وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٣] (٦٣٢) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (^٢) قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ (^٣)، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ المدنيّ، كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقبه، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسِيّ الصحابيّ الجليل -﵁- عبد الرحمن بن صخر، أو عبد اللَّه بن عمرو على ما قاله البخاريّ، وصححه الترمذيّ في "جامعه" مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "عن أبي هريرة، قال: قال رسول -ﷺ-".
(٣) وفي نسخة: "فيسألهم، وهو أعلم بهم".
[ ١٤ / ١٧ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر الصحابة حديثًا، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-" (قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ) أي تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية، قال ابن عبد البر -﵀-: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين، أو رجلين بأن يأتي هذا مرة، ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش؛ أن يُجَهِّز الأمير بعثًا إلى مئة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يُجَهِّز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجوز الأولين.
وقال القرطبيّ -﵀-: معنى التعاقب: إتيان طائفة بعد أخرى، فكأن الثانية تأتى عقب الأولى. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال القرطبيّ -﵀-: الواو في قوله: "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع، وهي لغة بني الحارث، يُلحقون علامة للفاعل المثنّى والمجموع، وهم القائلون: "أكلوني البراغيث"، وهي لغة معروفة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] الآية، ومنه قول الفرزدق [من الطويل]:
وَلَكِنْ دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ … بِحُوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقَارِبُهْ (^٢)
قال: وقد تعسف بعض النحويين في تأويلها وردّوها للبدل، وهو تكلُّف مستغنى عنه، مع أن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح يُعرضي موضعه (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦١.
(٢) "ديافيّ": نسبة إلى دياف: قرية بالشام، و"حُوران": اسم موضع بالشام، والمراد بالسليط: الزيت، انظر: "لسان العرب" ٧/ ٣٢١.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.
[ ١٤ / ١٨ ]
وقال غيره في تأويل الآية: قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ عائد على الناس المذكورين أوّلًا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير. وقيل: التقدير أنه لَمَّا قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: من هم؟ قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، حكاه الشيخ محيي الدين، والأول أقرب؛ إذ الأصل عدم التقدير.
وقد أشار ابن مالك إلى هذه اللغة، مع لغة جمهور العرب في "الخلاصة"، حيث قال:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"
وَقَدْ يُقَالُ "سَعِدَا وَسَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وذكر الحريريّ لغة جمهور العرب في "مُلْحة الإعراب"، فقال:
وَوَحِّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ … كَقَوْلِهِمْ "سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ"
وَإِنْ تَشَأْ فَزِدْ عَلَيْهِ التَّاءَ … نَحْوُ "اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ"
وقد توارد جماعة من الشرّاح على أن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيّان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "إن للَّه ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار. . . " الحديث.
قال الحافظ -﵀-: وقد سومح في العزو إلى "مسند البزار" مع أن الحديث بهذا اللفظ في "الصحيحين"، فالعزو إليهما أولى، وذلك أن هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في "الموطأ"، ولم يُختَلف عليه باللفظ المذكور، وهو: "يتعاقبون فيكم"، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخرجه سعيد بن منصور عنه.
وقد أخرجه البخاريّ في "بدء الخلق" من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد بلفظ: "الملائكة يتعاقبون؛ ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"، وأخرجه النسائي أيضًا من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزناد بلفظ: "إن الملائكة يتعاقبون فيكم"، فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا، وتارة هكذا، فيقوى بحث أبي حيّان.
ويؤيِّد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رواه تامًّا، فأخرجه مسلم من طريق هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَةَ، لكن
[ ١٤ / ١٩ ]
بحذف "إنَّ" من أوله، وأخرجه ابن خزيمة والسَّرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "إنَّ للَّه ملائكة يتعاقبون"، وهذه هي الطريقة التي أخرجها البزار، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" بإسناد صحيح من طريق أبي موسى، عن أبي هريرة بلفظ: "إن الملائكة فيكم يتعاقبون".
وإذا عرفت ذلك فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريقٍ مغايرة لها، فليُعْزَ ذلك إلى تخريج البخاريّ، والنسائيّ من طريق أبي الزناد؛ لما أوضحته. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيكُمْ) أي المصلين، أو مطلق المؤمنين (مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) الملائكة: جمع مَلَكٍ، واختُلِف في اشتقاقه، قيل: من الألُوكِ، وقيل: من المألُك، وقيل غير ذلك.
قال في "المصباح": ألَكَ بين القوم، ألْكًا، من بَابِ ضَرَبَ، وألُوكًا، أيضًا: تَرَسَّلَ، واسم الرِّسَالة مَألُكٌ بضم اللام، وَمَألُكَةٌ أيضًا بالهاء، ولامُها تضم وتفتح، والملائكةُ مشتقة من لفظ الألُوك، وقيل: من المَألَكِ، الواحد: ملك، وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَلٌ، فإنَّ الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأكَ: إذا أرسل، فَمَلأك مَفْعَل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل غير ذلك. انتهى (^٢).
فـ "ملائكةٌ" بالرفع فاعلُ "يتعاقبون" على كون الواو علامةً، أو بدلٌ من الضمير على جعل الواو ضميرًا، أو بيانٌ، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، أو مبتدأ خبره قبله.
[تنبيه]: قيل: المراد بالملائكة هنا هم: الحفظة، نقله عياض، وغيره عن الجمهور، وتردد ابن بزيزة، وقال القرطبيّ: الأظهر عندي أنهم غيرهم، قال الحافظ: ويقوِّيه أنه لم يُنْقَل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غيرُ حَفَظَة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٨ - ١٩.
[ ١٤ / ٢٠ ]
حالة الترك دون غيرها في قوله: "كيف تركتم عبادي"، ذكره في "الفتح" (^١).
وعبارة القرطبيّ -﵀-: وهؤلاء الملائكة إن كانوا هم الحفظة، فسؤال اللَّه تعالى لهم بقوله: "كيف تركتم عبادي؟ " إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم، وكَتْبهم إياها عليهم، وعلى أنهم هم الحَفَظَةُ مذهب الجمهور، وإن كانوا غيرهم، وهو الأظهر عندي، فسؤاله تعالى لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهارًا لما سبق في معلومه؛ إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذه حكمة اجتماعهم في صلاتي الفجر والعصر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: أو يكون سؤاله لهم استدعاءً لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا: "تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون"، وهذا من خفيّ لطفه ﵎، وجميل سَتْره؛ إذ أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم، ولم يُطلعهم عليهم، ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم بلذّاتهم، وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه من حليم كريم جليل؛ إذ سَتَرَ القبيح، وأظهر الجميل. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ -﵀- مبنيّ على ما استظهر من أن المراد بالملائكة هنا غير الحفظة، وهو الظاهر، وأما على ما ذهب إليه غيره من أنهم هم الحفظة، فسيأتي توجيهه في كلام الحافظ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم.
(وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) قال الزين ابن المُنَيِّر -﵀-: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك مُنَزَّل على حالين، قال الحافظ -﵀-: وهو ظاهر.
وقال ابن عبد البرّ -﵀-: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يَحْتَمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع، لا في الشخص.
وقال القاضي عياض -﵀-: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٦١.
[ ١٤ / ٢١ ]
من لطف اللَّه تعالى بعباده، وإكرامه لهم بأنْ جَعَل اجتماعَ ملائكته في حال طاعة عباده؛ لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة.
قال الحافظ -﵀-: وفيه شيء؛ لأنه رجَّحَ أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذُكِر، ويَحْتَمِل أن يقال: إن اللَّه تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة، وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما"، فمن ثَمَّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه.
(ثُم يَعْرُجُ) من باب قتل، أي يَصْعَد الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) يقال: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَة، ومَبِيتًا، وَمَبَاتًا، فهو بَائِتٌ: إذا فَعَلَ فِعْلًا بالليل، كما اختصّ الفعل في "ظَلَّ" بالنهار، وقد تأتي بمعنى "صار"، يقال: بات بموضع كذا، أي صَارَ بِهِ، سواء كان في ليل، أو نهار، وبَاتَ يَبَاتُ من باب تَعِبَ لغة، أفاده الفيّوميّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المناسب هنا معنى "صار"، فيَشْمَل الحديثُ الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، ولا داعي إلى التكلفات الآتية.
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشِّقِّ دون الآخر أن الليل مظنة
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٧ - ٦٨.
[ ١٤ / ٢٢ ]
المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار؛ لكون النهار محل الاشتهار.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صَلَّوُا الفجرَ عَرَجُوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لَبِثُوا إلى آخر النهار؛ لضبط بقية عمل النهار، قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث، كما سيأتي، ثم هو مبني على أنهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيّنه، وقيل: بناه أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون، ويتعاقبون، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في "كتاب الصلاة" له من طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: "يلتقي الحارسان -أي ملائكة الليل، وملائكة النهار- عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل، وتلبث ملائكة النهار".
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصّة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر، وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمرّ ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: إن قوله في هذا الحديث: "ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر" وَهَمٌ؛ لأنه ثَبَتَ في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في "الصحيحين" من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: "وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر"، وقال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
[ ١٤ / ٢٣ ]
وفي الترمذيّ، والنسائيّ من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل والنهار، ورَوَى ابنُ مَرْدويه من حديث أبي الدرداء نحوه.
قال ابن عبد البرّ -﵀-: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديثِ الآخرِ عدمُ اجتماعهم في العصر؛ لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويَحْتَمِل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية.
قال الحافظ -﵀- وبحثه الأول مُتَّجِهٌ؛ لأنه لا سبيل إلى ادّعاء توهيم الراوي الثقةِ مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقاَلُ: إن رواية مَن لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقعٌ من تقصير بعض الرواة، أو يُحْمَلُ قوله: "ثم يعرج الذين باتوا" على ما هو أعم من المبيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة منهم إذا صَعِدَت سُئِلَت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ "بات" في "أقام" مجازًا، ويكون قوله: "فيسألهم" أي كُلًّا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويَدُلُّ على هذا الحملِ رواية موسى بنِ عقبة، عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه: "ثم يعرج الذين كانوا فيكم"، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار، ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
قال: وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين.
وذلك فيما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وأبو العباس السَّرَّاج جميعًا عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر، وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ " الحديث.
وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتُغْنِي عن كثير من الاحتمالات المتقدمة،
[ ١٤ / ٢٤ ]
فهي المعتمدة، ويُحْمَل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل الأولى والأرجح عندي ما رجحه الحافظ قبل هذا، وهو عدم دعوى الاختصار، والاقتصار في رواية الباب؛ لأن معنى "باتوا فيكم": صاروا معكم، وقد تقدم ما نقلته من عبارة الفيّومي في "المصباح" في ذلك، ويؤيِّد ذلك رواية النسائيّ المتقدمة: "ثم يعرج الذين كانوا فيكم". وهذه الرواية رواية ابن خزيمة والسَّرَّاج مُوَضِّحَة لهذا المعنى، فلا داعي لدعوى التقصير من بعض الرواة.
والحاصل أن معنى: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" ثم يصعد الذين كانوا معكم، سواء الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، فيشمل السؤال الطائفتين بنصّ هذا الحديث، فلا إشكال، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]:
استَدَلَّ بعض الحنفية بهذا الحديث على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ آخر النهار.
وتُعُقِّب بأن ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة، ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار، وبعضُ النهار بافي، وتقيم ملائكة الليل، قاله في "الفتح" (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التوجيه الثاني هو الصواب، وأما الأول فلا يصحّ؛ لأن دعوى تأخرهم بعد الصلاة ينافيه قوله في الحديث: "تركناهم وهم يصلّون"، وأيضًا الاستدلال المذكور تعارضه النصوص التي تدل على استحباب تعجيل صلاة العصر، وهي صريحة تقدّم على هذا المفهوم لو سُلِّم، وقد تقدّم تحقيق ذلك في محلّه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وأما اعتراض العينيّ على الحافظ في هذا التوجيه فهو مجرّد اعتراض لم يستند إلى دليل، وإنما هو لشغفه في الدفاع عن مذهبه، وإن كان غير صحيح، فتبصر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٤.
(٢) راجع: "فتح الباري" ٢/ ٤٣.
[ ١٤ / ٢٥ ]
(فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ) قال النوويّ -﵀-: هذا السؤال على ظاهره، وهو تعبّد منه لملائكته، كما أمر بكَتْبِ الأعمال، وهو أعلم بالجميع. انتهى (^١).
[تنبيه]: قيل: الحكمة في سؤالهم استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة مَنْ قَالَ من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي وقد وُجد فيهم من يسبح، ويقدس مثلكم بنص شهادتكم.
وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو ﷿ أعلم من الجميع بالجميع.
[تنبيه آخر]: وقع في بعض النسخ: "فيسألهم، وهو أعلم بهم"، بدون ذكر الفاعل، وهو الذي في رواية النسائيّ، وعليه يقدّر الفاعل ضميرًا يعود إلى المعلوم من السياق، يدلّ عليه قوله: "عبادي"، أي يسألهم هو، أي ربّهم، وهذا على رأي جمهور النحاة، وأما على رأي الكسائيّ، فيكون من باب حذف الفاعل؛ لأنه يجوّز حذفه.
(وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي بالمصلين من الملائكة، فحذف صلة أفعل التفضيل، وفي بعض النسخ: "فيسألهم، وهو أعلم" (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟) قال ابن أبي جمرة -﵀-: وقع السؤال عن آخر الأعمال؛ لأن الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] (فَيَقُولُونَ) أي الملائكة المسؤولون (تَرَكْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتيْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ") لم يراعوا الترتيب الوجوديّ؛ لأنهم بَدَؤُوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال؛ لأنه قال: "كيف تركتم"، ولأن الْمُخْبَر به صلاة العبادة، والاْعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله: "تركناهم وهم يصلون" ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تَمَّت أم مَنَعَ مانع من إتمامها، وسواء شَرَع الجميع فيها، أم لا؛
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٣٣.
[ ١٤ / ٢٦ ]
لأن المنتظر في حكم المصلي، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقولهم: "وهم يصلون" أي ينتظرون صلاة المغرب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول أولى؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن التين: الواو في قوله "وهم يصلون" واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها؛ لأنا نقول: هو محمول على أنهم شَهِدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشَهِدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أنهم فارقوهم، وهم يصلون، ولا يلزم من ذلك معارضة النصوص التي تدلّ على شهودهم؛ لأن الشهود لا يستلزم انقضاء الصلاة، على أن هؤلاء الذين فارقوا قد اجتمعوا مع الذين بَقُوا معهم، فالصلاة لم تَخْلُ من شهود الملائكة من أولها إلى آخرها، واللَّه أعلم.
وقال ابن أبي جمرة -﵀-: أجابت الملائكة بأكثر مما سُئِلُوا عنه؛ لأنهم عَلِمُوا أنه سؤال يَسْتَدْعِي التَّعَطُّفَ على بني آدم، فزادوا في مُوجَب ذلك.
ووقع في "صحيح ابن خزيمة" من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁- في آخر هذا الحديث: "فاغفر لهم يوم الدين"، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٤٣٣ و١٤٣٤] (٦٣٢)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٥٥)، و"بدء الخلق" (٣٢٢٣)، و"التوحيد" (٧٤٢٩
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٥.
[ ١٤ / ٢٧ ]
و٧٤٨٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٤٨٥)، وفي "النعوت" من "الكبرى" (٤/ ٤١٨)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٧ و٣١٢ و٣٤٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٢١ و٣٢٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٦ و١٧٣٧ و٢٠٦١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٨ و١١١٩ و١١٢٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٩ و١٤١٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر.
٢ - (ومنها): أن الصلاة أعلى العبادات بعد الشهادتين؛ لأنه وقع عنها السؤال والجواب.
٣ - (ومنها): أن فيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة.
٤ - (ومنها): الإشارة إلى شرف الوقتين المذكوربن، قال الحافظ: وقد ورد أن الرزق يُقْسَم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما.
٥ - (ومنها): أن فيه تشريفَ هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيّها -ﷺ- على غيره.
٦ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان.
٧ - (ومنها): الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ، ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رُسُلِ ربنا، وسؤال ربنا عنّا.
٨ - (ومنها): إعلامنا بحبّ الملائكة لنا؛ لنزداد فيهم حبًا، ونتقرب إلى اللَّه بذلك.
٩ - (ومنها): إثبات كلام اللَّه تعالى مع ملائكته الكرام.
١٠ - (ومنها): ما استنبطه منه بعض الصوفية من أنه يُستَحَبّ أن لا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حلقه، وظفره إذا قَلَمَهُ، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك.
[ ١٤ / ٢٨ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بعدُ هذا الاستنباط مما لا يخفى على بصير، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "وَالْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ"، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأسديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديث الأعرج، يعني أن همّام بن منبّه حدّث عن أبي هريرة -﵁- بما حدّث به الأعرج عنه.
[تنبيه]: رواية همّام هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣١٥ - ٣١٦) فقال:
(١١٢٠) حدّثنا السلميّ، قال: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا معمر، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول اللَّه -ﷺ- فذكر أحاديث، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، وقال: يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرُج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم، كيف تركتم عبادي؟، فقالوا:
[ ١٤ / ٢٩ ]
تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلون"، انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٥] (٦٣٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ (^١) فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" -يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ- ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
٥ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٥١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) وفي نسخة: "لا تضامون" بتخفيف الميم.
[ ١٤ / ٣٠ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الوحيد الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، على خلاف في عبد الرحمن بن عوف.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، فهو وإن كان متأخّر الإسلام، حيث كان إسلامه في السنة التي توفّي فيها النبيّ -ﷺ-، لكن كانت له حِظْوَة عنده -ﷺ- فإنه قال -﵁-: ما حجبني رسول اللَّه -ﷺ- منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم، رواه الشيخان، وكان من أجمل الناس، قال عبد الملك بن عمير: رأيت جرير بن عبد اللَّه وكان وجهه شقّة قمر، وقال له عمر بن الخطّاب -﵁-: يرحمك اللَّه، نعم السيّد كنت في الجاهليّة، ونعم السيّد أنت في الإسلام -﵄-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) -﵁- (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "جرير" (كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي ليلة تمام القمر، قال الفيّوميّ -﵀- البدرُ: القمر ليلة كماله، وهو في الأصل مصدرٌ، يقال: بَدَرَ القمرُ بَدْرًا، من باب قتل. انتهى (^١).
وقال المجد -﵀-: البدرُ: القمر الممتلئ كالبادر. انتهى (^٢).
(فَقَالَ) -ﷺ- ("أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ "ألا" (إِنَّكُمْ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "أما" الاستفتاحيّة، فهي في الابتداء، قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) قال الحافظ ابن رجب -﵀-: شَبّهَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٨.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٣٦٩.
[ ١٤ / ٣١ ]
الرؤية بالرؤية، لا المرئيّ بالمرئيّ، وإنما شَبّه الرؤية برؤية البدر لمعنيين:
[أحدهما]: أن رؤية القمر ليلة البدر لا يُشَكّ فيه، ولا يُمْتَرَى.
[والثاني]: يستوي فيه جميع الناس من غير مشقّة. انتهى (^١).
وقال في "العمدة":
[فإن قلت]: الكاف في "كما ترون" للتشبيه، ولا بد أن تكون مناسبةٌ بين الرائي والمرئيّ.
[قلت]: معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محقَّقةً، لا شك فيها، ولا مشقة ولا خفاء، كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي انتهى (^٢).
(لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) بضم أوله مُخَفَّفًا، أي لا يحصل لكم ضَيْمٌ حينئذ، ورُوي بفتح أوله، والتشديد من الضمّ، والمراد نفي الازدحام، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": رُوِي بضم التاء، وبتخفيف الميم، من الضيم، وهو التعب، وبتشديدها من الضمّ، وبفتح التاء وتشديد الميم.
قال الخطابيّ -﵀-: يُروَى على وجهين:
أحدهما: مفتوحة التاء مشددة الميم، وأصله تتضامُّون، حذفت إحدى التائين: أي لا يُضَامُّ بعضُكم بعضًا، كما يفعله الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يَسهُل دَرْكُهُ، فيتزاحمون عنده، يريد أن كل واحد منهم وادع مكانه (^٣)، لا ينازعه في رؤيته أحد.
والآخر: "لا تُضَامُون"، من الضيم، أي لا يَضِيم بعضكم بعضًا في رؤيته.
وقال التيميّ -﵀-: "لا تضامُّون"، بتشديد الميم، مراده أنكم لا تختلفون إلى بعض فيه، حتى تجتمعوا للنظر، وينضم بعضكم إلى بعض، فيقول واحد:
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٢٠.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٤٣ - ٤٤.
(٣) أي مستقرّ فيه، يقال: وَدُعَ، كَكَرُم، ووَضَعَ، فهو وَدِيعٌ، ووادِعٌ: سكن، واستقرّ، أفاده في "القاموس" ٣/ ٩٢.
[ ١٤ / ٣٢ ]
هو ذاك، ويقول الآخر: ليس ذاك، كما يفعله الناس عند النظر إلى الهلال أول الشهر، وبتخفيفها معناه: لا يَضِيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه.
وقال ابن الأنباريّ: أي لا يقع لكم في الرؤية ضيم، وهو الذُّلّ، وأصله تُضْيِمُون، فأُلقيت حركة الياء على الضاد، فصارت الياء ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها.
وقال ابن الجوزيّ -﵀-: "لا تُضَامُون" بضم التاء المثناة من فوقُ، وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضَيْمٌ، والضيم أصله الظلم، وهذا الضيم يَلْحَق الرائي من وجهين:
أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضًا.
والثاني: من تأخُّره عن مقام الناظر المحقِّق، فكأن المتقدمين ضامُوه، ورؤية اللَّه ﷿ يستوي فيها الكلّ، فلا ضَيْمَ، ولا ضرر، ولا مشقّة. انتهى (^١).
وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنِ استَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بصيغة المجهول، وكلمة "أن" مصدرية، والتقدير من أن لا تغلبوا، أي من الغلبة بالنوم، والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال في "الفتح": فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة، كالنوم، والشغل، ومقاومةُ ذلك بالاستعداد له. انتهى (^٣).
(عَلَى صَلَاةٍ) متعلّق بـ "تُغلبوا" (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ظرف متعلّقٌ بـ "صلاة" (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا") وقوله: (يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ) أي يريد بقوله: "على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها" صلاة العصر والفجر، وهذه العناية من باب الرواة، ولم يبيّن لي من هو؟، ولابن مردويه من وجه آخر، عن إسماعيل: "قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر".
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٤١ - ٤٢.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٤٢.
(٣) "الفتح" ٢/ ٤١.
[ ١٤ / ٣٣ ]
[تنبيه]: جواب "إن" محذوف في رواية المصنّف، وقد ذُكر عند البخاريّ، ولفظه: "فافعلوا"، أي افعلوا عدم الغلبة، وهو كناية عما ذُكِر من الاستعداد، ووقع في رواية شعبة عن إسماعيل عند ابن مروديه: "فلا تغفلوا عن صلاة. . . "، الحديث، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "فافعلوا" أي الصلاة في هذين الوقتين.
وقال الكرمانيّ: [فإن قلت]: ما المراد بلفظ: "افعلوا"؛ إذ لا يصحّ أن يراد افعلوا الاستطاعة، أو افعلوا عدم المغلوبية؟.
[قلت]: عدمُ المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة؛ لأنه لازم الإتيان، فكأنه قال: فأتوا بالصلاة، فاعلين لها. انتهى.
فتعقّبه العينيّ، فقال: لو قدَّر مفعول "افعلوا" مثل ما قدّرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا فرق بين ما قاله الكرمانيّ، وما تعقّبه به العينيّ، فإن حاصلها واحد، فلا وجه للتعقّب، وغايته أن الكرمانيّ: بيّن طريق تقدير المفعول المحذوف، فأفاد، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن بطال: قال المهلب: قوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة": أي في الجماعة، قال: وخَصَّ هذين الوقتين؛ لاجتماع الملائكة فيهما، ورفعهم أعمال العباد؛ لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
قال الحافظ -﵀-: وعُرِف بهذا مناسبة إيراد حديث: "يتعاقبون" عقب هذا الحديث (^٢)، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة، وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديثَ أُخَر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردًا؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما، أَعَمَّ من كونه جماعةً أو لا (^٣).
(ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ) أي ابن عبد اللَّه الصحابيّ الراوي للحديث -﵁-، هكذا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤١.
(٢) يعني في "صحيح البخاريّ"، وأما في "صحيح مسلم"، فقدّم حديث: "يتعاقبون إلخ"، فتنبّه.
(٣) "الفتح" ٢/ ٤١.
[ ١٤ / ٣٤ ]
وقع التصريح في رواية المصنّف بأن الذي قرأ هو جرير -﵁-، ولم يقع في رواية البخاريّ، ولفظه: "ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. . . إلخ"، فقال في "الفتح": قوله: "ثم قرأ" كذا في جميع روايات "الجامع"، وأكثر الروايات في غيره بإبهام فاعل: "قرأ"، وظاهره أنه النبيّ -ﷺ-، لكن لم أر ذلك صريحًا، وحَمَله عليه جماعة من الشراح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا غريب من الحافظ -﵀-، فكيف يقول: وظاهره أنه النبيّ -ﷺ-، مع التنصيص الواضح في رواية المصنّف أنه جرير؟، وكذلك وقع التنصيص عليه في رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد (^١)، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أمر من التسبيح، والمراد به الصلاة (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾) قال العلماء: وجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية، أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبتٌ لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذُكِر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال، وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يُجَازَى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى اللَّه تعالى.
وقيل: لَمّا حُقِّق رؤية اللَّه تعالى برؤية القمر والشمس -وهما آيتان عظيمتان، شُرِعت لخسوفهما الصلاة والذكر- ناسب مَن يُحبّ رؤيةَ اللَّه تعالى أن يحافظ على الصلاة عند غروبها، ولا يخفى بُعْدُه وتكلفه، قاله في "الفتح" (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليها المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد اللَّه البجليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) راجع: "مسند أبي عوانة" ١/ ٣١٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ٤٢.
[ ١٤ / ٣٥ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٤٣٥ و١٤٣٦] (٦٣٣)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٥٤ و٥٧٣)، و"التفسير" (٤٨٥١)، و"التوحيد" (٧٤٣٤ و٧٤٣٥)، و(أبو داود) في "السنّة" (٤٧٢٩)، و(الترمذيّ) في "صفة الجنّة" (٢٥٥١)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٧٧)، و(النسائيّ) في "التفسير" وفي "الكبرى" (٦/ ٤٠٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٩٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٠ و٣٦٥ و٣٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٤٢ و٧٤٤٣ و٧٤٤٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٩٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢٢٧)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٦٧ - ١٦٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١١ و١٤١٢)، و(ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٤٤٦ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٤٩ و٤٦١)، و(عبد اللَّه بن أحمد) في "السنّة" (٢١٩ و٢٢١ و٢٢٥ و٢٢٦ و٢٢٧)، و(الآجرّيّ) في "التصديق بالنظر" (٢٣ و٢٤ و٢٥)، و(اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٨٢٥ و٨٢٦ و٨٢٨ و٨٢٩)، و(البيهقيّ) في "الاعتقاد" (ص ١٢٨ - ١٢٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٨ و٣٧٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى عظَم قدر هذين الصلاتين، وأنهما أشرف الصلوات الخمس، ولهذا قيل في كلّ منهما: إنها الصلاة الوسطى، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه، قاله ابن رجب -﵀- (^١).
وقال في "العمدة": فيه زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأن وقت صلاة الصبح وقتُ لذّة النوم، كما قيل: ألذُّ الكرى عند الصباح يطيب، والقحِام فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، ووقتُ صلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات، وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظٌ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فَلَأن يحافظ على غيرها بالطريق الأولى. انتهى (^٢).
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٢٣.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٤٤.
[ ١٤ / ٣٦ ]
٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ -﵀-: قوله: "فافعلوا"، هذا يدلّ على أن الرؤية قد يُرْجَى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى، وقد يُستَشهَد لذلك بما أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر يرفعه، قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً. . . " فذكر الحديث، وفيه: "وأكرمهم على اللَّه مَن ينظر إلى وجهه غدوة وعشية"، وفي سنده ضعف، قاله في "الفتح" (^١).
٤ - (ومنها): أنه قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقب ذكر الرؤية: إن أعلى ما في الجنّة رؤية اللَّه ﷿، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال هاتان الصلاتان، فالمحافظة عليهما يُرجى بها دخول الجنّة، ورؤية اللَّه ﷿ فيها كما في الحديث الآخر: "من صلّى البردين دخل الجنّة".
وقيل: هو إشارة إلى أن دخول الجنّة إنما يحصُل بالصلاة مع الإيمان، فمن لا يصلي فليس بمسلم، ولا يدخل الجنّة، بل هو من أهل النار، ولهذا قال أهل النار لَمّا قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدّثر: ٤٢ - ٤٣].
ويظهر وجه آخر في ذلك، وهو أن أعلى أهل الجنّة منزلةً من ينظر إلى وجه اللَّه ﷿ مرّتين بُكرةً وعشيًّا، وعموم أهل الجنّة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد.
والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما، ووضوئهما، وخشوعهما، وآدابهما يُرجى به أن يوجب النظر إلى اللَّه ﷿ في الجنّة في هاتين الوقتين، ويدلّ على هذا ما رَوَى ثُوير بن أبي فاختة قال: سمعت ابن عمر -﵄- يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن في الجنّة منزلةً لَمَنْ ينظر إلى جنّاته، وأزواجه، ونعيمه، وخَدَمه، وسُرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على اللَّه من يَنظُر إلى وجهه غدوةً وعشيًّا، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] "، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وهذا لفظه، وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عمر، وثُويرٌ فيه ضعفٌ.
وقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميّ مرفوعًا أيضًا، وفي
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤١.
[ ١٤ / ٣٧ ]
إسناده ضعف، وقاله غير واحد من السلف، منهم: عبد اللَّه بن بُريدة وغيره.
فالمحافظة على هاتين الصلاتين يكون سببًا لرؤية اللَّه في الجنّة في مثل هذين الوقتين، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية اللَّه في يوم المزيد في الجنّة، كما قال ابن مسعود: "سارعوا إلى الجمعات، فإن اللَّه يبرُزُ لأهل الجنّة في كلّ جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في الدنوّ على قدر تبكيرهم إلى الجمعات"، ورُوي عنه مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه، ذكر هذا كلّه الحافظ ابن رجب في "شرح البخاريّ" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب -﵀-: هذا الحديث نصّ في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ومفهوم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، قال الشافعيّ وغيره: لَمّا حَجَبَ أعداءه في السخط دلّ على أن أولياءه يرونه في الرضا.
والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، في "الصحيحين" وغيرهما.
وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة، وأتباعهم، وإنما خالف فيه طوائف من أهل البدع من الجهميّة، والمعتزلة، ونحوهم، ممن يردّ النصوص الصحيحة لخَيالات فاسدة، وشُبُهات باطلة يُخيِّلها لهم الشيطان، فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، وتسمّيه تشبيهًا، أو تجسيمًا، فينفرون منه، كما خَيَّل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الربّ، وأنه لا يُتوصّل إليه من غير وسائطَ تُعبَد، فتقرِّب إليه زُلْفًا، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بني آدم، فاستجابوا لذلك، وقَبِلوه منه، وإنما بحث اللَّه الرسل، وأنزل الكتب لإبطال ذلك كلّه، فمن اتّبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه، أو عن شيء منه، واعتَرَضَ، فقد ضلّ.
قال: وقد ظنّ المريسيّ ونحوه ممن ضلّ وافترى على اللَّه أن هذا
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
[ ١٤ / ٣٨ ]
الحديث يُردّ لما يتضمّن من التشبيه، فضلّ وأضلّ، واتّفق السلف الصالح على تلقّي هذا الحديث بالقبول والتصديق، قال يزيد بن هارون: من كذّب بهذا الحديث، فهو بريء من اللَّه ورسوله -ﷺ-، وقال وكيعٌ: من ردّ هذا الحديث، فاحسَبُوه من الجهميّة، وكان حسين بن عليّ الجعفيّ إذا حدّث بهذا الحديث قال: زعم المريسيّ (^١). انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا.
وقال في "العمدة": استَدَلّ بهذه الأحاديث، وبالقرآن، وإجماع الصحابة، ومن بعدهم على إثبات رؤية اللَّه في الآخرة للمؤمنين، وقد رَوَى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًّا، وقال أبو القاسم: رَوَى رؤية المؤمنين لربهم ﷿ في القيامة أبو بكر، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعُبادة بن الصامت، وبُريدة بن حُصيب، وجُنادة بن أبي أمية، وفَضالة بن عُبيد، ورجل له صحبة بالنبيّ -ﷺ-، ثم ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جَيِّد.
وذكر أبو نعيم الحافظ في "كتاب تثبيت النظر" أبا سعيد الخدريّ، وعُمارة بن رؤيبة، وأبا رَزِين العُقَيليّ، وأبا برزة، وزاد الآجُريّ في "كتاب الشريعة"، وأبو محمد عبد اللَّه بن محمد المعروف بأبي الشيخ في "كتاب السنة الواضحة"، تأليفهما: عديَّ بن حاتم الطائيّ بسند جيّد.
والرؤية مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفّار، وقيل: يراه منافقو هذه الأمة، وهذا ضعيف، والصحيع أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء، وعن ابن عمر، وحذيفة: "مِن أهل الجنة مَن ينظر إلى وجهه غُدوةً وعشيةً".
ومَنَعَ من ذلك المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة، واحتجُّوا في ذلك بوجوه:
[الأول]: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية.
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعل المعنى: أي قال قولًا باطلًا حيث أنكره.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣١٩ - ٣٢٠.
[ ١٤ / ٣٩ ]
[الثاني]: قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و"لن" للتأبيد، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبتٌ في حقّ موسى ﵇ عدم الرؤية ثبت في حقّ غيره.
[الثالث]: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فالآية دَلَّت على أن كل من يتكلم اللَّه معه، فإنه لا يراه، فإذا ثبتٌ عدم الرؤية في وقت الكلام، ثبت في غير وقت الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
[الرابع]: أن اللَّه تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلَّا وقد استعظمه، وذَمّ عليه، وذلك في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥].
[الخامس]: لو صحت رؤية اللَّه تعالى لرأيناه الآن، والتالي باطل، والمقدَّم مثله.
ولأهل السنة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة، قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، فهذا يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين.
والجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أن المراد من الإدراك الإحاطة، ونحن أيضًا نقول به.
وعن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أنّا لا نسلم أن "لن" تدلّ على التأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع أنهم يتمنونه في الآخرة.
قال ابن مالك -﵀-:
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِـ "لَنْ" مُؤَبَّدَا … فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
وعن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية [الشورى: ٥١] أن الوحي كلام يُسْمَع بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلم محجوبًا عن نظر السامع، أو غير محجوب عن نظره.
وعن قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ الآية [البقرة: ٥٥] أن الاستعظام لِمَ لا
[ ١٤ / ٤٠ ]
يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنت والعناد؟، بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك.
والجواب عن قولهم: لو صحت رؤية اللَّه تعالى. . . إلخ أن عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإن قالوا: الرؤية لا تتحقق إلا بثمانية أشياء: سلامة الحاسّة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي مقابلًا للرائي، أو في حكم المقابل، فالأول كالجسم المحاذي للرائي، والثاني كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العَرَض لا يكون مقابلًا للجسم، ولكنها حالّة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وأن لا يكون المرئيّ في غاية القرب، ولا في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية الصِّغَر، ولا في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب.
قلنا: الشرائط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام، واللَّه تعالى ليس بجسم فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلَّا أمران: سلامة الحاسّة، وكونه بحيث يصحّ أن يُرَى وهذان الشرطان حاصلان. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره صاحب "العمدة" في الردّ على نفاة رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، إلا أن قوله: "واللَّه تعالى ليس بجسم" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يأت نصّ في جواز إطلاق الجسم على اللَّه تعالى، ولا في منعه، فلا ينبغي الخوض فيه، فتنبّه.
وقد ذكر العلامة ابن أبي العزّ -﵀- في "شرح العقيدة الطحاويّة" بحثًا نفيسًا في مسألة الرؤية، بما يكفي ويشفي، فراجعه تستفد علمًا جمًّا (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٤٣.
(٢) راجع: "شرح العقيدة الطحاويّة" لابن أبي العزّ (ص ١٨٩ - ٢٠١).
[ ١٤ / ٤١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ (^١): "أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ، فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ"، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ، وَلَمْ يَقُلْ: جَرِيرٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة، تقدّم قبل باب.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) هكذا النسخ، بدون ذكر إسماعيل بن أبي خالد، وهذا خلاف عادته، وذلك أنه إذا أحال بقيّة الإسناد ذكر الشيخ الذي تلتقي فيه الأسانيد، ولعلّه هنا سقط من النسّاخ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ) وفي نسخة: "قال" بدون واو، والظاهر أن الفاعل ضمير شيخه أبي بكر بن أبي شيبة.
وقوله: (سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، قال في "القاموس": عَرَضَ له كذا يَعْرِضُ: ظهر عليه، وبدا، كعَرِضَ، كسَمِعَ، والشيءَ له: "أظهر له، وعليه" أراده إيّاه، والْعُودَ على الإناء، والسيفَ على فخذه يَعْرِضُهُ وَيَعْرُضُهُ فيهما، والجندَ عَرْضَ عَيْنٍ: أمرَّهُم عليه، ونظر حالهم. انتهى باختصار (^٢).
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل، ساقها الترمذيّ -﵀-، فقال:
(٢٤٧٤) حدّثنا هنّاد، حدّثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه البجليّ، قال: كنا جلوسًا عند النبيّ -ﷺ-، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم ستُعْرَضون على ربكم،
_________________
(١) وفي بعض النسخ: "قال" بدون واو.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٣٤.
[ ١٤ / ٤٢ ]
فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ فـ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [ق: ٣٩]، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية أبي أسامة، فساقها أبو داود في "سننه" مقرونًا بجرير بن عبد الحميد، ووكيع، فقال:
(٤٧٢٩) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، ووكيع، وأبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- جلوسًا، فنظر إلى القمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة، فقال: "إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ هذه الآية فـ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. انتهى.
وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه -﵀-، مقرونًا بوكيع، وأبي معاوية، فقال:
(١٧٧) حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، ووكيع (ح) وَحدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا خالي يعلى، ووكيع، وأبو معاوية، قالوا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: كنّا جلوسًا عند رسول اللَّه -ﷺ-، فنظر إلى القمر ليلة البدر، قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٧] (٦٣٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابنِ
[ ١٤ / ٤٣ ]
أَبِي خَالِدٍ، وَمِسْعَرٍ، وَالْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (الْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ) هو: البَخْتَريّ بن أبي البَخْتَريّ -بفتح الموحّدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثنّاة، وكسر الراء- واسم أبيه المختار بن رُوَيح العبديّ البصريّ، صدوق [٦].
رَوَى عن أبي بكر، وأبي بُردة ابني أبي موسى الأشعريّ، وأبي بكر بن عُمارة، وغيرهم.
ورَوى عنه شعبة، وعيسى بن يونس، ووكيع، وابن أخيه محمد بن بِشر بن الفُرَافِصَة بن المختار العبديّ، وغيرهم.
قال شعبة: كان كخير الرجال، وقال وكيع: كان ثقةً، وقال ابن المديني: ثقةٌ، وقال البخاري: يُخَالِف في بعض حديثه، وقال ابن عديّ: ليس له كثير رواية، ولا أعلم له حديثًا منكرًا.
قال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٤٨).
قال الحافظ الْمِزّيّ -﵀-: فَرَّق في الأصل -يعني صاحب الكمال- بين البختريّ بن أبي البختريّ، والبختريّ بن المُخْتَار، وهما واحد، والحديث الذي أخرجاه -يعني مسلمًا والنسائي- وهو من رواية وكيع عنه، عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة.
قال الحافظ -﵀-: قد سبقه إلى التفرقة بينهما البخاريّ وابن حبان في
[ ١٤ / ٤٤ ]
"الثقات"، فذكر ابن أبي البختريّ في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: البختريّ بن المختار؛ كان يُخطئ، وأَرَّخ وفاته كما قال عمرو بن عليّ. اهـ.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) -براء وموحّدة مصغّرًا- الثقفيّ الكوفيّ، ثقةٌ (^١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه مِسْعَر بن كِدَام، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم.
وثقه ابن حبان، وقال الذهبيّ في "الكاشف": ثقةٌ (^٢).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٦ - (أَبُوهُ) عُمارة بن رُؤَيبة الثقفيّ، أبو زُهَير، صحابيّ نزل الكوفة، وتأخّر إلى ما بعد الستين.
وفي "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤١٦): رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عليّ -﵁-، ورَوى عنه ابنه أبو بكر بن عُمارة، وأبو إسحاق السَّبِيعِيّ، وعبد الملك بن عُمَير، وحُصَين بن عبد الرحمن.
قال الحافظ -﵀-: الراوي عن عليّ آخَرُ غيره؛ وبيان ذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في "الجرح والتعديل": عُمَارَةَ بن رُويبة رَوَى عن عليّ بن أبي طالب أنه خَيَّره بين أبيه وأمه، وهو صغير، فاختار أمَّه، رَوَى عنه يونس الْجَرميّ، فتبيّن أنه غيره، الصحابيّ، ثقفيّ، والراوي عن عليّ جَرْميّ، ولأن الذي رَوَى عن عليّ كان صغيرًا في زمن عليّ، فليس بصحابيّ. واللَّه أعلم. انتهى.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله عندهم حديثان فقط (^٣)، هذا الحديث عند المصنّف، برقم (٦٣٤) وأعاده بعده، وعند أبي داود برقم (٤٢٧) وعند النسائيّ برقم (٤٧١ و٤٨٧)، وحديث: "رأيت رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) قال في "التقريب": مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم في الأصول، فهو ثقةٌ عنده، ووثّقه ابن حبّان، والذهبيّ، فتنبّه.
(٢) "الكاشف" ٣/ ٣١٦.
(٣) له تسعة أحاديث، انفرد مسلم بحديثين. انتهى. "قرّة العين" (ص ٣٢٥).
[ ١٤ / ٤٥ ]
ما يزيد على أن يقول بيده. . . " عند المصنّف برقم (٨٧٤) وعند أبي داود برقم (١١٠٤) وعند النسائيّ برقم (١٤١٢).
والباقون تقدّموا قبله، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلا شيخه إسحاق، فمروزيّ، والبَخْتَريّ فبصريّ.
٣ - ومنها: أن صحابيّه -﵁- من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديثان فقط، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ) بضم الراء، بعدها همزة، وتُبدل واوًا (عَنْ أَبِيهِ) عُمارة بن رُؤيبة -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى) وفي الرواية التالية: "لا يلج النار من صلّى" (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، يَعْنِي) أي يقصد بهذا (الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ) أي داوم على أداء صلاتهما، قال القرطبي -﵀-: أي لن يدخل النار من عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين ببركة المداومة عليهما. انتهى (^١).
وقال في "المنهل": المراد أنه لا يدخلها أصلًا للتعذيب، بل يدخلها أو يَمُرُّ عليها تَحِلَّةَ القسمِ، وهذا إذا وُفِّقَ لِبَقِيَّةِ الأعمال، أو لا يدخلها على وجه التأبيد، وهذا لا ينافي أنه قد يُعَذَّبُ؛ لما في حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أتدرون من المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ له، ولا مَتَاعَ، فقال: "إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦٢.
[ ١٤ / ٤٦ ]
حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار"، رواه مسلم (^١). انتهى (^٢).
وإنما خَصَّ هاتين الصلاتين بالذكر؛ لأن وقتَ الصبح وقتُ لَذَّةِ النوم، والقيامُ فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، ووقتُ العصر وقتُ قوَّةِ الاشتغال بالتجارة أو غيرها، فلا يَتَفَرَّغُ للصلاة فيه إلا مَن كان قَوِيَّ الإيمان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ الآية [النور: ٣٧].
فالمسلم إذا حافَظَ على هاتين الصلاتين مع ما فيه من التثاقل والتشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشَدَّ، ولأن الوقتين مشهودان، تشهدهما ملائكة الليل، وملائكة النهار، وتُرْفَعُ فيهما الأعمال إلى اللَّه تعالى، فبالحَرِيِّ أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلًا، ويدخل الجنة؛ لصيرورة ذلك مكفرًا لذنوبه، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر، ولكن فضل اللَّه واسع.
وقيل: خُصَّتَا بالذكر؛ لأن أكرم أهل الجنة على اللَّه من ينظر إلى وجهه غَدْوَةً، وعَشِيَّةً، كما في حديث ابن عمر -﵄- عند أحمد، والترمذيّ (^٣).
(فَقَالَ لَهُ) أي لعُمارة بن رؤيبه -﵁- (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) اسمه إسماعيل، كما بيّنه في "الإصابة"، ونصّه:
(١٤٠) إسماعيلُ رجل من الصحابة، نزل البصرة، رَوَى مسلم من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومِسْعَر بن كِدام، والْبَخْتريّ بن المختار، والنسائيّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، ومسلم أيضًا من طريق عبد الملك بن عُمير، كلهم عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يلج النار رجل صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في "كتاب البرّ والصلة" برقم (٢٥٨١).
(٢) "المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" ٤/ ٧.
(٣) راجع: "المرعاة في شرح المشكاة" ٢/ ٣٣١.
[ ١٤ / ٤٧ ]
ورَوَيناه في خبر عبد اللَّه الجابريّ (^١) قال: حدّثنا ابن أبي المثنى، حدّثنا جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة، قال: جاء شيخ من أهل البصرة إلى أبي، فقال: حدِّثنا ما سمعت من رسول اللَّه -ﷺ-، فذكره، فقال الشيخ: أنت سمعته؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقال الشيخ: وأنا سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقوله، وما علمت أحدًا وافقني عليه.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (^٢) عن بُندار، عن يزيد بن هارون، عن إسماعيل، فقال فيه: شيخٌ من أهل البصرة، يقال له: إسماعيل، أخرجه ابن منده، عن إبراهيم بن محمد، عن ابن خزيمة.
ولا نَعْرِف تسمية هذا الشيخ إلا في هذه الرواية، وهي رواية صحيحة، واللَّه أعلم. انتهى (^٣).
(آنْتَ) بالمدّ، أصله "أأنت" بهمزتين، أولاهما همزة الاستفهام، فأبدلت الثانية مدًّا، ويجوز تحقيقها (سَمِعْتَ هَذَا) الحديث (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ) عمارة -﵁- (نَعَمْ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "قال: نعم سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، حتّى ردّد عليه ثلاثًا"، وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "قال: نعم، أشهد لسمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، سمعته أذناي، ووعاه قلبي" (قَالَ الرَّجُلُ) البصريّ (وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-)، وقوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أشار إلى دفع المجاز في السماع، وذلك بأن يسمعه عن شخص سمعه منه -ﷺ-، ثم يسنده إليه تجوّزًا، وقوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أشار به إلى أنه لم ينسه منذ أسمعه منه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) هكذا نسخة "الإصابة" "في خبر" بالخاء، والباء، ولعل الصواب في "جزء عبد اللَّه الجابريّ" بالجيم والزاي، فليُحرّر، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) لا يوجد في النسخة المطبوعة من "صحيحه" ١/ ١٦٤، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم.
(٣) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٦٥.
[ ١٤ / ٤٨ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رُؤَيْبَةَ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٤٣٧ و١٤٣٨] (٦٣٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٤٧١ و٤٨٧)، وفي "الكبرى" (٣٥٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨٦١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٣٦ و٢٦١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٨ و٣١٩ و٣٢٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٨ و١٧٤٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٣ و١١١٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٣ و١٤١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٢ و٣٨٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وهو بيان فضل صلاتي العصر والفجر، والمحافظة عليهما.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من حرصهم على طلب العلم، والتثبّت في نقله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ (^٢) هَذَا مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟، قَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِهِ (^٣) عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "فقال: أنت سمعت".
(٣) وفي نسخة: "قال: نعم، وأشهد به".
[ ١٤ / ٤٩ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ) واسمه نَسْر (^١) الكرمانيّ كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) هو أبو بكر المذكور في السند الماضي.
وقوله: (لَا يَلِجُ النَّارَ) "لا" هنا نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها.
وقوله: (بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ) ظاهره أنه سمعه مع عمارة في مكان واحد، فعلى هذا يكون قوله: "أنت سمعته. . . إلخ" من باب التأكيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٩] (٦٣٥) - (وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي (^٢) أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبةُ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
_________________
(١) بفتح النون، وسكون السين المهملة.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٥٠ ]
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٣ - (أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ) نصر بن عمران بن عِصَام البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٤ - (أَبُو بَكْر) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عمرو، أو عامر الكوفيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بُردة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
[تنبيه]: اختُلف في أبي بكر هذا، هل هو ابن أبي موسى، أو هو أبو بكر بن عُمارة المذكور في الحديث الماضي؟.
فصنيع الشيخين أنه الأول، فأما المصنّف فقد صرّح في الطريق التالية بأن بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم نسبا أبا بكر، فقالا: ابن أبي موسى.
فهذا يدل على أن المصنّف -﵀- يرى ترجيح كون أبي بكر هنا هو أبا بكر بن أبي موسى الأشعريّ، لا أبا بكر بن عمارة.
وأما البخاريّ، فقد أخرجه عن هُدْبة بن خالد بسند المصنّف، وفيه: عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، ثم قال: وقال ابن رجاء: حدّثنا همّام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس أخبره بهذا، ثم رواه من طريق حَبّان بن هلال، وفيه: عن أبي بكر بن عبد اللَّه، عن أبيه. انتهى.
قال في "الفتح": أبو بكر هو ابن أبي موسى الأشعريّ، بدليل الرواية التي بعده، حيث وقع فيها أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس، وعبد اللَّه بن قيس هو أبو موسى، وقد قيل: إنه أبو بكر بن عُمارة بن رُويبة، والأول أرجح.
وقال أيضًا: فاجتمعت الروايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد اللَّه، فهذا بخلاف مَن زَعَم أنه ابنُ عُمارة بن رُويبة، وحديث عمارة أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، لكن لفظه: "لن يلج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحدًا، فالصواب أنهما حديثان. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما أبو بكر فقد أشار البخاريّ إلى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ عبدِ اللَّه بن قيس، واستشهَدَ له بشيئين:
[ ١٤ / ٥١ ]
[أحدهما]: رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقًا عنه، عن همّام، عن أبي جمرة أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس أخبره.
[والثاني]: أنه أسنده من رواية حَبّان بن هلال، عن همّام، ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد اللَّه - وهو ابن أبي موسى، عبد اللَّه بن قيس.
وأخرجه مسلم من طريق بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم قالا: ثنا همّام بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابنُ أبي موسى.
قال: وإنما احتيج إلى هذا؛ لاختلافٍ وقع بين الحفّاظ في نسبة أبي بكر هذا.
فمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرُّف الشيخين في "صحيحيهما" يدلّ على ذلك.
ومنهم من قال: هو أبو بكر بن عُمَارة بن رؤيبة، واستدلُّوا بما أخرجه مسلم من رواية وكيع، عن ابن أبي خالد، ومشعَرٍ، والبَخْتريّ بن المختار، سمعوا من أبي بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس. . . " الحديث.
فمن هنا قال بعضهم: أبو بكر الذي روى عنه أبو جمرة هو ابن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه عُمارة بن رؤيبة؛ لأن معنى الحديثين متقارب.
قال ابن أبي خيثمة في "كتابه": سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي رَوَى حديث البردين من أبوه؟ قال: يَرَون أنه أبو بكر بن أبي موسى، فلذلك استغربوه، قال: فقال له أبي: يُشبه أن يكون أبا بكر بن عُمارة بن رؤيبة؛ لأنه يروي عن أبيه عُمارة: "من صلَّى قبل الغداة، وقبل غروب الشمس".
وقال صالح بن محمد، عن عليّ ابن المدينيّ: هو عندي أبو بكر بن عُمارة؛ لأن معنى الحديثين واحدٌ، قيل له: إن أبا داود الطيالسيّ، وهُدبة نسباه، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يَضبِط هذا، حدّثناه بهزٌ وحَبّان، ولم ينسباه.
قال أبو بكر الخطيب: قد نسبه جماعة عن همّام، منهم بشر بن السريّ، وعبد اللَّه بن رجاء، وعمرو بن عاصم، وللناسب فضلُ تَعَرُّفٍ وبيانٍ على من لم ينسبه، قال: وكان عفّان ينسبه كذلك حتى قال له بُلْبُلٌ، وعليّ ابن المدينيّ: إنه
[ ١٤ / ٥٢ ]
أبو بكر بن عُمارة، فترك نسبته، وقال: عن أبي بكر، عن أبيه (^١).
ونَقَل الْبَرْقَانيّ، عن الدارقطنيّ أنه كان يقول: هو أبو بكر بن عُمارة بن رؤيبة.
وعن الإسماعيليّ، عن مطيَّن مثله.
وقال أبو الحسن الْعَقِيليّ (^٢): اختُلف فيه، فالأقوى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، ويقال: هو أبو بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، وكذلك قال مطيَّنٌ، وإليه يميل شيخنا أبو الحسن -يعني الدارقطنيّ -﵀-. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن أبا بكر هنا هو ابن أبي موسى الأشعريّ؛ لأمور:
[أحدها]: اتفاق الشيخين على ترجيح هذا.
[الثاني]: أن الذين نسبوه ثقات حفّاظ، يُعتمد على زيادتهم، وهم: حَبّان بن هلال، وعبد اللَّه بن رجاء، عند البخاريّ، وبشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم عند المصنّف، فزيادة هؤلاء مقبولة، ولا يضرّهم من لم ينسبه؛ فمن حفظ حجة على من لم يحفظ.
[الثالث]: أن الذين رجّحوا كونه ابن عُمارة حجتهم كون الحديث هذا بمعنى حديث ابن عمارة الماضي، وهذا لا يكفي حجةً، فكم من أحاديث تتشابه بمعناها، وتكون أسانيدها مختلفة.
_________________
(١) وعبارة أبي عوانة في "مسنده" (١/ ٣١٥): قال عفّان: كان همّام قال لنا: عن أبي بكر بن أبي موسى، فقال لي بلبل، وعليّ ابن المدينيّ: إنما هو عن أبي بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، فأنا أقول: أبو بكر، عن أبيه، وقال حبّان: عن أبي بكر بن عبد اللَّه، عن أبيه. انتهى.
(٢) هو: عيسى بن زيد بن عيسى بن زيد بن محمد بن عَقِيل، بفتح العين الأديب الشافعيّ، مترجم في "الأنساب" للسمعانيّ ٤/ ٢١٨، وهو غير أبي جعفر الْعُقيليّ، صاحب الضعفاء.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٤١٦ - ٤١٩.
[ ١٤ / ٥٣ ]
والحاصل أن كونه ابن أبي موسى هو الأرجح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أَبُوهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى أبي بكر، وهو وأبوه كوفيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي جمرة، عن أبى بكر، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى همّام، وهدّاب.
٥ - (ومنها): أن هدّابًا يقال له هُدْبة -بضمّ، فسكون- واختلف في أيهما الاسم، وأيهما اللقب؟.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، أمّره عمر، ثم عثمان -﵁-، وهو أحد الحَكَمين بصفّين، وكان حسن الصوت بالقرآن، فقد أخرج الشيخان أنّ النبيّ -ﷺ- قال له لَمّا سمع قراءته: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، وفي رواية لمسلم قال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرٍ) تقدّم الخلاف في اسمه قريبًا (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ) تثنية بَرْد -بفتح الباء الموحّدة، وسكون الراء- والمراد بهما: صلاة الفجر والعصر.
قال القرطبي: قال كثير من العلماء: البردان: الفجر والعصر، وسمّيا بذلك؛ لأنهما يفعلان في وقت البرد.
وقال الخطابيّ: لأنهما يصليان في بردي النهار، وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب سَوْرَة الْحَرّ.
[ ١٤ / ٥٤ ]
وقال السفاقسيّ -﵀- عن أبي عبيدة: المراد الصبح والعصر والمغرب، وفيه نظر؛ لأن المذكور تثنية، ومع هذا لم يتبعه على هذا أحد.
وقال في "الفتح": المراد صلاة الفجر والعصر، ويدلّ على ذلك قوله في حديث جرير -﵁-: "صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها"، زاد في رواية لمسلم: "يعني العصر والفجر"، قال الخطابيّ: سمّيتا بردين؛ لأنهما تصليان في بردي النهار، وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب سَوْرة الحرّ.
ونقل عن أبي عبيد أن صلاة المغرب تدخل في ذلك أيضًا، وقال القزّاز في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات ما مُحَصَّله: إن "مَن" موصولة، لا شرطية، والمراد الذين صَلَّوهما أولَ ما فُرِضت الصلاة، ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس؛ لأنها فُرِضت أوّلًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشيّ، ثم فُرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين، لا عموم فيه.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، والأوجه أن "مَن" في الحديث شرطية، وقوله: "دَخَلَ الجنّةَ" جواب الشرط، وعَدَلَ عن الأصل، وهو فعل المضارع، كأن يقول: يدخل الجنة؛ إرادةً للتأكيد في وقوعه، بجعل ما سيقع كالواقع، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]. انتهى (^١).
وعبارة "العمدة": وزَعَم القَزّاز أنه اجتهد في تمييز هذين الوقتين؛ لعظم فائدتهما، فقال: إن اللَّه تعالى أدخل الجنة كلَّ مَن صلّى تلك الصلاة، ممن آمن به في أول دعوته، وبَشَّر بهذا الخبر أن مَن صلاهما معه في أول فرضه إلى أن نُسِخ ليلة الإسراء أدخلهم اللَّه الجنة، كما بادروا إليه من الإيمان؛ تفضلًا منه تعالى. انتهى.
قال العينيّ -﵀-: كلامه يؤدّي إلى أن هذا مخصوص لأناس معينين، ولا عموم فيه، وأنه منسوخ، وليس كذلك من وجوه:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٦٤ بزيادة الآية.
[ ١٤ / ٥٥ ]
(الأول): أن راويه أبا موسى سمعه في آواخر الإسلام، وأنه فَهِمَ العموم، وكذا غيره فَهِم ذلك؛ لأنه خير فضل لمحمد -ﷺ- ولأمته.
الثاني: أن الفضائل لا تُنْسَخ.
الثالث: أن كلمة "مَن" شرطية، وقوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) جواب الشرط، فكلُّ من أتى بالشرط، فقد استحقّ المشروط؛ لعموم كلمة الشرط.
ولا يقال: إن مفهومه يقتضي أن مَن لم يصلها لم يدخل الجنة؛ لأنا نقول: المفهوم ليس بحجة (^١).
وأيضًا فإن قوله: "دخل الجنة" خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن مَن صلاهما، وراعاهما انتَهَى عما ينافيهما، من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو يكون آخر أمره دخول الجنة.
وأما وجه التخصيص بهما، فهو لزيادة شرفهما، وترغيبًا في حفظهما؛ لشهود الملائكة فيهما. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: والبردان: صلاة الصبح والعصر؛ لأنهما تُصلّيان في برد النهار من أوله، وأما الظهر فتُسمّى الْهَجِير، كما في حديث أبي بردة؛ لأنها تُصلّى بالهاجرة، ويقال للعصر والفجر: العصران، كذلك رُوي عن النبيّ -ﷺ- من حديث فضالة الليثيّ، وأنه أوصاه بالمحافظة عليهما، أخرجه أحمد، وأبو داود.
وصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة اللَّه، كما في حديث جندب بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلّى الصبح، فهو في ذمة اللَّه، فلا تُخفروا اللَّه في ذمته"، رواه مسلم، وفي رواية له: "فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء، فيدركه، فيَكُبّه في نار جهنم".
وقد رُوي مثله في صلاة العصر أيضًا أخرجه نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" عن عبد العزيز الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، عمن حدّثه أن
_________________
(١) هذا مذهب العينيّ، وهو مذهب الحنفيّة، والجمهور يرون كونه حجة بشروط مذكورة في كتب الأصول، فتنبّه.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٧١ - ٧٢.
[ ١٤ / ٥٦ ]
رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من صلّى الصبح كان في جوار اللَّه حتى يُمسي، ومن صلى العصر كان في جوار اللَّه حتى يُصبح، فلا تُخفروا اللَّه في جِواره، فإنه من أخفر اللَّه في جواره طلبه اللَّه، ثم أدركه، ثم كبّه على منخره"، أي في جهنّم. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨/ ١٤٣٩ و١٤٤٠] (٦٣٥)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَنَسَبَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَا: ابْنُ أَبِي مُوسَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه البصريّ، سكن مكة، وكان
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب: ٤/ ٤١٩ - ٤٢٠.
[ ١٤ / ٥٧ ]
واعظًا، ثقةٌ متقن، طُعن فيه برأي جهم،، ثم اعتَذَر وتاب [٩] (ت ٥ أو ١٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (ابْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠.
٤ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عبيد اللَّه الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، في حفظه شيءٌ من صغار [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
و"همّام" ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية فيه، وفي "نَسَبَا" لبشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد همّام السابق، وهو: عن أبي جمرة، عن أبي بكر، عن أبيه.
[تنبيه]: رواية بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم، عن همّام هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٣٣) فقال:
(١٤١٥) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، من أصل كتابه، ثنا أبو شعيب الحرّانيّ، ثنا عفان، ثنا همام، عن أبي جمرة، وعبد اللَّه بن محمد بن حيان، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا هدبة بن خالد، ثنا همام، ثنا أبو جمرة (ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد الخزاعيّ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا همّام (^١)، عن أبي جمرة الضبعيّ، وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حمزة، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا همام، ثنا أبو جمرة الضبعيّ، عن أبي بكر، عن أبيه، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من صلّى البردين دخل الجنة"، لفظهم واحد.
قال عمرو بن عاصم: "عن أبي بكر بن أبي موسى"، وسمّاه، ونسبه إلى أبيه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا أفرد أبو نعيم عمرو بن عاصم بقوله: "عن أبي بكر بن أبي موسى"، وهو مخالف لما قاله المصنّف، حيث جعل معه
_________________
(١) وقع في النسخة: "حماد"، وهو غلط، فتنبّه.
[ ١٤ / ٥٨ ]
بشر بن السريّ، ولعله وقع المصنّف له عنهما جميعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.