وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٠] (٦٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺكَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِيَ، فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ (^١) قُتَيْبَةُ: "فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مُهاجِر، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعَد الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (أنسُ بْنُ مَالِك) -﵁- تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن أنسًا وابن شهاب مدنيّان، والباقون مصريّون، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر.
٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- هو الخادم المشهور، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، ومن المعمرين، قد جاوز المائة، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "لم يذكر".
[ ١٣ / ٥٠٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ) أي أَنَسًا (أَخْبَرَهُ) أي ابنَ شهاب (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) في تأويل المصدر مفعول ثانٍ لـ "أخبر" (كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة حاليّة من الفاعل، والرابط الواو محذوف (حَيَّةٌ) قال الخطّابيّ -﵀-: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفرّ، أو تتغيّر، وهذا مثل قوله: "بيضاء نقيّة"، وقال هو أيضًا وغيره: حياتها بقاء حرّها (^١).
(فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ) أي بعد الصلاة، وفي رواية الطحاويّ: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء نقيّةٌ، ثم أرجع إلى قومي. . . " الحديث.
(إِلَى الْعَوَالِي) قال في "اللسان": "العوالي": أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، والنسبة إليها عَالِيّ على القياس، وعَلَوِيّ نادرٌ على غير قياس. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": "العوالي": عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال لها: السافلة. انتهى (^٣).
[تنبيه]: وقع عند البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة لهذا الحديث عن الزهريّ في آخره زيادة: "وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال، أو نحوه".
قال في "الفتح": كذا وقع هنا أي بين بعض العوالي والمدينة المسافة المذكورة.
وروى البيهقيّ حديث الباب من طريق أبي بكر الصغاني، عن أبي اليمان شيخ البخاريّ فيه، وقال في آخره: "وبُعْدُ العوالي"، بضم الموحدة، وبالدال المهملة، وكذلك أخرجه البخاريّ في "الاعتصام" تعليقًا، ووصله البيهقيّ من طريق الليث، عن يونس، عن الزهريّ، لكن قال: "أربعة أميال، أو ثلاثة".
وروى هذا الحديث أبو عوانة في "صحيحه"، وأبو العباس السّرّاج جميعًا
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٤٨.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ٣٠٩٠.
(٣) "الفتح" ٢/ ٣٦.
[ ١٣ / ٥٠٥ ]
عن أحمد بن الفرج أبي عتبة، عن محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، عن الزهريّ، ولفظه: "والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال"، أخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ، عن أبي عتبة المذكور بسنده، فوقع عنده: "على ستة أميال"، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، فقال فيه: "على ميلين، أو ثلاثة".
فتحصّل من ذلك أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستة أميال، إن كانت رواية المحامليّ محفوظة.
ووقع في "المدونة" عن مالك: "أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال"، قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البرّ، وغير واحد، آخرهم صاحب "النهاية".
ويَحْتَمِل أن يكون أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ -﵀-: فسّر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، وقال غيره: هي مفترقة، فأدناها ميلان وأبعدها ثمانية أميال.
[تنبيه آخر]: ثم إن هذه الزيادة في هذا الحديث مدرجة من كلام الزهريّ في حديث أنس -﵁-، بيّنه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ في هذا الحديث، فقال فيه -بعد قوله: "والشمس حيّة"- قال الزهريّ: "والعوالي من المدينة على ميلين، أو ثلاثة"، قاله في "الفتح".
(فَيأْتِي الْعَوَالِيَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة حاليّة أيضًا من الفاعل، والارتفاع هنا دون الارتفاع في قوله: "كان يصلي العصر، والشمس مرتفعة"، ولكن لا تَصِل إلى أن توصف بالانخفاض، كما أفاده في "الفتح".
قال القرطبيّ: وهذا إنما يتّفق في الأيام الطويلة إذا عُجّلت العصر في أول وقتها، وفي الرواية الأخرى: "إلى قباء" مكانَ العوالي، وكلاهما صحيحُ الرواية والمعنى، فإن قباء من أدنى العوالي، وبينها وبين المدينة ميلان أو نحوهما، قاله الباجيّ. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: المراد بهذه الأحاديث، وما بعدها المبادرة لصلاة
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٤٩.
[ ١٣ / ٥٠٦ ]
العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة، والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يَحصل هذا الا في الأيام الطويلة.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، وفي نسخة: "لم يذكر" بحذف الواو (قُتَيْبَةُ) يعني شيخه الأول، وقوله: ("فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ") مفعول به لـ "يذكر"، محكيّ لقصد لفظه.
وغرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اختلاف شيخيه، في قوله: "فيأتي العوالي"، فذكره محمد بن رُمْح، ولم يذكره قتيبة، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٠ و١٤١١ و١٤١٢ و١٤١٣] (٦٢١)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٤٨ و٥٥٠ و٥٥١)، و"الاعتصام" (٧٣٢٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٠٤)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٠٧)، و"الكبرى" (١٤٩٥)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٩٣)، و(الشافعيّ) في "المسند"، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣١ و١٦١ و١٦٩ و١٨٤ و٢٠٩ و٢١٤ و٢١٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٩ و١/ ٢٧٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥١٨ و١٥١٩ و١٥٢٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٢ و١٠٣٣ و١٠٣٤ و١٠٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٨٦ و١٣٨٧ و١٣٨٩)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٥٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٣٦ و٣٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب التعجيل بالعصر:
[ ١٣ / ٥٠٧ ]
قال الحافظ ابن المنذر -﵀-؛ اختلفوا في تعجيل العصر وتأخيرها؛ فقالت طائفة: تعجيلها أفضل.
كتب عمر بن الخطاب -﵁- أن وقت العصر، والشمس بيضاء نَقِيّة، بقدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة، وقال جابر بن عبد اللَّه -﵄-: صلى أبو بكر العصر، ثم جاءنا، ونحن في دور بني سلمة، وعندنا جَزُور، وقد تشركنا عليها، فنحرناها، وجزيناها، وصنعنا له، فأكل قبل أن تغرب الشمس، وقال نافع: كان ابن عمر يصلي العصر، والشمس بيضاء لم تتغير، مَن أسرع السير سار قبل الليل خمسة أميال.
قال ابن المنذر: وهذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأخبار الثابتة دالّة على صحة هذا القول.
وذهبت طائفة إلى أن تأخير العصر أفضل، ورُوي ذلك عن أبي هريرة، وابن مسعود، وطاوس، وأبي قلابة، وابن سيرين، وحُكي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لِتُعْصَر، وكذلك قال ابن شبرمة، وعن إبراهيم، وهمام، وعلقمة أنهم كانوا يؤخرون العصر، وقال أصحاب الرأي: يصلي العصر في آخر وقتها، والشمس بيضاء لم تتغير في الشتاء والصيف. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار (^١).
وقال النوويّ -﵀-: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل، وبه قال جمهور العلماء، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه: تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس، واحتجُّوا بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وبحديث عليّ بن شيبان قال: "قَدِمتُ على رسول اللَّه -ﷺ-، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس نقيّة"، وعن عبد الواحد بن نافع، عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه -﵁- قال: "أمر رسول اللَّه -ﷺ- بتأخير العصر"، ولأنها إذا أُخِّرت اتسع وقت النافلة.
قال: واحتجّ أصحابنا بقول اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا
_________________
(١) راجع: "الأوسط" ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥.
[ ١٣ / ٥٠٨ ]
أخّرها عَرَّضها للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والصلاة تُحَصِّل دْلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبحديث أنس -﵁- قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم، والشمس مرتفعة"، متّفقٌ عليه.
وبحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: "صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي الحصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول اللَّه -ﷺ- التي كنا نصلي معه"، متّفقٌ عليه.
وبحديث رافع بن خديج -﵁- قال: "كنا نصلي العصر مع رسول اللَّه -ﷺ-، ثم ننحر الجزور، فتقسم عشر قسم، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس"، متّفقٌ عليه.
وبحديث أنس -﵁- قال: "صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمَة. . . " الحديث، رواه مسلم.
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب -﵁- كتب إلى أبي موسى الأشعريّ -﵁-: "أن صل العصر، والشمس بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب ثلاث فراسخ"، رواه مالك في "الموطأ" عن هشام.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية، فقال أصحابنا: قال أهل اللغة: الطَّرَفُ ما بعد النصف.
وعن حديث عليّ بن شيبان: أنه باطل، لا يُعْرَف، وعن حديث رافع: أنه ضعيف، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وضعّفاه، وبَيَّنا ضعفه، ونَقَل البيهقيّ عن البخاريّ أنه ضعّفه، وضعّفه أيضًا أبو زرعة الرازيّ، وأبو القاسم اللالكائي، وغيرهم.
وعن قولهم: يتسع وقت النافلة، أجيب بأن هذه فائدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه أعلم بالصواب.
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذّب" ٣/ ٥٤ - ٥٥.
[ ١٣ / ٥٠٩ ]
وقال العلامة المباركفوريّ -﵀- في "تحفة الأحوذيّ": وقال محمد -يعني ابن الحسن- في "الموطأ": تأخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذا صليتها، والشمس بيضاء نقيّة، لم تدخلها صفرة، وبذلك جاء عامة الآثار، وهو قول أبي حنيفة. انتهى.
وعلله صاحب "الهداية" وغيره من فقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير النوافل، وقد ردّه صاحب "التعليق الممجد"، وهو من علماء الحنفية بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالّة على أفضلية التعجيل، وهي كثيرة مروية في الكتب الستة وغيرها. انتهى.
وقد استدلّ العيني في "البناية شرح الهداية" على أفضلية التأخير بأحاديث:
الأول: أخرجه أبو داود عن يزيد بن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، عن أبيه، عن جدّه قال: "قدمنا على رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية".
والثاني: حديث رافع بن خديج: "أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بتأخير هذه الصلاة" يعني العصر، أخرجه الدارقطنيّ.
والثالث: حديث أم سلمة -﵂-: " (كان رسول اللَّه -ﷺ- أشدّ تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه"، أخرجه الترمذيّ.
الرابع: حديث أنس -﵁-: "كان النبيّ -ﷺ- يصلي العصر، والشمس بيضاء".
وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب "التعليق الممجد"، فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستدلال بهذه الأحاديث.
أما الحديث الأول، فلا يدلّ إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير، وهو ليس بثابت منه.
لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته، يشهد به لفظ "كان" المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة؛ لأنا نقول: لو دلّ على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالّة على أن عادته كانت
[ ١٣ / ٥١٠ ]
التعجيل، فالأولى أن لا يُحْمَل هذا الحديث على الدوام دفعًا للمعارضة، واعتبارًا لتقديم الأحاديث القويّة.
قال المباركفوريّ -﵀-: حديث عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان ضعيف، فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، وهو مجهول، كما صرّح به في "التقريب" و"الخلاصة" و"الميزان"، فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
قال اللكنويّ -﵀-: وأما الحديث الثاني، فقد رواه الدارقطني في "سننه" عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلت مسجد الكوفة، فأذَّن مؤذن بالعصر، وشيخ جالس، فلامه، وقال: إن أبي أخبرني أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه؟ فقالوا: عبد اللَّه بن رافع بن خديج، رواه البيهقي في "سننه"، وقال: قال الدارقطنيّ فيما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف الإسناد، والصحيح عن رافع ضدّه، ولم يروه عن عبد اللَّه بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحلُّ ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه. انتهى.
ورواه البخاريّ في "التاريخ الكبير" في ترجمة عبد اللَّه بن رافع: حدّثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال: لا يتابع عليه، يعني عن عبد اللَّه بن رافع، وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال، مختلف في حديثه، كذا ذكره الزيلعيّ في تخريج أحاديث "الهداية".
وأما الحديث الثالث: فإنما يدلّ على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير.
وأما الحديث الرابع: فلا يدلّ أيضًا على استحباب التأخير.
قال المباركفوريّ -﵀-: بل يدلّ على استحباب التعجيل، فإن الطحاويّ رواه هكذا عن أنس مختصرًا، ورواه أصحاب الكتب الستة عنه بلفظ: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال"، أو نحوه.
فالعجب من العينيّ أنه كيف استدلّ بهذه الأحاديث التي الأول والثاني
[ ١٣ / ٥١١ ]
منها لا يصلحان للاستدلال، والثالث، لا يدلّ على استحباب التأخير، والرابع يدلّ على استحباب التعجيل.
قال العلامة المباركفوريّ -﵀-: ولم أر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على أفضلية تأخير العصر. انتهى خلاصة ما كتبه المباركفوريّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله المباركفوريّ -﵀-: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن أحاديث استحباب التعجيل صحاح، وأصرح في المقصود، ولا ينبغي لطالب الحقّ أن يعارضها بهذه الأدلة التي لا يصحّ أكثرها للاستدلال به، وما صحّ منها ليس صريحًا في الدلالة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلهم تقدّموا، فأما الثلاثة الأولون، فتقدّموا قبل، وأما الباقيان، ففي السند الماضي، و"عمرو": هو ابن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ الحافظ المصريّ.
وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) أي بمثل حديث الليث عن ابن شهاب المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢١٧) فقال:
(١٣٨٧) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن أنس بن
_________________
(١) راجع: "تحفة الأحوذيّ" ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
[ ١٣ / ٥١٢ ]
مالك: "أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي صلاة العصر، والشمس مرتفعة، حيّةٌ، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتي العوالي والشمس مرتفعة"، قال: رواه مسلم عن هارون الأيليّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ) وللبخاريّ: "ثم يذهب الذاهب منا"، قال الحافظ: كأن أنسًا أراد بالذاهب نفسه، كما تشعر بذلك رواية الطحاويّ من طريق أبي الأبيض عن أنس. قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد صلى". انتهى.
[ ١٣ / ٥١٣ ]
(إِلَى قُبَاءٍ) متعلِّق بـ "يذهب"، وهو بضم القاف، والباء الموحَّدة، والقصر، والمدّ، والصرف، وعدمه، والتذكير، والتأنيث، والأفصح فيه المد، والصرف، والتذكير، قاله في "الطرح" (^١).
والمراد أهل قباء، وهو على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (^٢).
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر -﵀-: لم يُخْتَلَف على مالك أنه قال في هذا الحديث: "إلى قباء"، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهريّ، بل كلهم يقولون: "إلى العوالي"، وهو الصواب عند أهل الحديث، قال: وقول مالك: "إلى قباء" وَهَمٌ، لا شك فيه.
قال الحافظ -﵀-: وتُعُقِّب بأنه رُوي عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ: "إلى قباء"، كما قال مالك، نقله الباجي عن الدارقطني، فنسبة الوَهَم فيه إلى مالك مُنتقَدٌ، فإنه إن كان وَهَمًا احتَمَل أن يكون منه، وأن يكون من الزهريّ حين حدَّث مالكًا.
وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك، فقال فيه: "إلى العوالي" كما قال الجماعة، فقد اختُلِف فيه على مالك، وتوبع عن الزهريّ بخلاف ما جزم به ابن عبد البرّ.
وأما قوله: الصواب عند أهل الحديث "العوالي"، فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متقارب، لكن رواية مالك أخصّ؛ لأن قباء من العوالي، وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكًا لما رأى أن في رواية الزهريّ إجمالًا حملها على الرواية المفسَّرة، وهي روايته عن إسحاق، حيث قال فيها: "ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف"، وسيأتي أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصّة واحدة؛ لأنهما جميعًا حدّثاه عن أنس، والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وهم فيه.
وأما استدلال ابن بطال على أن الوَهَم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهريّ، ففيه نظرٌ؛ لأن مالكًا أثبته
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ١٦٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٧.
[ ١٣ / ٥١٤ ]
في "الموطأ" باللفظ الذي رواه عنه كافّة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه شاذّة، فكيف تكون دالّة على أن رواية الجماعة وَهَمٌ؟ بل إن سلّمنا أنها وَهَمٌ فهو من مالك، كما جزم به البزار، والدارقطنيّ، ومن تبعهما، أو من الزهريّ حين حدّثه به، والأولى طريق الجمع التي أوضحناها. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا.
(فَيَأْتِيهِمْ) أي أهل قباء، وقوله: (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، والرابط الواو.
والمعنى: أن ذلك الذاهب يأتي أهل قباء، ويصل إليهم في حال ارتفاع الشمس، دون ذلك الارتفاع الذي صلى فيه رسول اللَّه -ﷺ-، ولكنها لم تَصِلْ إلى الحدّ الذي توصف به بأنها منخفضة.
وفي هذا الحديث استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها؛ لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال، أو نحو ذلك، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها، وذهب إليه طائفة من السلف، كما تقدم تفصيل ذلك قريبًا.
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: وحاول الطحاويّ تأويل هذا الحديث، وأنه لا يدلّ على التعجيل؛ لجواز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرّت، فرَوَى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس أنه قال: "ما أحد أشد تعجيلًا لصلاة العصر من رسول اللَّه -ﷺ-، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول -ﷺ- لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عبيس بن جبر أحد بني حارثة، ودار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبيس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول اللَّه -ﷺ- العصر، ثم يأتيان قومهما، وما صلَّوها، لتبكير رسول اللَّه -ﷺ- بها".
ثم رَوَى عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس -﵁-، قال: "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر"، ثم رَوَى حديث الزهريّ عن أنس هذا.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦.
[ ١٣ / ٥١٥ ]
ثم رَوَى عن أبي الأبيض، قال: حدّثنا أنس بن مالك، قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد صلى".
ثم قال الطحاويّ: فقد اختُلِف عن أنس في هذا الحديث، فكان ما رَوَى عاصم بن عمر بن قتادة، وإسحاق بن عبد اللَّه، وأبو الأبيض عنه يدلّ على التعجيل بها؛ لأن في حديثهم أنه -ﷺ- كان يصليها ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا، فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل.
وأما رواية الزهري عن أنس، فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرّت، فقد اضطرب حديث أنس؛ لأن معنى ما روى الزهريّ منه بخلاف ما روى إسحاق، وعاصم، وأبو الأبيض عنه. هذا كلام الطحاويّ.
وفيه نظر من أوجه:
[أحدها]: أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم، والشمس مرتفعة، قد اصفرّت يردّه قوله في رواية أبي داود عن قتيبة، عن الليث، عن الزهريّ، عن أنس: "والشمس مرتفعة حيّة"، كذا رواه البيهقي في "السنن" من طريق ابن داسة، عن أبي داود، وقال في "المعرفة": وفي رواية الليث: "فيأتيهم، والشمس مرتفعة حيّة". انتهى، وحياتها بقاء حرّها ولونها، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرّت.
[ثانيها]: لو لم ترد هذه اللفظة: "وهي حيّة"، وكان ارتفاعها لا ينافي صفرتها على ما قرره الطحاويّ، فذلك لا يُحَصِّل مقصوده؛ لأن المصلي مع النبيّ -ﷺ- بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة أميال، والشمس مرتفعة، فذلك دليل التعجيل، ولو كانت الشمس مصفرّة، ولا سيما الرواية التي فيها العوالي وقدّروها أنها على أربعة أميال، وفي رواية ستة أميال، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى هذه المسافة إلا بعد الغروب.
[ثالثها]: كيف يَجعَلُ حديث أنس مضطربًا مع أن الروايات عنه لم يتحقق اختلافها؟ وغاية ما ذكره أن رواية الزهريّ عن أنس تحتمل مخالفة رواية الباقين، وقد صرّح هو بذلك في قوله: فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة قد
[ ١٣ / ٥١٦ ]
اصفرّت، ومع احتمال المخالفة والموافقة لا يكون اضطرابًا، بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات المصرّحة، وجعلها على نسق واحد، لا اختلاف بينها، ولا تضادّ، وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود، لا تَحْتَمِل التأويل، فنردّها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالًا مرجوحًا؟ بل لو كان احتمال المخالفة راجحًا لكان الواجب الحمل على المرجوح؛ ليوافق بقية الروايات، فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح، أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا؟ والواقف على كلام الطحاويّ في هذا الموضع يفهم منه التعَصُّب ببادئ الرأي؛ لأنه ذَكَر أولًا أن رواية الزهريّ عن أنمس محتملة لأن تكون الشمس قد اصفرّت، ثم إنه نزّل هذا الاحتمال منزلة المجزوم به، وقال: فقد اضطرب حديث أنس، ثم جزم بأن معنى ما روي عن الزهري بخلاف ما رواه غيره، مع قوله أولًا: إنه يحتمل المخالفة فقط.
ثم ذكر الطحاويّ حديث أبي الأبيض عن أنس، قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي صلاة العصر، والشمس بيضاء محلِّقة"، وقال: ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم ذكر أنه رُوي عن النبيّ -ﷺ-: "أنه كان يصليها، والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة"، فذكر أنه دليل على التأخير أيضًا، وهذا من أعجب العجب، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ولي الدين -﵀-: تحقيق نفيسٌ جدًّا في الردّ على من يتعصب لمذهب الحنفية في قولهم باستحباب تأخير العصر، مثل الطحاويّ، ومن تبعه كالعينيّ، وصاحب العرف الشذيّ، من المنهمكين في التقليد.
والواجب على المسلم أن يكون ناصرًا للحقّ، ومتبعًا للدليل، يدور حيثما دار، ولا يلتفت إلى من خالفه، أيًا كان قدره ومنزلته من العلم، ولا يمنعه من ذلك تقليده لإمام من الأئمة المجتهدين، فإنهم يصيبون ويخطئون، ولكنهم مأجورون على خطئهم أجرًا واحدًا، كما أنهم يؤجرون على إصابتهم أجرين،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ١٦٥ - ١٦٧.
[ ١٣ / ٥١٧ ]
فإنهم ما خالفوا النصّ، إلا لعدم وصوله إليهم، أو بلغهم إلا أنه عن طريق لا يرتضونها، أو تأوّلوه على حسب ما ظهر لهم، فأخطئوا في تأويله، إلى غير ذلك من الأعذار التي تبرئ ساحتهم أن ينزل فيها لوم وتوبيخ.
وأما هؤلاء الذين يقلِّدونهم في أخطائهم فليس لهم عذر، إلا أنهم يقولون: إن إمامهم أعلم من غيره، فلا ينبغي مخالفته، يا للعجب! هل إمامهم أعلم من الصحابة والتابعين، المخالفين له في تلك المسألة، القائلين بما وافق النصّ الصريح الصحيح؟! إن هذا لشيء عجاب!.
[تنبيه]: قد ذكرت جملة الأعذار التي يُعتذر بها عن الأئمة في "التحفة المرضيّة"، فقلت:
ثُمَّ اعْلَمَنَّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ … مِنَ الأَئِمَّةِ إِمَامٌ يُلْحِدُ
بِخُلْفِهِ الرَّسُولَ مُطْلَقًا لِذَا … يَلْزَمُنَا إِعْذَارُهُمْ يَا حَبَّذَا
قَدْ فَصَّلَ الْمَسْأَلَةَ الْعَلَامَةُ … أَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ ذَاكَ الْهَامَةُ
فَقَالَ الاعْذَارُ (^١) ثَلَاثَةً تُرَى … أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ يَرَى
أَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ وَالثَّانِي … عَدَمُ الاعْتِقَادِ بِذَا الشَّانِ
أَيْ بِإِرَادَةِ النَّبِي وَالثَّالِثُ … تَوَهُّمُ النَّسْخِ فَمَا هُوْ لَابِثُ
وَهَذِهِ الأَصْنَافُ قَدْ تَفَرَّعَتْ … لِعِدَّةِ الأَسْبَاب فَاضْبِطْ مَا حَوَتْ
أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَصَلَا … لَهُ الْحَدِيثُ فالتَّكْلِيفُ قَدْ خَلَا
وَالثَّانِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَهُ … لَكِنْ لِضُعْفِهِ أَبَى قَبُولَهُ
ثَالِثُهَا اعْتِقَادُ ضُعْفٍ خَالَفَهْ … سِوَاهُ فِيهِ لاجْتِهَادٍ حَالَفَهْ
رَابِعُهَا اشْتِرَاطُهُ فِي الْخَبَرِ … شَرْطًا يُخَالِفُهُ أَهْلُ النَّظَرِ
خَامِسُهَا أَنَّ الْحَدِيثَ ثَبَتَا … لَدَيْهِ لَكِنْ نَاسِيًا قَدْ فَوَّتَا
سَادِسُهَا عَدَمُ فَهْمِ مَا يَدُلْ … لَهُ الْحَدِيثُ أَيْ لأَسْبَابٍ تُخِلْ
سَابِعُهَا اعْتِقَادُهُ أَنْ لَيْسَ فِي … هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ دَلَالَةٍ تَفِي
ثَامِنُهَا اعْتِقَابٌ أَنْ عَارَضَا … تِلْكَ الدَّلَالَةَ دَلِيلٌ نَاقَضَا
تَاسِعُهَا اعْتِقَادُ أَنْ قَدْ وُجِدَا … مُعَارِضُ الْحَدِيثِ مِمَّا أَفْسَدَا
_________________
(١) بدرج الهمزة للوزن.
[ ١٣ / ٥١٨ ]
مِنْ ضُعْفٍ أَوْ نَسْخٍ أَوِ التَّأْوِيلِ … مِمَّا يَصُدُّهُ عَنِ التَّعْوِيلِ
عَاشِرُهَا إِتْيَانُهُ مُعَارِضَا … لَهُ بِمَا لَيْس دَلِيلًا مُرْتَضَى
كَرَدِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ الصَّحِيحَ منْ … حَدِيثِهِ حَيْثُ رَأَوْهُ قَدْ وَهِنْ
بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَدْ رَأَوْا … ظُهُورَ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ نَأَوْا
وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى … نَصِّ الْكِتَابِ يَبْدُو نَسْخًا حُصِلَا
وَرَدِّهِمْ بَعْضَ الأَحَادِيثِ بِمَا … رَأَوْا مِنَ الْقَيْسِ الْجَلِيِّ بِئْسَمَا
فَهَذِهِ الْعَشَرَةُ الأَسْبَابُ … ظَاهِرَةٌ يَأْتِي بِهَا احْتِجَابُ
وَقَدْ يَكُونُ مَانِعٌ لِلْعَالِمِ … لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ لِلتَّفَاهُمِ
لأَنَّ مُدْرَكَ الْعُلُومِ وَاسِعُ … يَصْعُبُ حَصْرُهُ لِمَنْ يُطَالِعُ
وَكُلُّهَا لَهُ مِنَ الأَعْذَارِ لَا … لَنَا إِذِ الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَنَا
أَنْ نَتْبَعَ الظَّاهِرَ حُجَّةً فَمَا … صَحَّ وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْعُلَمَا
لَزِمَنَا قَبُولُهُ وَلَا نَحِيدْ … لِعَالِمٍ خَالَفَهُ وَلَوْ مَجِيدْ
إِذِ النُّصُوصُ حُجَّةٌ عَلَى الْعِبَادْ … خِلَافَ رَأْيِ عَالِمٍ بِلا عِنَادْ
إِذْ هُوَ عُرْضَةٌ لِكَوْنِهِ خَطَا … وَهْيَ بَرِيئَةٌ لَهَا نُورٌ سَطَا
فإن أردت شرح معاني الأبيات، فارجع إلى الشرح "المنحة الرضيّة"، وباللَّه تعالى التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان بقيّة مسائله قبل حديث، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٣ / ٥١٩ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
والباقون تقدّموا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٨٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ. . . إلخ) قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدلّ على المبالغة في تعجيل صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجةٌ، ولعل تأخير بني عمرو؛ لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم وزروعهم وحوائطهم، فإذا فَرَغُوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها، فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى.
قال: وفي هذه الأحاديث وما بعدها دليلٌ لمذهب مالك، والشافعىّ، وأحمد، وجمهور العلماء أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله.
وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجةٌ للجماعة عليه، مع حديث ابن عباس -﵁- في بيان المواقيت، وحديث جابر -﵁-، وغير ذلك. انتهى (^١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٤] (٦٢٢) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٣ / ٥٢٠ ]
الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ (^١)، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقابريّ البغداديّ، العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرِج بن خالد، السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ مأمونٌ، من صغار [٩] (خ م ت س) (ت ٢٤٤) وقد قارب (١٠٠) أو جاوزها تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدني، ثقة ثبتٌ [٨] (تَ ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) الحرقيّ تقدّم قبل باب.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- المذكور قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف -﵀-، كسابقيه، وهو (٨٥) من رباعيّات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حجر، كما أسلفته آنفًا، والعلاء، فأخرج له البخاريّ في "جزء القراءة" فقط.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من إسماعيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "تلك صلاة المنافقين".
[ ١٣ / ٥٢١ ]
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ) وفي رواية أبي داود: "دخلنا" (عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ) بفتح، فسكون، وزانُ تَمْرَة: ومعناه في الأصل: الحجارة الرِّخْوَة، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء، وكسرها، وبها سُمّيت البلدة المعروفة، وأنكر الزجاج فتح الباء، مع الحذف، ويقال في النسبة: بَصريّ بالوجهين، وهي مُحْدَثة إسلامية، بُنِيت في خلافة عمر -﵁- سنة (١٧) من الهجرة، بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حدّه، دون حكمه، قاله في "المصباح" (^١).
(حِينَ انْصَرَفَ) الظرف متعلّق بـ "دخل"، أي دخل العلاء على أنس -﵁- وقت انصرافه (مِن) صلاة (الظُّهْرِ، وَدَارُهُ) أي دار أنس -﵁- (بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ) وفي رواية أبي داود: "دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر. . . " الحديث.
يعني أنه صلى في أول وقتها، وصلى في بيته، ولم يصلها مع الإمام؛ لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، وقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- مَن يدركهم أن يصلي الصلاة أول وقتها، ويجعل صلاته معهم نافلة، كما تقدم في حديث أبي ذرّ -﵁- (^٢).
(فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي على أنس -﵁- (قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ) أي في هذه الساعة الحاضرة، فأل للعهد الحضوريّ (مِنَ الظُّهْرِ) أي من صلاتها (قَالَ) أنس -﵁- (فَصَلُّوا الْعَصْرَ) قال العلاء (فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا) أي صلاة العصر (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي سلمنا من العصر (قَالَ) أنس -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "تِلْكَ) أي الصلاة المتأخرة عن الوقت، فـ "تلك": إشارة إلى مذكور حكمًا، كما قدّرناه، وقال الطيبيّ: إشارةٌ إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن.
(صَلَاةُ الْمُنَافِقِ) وفي بعض النسخ: "تلك صلاة المنافقين"، وفي رواية أبي داود: "تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين"،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٠.
(٢) سيأتي للمصنّف برقم (٦٤٨).
[ ١٣ / ٥٢٢ ]
بالتكرار ثلاث مرات، مبالغةً في ذمّ من يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت بدون عذر.
ثم إن المنافق هنا إما محمول على حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، يعني أن من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب، فقد شبّه نفسه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقيَّة الصلاة، بل إنما يصلي لدفع السيف عن نفسه، ولا يبالي بالتأخير؛ إذ لا يطلب فضيلةً، ولا ثوابًا، والواجب على المسلم أن يخالف المنافق (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "تلك صلاة المنافقين" إشارة إلى صلاة العصر المخرجة عن وقتها، ومعناه أن الذي يُخرجها عن وقتها يُشبه فعله ذلك فعلَ المنافق الذي يتهاون بأمرها، ويُضيّعها حتى يُخرجها عن وقتها، ولذلك وصفه بقوله: "يَجلس يرقُب الشمس"، وهذه عبارة عن عدم مبالاته بها، وتضييعه لها حتى إذا رأى الشمس قد حان غروبها قام يُصليها على ما ذُكر رياءً وتلبيسًا. انتهى (^٢).
(يَجْلِسُ) وللنسائيّ: "جلس"، بصيغة الماضي، ولأبي داود: "يجلس أحدهم"، والجملة مستانفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما هي صفة تلك الصلاة، التي وُصفت بأنها صلاة المنافق، فقال: يجلس ينتظر قرب غروب الشمس. . . إلخ.
(يَرْقُبُ الشَّمْسَ) -بضمّ القاف- يقال: رَقَبتهُ أَرقُبُه، من باب نصر، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته، فأنا رقيبٌ، والجمع الرُّقباءُ (^٣)، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
والمعنى: أنه يجلس حال كونه منتظرًا قرب غروب الشمس.
ولفظ النسائيّ: "جلس يرقُب صلاة العصر"، أي ينتظر قرب آخر وقتها، وهو غروب الشمس.
(حَتَّى إِذَا كَانَتْ) أي الشمس (بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ) وفي رواية أبي داود:
_________________
(١) "المرعاة" ٢/ ٣٠٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٣٤.
[ ١٣ / ٥٢٣ ]
"حتى إذا اصفرّت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان".
ومعنى "قرني الشيطان": جانبا رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها ينتصب دون الشمس، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته، قاله في "المرعاة".
وقال النوويّ -﵀-: اختلفوا فيه، فقيل: هو على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها؛ ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخَيِّل لنفسه، ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له.
وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه علوّه، وارتفاعه، وسلطانه، وتسلّطه، وغلبة أعوانه، وسجود مطيعه من الكفار للشمس. انتهى (^١).
وقال الخطابيّ -﵀-: اختلفوا في تأويله على وجوه؛ فقال قائل: معناه: مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب، على معنى ما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك.
وقيل: معنى "قرن الشيطان" قوته، من قولك: أنا مُقْرِنٌ لهذا الأمر، أي مطيق له، قويّ عليه.
وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يُسَوِّل لعَبَدَة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة، وقيل: قرنه: حزبه، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن، أي نشء جاءوا بعد قرن مضى.
وقيل: إن هذا تمثيل، وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دَفَعوا الصلاة، وأخّروها عن أوقاتها بتسويل
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢٤.
[ ١٣ / ٥٢٤ ]
الشيطان لهم حتى اصفرّت الشمس، صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه بأرواقها.
وفيه وجه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنا الرأس: فَوْدَاهُ، وجانباه، وسُمِّي ذو القرنين بذلك؛ لأنه ضرب على جانبي رأسه، فلقّب به. انتهى كلام الخطابيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح هذه الأقوال عندي هذا الوجه الخامس، وقريب منه الوجه الأول، أو هو تفصيل له، وإنما كان هذا أرجح؛ لأن ظاهر النصّ لا يُعْدَل عنه إلا إذا كان فيه ما يصرفه عن ظاهره، وهنا لا داعي لذلك؛ لأن كون الشيطان ينتقل من مكان إلى مكان بحيث يصل إلى محل طلوع الشمس وغروبها غير مستبعد، فلا حاجة لصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
فقوله: "حتى إذا كانت. . . إلخ" غاية لمراقبته للشمس، يعني أنه يجلس مراقبًا للشمس، ومنتظرًا لها إلى أن صارت بين قرني الشيطان، فعند ذلك قام يسابق غروبها.
وقوله: (قَامَ) جواب "إذا"، أي إلى أداء الصلاة (فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا) من نَقَرَ الطائر الحب نَقْرًا، من باب قتل: التقطه، أي نقر صلاة العصر نقرًا كنقر الطائر الحبّ.
قال ابن الأثير الجزريّ -﵀-: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: هذا النقر عبارة عن سُرْعة حركاته في أركان الصلاة، في ركوعها وسجودها، وخِفّة ذلك، بحيث لا يُتمّ ركوعها، ولا سجودها، فشَبّهه بنقر الطائر، وهو ذمّ لمن فَعَل ذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) "معالم السنن" ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) "النهاية" ٥/ ١٠٤.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٥٠.
[ ١٣ / ٥٢٥ ]
وقال السنديّ -﵀-: كأنه شبّه كل سجدتين من سجداته من حيث إنه لا يمكث فيهما، ولا بينهما، بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط شيئًا. انتهى.
يعني إنما قال: أربعًا، أي أربع سجدات مع أن في العصر ثماني سجدات؛ لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعًا.
وفيه تصريحٌ بذمّ من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع، والطمأنينة، والأذكار.
وقيل: معنى "نقر أربعًا" أي لقط أربع ركعات سريعًا، فالنقر عبارة عن السرعة في أداء الصلاة.
وقيل: عن سرعة القراءة، وقلّتها، وقلة الذكر فيها (^١).
وفي "المنهل": وتخصيص الأربع بالنقر، وفي العصر ثماني سجدات اعتبارًا بالركعة، أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين، ثم زيدت بعده.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
وإنما خَصّ العصر بالذكر؛ لأنها الصلاة الوسطى، ولأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم، وفيه الوعيد الشديد. انتهى.
(لَا يَذْكُرُ اللَّهَ) -﷿- لعدم اعتقاده، أو لخلوه عن الإخلاص (فِيهَا) أي في تلك الصلاة (إِلَّا قَلِيلًا) أي إلا ذكرًا قليلًا، وقيل: الاستثناء منفصل، أي لكنه في زمن قليل يذكر اللَّه فيه بلسانه فقط.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا" أي لسرعة حركاته فيها، وليُرائي بالقليل الذي يذكره عند تخلّيه عمن يلاحظه من الناس. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المرعاة" ٢/ ٣٠٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٥١.
[ ١٣ / ٥٢٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٤/ ١٤١٤] (٦٢٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤١٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٠)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥١١)، وفي "الكبرى" (١٤٩٧)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٢١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢ و١٠٣ و٢٤٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٠ و١٣٩١)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٩٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوعيد الشديد لمن أخّر العصر عن وقتها المستحب إلى قرب غروبها.
٢ - (ومنها): التصريح بذمّ من أخّر صلاة العصر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أقبح من هذا الوصف عند العاقل.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث يدلّ على أن آخر وقت إباحة العصر ما لم تصفرّ الشمس، وما لم يصر ظلُّ كل شيء مثليه. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): التصريح بذمّ من صلى مسرعًا بحيث لا يُكْمِل الطمأنينة، والخشوع، والأذكار.
٥ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من زعم أن الواجب من أركان الصلاة، ومن الفصل بين أركانها أقلّ ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن من اقتصر على ذلك صَدَقَ عليه أنه نقر الصلاة، فدخل في الذّمّ المترتّب على ذلك.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن صلاة المؤمن إنما تكون بالطمأنينة، والخشوع، والأذكار على الصفة الواردة عن رسول اللَّه -ﷺ- المشار إليها
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٥٠.
[ ١٣ / ٥٢٧ ]
بقوله -ﷺ-: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، رواه البخاريّ، وهي الصلاة التي عَلَّق اللَّه -﷿- الفلاح بها حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
٧ - (ومنها): أنه يتّضح بهذا الحديث أن صلاة غالب العوامّ من أهل هذا الزمان ليست صلاة شرعية، وإنما هي صلاة المنافقين الذين إن صَلَّوا يصلون في آخر الوقت، ثم تراهم ينقرونها كنقر الديك، ويلعبون، وتظن إذا رأيتهم فيها كأنهم خارج الصلاة، لا خشوعَ ولا طمأنينةَ، ويلتفتون يمنةً ويسرةً كالتفات الثعلب، نواصيهم بيد الشيطان، فهو الذي يحركهم، ويتولى توجيههم فيها، وكأنهم من تضايقهم منها في سجن أليم، نعوذ باللَّه تعالى من شرور أنفسنا، وعمى بصيرتنا، واستحواذ الشيطان علينا، ونسأله أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، إنه قريب مجيب الدعوات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٥] (٦٢٣) - (وَحَدَّثَنَا (^١) مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ (^٢): يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشير التركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٥) عن (٨٠) سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٥.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْحَنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحجة المشهور [٨] (١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "فقلنا".
[ ١٣ / ٥٢٨ ]
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) الأنصاريّ الأوسيّ المدنيّ، مقبول، من [٦].
رَوَى عن عمه أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وعنه الثوريّ، ومالك، وابن المبارك، وأبو ضمرة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْل) بن حُنَيف، اسمه أسعد، وقيل: سعد، وقيل: قتيبة، وُلد في حياة النبيّ -ﷺ-، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) -﵁-، تقدّم قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي بكر، وابن المبارك مروزيّ، وشيخه بغداديّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) -بضم الحاء مصغرًا- وأبو بكر لا يعرف اسمه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ) هو عم الراوي عنه، وتقدّم الخلاف في اسمه آنفًا (يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد الأمويّ، المتوفى سنة (١٠١)، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. (الظُّهْرَ) أي صلاة الظهر (ثُمَّ خَرَجْنَا) أي من المسجد (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ) قال أبو بكر (فَقُلْتُ) وفي نسخة: "فقلنا" (يَا عَمِّ) هذا قاله على سبيل التوقير، ولكونه أكبر منه سنًّا، مع أن نسبهما يجتمع في الأنصار، لكنه ليس عمه حقيقة، قاله في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "يا عمّ" يجوز في ميمه الأوجه الثلاثة: الكسرة، والفتحة،
[ ١٣ / ٥٢٩ ]
والضمّة؛ لأن القاعدة أنه إذا كان المنادَى المضاف إلى ياء المتكلم صحيحًا، كيا عمي، ويا أخي، جاز فيه ستة أوجه:
(الأول): حذف الياء، والاستغناء بالكسرة، نحو يا عمّ، وهو الأكثر.
(الثاني): إثبات الياء ساكنة، نحو يا عمِّيْ، وهو دون الأول في الكثرة.
(الثالث): إثبات الياء مفتوحة، نحو يا عمِّيَ بفتح الياء، وهو يلي ما قبله.
(الرابع): قلب الياء ألفًا، نحو يا عمَّا، وهو يلي ما قبله.
(الخامس): حذف الألف اكتفاءً بالفتحة، نحو يا عَمَّ، بفتح الميم، وهو أضعف الأوجه، ولذا منعه الأكثرون، وأجازه الأخفش، والفارسيّ.
وإلى هذه الخمسة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَـ "عَبْدِ" "عَبْدِي" "عَبْدَ" "عَبْدَا" "عَبْدِيَا"
(السادس): ضَمُّ الاسم بعد حذف الألف، كالمفرد اكتفاء بنية الإضافة، وهذا فيما يكثر نداؤه مضافًا، كالرب، والأبوين، والعمّ، والقوم، لا في نحو الغلام. انظر التفاصيل في شروح ألفية ابن مالك، وحواشيها في "باب المنادى المضاف إلى ياء المتكلم" تستفد، واللَّه تعالى أعلم.
(مَا) استفهاميّةٌ، أي أيُّ شيء (هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟) بحذف العائد، أي صلّيتها الآن، وحذف عائد الموصول في مثل جائزٌ، كما قال ابن مالك: في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(قَالَ) أنس -﵁- (الْعَصْرُ) يَحْتَمِل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هي العصرُ، ويَحْتَمِل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي صليت العصرَ.
ثم قال أنس -﵁- مبينًا دليله على تعجيله العصر في مثل هذا الوقت الذي يصلي فيه الناس الظهر (وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّتي كُنَّا نُصَلِّي) أي نصلّيها، ففيه حذف العائد كما سبق آنفًا (مَعَهُ) أي مع النبيّ -ﷺ-، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": "فقلت: إنما انصرفنا الآن مع عمر بن عبد العزيز من الظهر، قال: إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلّي هكذا، فلا أتركها أبدًا".
[ ١٣ / ٥٣٠ ]
قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث صريح في التبكير بصلاة العصر في أول وقتها، وأن وقتها يدخل بمصير ظل الشيء مثله، ولهذا كان الآخرون يؤخرون الظهر إلى ذلك الوقت، وإنما أخَّرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنّة في تقديمها، فلما بلغته صار إلى التقديم.
ويَحْتَمِل أنه أخرها لشغل وعذر عَرَض له، وظاهر الحديث يقتضي التأويل الأول، وهذا كان حين ولي عمر بن عبد العزيز المدينة نيابةً، لا خلافةً؛ لأن أنسًا -﵁- تُوُفِّي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وصلاة عمر بن عبد العزيز هذه كانت بالمدينة حيث كان أميرًا من قبل الوليد، وقد تقدّم أنه حينئذ لم يكن عنده علم بالسنّة من مواقيت الصلاة المسنونة، فكان يجري على عادة أهل بيته، وعموم الناس معهم في تأخير الصلاة أحيانًا، فلما بلغته السنّة اجتهد حينئذ على العمل بها، ولكنّه لم يعمل القيام بها على وجهها إلا في أيّام خلافته، فإنه بالغ حينئذ في إقامة الحقّ على وجهه، ولم يترخّص في شيء مما يقدر عليه، ولا أخذته في اللَّه لومة لائم -﵁-. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وفي القصّة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي العصر في آخر وقتها تبعًا لسلفه، إلى أن أنكر عليه عروة، فرجع إليه، كما تقدم، وإنما أنكر عليه عروة في العصر دون الظهر؛ لأن وقت الظهر لا كراهة فيه بخلاف وقت العصر.
وفيه دليل على صلاة العصر في أول وقتها أيضًا، وهو عند انتهاء وقت الظهر، ولهذا تشكك أبو أمامة في صلاة أنس، أهي الظهر أو العصر؟ فيدل أيضًا على عدم الفاصلة بين الوقتين. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وما اعترض به العينيّ كلام النوويّ بأن هذا الحديث ليس فيه تصريح في التبكير لصلاة العصر، ومثل عمر بن عبد العزيز كان يتبع الأمراء، ويترك السنة، مما لا قيمة له، بل جرى على
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٢٤.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٢٨٢.
(٣) "فتح الباري" ٢/ ٣٥.
[ ١٣ / ٥٣١ ]
عادته في التعصب لمذهبه، مع كون أحاديث الباب صريحة في مخالفته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٤/ ١٤١٥] (٦٢٣)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤٩)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٠٩)، وفي "الكبرى" (١٤٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩١)، وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٦] (٦٢٤) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (^١) عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُوسَى بْنَ سَعْدٍ الأنصَارِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: صلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا، قَالَ: "نَعَمْ"، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ (^٢).
وَقَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ) (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: أخبرني".
(٢) وفي نسخة: "قبل مغيب الشمس".
(٣) وفي نسخة: "بهذا الحديث".
[ ١٣ / ٥٣٢ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
وقوله: (الْمُرَادِيُّ) بضم الميم: نسبة إلى مُراد، واسمه يحابر بن مالك بن أُدَد بن زيد بن يشجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ومالك بن أُدد هو مَذْحِج، ويُنسب إلى مُراد خلق كثير من الجاهليّة، والصحابة، ومن بعدهم، قاله في "اللباب" (^١).
٢ - (يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد قارب (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (مُوسَى بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ) هو: موسى بن سعد بن زيد بن ثابت الأنصاريّ المدنيّ، ويقال: ابن سعيد، صدوقٌ (^٢) [٤].
رَوَى عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، وحفص بن عبد اللَّه بن أنس، وحبيب بن عبد اللَّه بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسالم بن عبد اللَّه، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وناجية بن عبد اللَّه بن عتبة.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حَبِيب، وعمر بن محمد زيد العُمَريّ، وسعيد بن أبي هلال، وعطاء بن خالد.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أنه رَوَى عن زيد بن ثابت، وكذا ذكر البخاريّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٣١٥.
(٢) هذا أولى مما قاله في "التقريب": مقبول؛ لأنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبّان، وأخرج له مسلم هنا، فمثله لا يقال فيه: مقبول، وقد غفل الحافظ عما ذكره في "هدي الساري" (٤٨٤) حيث قال: إن تخريج صاحب "الصحيح" لأيّ راو كان في الأصول مقتضٍ لعدالته عنده، وصحّة ضبطه، وعدم غفلته. انتهى، وهذا هو الحقّ، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ٥٣٣ ]
٤ - (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن أنس بن مالك، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن جدّه، وجابر، وابن عمر، وأبي هريرة.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن أبي كثير، وابن إسحاق، وموسى بن ربيعة، وموسى بن سعد ابنا زيد بن ثابت، وعلقمة بن مَرْثَد، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جدّه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هو أحب إليّ من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر وأبي هريرة أم لا؟.
وقال البخاريّ: وقال بعضهم: عبيد اللَّه بن حفص، ولا يصح عبيد اللَّه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٤)، وحديث (٨٩٧): "اللهم أغثنا، اللَّه أغثنا. . . ".
والباقون تقدّموا قبل باب، و"أنس" ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى يزيد، والباقون مدنيّون.
٣ - (ومنها): أن قوله: (قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) فيه بيان اختلاف ألفاظ شيوخه، فعمرو سمعه من وهب بقراءة غيره عليه، ولذا قال: "أخبرنا"، ومحمد بن سلمة، وأحمد بن عيسى سمعاه من لفظه مع جماعة، ولذا قالا: "حدّثنا".
فقوله: "ابْنُ وَهْبٍ" مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كل من "أخبرنا" و"حدّثنا"، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد، عن موسى، عن حفص.
[ ١٣ / ٥٣٤ ]
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ) أي صلاتها (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم من صلاته (أَتَاهُ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه، كما قال في "التنبيه" (^١). (مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: بطن من الأنصار، وهو: سَلِمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج، والنسبة إليه سَلَميّ بفتح اللام، كذلك ينسبه النحويون، والمحدّثون يكسرونها، قاله في "اللباب" (^٢)، وإلى هذا أشرت بقولي:
وَالسَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ … بَطْنٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ
وَهْيَ بِكَسْرِ اللَّامِ لَكِنِ النَّسَبْ … فَتَحَهُ النُّحَاةُ وَفْقًا لِلْعَرَبْ
وَالْفَتْحُ لِلْمُحَدّثِينَ نُسِبَا … فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ) من باب نَفَعَ (جَزُورًا لَنَا) بفتح الجيم من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر بضمّتين، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرات، ثم على جَزَائر، ولفظ الْجَزور أُنثى، يقال: رَعَتِ الْجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصّغَانيّ: وقيل: الجَزُور: الناقة التي تُنْحَرُ، أفاده في "المصباح" (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: الْجَزُور من الإبل، والْجَزْرَة من غيرها، وهو ما يُعدّ من ذلك للْجَزْر، وهو الشقّ والقطعُ. انتهى (^٤).
وقال في "القاموس": الْجَزُورُ: البعيرُ، أو خاصّ بالناقة المجزورة، جمعه جَزَار، وجُزُرٌ -بضمّتين- وجُزُراتٌ، وما يُذبح من الشاة، واحدتها جَزْرَةٌ. انتهى (^٥).
_________________
(١) "تنبيه العلم بمهمات صحيح مسلم" (ص ١٤٦).
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٤٧.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٩٨.
(٤) "المفهم" ٢/ ٢٥١.
(٥) "القاموس المحيط" ١/ ٣٨٩.
[ ١٣ / ٥٣٥ ]
(وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا) الظاهر أنه أراد حضور أكل لحمها (قَالَ) -ﷺ- ("نَعَمْ") -بفتحتين-: حرف جواب، وهي هنا للْعِدَة، أي أنه -ﷺ- وَعَدَهم بأن يأتيهم، قال الفيّوميّ -﵀-: وقولهم في الجواب: نَعَم معناها: التصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو: هل قام زيدٌ؟، والْوَعْدُ إن وقعت بعد المستقبل، نحو: هل تقوم؟. انتهى (^١)، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى.
(فَانْطَلَقَ) أي ذهب -ﷺ- إلى بيوتهم (وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ) أي حال كوننا مصاحبين له -ﷺ- (فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا) ببناء الأفعال الأربعة للمفعول (ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ) وفي نسخة: "قبل مغيب الشمس"، وفي حديث رافع بن خَدِيج -﵁- التالي: "فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس".
وقوله: (وَقَالَ الْمُرَادِيُّ) هو محمد بن سلمة شيخه الثاني (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ) بفتح اللام، وكسر الهاء، هو: عبد اللَّه بن لهيعة (وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ) وفي بعض النسخ: "بهذا الحديث".
وغرض المصنّف بهذا بيان اختلاف شيوخه في إسناد هذا الحديث، فعمرو بن سوّاد، وأحمد بن عيسى، روياه عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث. . . إلخ، وأما محمد بن سلمة المراديّ، فرواه عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث. . . إلخ.
و(ابن لَهيعة) هو: عبد اللَّه بن لهيعة بن عُقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرميّ الأعدوليّ، ويقال: الغافقيّ، أبو عبد الرحمن المصريّ الفقيه القاضي، صدوقٌ خلط بعد احتراق كتبه [٧].
رَوى عَن الأعرج، وأبي الزبير، ويزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن دينار، وكعب بن علقمة، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وابن المنكدر، وأبي يونس مولى أبي هريرة، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن عيسى، وابن أخيه لَهِيعة بن عيسى بن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٤.
[ ١٣ / ٥٣٦ ]
لَهِيعة، والثوريّ، وشعبة، والأوزاعيّ، وعمرو بن الحارث، وماتوا قبله، والليث بن سعد، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وربما نسبه إلى جده، وابن وهب، والوليد بن مسلم، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وأسد بن موسى، وأشهب بن عبد العزيز، وجماعة.
قال رَوح بن صلاح: لَقِي ابنُ لهيعة اثنين وسبعين تابعيًّا، وقال البخاريّ، عن الحميديّ: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وقال ابن المدينيّ، عن ابن مهديّ: لا أحمل عنه قليلًا ولا كثيرًا، ثم قال عبد الرحمن: كتب إلي ابن لهيعة كتابًا فيه حديث عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة، قال: أخبرني إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن عمرو بن شعيب، وقال الميمونيّ، عن أحمد، عن إسحاق بن عيسى: احتَرَقَت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ومائة - ومات سنة ثلاث أو أربع وسبعين ومائة، وقال البخاريّ، عن يحيى بن بكير: احتَرَقَت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها، إنما احترق بعض ما كان يُقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غَزِيّة إلا من أصله، وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم: لم تحترق.
وقال البخاريّ: تركه يحيى بن سعيد، وقال ابن مهديّ: لا أحمل عنه شيئًا، وقال ابن خزيمة في "صحيحه": وابن لهيعة لست ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب إذا انفرد، وإنما أخرجته لأن معه جابر بن إسماعيل، وقال عبد الغني بن سعيد الأزديّ: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ، وذكر الساجيّ وغيره مثله، وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءًا سمعوه من ابن لهيعة، فنظرت، فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئوني بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم، وقال ابن قتيبة: كان يقرأ عليه ما ليس من حديثه، يعني فضُعِّف بسبب ذلك، وحَكَى الساجيّ عن أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لُقِّن شيئًا حدث به، وقال ابن خِرَاش: كان يكتب حديثه، احترَقَت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وَضَع أحد حديثًا وجاء
[ ١٣ / ٥٣٧ ]
به إليه قرأه عليه، قال الخطيب: فمن ثَمّ كثرت المناكير في روايته لتساهله، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الإفريقيّ وابن لهيعة، أيهما أحبّ إليك؟ فقال: جميعًا ضعيفان، وابن لهيعة أمره مضطرب، يُكتب حديثه على الاعتبار، قال عبد الرحمن: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك، فابن لهيعة يُحتجّ به؟ قال: لا، قال أبو زرعة: كان لا يضبط.
وقال ابن حبان: سَبَرتُ أخباره، فرأيته يدلِّس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دُفِع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فوجب التنكُّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه؛ لما فيها من الأخبار المدلَّسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه؛ لما فيها مما ليس من حديثه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان: تحقيقٌ دقيقٌ ينبغي اعتماده؛ لأنه حكم صدر بعد تتبع أخباره، فتأمل.
وقال يحيى بن بكير وغيره: وُلِد سنة ست وتسعين، وقال ابن يونس، وابن سعد: سنة سبعين، وقالا: ومات يوم الأحد نصف ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد، وقال هشام بن عمار: مات سنة سبعين ومائة، ولم يوافقه أحد على هذا.
أخرج له المصنّف مقرونًا، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، مقرونًا بعمرو بن الحارث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٦] (٦٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه"
[ ١٣ / ٥٣٨ ]
(١٥١٦)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٥٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: هذا تصريح بالمبالغة في التبكير بالعصر.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من محبّتهم للنبيّ -ﷺ-، حيث يطلبون حضوره إلى بيوتهم؛ ليُكرموه بالطعام.
٤ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الدعوة.
٥ - (ومنها): بيان أن الدعوة للطعام مستحبّة في كل وقت، سواء كان أول النهار أو آخره.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث وما قبله يدلّ على فساد مذهب أبي حنيفة، إذ قال: إن أول وقت العصر إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه؛ إذ لا يتّسع الوقت على رأيه لمثل هذا الفعل، ولا لأن يأتوا العوالي، والشمس مرتفعةٌ، بل يُتمكّن من مثل كلّه إذا صُلِّيت في أول المثل الثاني، وكان النهار طويلًا. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٧] (٦٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ).
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٥٠.
[ ١٣ / ٥٣٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ إمامٌ [٧] (١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (أَبُو النَّجَاشِيِّ) -بنون وجيم خفيفة، بعد الألف معجمة- هو: عطاء بن صُهَيب الأنصاريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن مولاه رافع بن خديج، وروى عنه الأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عَمّار، وأيوب بن عُتْبة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان صَحِبَ رافع بن خَدِيج ست سنين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٢٥) و(٦٣٧) و(١٥٤٨) و(٢٣٦٢).
٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ) بن رافع بن عَدِيّ الحارثي الأوسيّ الأنصاري الصحابي الجليل، أول مشاهده أُحُد، ثم الخندق، مات -﵁- سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٨٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، وأبي النجاشيّ، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
[ ١٣ / ٥٤٠ ]
٣ - (ومنها): أنه ما بين مدنيين، وهما رافع، وأبو النجاشيّ، وشاميين، وهما الأوزاعيّ، والوليد، ورازيّ، وهو شيخه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) عطاء بن صُهيب، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، آخره جيم -﵁- (يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ) فعلٌ ونائب فاعله، وتقدّم بيان معنى الجزور في الحديث الماضي (فَتُقْسَمُ) بالبناء للمفعول، أي تجزّأ تلك الجزور (عَشَرَ قِسَمٍ) بكسر القاف، وفتح السين المهملة: جمع قِسْمة -بكسر، فسكون-: أي أجزاء (ثُمَّ تُطْبَخُ) بالبناء للمفعول أيضًا، يقال: طَبَختُ اللحمَ طَبْخًا، من باب نصر: إذا أنضجته بمرق، قاله الأزهريّ، ومن هنا قال بعضهم: لا يُسمّى طَبِيخًا إلا إذا كان بمرق، ويكون الطّبْخُ في غير اللحم، يقال: خُبْزَةٌ جيِّدةُ الطبخ، وآجُرّةٌ جيِّدةُ الطبخ، قاله في "المصباح" (^١).
(فَنَأْكُلُ) بالبناء للفاعل (لَحْمًا نَضِيجًا) -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة-: فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّوميّ -﵀-: نَضِجَ اللحمُ والفاكهةُ نَضَجًا، من تَعِبَ: طاب أكله، والاسم: النُّضْجُ بضمّ النون، وفتحها لغةٌ، والفاعل ناضجٌ، ونَضِيجٌ، وأنضجته بالطبخ، فهو مُنْضَجٌ، ونَضِيجٌ أيضًا. انتهى (^٢).
(قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ) أي غروبها، و"المغيب": -بفتح الميم، وكسر الغين المعجمة- مصدر غاب، يقال: غاب الشيءُ يَغِيبُ غَيْبًا، وغَيْبةً، وغِيَابًا -بالكسر- وغُيُوبًا -بالضمّ- ومَغِيبًا: إذا بَعُد (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٧.
[ ١٣ / ٥٤١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خديج -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٧ و١٤١٨] (٦٢٥)، و(البخاريّ) في "الشرِكة" (٢٤٨٥)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب المبادرة في أداء صلاة العصر في أول الوقت، وفيه الردّ على من زعم أن أول وقت العصر مصير ظلّ كلّ شيء مثليه.
٢ - (ومنها): جواز الشَّرِكَة في الأشياء.
٣ - (ومنها): مشروعيّة جمع الحظوظ ثم اقتسامها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
[ ١٣ / ٥٤٢ ]
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن راشد الدِّمَشقيّ الأمويّ، مولى رَملة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، وأبي حنيفة، وتَمذهب له، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد اللَّه بن عُمَر، وهشام بن عروة، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب، وداود بن رُشيد، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفَرَاديسي، وعَمرو بن عون، وإبراهيم بن موسى الرازيّ، وإسحاق ابن راهويه، وسُويد بن سعيد، وأبو كريب محمد بن العلاء، وهشام بن عمار، وغيرهم، وحدّث عنه الليث بن سعد، وهو في عداد شيوخه.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، ما أصح حديثه وأوثقه. وقال أبو داود: ثقة، وهو مرجئ، سمعت أحمد يقول: سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخر رَمَقٍ. وقال هشام بن عمار عن شعيب: سمعت من سعيد سنة (١٤٤). وقال ابن معين، ودحيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يقربه ويدنيه. ونقل أبو الوليد الباجيّ عن أبي حاتم قال: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون.
قال دُحيم: وُلد سنة (١٨)، ومات سنة (٨٩). وفيها أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وكذا أرّخه ابن مُصَفَّى، وزاد: في رجب، وفيها أرّخه غير واحد، ووقع في "الكمال" سنة (٩٨) وهو وَهَم.
أخرج له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
[ ١٣ / ٥٤٣ ]
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بحديث الأوزاعيّ الماضي، وهو: عن أبي النجاشيّ، عن رافع بن خَدِيج.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لإسحاق بن إبراهيم.
[تنبيه]: رواية عيسى وشعيب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.