وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٧] (٤٥٥) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: (ح) (^١) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْعَابِدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ "سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ"، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ (^٢)، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى -مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ- أَوِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، أَخَذَتِ النَّبِيُّ -ﷺ- سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ، وَفِي حَدِيثِهِ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَمْ يَقُلِ: ابْنِ الْعَاصِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمصِّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصِّيِصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا دخل بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقة عابدٌ [١١] (تخ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) وفي نسخة: " (ح) قال" بتأخير "قال".
(٢) وفي نسخة: "ذكر موسى وهارون -﵇-".
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
٥ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام الْحِميريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ) بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة [٣].
رَوَى عن جده لأمه عبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب المخزومي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه جعفر، والزهريّ، وزياد بن إسماعيل المخزومي، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، والوليد بن كثير، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة مشهور، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٥)، وحديث (١١٤٣): "أَنَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن صوم يوم الجمعة؟. . . "، و(٢٠٨٥): "لا ينظر اللَّه إليه يوم القيامة"، يعني الذي يجرّ إزاره خيلاء، و(٢٦٥٦): "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللَّه -ﷺ- في القدر. . . ".
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ) هو: عبد اللَّه بن سفيان المخزوميّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن عبد اللَّه بن السائب المخزوميّ، وأبي أُمية بن الأخنس.
وروى عنه محمد بن عباد بن جعفر، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن عبد اللَّه بن صيفيّ، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: ثقةٌ مأمونٌ، أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه هذا الحديث فقط (^١).
_________________
(١) قال في "تهذيب التهذيب" ٥/ ٢١١: عَلَّق البخاريّ حديثه المذكور في "بابُ الجمع بين السورتين في الركعة"، فهو مذكور فيه ضمنًا؛ لأنه قال: "ويُذكر عن عبد اللَّه بن السائب"، فذكره، وقد وصله مسلم. انتهى.
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) هكذا النسخ بزيادة "ابن العاص"، والصواب أنه عبد اللَّه بن عمرو بن عبد القاريّ الحجازيّ، مقبول [٤].
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له عندهما إلَّا هذا الحديث.
[تنبيه]: قد أشرت آنفًا أنه وقع عند المصنّف "عبد اللَّه بن عمرو بن العاص"، وكذا هو عند ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" (^١)، وقد قال الحفّاظ: زيادة "ابن العاص" غلط.
قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ -﵀- في "تقييده" ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث من حديث حجّاج، عن ابن جُريج، قال فيه: "وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص"، وفي حديث عبد الرزّاق، عن ابن جريج: "وعبد اللَّه بن عمرو"، ولم يقل: "ابن العاص"، وهذا هو الصواب، وعبد اللَّه بن عمرو المذكور في هذا الإسناد ليس ابن العاص، إنما هو رجلٌ من أهل الحجاز، روى عن محمد بن عبّاد بن جعفر.
وروى أبو عاصم النبيل (^٢)، ورَوح بن عبادة هذا الحديث عن ابن جريج، كما رواه عبد الرّزّاق.
ثم قال: حدّثنا أحمد بن محمد، قال: نا عبد الوارث، قال: نا قاسم بن
_________________
(١) راجع: "صحيح ابن خزيمة" رقم (٥٤٦)، و"صحيح ابن حبّان" (١٨١٥).
(٢) رواية أبي عاصم ساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(٣) حدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا عبد الرزاق، وأبو عاصم، قالا: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد اللَّه بن المسيب العابديّ، وعبد اللَّه بن عمرو، عن عبد اللَّه بن السائب، قال: "صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الصبح بمكة. . . " الحديث. وقال الإمام البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٥/ ١٥٢:
(٤) عبد اللَّه بن عمرو سمع منه محمد بن عباد بن جعفر، يُعَدُّ في أهل الحجاز، أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سفيان، وعبد اللَّه بن عمرو، عن عبد اللَّه بن السائب: صلى بنا النبي -ﷺ-، فقرأ المؤمنين، فلما ذكر موسى وهارون، أو عيسي، شَكَّ محمد أخذته سعلة فركع. انتهى.
[ ١٠ / ٤٥١ ]
أصبغ، قال: نا الحارث بن أبي أُسامة، قال: نا رَوْح بن عُبادة، قال: نا ابن جُريج، قال: سمعت محمد بن عبّاد بن جعفر، قال: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن المسيّب العابديّ، عن عبد اللَّه بن السائب، قال: صلّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى -محمد بن عبّاد شكّ، أو اختلفوا عليه- أخذت النبيّ -ﷺ- سعلةٌ، فحذف، فركع، قال: وابن السائب حاضر ذلك.
قال الحارث: وحدّثنا هَوْذة بن خليفة، قال: نا ابن جريج بمثله في الإسناد والمتن. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح": وقوله: "ابن عمرو بن العاص" وَهَمٌ من بعض أصحاب ابن جريج، وقد رَوَيناه في "مصنف عبد الرزاق" عنه، فقال: "عبد اللَّه بن عمرو القاريّ"، وهو الصواب، وقال النوويّ: قوله: "ابن العاص" غَلَطٌ عند الحفاظ، والصواب حذفه، فليس هذا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابيّ المعروف، بل هو عبد اللَّه بن عمرو الحجازيّ التابعيّ، كذا ذكره البخاريّ في "تاريخه"، وابن أبي حاتم، وخلائق من الحفّاظ المتقدّمين والمتأخّرين. انتهى (^٢).
وقال ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٢٧٥) بعد إخراج الحديث: وليس هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص السَّهْميّ. انتهى.
وقال الحافظ المزّيّ في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٣٦٣): عبد اللَّه بن عمرو بن عبد القاريّ ابن أخي عبد الرحمن بن عبد، وعبد اللَّه بن عبد، وقد ينسب إلى جدّه مذكور في ترجمة عمه عبد اللَّه بن عبد القاريّ، وقال محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن عبد اللَّه بن السائب، في القراءة في صلاة الصبح، فقال بعضهم: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهو وَهَمٌ، وقال بعضهم: عبد اللَّه بن عمرو بن عبد القاريّ، وقال بعضهم: عبد اللَّه بن عمرو المخزوميّ. انتهى كلام المزيّ -﵀-.
_________________
(١) "تقييد المهمل، وتمييز المشكل" ٣/ ٨١١ - ٨١٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٧ بزيادة من "الفتح" ٢/ ٢٩٩.
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
وقال الذهبيّ في "تذهيب تهذيب الكمال": وأخطأ من قال: هو ابن عمرو بن العاص. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام هؤلاء النّقّاد أن الصواب حذف "ابن العاص"؛ لأنه ليس عبد اللَّه بن عمرو بن العاص المشهور، وإنما هو عبد اللَّه بن عمرو بن عبد القاريّ التابعيّ، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْعَابِدِيُّ) -بالباء الموحدة- هو: عبد اللَّه بن المسيَّب بن أبي السائب صَيْفِيّ بن عابد بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزُوم العابديّ ابن أخي السائب، شريك النبيّ -ﷺ-، صدوق، من كبار [٣]، ووهِمَ من ذكره في الصحابة.
رَوَى عن ابن عمه عبد اللَّه بن السائب، وعن عُمَر، وابن عمر.
وروى عنه محمد بن عباد بن جعفر، وابن أبي مليكة، كان ممن ارتُثَّ يوم الدار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر الزبير بن بكار أن عمار بن ياسر حمله على ظهره من الدار إلى أن دفعه إلى أمه، وذكره عليّ بن سعيد العسكريّ في الصحابة، حكاه أبو موسى المديني في "الذيل"، والحديث الذي أخرجه له سقط منه الصحابيّ فتَمّ عليه الوهم بذكر هذا، وذكر ابن حبان أنه مات في أيام ابن الزبير.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، أخرجا له هذا الحديث فقط، مقرونًا.
١٠ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ) بن أبي السائب صيفيّ بن عابد بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المكيّ القارئ، له ولأبيه صحبة، وكان أبوه شريك النبيّ -ﷺ-.
رَوَى عن النبيِّ -ﷺ-، وعنه ابنه محمد على خلاف فيه، وعبد اللَّه بن عَمْرو العابديّ، وليس بابن العاص، وابن عمه عبد اللَّه بن المسيَّب بن أبي السائب العابديّ، وأبو سلمة بن سفيان، وعُبيد المكيّ، وعطاء، ومجاهد، والمؤمّل بن وهب المخزوميّ، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وكان قارئ أهل مكة، أخذ عنه أهل مكة القراءة، قرأ عليه مجاهد وغيره، وقيل: إنه مولى مجاهد مِن فوقُ، وتُوُفِّي بمكة قبل عبد اللَّه بن الزبير بيسير، وهو عبد اللَّه بن السائب قائد ابن عباس، أفرده صاحب "الكمال" بالذكر، وهو هو.
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
قال الحافظ: اقتصر المزيّ على رقم "الأدب المفرد" للبخاريّ مع الباقين، وقد عَلَّق البخاريّ حديثه في "الجامع" أيضًا.
وقرأ ابن السائب على أُبَيّ بن كعب، وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: رأيت ابن عباس لما فرغوا من دفن عبد اللَّه بن السائب قام ابن عباس، فوقف على قبره، فدعا له، وانصرف.
قال الحافظ: فعلى هذا يكون مات قبل ابن الزبير بمدة لا يعبر عنها بيسير؛ لأن ابن عباس مات قبل ابن الزبير بخمس سنين. انتهى.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان بالتحويل.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من محمد بن عبّاد.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن ثلاثة من التابعين: محمد بن عبّاد، عن أبي سلمة بن سفيان، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن المسيّب.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له إلَّا هذا الحديث عن المصنّف، والأربعة، وعلّقه البخاريّ.
[تنبيه]: اختُلِف على ابن جريج في إسناد هذا الحديث، فقال ابن عيينة عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد اللَّه بن السائب، أخرجه ابن ماجه، وقال أبو عاصم عنه، عن محمد بن عباد، عن أبي سلمة بن سفيان، أو سفيان بن أبي سلمة، قال في "الفتح": وكأن البخاريّ عَلَّقه بصيغة التمريض، فقال: "ويُذْكَر عن عبد اللَّه بن السائب، قرأ النبيّ -ﷺ- المؤمنون". . .؛ لهذا الاختلاف، مع أن إسناده مما تقوم به الحجة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحّة الحديث، ولذا أخرجه المصنّف هنا عن هارون بن عبد اللَّه، عن حجّاج بن محمد الأعور -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق- وأخرجه أبو داود، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الرزّاق -وأبي عاصم- ثلاثتهم عن ابن جريج، عن محمد بن
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
عبّاد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سُفيان، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن المسيّب العابديّ، ثلاثتهم عن عبد اللَّه بن السائب -﵄-.
وأخرجه النسائيّ عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، عن محمد بن عبّاد، عن ابن سفيان، عن عبد اللَّه بن السائب -﵄-.
فقد اتّفق حجّاج الأعور، وعبد الرزّاق، وأبو عاصم، وخالد بن الحارث عن أنه عن ابن جريج، عن محمد بن عبّاد، فلا تضرّ مخالفة ابن عيينة فيه.
على أنه يَحْتَمِل أن يكون لابن جريج فيه إسنادان، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ) بأنه (قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ-) أي معنا، إمامًا لنا، فاللام هنا بمعنى "مع"، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]:
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا (^١)
(الصُّبْحَ) أي صلاة الصبح (بِمَكَّةَ) قال في "الفتح": قال الرافعيّ في "شرح المسند": قد يُستَدَلّ به على أن سورة المؤمنين مكيّة، وهو قول الأكثر، قال: ولمن خالف أن يقول: يَحْتَمل أن يكون قوله: "بمكة"؛ أي في الفتح، أو في حجة الوداع، قال الحافظ: قد صرّح بقضيّة الاحتمال المذكور النسائيّ في روايته، فقال: "في فتح مكة". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاستدلال بهذا الحديث على كون السورة مكيّة غريبٌ جدًّا؛ لأن الرواية يفسّر بعضها بعضًا، فرواية النسائيّ بيّنت المراد بأن ذلك وقع يوم فتح مكة، فلا كلام بعد هذا، فتفطّن، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(فَاسْتَفْتَحَ "سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ") أي جعل ابتداء قراءته فاتحة سورة المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١].
والمراد قراءتها بعد الفاتحة، وإنما لم يذكره لكونه معلومًا عندهم، وفي رواية النسائيّ: "عن عبد اللَّه بن السائب قال: حضرت رسول اللَّه -ﷺ- يوم
_________________
(١) وقيل: اللام في البيت بمعنى "بعد"، راجع: "مغني اللبيب" لابن هشام (ص ٢١٦) تحقيق الدكتور مازن.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٠٠.
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
الفتح، فصلّى في قُبُل الكعبة، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فافتتح بسورة المؤمنين. . . ".
[تنبيه]: تقدّم أن السورة بلا همزة، وبالهمزة لغتان، ذكرهما ابن قتيبة وغيره، وترك الهمزة هنا هو المشهور الذي جاء به القرآن العزيز، ويقال: قرأت السورة، وقرأت بالسورة، وافتتحتها، وافتتحت بها، ذكره النوويّ -﵀-.
(حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ) زاد في نسخة: "﵇"، يعني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)﴾ [المؤمنون: ٤٥] (أَوْ) للشكّ من الراوي (ذِكْرُ عِيسَى) -﵇-، يعني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ الآية [المؤمنون: ٥٠]، وذكر عيسى متّصل في الآيات بذكر قصّة موسي، وفي رواية الطحاويّ: "على ذكر موسى، وعيسى".
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ) مبتدأ وخبره، يعني أن الشك في كون المذكور مع موسى هو هارون، أو عيسى من محمد بن عبّاد، وقوله: (أَوِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ) أي أو اختلف الرواة عنه في ذلك (أَخَذَتِ النَّبِيُّ -ﷺ- سَعْلَةٌ) قال النوويّ: بفتح السين، وقال العينيّ: بفتح السين وضمّها، والذي في كتب اللغة: أن السُّعْلة بالضمّ، ففي "القاموس": سَعَلَ، كنصر سُعَالًا، وسُعْلَةً بضمّهما، وهي حركةٌ تَدْفع بها الطبيعة أَذًى عن الرِّئة، والأعضاء التي تتّصل بها. انتهى (^١).
وفي "المصباح": سَعَلَ يَسْعُلُ، من باب قَتَلَ سُعْلَةً بالضمّ، والسُّعَالُ اسم منه. انتهى (^٢).
وفي رواية ابن ماجه: "فلمّا بلغ ذكرُ عيسى وأمه أخذته سُعْلَةٌ، أو قال شَهْقَةٌ"، وفي رواية: "شَرْقةٌ" بمعجمة وقاف، قال السنديّ -﵀-: قيل: أخذته بسبب البكاء. انتهى (^٣).
(فَرَكَعَ) -ﷺ- (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ) -﵄- (حَاضِرٌ ذَلِكَ) أي ما وقع للنبيّ -ﷺ- في تلك الصلاة من السعلة، وقطعه القراءة وركوعه، وقوله: (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ) يعني أن هذا السياق لحجاج بن محمد،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٩٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٧.
(٣) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٢/ ١٧٦.
[ ١٠ / ٤٥٦ ]
عن ابن جريج، وأما عبد الرزاق، فرواه عنه بلفظ: "فحذف، فركع"، فزاد لفظة: "فحذف"، ومعنى"حذف" ترك القراءة، وفسّره بعضهم برمي النُّخامة الناشئة عن السّعلة، والأول أظهر؛ لقوله: "فركع"؛ إذْ لو أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى فيها.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِ: "وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو") أي وقع في حديث عبد الرزّاق: "وعبد اللَّه بن عمرو" (وَلَمْ يَقُلِ: ابْنِ الْعَاصِ) أي لَمْ يزد قوله: "ابن العاص"، كما زاده حجاج، وهذا إشارة من المصنّف -﵀- إلى أن الرواة اختلفوا على ابن جريج في زيادة "ابن العاص"، فزاده حجاج بن محمد، وأسقطه عبد الرزاق، وقد سبق أن الصواب حذفه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن السائب -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وقد علّقه البخاريّ، كما سبق بيانه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٢٧] (٤٥٥)، و(البخاريّ) في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٥٢)، وعلّقه في "صحيحه" (٢/ ٢٥٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٤٩)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٧٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨٢٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٠٧)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤١١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٤٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨١٥ و٢١٨٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٩٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠١٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٠٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة الصبح، وهو مجمع عليه.
٢ - (ومنها): جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة، وهذا جائز بلا خلاف، ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذرٌ فلا
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
كراهة فيه أيضًا، ولكنه خلاف الأولى عند الجمهور، وعن مالك: في المشهور عنه كراهته (^١).
٣ - (ومنها): جواز الاقتصار على بعض السورة، وتُعُقّب بأنه -ﷺ- إنما فعل ذلك لأجل ضرورة السعلة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ جواز قراءة بعض السورة، وليس اعتمادًا على هذا الحديث؛ لما ذُكر، بل لأن الكراهة حكم لا يثبت إلَّا بدليل، ولا يوجد لذلك دليل، بل الأدلة على الجواز، وهي كثيرة:
(منها): ما أخرجه الإمام أحمد باسناد صحيح، عن زيد بن ثابت -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين، ولم يُذكر ضرورة، ففيه القراءة بالأول وبالأخير.
(ومنها): أنه -ﷺ- كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، رواه مسلم.
(ومنها): ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه أَمّ الصحابة -﵃- في صلاة الصبح بسورة البقرة، فقرأها في الركعتين، وهذا إجماع منهم.
(ومنها): ما رواه محمد بن عبد السلام الْخُشَنيّ -بضم الخاء المعجمة، بعدها معجمة مفتوحة خفيفة، ثم نون- من طريق الحسن البصريّ قال: غزونا خراسان، ومعنا ثلاثمائة من الصحابة -﵃-، فكان الرجل منهم يصلّي بنا، فيقرأ الآيات من السورة، ثم يركع، أخرجه ابن حزم محتجًّا به.
(ومنها): ما رواه الدارقطنيّ بإسناد قويّ، عن ابن عباس -﵄- أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كلّ ركعة.
فهذه الأحاديث الصحاح تدلّ على أن قراءة بعض السورة جائز بلا كراهة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٦/ ٥٩.
[ ١٠ / ٤٥٨ ]
من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استُحِبّ فيه تطويلها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٨] (٤٥٦) - (حَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: (ع) (^٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ع) وَحَدَّثَني أَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (^٣) الْوَلِيدُ بْنُ سَرِيعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ حافظٌ إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (الْوَليدُ بْنُ سَرِيعٍ) -بفتح السين المهملة، وكسر الراء- الكوفيّ، مولى آل عمرو بن حُرَيث، صدوقٌ [٤]
رَوَى عن عمرو بن حُريث، وعبد اللَّه بن أبي أوفَي، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والمسعوديّ، ومسعرٌ، وأبو حنيفة، وخَلَف بن خَلِيفة، وغيرهم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبيّ في "الكاشف": ثقة (^٤).
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، أخرجا له هذا الحديث فقط، أخرجه المصنّف هنا برقم (٤٥٦) وأعاده برقم (٤٧٥).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: " (ح) قال".
(٣) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٤) "الكاشف" ٣/ ٢٣٨.
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
٥ - (عَمْرُو بْنُ حُرَيْثِ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشيّ، أبو سعيد الكوفيّ صحابيّ صغير.
روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أخيه سعيد بن حُريث، وأبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وسعيد بن زيد، وعديّ بن حاتم.
وروى عنه ابنه جعفر، وابن أخيه عمرو بن عبد الملك بن حُريث، ومولياه: أصبغ وهارون بن سَلْمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن عمير، والوليد بن سَرِيع، والمغيرة بن سُبَيع، والحسن الْعُرَنيّ، وخَليفة والد فِطْر، وأبو الأسود المحاربيّ، وخَلَف بن خليفة رآه رؤيةً، إن صحّ ذلك (^١).
قال الواقديّ: تُوُفِّي النبيّ -ﷺ-، وعمرو بن حُرَيث ابن ثنتي عشرة سنةً، وقال البخاريّ وغيره: مات سنة خمس وثمانين.
ورَوَى الخطيب في "المتَّفِقِ والمفتَرِق" من طريق أبي مَيْسَرة محمد بن الحسين الزعفرانيّ، قال: كان يكنى أبا سعيد، وهو في عداد الطُّلَقاء الصغار، حفظ عن النبيّ -ﷺ-، وتُوُفّي سنة ثمان وتسعين.
قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر، ولعله بتقديم السين، فقد حَكَى خليفة بن خياط في "تاريخه" ذلك، وَقَرَّبه شُرَيح بن هانئ وغيره.
وقال ابن حبان في "الصحابة": وُلِد يوم بدر، ومات بمكة سنة (٨٥)، وقال ابن إسحاق: قُبِض النبيّ -ﷺ-، وهو ابن (١٢) سنةً. انتهى.
ويُشكِل على هذا ما رواه أبو داود، من طريق فِطْر بن خليفة، ثنا أبي، عن عمرو بن حُريث، قال: خَطّ لي رسول اللَّه -ﷺ- دارًا بالمدينة. . . الحديث، فإن ظاهره أول كان في زمنه -ﷺ- رجلًا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: ولي الكوفة لزياد، ولابنه عبيد اللَّه بن زياد (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٦) وأعاده برقم (٤٧٥)، وحديث (٨٠٠): "اقرأ عليّ، قال: أأقرأ عليك،
_________________
(١) وقد أنكره الإمام أحمد، وقال: لعله رأى ولده جعفر بن عمرو بن حُريث، فشبّه عليه، راجع: "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٤٧.
(٢) راجع: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٦٣.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
وعليك أنزل؟. . . "، و(١٣٥٩): "خطب الناس، وعليه عمامة سوداء"، وأعاده بعده، و(٢٠٤٩): "الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين"، وكرّره ستّ مرّات.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"ابن بشر": هو محمد بن بشر العبديّ، و"مسعر": هو ابن كدام.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن ملتقى الأسانيد الثلاثة هو مسعر -﵁-، فكلّ من يحيى بن سعيد، ووكيع، وابن بشر يروون عن مسعر.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فبغداديّ، ويحيى بن سعيد، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في غير موضع.
٥ - (ومنها) أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له من الأحاديث إلَّا نحو عشرة أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (٧/ ٣٣٦ - ٣٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بصيغة التصغير المخزوميّ -﵁- (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ) أي في صلاة الفجر إمامًا (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾) أي السورة التي فيها هذه الآية، وفي الرواية الآتية برقم (٤٧٥) من طريق خلف بن خليفة، عن الوليد بن سَرِيع، عن عمرو بن حُريث قال: صلّيت خلف النبيّ -ﷺ- الفجر، فسمعته يقرأ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾، وفي رواية النسائيّ: "قال: سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ ".
فقوله: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ قسم أقسم اللَّه -﷿- فيه بالليل، وله -﷿- أن يُقسم ببعض مخلوقاته، وأما المخلوق فلا يجوز له أن يُقسم إلَّا باللَّه -﷿-، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
[ ١٠ / ٤٦١ ]
وقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ وقال جمهور أهل اللغة: معنى عَسْعَسَ الليلُ: أدبر، كذا نقله صاحب "المحكم" عن الأكثرين، ونَقَل الفرّاء إجماع المفسرين عليه، قال: وقال آخرون: معناه: أقبل، وقال آخرون: هو من الأضداد، يقال: إذا أقبل، وإذا أدبر، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وفي الحديث مشروعيّة قراءة هذه السورة في صلاة الصبح أحيانًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمرو بن حُريث -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٢٨] (٤٥٦) ويأتي في [٤٠/ ١٠٧١] (٤٧٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨١٧)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٩٤)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٧) (٢/ ١٥٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٢١)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٥٥ و١٢٠٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨١٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٤٥٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٨٣ و١٧٨٤ و١٧٨٥ و١٧٨٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٠١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٠٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٨.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
[١٠٢٩] (٤٥٧) - (حَدَّثَنِي (^١) أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ، وَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَرَأَ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ حَتَّى قَرَأَ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، قَالَ: فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س)، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) -بكسر العين المهملة- الثعلبيّ، أبو مالك الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [٣] (ت ١٣٥) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٨.
٤ - (قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ) الثَّعْلبي -بالثاء المثلّثة- ويقال: الذُّبْيَانيّ، سكن الكوفة، صحابيّ، رَوَى عن النبيِّ -ﷺ-، وعن زيد بن أرقم، وروى عنه ابن أخيه زياد بن عِلاقة بن مالك، والحجاج بن أيوب مولى بني ثعلبة، قال ابن السكن: سمعت ابن عُقدة يقول: قطبة بن مالك من بني ثُعَل، وصوابهْ الثُّعَليّ، قال ابن السكن: والناس يخالفونه، ويقولون: الثَّعْلبيّ.
قال الحافظ: ذكر الدارقطنيّ، وابن السكن، والحاكم، والأزديّ، والبغويّ، وغيرهم أن زياد بن عِلاقة تفرد بالرواية عنه، وقد أفاد الحافظ المزيّ له راويًا آخر -أي وهو الحجاج بن أيوب- قال: وظَفِرت بثالث، ذكره ابن المدينيّ في "التاريخ والعلل"، وهو عبد الملك بن عُمير، ولما ذكره ابن حبان في الصحابة قال: قطبة بن مالك الثعلبيّ، مولى بني ثعلبة بن يربوع.
أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، له عندهم أيضًا هذا الحديث، وله عند الترمذيّ أيضًا حديث آخر في الدعاء: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء".
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٥٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فعلّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، سوى ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنّ صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلَّا الحديثان المذكوران آنفًا (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ) الثعلبيّ -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ، وَصَلَّى بنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: "بنا" أَي معنا، فالباء للمصاحبة، كما تقدّم في اللام من قوله: "صلّى لنا"، والصلاة التي صلّى بهم هي الفجر كما يأتي بيانها في الرواية التالية (فَقَرَأَ) -ﷺ- (﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾) أي هذه السورة، واختُلِف في معنى ﴿ق﴾ وقال الإمام ابن كثير -﵀-: ﴿ق﴾ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى: ﴿ص﴾، و﴿ن﴾، و﴿ألَمْ﴾، و﴿حمَ (١)﴾، و﴿طس﴾، ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد رُوِي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾ جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -واللَّه أعلم- من خُرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لَمّا رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلَبِّسون به على الناس أمر دينهم، كما افتُرِيَ في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها، أحاديث عن النبيّ -ﷺ-، وما بالعهد من قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول الْمَدَى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب اللَّه وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج"،
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٧/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
أخرجه البخاريّ، فيما قد يُجَوِّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليمس من هذا القبيل، واللَّه أعلم.
وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، وللَّه الحمد والمنّة، حتى إن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ -﵀-، أورد ها هنا أثرًا غريبًا لا يصح سنده، عن ابن عباس -﵄-، فقال: حدثنا أبي، قال: حُدِّثت عن محمد بن إسماعيل المخزوميّ، حدّثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس -﵄- قال: خَلَق اللَّه ﵎ من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا بها، ثم خَلَق من وراء ذلك البحر جبلًا، يقال له: قاف، سماء الدنيا مَرْفُوفة عليه، ثم خلق اللَّه تعالى من وراء ذلك الجبل أرضًا مثل تلك الأرض سبع مرّات، ثم خلق من وراء ذلك بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلًا يقال له: قاف، السماء الثانية مرفوفة عليه، حتى عَدّ سبع أرضين، وسبعة أبحر، وشبعة أجبل، وسبع سماوات، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله -﷿-: ﴿ق﴾ هو اسم من أسماء اللَّه -﷿-، والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: ﴿ص﴾، و﴿ن﴾، و﴿حم﴾، و﴿طس﴾، و﴿الم﴾، ونحو ذلك، فهذه تُبْعِد ما تقدّم عن ابن عباس -﵄-.
وقيل: المراد قُضِيَ الأمرُ واللَّهِ، وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّت على المحذوف من بقية الكلمة، كقول الشاعر:
قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ (^١)
قال ابن كثير: وفي هذا التفسير نظرٌ؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دَلّ دليل عليه، ومن أين يُفْهَم هذا من ذكر هذا الحرف؟. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^٢)، وهو تحقيق نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) شطر بيت، عجزه: "لَا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الإِيجَافْ".
(٢) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
وقوله تعالى: (﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾) أي الكريم العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحَكَى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق: ٤]، قال ابن كثير -﵀-: وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوّة، وإثبات المعاد، وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يُتَلَقَّى لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن، كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ١ - ٢]، وهكذا قال ها هنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ [ق: ١ - ٢] أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله -ﷻ-: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢]؛ أي وليس هذا بعجيب. انتهى (^١).
(حَتَّى قَرَأَ) -ﷺ- (﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾) بنصب ﴿وَالنَّخْلَ﴾ وعطفًا على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي وأنبتنا النخل، و﴿بَاسِقَاتٍ﴾ وأي طِوالًا شاهقات، وهو منصوب على الحال.
وقال القرطبيّ -﵀- في "تفسيره": والباسقات: الطِّوال، قاله مجاهد وعكرمة، وقال قتادة وعبد اللَّه بن شداد: بُسوقها: استقامتها في الطول، وقال سعيد بن جبير: مستويات، وقال الحسن وعكرمة أيضًا والفراء: مَوَاقير حَوَامل، يقال للشاة: بَسَقَت: إذا وَلَدت، والأول في اللغة أكثر وأشهر، يقال: بَسَقَ النخل بسوقًا: إذا طال، قال [من الوافر]:
لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ … وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجٍ الْبَاسِقَاتِ
كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولًا … وَفَاتَ ثِمَارُهَا أَيْدِي الْجُنَاةِ
ويقال: بَسَق فلان على أصحابه؛ أي علاهم، وأبسقمت الناقة: إذا وَقَع في ضرعها اللبن قبل النتاج، فهي مُبْسِقٌ، ونُوقٌ مَبَاسيقُ.
ثم نقل عن الثعلبيّ أنه قال: قال قطبة بن مالك: سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ "باصقات" بالصاد.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
وهذا الذي ذكره الثعلبيّ مخالف لما وقع في "صحيح مسلم" هنا، فإنه بالسين، فليُتنبّه (^١).
(قَالَ) قطبة بن مالك -﵁- (فَجَعَلْتُ) أي شرعتُ (أُرَدِّدُهَا) أي أكرّر هذه الآية تعجبًا منها (وَلَا) نافية (أَدْرِي) أي لا أعلم (مَا) موصولة؛ أي الذي (قَالَ) بحذف العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
أي قال -ﷺ-، يعني أنه لَمْ يحفظ ما قرأه النبيّ -ﷺ- بعد هذه الآية؛ لكونه مشغولًا بالتدبّر فيها، وإجالتها على فكره مرّةً بعد أخرى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث قُطْبة بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٢٩ و١٥٣٠ و١٠٣١] (٤٥٧)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٠٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٦)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٧١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٢٥٦)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨٢٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٢٥ و٢٦ و٢٧ و٢٨ و٢٩ و٣٠ و٣١ و٣٢ و٣٣ و٣٤ و٣٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٢٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨١٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٨٧ و١٧٨٨ و١٧٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠١٢ و١٠١٣ و١٠١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٠٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٦ - ٧.
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ (ع) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادٍ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَرِيك) بن عبد اللَّه النخعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، صدوقٌ يُخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البِدَع [٨].
رَوَى عن زياد بن علاقة، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، والعباس بن ذَرِيح، وإبراهيم بن جرير العجلي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وخلق.
ورَوَى عنه ابن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويونس بن محمد المؤدب، والفضل بن موسى السيناني، وعبد السلام بن حرب، وابنا أبي شيبة، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: سمع شريك من أبي إسحاق قديمًا، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا. وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: شريك ثقة، وهو أحب إلي من أبي الأحوص، وجرير، وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان الثوري، قال ابن معين: ولم يكن شريك عند يحيى -يعني القطان- بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال أبو يعلى: قلت لابن معين: أيما أحب إليك جرير أو شريك؟ قال: جرير، قلت: فشريك أو أبو الأحوص؟ قال: شريك، ثم قال: شريك ثقة، إلَّا أنه لا يتقن، ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ قال: شريك أحب إلي، وهو أقدم، قلت: شريك أحب إليك في منصور أو أبو الأحوص؟ فقال: شريك أعلم به، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان حسن الحديث، وكان أروى الناس
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
عنه إسحاق الأزرق. وقال علي بن حكيم عن وكيع: لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك، وقال الجوزجاني: شريك سيئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: شريك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الخطأ، صاحب حديث، وهو يغلط أحيانًا، فقال له فضلك الصائغ: إنه حدّث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل بواطيل. قال عبد الرحمن: وسألت أبي عن شريك، وأبي الأحوص، أيهما أحب إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: في بعض ما لم أتكلم عليه من حديثه مما أمليت بعض الإنكار، والغالب على حديثه الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكرة، إنما أُتي به من سوء حفظه، لا أنه يتعمد شيئًا مما يستحق أن ينسب فيه إلى شيء من الضعف.
قال أحمد بن حنبل: ولد شريك سنة (٩٠)، ومات سنة سبع وسبعين ومائة، وكذا أرّخه غير واحد، منهم ابن سعد، وقال: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، وكان يَغْلَط. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث. وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى، ولا عبد الرحمن حَدّثا عنه بشيء. وقال محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه: رأيت في أصول شريك تخليطًا. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيهًا عالمًا. وقال أبو داود: ثقة يخطئ على الأعمش، زهير فوقه، وإسرائيل أصح حديثًا منه، وأبو بكر بن عياش بعده. وقال ابن حبان في "الثقات": ولي القضاء بواسط سنة (١٥٥)، ثم ولي الكوفة بعدُ، ومات بها سنة (٧) أو (١٨٨)، وكان في آخر أمره يخطئ فيما روى، تغير عليه حفظه، فسماع المتقدمين منه ليس فيه تخليط، وسماع المتأخرين منه بالكوفة فيه أوهام كثيرة.
روى له البخاري في التعاليق، والمصنّف في المتابعة، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٥٧) و(١٣٥٨) و(١٤٦٣) و(١٥٥٠) و(٢٢٣١) و(٢٢٥٦) و(٢٥٤٨).
٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٥٣) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾) أي يقرأ السورة التي فيها هذه الآية.
وقوله: (﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾) قال القرطبيّ -﵀-: "الطَّلْعُ": هو أول ما يَخرُج من ثمر النخل، يقال: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، وأطلعت النخلة، وطَلْعُها كُفُرَّاها قبل أن ينشقّ، وقوله: ﴿نَضِيدٌ﴾ أي متراكب قد نُضِّد بعضه على بعض، وفي البخاريّ: "النضيد": الْكُفُرَّى ما دام في أكمامه، ومعناه: منضود بعضه على بعض، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة، والمفسّرون: معنى ﴿نَضِيدٌ﴾: منضود، متراكبٌ بعضه فوق بعض، قال ابن قتيبة: هذا قبل أن ينشقّ، فإذا انشقّ كِمَامه، وتفرّق فليس هو بعد ذلك بنضيد. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٣) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- (^٤) الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾، وَرُبَّمَا قَالَ: ﴿ق﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٤) وفي نسخة: "مع رسول اللَّه -ﷺ-".
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي، وزياد بن علاقة، وعمّه قطبة بن مالك تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي نسخة: "مع رسول اللَّه -ﷺ-".
وقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ: ﴿ق﴾) فاعل "قال" ضمير زياد بن عِلاقة، كما بيّنته رواية أبي عوانة في "مسنده"، ولفظه من طريق أبي الوليد عن شعبة، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت قطبة بن مالك، أنه صلّى مع النبيّ -ﷺ-، قال: فسمعته يقرأ في إحدى الركعتين في الصبح ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، قال شعبة: وسألته مرّة أخرى، فقال: سمعته يقرأ بـ ﴿ق﴾. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل المعنى المراد: أن آية ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾، وهي الآية العاشرة من سورة ﴿ق﴾ كانت من جملة ما كان النبيّ -ﷺ- يقرؤه من سورة ﴿ق﴾، فكان يصل الآية المذكورة بما قبلها وما بعدها، فالإخبار بـ ﴿ق﴾ صحيح، والإخبار بهذه الآية، أو غيرها من السورة صحيح أيضًا، فليس مراد الراوي بيانَ عدد الآيات المقروءة من السورة، وإنما مراده الإخبار بأنه -ﷺ- قرأ في صلاة الفجر بهذه السورة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٢] (٤٥٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، وَكَانَ (^١) صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبله.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "وكانت".
[ ١٠ / ٤٧١ ]
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٌّ [٧] (ت ١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، إلا في روايته عن عكرمة فمضطربٌ [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
والصحابيّ تقدّم في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابرِ بْنِ سَمُرَةَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، أنه (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ) قال الطيبيّ -﵀-: "كان" في مثل هذه الأحاديث ليست بمعنى الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، بل هي للحالة المتجدّدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الغالب في استعمال "كان" للاستمرار والدوام، لكنها تخرج عن ذلك حسبما يقتضيه المقام، كما في هاتين الآيتين، وكما في أحاديث القراءة هنا، فإنها ليست للدوام، بدليل الأدلة الأخرى التي تبيّن أنه -ﷺ- كان يقرأ غيرها من السور في تلك الصلوات، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي الْفَجْرِ) أي صلاة الفجر (بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾) يَحْتَمل أن يكون قرأها في ركعة، أو في ركعتين (وَكَانَ) وفي نسخة: "وكانت" (صَلَاتُهُ) -ﷺ- (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة لفظًا، ونيّة معناها؛ أي بعد ذلك (تَخْفِيفًا) الظاهر أن البعديّة للوقت الذي كان يقرأ فيه بالسورة المذكورة؛ أي كان -ﷺ- بعد ذلك الوقت يُخفّف صلاته، فلا يقرأ مثل هذه السورة، بل كان يقرأ بأقلّ منها.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالبعديّة بعديّة القراءة، من الركوع والسجود ونحو ذلك؛ أي فكان ركوع النبيّ -ﷺ- وسجوده أخفّ من قراءته، والأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٠٤.
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
ثم رأيت القاري كتب ما معناه: "وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا" أي بعد الفجر في بقية الصلوات، وقيل: بعد ذلك الزمان، فإنه -ﷺ- كان يطوّل أول الهجرة؛ لقلّة أصحابه، ثم لَمَّا كثُر الناس، وشقّ عليهم التطويل؛ لكونهم أهل أعمال، من تجارة، وزراعة خفّف رفقًا بهم. انتهى (^١).
[تنبيه]: خالف إسرائيل بن يونس زائدة في متن هذا الحديث، فقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل -﵀- في "مسنده" من طريق عبد الرّزّاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلّي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلّون اليوم، ولكنه كان يُخَفِّف، كانت صلاته أخفّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ؛ إذ يمكن حمله على اختلاف الأوقات، فكان النبيّ -ﷺ- ويفعل تارة هذا وتارة هذا، كما يتّضح ذلك من روايات جابر بن سمرة -﵄- الآتية بعد هذا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٣٢ و١٠٣٣ و١٠٣٤ و١٠٣٥] (٤٥٨ و٤٥٩ و٤٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨١٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٩٠ و١٧٩١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠١٥
_________________
(١) راجع: "المرقاة" ٢/ ٥٦٣.
(٢) راجع: "المسند" ٥/ ١٠٤ رقم (٢١٠٣٣)، و"مصنّف عبد الرزاق" (٢٧٢٠)، و(صحيح ابن حبّان) (١٨٢٣)، و(مستدرك الحاكم) (١/ ٢٤٠).
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
و١٠١٦ و١٠١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ هَؤُلَاءِ، قَالَ: وَأَنْبَأَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ (^٢)، وَنَحْوِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ١٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ هَؤُلَاءِ) الظاهر أنه أشار إلى القوم الذين كانوا يطوّلون في صلاتهم بالناس، وهذا هو الذي يدلّ عليه قوله: "كان يُخفّف الصلاة".
ويَحْتَمِل أنهم كانوا يخفّفونها، ويبالغون في التخفيف، فكأنه قال: إنه -ﷺ- وإن كان يُخفّف فيها إلَّا أنه ليس مثل تخفيفهم، بل كان يقرأ مثل هذه السور، فيكون ذمًّا لهم في التخفيف البالغ؛ لمخالفته تخفيفه -ﷺ-، فإنه وسط.
وقوله: (وَنَحْوِهَا) بالجرّ، وهو ظاهر، وقيل: بالنصب عطفًا على محلّ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: " ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ".
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
الجارّ والمجرور، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٤] (٤٥٩) - (وَحَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون تقدّموا في الباب، وشرح الحديث واضح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥] (٤٦٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
والباقون تقدّموا قبله، وشرح الحديث واضحٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٦] (٤٦١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقة عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو الْمِنْهَالِ) سيّار بن سلامة الرياحيّ البصريّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبي بَرْزة الأسلميّ، والبراء السَّلِيطيّ، وأبيه سلامة، وأبي العالية الرِّيَاحيّ البصريّ، وأبي مسلم الْجَرْميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه سليمان التيميّ، وخالد الحذّاء، وعوف الأعرابيّ، ويونس بن عُبيد، وسَوّار بن عبد اللَّه العنبريّ الكبير، وشعبة، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالح الحديث، وقال العجليّ: بصريٌّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٢٩)، وقال ابن سعد: كان ثقةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٦١) وأعاده بعده، وحديث (٦٤٧): "لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء. . . "، وكرره ثلاث مرّات.
٥ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد، ويقال: نَضْلة بن عبد اللَّه، ويقال: اسمه عبد اللَّه بن نَضْلَة الأسلميّ، صاحب النبيّ -ﷺ-، مشهور بكنيته.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبي بكر الصدِّيق، وروى عنه ابنه المغيرة، وبنت ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة، وأبو المنهال الرِّيَاحيّ، والأزرق بن
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
قيس، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو العالية الرِّياحيّ، وكِنَانة بن نُعيم، وأبو الوازع الراسبيّ، وسعيد بن عبد اللَّه بن جرير، وأبو طالوت عبد السلام بن أبي حازم، وآخرون.
قال البخاريّ: نزل البصرة، وذكر له حديثَ غَزَوتُ مع النبيّ -ﷺ- سبع غزوات، وقال أبو نَضْرة، عن عبد اللَّه بن مَولة القشيريّ، قال: كنت بالأهواز، إذ مَرّ بي شيخ ضخم، فإذا أبو برزة، وقال ابن سعد: كان من ساكني المدينة، ثم البصرة، وغزا خُراسان، وقال الخطيب: شَهِد مع عليّ، فقاتل الخوارج بالنَّهْروان، وغزا بعد ذلك خُراسان، فمات بها، وقال أبو عليّ محمد بن عليّ بن حمزة المروزيّ: قيل: إنه مات بنيسابور، وقيل: بالبصرة، وقيل: بمفازة بين سِجِسْتان وهَرَاة، وقال خليفة: مات بخُراسان بعد سنة أربع وستين، بعدما أُخرج ابن زياد من البصرة، وقال غيره: مات في آخر خلافة معاوية، وجزم الحاكم أبو أحمد بسنة أربع، وقال ابن حبان: وقد قيل: إنه بَقِي إلى ولاية عبد الملك. انتهي، وبه جزم البخاري في "التاريخ الأوسط"، في "فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين".
قال الحافظ -﵀-: ومما يُؤَيِّد ذلك أن في "صحيح البخاريّ" أنه شَهِد قتال الخوارج بالأهواز، زاد الإسماعيليّ: مع المهلَّب بن أبي صُفْرة، وكان ذلك في سنة خمس وستين، كما جزم به محمد بن قُدامة وغيره، وكان عبد الملك قد وَلي الخلافة بالشام. انتهى (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٤٦١) وأعاده بعده، وحديث (٦٤٧): "لا يبالي بعض تأخير العشاء. . . "، وكرّره ثلاث مرّات، و(٢٤٧٢): "هذا منّي، وأنا منه (^٢). . . "، و(٢٥٤٤): "لو أن أهل عمان أتيت ما سبّوك، ولا ضربوك"، و(٢٥٩٦): "لا تصاحبنا ناقةٌ عليها لعنة"، و(٢٦١٨): "اعزِلِ الأذى عن طريق المسلمين"، وأعاده بعده.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) قاله لجُلَيبيب الصحابيّ لمّا استُشهد -﵁-.
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ، ويزيد، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: التيميّ، عن أبي المنهال، وهو أيضًا من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الرابعة.
٥ - (ومنها): أن أبا برزة، وأبا المنهال هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت ما لكلّ منهما فيه من الأحاديث فيما ذكرته آنفًا.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُكنى بأبي بَرْزة، وكذا من يُسمّى بنَضْلة بن عُبيد غير الصحابيّ هذا.
٧ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي المنهال في الكتب الستّة ثلاثة:
(الأول): هذا المترجم هنا.
(الثاني): عبد الرحمن بن مُطعم المكيّ، ثقة من الثالثة (ت ١٠٦) (ع)، وله عند المصنّف حديثان، وسيأتي في "كتاب المساقاة" برقم (١٥٨٩).
(الثالث): عبد الملك بن قتادة بن مِلْحان، مقبول من الثالثة أيضًا عند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ التَّيْمِيِّ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، نُسب إلى بني تيم، وليس منهم، كما أسلفته آنفًا (عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) سيّار بن سلامة الرِّيَاحيّ (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد الأسلميّ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي الصبح (مِنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) أي من ستين آيةً من القرآن إلى مائة آية.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وهو مختصر، وسيأتي للمصنّف مطوّلًا في "كتاب المساجد"، "باب استحباب التبكير بالصبح" برقم (٦٤٧) ويأتي شرحه مستوفًى، وبيان مسائله هناك -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ (^٢)، عَنْ أَبِي بَرْن الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحافظ الثقة المثبت الحجة العابد [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (خَالِدٌ الحذّاء) تقدَّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً) يعني أن أقلّ ما يقرؤه -ﷺ- في الصبح مقدار ستين آية، ثم يزيد بعده إلى أن يبلغ مائة آية.
قال الكرمانيّ -﵀-: كان القياس أن يقول: ما بين الستين والمائة؛ لأن لفظ "بين" يقتضي الدخول على متعدّد، قال: ويَحْتمل أن يكون التقدير: يقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحُذف لفظ "فوقها"؛ لدلالة الكلام عليه. انتهى (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٨] (٤٦٢) - (حَدَّثَنَا (^٤) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَقَدْ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "عن أبي منهال".
(٣) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٤.
(٤) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
ذَكَّرْتَني بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (^١) يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الفقيه، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الحجة المثبت، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٦ - (أُمُّ الفَضْلِ بِنْتُ الحَارِثِ) هي: لبابة -بتخفيف الموحّدة- بنت الحارث بن حَزْن -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي، بعدها نون- ابن بُجَير بن الْهَرِم بن رُويبة بن عبد اللَّه الهلالية، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين لأبويها، وأختهن أم حُفيدة، واسمها هُزَيلة بنت الحارث، ولهن أختان من أمهن: سَلْمى، وأسماء بنت عُميس، وأختهن لبابة أم خالد بن الوليد، وهي الكبرى، وقيل: الصغرى، واسمها عَصْماء، ويقال: بل عَصْماء أخت أخرى لهنّ.
رَوَت عن النبيّ -ﷺ-، وعنها ابناها: عبد اللَّه، وتَمّام، ومولاها عُمير بن الحارث، وأنس بن مالك، وقابوس بن أبي الْمُخارِق، وعبد اللَّه بن الحارث بن نَوْفل، وكُريب مولى ابن عباس.
قال ابن عبد البرّ: يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة (^٢)، وكان
_________________
(١) وفي نسخة: "من رسول اللَّه -ﷺ-".
(٢) واعترض هذا الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٨٨) فقال: والصحيح أخت عمر زوج =
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
النبيّ -ﷺ- يزورها، ويَقِيلُ عندها، وكانت من الْمُنْجِبات، وَلَدت للعبّاس ستّة رجال، لَمْ تَلِد امرأة مثلهم، وهم: الفضل، وبه كانت تُكنى، ويُكنى زوجها العبّاس أيضًا أبا الفضل، وعبد اللَّه الفقيه، وعبيد اللَّه، وقُثَم، ومَعْبَد، وعبد الرحمن، وأم حبيبة سابعةٌ، وفي أم الفضل يقول عبد اللَّه بن يزيد الهلاليّ [من الرجز]:
مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ … بِجَبَلٍ نَعْلَمُهُ أَوْ سَهْلِ
كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمُّ الْفَضْلِ … أَكْرِمْ بِهَا مِنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ
عَمِّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ذِي الْفَضْلِ … وَخَاتِمِ الرُّسْلِ وَخَيْرِ الرُّسْلِ
قال: وأخوات أم الفضل لأبيها وأمها: ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ -ﷺ-، ولبابة الصغرى، وعَصْماء، وعَزّة، وهُزَيلة، أخواتٌ لأب وأمّ، كلُّهُنّ بنات الحارث بن حَزْن الهلاليّ، وأخواتهنّ لأمهن: أسماء، وسَلْمى، وسلامة بنات عُمَيس الْخَثْعَميّات، وأخوهن لأمهنّ: مَحْمِية بن جَزْء الزُّبَيديّ، فهنّ ستّ أخوات لأب وأمّ، وتسع أخوات لأمّ، أمهنّ كلهنّ هند بنت عَوْف الكنانية، وقيل: الْحِمْيَريّة، وهي العجوز التي قيل فيها: أكرم الناس أصهارًا، وقد قيل: إن زينب بنت خُزيمة الهلالية أختهنّ لأمهنّ أيضًا.
ورَوَى الدَّرَاوَرْديّ عن إبراهيم بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس مرفوعًا: "الأخوات الأربعُ مؤمناتٌ: ميمونةُ بنت الحارث، وأم الفضل، وأسماء، وسَلْمى".
_________________
(١) = سعيد بن زيد؛ لما سيأتي في "المناقب" من حديثه: "لقد رأيتني، وعمرُ موثقي وأخته على الإسلام"، واسمها فاطمة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا وجه للاعتراض المذكور، فإن نصّ حديث سعيد بن زيد لا يدلّ على أن أخت عمر أول من أسلم من النساء بعد خديجة -﵂-، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل في مسجد الكوفة يقول: "واللَّه لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإسلام، قبل أن يسلم عمر. . . " الحديث، فليس في هذا النصّ دلالة على أنَّها قبل أم الفضل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
قال ابن حبان في "الصحابة": ماتت قبل زوجها العباس بن عبد المطلب في خلافة عثمان -﵃-.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٦٢)، وحديث (١١٢٣): "أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة. . . " وأعاده بعده، و(١٤٥١): "لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان"، وكرّره خمس مرّات.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، وشيخه نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عُبيد اللَّه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أمه.
٦ - (ومنها): أن فيه عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: إِنَّ أُمُّ الْفَضْلِ) لبابة (بِنْتَ الْحَارِثِ) الهلاليّة رمنها وفي رواية الترمذيّ: "عن أمه أم الفضل" (سَمِعَتْهُ) أي ابنَ عبّاس -﵄-، وفيه التفاتٌ من التكلّم إلى الغيبة؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: سمعتني، وإنما لم يقل: إن أمي؛ لشهرتها بذلك، قاله في "العمدة" (^١). (وَهُوَ يَقْرَأُ) الضمير لابن عبّاس -﵄-، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وفيه التفات أيضًا؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: وأنا أقرأ، وقوله: (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾) منصوب على أنه مفعول به لـ "يقرأ" محكيّ؛ لقصد
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦٧/ ٣٣ - ٣٤.
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
لفظه؛ أي يقرأ هذه السورة (فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ) تصغير "ابن" تصغير تلطّف وتعطّف (لَقَدْ) اللام هي الموطّئة للقسم؛ أي واللَّه لقد (ذَكَّرْتَنِي) بتشديد الكاف، فيه حذف المفعول الثاني لـ "ذَكّر" أي قراءة النبيّ -ﷺ-، وذكر الكرمانيّ في "شرح البخاريّ" أنه يُروى بتخفيف الكاف.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي ثبوت ما ذكره نظر؛ لأن ذَكَرَ المخفّف لا يناسب هنا، كما لا يخفي، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِقِرَاءَتِكَ) قال الكرمانيّ: ويُروى: "بقرآنك" (^١). (هَذِهِ السُّورَةَ) متعلّق "بقراءتك" على مختار البصريين؛ لقربه، أو بـ "ذكّرتني" على مختار الكوفيين؛ لتقدّمه، وإليه أشار ابن مالك -﵀- في "خلاصته" حيث قال:
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أهْلِ الْبَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ
(إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
وجملة "إنّ. . . إلخ" مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدَّر، فكأنه قال لها: أيّ شيء ذكّرتك؛، فقالت: إنها (لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "من رسول اللَّه -ﷺ-" (يَقْرَأُ بِهَا) أي بسورة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ "سمعت" على رأي من يقول: إنها من أخوات "ظنّ" (فِي الْمَغْرِبِ) أي في صلاة المغرب.
وقال الكرمانيّ -﵀-: قوله: "يقرأ بها" إما حال، وإما استئناف، وعلى الحال يَحْتَمل سماعها منه -ﷺ- القرآن بعد ذلك، وعلى الاستئناف لا يَحْتَمِل. انتهى (^٢).
[فإن قلت]: سيأتي في الرواية التالية من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ أن هذه الصلاة آخر صلوات النبيّ -ﷺ-، ولفظه: "ثم ما صلّى بعدُ حتى قبضه اللَّه -﷿-"، وقد ثبت في حديث عائشة -﵂- أن الصلاة التي صلّاها
_________________
(١) "شرح الكرمانيّ" ٥/ ١٢٨.
(٢) "شرح الكرمانيّ" ٥/ ١٢٨.
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
النبيّ -ﷺ- بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، فكيف يُجمع بينهما؟.
[قلت]: يُجمَع بأن الصلاة التي حَكَتها عائشة -﵂- كانت في مسجد النبيّ -ﷺ-، والصلاة التي حكتها أمّ الفضل كانت في بيته -ﷺ-، كما رواه النسائي: "صلّى بنا في بيته المغرب، فقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وما صلّى بعدها صلاةً حتى قبِضَ".
[فإن قلت]: يعكُرُ على هذا ما رَوَاه الترمذيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهريّ عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل، قالت: "خرج إلينا رسول اللَّه -ﷺ- "، وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلّى المغرب، فقرأ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فما صلّاها بعدُ حتى لقي اللَّه"، وقال: حديث حسن صحيح.
[قلت]: يمكن الجمع بأن يُحْمَل قولُها: "خَرَج إلينا" على أنه خرج من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى الحاضرين في البيت، فصلّى بهم، فيحصل الالتئام بذلك في الروايات، وللَّه الحمد والمنّة (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم الفضل -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٣٨ و١٠٣٩] (٤٦٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٦٣)، و"المغازي" (٤٤٢٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨١٠)، و(الترمذيّ) فيها (٣٠٨)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٦٨)، و(ابن ماجه) فيها (٨٣١)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٧٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٦٩٤) (١/ ٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٥٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٣٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٩ و٣٤٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥١٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه"
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٢٨٨، و"عمدة القاري" ٦/ ٣٤.
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
(١٨٣٢)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٦١ و١٧٦٢ و١٧٦٣ و١٧٦٤ و١٧٦٥)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٠١٩ و١٠٢٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٣٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: (ح) (^٢) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ في حَدِيثِ صَالِحٍ: ثُمَّ مَا صَلَّى بَعْدُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ -﷿-).
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ، عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو نصر الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا"، وفي أخرى: "وحدّثناه".
(٢) وفي نسخة: " (ح) قال" في المواضع الثلاثة.
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
٧ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [١٦] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٩ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
١٠ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، و"سفيان" هو: ابن عُيينة.
وقوله: (قال) قبل حاء التحويل في المواضع الثلاثة فاعله ضمير الراوي عن مسلم ﵀، فحاء التحويل، وما بعدها مقول القول، ووقع في بعض النسخ بتأخير "قال" عن الحاء.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) كلٌّ من الأربعة: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وصالح بن كيسان رووا عن الزهريّ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ الماضي، وهو: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عبّاس، عن أم الفضل -﵃-.
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ. . . إلخ) فاعل "زاد" ضمير الراوي؛ أي زاد الراوي، وهو إبراهيم بن سعد، عن صالح في حديثه. . . إلخ.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة التي أحالها المصنّف هنا على رواية مالك، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٧٥) فقال:
(١٧٦١) حدّثنا عليّ بن حرب، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث، أنها سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾. انتهى.
وأما رواية معمر، فقد ساقها أيضًا فيه، (١/ ٤٧٥) فقال:
(١٧٦٣) وحدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل، قالت: إن آخر ما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قرأ في المغرب بسورة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾. انتهى.
وأما رواية يونس، وصالح، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٠] (٤٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِالطُّوَرِ فِي الْمَغْرِبِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمر، وابن عباس، ومعاوية، وعبد اللَّه بن عَدي بن الحمراء.
ورَوَى عنه أولاده: عمر، وجَبْر، وسعيد، وإبراهيم، وسعد بن إبراهيم، والزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وقال: قال محمد بن عمر: تُوُفي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة. وقال البخاري: نسبه لي ابنُ أبي أويس، عن ابن إسحاق، قال: وكان أعلم قريش بأحاديثها، وقد كان أبوه من أنسب قريش لقريش، وللعرب قاطبةً. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة بن خياط وغيره: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذكر ابن سعد أنّ أبا مالك الْحِمْيري قال: رأيت نافع بن جبير يوم مات أخوه قد أَلْقَى رداءه وهو يمشي، وهذا يدل على أن محمدًا لم يبق إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، فإن نافعًا بقي بعده، ولم يدركها.
ولا يصح سماعه من عمر بن الخطاب، فإن الدارقطني نَصَّ على أن
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
حديثه عن عثمان مرسل. وقال له عبد الملك بن مروان: إني لأعرفك بالصدق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٤٦٣) و(١٢٢٠) و(٢٣٥٤) وأعاده بعده، و(٢٣٨٦) و(٢٥٥٦) وأعاده بعده.
٢ - (أَبُوهُ) جبير بن مطعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ، كان عارفًا بالأنساب، مات -﵁- سنة (٨ أو ٥٩) (ع) ١٠/ ٧٤٦.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي، والابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) وفي رواية ابن خزيمة من طريق سفيان، عن الزهريّ: "حدّثني محمد بن جبير" (عَنْ أَبِيهِ) -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِالطُّورِ) اختُلف في معناه، والأصحّ أنه الجبل الذي فيه الأشجار، قال الإمام ابن كثير -﵀-: الطور: هو الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثلُ الجبل الذي كلّم عليه موسي، وأرسل منه عيسى -﵇- وما لم يكن فيه شجر لا يُسمّى طُورًا، وإنما يقال له: جبل، قال: يُقسم اللَّه تعالى بمخلوقاته الدالّة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنه، انتهى بتصرّف (^١).
وقوله: "يقرأ" كذا هو في "الموطّأ"، بصيغة المضارع، وفي رواية
_________________
(١) راجع "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٠٧.
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
البخاريّ: "قرأ بالطور" بصيغة الماضي، وزاد البخاريّ في "الجهاد" من طريق محمد بن عمرو، عن الزهريّ: "وكان جاء في أسارى بدر"، ولابن حبان من طريق محمد بن عمرو، عن الزهريّ: "في فداء أهل بدر"، وزاد الإسماعيليّ من طريق معمر: "وهو يومئذ مشرك"، وللبخاريّ في "المغازي" من طريق معمر أيضاَّ فَي آخره: "قال: وذلك أولَ ما وَقَر الإيمان في قلبي"، وللطبرانيّ من رواية أسامة بن زيد، عن الزهريّ نحوه، وزاد: "فأخذني من قراءته الكرب"، ولسعيد بن منصور، عن هشيم، عن الزهريّ: "فكأنما صُدِعَ قلبي حين سمعت القرآن".
واستُدِلّ به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق، إذا أداه في حال العدالة، قاله في "الفتح" (^١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبًا قَدْ حَمَلَا … أَوْ فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمَلَا
يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهَرُ … لَا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ
تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا … قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
وقوله: (بِالطُّورِ) أي بسورة ﴿الطُّورِ﴾، وقال ابن الجوزيّ: يَحْتَمِل أن تكون الباء بمعنى "من"، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٦]، وفيه أنه سيأتي ما يدلّ على أنه قرأ السورة كلّها، فلا يصحّ معنى "من"، فتنبّه. (فِي الْمَغْرِبِ) أي في صلاة المغرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جبير بن مُطْعِم -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٠٤٠ و١٠٤١] (٤٦٣)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٦٥)، و"الجهاد" (٣٠٥٠)، و"المغازي" (٤٠٢٣)، و"التفسير"
_________________
(١) ٢/ ٢٩٠.
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
(٤٨٥٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨١١)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٦٩)، و(ابن ماجه) فيها (٨٣٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٧٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٤٦)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٦٩٢)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١٢/ ٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٣٣ و١٨٣٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٤٩١ و١٤٩٦ و١٤٩٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٦٦ و١٧٦٧ و١٧٦٨ و١٧٦٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٢١ و١٠٢٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٩٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة المغرب.
٢ - (ومنها): استحباب الجهر في قراءة صلاة المغرب، ولذا بوّب عليه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فإن أسرّ المصلّي فيها عمدًا، فقد أساء؛ لتركه السنّة، وإن كان سهوًا سجد سجدتي السهو.
٣ - (ومنها): مشروعيّة القراءة بسورة ﴿الطُّورَ﴾ في المغرب، وهو الراجح إذا لَمْ يشقّ على المأمومين، وقد كرهه الإمام مالك -﵀-.
قال الإمام الترمذيّ -﵀-: ذُكِر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال، نحو ﴿الطُّورَ﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وقال الشافعيّ: لا أكره ذلك، بل استحبّه، وكذا نقله البغويّ في "شرح السنة" عن الشافعيّ، والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهية في ذلك، ولا استحباب، وأما مالك فاعتَمَد العمل بالمدينة، بل وبغيرها.
قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: استَمَرَّ العمل على تطويل القراءة في الصبح، وتقصيرها في المغرب، والحقّ عندنا أن ما صَحَّ عن النبيّ -ﷺ- في ذلك، وثبتت مواظبته عليه، فهو مستحبّ، وما لم تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه. انتهى كلامه -﵀-.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن كلام الإمام ابن دقيق العيد -﵀- هذا، فهو عين التحقيق، والبحث العميق، فكلّ ما صحّ أنه -ﷺ- قرأه في صلاته فلنا أن نَتَّبِعه في ذلك طال أم قصُر، فإن كانت قراءته بالاستمرار، كقراءته سورتي السجدة والإنسان في حبح الجمعة، فنستمرّ عليه، وإن كانت قراءته أحيانًا، مثل ما ذكر في أحاديث هذا الباب، فنعمل به أحيانًا، مع مراعاة حال المؤمنين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الجمع بين الروايات المختلفة في قراءة النبيّ -ﷺ- في الصلاة:
قال الحافظ -﵀- في "الفتح": الأحاديث التي ذكرها البخاريّ في القراءة هنا ثلاثة، مختلفة المقادير؛ لأن "الأعراف" من السبع الطِّوال، و"الطور" من طوال المفصِّل، و"المرسلات" من أوساطه، وفي ابن حبان من حديث ابن عمر -﵄- أنه قرأ بهم في المغرب بـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال: ولم أر حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصَّل إلَّا حديثًا في ابن ماجه، عن ابن عمر، نَصَّ فيه على "الكافرون" و"الإخلاص"، ومثله لابن حبان، عن جابر بن سمرة -﵄-.
فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة، إلَّا أنه معلولٌ، قال الدارقطنيّ: أخطأ فيه بعض رواته.
وأما حديث جابر بن سمرة، ففيه سعيد بن سِمَاك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب.
قال: واعتَمَد بعض أصحابنا -يعني الشافعيّة- وغيرهم حديث سليمان بن يسار، عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول اللَّه -ﷺ- من فلان، قال سليمان: فكان يقرأ في الصبح بطِوَال المفصَّل، وفي المغرب بقصار المفصل. . . الحديث، أخرجه النسائيّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، لكن في الاستدلال به نظر (^١).
_________________
(١) قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي لا نظر فيه؛ لأنه ظاهر الدلالة، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٤٩١ ]
نعم حديث رافع الذي تقدم في المواقيت أنهم كانوا يَنْتَضِلون بعد صلاة المغرب، يدُلّ على تخفيف القراءة فيها.
قال: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه -ﷺ- كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، وليس في حديث جبير بن مطعم -﵁- دليل على أن ذلك تكرر منه.
وأما حديث زيد بن ثابت -﵁- (^١)، ففيه إشعار بذلك؛ لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبيّ -ﷺ- واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يُرِد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك، كما رآه من النبيّ -ﷺ-.
وفي حديث أم الفضل -﵄- إشعار بأنه -ﷺ- كان يقرأ في الصحة بأطول من ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾؛ لكونه كان في حال شدّة مرضه، وهو مظنة التخفيف.
قال: وهو يَرُدّ على أبي داود ادّعاء نسخ التطويل؛ لأنه رَوَى عقب حديث زيد بن ثابت -﵁- من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار، قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد -﵁-، ولم يبيّن وجه الدلالة، وكأنه لَمّا رأى عروة راوي الخبر عَمِل بخلافه حمله على أنه اطّلَع على ناسخه، ولا يخفى بُعْدُ هذا الحمل، وكيف تصح دعوى النسخ، وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلّاها بهم قرأ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾؟.
قال ابن خزيمة في "صحيحه": هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلّي أن يقرأ في المغرب، وفي الصلوات كلها بما أحبّ، إلَّا أنه إذا كان إمامًا استُحِبّ له أن يُخفِّف في القراءة، كما تقدم. انتهى.
قال الحافظ: وهذا أولى من قول القرطبيّ: ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استَقَرّ عليه التقصير أو عكسه، فهو متروكٌ. انتهى (^٢).
_________________
(١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: "ما لك تقرأ في المغرب بقصار؟ وقد سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ بطولى الطوليين".
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن خزيمة: حسنٌ جدًا.
وحاصله أن تُحمَل هذه الأحاديث المختلفة في قراءة النبيّ -ﷺ- في الصلاة على بيان إباحة كلّها، فيجوز للمصلّي أن يقرأ في حلواته كلّها بعد الفاتحة ما أحبّ من السور طِوَالها، وأوساطها، وقِصَارها، إلَّا أن يكون إمامًا، فيُستحبّ له التخفيف، كما أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، لكن يستحبّ له أن يداوم على تطويل ما أطال فيه النبيّ -ﷺ-، كالصبح، وسيأتي تمام البحث في هذا بعد باب -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ادَّعَى الطحاويّ أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة؛ لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدلّ لذلك بما رواه من طريق هشيم، عن الزهريّ، في حديث جبير، بلفظ: "فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ "، قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة في هذه الآية خاصة. انتهى.
قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي قوله: "خاصّة"، مع كون رواية هشيم، عن الزهريّ بخصوصها مُضَعَّفةً، بل جاء في روايات أخرى ما يدلّ على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاريّ في "التفسير": "سمعته يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الآيات إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي يطير"، ونحوه لقاسم بن أصبغ، وفي رواية أسامة، ومحمد بن عمرو المتقدمتين: "سمعته يقرأ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ "، ومثله لابن سعد، وزاد في أخرى: "فاستمعت قراءته، حتى خرجت من المسجد".
ثم ادَّعَى الطحاويّ أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت، وكذا أبداه الخطابيّ احتمالًا، وفيه نظرٌ؛ لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لَمَا كان لإنكار زيد معنى.
وقد رَوَى حديث زيد هشامُ بن عروة، عن أبيه، عنه أنه قال لمروان: "إنك لَتُخِفُّ القراءة في الركعتين من المغرب، فواللَّه لقد كان رسول اللَّه -ﷺ-
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
يقرأ فيها بـ "سورة الأعراف" في الركعتين جميعًا"، أخرجه ابن خزيمة، واختُلِف على هشام في صحابيه، والمحفوظ عن عروة أنه زيد بن ثابت، وقال أكثر الرواة: عن هشام، عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، وقيل: عن عائشة، أخرجه النسائيّ مقتصرًا على المتن دون القصة.
واستَدَلّ به الخطابي وغيره على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، وفيه نظر؛ لأن من قال: إن لها وقتًا واحدًا لم يحدّه بقراءة معينة، بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس، وله أن يَمُدّ القراءة فيها، ولو غاب الشفق.
واستَشْكَل المحب الطبريّ إطلاق هذا، وحمله الخطابيّ قبله على أنه يُوقِع ركعةً في أول الوقت، ويديم الباقي، ولو غاب الشفق، ولا يخفى ما فيه؛ لأن تعمّد إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوع ولو أجزأت، فلا يُحْمَل ما ثبت عن النبيّ -ﷺ- على ذلك.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": اختُلِف في المراد بالْمُفَصَّل مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن، هل هو من أول "الصافات"، أو "الجاثية"، أو "القتال"، أو "الفتح"، أو "الحجرات"، أو "ق"، أو "الصف"، أو "تبارك"، أو "سَبِّح"، أو "الضحى" إلى آخر القرآن؟ أقوالٌ، أكثرها مُسْتَغْرَبٌ، اقتَصَر في "شرح المهذَّب" على أربعة من الأوائل، سوى الأول، والرابع، وحَكَى الأول والسابع والثامن ابن أبي الصيف اليمنيّ، وحَكَى الرابع والثامن الدزمازيّ (^١) في "شرح التنبيه"، وحَكَى التاسع المرزوقيّ في "شرحه"، وحَكَى الخطابيّ والماورديّ العاشر.
والراجح "الحجرات"، ذكره النوويّ، ونَقَل المحب الطبريّ قولًا شاذًّا أن المفصَّل جميع القرآن.
_________________
(١) ضبط هذا الاسم في "تاج العروس شرح القاموس" ٤/ ٣٦ بالدال المهملة، وزايين، بينهما ميم وألف، وردّ على صاحب "القاموس" حيث ضبطه بالذال المعجمة، ثم راء، والآخرة زاي، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا رجّح "الحجرات" في "الفتح"، ولم يذكر مستنده، والحقّ أنه ﴿ق﴾، كما سيأتي بيانه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وأما ما أخرجه الطحاويّ من طريق زُرَارة بن أوفى، قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر إليه: "اقرأ في المغرب آخر المفصَّل، وآخر المفصَّل من ﴿لَمْ يَكُن﴾ إلى آخر القرآن"، فليس تفسيرًا للمفصَّل، بل لآخره، فدَلَّ على أن أوله قبل ذلك. انتهى ما في "الفتح"، وهو تحقيقٌ نفيش.
ثمّ رأيت للحافظ ابن كثير -﵀- بحثًا رجّح فيه كون أول المفصّل ﴿ق﴾، ودونك نصّه:
قال -﵀-: سورة ﴿ق﴾ هذه السورة هي أول الحزب المفصَّل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، وأما ما يقوله العوامّ: إنه من ﴿عَمَّ﴾ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم.
قال: والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصّل ما رواه الإمام أحمد، قال:
(١٨٥٤٢) - حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس الثقفيّ، عن جدّه أوس بن حُذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول اللَّه -ﷺ- أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلينا، فلا يَبرح يحدّثنا، ويشتكي قريشًا، ويشتكي أهل مكة، ثم يقول: "لا سواء، كنا بمكة مستذلين، أو مستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سِجال الحرب علينا ولنا"، فمكث عنا ليلةً لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول اللَّه؟ قال: "طرأ عني حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه"، فسألنا أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تُحَزِّبون القرآن؟، قالوا: نُحَزِّبه ستَّ سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورةً، وثلاث عشرة سورةً، وحزب المفصّل، من ﴿ق﴾ حتى تختم. انتهى.
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
قال ابن كثير -﵀-: إذا عُلِم هذا، فإذا عددت ثمانيًا وأربعين سورة، فالتي بعدهن سورة ﴿ق﴾، بيانه: ثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء، وخمس: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءةُ، وسبع: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحِجْر، والنحل، وتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحجّ، والمؤمنون، والنور، والفرقان، وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، وثلاث عشرة: الصافات، وص، والزُّمَر، وغافر، وحم السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات، ثم بعد ذلك الحزب المفصَّل، كما قاله الصحابة -﵃-، فتعيّن أن أوله سورةُ ﴿ق﴾، وهو الذي قلناه، وللَّه الحمد والمنة. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن كثير -﵀- من ترجيح كون المفصّل من سورة ﴿ق﴾ هو الحقّ؛ للحديث المذكور، وهو حديث حسنٌ، وضعّفه بعضهم (^٢)؛ لضعف عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، والجواب عن هذا:
أما عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، فقد روى عنه جمع كثير، ووثقه ابن المدينيّ، والعجليّ، وابن حبّان، وقال ابن معين: صالح، وفي رواية عنه: ليس به بأس، وقال البخاريّ: مقارب الحديث (^٣)، وقال ابن عديّ: أحاديثه
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٢١.
(٢) هو الشيخ الألبانيّ -﵀-، أورده في "ضعيف أبي داود" رقم (٢٩٧).
(٣) وأما قوله في "تت": وقال البخاريّ: فيه نظر، فقد خطّأه بعضهم، وقال: إنما قال ذلك بإثر حديث: "لا تتخذوا أصحابي غرضًا"، فقوله: "فيه نظر" للحديث، وليس للراوي، انظر: "التاريخ الكبير" (٥/ ١٣١)، و"الكامل" لابن عديّ (٤/ ١٤٨٤). ونقل الترمذيّ في "العلل الكبير" (ص ٢٨٨) عن البخاريّ أنه مقارب الحديث. انتهى. انظر: هامش "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٧٥.
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه، وقال الدارقطنيّ: يعتبر به، وتكلّم فيه غيرهم.
وخلاصة القول فيه أنه حسن الحديث.
وأما عثمان بن عبد اللَّه بن أوس، فالحقّ أيضًا أنه حسن الحديث، فقد روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ: محلّه الصدق، وحديث مثله يكون حسنًا بلا ريب.
والحاصل أن الحديث حسنٌ، فيُستفاد منه أن أرجح الأقوال في المفصّل قول من قال: إنه من ﴿ق﴾ إلى آخر السورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[فائدة]: رمز بعضهم لتحزيب القرآن المذكور بقوله: "فَمِي بِشَوْق"، فالفاء لـ "الفاتحة"، والميم لـ "المائدة"، والياء لـ "يونس"، والباء لـ "بني إسرائيل"، والشين لـ "الشعراء"، والواو لـ "الصافّات"، والقاف لـ ﴿ق﴾.
والمعنى أن ابتداء الحزب الأول من "الفاتحة"، والثاني من "المائدة"، والثالث من "يونس"، والرابع من "بني إسرائيل"، والخامس من "الشعراء"، والسادس من "الصافّات"، والسابع من ﴿ق﴾، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: (ح) (^١) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: بتأخير "قال" على الحاء في الموضعين.
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
رجال هذا الإسناد: أحد عشر: وكلهم تقدّموا قبل حديث، وزهير بن حرب تقدّم في الباب، و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي هؤلاء الثلاثة: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد رووه عن الزهريّ.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الزهري الماضي، وهو: محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه -﵁-، مثل متنه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٦١٣٥) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه "سمع النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بالطور". انتهى.
وساقها الإمام البخاريّ -﵀- أيضًا في "صحيحه"، فقال:
(٤٨٥٤) حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، قال: حدّثوني عن الزهريّ، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه -﵁- قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغِ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ قال: كاد قلبي أن يطير، قال سفيان: فأما أنا، فإنما سمعت الزهريّ يُحَدِّث عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿الطُّورَ﴾، ولم أسمعه زاد الذي قالوا لي. انتهى.
وأما رواية معمر، فساقها البخاريّ -﵀- أيضًا في "صحيحه"، فقال:
(٣٠٥٠) حدَّثني محمود (^١)، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن محمد بن جبير، عن أبيه، وكان جاء في أسارى بدر، قال: "سمعت النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿الطُّورَ﴾ ". انتهى.
_________________
(١) هو ابن غيلان.
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
وأما رواية يونس، فساقها الطبرانيّ -﵀- في "المعجم الكبير" (٢/ ١١٦) مقرونًا فقال:
(١٤٩٧) حدّثنا أحمد بن رِشْدين المصريّ، ثنا يوسف بن عديّ، ثنا رِشْدين بن سعد، عن قُزة، وعُقيل، ويونس، عن الزهريّ، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء العاشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى، والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الأحد المبارك ١٨/ ٦/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٤/ يوليو - تموز/ ٢٠٠٥ م.
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الحادي عشر مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابُ القِراءَةِ في العِشَاءِ) رقم الحديث [١٠٤٢] (٤٦٤).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة العشاء ١٩/ ٦/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الحادي عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه اللَّه تعالى.