه تدبّرًا، وتعبّدًا بتلاوته، أو للناس تبليغًا، وأن يُبيّن له ما يراد منه من المعاني والأحكام، وهذا فضل من اللَّه تعالى الكريم عليه، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
(قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) بعد نزول هذه الآية (إِذَا إتاهُ جِبْرِيلُ) -﵇- (اسْتَمَعَ) لقراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) -﵇- أي ذهب، وانصرف من عنده -ﷺ- (قَرَأَهُ النَّبِيُّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كَمَا أَقْرَأَهُ) فاعل "قرأ" الأول ضمير النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وفاعل "قرأ" الثاني ضمير جبريل -﵇-.
والمعنى: أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريل -﵇-
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٦٦ - ١٦٧.
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
بالوحي، وبدأ يقرأ ذلك الوحي عليه، استمع -ﷺ- لقراءته، فإذا انتهى من قراءته، وانصرف من عنده، قرأه النبيّ -ﷺ- مثل ما قرأه جبريل -﵇-، من غير زيادة، ولا نقص، ولا تبديل، ولا تحريف.
والحديث متّفق عليه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.