وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٢] (٤٦٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَقَرَأَ في إِحْدَى الرَّكعَتَيْنِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾) (^١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان الْعَنْبَرِيّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، ذُكر في الباب الماضي.
٤ - (عَدِيّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٥ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات -﵁- سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) وفي نسخة: "بالتين والزيتون".
[ ١١ / ٥ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، إلَّا الصحابيّ، فمدنيّ، ثم كوفيّ -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيٍّ) الأنصاريّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازب -﵄- (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) فيه جواز قول: "العشاء الآخرة"؛ خلافًا لمن كرهه.، وفي رواية الإسماعيليّ: "فصلّى العشاء ركعتين" (فَقَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ) هي الركعة الأولى، كما بيّنه النسائيّ من طريق يزيد بن زُريع، عن شُعبة، عن البراء بن عازب -﵄- قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فقرأ في العشاء في الركعة الأولى. . . "، وقوله: (﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾) مفعول به لـ "قرأ" محكيّ؛ لقصد لفظه، وفي نسخة: بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾؛ أي قرأ تمام هذه السورة، وإنما قرأ في العشاء بقصار المفضَل؛ لكونه مسافرًا، والسفر يُطلب فيه التخفيف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٠٤٢ و١٠٤٣ و١٠٤٤] (٤٦٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٦٧ و٧٦٩)، و"التفسير" (٤٩٥٢)، و"التوحيد" (٧٥٤٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٢٢١)، و(الترمذيّ) فيها (٣١٥)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٧٣)، و(ابن ماجه) فيها (٨٣٤ و٨٣٥)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٧٩)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٣)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٠٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٣٥٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٦ و٣٥٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٢٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٢٣ و١٠٢٤ و١٠٢٥)،
[ ١١ / ٦ ]
و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءِ، فَقَرَأَ بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جميل بن طَرِيف الثّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وتقدّم الكلام على الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ٧ ]
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام الحافظ المشهور تقدّم في الباب الماضي، وكذا الباقيان ذكرا في السند الماضى.
وقوله: (فَمَا سَمِعْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ) فيه أنه -ﷺ- كان حسن الصوت، وقد أخرج الترمذيّ في "الشمائل"، عن قتادة، قال: "ما بعث اللَّه نبيًا إلَّا حسن الصوت"، وزاد قوله: "وكان نبيكم حسن الوجه، حسن الصوت".
قال الحافظ العراقيّ -﵀- في "تخريج أحاديث الإحياء": ورويناه متصلًا في "الغيلانيات"، من رواية قتادة، عن أنس، والصواب الأول، قاله الدارقطنيّ، ورواه ابن مردويه في "التفسير" من حديث علي بن أبي طالب -﵁-، وطرقه كلها ضعيفة. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٥] (٤٦٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَأْتِي، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ، فَأَمُّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" (^٢)، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ، وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى (^٣)، فَافْتَتَحَ بـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" (^٤)، فَأَقَبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- على مُعَاذٍ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ أفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا". قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابرٍ، أَنَّهُ قَالَ: "اقْرَأْ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، فَقَالَ عَمْرٌو: نَحْوَ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
_________________
(١) "المغني عن حمل الأسفار" ١/ ٥٦٥.
(٢) وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة".
(٣) وفي نسخة: "ثم أتانا".
(٤) وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة".
[ ١١ / ٨ ]
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٥٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، وجابر -﵁- ممن نزل مكة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ) الْجُمحيّ المكيّ -﵀-.
[تنبيه]: (اعلم): أن هذا الحديث رواه عن جابر -﵁- عمرو بن دينار، وأبو الزبير، ومُحارب بن دِثَار، وعبيد اللَّه بن مِقْسَم، فأما رواية عمرو فأخرجها المصنّف -﵀- هنا عن سفيان بن عيينة، والبخاريّ عن شعبة، وفي "الأدب" له عن سَلِيم بن حَيّان، وثلاثتهم عن جابر -﵁-.
وأما رواية أبي الزبير فهي الرواية التالية للمصنّف.
وأما رواية مُحارب بن دثار، فهي عند البخاريّ، وهي أيضًا عند النسائي مقرونةً بأبي صالح.
وأما رواية عبيد اللَّه، فهي عند ابن خزيمة، وله طُرُق أخرى غير هذه، قد تتبع الحافظ -﵀- في "الفتح" ما يُحتاج إليه منها معزوًّا، وسأُلَخّص ذلك هنا -إن شاء اللَّه تعالى- قال: وإنما قدّمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليها (^١).
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه -﵄-، أنه (قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ) بن جبل بن عمرو بن
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٢٦.
[ ١١ / ٩ ]
أوس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ المشهور، شَهِد بدرًا، وما بعدها، وكان إليه الْمُنتَهَى في العلم بالأحكام، والقراءات، مات -﵁- بالشام سنة (١٨) تقدّم في الإيمان ٧/ ١٣٠. (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) بيّن الصلاة في الرواية الآتية من طريق منصور، عن عمرو، ولفظه: "كان يصلّي مع رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة"، قال الحافظ: فكأن العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرّتين. انتهى. (ثُمَّ يَأْتِي) وفي رواية منصور المذكورة: "ثم يرجع إلى قومه" (فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) في رواية منصور: "فيُصلّي بهم تلك الصلاة"، وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبيّ -ﷺ- غير الصلاة التي كان يصلّيها بقومه، وفي رواية الحميديّ عن ابن عيينة: "ثم يرجع إلى بني سَلِمة، فيصلِّيها بهم"، ولا مخالفة فيه؛ لأن قومه هم بنو سَلِمة، وفي رواية الشافعي عنه: "ثم يرجع فيصلّيها بقومه في بني سَلِمة"، ولأحمد: "ثم يرجع فيؤمنا" (فَصَلَّى) أي معاذ (لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْعِشَاءَ) أي صلاة العشاء الآخرة (ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ) أي وهم بنو سَلِمة -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- (فَأَمَّهُمْ) أي في تلك الصلاة، كما بيّنته رواية منصور المذكورة، وفي رواية البخاريّ: "فصلّى العشاء"، قال في "الفتح": كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة، والطحاويّ، من طريق مُحَارب: "صلّى بأصحابه المغرب"، وكذا لعبد الرزاق، من رواية أبي الزبير، فإن حُمِل على تعدد القصة، كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ، وإلا فما في الصحيح أصحِّ. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ.
(فَافْتَتَحَ بِـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ") وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة"؛ أي ابتدأ في قراءة "سورة البقرة" بعد قراءة الفاتحة، وإنما ترك ذكرها؛ لكونها معلومة مشهورة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "فقرأ بالبقرة"، ولا دليل يُستَدَل به على من يكره أن يقول البقرة، بل يقول سورة البقرة؛ لأن هذا من تصرّف الرواة.
وفي رواية مُحارب: "فقرأ بسورة البقرة، أو النساء" على الشكّ، وللسّرّاج من رواية مِسعر، عن محارب: "فقرأ بالبقرة والنساء"، قال الحافظ:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٢٧.
[ ١١ / ١٠ ]
كذا رأيته بخط الزكيّ البرزاليّ بالواو، فإن كان ضَبَطَه احْتَمَل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء.
ووقع عند أحمد من حديث بُريدة بإسناد قويّ: "فقرأ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] "، وهي شاذّةٌ، إلَّا إن حُمِل على التعدد.
(فَانْحَرَفَ رَجُلٌ) أي مال عن الصفّ، وخرج منه، يقال: انحرف عن كذا: مال عنه، قاله الفيّومي -﵀- (^١).
[فإن قلت]: كان حقّه أن يقول: فسلّم رجل، فانحرف؛ لأن الانحراف يكون بعد السلام.
[قلت]: يُجاب عنه بأن المعنى: أراد الانحراف، فسلّم.
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "فانصرف الرجل" بالتعريف، واللام فيه للعهد الذهنيّ، ويحتمل أن يراد به الجنس، فكأنه قال: واحد من الرجال؛ لأن المعرَّف تعريف الجنس كالنكرة في مؤدَّاه.
[تنبيه]: قال في "الفتح": لَمْ يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، لكن رَوَى أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، والبزار، من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: "مَرَّ حَزْم بن أُبَيّ بن كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلّي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له. . . " الحديث، قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلَّا ابن جابر. انتهى.
وقد رواه أبو داود في "السنن" من وجه آخر، عن طالب، فجعله عن ابن جابر، عن حَزْم صاحبِ القصة، وابن جابر لَمْ يُدرك حَزْمًا، ووقع عنده "صلاة المغرب" وهو نحو ما تقدم من الاختلاف في رواية مُحارب.
ورواه ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، فسماه حازمًا، وكأنه صَحَّفه، أخرجه ابن شاهين من طريقه.
ورواه أحمد، والنسائيّ، وأبو يعلي، وابن السكن بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، قال: "كان معاذ يؤم قومه، فدَخَل حَرَام،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٠.
[ ١١ / ١١ ]
وهو يريد أن يَسْقِي نخله. . . "، الحديث، كذا فيه براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حَرَام بن مِلْحان، خالُ أنس، وبذلك جزم الخطيب في "المبهمات"، قال الحافظ: لكن لَمْ أره منسوبًا في الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون تصحيفًا من حَزْم، فتجتمع هذه الروايات، وإلى ذلك يومئ صنيع ابن عبد البرّ، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أُبَيّ بن كعب، وذكر له هذه القصة، وعزا تسميته لرواية عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بَنَى على أن اسمه تصحَّف، والأب واحد، سماه جابر، ولم يسمه أنس.
وجاء في تسميته قول آخر، أخرجه أحمد أيضًا، من رواية مُعاذ بن رِفاعة، عن رجل من بني سَلِمة، يقال له: سُليم، أنه أتى النبيّ -ﷺ-، فقال: "يا نبي اللَّه إنّا نَظَلّ في أعمالنا، فنأتي حين نُمسِي، فنصلّي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادى بالصلاة، فنأتيه، فيطوّل علينا. . . " الحديث، وفيه أنه استُشْهِد بأُحد، وهذا مرسلٌ؛ لأن معاذ بن رِفاعة لَمْ يدركه.
وقد رواه الطحاويّ، والطبرانيّ، من هذا الوجه، عن معاذ بن رِفاعة، أن رجلًا من بني سَلِمة، فذكره مرسلًا.
ورواه البزار، من وجه آخر، عن جابر، وسَمّاه سُليمًا أيضًا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه، أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام- وكأنه تصحيف، واللَّه تعالى أعلم.
وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأَيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة، هل هي العشاء، أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة، هل هي "البقرة"، أو "اقتربت"؟ وبالاختلاف في عُذْر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط؛ لكونه جاء من العمل، وهو تَعْبَان، أو لكونه أراد أن يَسْقِي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل، كما في حديث بُريدة؟.
واستشكل هذا الجمع؛ لأنه لا يُظَنّ بمعاذ -﵁- أنه -ﷺ- يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل.
ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أَوّلًا بالبقرة، فلما نهاه قرأ "اقتربت"، وهي طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره أن يقرأ بها، كما سيأتي.
[ ١١ / ١٢ ]
ويَحْتَمل أن يكون النهي أَوّلًا وَقَع لما يُخشَى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنّت نفوسهم بالإسلام، ظَنّ أن المانع زال، فقرأ بـ "اقتربت"؛ لأنه سمع النبيّ -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ "الطور"، فصادف صاحب الشغل.
وجَمَع النوويّ باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بـ "البقرة"، فانصرف رجل، ثم قرأ "اقتربت" في الثانية فانصرف آخر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما جَمع به النوويّ -﵀- أظهر، وأقرب، وحاصله أن الواقعتين حصلتا قبل أن ينهاه النبيّ -ﷺ-، ثم لَمّا رفع الرجلان في وقت واحد، أو متقارب، نهاه -ﷺ-، عن التطويل، وأمره بقراءة السور التي ذكرها له؛ وأما الحمل على التعدّد مع تخلّل النهي له فبعيد؛ لأن معاذًا -﵁- من أفقه الصحابة -﵃-، فلا يُظنّ به أن يخالف ما أمره -ﷺ- من القراءة بالسور التي ذكرها، أو نحوها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
ووقع في رواية أبي الزبير التالية للمصنّف: "فانطلق رجلٌ منّا"، وهذا يَدُلّ على أنه كان من بني سَلِمة، ويُقَوي رواية من سماه سُلَيمًا، قاله الحافظ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لَمْ يظهر لي وجه التقوية على تسميته سليمًا، فلا مناسبة بين كونه من بني سلمة وتسميته سُليمًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَلَّمَ) أي تسليم الخروج من الصلاة (ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ) أي استأنف الصلاة بعد قطعها بالسلام، وأتمّها منفردًا، هذا هو الظاهر الذي يدلّ عليه قوله: "فسلّم"، فلا يكون حجة لمن قال: إنه فارق بالنيّة، وأتمّ بلا استئناف؛ لأن التسليم ينافي ذلك، لكن لو قيل: إذا كان قطع الصلاة، واستئنافها جائزًا، فالمفارقة بالنيّة، وإكمالها منفردًا يجوز من باب أولى لا يبعد، واللَّه تعالى أعلم.
(وَانْصَرَفَ) أي خرج من المسجد إلى بيته، أو إلى محلّ حاجته، ووقع في رواية سَلِيم بن حَيّان: "فتَجوَّز رجل، فصلّى صلاة خفيفةً".
ثم إن رواية المصنّف ظاهرة في أنه قَطَع الصلاة، لكن ذكر البيهقيّ أن محمد بن عَبّاد شيخ مسلم، تفرد عن ابن عيينة بقوله: "ثم سَلَّم"، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا مِن أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من
[ ١١ / ١٣ ]
أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه فَهِمَ أن هذه اللفظة تدلّ على أن الرجل قطع الصلاة؛ لأن السلام يُتَحَلَّل به من الصلاة، وسائرُ الروايات تدلّ على أنه قَطَع القُدْوة فقط، ولم يَخْرُج من الصلاة، بل استَمَرّ فيها منفردًا.
قال الرافعيّ في "شرح المسند" -في الكلام على رواية الشافعيّ عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتَنَحَّى رجلٌ مِن خَلْفِه، فصلَّى وحده"-: هذا يَحْتَمِل من جهة اللفظ أنه قَطَع الصلاة، وتَنَحَّى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يُقْطَع بعد الشروع فيه. انتهى.
ولهذا استَدَلّ به الشافعية، على أن للمأموم أن يقطع القُدْوة، ويُتِمّ صلاته منفردًا.
ونازع النوويّ فيه، فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سَلَّم دليلٌ على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدُلّ على جواز قطع الصلاة، وإبطالها لعذر (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله النوويّ -﵀- هو الأرجح؛ لوضوح حجته، وهو الذي مال إليه النسائيّ حيث بوّب بقوله: "خروجُ الرجل من صلاة الإمام، وفراغُهُ من صلاته في ناحية المسجد"، ثم أورد حديث الباب، وفيه: "فانصرف الرجل، فصلّى في ناحية المسجد"، وهو ظاهر في كونه قطع الصلاة، واستأنفها لنفسه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالُوا) أي أصحاب معاذ (لَهُ) أي لذلك الرجل الذي قطع الائتمام به، وصلّى منفردًا (أَنَافَقْتَ) أي أصرت منافقًا، أو شابهتهم؟ وأصل النفاق مشتق من النّفَق، بفتحتين، وهو سَرَبٌ في الأرض، يكون له مخرجٌ من موضع آخر، يقال: نافق الْيَرْبُوعُ: إذا أَتَى النافِقَاء، ومنه قيل: نافق الرجلُ: إذا أظهر الإسلام لأهله، وأضمر غير الإسلام، وأتاه مع أهله، فقد خرج منه بذلك، ومحل النفاق القلبُ، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "أنافقت": أي فعلتَ ما يفعله المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف في الصلاة، كما وصفهم اللَّه تعالى
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٢٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٨.
[ ١١ / ١٤ ]
بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، قالوه تشديدًا وتغليظًا. انتهى (^١).
(يَا فُلَانُ) كناية عن اسم الرجل، وإنما كنوا عنه سترًا له، وفي رواية أبي الزبير التالية: "فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق"، وفي رواية سَلِيم بن حَيّان: "فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق"، وفي رواية البخاريّ: "فكان معاذ تناول منه"، أي ذكره بسوء، وهو قوله: إنه منافقٌ.
ويوفّق بين الروايتين بأن معاذًا قال ذلك أَوّلًا، ثم قاله أصحاب معاذ للرجل.
(قَالَ) الرجل (لَا) أي لم أنافق (وَاللَّهِ) إنما أقسم تأكيدًا لنفيه، وقوله: (وَلَآتِيَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) إما معطوف على جواب القسم؛ أي واللَّه لا أنافق، ولآتينّ رسول اللَّه -ﷺ-، وإما إنشاء قسم آخر، والمقسم به مقدَّر؛ أي واللَّه لآتينّه -ﷺ-.
(فَلَأُخْبِرَنَّهُ) أي قول معاذ له: إنه منافق، وفي رواية أبي الزبير التالية: "فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبره ما قال معاذ"، وفي رواية النسائيّ: "فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرنّ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فذكر ذلك له، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول اللَّه، عَمِلتُ على ناضح لي. . . "، فذكر الحديث، وكان معاذًا سبقه بالشكوي، فلما أرسل إليه جاء، فاشتكى من معاذ.
(فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (أَصْحَابُ نَوَاضِحَ) جمع ناضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها الماء، قال الفيّوميّ -﵀-: نَضَحَ البعيرُ الماء، من بابي ضَرَبَ، ونَفَعَ: حَمَله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمِّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ الْعَطَشَ؛ أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يَحْمِله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يَحْمِل الماء. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٠٢ - ١٠٠٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠.
[ ١١ / ١٥ ]
(نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ) أي نكدّ فيه بعمل الزراعة، وسقي النخيل بالنواضح؛ لأمر المعاش، وأراد الرجل بذلك الاعتذار إلى النبيّ -ﷺ- بأنه صاحب عَمَل وتعبٍ شديد في النهار، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة.
وفي رواية للنسائيّ: "فأتى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، إن معاذًا يصلّي معك، ثم يأتينا فيؤمّنا، وإنك أخّرت الصلاة البارحة، فصلّى معك، ثم رجع فأمّنا، فاستفتح بـ "سورة البقرة"، فلما سمعت ذلك تأخّرت، فصلّيتُ، وإنما نحن أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا".
وفي رواية: "عملتُ على ناضحي من النهار، فجئت، وقد أُقيمت الصلاة، فدخلت المسجد، فدخلت معه في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا، فطوّل، فانصرفتُ، فصلّيتُ في ناحية المسجد".
(وَإِن مُعَاذًا) بكسر همزة "إن" عطفًا على "إن" الأولى (صلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى) وفي نسخة: "ثم أتانا" (فَافْتَتَحَ بـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ") وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن معاذًا -﵁- أراد أن يقرأها كلّها في تلك الصلاة، ويَحْتَمِل أنه أراد أن يقرأ بعضها، ويركع، فتوهّم الرجل أنه أراد إتمامها، فقطع صلاته، فعاتبه رسول اللَّه -ﷺ- على إيهامه ذلك، فإنه سبب للتنفير.
لكن يُبعد هذا الاحتمال إنكاره -ﷺ-، وتوبيخه على ذلك؛ إذ لو أراد أن يقرأ بعضها، لبيّن للنبيّ -ﷺ- ذلك، فعذره، وترك تعنيفه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مُعَاذٍ، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ) خطاب عتاب (أفَتَّانٌ أَنْتَ؟) مبتدأ وخبر، والهمزة للاستفهام الإنكاريّ والتوبيخيّ؛ أي أنت منفّرٌ عن الدين، وصادٌّ عنه، يعني أنه لا ينبغي، ولا يجوز لك ذلك.
وفي رواية أبي الزبير التالية: "أتريد أن تكون فتّانًا يا معاذ؟ "، وفي رواية النسائيّ: "أفتّانٌ يا معاذ، أفتّانٌ يا معاذ، أفتّانٌ يا معاذ؟ " بالتكرار ثلاثًا بالرفع، وفي "الكبرى" له: "أفتّانًا يا معاذ؟ " بالتكرار ثلاثًا، والنصب، ولأحمد في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدم: "يا معاذُ لا تكن فاتنًا"، وزاد في حديث أنس: "لا تُطَوّل بهم".
[ ١١ / ١٦ ]
ومعنى الفتنة ها هنا أن التطويل يكون سببأ لخروجهم من الصلاة، وللتكرُّه للصلاة في الجماعة.
ورَوَى البيهقيّ في "الشعب" بإسناد صحيح عن عمر -﵁- قال: "لا تبغضوا اللَّهَ إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا، فيُطَوِّل على القوم الصلاة، حتى يُبَغِّضَ إليهم ما هم فيه".
وقال الداوديّ: يَحْتَمِل أن يريد بقوله: "فَتّان"؛ أي معذِّب؛ لأنه عذَّبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عذَّبوهم.
(اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا"، قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (فَقُلْتُ لِعَمْرٍو) أي ابن دينار (إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم المكيّ (حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ) -﵁- (أَنَّهُ قَالَ: "اقْرَأَ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، زاد في رواية البخاريّ، من طريق الحميديّ، عن ابن عيينة مع الثلاثة الأُوَل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، وفي رواية الليث، عن أبي الزبير التالية هنا: "فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ ".
(فَقَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار: (نَحْوَ هَذَا) أي نحو ما ذكره أبو الزبير، وفي رواية البخاريّ: "وأمره بسورتين من أوسط المفصل، قال عمرو: لا أحفظهما"، أي قال عمرو بن دينار: لا أحفظ السورتين اللتين أمره أن يقرأ بهما، وكأنه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سَلِيم بن حَيّان، عن عمرو: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ونحوها"، وقد تقدّم الخلاف في المراد بالمفصَّل، وصحح في "الفتح" أنه من أول ﴿ق﴾ إلى آخر القرآن.
وقوله: "أوسط" يَحْتَمِل أن يريد به المتوسط، والسورُ التي مَثَّلَ بها من قصار المتوسط، ويَحْتَمِل أن يريد به المعتَدِل، أي المناسب للحال من المفصَّل، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) ٢/ ٢٢٩.
[ ١١ / ١٧ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٠٤٥ و١٠٤٦ و١٠٤٧ و١٠٤٨] (٤٦٥)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٠ و٧٠١ و٧١١)، و"الأدب" (٦١٠٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٩٩ و٦٠٠ و٧٩٠)، و(الترمذيّ) (٥٨٣)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (٨٣٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٩٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٤٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٢٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٨ و٣٦٩)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٤ و١٨٤٠)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢١٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٧٤ و١٧٧٥ و١٧٧٦ و١٧٧٧ و١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٢٦ و١٠٢٧ و١٠٢٨ و١٠٢٩)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٢٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة العشاء، وهو مجمع عليه.
٢ - (ومنها): جواز صلاة المفترض خلف المتنفِّل؛ لأن معاذًا -﵁- كان يصلي الفريضة مع رسول اللَّه -ﷺ-، فيُسْقِط فرضه، ثم يصلِّي مرةً ثانيةً بقومه، هي له تطوع، ولهم فريضة، وقد جاء هكذا مُصَرَّحًا به في غير مسلم، وهذا جائز عند الشافعي -﵀- وآخرين، ولم يُجِزه ربيعة، ومالك، وأبو حنيفة، والكوفيون رحمهم اللَّه تعالى، وتأولوا حديث معاذ -﵁- على أنه كان يصلّي مع النبيّ -ﷺ- تنفلًا، ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبيّ -ﷺ-، ومنهم من قال: حديث معاذ كان في أول الأمر، ثم نُسِخ، قال النوويّ: وكلُّ هذه التأويلات دعاوي لا أصل لها، فلا يُتْرَك ظاهر الحديث بها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- هو الحقّ، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): جواز خروج المأموم عن صلاة الإمام، وصلاته منفردًا
[ ١١ / ١٨ ]
لعذر، وأما بغير عذر فاستَدَلّ به بعضهم، وتُعُقِّب، وقال ابن المنير: لو كان كذلك لَمْ يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدةٌ، وفيه نظر؛ لأن فائدة اللأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز الصلاة منفردًا، وهذا كما استَدَلّ بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحو هذا النظر، قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ -﵀-: استَدَلّ أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة، ويُتِمّ صلاته منفردًا، وإن لَمْ يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا، والثالث يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وعلى هذا: العُذر هو ما يَسْقُط به عنه الجماعة ابتداءً، ويُعْذَر في التخلف عنها بسببه، وتطويل القراءة عذر على الأصح؛ لقصة معاذ -﵁-.
قال: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية الأولى أنه سَلَّم، وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة، وإنما يدُلّ على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر، واللَّه أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح أنه يجوز قطع الاقتداء، والصلاة وحده لعذر؛ لحديث قصّة معاذ -﵁-، حيث أقرّ النبيّ -ﷺ- الرجل الذي قطع الاقتداء به، وصلّى وحده، وأما إذا لَمْ يكن لعذر فلا؛ لقوله -ﷺ-: "أصلاتان معًا؟ "، وهو حديث صحيح، أخرجه مالك، وأبو داود، فقد أنكر -ﷺ- على من يُصلِّي صلاةً وحده بعد أن تقام الصلاة.
والحاصل أن قطع الاقتداء لعذر، جائز، وأما لغير عذر، فلا، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): استحباب تخفيف الصلاة مراعاةً لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا عَلِم رضاء المأمومين، فَيُشكِل عليه أن الإمام قد لا يَعْلَم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما في حديث الباب،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣١.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٢.
[ ١١ / ١٩ ]
فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا إلَّا إذا فُرِض في مصلّ بقوم محصورين راضين بالتطويل، في مكان لا يدخله غيرهم.
٥ - (ومنها): أن الحاجة من أمور الدنيا عُذْرٌ في تخفيف الصلاة.
٦ - (ومنها): جواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل إذا كان هناك سبب، كمن صلّى وحده، أو في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فيصلّي معهم، أو كان إمامًا فصلّى مع جماعة، ثم ذهب إلى مسجده، فيصلّي بقومه أيضًا، كما فعل معاذ -﵁-، ونحو ذلك، وأما تكرار الصلاة الواحدة بدون سبب فيحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يُصَلَّى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
٨ - (ومنها): الإنكار بلطف؛ لوقوعه بصورة الاستفهام.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تعزير كلِّ أحد بحسبه.
١٠ - (ومنها): الاكتفاء في التعزير بالقول.
١١ - (ومنها): الإنكار في المكروهات، كذا قيل، وفيه: فلم لا يكون من الحرام؟.
١٢ - (ومنها): مشروعيّة التكرار ثلاثًا في الإنكار؛ للتأكيد، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فَسَلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا.
١٣ - (ومنها): أن فيه اعتذار مَن وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حقّ من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطنٌ؛ للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك؛ متأوِّلًا.
١٤ - (ومنها): أن التخلُّف عن الجماعة من صفة المنافقين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز صلاة المفترض خلف المتنفّل:
قال الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه" بعد إخراج الحديث ما نصّه:
[ ١١ / ٢٠ ]
والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا أَمَّ الرجل القوم في المكتوبة، وقد كان صلّاها قبل ذلك أنّ صلاة من ائتَمّ به جائزة، واحتجّوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوي من غير وجه، عن جابر، ورُوي عن أبي الدرداء أنه سئل عن رجل دخل المسجد، والقوم في صلاة العصر، وهو يَحْسَب أنَّها صلاة الظهر، فائتم بهم، قال: صلاته جائزة.
وقد قال قوم من أهل الكوفة: إذا ائتَمّ قوم بإمام، وهو يصلّي العصر، وهم يَحسَبُون أنَّها الظهر، فصلّى بهم، واقتَدَوا به، فإن صلاة المقتدي فاسدة؛ إذ اختلف نية الإمام ونية المأموم. انتهى (^١).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: قد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصّة معاذ -﵁-، وقصّة صلاة الخوف (^٢).
وممن قال بهذا عطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، وبه قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعي.
وقالت طائفة: كلُّ من خالفت نيّته نيّة الإمام في شيء من الصلاة لَمْ يُعْتَدّ بما صلّى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، ورُوي معنى ذلك عن الحسن البصريّ، وأبي قلابة، وبه قال الزهريّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحَكَى أبو ثور عن الكوفيّ (^٣) أنه قال: إن كان الإمام متطوّعًا لم يُجْز من خلفه الفريضة، وإن كان الإمام مفترضًا، وكان من خلفه متطوّعًا كانت صلاتهم جائزة.
وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام
_________________
(١) راجع: "الجامع" للإمام الترمذيّ -﵀- رقم (٥٨٣).
(٢) أشار به إلى ما أخرجه النسائيّ -﵀- في "سننه" (١٥٥٥) بسند صحيح عن أبي بكرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- أنه صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاءوا بعدُ ركعتين، فكانت للنبيّ أربع ركعات، ولهؤلاء ركعتين ركعتين".
(٣) الظاهر أن المراد به الإمام أبو حنيفة -﵀-.
[ ١١ / ٢١ ]
رمضان، ولم يكن صلّى المكتوبة، قالا: يصلّي معهم ركعتين، فيبني عليهما ركعتين، ويَعتدّ به من العتَمَة، وأبى ذلك سعيد بن المسيِّب، والزهريّ، وقالا: يُصلّي معهم، ثم يُصلّي العشاء وحده.
ثم رجّح ابن المنذر: قول من قال بالجواز؛ عملًا بحديث الباب (^١).
وقال في "الفتح" عند شرح حديث الباب ما نصّه: واستُدِلَّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفتوض بالمتنفل؛ بناءً على أن معاذًا -﵁-، كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدلّ عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعيّ، والطحاويّ، والدارقطنيّ، وغيرهم، من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر -﵁- في حديث الباب، زاد: "هي له تطوُّع، ولهم فريضةٌ".
قال الحافظ -﵀-: وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تُهْمة تدليسه.
فقول ابن الجوزيّ: "إنه لا يصحّ" مردود، وتعليل الطحاويّ له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة، ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسنّ، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقّف في الحكم بصحتها.
وأما رَدّ الطحاويُّ لها باحتمال أن تكون مُدْرَجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج، حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعيِّ أخرجها من وجه آخر، عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه.
وقولُ الطحاويّ: "هو ظَنٌّ من جابر" مردودٌ؛ لأن جابرًا كان ممن يصلِّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنّ بجابر أنه يُخْبِر عن شخص بأمر غير مشاهَد، إلَّا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.
قال: وأما احتجاج أصحابنا -يعني الشافعيّة- لذلك بقوله -ﷺ-: "إذا
_________________
(١) راجع كلامه في: "الأوسط" ٤/ ٢١٨ - ٢٢٠.
[ ١١ / ٢٢ ]
أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة"، فليس بجيِّد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت، من غير تَعَرُّض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلّي الثانية بقومه؛ لأنها ليست حينئذ فرضًا له.
قال: وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يُظَنّ بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة، في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبيّ -ﷺ- لَمْ يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
وكذلك قول الخطابيّ: إن العشاء في قوله: "كان يصلي مع النبيِّ -ﷺ- العشاء" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.
وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يُجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصلّيه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يَجُوزُ عندهم؟ فهذا إن كان كما قال نقضٌ قويّ، وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة.
وأما قول الطحاويّ: لا حجة فيها؛ لأنَّها لَمْ تكن بأمر النبيّ -ﷺ-، ولا تقريره.
فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابيّ إذا لَمْ يخالفه غيره حجةٌ، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلّي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بَدْرِيًّا، قاله ابن حزم، قال: ولا يُحْفَظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عُمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم.
وأما قول الطحاويّ: لو سَلَّمنا جميع ذلك لَمْ يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصَلَّى مرّتين، أي فيكون منسوخًا.
فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادّعاه من إعادة الفريضة. انتهى.
قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك،
[ ١١ / ٢٣ ]
وهو حديث ابن عمر رفعه: "لا تُصَلُّوا الصلاة في اليوم مرتين"، ومن وجه آخر مرسل: إن أهل العالية كانوا يصلّون في بيوتهم، ثم يصلّون مع النبيّ -ﷺ-، فبلغه ذلك، فنهاهم.
قال: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلّوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقيّ جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لَمْ يكن بعيدًا.
ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استُشْهِد بأحد؛ لأنا نقول: كانت أُحُدٌ في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلًا.
وقد قال -ﷺ- للرجلين اللذين لَمْ يُصَلّيا معه: "إذا صلّيتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة" (^١)، أخرجه أصحاب "السنن" من حديث يزيد بن الأسود العامريّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع، في أواخر حياة النبيّ -ﷺ-.
ويدلّ على الجواز أيضًا أمره -ﷺ- لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها: أن "صَلُّوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة".
وأما استدلال الطحاويّ أنه -ﷺ- نَهَى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سُلَيم بن الحارث: "إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخَفِّف بقومك"، ودعواه أن معناه: إما أن تصلّي معي، ولا تصلّي بقومك، وإما أن تخفف بقومك، ولا تصلّي معي، ففيه نظرٌ؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلّي معي فقط، إذا لَمْ تُخَفِّف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه.
وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد (١٦٨٢٩)، والترمذيّ برقم (٢٠٣)، والنسائيّ (٨٥٨)، والدارميّ (١٣٣٢).
[ ١١ / ٢٤ ]
صفة فيها مخالفة ظاهرةٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلّى النبيّ -ﷺ- بهم مرتين على وجه، لا تقع فيه منافاة، فلَمّا لَمْ يفعل دَلّ ذلك على المنع.
فجوابه أنه ثبت أنه -ﷺ- صلّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود، عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة، فلبيان الجواز.
وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة؛ لقلة القُرّاء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة، كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفّل، وبالعكس؛ لحديث الباب وغيره مما سبق بيانه، والذين منعوا من ذلك لَمْ يأتوا بحجة مقنعة تقاوم حجج المجيزين، ولذا قال السنديّ الحنفيّ -﵀- في "شرح النسائيّ": فدلالة حديث قصّة معاذ -﵁- على جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل واضحة، والجواب عنه مشكلٌ جدًّا، وأجابوا بما لا يتمّ، وقد بسطت الكلام فيه في "حاشية ابن الهُمَام". انتهى.
وهذا من إنصافه -﵀-، وهكذا ينبغي لكلّ متمذهب أن يكون مع الأدلّة، وإن خالف مذهبه، بل ومذاهب الجلّ؛ لأن الحقّ أحقّ أن يُتبع، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩].
والحاصل أنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل والعكس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ١١ / ٢٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، قَالَ: (ح) (^١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا، فَصَلَّى، فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ (^٢) فَاقْرَأْ بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، و"ليث" بـ "أل" وبدونها: هو الليث بن سعد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو
_________________
(١) وفي نسخة: تأخير "قال" عن التحويل.
(٢) وفي نسخة: "إذا أممت -يعني الناس-".
[ ١١ / ٢٦ ]
أعلى الأسانيد له، وهو (٥٥) من رباعيّات الكتاب، ووافقه النسائيّ، وابن ماجه على الإسنادين، فأخرجه النسائيّ عن قتيبة برقم (٩٩٨)، وابن ماجه عن محمد بن رُمح برقم (٩٨٦).
(فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا) أي من الأنصار، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح الحديث الماضي، وباللَّه التوفيق.
وقوله: (فَصَلَّى) أي فصلّى الرجل وحده بعدما قطع صلاته مع معاذ -﵁-.
وقوله: (فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي أخبر بعض الناس معاذًا -﵁- بما فعله الرجل من صلاته. وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ) أي وصل إليه قول معاذ إنه منافقٌ.
وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ) أي صلّيتَ بهم إمامًا، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير المذكور قبل باب.
٣ - (مَنْصُور) بن زاذان الواسطيّ المذكور أيضًا قبل باب، والباقيان ذُكرا قبل حديث.
وقوله: (الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) فيه جواز قول: "العشاء الآخرة"، وقد سبق قريبًا
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ٢٧ ]
بيانه، وقول الأصمعيّ بإنكاره، وإبطال قوله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لَمْ يتكلم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كَيْسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَيُصَلِّي بِهِمْ) أي تلك الصلاة التي صلّاها مع النبيّ -ﷺ-، وهي العشاء، كما بُيّنت في الروايات الماضية.
[تنبيه]: تكلّم أبو مسعود الدمشقيّ -﵀- في هذا الإسناد، فقال: قتيبة يقول في حديثه: عن حمّاد، عن عمرو، ولم يذكر فيه أيّوبَ، وكان ينبغي لمسلم أن ينبّه عليه.
ويُجاب عن مسلم: بأنه إنما أهمل التنبيه عليه؛ لكونه جَعَل الرواية مسوقةً عن أبي الربيع وحده، كذا أفاده النوويّ -﵀- (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٣.
[ ١١ / ٢٨ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية حمّاد التي أشار إليها أبو مسعود، أخرجها الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٥٣٢) حدّثنا قتيبة، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه، أن معاذ بن جبل، كان يصلّي مع رسول اللَّه -ﷺ- المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.