وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٧] (٤٥١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، يَعْنِي الصَّوَّافَ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، يُنسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو الحجاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الصوّاف الكنديّ مولاهم، أبو الصلت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ البصريّ، وسكن المدينة مدّةً، ثقةٌ ثبتُ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه مكثر، قيل: اسمه: عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَمِيّ المدنيّ، الصحابيّ الشهير، شَهِدَ بدرًا، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن أبي كثير"، وقد تقدّم سرّ إدخال لفظة "وهو" غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان بصريًّا يماميًّا، لكنه سكن المدينة في طلب العلم عشر سنين (^١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، ورواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن أبا قتادة -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، يقال له: فارس رسول اللَّه -ﷺ-.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ) ذكر أبي سلمة لا يوجد إلا في هذه الرواية، فقد رواه عن يحيى بن أبي كثير جماعة، وهم: همام بن يحيى، وأبان بن يزيد، عند المصنّف، وهشام الدستوائيّ، والأوزاعيّ عند البخاريّ، ومعمر عند أبي داود، فكلّهم اقتصروا على عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، ولم يزد أبا سلمة إلا حجاج الصوّاف، خالف الجماعة في الزيادة،
_________________
(١) راجع: "تهذيب الكمال" ٣١/ ٥١٠.
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
ولعله لكونه حافظًا لم يعتبروه شاذًّا، فلم ينبّه عليه، ولا النسائيّ، مع أنه كثير التنبيه في مثل هذا، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ -﵁-، ووقع في رواية الْجَوْزقيّ، من طريق عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير التصريح بالإخبار ليحيى من عبد اللَّه، ولعبد اللَّه من أبيه، وكذا للنسائي من رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، لكن بلفظ التحديث فيهما، وكذا عنده من رواية أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى: حدّثني عبد اللَّه، فأُمِن بذلك تدليس يحيى، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ) أبو قتادة -﵁- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال ابن الملقّن -﵀-: "كان" تقتضي الدوام في الفعل، وقد سلف. انتهى (^٢). (يُصَلِّي بِنَا) أي إمامًا للصحابة -﵃- (فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) بتحتانيّتين، تثنية الأولى، وكذلك الأخريان تثنية أخرى، وأما ما يشيع على الألسنة من الأُولة، وتثنيتها بالأولتين، فمرجوح في اللغة، كما نبّه عليه ابن دقيق العيد (^٣)، والجارّ والمجرور بدل من الأول بدل اشتمال، كما تقول: أعجبتني الجارية حديثها، وقوله: (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ) متعلّق بـ "يقرأ"، والمراد أنه يقرأ في كل ركعة سورة كما سيأتي صريحًا في الروايات الآتية.
وسُمّيت السورة سورةً؛ لانفصالها عن أختها، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض: سورة، وقيل: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خُفّفت، وأُبدلت واوًا؛ لضمّ ما قبلها، وقيل: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامّة: سورة، قاله ابن الملقّن (^٤)، وجمع السُّورة سُوَر بفتح الواو، مثل غُرْفة وغُرَف، ويجمع على سُورات بضمّ، فسكون، وسُوَرَات بضم، ففتح (^٥).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٨٥ "كتاب الأذان" رقم (٧٦٠).
(٢) "الإعلام" ٣/ ١٩٤.
(٣) "إحكام الأحكام" ٢/ ٣٩٤.
(٤) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ١٩٣.
(٥) راجع: "المصباح" ١/ ٢٩٥، و"الإعلام" ٣/ ١٩٣.
[ ١٠ / ٤١٠ ]
(وَيُسْمِعُنَا) بضم أوله، من الإسماع (الْآيَةَ أَحْيَانًا) أي في أحيان، جمع حين، وهو يدلّ على تكرّر ذلك منه -ﷺ-.
وفي رواية النسائي من حديث البراء -﵁-: "كنا نصلي خلف النبيّ -ﷺ- الظهر، فنَسْمَع منه الآية بعد الآية، من سورة لقمان، والذاريات"، ولابن خزيمة من حديث أنس -﵁- نحوه، لكن قال: "بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١].
(وَكَانَ يُطَوِّلُ) بتشديد الواو، من التطويل (الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ) بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ الصاد ثلاثيًّا، من باب نصر، من القصر.
وإنما طوّل في الأولى؛ إعانةً للناس على إدراك صلاة الجماعة كاملةً بإدراك الركعة الأولى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية.
ويؤيّد هذا ما رَوَاه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى في آخر هذا الحديث: "فظننا أنه يريد بذلك أن يُدرِك الناس الركعة"، ولأبي داود، وابن خزيمة نحوه، من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر.
ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني لأحب أن يُطَوِّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة، حتى يكثر الناس.
وقال الشيخ تقيّ الدين -﵀-: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل. انتهى.
وهذا الحديث يدلّ على استحباب تطويل الأولى على الثانية، ولا يعارضه حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- الآتي حيث قال: "أَمُدّ في الأوليين"؛ لأن المراد تطويلهما على الأخريين، لا التسوية بينهما في الطول، وقال مَن استحبّ استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء.
لكن يعارض ما ذكر ما يأتي في حديث أبي سعيد -﵁-: "كان يقرأ في الظهر في الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية"، وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حَزَرُوا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة، فإنه ظاهر في استواء الأوليين.
[ ١٠ / ٤١١ ]
وقد جمع ابنُ حبان: بأن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها، مع استواء المقروء فيهما. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حبّان -﵀- هو الوجه عندي في الجمع بين حديث أبي قتادة هذا، وحديث أبي سعيد المذكور، وإلا فالتعارض حاصل، اللهم إلا أن يُحْمَل على أوقات مختلفة، لكن الأول هو الظاهر.
ومما يؤيّد ما قاله ابن حبّان ما رواه المصنّف من حديث حفصة -﵂- أنه -ﷺ- "كان يُرَتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها"، واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ) فيه جواز تسمية الصلاة بوقتها، يعني أنه -ﷺ- كان يطوّل الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر الثانية.
[تنبيه]: لم يقع في حديث أبي قتادة -﵁- هذا هنا ذكر القراءة في الأخريين، فتمسك به بعض الحنفية على إسقاطها فيهما، وهذا استدلال باطلٌ؛ لأنه ثبت في حديثه كما سيأتي في الرواية ففيها: "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب".
والحاصل أن القراءة في كلّ ركعة فرض، كما تقدّم تحقيقه في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠١٧ و١٠١٨] (٤٥١)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٩ و٧٦٢ و٧٧٨ و٧٧٩ و٧٩٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٩ و٨٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٧٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٣ و٥٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٣٠ و١٨٣١ و١٨٥٥ و١٨٥٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٨٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه"
[ ١٠ / ٤١٢ ]
(١٠٠٠ و١٠٠١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر.
٢ - (ومنها): بيان استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا سجود سهو على من فعل ذلك؛ خلافًا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم، سواءٌ قلنا: كان يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز، أو بغير قصد للاستغراق في التدبر.
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة السرية.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين؛ لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويَحْتَمِل أن يكون الرسول -ﷺ- كان يُخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، قاله النوويّ، وزاد البغويّ: ولو قصرت السورة عن المقروء، كأنه مأخوذ من قوله: "كان يفعل"؛ لأنها تدلّ على الدوام، أو الغالب.
وقال النوويّ -﵀-: فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يَخْفَى الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فنُدِب إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط، وأما اختلاف الرواية في السورة في الأخريين، فلعل سببه اختلاف إطالة الصلاة، وتخفيفها بحسب الأحوال. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٤.
[ ١٠ / ٤١٣ ]
٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل؛ قال القرطبيّ -﵀-: ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يُعَلَّل بها؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق. انتهى. وقد ذكر البخاريّ -﵀- في "جزء القراءة" كلامًا معناه: أنه لم يَرِدْ عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: انتظار الداخل في الركوع ليس عليه دليلٌ، وغاية ما في هذا الحديث أنه -ﷺ- كان يطوّل القيام بالقراءة، ليدركه الناس، ففي رواية أبي داود من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى"، ولابن خزيمة نحوه، وروى ابن حبّان من طريق سفيان، عن معمر، ولفظه: "كنا نرى ذلك أنه يفعل ليتدارك الناس"، وبوّب عليه ابن حبّان: "باب ذكر السبب الذي من أجله كان يطوّل المصطفى -ﷺ- في الركعة الأولى". انتهى.
وأخرج أحمد، وأبو داود بسند فيه ضعف، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، أن النبيّ -ﷺ- كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم. انتهى (^١).
والحاصل أن انتظار الداخل بتطويل القراءة مستحبّ، وأما بالركوع، فلا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ما قاله أهل العلم في توجيه اختلاف صلاة النبيّ -ﷺ- تطويلًا وتخفيفًا:
قالوا: كانت صلاة رسول اللَّه -ﷺ- تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له، ولا لهم طَوَّل، وإذا لم يكن كذلك خَفَّف، وقد يريد الإطالة، ثم يَعْرِض ما يقتضي
_________________
(١) ضعيف؛ لإبهام الراوي عن ابن أبي أوفى.
[ ١٠ / ٤١٤ ]
التخفيف، كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طوّل في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخَفَّف في معظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف؛ لأنه الأفضل، وقد أمر -ﷺ- بالتخفيف، وقال: "إن منكم منفِّرين، فأيكم صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف، وذا الحاجة"، وقيل: طَوَّل في وقت، وخفف في وقت؛ ليبيّن أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختَلَفت فيما زاد.
وعلى الجملة: السنّة التخفيف كما أمر به النبيّ -ﷺ- للعلة التي بَيَّنَها، وإنما طَوَّل في بعض الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، فإن تحقق أحدٌ انتفاء العلة طَوَّل، ذكره النوويّ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال النوويّ -﵀-: قد اختَلَف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأخريين من الرباعية، والثالثة من المغرب، فقيل بالاستحباب وبعدمه، وهما قولان للشافعيّ -﵀-. قال الشافعيّ: ولو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه؛ لئلا تخلو صلاته من سورة.
وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره، قالوا: فالسنّة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، وتكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، وفي القائلة، فيُطَوِّلهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفِّفت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عَشَاء صائمهم وضيفهم، والعِشَاء في وقت غلبة النوم والنعاس، ولكن وقتها واسع، فأشبهت العصر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث حجة لمالك على صحّة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كلّ ركعة، وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأن ما بقي من الصلاة لا يُقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصّة، وقد تمسّك الشافعيّ في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسّكه قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، والفاتحة إنما هي سبع آيات، لا خمس عشرة، فكان يزيد سورةً.
قال: وهذا لا حجة فيه، فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد، ولعلّه -ﷺ- كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يقدّر بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع، وقد جاء عنه -ﷺ- أنه كان يرتّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وهذا يشهد بصحّة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى.
[ ١٠ / ٤١٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الشافعيّ -﵀- من جواز قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين هو ظاهر الأحاديث، ولا تعارض بينه وبين حديث أبي قتادة؛ لإمكان الجمع بينهما باختلاف الأوقات.
ومما يؤيّد ما قاله الشافعيّ: حديث المسيء صلاته، حيث أمره النبيّ -ﷺ- بأن يقرأ بأم القرآن، وبما تيسّر، ثم قال له: "وافعل ذلك في صلاتك كلّها"، ففيه بيان أن زيادة ما تيسّر على الفاتحة يعمّ الأخريين، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفًى في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقرّ فيه التقصير، أو التقصير فيما استقرّت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوّذتين، كما رواه النسائيّ، وكقراءة الأعراف، والمرسلات في المغرب، فمتروك، أما التطويل فبإنكاره على معاذ، وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه -ﷺ- حيث لم يكن خلفه من يشقّ عليه القيام، وعَلِمَ ذلك، أو كان منه ذلك متقدّمًا حتى خفّف، وأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سَمُرة: وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا.
ويَحْتَمِلُ أن يكون فعل ذلك في أوقات ليبيّن جواز ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق، وقد استقرّ عمل أهل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضرّ من خلفه بقراءتها بطوال المفصّل، ويليها في ذلك الظهر، والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء، وقد قيل في العصر: إنها تُخفّف كالمغرب، وتطويله -ﷺ- في الركعة الأولى إنما كان ليدرك الناس الركعة الأولى، رواه أبو داود من حديث أبي قتادة -﵁-، وعن ابن أبي أوفى أنه -ﷺ- كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع الأقدام، يعني حتى يتكامل الناس، ويجتمعوا، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيد: أنه كان يطوِّل الركعة الأولى من الظهر، بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي النبي -ﷺ-، وهو فيها، وذلك -واللَّه أعلم- لتوالي دخول الناس.
قال: ولا حجة للشافعيّ في هذا الحديث على تطويل الإمام؛ لأجل الداخل؛ لأن ما ذُكر ليس تعليلًا لتطويل الأولى، وإنما هي حكمته، ولا يُعلّل
[ ١٠ / ٤١٧ ]
بالحكمة؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم حديث أبي قتادة عند ابن حبّان بلفظ: "كنا نرى أنه يفعل ذلك ليتدارك الناس"، فهذا تعليلٌ واضح من الصحابيّ، فما قاله الشافعيّ هو الأرجح، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٩] (٤٥٢) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، وَقَالَ: قَدْرَ ثَلَاِثِينَ آيَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٠ / ٤١٨ ]
٤ - (مَنْصُور) بن زاذان -بزاي، ثم ذال معجمتين- الواسطيّ، أبو المغيرة الثقفيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن أنس، يقال: مرسل، وأبي العالية رُفَيع، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، ومحمد بن سيرين، وميمون بن أبي شبيب، ومعاوية بن قرة، وحميد بن هلال، وقتادة، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه مسلم بن سعيد الواسطيّ، وحبيب بن الشهيد، وجرير بن حازم، وخلف بن خليفة، وهشيم، وأبو حمزة السُّكَّريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: رجل صالحٌ متعبدٌ، كان ثقةً ثبتًا، وكان سريع القراءة، وكان يحب أن يترسل فلا يستطيع، وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الْهَرَويّ، عن هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل.
وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: سنة تسع، وقال يزيد بن هارون: مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يَختم القرآن بين الأولى والعصر، وكان من المتقَشِّفين المتجرِّدين، مات سنة تسع وعشرين ومائة. انتهى. وفيها أرَّخه خليفة بن خياط، ويحيى بن بكير، والبخاريّ، وابن قانع، والقَرّاب، وكذا حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا برقم (٤٥٢) وأعاده بعده، وحديث (٤٦٥) و(٨٢٦) و(١١٩١) و(١٦٥٢) وأعاده بعده.
[تنبيه]: وقع للنوويّ -﵀- هنا وهم، وهو أنه قال: أما منصور فهو ابن المعتمر، وهذا غلط بلا شكّ، فإنه منصور بن زاذان، كما نصّ عليه أبو داود في "سننه" (١/ ٢١٣) رقم (٨٠٤) فقال: "أخبرنا منصور بن زاذان"، والنسائيّ في "سننه" في هذا الإسناد، وفي الإسناد الذي بعده، فقال في الأول: "أنبأنا منصور بن زاذان"، وفي الثاني: "عن منصور بن زاذان"، وكذا نصّ عليه
[ ١٠ / ٤١٩ ]
الدارقطنيّ في "سننه" (١/ ٣٣٧)، والمزيّ في "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٠٥)، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) بن شهاب الْعَنبريّ (^١)، أبو بشر البصريّ، ثقة [٥] (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٦ - (أَبُو الصِّدِّيقِ) بكر بن عَمْرو، وقيل: ابن قيس الناجيّ -بالنون والجيم- البصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وعائشة.
وروى عنه قتادة، وعاصم الأحول، والعلاء بن بشير المزنيّ، والوليد بن مسلم الْعَنْبَريّ، ومُطَرِّف بن الشِّخِّير، وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تُوُفّي سنة (١٠٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٥٢) وأعاده بعده، وحديث رقم (٢٧٦٦): "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ، قتل تسعًا وتسعين نفسًا. . . "، وأعاده بعده.
[تنبيه]: قوله: "الناجيّ" بنون، ثم جيم: نسبة إلى ناجية، قبيلةٌ من سامة بن لُؤيّ، قاله في "اللباب" (^٢).
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح" المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
_________________
(١) هكذا نسبه في "التهذيبين"، و"التقريب"، ونسبه في "تحفة الأشراف" الْهُجيمي، وهو الذي وقع في "سنن أبي داود"، و"مسند عبد بن حميد"، والظاهر أنه لا اختلاف بينهما؛ لأنهما أخوان، كما يظهر من "الأنساب"، و"اللباب"، فالأول نسبة إلى بني العنبر بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُدّ، والثاني نسبة إلى بني الْهُجيم بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُدّ، راجع: "اللباب" ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢، و"الأنساب" ٤/ ٢٤٥ - ٢٥٠.
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٣/ ٢٨٧.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والوليد بن مسلم، كما أسلفته.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين كوفيّ، وهو أبو بكر، ونيسابوريّ، وهو يحيى، وواسطيين، وهما: هشيم، ومنصور، وبصريين، وهما: الوليد وأبو الصدّيق، ومدنيّ، وهو الصحابيّ -﵁-.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا هشيم "إشارة إلى اختلاف شيخيه في الأداء، فيحيى بن يحيى صرّح بإخبار هُشيم له، بخلاف أبي بكر.
٥ - (ومنها): أن هشيمًا معروف بالتدليس، وقد عنعن هنا، لكنه صرّح بالإخبار عند أبي داود، في "سننه" (١/ ٢١٣) رقم (٨٠٤) وبالإنباء عن النسائيّ في "سننه" برقم (٤٧٥)، وصرّح بالتحديث عند الدارقطنيّ في "سننه" (١/ ٣٣٧) فزال عنه تهمة التدليس، وللَّه الحمد.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الوليد، عن أبي الصدّيق.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا) فيه أن الذين حَزَرُوا كانوا جماعةً، وقد أخرج ابن ماجه في "سننه" بسند ضعيف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "اجتمع ثلاثون بدريًّا، من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: تَعَالَوا حتى نَقِيس قراءة رسول اللَّه -ﷺ- فيما لم يَجهَر فيه من الصلاة، فما اختَلَف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر" (^١).
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٨٢٨)، وفي سنده زيد العميّ، وهو ضعيفٌ، =
[ ١٠ / ٤٢١ ]
(نَحْزُرُ) أي نقدّر، يقال: حَزَرت الشيءَ حَزْرًا، من بابي ضرب، ونصر: قدّرته، ومنه حَزَرْتُ النخلَ: إذا خَرَصته، قاله الفيّوميّ (^١). (قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بنصب "قيامَ" على المفعوليّة لـ "نحزر" (فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) متعلّق بـ "قيام"، أي في كلّ من صلاة الظهر، وصلاة العصر (فَحَزَرْنَا) أي قدّرنا (قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأوُلَيَيْنِ) بضم الهمزة تثنية الأولى، كما تقدّم قريبًا، أي في كلّ من الركعتين الأوليين، وليس المراد أنه يقرأ في كليهما مقدار ذلك، ويوضّح هذا المعنى الرواية التالية بلفظ: "كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كلّ ركعة قدر ثلاثين آية" (مِنَ) صلاة (الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ) بنصب "قدر" على الظرفيّة، أي مقدار ما يقرأ القارئ ثلاثين آيةً، وقوله: "قراءة" مضاف إلى (﴿الم (١)﴾) لقصد لفظه، وقوله: (﴿تَنْزِيلُ﴾) بالرفع على الحكاية، ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير "أعني"، وقوله: (السَّجْدَةِ) قال النوويّ: يجوز جرّها على البدل، ونصبها بـ "أعني"، ورفعها خبرأ لمبتدأ محذوف، قال القاري: ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلّها مبنيّة على رفع ﴿تَنْزِيلُ﴾ حكايةً، وأما على إعرابه، فيتعيّن جرّ "السجدة" على الإضافة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إضافةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ إلى "السجدة" من إضافة العام للخاصّ، كشجر أراك (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) بضم الهمزة أيضًا تثنية الأُخرى (قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي قدر خمس عشرة آيةً.
وهذا دليلٌ على أنه -ﷺ- كان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر غير الفاتحة، ويوضّح ذلك قوله: (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِن) صلاة (الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) ووقع في شرح النوويّ: "على قدر قيامه من الأخريين"، قال النووي: كذا هو في معظم الأصول "من الأخريين"، وفي بعضها: "في الأخريين"، وهو معنى رواية "من". انتهى (^٣). (مِن) صلاة
_________________
(١) = والمسعوديّ عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود، اختلط بآخره، والراوي عنه أبو داود الطيالسيّ روى عنه بعد اختلاطه.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٣٣.
(٣) راجع: "المرعاة" ٣/ ١٣٤.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٥.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
(الظُّهْرِ) إذ من المعلوم أنه -ﷺ- كان يقرأ في الأوليين من العصر غير الفاتحة، وبهذا يتبيّن أن ما ذهب إليه الشافعيّ -﵀- من جواز قراءة غير الفاتحة معها في الأخريين مذهب قويّ، لا كما ادّعاه القرطبيّ في كلامه الماضي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ) أي وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين (مِن) صلاة (الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي من قيامه في الأوليين، فيكون بقدر سبع آيات، أو نحوها؛ لأنه يأتي في الرواية التالية: "أنه كان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين في كلّ ركعة قدر خمس عشرة آيةً" فيكون نصف ذلك المقدار المذكور.
وفيه دليلٌ على أنه -ﷺ- كان لا يزيد في الأخريين من العصر على الفاتحة بخلاف الظهر، كما أسلفناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [السجدة: ١، ٢]، وَقَالَ) بدل ذلك (قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً). ونصّ روايته في "المصنّف" (١/ ٣١٢):
(٣٥٦٨) حدّثنا أبو بكر، قال: نا هشيم، عن منصور، عن أبي بِشْر الْهُجَيميّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "كنا نَحْزِرُ قيام رسول اللَّه -ﷺ- في الظهر والعصر، قال: فحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأوليين بقدر ثلاثين آيةً، وحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين، من العصر على قدر الأُخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين، من العصر على النصف من ذلك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠١٩ و١٠٢٠] (٤٥٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٠٤)، و(النسائيّ) فيها (١/ ٢٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٢٥ و١٨٢٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥٩ و١٧٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٠٢ و١٠٠٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٠٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر.
٢ - (ومنها): بيان كون عدد ركعات صلاة الظهر والعصر أربعًا في الحضر.
٣ - (ومنها): بيان عدم مشروعيّة الجهر في الظهر والعصر؛ لقوله: "كنا نحزِر"؛ فإنهم ما قدّروا ذلك إلا لعدم سماعهم لقراءته لكونه لا يجهر.
٤ - (ومنها): استحباب تطويل الركعتين الأوليين، وقصر الأخريين في كلّ من الظهر والعصر.
٥ - (ومنها): استحباب كون صلاة العصر على النصف من صلاة الظهر.
قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر تُفعَل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطُوّلت ليدركها المتأخّر بخلاف العصر، فإنها تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفّفت لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من شدّة الحرص على معرفة مقدار صلاة النبيّ -ﷺ- حتى يتّبعوه عليها، ويُبلّغوا ذلك من بعدهم من الأمّة.
٧ - (ومنها): مشروعيّة قراءة غير الفاتحة في الظهر في الركعتين الأخريين؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وهو -ﷺ- كان يقوم قدر خمس عشرة آيةً، وهذا هو المذهب الجديد للشافعيّ، وهو الراجح لظاهر هذا الحديث.
٨ - (ومنها): كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، أَوْ قَالَ: نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) عن بضع وتسعين سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا قبله، و"منصور": هو ابن زاذان، و"الوليد أبو بشر" هو: ابن مسلم العنبريّ.
وقوله: (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ) هكذا في رواية المصنّف، وهو الصواب، ووقع عند النسائيّ بدله "عن أبي المتوكّل"، والصواب ما هنا، وقد استوفيت الكلام فيه في "شرح النسائيّ" (^١)، فراجعه، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً إلخ) قال الإمام ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" -بعد إخراجه الحديث بلفظ: "فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آيةً"- ما نصّه: قول أبي سعيد -﵀-: "فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية" يُضَادّ في الظاهر قول أبي قتادة -﵁-: "ويطيل في الأولى، ويقصر في الثانية"، وليس
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ٦/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
بحمد اللَّه ومَنِّهِ كذلك؛ لأن الركعة الأولى كان يقرأ -ﷺ- فيها ثلاثين آية بالترسيل والترتيل والترجيع، والركعة الثانية كان يقرأ فيها مثل قراءته في الأولى بلا ترسيل ولا ترجيع، فتكون القراءتان واحدة، والأولى أطول من الثانية. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ مفيدٌ.
وقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً) بفتح شين "عشرة"، ويجوز تسكينها، ويجوز كسرها أيضًا، وهي لغة بني تميم، قال في "الخلاصة":
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ … والشِّيْنُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ (^٢)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢١] (٤٥٣) - (حَدَّثَنَا (^٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ الْفَرسيّ، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٢ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﷿،
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) راجع: شروح "الخلاصة" في باب العدد، و"حاشية الخضريّ" ٢/ ٢١٠ - ٢١١.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
٣ - (٣) - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٥) على المشهور (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيّ، وكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٥ - (ومنها): أن سعدًا أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، ذو مناقب جمّة -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄-، قد وقع التصريح بسماع عبد الملك، عن جابر بن سمرة -﵄- في رواية أحمد وغيره، قاله في "الفتح" (أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، هي البلدة المعروفة، وهي دار الفضل، ومحلّ الفضلاء، بنيت في خلافة عمر بن الخطاب -﵁-، أمر نوابه ببنائها هي والبصرة، قيل: سميت كُوفة لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كُوفًا، وكُوفانًا للرمل المستدير، وقيل: لاجتماع الناس فيها، تقول العرب: تَكَوَّف الرملُ: إذا استدار، ورَكِبَ بعضُهُ بعضًا، وقيل: لأن ترابها خالطه حَصًى، وكل ما كان كذلك سُمِّي كُوفةً، قال الحافظ أبو بكر الحازميّ وغيره: ويقال للكوفة أيضًا: كُوفان بضم الكاف. انتهى (^١).
وقال في "اللسان": الْكُوفة: الرَّمْلةُ المجتمعة، وقيل: الكوفةُ: الرملة ما
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
كانت، وقيل: الكوفة: الرملة الْحَمْراء، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال الأزهريّ والليث: كُوفانُ اسم أرض، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال ابن سِيدَهْ: الكوفةُ بلدٌ، سُمّيت بذلك؛ لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتادها لهم، وقال: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي اجْتَمِعُوا فيه، وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفُوا هذا الرمل، أي نَحُّوه، وانزِلُوا، ومنه سُمِّيت الكوفةُ، وكُوفانُ اسم الكوفة، قال اللِّحْيانيّ: وبها كانت تُدعَى قبلُ، وقال الكسائيّ: كانت الكوفة تُدعى كُوفانَ، وكَوَّفَ القومُ أَتَوُا الكوفة، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مَا رَأَتْ يَوْمًا مِنَ النَّاسِ رَاكِبًا … يُبَصِّرُ مِنْ جِيرَانِهَا وَيُكَوِّفُ
وكَوَّفْتُ تكويفًا: أي صِرْتُ إلى الكوفة، وتكوَّفَ الرجلُ: أي تشبّه بأهل الكوفة، أو انتسب إليهم، وتكوّفَ الرملُ والقومُ: أي استداروا. انتهى (^١).
(شَكَوْا سَعْدًا) هو ابن أبي وقاص -﵁-، وهو خال جابر بن سمرة الراوي عنه، وفي الرواية التالية: "قال عمر لسعد: قد شكوك في كلّ شيء حتى في الصلاة"، وفي رواية أبي داود: "قد شكاك الناس في كلّ شيء حتى في الصلاة".
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الملك، عن جابر بن سمرة -﵁- قال: كنت جالسًا عند عمر -﵁-، إذ جاء أهل الكوفة يَشْكُون إليه سعد بن أبي وقاص، حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة. انتهى.
وفي قوله: "أهل الكوفة" مجاز، وهو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن الذين شَكَوه بعض أهل الكوفة لا كلهم، ففي رواية زائدة، عن عبد الملك في "صحيح أبي عوانة": "جعل ناس من أهل الكوفة"، ونحوه لإسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن عبد الملك، وسُمِّي منهم عند سيف، والطبرانيّ: الجرّاح بن سنان، وقبيصة، وأربد الأسديّون، وذكر العسكريّ في "الأوائل" أن منهم الأشعث بن قيس (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁-، أي في أيام خلافته، حيث كان أمّر سعدَ بن أبي وقاص على قتال الْفُرْس في سنة أربع عشرة، ففَتَحَ اللَّه العراق على يديه، ثم اختَطّ الكوفة سنة سبع عشرة، واستمرّ عليها
_________________
(١) "لسان العرب" ٩/ ٣١١.
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
أميرًا إلى سنة إحدى وعشرين، في قول خليفة بن خياط، وعند الطبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما ذُكِرَ.
زاد في رواية البخاريّ: "فعزله، واستعمل عليهم عمّارًا": أي عزل عمر -﵁- سعدًا، واستَعْمَل على أهل الكوفة بدله عمار بن ياسر -﵄-، قال خليفة: استَعْمَل عَمّارًا على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حُنيف على مِسَاحة الأرض. انتهى. وكأن تخصيص عمار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها، مما وقعت فيه الشكوى، قاله في "الفتح" (^١).
(فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ) أي ذكر أهل الكوفة من جملة ما شكوه إلى عمر -﵁- إساءته في الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "فشَكَوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلّي"، قال في "الفتح": ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددةً، ومنها قصة الصلاة، وصَرَّح بذلك في رواية أبي عون -يعني الآتية بعد هذا-: "فقال عمر: قد شَكَوْك في كل شيء حتى في الصلاة"، وذكر ابن سعد، وسيف، أنهم زعموا أنه حابى في بيع خُمُس باعه، وأنه صنع على داره بابًا مُبَوَّبًا من خشب، وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: انقطع التصويت، وذكر سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السَّرَايا، وقال الزبير بن بكار في "كتاب النسب": رفع أهل الكوفة عليه أشياء، كشفها عمر، فوجدها باطلة. انتهى. ويُقَوِّيه قول عمر في وصيته: "فإني لم أعزله من عجز، ولا خيانة". انتهى (^٢).
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي إلى سعد (عُمَرُ) بن الخطّاب ليحضر عنده، ويسمع الدعوى، ويُجيب عليها (فَقَدِمَ) بكسر الدال، قال في "القاموس": قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آبَ، فهو قادمِ. انتهى (^٣). أي رجع سعد -﵁- من الكوفة (عَلَيْهِ) أي على عمر -﵁- (فَذكَرَ لَهُ) أي ذكر عمر لسعد -﵄- (مَا عَابُوهُ بِهِ) أى ما تنقّصه به أهل الكوفة، وقوله: (مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ) بيان لما عابوه (فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي مثلَ صلاته
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٧٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٧٨.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ١٦٢.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
(مَا) نافية (أَخْرِمُ عَنْهَا) بفتح أوله، وكسر الراء: أي لا أنقُصُ، قال في "الفتح": وحَكَى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضمّ أوله، واستضعفه (إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا، من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته: أسكنته، ورَكَدت السفينة: وقَفَت، فلا تجري، قاله الفيّوميّ (^١)، قال القَزّاز: "أَرْكُد" أي أُقيم طويلًا، أي أُطَوِّل فيهما القراءة.
وقال النوويّ: قوله: "لأركُد بهم" يعني أُطَوِّلهما، وأديمهما، وأَمُدُّهما، كما قاله في الرواية الأخرى، من قولهم: رَكَدَت السُّفُنُ، والريح، والماء: إذا سَكَنَ ومَكَثَ. انتهى (^٢).
ويَحْتَمِل أن يكون التطويل بما هو أعمّ من القراءة، كالركوع والسجود، لكن المعهود في التفرقة بين الركعات، إنما هو في القراءة وسيأتي في الرواية التالية، من رواية أبي عون، عن جابر بن سَمُرة: "أَمُدّ في الأوليين، وأَحذف في الأخريين" (^٣).
(فِي الْأُولَيَيْنِ) بضم الهمزة: تثنية الأولى، أي في الركعتين الأوليين.
(وَأَحْذِفُ) بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الذال المعجمة، أي أحذف التطويل، وليس المراد حذف أصل القراءة، ووقع في رواية البخاريّ بدله: "وأُخِفّ" بضم أوله، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء، وهو بمعناه.
ووقع عند الإسماعيليّ من رواية محمد بن كثير، عن شعبة بلفظ: "أحذم" بالميم موضع الفاء، من حذم يَحْذِم حَذْمًا: إذا أسرع (^٤).
(فِي الْأُخْرَيَيْنِ) تثنية الأخرى، يعني أنه يقصرهما عن الأوليين، لا أنه يُخِلّ بالقراءة، ويَحذفها كلّها، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": والمراد بالحذف حذف التطويل، لا حذف أصل القراءة، فكأنه قال: أَحْذِف تطويل القراءة.
(فَقَالَ) عمر -﵁- (ذَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من كيفيّة صلاته كصلاة النبيّ -ﷺ-، فـ "ذاك" مبتدأ خبره قوله: (الظَّنُّ بِكَ) وفي رواية: ظنّي بك (أَبَا إِسْحَاقَ) بحذف حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية [يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ -﵀- في "مُلْحَته":
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٦.
(٣) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٧٩.
(٤) راجع: "عمدة القاري" ٦/ ٩.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دَعَائِي"
أي يا أبا إسحاق، وهي كنية سعد، كُنِي بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر -﵁- له، وفيه دلالةٌ على أنه لم تَقْدَح فيه الشكوى عنده -﵄-.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف -﵀-، وقد ساقه الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٧٥٥) حدّثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمَرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر -﵁-، فعزَلَه، واستَعْمَل عليهم عَمّارًا، فشكوا حتى ذَكَروا أنه لا يُحسن يصلّي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعُمُون أنك لا تحسن تصلّي، قال أبو إسحاق: أما أنا واللَّه، فإني كنت أصلّي بهم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، ما أَخْرِم عنها، أُصَلِّي صلاة العشاء، فأَرْكُد في الأوليين، وأُخِفّ في الأُخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يَدَعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أمّا إذ نَشَدتَنَا فإن سعدًا كان لا يَسِير بالسَّرِيَّة، ولا يَقْسِم بالسَّوِيّة، ولا يَعْدِل في القَضِيّة، قال سعد: أما واللَّه لأدعونّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأَطِلْ عمره، وأطل فقره، وعَرِّضه بالفتن، وكان بَعْدُ إذا سئل يقول: شيخ كبير، مفتونٌ، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه لَيَتَعَرَّض للجواري في الطرق، يَغْمِزُهُنّ. انتهى (^١).
وقوله: "أمّا أنا واللَّه" "أمّا" بالتشديد، وهي للتقسيم، والقسيم هنا محذوف، تقديره: وأما هم فقالوا ما قالوا، وفيه القسم في الخبر لتأكيده في نفس السامع، وجواب القسم يدل عليه قوله: "فإني كنت أصلّي بهم".
وقوله: "أصلّي صلاة العشاء" كذا هنا بالفتح والمد، ورواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن أبي عوانة بلفظ: "صلاتي العشيّ" بالكسر والتشديد،
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ بنسخة "الفتح".
[ ١٠ / ٤٣١ ]
وكذا في رواية عبد الرزاق، عن معمر، وكذا لزائدة في صحيح أبي عوانة، وهو الأرجح، ويدل عليه التثنية، والمراد بهما الظهر والعصر، ولا يبعد أن تقع التثنية في الممدود، ويراد بهما المغرب والعشاء، لكن يَعْكُر عليه قوله: "الأخريين "؛ لأن المغرب إنما لها أخرى واحدة، وأبدى الكرمانيّ لتخصيص العشاء بالذكر حكمةً، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، وهو حسنٌ، ويقال مثله في الظهر والعصر؛ لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش، والأولى أن يقال: لعل شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصةً، فلذلك خصهما بالذكر، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: "ذلك الظنّ بك" أي هذا الذي تقول هو الذي كنا نظنه، زاد مسعر عن عبد الملك وابن عون معًا: "فقال سعد: أتعلّمني الأعراب الصلاة؟ ".
وقوله: "فأرسل معه رجلًا أو رجالًا" بالشك، وفي رواية ابن عيينة: "فبعث عمر رجلين"، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة؛ ليحصل له الكشف عنه بحضرته؛ ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدل على أن عمر إنما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيفٌ والطبريّ أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة، قال: وهو الذي كان يقتصّ آثار مَن شُكِيَ من العُمّال في زمن عمر، وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد اللَّه بن أرقم، فإن كان محفوظًا، فقد عُرِف الرجلان، ورَوَى ابن سعد من طريق مَلِيح بن عوف السلميّ، قال: بَعَث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلًا بالبلاد، فذكر القصة، وفيها: "وأقام سعدًا في مساجد الكوفة، يسألهم عنه"، وفي رواية إسحاق، عن جرير: "فطيف به في مساجد الكوفة".
وقوله: "لبني عَبْس" بفتح المهملة، وسكون الموحدة، بعدها مهملة: قبيلةٌ كبيرةٌ من قيس.
وقوله: "أبا سَعْدة" بفتح المهملة، بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في
_________________
(١) ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
روايته: فقال محمد بن مسلمة: أنشد اللَّه رجلًا يعلم حقًّا إلَّا قال.
وقوله: "أمّا" بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضًا.
وقوله: "نشدتنا" أي طلبت منا القول.
وقوله: "لا يسير بالسرية" الباء للمصاحبة، و"السَّرِيّة" بفتح المهملة، وكسر الراء المخففة: قطعة من الجيش، ويَحْتَمِل أن يكون صفة لمحذوف: أي لا يسير بالطريقة السَّرِية، أي العادلة، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: "ولا يعدل"، والأصل عدم التكرار، والتأسيس أولى من التأكيد، ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ: "ولا يَنْفِر في السرية".
وقوله: "في القضيّة": أي الحكومة، وفي رواية سفيان، وسيف: "في الرعية".
وقوله: "قال سعد"، وفي رواية جرير: "فغضب سعد"، وحكى ابن التين أنه قال له: أعليّ تسجع؟.
وقوله: "أَمَا واللَّه" بتخفيف الميم، حرف استفتاح.
وقوله: "لأدعونّ بثلاث" أي عليك، والحكمة في ذلك أنه نَفَى عنه الفضائل الثلاث، وهي: الشجاعة، حيث قال: "لا ينفر"، والعفّة حيث قال: "لا يَقْسِمُ"، والحكمةُ حيث قال: "لا يَعْدِل"، فهذه الثلاثة تتعلق بالنفس، والمال، والدين، فقابلها بمثلها، فطُولُ العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق بالمال، والوقوعُ في الفتن يتعلق بالدين، ولما كان في الثنتين الأُوليين ما يمكن الاعتذار عنه، دون الثالثة قابلهما بأمرين دنيويين، والثالثة بأمر دينيّ، وبيان ذلك أن قوله: "لا يَنْفِر بالسَّرِيَّة" يمكن أن يكون حقًّا، لكن رأى المصلحة في إقامته؛ ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر، كما وقع له في القادسية، وقوله: "لا يَقْسِم بالسوية" يمكن أن يكون حقًّا، فإن للإمام تفضيلَ أهل الغَنَاء في الحرب، والقيام بالمصالح، وقوله: "لا يَعْدِل في القَضِيّة"، هو أشدّها؛ لأنه سَلَبَ عنه العدل مطلقًا، وذلك قَدْحٌ في الدين، ومن أعجب العَجَب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا، وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه، راعَى العدل والإنصاف في الدعاء عليه؛ إذ عَلَّقه بشرط أن يكون كاذبًا، وأن يكون الحامل له على ذلك الغَرَضَ الدنيويّ.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
وقوله: "رياءً وسمعةً" أي ليراه الناس، ويسمعوه، فيُشْهِروا ذلك عنه، فيكون له بذلك ذكرٌ.
وقوله: "وأَطِلْ فقره"، وفي رواية: "وشدِّد فقره"، ورُوي: "وأكثر عياله"، قال الزين ابن الْمُنَيِّر: في الدعوات الثلاث مناسبة للحال، أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلمَ كرامةَ سعد، وأما طول فقره، فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله يُشعر بأنه طلب أمرًا دنيويًّا، وأما تعرضه للفتن؛ فلكونه قام فيها، ورضيها دون أهل بلده.
وقوله: "فكان بعدُ" أي كان أبو سعدة.
وقوله: "شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ"، وفي رواية الطبراني، وأبي يعلى: "قال عبد الملك: فأنا رأيته يَتَعَرَّض للإماء في السِّكَك، فإذا سألوه، قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ"، وفي رواية: "فافتقر، وافْتُتِنَ"، وفي رواية: "فَعَمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بِحِسّ المرأة تشبث بها، فإذا أُنكر عليه، قال: دعوة المبارك سعد"، وفي رواية: "ولا تكون فتنة إلَّا وهو فيها"، وفي رواية محمد بن جُحَادة، عن مصعب بن سعد، نحو هذه القصة، قال: "وأدرك فتنة المختار، فقتل فيها"، رواه ابن عساكر، وفي رواية سيف: "أنه عاش إلى فتنة الجماجم، وكانت سنة ثلاث وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قُتل سنة سبع وستين".
وقوله: "دعوة سعد" أفردها لإرادة الجنس، وإن كانت ثلاث دعوات، وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة، رَوَى الطبراني من طريق الشعبيّ، قال: قيل لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يومَ بدر، قال النبيّ -ﷺ-: "اللهم استجب لسعد"، ورَوَى الترمذيّ، وابنُ حبان، والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك". انتهى ملخّصًا من الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠٢١ و١٠٢٢ و١٠٢٣ و١٠٢٤] (٤٥٣)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٥ و٧٥٨ و٧٧٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٠٣)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٧٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٦ و٢١٧)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٠٦ و٣٧٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٥ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٥٩ و١٩٣٧ و٢١٤٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٤٩ - ١٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٠٤ و١٠٠٥ و١٠٠٦ و١٠٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في كلّ الصلاة.
٢ - (ومنها): أن الإمام إذا شُكِي إليه نائبه بعث إليه، واستفسره عن ذلك، وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته، ووقوع فتنة عَزَله، فلهذا عزله عمر -﵁- مع أنه لَمْ يكن فيه خَلَلٌ، ولم يثبت ما يَقْدَح في ولايته وأهليته، وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" في حديث مَقْتل عمر -﵁- والشوري، أن عمر -﵁- قال: "إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإني لَمْ أَعْزِله من عجز ولا خيانة"، قاله النوويّ -﵀-.
وقال في "الفتح": في هذا الحديث جواز عزل الإمام بعضَ عماله إذا شُكِيَ إليه، وإن لم يثبت عليه شيء، إذا اقتضت ذلك المصلحة، قال مالك: قد عَزَلَ عمرُ سعدًا، وهو أعدل مَن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والذي يظهر أن عمر عَزَله حسمًا لمادّة الفتنة، ففي رواية سيف: "قال عمرُ: لولا الاحتياط،
_________________
(١) المراد فوائد الحديث بطرقه المختلفة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف هنا، فتنبّه.
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
وأن لا يُتَّقَى من أمير مثلِ سعد لَمَا عزلته"، وقيل: عزله إيثارًا لقربه منه؛ لكونه من أهل الشوري، وقيل: لأن مذهب عمر -﵁- أنه لا يَسْتَمِرّ بالعامل أكثر من أربع سنين، وقال المازريّ: اختلفوا هل يُعزل القاضي بشكوى الواحد، أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه؟.
٣ - (ومنها): أن فيه استفسارَ العامل عما قيل فيه، والسؤال عمن شَكَى في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على مَن يُظَنّ به الفضل.
٤ - (ومنها): بيان أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه، يكون ممن يجاوره.
٥ - (ومنها): أن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال.
٦ - (ومنها): أن فيه خطاب الرجل الجليل بكنيته، والاعتذار لمن سُمِع في حقه كلامٌ يسوؤه.
٧ - (ومنها): بيان الفرق بين الافتراء الذي يُقْصَد به السبّ، والافتراء الذي يُقْصَد به دفع الضرر، فيعزَّر قائل الأول دون الثاني، ويَحْتَمِل أن يكون سعد لَمْ يطلب حقّه منهم، أو عفا عنهم، واكتَفَى بالدعاء على الذي كَشَفَ قِناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته، وقد جاء في الخبر: "من دعا على ظالمه فقد انتصر" (^١)، فلعله أراد الشفقة عليه بأن عَجَّل له العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه؛ لِمَا كان فيه من وفور الديانة، ويقال: إنه إنما دعا عليه؛ لكونه انتهك حرمة مَن صَحِب صاحب الشريعة، وكأنه قد انتصر لصاحب الشريعة.
٨ - (ومنها): أن في قوله: "ذاك الظن بك أبا إسحاق" مدحَ الرجل الجليل في وجهه إذا لَمْ يُخَف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهيُ عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين، وجَمَع العلماء بينهما بما ذكرته.
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ ٥/ ٥٥٤، وفيه أبو حمزة ميمون الأعور: ضعيف.
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
٩ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم الْمُعَيَّن بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسى -﵇-: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٨٨].
١٠ - (ومنها): أن فيه سلوكَ الورع في الدعاء.
١١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأُوليين من الرباعية متساويتان في الطول، وقد تقدّم أن الراجح تطويل الأولى على الثانية؛ لصريح حديث أبي قتادة -﵁-: "وكان يطوّل في الركعة الأولى، ويقصر الثانية"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والباقون تقدّموا قريبًا، فقتيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف: كسابقه، وهو (٥٣) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية جرير هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٤٧٥) حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر، فقالوا: لا يُحسن
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
يصلّي، فذكر ذلك عمر له، فقال: أَمّا صلاةُ رسول اللَّه -ﷺ-، فقد كنت أصلّي بهم أَرْكُد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، فقال: ذاك الظنّ بك، يا أبا إسحاق. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أوّل الباب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٨.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١.
٤ - (أَبُو عَوْنٍ) محمد بن عبيد اللَّه بن سعيد الثقفيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأبي الزبير، وجابر بن سمرة، ومحمد بن حاطب الْجُمَحيّ، والحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وغيرهم.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
ورَوَى عنه الأعمش، وأبو حنيفة، ومحمد بن سُوقة، والمسعوديّ، ومحمد بن قيس الأسديّ، وشعبة، والثوريّ، ويونس بن الحارث الطائفيّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: توفي في ولاية خالد على العراق، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال أبو زرعة: حديثه عن سعيد مرسل، وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أوثق من عبد الملك بن عُمير، وقال ابن قانع وغيره: مات سنة عشر ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٣)، وحديث (٥٩٣): "إن اللَّه حرّم ثلاثًا. . . "، و(٢٠٧١): "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها. . . "، وأعاده بعده.
و"جابر بن سمرة" -﵄- تقدّم في الحديث الماضي.
وقوله: (قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) تقدّم أن مما شكوه أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه، وأنه صنع على باب داره بابًا مبوّبًا من خشب، وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذَّى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع الصوت، وزعموا أيضًا أنه كان يُلهيه الصيد عن الخروج في السرايا.
وقوله: (أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ) "أمّا" بتشديد الميم للتقسيم، والقسيم هنا محذوف، تقديره: أما أنا فأمدّ. . . إلخ، وأما هم فقالوا ما قالوا.
وقوله: (وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) "ما" الأولى نافية، و"الثانية" موصولة، و"آلُو" بالمد في أوله، وضم اللام: أي لا أُقَصِّر في ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية [آل عمران: ١١٨]؛ أي لا يقصِّرون في إفسادكم.
والمعنى: أني لا أُقَصِّر فيما أخذته من صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، بل أقتدي به في ذلك دون تقصير.
وقوله: (أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ) "أو" للشكّ من الراوي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبِي عَوْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد مشايخ الستّة [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر الْعَبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون تقدّموا قبله، و"عبد الملك": هو ابن عُمير، و"أبو عون" هو: محمد بن عبيد اللَّه بن سعيد الثقفيّ.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث مسعر عن عبد الملك، وأبي عون بمعنى حديث هشيم، وجرير، وشعبة عنهما.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير مسعر؛ أي زاد مسعر في روايته على رواية الثلاثة المذكورين قولَهُ: "فقال: أتعلّمني. . . إلخ".
وقوله: (فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟) فاعل "قال" ضمير سعد بن أبي وقّاص -﵁-؛ أي قال سعد منكرًا شكواهم في حلاته.
وفيه دلالةٌ على أن الذين شَكَوه لَمْ يكونوا من أهل العلم، وكأنهم ظَنُّوا مشروعية التسوية بين الركعات، فأنكروا على سعد التفرقة، فيستفاد منه ذمُّ القول بالرأي الذي لا يَستَنِد إلى أصل، وفيه أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار.
وقوله: (الأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: ساكنو البادية من العرب الذين لا يُقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا للحاجة، ولا واحد له من لفظه، وأما العرب
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
بضمّ، فسكون، وبفتحتين: فهو خلاف المعجم، مؤنّثٌ، وهم: سكان الأمصار، أو عامّ، أفاده في "القاموس" (^١).
[فائدة]: إذا كان عَلِم بمعنى اليقين تعدّى إلى مفعولين، فتقول: علمت زيدًا فاضلًا، وإذا كانت بمعنى عَرَفَ تعدّى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، وقد يُضمَّن معنى شَعَرَ، فتدخل الباء في مفعوله، فيقال: عَلِمت، وعَلِمتُ به، وأعلمته الخبر، وأعلمته به، ومثله: علّمته بالتشديد، أفاده الفيّوميّ -﵀- (^٢)، ومنه قول سعد -﵁- هنا: "تعلّمني الأعراب بالصلاة"، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية مسعر هذه أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٧٣)، فقال:
(١٠٠٧) حدّثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا موسى بن إسحاق، ثنا مِنجاب، ثنا علي بن مسهر (ح) وحدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن البزار، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن ناجية، ثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، ثنا محمد، ثنا بشر (^٣) قالا: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن عمير، وأبي عون، عن جابر بن سمرة، قال: اشتكى أهل الكوفة صلاة سعد إلى عمر -﵁-، فقال: أَتُعَلِّمني الأعراب بالصلاة؟ واللَّه إني لأركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، وإنه حبيب إليّ ما اقتديت به من صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فقال عمر: ذاك الظن بك أبا إسحاق. لفظ ابن بشر. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٥] (٤٥٤) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ١/ ١٠٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٧.
(٣) هكذا وقع في النسخة "ثنا محمد، ثنا بشر"، وهذا غلط بلا شكّ، ولعل الصواب: "ثنا محمد بن بشر"، وبالجملة فهذا السند يحتاج إلى مراجعة نسخة صحيحة من "المستخرج".
[ ١٠ / ٤٤١ ]
الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، مِمَّا يُطَوِّلُهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) -بالتصغير- الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٌ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) التَّنُوخي الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، لكنه اختلط في آخره [٧] (ت ١٦٧) (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٤ - (عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الكلابيّ، وقيل: الكلاعيّ -بالعين المهملة بدل الموحَّدة- أبو يحيى الحِمْصَيّ، ويقال: الدمشقيّ، ثقةٌ مقرئٌ [٣].
رَوَى عن أُبَيّ بن كعب، ومعاوية، والنعمان بن بشير، وأبي الدرداء، وعبد اللَّه بن عمرو، وابن عمر، وعبد الرحمن بن غَنْم، وقزعة بن يحيى، وأبي إدريس الْخَوْلانيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سعد، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد اللَّه بن يزيد الدمشقيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن بَزَّة، والحسن بن عِمران العسقلانيّ، وعلي بن أبى حَمَلَة، وقرأ عليه القرآن.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة، وقال: كان معروفًا، وله أحاديث، وقال ابن أبي حاتم: عطية مولى بني عامر، رَوَى عن يزيد بن بشر، عن ابن عمر، حديث: "بُنِي الإسلام على خمس"، وعنه سالم بن أبي الجعد، هو عطية بن قيس الذي رأى ابنَ أم مكتوم، سئل أبي عنه، فقال: صالح الحديث، وقال عبد الواحد بن قيس: كان الناس يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس، وقال الفَسَويّ: سألت عبد الرحمن -يعني دُحَيمًا- عنه؟، فقال: كان أسنَّهم -يعني أسن أقرانه - وكان غزا مع أبي أيوب الأنصاريّ، وكان هو وإسماعيل بن عبيد اللَّه قارئ الْجُنْد، وقال أبو مسهر: كان مولده في حياة
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
رسول اللَّه -ﷺ- في سنة (٧) وغزا في خلافة معاوية، وتوفي سنة عشر ومائة، وقال المفضل الغلابيّ: حدّثني رجل من بني عامر، من أهل الشام، قال: عطية بن قيس كان من التابعين، وكان لأبيه صحبة، وقال سعد بن عطية: مات أبي سنة (١٢١) وهو ابن (١٠٤) سنة، قال ابن حبان في "الثقات": كان مولده سنة (١٧)، ومات قبل مكحول سنة (١٢١).
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
٥ - (قَزْعَةُ) -بفتحات، ويجوز إسكان الزاي، قاله النوويّ (^١) - ابن يحيى، ويقال: ابن الأسود، أبو الغادية البصريّ، مولى زياد بن أبى سفيان، ويقال: مولى عبد الملك، بل هو من بني الْحَرِيش، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عُمَر وابن عَمْرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ، وحبيب بن مسلمة، وأبي هريرة، وقَرْثَع الضبيّ، وجماعة.
وروى عنه عبد الملك بن عُمير، وعطية بن قيس، وقتادة، ومجاهد، وربيعة بن يزيد، وسهم بن مِنجاب، وعاصم الأحول، ويزيد بن أبي مالك الأنصاريّ، وإسماعيل بن محمد بن سعد، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار، وآخرون.
قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن زياد الهلاليّ، عن عبد الملك بن عُمير: ثنا قَزَعَة، وكان رجلًا يسبق الحاجّ في سلطان معاوية، وقال البزار: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم الرازيّ: لا ندري سمع منه قتادة أم لا؟.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط (^٢).
والصحابيّ تقدّم في هذا الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) راجع: "شرح النووي" ٤/ ١٧٦.
(٢) وله عند البخاريّ ثلاثة أحاديث فقط.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعني ابن مسلم"، وقوله: "وهو ابن عبد العزيز"، وقد مرّ البحث فيه مستوفر، غير مرّة، خلاصته أن شيخه لم ينسبهما، فأراد أن ينسبهما، فأتى بلفظ "يعني"، و"هو" للفصل بين ما نقله عن شيخه، وما زاده هو للتوضيح، فتنبّه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارَزْميّ، ثم بغدادي، والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن عطيّة وقَزَعة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكل منهما فيه من الأحاديث.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عطيّة، عن قَزَعة، وهو أيضًا من رواية الأقران.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان -﵄- أنه (قَالَ: لَقَدْ) اللام هي الموطّئة للقسم (كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ) أي ليصلّيها الناس مع النبيّ -ﷺ- (فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ) -بفتح الموحدة، وكسر القاف-: اسم لمقبرة المدينة النبويّة، وأصل البقيع: هو المكان الْمُتَّسِع، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، ويُسمّى أيضًا بقيع الغَرْقد، والغرقد شجر له شوك، وكان ينبت هناك، فذهب، وبقي الاسم، وقال في "اللسان": والبقيع من الأرض: المكان المتّسِع، ولا يُسمَّى بقيعًا إلَّا وفيه شجر. انتهى (^١).
(فَيَقْضِي حَاجَتَهُ) من البول والغائط (ثُمَّ يَتَوَضأُ، ثُمَّ يَأْتِي) أي إلى المسجد، وفي الرواية التالية: "ثم يأتي أهله، فيتوضَّأ، ثم يرجع إلى المسجد" (وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو، كما قال ابن مالك -﵀- في "الخلاصة":
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ "جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ"
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٨/ ١٨.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
إلى أن قال:
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وقوله: (مِمَّا يُطَوِّلُهَا) "من" تعليليّة، و"ما" مصدريّة؛ أي من أجل تطويله الصلاة بنا، ولفظ النسائيّ: "يطوّلها" بحذف"مما".
والحديث دليلٌ ظاهرٌ لاستحباب تطويل الركعة الأولى من صلاة الظهر؛ تكثيرًا للجماعة.
قال النوويّ -﵀-: قد ثبت في أحاديث أُخَر في غير هذا الباب، وهي في "الصحيحين" "أن النبيّ -ﷺ- كان أخفّ الناس صلاةً في تمام"، وأنه -ﷺ- قال: "إني لأدخل في الصلاة، أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي؛ مخافةَ أن تُفْتَن أمه".
قال العلماء: كانت صلاة رسول اللَّه -ﷺ- تَخْتَلِف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له ولا لهم طَوَّل، وإذا لَمْ يكن كذلك خَفَّف، وقد يريد الإطالة، ثم يَعْرِض ما يقتضي التخفيف، كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفِّف.
وقيل: إنما طَوَّل في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخَفَّف في معظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف لأنه الأفضل، وقد أمر -ﷺ- بالتخفيف، وقال: "إن منكم منفِّرين، فأيُّكم صلّى بالناس فليخفِّف، فإن فيهم السقيمَ والضعيفَ وذا الحاجة".
وقيل: طَوَّل في وقت، وخفف في وقت؛ ليبيّن أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختُلِف فيما زاد.
وعلى الجملة: السنّة التخفيف، كما أمر به النبيّ -ﷺ- للعلة التي بَيَّنَها، وإنما طَوَّل في بعض الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، فإن تَحَقَّق أحدٌ انتفاءَ العلة طَوَّل. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٦.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- حسنٌ جدًّا، وسيأتي تمام البحث في هذا بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا [٣٥/ ١٠٢٥ و١٠٢٦] (٤٥٤)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٦٤)، وفي "الكبرى" (١/ ٣٣٥)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٨٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٠٨ و١٠٠٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَزَعَةُ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ (^٢) هَؤُلَاءِ عَنْهُ، قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ (^٣)، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: كانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأتِي أَهْلَهُ، فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "عما سألك".
(٣) وفي نسخة: "مالك من خير في ذلك".
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل حديثين.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الْحَضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحِمْصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٤ - (رَبِيعَةُ) بن يزيد الإياديّ، أبو شعيب الدمشقيّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) ٦/ ٥٥٩.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (أَتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": انطلقنا إلى أبي سعيد الخدريّ في رجال من أهل العراق، فسألوه، قال: قلمت: أما أنا فلا أسألك إلَّا عن فرائض اللَّه، قال: إنه لا خير لك في أن تعلم كُنْه ذلك، ثم قال: أما إذ أبيتم، فلقد كانت الصلاة تقام لرسول اللَّه -ﷺ-، فينطلق أحدنا إلى حاجته بالبقيع. . . الحديث، ونحوه لأبي عوانة في "مسنده".
وقوله: (وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ) أي عنده ناسٌ كثيرون للاستفادة منه، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول.
وقوله: (عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ) وفي نسخة: "عما سألك هؤلاء عنه".
وقوله: (مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ) وفي نسخة: "مالك من خير في ذلك"، ومعنى الكلام: أنك لا تستطيع الإتيان بمثلهَا؛ لطولها، وكمال خشوعها، وإن تكلفت ذلك شقّ عليك، ولم تُحَصِّله، فتكون قد عَلِمت السنّة وتركتها، قاله النوويّ -﵀- (^١).
[تنبيه]: حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا مختصرٌ، وقد ساقه الإمام أحمد -﵀- مطوّلَا بسند المصنّف، فقال:
(١١٣٢٥) حدّثنا عبد اللَّه (^٢)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٦.
(٢) هو ولد الإمام أحمد راوي "المسند" عنه.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
قال: حدّثني معاوية يعني ابن صالح، عن ربيعة بن يزيد، قال: حدّثني قَزَعَة، قال: أتيت أبا سعيد، وهو مكثور عليه، فلما تفرّق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، قلت: أسألك عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ما لك في ذلك من خير، فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول اللَّه -ﷺ- في الركعة الأولى.
قال: وسألته عن الزكاة، فقال: لا أدري أرفعه إلى النبيّ -ﷺ- أم لا؟ في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي أربعين شاةً شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدةٌ ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شِيَاه، إلى ثلاث مائة، فإذا زادت ففي كلّ مائةٍ شاةٌ، وفي الإبل في خمسٍ شاةٌ وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاثُ شِيَاه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة، ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدةٌ، ففيها حقةٌ إلى ستين، فإذا زادت واحدةٌ ففيها جذعةٌ إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدةٌ، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدةٌ ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وسألته عن الصوم في السفر، قال: سافرنا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مكة، ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم"، فكانت رخصةً، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: "إنكم مُصَبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا"، فكانت عزيمةً، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك في السفر. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٣/ ٣٥.
[ ١٠ / ٤٤٨ ]