وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣١] (٦٣١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^١) أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ (^٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا"، فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ (^٣)، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَوَضَّأْنَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "حتى كادت تغرب الشمس".
(٣) وفي نسخة: "فنزلنا بُطحان".
[ ١٤ / ٥ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربما وهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي غسّان، فانفرد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٥ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه صحابيّ ابن صحابيّ -﵄-، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- (أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁- (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) ظرف متعلّق بـ "جَعَلَ"، وأراد به غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب، وكانت سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في شرح حديث عليّ -﵁- المتقدّم في الباب (جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) "جعل" هي
[ ١٤ / ٦ ]
من أفعال الشروع التي ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، واسمها ضمير عمر، وخبرها جملة "يَسُبّ".
وإنما سبّهم لأنهم كانوا السببَ في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار، كما وقع لعمر -﵁-، وإما مطلقًا، كما وقع لغيره.
(وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ) لفظة "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كان زيد يقوم فُهم منه أنه قارب القيام، ولم يقم، والغالب فيها أن لا يقترن خبرها بـ "أن"، بخلاف "عسى"، فإن الغالب فيها أن يقترن بها، كما قال في "الخلاصة":
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
وقد وقع خبرها في رواية المصنف مقترنًا بها هنا، وفي قوله: "أن تغرب"، وكذا هو في رواية البخاريّ في "غزوة الأحزاب".
قال في "الفتح" هو من تصرّف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا، أو لا؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر، كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة؟.
وإذا تقرر أن معنى "كاد" المقاربة، فقول عمر -﵁-: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب": معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب، قاله اليعمريّ -﵀-.
وقال الكرمانيّ -﵀-: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة؛ لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله عُرفًا: ما صليت حتى غربت الشمس. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادّعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي؛ لأن "كاد" إذا أثبتت نَفَت، وإذا نَفَت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا:
إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
[ ١٤ / ٧ ]
هذا إلى ما في تعبيره بلفظ "كيدودة" من الثقل، واللَّه الهادي إلى الصواب.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرمانيّ بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرمانيّ هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن "كاد" كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
[واعلم]: أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى؛ لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كان زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها؛ لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟.
وزعم جماعة، منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال:
أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ … جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
انتهى (^١).
فتبيّن بما ذُكر أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرمانيّ هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر -﵁- لم يصل العصر، مثل النبيّ -ﷺ-، وبقية "الصحابة" -﵃-.
فقول الحافظ -﵀-: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبيّ -ﷺ-، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبيّ -ﷺ- معهم؟.
فالجواب أنه يَحْتَمِل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى
_________________
(١) "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ١/ ١٣٩ - ١٤٠.
[ ١٤ / ٨ ]
النبيّ -ﷺ-، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبيّ -ﷺ- فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
مبنيّ على القول المرجوح أيضًا.
وقد اختُلف في سبب تأخير النبيّ -ﷺ- الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع.
قال الحافظ: ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: "هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟ "، قالوا: لا يا رسول اللَّه، فصلى العصر، ثم صلى المغرب. انتهى.
وفي صحّة هذا الخبر نظر؛ لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله -ﷺ- لعمر: "واللَّه ما صليتها"، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أسخف هذا الجمع! كيف يتكلّف للجمع بين ما هو في "الصحيحين" من قول رسول اللَّه -ﷺ-: "فواللَّه إن صلّيتها" يعني العصر، وبين ما لا يصحّ مما أورد من "مسند أحمد" من سؤاله هل صلاها أم لا؟ هذا شيء عجيب!!!.
وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد -﵁-، أن ذلك كان قبل أن يُنزل اللَّه في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وقد اختُلف في هذا الحكم، هل نُسخ أو لا؟، كما سيأتي في "كتاب صلاة الخوف"، إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (^١).
(حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي نسخة: "حتى كادت تغرب الشمس" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا") "إن" نافية، أي لم أصلّها، قال النوويّ -﵀-: وإنما حَلَف النبيّ -ﷺ- تطييبًا لقلب عمر -﵁-، فإنه شَقّ عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب، فأخبره النبيّ -ﷺ- أنه لم يصلّها بعدُ؛ ليكون لعمر به أسوة، ولا يشق عليه ما جرى، وتَطِيب نفسُهُ، وأكد ذلك الخبر
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
[ ١٤ / ٩ ]
باليمين، وفيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف، وهي مستحبة إذا كان فيه مصلحة، من توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو غير ذلك، من المقاصد السائغة، وقدأكثرت في الأحاديث، وهكذا القسم من اللَّه تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، ﴿وَالتِّينِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾، ونظائرها كل ذلك لتفخيم المقسَم عليه وتوكيده، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
(فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ) وفي نسخة: "فنزلنا بُطحان"، قال النوويّ -﵀-: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب "البارع" أبو عُبيد البكريّ، وهو وَادٍ بالمدينة. انتهى.
وقال القرطبي -﵀-: قوله: "فواللَّه إن صفيتها" يُقَوِّي قول من قال: إنه كان ناسيًا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاستنباط محلّ نظرٌ، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَتَوَضَّأْنَا) يعني الصحابة -﵃- (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: "فصلَّى بنا العصر".
وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ.
لكن وقع في "الموطأ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد -﵁- أنه الظهر والعصر، والمغرب، وأنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل، وفي حديث ابن مسعود -﵁-: "أن المشركين شغلوا رسول اللَّه -ﷺ- عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه"، وفي قوله: "أربع" تجوّز؛ لأن العشاء لم تكن فاتت.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٥٩.
[ ١٤ / ١٠ ]
قال اليعمريّ -﵀-: من الناس مَن رجّح ما في "الصحيحين"، وصرّح بذلك ابن العربيّ -﵀-، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر.
قال الحافظ -﵀-: ويؤيِّده حديث عليّ في مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر".
ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى.
قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبي سعيد، وابن مسعود -﵄- ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر -﵁-، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما رجحه اليعمريّ -﵀- هو الأرجح عندي.
وحاصله أنه -ﷺ- شُغِل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) قال النوويّ -﵀-: هذا ظاهره أنه صلاهما في جماعة، فيكون فيه دليل لجواز صلاة الفريضة الفائتة جماعةً، وبه قال العلماء كافّةً إلا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد أنه منع ذلك، وهذا إن صحّ عن الليث مردود بهذا الحديث، والأحاديث الصحيحة الصريحة، أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى الصبح بأصحابه جماعةً حين ناموا عنها، كما ذكره مسلم بعد هذا بقليل.
وفي هذا الحديث دليل على أن من فاتته صلاةٌ، وذكرها في وقتِ أُخرى ينبغي له أن يبدأ بقضاء الفائتة، ثم يصلي الحاضرة، وهذا مجمع عليه، لكنه عند الشافعيّ وطائفة على الاستحباب، فلو صلى الحاضرة ثم الفائتة جاز، وعند مالك، وأبي حنيفة، وآخرين على الإيجاب، فلو قَدَّم الحاضرة لم يصح.
وقد يَحْتجّ به من يقول: إن وقت المغرب متسعٌ إلى غروب الشفق؛ لأنه
[ ١٤ / ١١ ]
قَدَّم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا، ولكن لا دلالة فيه لهذا القائل؛ لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت المغرب عند من يقول: إنه ضيقٌ فلا يكون في هذا الحديث دلالة لهذا، وإن كان المختار أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق كما سبق إيضاحه بدلائله، والجواب عن معارضها. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٤٣١] (٦٣١)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٩٦ و٥٩٨)، و"الأذان" (٦٤١)، و"الخوف" (٩٤٥)، و"المغازي" (٤١١٢)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٠)، و(النسائيّ) في "السهو" (١٣٦٦)، وفي "الكبرى" (١٢٨٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٨٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٥١ و١٠٥٢ و١٠٥٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٥ و١٤٠٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة؛ لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت.
٢ - (ومنها): جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم.
٣ - (ومنها): أنه إذا سئل الإنسان، هل صلّيتَ؟ جاز أن يقول: ما
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٢ - ١٣٣.
[ ١٤ / ١٢ ]
صلّيتُ، وعليه بوّب النسائيّ -﵀-، فقال: "باب إذا قيل للرجل: هل صلّيتَ؟ هل يقول: لا"، ثم أورد الحديث احتجاجًا على الجواز.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك.
٥ - (ومنها): أن فيه مشروعية الترتيب بين الفائتة والوقتية، وكذلك بين الفوائت، والأكثرون على وجوبه مع الذكر، لا مع النسيان، وقال الشافعيّ -﵀-: لا يجب الترتيب فيها، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: لا يُشرع الأذان للفائتة، وأجاب من قال به بأن المغرب كانت حاضرةً، ولم يَذْكُر الراوي الأذان لها، وقد عُرف منا عادته -ﷺ- الأذان للحاضرة، فدلّ على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر.
وتُعُقّب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلّ بالحديث على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدّم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولا سيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيّق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث.
وهذا في حديث جابر -﵁-، وأما حديث أبي سعيد -﵁- فلا يتأتى فيه هذا؛ لما تقدّم أن فيه أنه -ﷺ- صلى بعد مضيّ هُويّ من الليل، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الترتيب بين الفوائت المقضيّة والمؤداة:
ذهب الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والليث، والزهريّ، والنخعيّ، وربيعة إلى القول بوجوب تقديم الفائتة، على خلاف بينهم.
وذهب الشافعي إلى أنه لا يجب.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٦٨.
[ ١٤ / ١٣ ]
واستدل الأولون بحديث الباب، وغيره، قال الشوكانيّ -﵀-: ولا ينتهض الاستدلال به؛ لأن الفعل بمجرده لا يدلّ على الوجوب، قال الحافظ -﵀-: إلا أن يُسْتدلّ بعموم قوله -ﷺ-: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فيَقْوَى، قال: وقد اعتَبَر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا. انتهى.
قال الشوكانيّ: وقد استُدِلَّ للموجبين أيضًا بأن توقيت المقضيّة بوقت الذكر أضيق من توقيت المؤدّاة، فيجب تقديم ما تضيق.
ومثله الترتيب بين الفوائت نفسها، فقال بوجوبه أبو حنيفة وطائفة، وقال الشافعي، وطائفة: إنه غير واجب، قال الشوكانيّ -﵀-: وهو الظاهر؛ لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، إلا أن يُستَدَلّ بعموم قوله -ﷺ-: "صلوا كما رَأَيْتُموني أصلي"، ولكنه غير خالص عن شوب اعتراض، ومعارضة. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي هو القول بوجوب الترتيب، سواء كان بين الوقتية والفائتة، أو بين الفوائت نفسها؛ لأمور:
(الأول): فعل النبيّ -ﷺ-، فإنه لم يُنقَل عنه غير الترتيب.
(الثاني): قوله -ﷺ-: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
(الثالث): أنها وجبت في الأصل مرتبة، ولم يوجد دليل يعارض هذا الأصل، فلزم القول به.
والحاصل أن مجموع هذه الأمور يفيد وجوب الترتيب، وأما القائلون بعدمه، فليس عندهم دليل قويّ يعارض ما ذكرنا، فتبصر، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء فيمن ذكر صلاةً فائتةً، وهو في أخرى:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في الرجل يكون في الصلاة، فيذكر أن عليه صلاة قبلها، فقالت طائفة: تفسد عليه صلاته التي هو فيها، فعليه أن يصلي التي ذكرها، ثم التي كان فيها، هذا قول النخعيّ،
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٢/ ٩١ - ٩٢.
[ ١٤ / ١٤ ]
والزهريّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وقال الأوزاعي: إذا دخل مع الإمام في العصر، فذكر الظهر، يجعل صلاته معه سبحة، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي العصر.
وقالت طائفة: يصلي الصلاة التي دخل فيها، ثم يقضي الفائتة، وليس عليه أن يعيد الصلاة التي صلاها، وهو ذاكر الفائتة، هذا قول طاوس، والحسن البصريّ، وبه قال الشافعيّ، وأبو ثور.
وفيه قول ثالث، قاله الحكم، وحماد، قالا: إن ذكرها قبل أن يتشهد، أو يجلس مقدار التشهد ترك هذه وعاد إلى تلك، وإن ذكرها بعد ذلك اعتد بهذه، وعاد إلى تلك، وثبت عن ابن عمر أنه قال: من نسي صلاة، فلم يذكرها إلا وهو وراء الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعدُ الصلاةَ الأخرى، وبه قال مالك بن أنس، والليث بن سعد، ويحيى بن عبد اللَّه بن سالم.
وعن أحمد، وإسحاق قالا: إذا فاتته الظهر، وهو مع الإمام في العصر، فذكرها يتم، ويعيدها.
وذكر ابن المنذر تفريق أصحاب الرأي بين كون الفوائت ستًا، وبين كونها أقل، فقالوا بوجوب الترتيب في الأقل دون الأكثر، ثم ردّ عليهم، ورجّح عدم البطلان مطلقًا (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجح عندي -واللَّه أعلم- وجوب الترتيب مطلقًا؛ للأدلة التي ذكرناها في المسألة الرابعة، لكن إن نسي فدخل في صلاة، فإن الترتيب يسقط بسبب النسيان؛ لحديث: "إن اللَّه -تعالى- تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد وغيره، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[١٤٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
_________________
(١) راجع: "الأوسط" لابن المنذر ٢/ ٤١٦ - ٤١٩.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ١٥ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ (^١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة
كلهّم تقدّموا في البابين الماضيين، سوى:
١ - (عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لعليّ بن المبارك من رواية وكيع، وهو كوفيّ، وقد عرفت أن رواية الكوفيين عنه فيها شيء؟.
[قلت]: إنما أخرج له المصنّف على سبيل المتابعة لرواية هشام الدستوائيّ، لا استقلالًا، فتنبّه.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء، أي بإسناد يحيى بن أبي كثير المتقدّم، وهو: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر -﵁-.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن عليّ بن المبارك حدّث عن يحيى بن أبي كثير بمثل ما حدّث به هشام الدستوائيّ عنه.
[تنبيه]: رواية عليّ بن المبارك هذه ساقها الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٩٤٥) حدّثنا يحيى بن جعفر البخاريّ، قال: حدّثنا وكيع، عن علي بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جاء عمر يوم الخندق، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول اللَّه ما صليت العصر، حتى كادت الشمس أن تغيب، فقال النبيّ -ﷺ-: "وأنا واللَّه ما صليتها بعدُ"، قال: فنزل إلى بُطْحان، فتوضأ، وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى المغرب بعدها. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وفي نسخة: "عليّ بن مبارك".
[ ١٤ / ١٦ ]